Полный текст (311 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل
وكل امرئ ألفى أباه مقصرا ... عدو لأهل المكرمات الأفاضل
وإني شقي باللئام ولا أرى ... شقيا لهم إلا كريم الشمائل
* [قال الناظم] :
٦٦ - وليس في صلح الإمام الحسن ... باس فإنه لسر مكمن
٦٧ - كصلح جده نبي الرحمة ... صلحا رأى فيه صلاح الأمة
٦٨ - وقد رأى بالأمس خير ناصح ... صلح بني الأصفر للمصالح
٦٩ - لما تراءى مرض القلوب ... من رؤساء الجند في الحروب
أقول: إن قصة صلح الإمام الحسن رضي الله تعالى عنه مذكورة في
стр. 212
كتب الحديث
والسير بأتم وجه.
وقد ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري مفصلة، وهي شهيرة لا حاجة لنا إلى ذكرها.
وهي أول دليل على إسلام معاوية رضي الله تعالى عنه.
وقد روى المرتضى وصاحب الفصول المهمة من الإمامية: أنه لما انبرم
стр. 213
الصلح بينه رضي الله تعالى عنه وبين معاوية خطب فقال: إن معاوية نازعني حقا لي دونه، فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني، وتحاربوا من حاربني، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم. انتهى.
وفي هذا دلالة واضحة على إسلام الفريق المصالح، وأن المصالحة لم تقع
إلا اختيارا، ولو كان المصالح كافرا لما جاز ذلك، ولما صح أن يقال: فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة ... إلخ، فقد قال : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ .
* فقول الناظم: (وليس في صلح ... إلخ) كلمة حق أريد بها باطل. وقوله: (لسر ممكن ... إلخ) ليس له وجه، بل سر ذلك ظاهر لا يخفى إلا على من أعمى الله تعالى عين بصيرته؛ إذ قد صرح به الإمام في نفس خطبته، حيث قال: فنظرت الصلاح للأمة ... إلخ) ويدل على ذلك الحديث الصحيح، وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:
стр. 214
( «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» ) وفيه أيضا دلالة ظاهرة على إسلام الفريق المصالح.
* وقوله: (كصلح جده ... إلخ) قياس مع الفارق؛ فإن جده صلى الله تعالى عليه وسلم لم يول الكافرين على أمور المسلمين، بل هادنهم وتاركهم مدة، ثم قاتلهم حتى جاء نصر الله.
والإمام -بزعم الروافض- ولى ذلك من يعتقده الروافض كافرا
والعياذ بالله تعالى.
وفي فتح الباري شرح صحيح البخاري عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ :
(ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة؛ أما إذا كان الإسلام ظاهرا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا) .
* وقوله: (وقد رأى ... إلخ) كذلك قياس مع الفارق؛ إذ لم يكن في هذا الصلح تولية الكفار على المسلمين، بل كان فيه إجراء بعض الشروط التي طلبوها.
* وقوله: (لما تراءى ... إلخ) ليس كما زعم، فإن الجنود ورؤساءهم لم يألوا جهدا في جهادهم ولا قصروا في حروبهم؛ بل كان أمر الله قدرا
стр. 215
مقدورا. ولا يخفى ما في هذا الكلام من سوء الأدب في شأن رؤساء الجنود الإسلامية، والتجاسر على العساكر المحروسين بعين العناية الربانية.
ولا بدع في ذلك؛ فإنهم كم أجروا من الروافض الدماء، وقتلوا منهم الألوف، ويتموا الأولاد وأيموا النساء وسقوهم سم الحتوف، والوقائع معهم كثيرة، وقصص رزاياهم شهيرة:
ومن أشهرها: وقعة كربلاء في أيام نجيب باشا عليه الرحمة، وقد أرخها الشاعر الشهير السيد عبد الغفار الأخرس -رحمه الله تعالى- بقوله:
стр. 216
لقد خفقت في النحر ألوية النصر ... وكان انمحاق الرفض في ذلك النحر
وفتح عظيم يعلم الله أنه ... ليستصغر الأخطار من نوب الدهر
[علت كلمات الله وهي علية ... بحد العوالي والمهندة البتر]
تبلج دين الله بعد تقطب ... ولاحت أسارير العناية والبشر
محى الرفض صمصام الوزير كما محى ... دجى الليل في أضوائه مطلع الفجر
وكر البلا في كربلاء فأصبحت ... مواقف للبلوى ووقفا على الضر
стр. 217
غداة أبيدت مفسدي أهل كربلا ... وكرت مواضيه بها أيما كر
فدانت وما دانت لمن كان قبله ... من الوزراء السابقين إلى الفخر
وما أدركوا منها مراما ولا منى ... ولا ظفروا منها بلب ولا قشر
وحذرهم من قبل ذلك بطشه ... وأمهلهم شهرا وزاد على الشهر
وعاملهم هذا الوزير بعدله ... وحاشاه من ظلم وحاشاه من جور
وأنذرهم بطشا شديدا وسطوة ... وبالغ بالرسل الكرام وبالنذر
ولو يصبر القرم الوزير عليهم ... لقيل به عجز وما قيل عن صبر
стр. 218
وصال عليهم عند ذلك صولة ... ولا صولة الضرغام بالبيض والسمر
وصار بجيش والخميس عرمرم ... فكالليل إذ يسري وكالسيل إذ يجري
وقد فسدوا شر الفساد بملكه ... إلى أن أتاهم منه بالفتكة البكر
ومنهم بشهب الموت منه مدافع ... لها شرر في دجى الليل كالقصر
رأوا هول يوم الحشر في موقف الردى ... وهل تنكر الأهوال في موقف الحشر
стр. 219
فدمرهم تدمير عاد لكفرهم ... بصاعقة لم يبق للقوم من أثر
* إلى أن قال:
تجول المنال بينهم بجنودها ... بحيث مجال الحرب أضيق من شبر
تلاطم فيها الموج والموج من دم ... تلاطم موج البحر في لجة البحر
فلاذوا بقبر ابن النبي محمد ... وقد سر في تدميرهم صاحب القبر
فإن تركوا لا يترك السيف قتلهم ... وإن ظهروا باءوا بقاصمة الظهر
ولا برحت أيامه الغر غرة ... تضيء ضياء الشمس في طلعة الظهر
стр. 220
ولازال في عيد جديد مؤرخا ... فقد جاء يوم العيد بالفتح والنصر
ومتى رأى الروافض تشاغل المسلمين بالحروب مع أعداء الله انتهزوا الفرص، فأثاروا من عثير الفساد ما يغبر منه وجه البسيطة بلا اشتباه.
نسأل الله تعالى أن يطهر الأرض منهم.
* [قال الناظم] :
٧٠ كل باغ فاسق أو كافر ... ومن نفاه عنهما مكابر
أقول: البغي إن لم يكن عن دليل واجتهاد كبيرة كما سبق.
ومرتكب الكبيرة ليس بكافر كما هو مذهب أهل الحق الحقيق بالقبول؛ للآيات والأحاديث والآثار التي سبق بعض منها.
وكون مرتكب الكبيرة كافرا إنما هو مذهب الخوارج
стр. 221
والروافض ونحوهما، وقد فصلت هذه المسألة في كتب الكلام أتم تفصيل.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
* [قال الناظم] :
٧١ - وسب عمرو ويزيد عندنا ... ندب به نقول قولا معلنا
٧٢ - وإن من أنكره لمنكر ... وجدانه والأمر فيه أظهر
٧٣ - من ذا الذي يمنع سب من سبا ... آل النبي المصطفى واعجبا
٧٤ - سباهم سبي العبيد والإما ... لكفره كما به ترنما
стр. 222
٧٥ -وأمر عمرو طفحت به السير ... فشاع ما قد شاع فيه واشتهر
٧٦ - وكفره عند أولي الأبصار ... كالشمس في رابعة النهار
٧٧ - وفي ركونه إلى معاوية ... كفاية عن القضايا الباقية
أقول: الندب وما يرادفه كالمندوب، والأولى، والسنة، والمستحب، ونحو ذلك " ما يمدح فاعله ولا يذم تاركه "؛ لأنه الاقتضاء للفعل غير كف لا على سبيل الجزم، وهو أحد أقسام الحكم الذي هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف من حيث هو مكلف، اقتضاء جازما أو تخييرا. ولم يرد في شريعة من الشرئع التكليف بسب أحد والإثابة على ذلك فضلا عن شريعة الإسلام التي جاء بها خير الخلق عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام.
стр. 223
* فقول الناظم: (ندب ... إلخ) ظاهر البطلان، لا يحتاج في كذبه إلى بيان.
كيف لا؟ ! وفيه أيضا مخالفة لما ثبت عن الأمير كرم الله وحهه، في نهج البلاغة حيث قال، وقد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا وأصلح ذات بيننا وبينهم ... إلخ) .
стр. 224
وطنين ابن أبي الحديد بالتفرقة بين السب واللعن مما لا يصغى إليه؛ فإن اللعن أدهى من السب وأمر.
وسب عمرو رضي الله تعالى عنه على الوجه الذي لهج به الروافض كفر بلا شبهة؛ كسب باقي الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وما ورد في فضلهم من الآيات والأحاديث الصحيحة تثبت أنه كان من
стр. 225
أجلة أصحاب النبي ﷺ .
كيف لا وقد ثبت أنه لما أسلم كان ﷺ يقربه ويدنيه، وولاه غزاة ذات السلاسل. وأمده بأبي بكر وعمر وأبي
عبيدة ابن الجراح رضي الله تعالى عنهم.
ثم استعمله على عمان فمات
стр. 226
رسول الله ﷺ وهو أميرها.
ثم كان من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر رضي الله تعالى عنه.
وهو الذي افتتح قنسرين ومصر.
стр. 227
وصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكيا وولاه عمر فلسطين.
وقال إذ رآه يمشي: (ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا) .
وأخرج الإمام أحمد من حديث طلحة -أحد العشرة المبشرين- رفعه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ( «عمرو بن العاص من صالحي قريش» ) .
وكان شديد الحياء من رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 228
وسلم إلى غير
ذلك من فضائله التي يضيق عنها مثل هذا المقام.
وذكر الناظم لأخيه يزيد في هذا المقام، مما لا وجه له؛ لأنه قد اتفق الأجلة على جواز
стр. 229
لعنه لأفعاله القبيحة.
стр. 230
وتطاوله على أهل العترة الطاهرة.
ولعمري إن ما يفعله الروافض اليوم من التشبيه بأهل البيت والبهتان
عليهم ما يستقل لديه قبح فعل يزيد اللعين الطريد، وفضحوهم في كل سنة بمرأى من سائر الملل ومسمع.
هتكوا الحسين بكل عام مرة ... وتمثلوا بعداوة وتصوروا
стр. 231
ويلاه من تلك الفضيحة إنها ... تطوى وفي أيدي الروافض تنشر
وقد اعترف العقلاء منهم بقبح صنيعهم هذا، فأعلن بالإنكار عليهم فلم يلتفتوا إليه، كيف وقد صارت اليوم هذه القبائح مدار معاشهم، ومنتهى آمالهم، فلذا أظهروا للناس أنها من أحسن العبادات وأعظم الطاعات،
ورووا في فضلها أكاذيب زخرفوها ومفتريات صنفوها، ولولا ضيق المقام لبسطنا في إبطالها الكلام.
قوله: (من ذا الذي.... إلخ) في حق أخيه يزيد، ولا كلام لنا في ذلك الضال العنيد.
قوله: (وأمر عمرو ... إلخ) صحيح، ولكن طفحت بمناقبه وفضائله التي أشرنا إلى شذرة منها، وما ثبت في التواريخ لا يعول عليه أهل الحق.
قوله: (وكفره ... إلخ) مردود بما أسلفناه لك غير مرة، وتبين أن
стр. 232
القائل بذلك كافر كالشمس في رابعة النهار.
قوله: (وفي ركونه ... إلخ) لا يوجب تكفيره، بل ولا تفسيقه فإن حكمه حكم سائر من بغى على الأمير كرم الله تعالى وجهه، وهم مسلمون بشهادة علي كرم الله تعالى وجهه.
إذ صح عنه أنه قال فيهم: (إخواننا بغوا علينا) كما سبق وهو الذي يقتضيه معاملته رضي الله تعالى عنه لهم أحياء وأمواتا، كما لا يخفى على من راجع تواريخ الفريقين.
ثم إن قلنا: إن ما صدر من هاتيك الحروب، الجالية للكروب، كان صادرا عن اجتهاد لا عن حظ نفس وعناد، كما يدعو إليه الحث على حمل حال المسلم على الصلاح، لا سيما أمثال أولئك الأكابر، الذين سلف لهم ما سلف من المآثر، فهو مسلم صحابي عدل مجتهد مثاب، لكنه مخطئ فيما فعل من غير شك ولا ارتياب، إذ الحق مع علي يدور حيث ما دار.
وإن قلنا: إن ذلك كان عن حظ دني ومرام دنيوي، كما قد قيل ذلك -
стр. 233
إن حقا وإن كذبا- فهو ﵁ قد ندم على فعله أشد الندم، ولم يتوف إلا عن توبة محت بفضل الله تعالى كل حوبة، والله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.
وقد صح أنه قال في آخر أمره ومنتهى عمره: (اللهم إنك أمرتنا فعصينا ونهينتنا فارتكبنا فلا أنا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا أنت) ثم فاضت روحه رضي الله تعالى عنه. ( «والتائب من الذنب كمن لا ذنب له» )
стр. 234
وقصة وفاته ذكرها غير واحد.
стр. 235
وأطال الكلام عليها ابن عبد الحكم في فتوح مصر.
وماذا علينا إذا قلنا: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد سبق لك ما فيه كفاية.
* قال الناظم:
٧٨ - عائش ما نقول في قتالك ... سلكت في مسالك المهالك
٧٩ - أعرضت عن نبح كلاب الحوأب ... وفيه خالفت النبي العربي
٨٠ - وليس يأتي عذر الاجتهاد ... قبال تنصيص النبي الهادي
٨١ - رضيت في عثمان بالقتل وقد ... طالبت بالثأر بغير مستند
٨٢ - لكنك زوجة خير البشر ... ونحن يا أم على تحير
стр. 236
٨٣ - قد قيل تبت وعلي غمضا ... عن أمرك والأمر تابع الرضا
٨٤ - فسبك في رأينا محرم ... لأجل عين ألف عين تكرم
أقول: غرض الناظم بهذه الأبيات الطعن على أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها بما وقع في القصة الشهيرة، ولو كان له ولإخوانه فطنة وأدنى
بصيرة لما تفوهوا بمثل هذا الكلام، بعد أن وقفوا على ما ذكر في الأصل، مما يزيل الشبه والأوهام، ولكن قد استحوذ الشيطان على قلوبهم، فلا يعون ولا يسمعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ذكرنا لك أصلا يندفع [به] ما أصروا عليه من الضلال، ويرفع
стр. 237
من البين القيل والقال.
فإن من وقع منه القتال يوم الجمل كطلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ﵃، كانوا محبين للأمير كرم الله تعالى وجهه، عارفين له فضله، كما أنه ﵁ في حقهم كذلك، وليس بين ذلك وبين القتال الواقع في البين تناف؛ لأن القتال لم يكن مقصودا؛ بل وقع عن غير قصد، لمكر من قتلة عثمان رضي الله تعالى عنه الذين كانوا بعشائرهم في عسكر الأمير، إذ غلب على ظنهم من خلوته بطلحة والزبير أنه سيسلمهم إلى أولياء عثمان.
فأطاروا من نيران غدرهم شرارا، ومكروا مكرا كبارا، فأوقعوا القتال بين الفريقين، فوقع ما وقع إن شاء وإن أبى أبو الحسنين. فكل من الفريقين كان معذورا ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا
стр. 238
مَقْدُورًا﴾ . على أن القتال لو فرض كان قصدا، فهو لشبهة قوية عند المقاتل أوجبت عليه أن يقاتل، فهو بزعمه من الدين، ونصرة المسلمين وليس من الغي والاستهانة بالأمير في شيء.
ومتى كان كذلك فهو لا ينافي المحبة، ولا يدنس رداء الصحبة. وقد صرح بعض العلماء أن شكوى الولد على أبيه لدين له عليه قادر على أدائه ومماطل فيه ليس من العقوق، ولا مخل بما للوالد من واجب الحقوق.
وإن أبى تعصبك هذا قلنا: إن القوم رضي الله تعالى عنهم كانوا من قبل ما وقع من المخلصين الأبرار، لكن لعدم العصمة وقع منهم ما غسلوه ببرد التوبة وثلج الاستغفار. ويأبى الله تعالى أن يذهب صحابي إلى ربه قبل أن يغسل بالتوبة والاستغفار درن ذنبه.
وبنحو هذا سبق لك الجواب عن أصحاب صفين من رؤساء الفرقة
стр. 239
الباغية على علي أمير المؤمنين والمتلوثة سيوفهم في تلك الفتنة أقل قليل.
ولولا عريض الصحبة وعميق المحبة لدلع القلم لسانه الطويل، فقف عند مقدارك، فما أنت وإن بلغت الثريا إلا دون فعال أولئك.
وقوله: (أعرضت ... إلخ) أشبه شيء بنبح الكلاب، بعد ما ذكر في الأصل من الجواب، وهو أن الثابت أنها لما علمت ذلك وتحققته من محمد بن طلحة همت بالرجوع، إلا أنها لم توافق عليه، ومع هذا شهد مروان بن الحكم مع ثمانين رجلاً من دهاقين تلك الناحية أن هذا المكان
مكان آخر وليس بحوأب.
على أن: (إياك أن تكوني يا حميراء) ليس موجودا في الكتب المعول
стр. 240
عليها فيما بين أهل السنة.
стр. 241
فليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد.
وبه يتبين أيضا فساد قوله: (وليس يأتي ... إلخ) على أنه لو كان لا يرد محذورا أيضا، لأنها اجتهدت فسارت حين لم تعلم أن في طريقها هذا المكان، وحيث علمت لم يمكنها الرجوع لعدم الموافقة عليه، إلى آخر ما ذكر في الأصل مما يجب مراجعته.
قوله: (رضيت في عثمان ... إلخ) من المفتريات، كيف وقد كانت
تعترف بأن عثمان إمام مفترض الطاعة؟ !
وروى الترمذي عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لعثمان: ( «يا عثمان [إنه] لعل الله أن يقمصك قميصا فإن أرادوك على
стр. 242
خلعه فلا تخلعه لهم» ) . وفي رواية: ( «لا تخلعه. ثلاثا» ) .
وما ذكره ابن قتيبة لا يعتد به كما فصلته في
كتاب " السيوف المشرقة في أعناق أهل الزندقة " وقوله: (ونحن يا أم ... إلخ) كذب، بل هي ﵂ أم
стр. 243
المؤمنين، وكونهم متحيرين فيها دليل على ما قلنا، وليسوا متحيرين في هذا المسألة فقط، بل في كل مسائلهم أصولية أو فروعية، وهم في ريبهم يترددون.
قوله: (قد قيل تبت ... إلخ) قد ذكرنا لك قريبا ما يحقق التوبة، وكذا عند الكلام على عدالة الصحابة.
وقوله: (فسبك.... إلخ) كذب والعيان شاهد على ذلك.
وفي هذه الأبيات من السب ما لا مزيد عليه، إذ السب في اللغة: الشتم، ويكون بكل ما فيه تنقيص.
وأي نقص أعظم مما افترى به من مخالفة الرسول ﵊؟ وأبى الله إلا أن يفضح الروافض من حيث لا يشعرون.
نسأل الله تعالى الأمن والأمان من الخذلان والخسران.
стр. 244
* [قال الناظم] :
٨٥ - فقل لمن كفرنا يا غمر ... من أي أمر لك بان الكفر
٨٦ - وهل يحل مالنا إلا لدى ... من ستر الحق وأبدى ما بدا
٨٧ - وكيف من يسب ذا النورين ... والمرتضى الطهر أبا السبطين
٨٨ - لم يك محكوما بكفره ولا ... ترون ما يملكه محللا
أقول: ما ثبت عن الروافض اليوم من التصريح بكفر الصحابة الذين كتموا النص بزعمهم، ولم يبايعوا عليا كرم الله تعالى وجهه بعد وفاة النبي ﷺ ، كما بايعوا أبا بكر رضي الله تعالى عنه كذلك، وكذا
стр. 245
التصريح ببغضهم واستحلال إيذائهم، وإنكار خلافة الخلفاء الراشدين منهم
والتهافت على سبهم ولعنهم تهافت الفراش على النار دليل على كفرهم.
وقد أجمع أهل المذاهب الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على القول بكفر المتصف بذلك.
وما روي عن بعضهم من أن الساب يضرب أو ينكل نكالا شديدا، محمول على ما إذا لم يكن السب بما يوجب تكفيرهم -رضى الله تعالى عنهم- وكان خاليا عن دعوى بغض وارتداد واستحلال إيذاء، وليس مراده أن حكم الساب مطلقا ذلك، كما لا يخفى على المتتبع.
وتمام الكلام في الأصل.
стр. 246
ورحم الله السيد عبد الغفار حيث يقول:
ألم تكفر الأرفاض والكفر دينهم ... وقد نسبوا صحب النبي إلى الكفر
صحابة هادينا وأعلام ديننا ... تسب بلا ذنب جنته ولا وزر
أكان جزاء المصطفى سب جنده ... وأزواجه ظلما وأصحابه الطهر
وأما قوله: (وهل يحل ... إلخ) فليس من المتفق عليه بين الفقهاء، ومن أحله استند إلى كون الروافض من الحربيين مع ما انضم إليه من كفرهم بتكفير الصحابة ﵃.
стр. 247
والتفصيل في فتاوى الحامدية، وكذا في أكثر كتب الحنفية، وأما قوله: (وكيف ... إلخ) فليس بصحيح، بل الصواب ما قدمناه من أن من سب أحدا من الصحابة وكفره فهو كافر، سيما إذا كان من أجلتهم رضي الله تعالى عنهم.
ومن صرح بخلاف ما ذكرنا فهو مردود لا يلتفت إليه، ولا يعول عليه، والحق أحق بالقبول، والله شاهد على ما نقول.
стр. 248
* [قال الناظم] :
٨٩ - وشيعة الغر الهداة البررة ... عندك يا غمر عتاة كفرة
٩٠ - لقد سلكت مسلكا من سلكا ... فيه فعن بينة قد هلكا
٩١ فالدين عند ربنا الإسلام ... وديننا الإسلام والسلام
أقول: كل أحد يدعي أنه على الحق وغيره على الباطل، وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ .
وقد تفضل الله تعالى على نوع نبي آم بالعقل والإدراك ليتميز به الحق من الباطل والرائج من العاطل، وشرع سبحانه لعباده من الدين ما وصى به الأنبياء والمرسلين وأنعم علينا جل شأنه ببعثة سيدنا ومولانا محمد ﷺ ، فأنقذنا من الضلالات، ونجانا من مهالك الجهالات بشريعته الغراء الواضحة البيضاء، وقد حملها في كل قرن عدوله،
стр. 249
وحفظها في كل عصر أساطينه وفحوله، ونفوا عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، فمن جرد نظره عن وساوس النفس وشبهات الأوهام، وانفرد بعقله عما كان يمنعه عن قبول الحق من الإلف والعادة وتقليد آراء الأفهام، تبين له بالضرورة فساد ما عليه الروافض اليوم من العقائد والعوائد المنكرة، وظهر له أن ما ادعوه محض وساوس لا معاني مبتكرة؛ وذلك لأن ما ألفوه من الهوى والزيغ صدهم عن اتباع الحق ومنع العقل السليم أن يسلك في منهج الصدق، لأن العوائد طبائع ثوان، وهي قاهرة لذوي الفضل والعرفان.
فليصن المرء من العوائد التي استأنس بها، وتربي عليها فإنها سم قاتل قل من سلم من آفاتها وظهر له الحق معها، ألا يرى أن قريشا لأجل العوائد التي ألفتها نفوسهم أنكروا على النبي ﷺ ما جاء به من الهدى والبيان، وكان ذلك سببا لكفرهم وطغيانهم، وقد خالف المبتدعون ما جاءت به الرسل وناقضوه، ومع ذلك يزعمون أنهم الهداة البررة، إن هذا لشيء عجاب.
стр. 250
انظر إلى حال المشركين مع ما كانوا به من غزارة العقل وفرط الذكاء وكمال الدراية، كيف منعتهم العوائد وما كانوا يألفونه مما تلقوه عن أسلافهم نتائج الدلائل البرهانية، وغايات المعجزات النبوية، حتى ترددوا واستفهموا، فقالوا: أي الفريقين أهدى سبيلا؟ بل ربما قطعوا بأن ما هم عليه هو الحق الذي لا معدل عنه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ هذا مع ظهور فساد ما هم عليه، وبداهة قبائح ما ذهبوا إليه. وهكذا حال الروافض اليوم، وإلا فكيف يتصور عاقل سلم عقله من داء الغفلة، وتجرد عن شواغل الإلف والعادة أن جميع أصحاب محمد ﷺ الذين توفي عنهم وهم على ما يقال مائة وأربعة وعشرون ألف صحابي
следующие страницы →