← Сияса и кади

Сияса и кади · id 977

شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت الأفغاني

الصدر الشهيد

Полный текст (650 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فصل (فإن (١) ادعى عليه حقًا فأنكر فلما عرض عليه اليمين سكت فلم يجب بشيء فإنّ القاضي يقول له إني أعرض عليك اليمين ثلاث مرات فإن حلفت وإلا ألزمتك دعواه ثم يعرض عليه اليمين) وذلك لأن الساكت مجيب لكن بالإنكار وهذا إذا لم يكن به آفة تمنعه من السمع والكلام (٢) ووضع المسألة فيه لأنّه أجابه مرة. فصل (فلو أنّه (٣) قدمه إلى القاضي ابتداءً وادعى عليه (٤) فسأله القاضي عن ذلك (٥) فسكت ولم يجب بشيء أصلًا لا (٦) بقليل ولا كثير (٧) فإن القاضي يأمره (٨) أن يأخذ منه كفيلًا حتى يسأل عن قصته (٩) فإن علم أنّه ليس به آفة تمنعه من الكلام والسمع وأحضره المدعي ثانيًا فإن القاضي يعرض عليه اليمين (١٠) ويقول له ما ذكرنا فإن امتنع عن الحلف ألزمه دعوى

стр. 177

الرجل) وإنما كان كذلك لأنه يجوز أن يكون به آفة تمنعه من الكلام كالخرس أو نحو ذلك فلا يكون سكوته نكولًا فإذا علم أنّه لا آفة به حينئذٍ يقضي عليه لأنه لو لم يقض عليه يؤدي إلى فوات الحقوق والله أعلم (هذا) هو الكلام (في (١) دعوى الأموال والحقوق المالية وما يشبه ذلك فأما الحدود والقصاص أما الحدود الخالصة لله فلا يمين في شيء منها) لأنّ ذلك لا يفيد فإنّه لو أقر ثم رجع يسمع رجوعه (وأما حد القذف فكذلك لا يمين) وإن كان الرجوع فيه بعد الإقرار غير مقبول لكن لما كان المغلب (٢) فيه حق الله كان ملحقًا بما هو خالص حق الله فإذًا لا يمين في شيء من الحدود وقد تقدم هذا في أول الباب (أما القصاص فإنه يحلفه (٣) فيه بالإجماع فإن نكل وذلك في النفس قال أبو حنيفة ﵁ لا يقضي عليه بشيء لكنه يحبس حتى يحلف أو يقر وقال أبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهما يقضي عليه بالدّية وإن كان ذلك فيما دون النفس قضى عليه بالقصاص عند أبي حنيفة ﵁ وقال أبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهما يقضي عليه بالمال) والحجج من الجانبين معروفة في المختلف (مسألة (٤) ولو نكل عن اليمين ثلاث مرات على التفسير الذي ذكرنا فلما أراد القاضي أن يحكم عليه قال أنا أحلف فإن القاضي يحلفه ويسمع يمينه) فرق بين هذا وبين ما إذا قضى عليه بعد النكول ثم قال أنا أحلف (٥) فإنه لا يلتفت إليه) وهو معنى قول شريح الذي حكيناه في صدر الباب قد نفذ قضائي والفرق (٦) بينهما إنه لو سمع يمينه قبل القضاء لكانت معتبرة لإبطال كلام المدعي ولذلك شرعت اليمين أما لو سمعت بعد القضاء لكانت معتبرة لإبطال قضاء القاضي واليمين لا تجوز أن

стр. 178

تكون معتبرة لإبطال قضاء القاضي وهذا مثل رجوع الشهود إن كان قبل القضاء صح وإن كان بعد القضاء لا يبطل القضاء ولا يصح الرجوع في حق قضاء القاضي لأنه لو صح لكان معتبرًا لإبطال قضاء القاضي وذلك لا يجوز وفيما قبل القضاء لو اعتبر الرجوع كان معتبرًا لإبطال قول المدعي وذلك جائز والله أعلم. باب أخذ الكفيل ذكر (عن قتادة وأبي هاشم (١) في رجل ادعى قبل رجل مالًا فقال اعطني كفيلًا حتى أجيء (٢) ببيّنتي قالا ليس له ذلك) وذكر (عن عامر الشعبي مثل ذلك) وذكر (٣) (عن إبراهيم النخعي أنّه كان يرى أخذ الكفيل في مثل ذلك وبه يأخذ أصحابنا) ثم اختلف (٤) المتأخرون من أصحابنا قال بعضهم ما قالوه قياس وما قاله إبراهيم استحسان وحققوا الاختلاف بينهم وجه القياس (٥) أن الموجود ليس إلّا مجرد الدعوى ومجرد الدعوى لا يصلح لإلزام شيء وجه الاستحسان أنّ في التكفيل (٦) نظرًا للمدعي (٧) وليس فيه كثير (٨) ضرر على المدعى عليه

стр. 179

والقاضي ناظر للمسلمين فيفعل ما يكون فيه النظر وقال بعضهم (١) لا خلاف بين السلف في التكفيل وأن للقاضي أن يجبره على إعطاء الكفيل وما نقل من الآثار عنهم متأولة على ما سنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى وذكر (عن شريح أنّه قال لا كفالة في حد) وقد روي هذا الحديث مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ والمعنى فيه من وجهين أحدهما أنّ الكفالة لا تليق بالحدود لأنّها شرعت للتوثق (١) والحدود مبناها على الدرء والإسقاط فلا يليق بها التوثق (٢) والثاني لأنّه (٣) لا حاجة إلى (٤) التكفيل في الحدود على ما سنذكره (قال (٥) أحمد بن عمرو وقال أصحابنا وقولهم لا كفالة في حد يدل على أنّهم يأخذون الكفيل في غير الحد) إلّا (٦) أنّ هذا مفهوم القول والمفهوم عندنا ليس بحجة وكان صاحب الكتاب يرى المفهوم حجة ثم المذهب (٧) عندنا أنّه لا كفالة في الحدود وأما الأموال وما أشبهها فإنّ القاضي يأخذ منه كفيلًا في ذلك أما الحدود فلأنه لا يمكن التكفيل (٨) فيها ولا حاجة إليه أما لا يمكن لما ذكرنا أنّ الكفالة شرعت للتوثق وهو لا يليق بالحدود وأما لا حاجة فلأنه بمجرد التهمة يحبس والحبس هناك يصلح جزاء للتهمة لأنّ جزاء الحقيقة عقوبة هي فوق الحبس ومتى حبس فلا حاجة إلى الكفيل وليس كذلك في الأموال فإنه لا يحبس بمجرد التهمة لأن ذلك جزاء الحقيقة أعني حقيقة الثبوت فلا يمكن أن يقام جزاء على التهمة فمست الحاجة إلى التكفيل (إذا ثبت ما ذكرنا من أن القاضي ينبغي له أن يأخذ منه كفيلًا وهو قول أصحابنا فتأويل ما ذكرنا من الآثار عن السلف) من أربعة أوجه ثلاثة منها ذكرها صاحب الكتاب ورابع

стр. 180

لم يذكره (١) أما الثلاثة فأحدها (٢) (أن يقول المدعي لا بينة لي فإنّه لا يؤخذ من المدعى عليه كفيل) لأن حق المدعي تعين في اليمين فيحلف للحال (والثاني (٣) أن يقول لي بينة غائبة فلا يؤخذ منه كفيل أيضًا) لأنّ حقه تعين في اليمين هاهنا أيضًا (والثالث (٤) أن يكون المدعى عليه مسافرًا فلا يؤخذ منه كفيل) على ما نبيّن وأما الرابع (٥) فإذا طلب المدعي كفيلًا مطلقًا إلى وقت معلوم فإنّ القاضي لا يأخذ المدعى عليه بذلك فهذا تأويل ما ذكره صاحب الكتاب من الآثار عن قتادة وأبي هاشم والشعبي (قال أحمد بن عمر وقال أبو حنيفة وأصحابنا جميعًا إذا تقدم الرجل (٦) إلى القاضي ومعه رجل يدعي عليه حقًا قال لي بينة حاضرة (٧) وسأله أن يأخذ له منه كفيلًا فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا ثلاثة أيام ولم يفرق (٨) في ظاهر الرواية بين مدعى عليه ومدعى عليه ولا بين مدّعي ومدّعي وروي عن محمد أنّه قال إذا كان المدعى عليه رجلًا مشهورًا لا يتهم بإخفائه نفسه وتغيبه شخصه فإن القاضي لا يأخذ منه كفيلًا) لأنّه لا حاجة إليه وكذلك قال إن كان المدعي شيئًا حقيرًا فلا يأخذ فيه كفيلًا لأنه لا حاجة أيضًا فإن الظاهر أنّ المرء لا يغيب نفسه لأجل ذلك لكن في ظاهر الرواية لا فرق بين شخص وشخص ولا بين شيء وشيء (ثم اختلفوا (٩) في المدة التي يجب التكفيل إليها وأصح ما قيل

стр. 181

فيه ثلاثة أيام وروي عن أبي يوسف أنّه قال يكفله إلى الوقت الثاني من جلوس القاضي فإن كان القاضي يجلس في كل خسمة عشر يومًا (١) مرة واحدة أخذ منه كفيلًا خمسة عشر يومًا (٢) وهذا القول أيضًا حسن فإنه (٣) أرفق بالناس لكن في ذلك الزمان لأن القاضي إذ ذاك كان لا يجلس كل يوم وربما مضت ثلاثة أيام ولا يجلس فيها القاضي فلو أخذ الكفيل إلى ثلاثة أيام فإذا مضت ثلاثة أيام ضاع الحق فكان النظر في أخذ الكفيل إلى وقت جلوس القاضي وفي زماننا القاضي يجلس في كل يوم فالأنظر أن يأخذ الكفيلِ إلى ثلاثة أيام على ما تقدم (وكذلك إذا ادعت المرأة طلاقًا والأمة عتاقًا وأقامت شاهدًا واحدًا حتى وجبت الحيلولة (٤) فإذا طلبت الكفيل أخذ منه كفيلًا) بها لما ذكرنا (وهذا (٥) إذا كان المدعى عليه من أهل المصر فإن كان مسافرًا فلا يأخذ منه كفيلًا) لأن الكفيل يمنعه من السفر والذهاب إلى منزله (٦) فيتضرر (لكن يؤجله القاضي إلى آخر المجلس فإن جاء خصمه ببينة وإلّا خلى سبيله (٧) فإن لم يعلم (٨) أنّه مسافر وهو يدعي ذلك فإن القاضي يسأل المدعي فإن قال هو

стр. 182

مسافر ثبت ذالك بإقرارهما فيجري الأمر عليه وإن أنكر قال بعضهم القول قول المدعي في الإقامة) لأنّه يدعي الإقامة في موضع الإقامة فكأن متمسكًا بالأصل والآخر يريد إسقاط إعطاء الكفيل عن نفسه بدعوى العارض فلا يقبل قوله (وقال بعضهم نظر القاضي إلى زي المدعى عليه فإن كان زيه زي المسافرين جعله مسافرًا وإلّا فلا) فإن لم يعلم ذلك حينئذٍ يبعث إلى رفقته ويسألهم أنه يريد السفر معكم أم لا وقال بعضهم ابتدأ يسال المدعى عليه أنه مع من يريد السفر فإذا قال مع فلان وفلان أرسل إليهم من يسألهم عن ذلك فإن قالوا نعم يريد السفر معنا فقد قال (١) بعض المشائخ فيهم شمس الأئمة السرخسي يأخذ منه كفيلًا إلى آخر المجلس لأن المدعي يقول لي بينة لكن لم أعلم أنّه يجحدني فكنت أحضر بينتي فالآن اذهب فاحضرها وقال (٢) بعض المشائخ فيهم شمس الأئمة الحلواني يسأل من رفقته متى تريدون السفر فإن (٣) قالوا في الوقت الفلاني أخذ منه كفيلًا إلى ذلك الوقت (وهذا كله إذا قالوا إنّه يريد السفر معنا فإن قالوا لا نعلم أنّه مسافر أو غير مسافر فإنّ القاضي يأخذ منه كفيلًا ثلاثة أيام لأن أقصى (٤) ما في الباب أنّه مسافر لكن لم يستعد للسفر فيكون زمان الاستعداد ثلاثة أيام فيكفله ذلك القدر والله أعلم. فصل (٥) (وإذا ادعى (٦) حدًا في قذف أو دمًا فيه قصاص أو جراحة فيها قصاص وقال لي بينة حاضرة وطلبوا الكفيل (٧) من المطلوب: وقال أبو حنيفة ﵁) لا آخذ منه كفيلًا في ذلك وقال أبو يوسف ﵀ يؤخذ منه الكفيل إلى ثلاثة أيام) وهو قول محمد ﵀

стр. 183

ذكر قولهما في القصاص بعد هذا أو أجمعوا (١) على أن الحدود الخالصة لله لا يؤخذ فيها كفيل نحو حد (٢) الزنا والشارب والسكران من النبيذ والخلاف في الجبر فأما إذا طابت نفسه بإعطاء الكفيل فإنه يجوزهما يقولان القصاص خالص حق العبد وحد القذف فيه حق العبد والعبد محتاج إلى الجمع بين شهوده وبين المدعى عليه ولا يتمكن من ذلك إلّا بالتكفيل فيكون له ذلك كما في الأموال (٣) وأبو حنيفة ﵁ يقول الكفالة شرعت (٤) للتوثق وهو (٥) غير لائق بالحدود لأنّ أمرنا فيه بالدرء والإسقاط والدليل عليه حد الزنا وما شابهه (هذا إذا لم يحضر (٦) بيّنة فإن أحضر شاهدًا واحدًا عدلًا حبسه القاضي وقالا لا يحبسه وعلى هذا إذا أقام شاهدين مستوردين حبسه عند أبي حنيفة وعندهما لا يحبسه) لأنّه تكامل (٧) أحد شطري الشهادة وهو العدالة أو العدد وذلك يوجب التهمة والحبس يصلح جزاء للتهمة وهذا بناء على أن عند أبي حنيفة ﵁ لا يكلفه (٨) فيحتاج إلى الحبس وعندهما يكلفه فلا يحتاج إلى الحبس (وإن شهد على ذلك شاهد واحد (٩) لا يعرفه القاضي

стр. 184

لم يحبسه) (١) لأنّه لم يثبت التهمة والله أعلم (مسألة (٢) وإن كانت جراحة خطأ أو قتل (٣) خطأ أو جراحة (٤) عمد لا قصاص فيها أخذ منه كفيلًا كما يؤخذ في الأموال) لأن هذا (٥) دعوى المال في الحقيقة (ذكر (٦) بعد ذلك الحدود الخالصة لله من حد الزنا وشرب الخمر والسكر من النبيذ والسرقة وقال لا يؤخذ منه كفيل في شيء من ذلك إلّا أن يكون المسروق منه يدعي المال فيؤخذ منه كفيل) لأجل المال كما في سائر الحقوق. فصل (٧) (وكل شيء يوجب (٨) لتعزير نحو قذف الحر العبد وشتمة الحر للحر فهو بمنزلة الأموال إذا طلب الطالب فيه كفيلًا يجب أخذ الكفيل) لأنّه من جملة حقوق العباد يصح العفو عنه والإبراء والصلح فشابه سائر حقوقهم ولهذا يجري فيه الاستحلاف ويقضي فيه بالنكول. فصل (ولو ادعى عليه (٩) حقًا أو مالًا وطلب منه الكفيل حتى يحضر بينته) (١٠) قد ذكرنا (أنّه

стр. 185

يجب عليه إعطاء الكفيل) لأن بذلك يتوصل المدعي إلى حقه (وكذلك لو أقام شهودًا لا يعرفهم القاضي فطلب منهم كفيلًا حتى يسأل عن شهوده فله ذلك فإن أعطاه كفيلًا فقال المدعي لا أرضى بهذا فإنّه ليس بثقة فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا ثقة) والثقة الرجل المعروف الذي له دار، أو حانوت معروف لا يغيب نفسه عنه ظاهرًا (فلو (١) امتنع المطلوب عن إعطاء الكفيل فللخصم أن يلازمه الليل والنهار) وتفسير الملازمة (٢) سيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى (فلو كان (٣) المدعي عينًا قائمة في يده مما ينقل ويحول فله أن يأخذ كفيلًا بنفس المدعى عليه وبالشيء المدعي) لأنه يحتاج إلى إحضار الشيء المدعي التقع الإشارة إليه في الدعوى والشهادة كما يحتاج إلى إحضار المدعى عليه (فإن امتنع (٤) المدعى عليه عن إعطاء الكفيل فللطالب أن يلازمه ويلازم الشيء المدعي حتى لا يغيب) لأنه يحتاج إلى ذلك (فلو كان (٥) المدعي عقارًا فقال المطلوب أنا أعطي كفيلًا بنفسي ولا أعطي كفيلًا بالعقار فله ذلك) لأنّ العقار لا يغيب فلا حاجة إلى تكفيله لأنه بدون ذلك يَصِل إلى حقه والله أعلم

стр. 186

فصل (فإن كان (١) المدعى شيئًا ينقل فأعطاه كفيلًا بذلك الشيء ولم يعطه كفيلًا بنفسه أمره القاضي بأن (٢) يلزمه حتى (٣) يعطيه كفيلًا بنفسه) لأنه (٤) يحتاج إلى الإثبات ثم الاستيفاء وإنما يمكنه الإثبات على الخصم فله أن يطلب منه كفيلًا بنفسه حتى يحضره فيتمكن من الإثبات عليه كما يأخذ منه كفيلًا بالشيء المدّعي حتى يتمكن من قبضه بعد الإثبات (فإن قال المدعى عليه أنا (٥) أعطيه كفيلًا بالشيء المدعى وأقيم وكيلًا في خصومته جائز على ما قضى به عليه (٦) فإن القاضي يقبل منه ذلك ويأخذ من الوكيل كفيلًا بنفسه) ينبغي (٧) أن يعلم أن المدعي ليس له أن يأخذ من المدعى عليه وكيلًا بالخصومة بخلاف الكفيل فإن له طلبه والفرق بينهما أن القاضي ناظر للمسلمين ولا يجوز النظر لأحدهما على وجه يلحق الضرر بالآخر وفي الجبر على إعطاء وكيل في الخصومة ضرر بالمدعى عليه لأنه قد يكون المدعي أهدى في الخصومات من الوكيل وقد يهتم بخصومته ما لا يهتم به الوكيل فكان جبره على التوكيل إضرار به وأما إعطاء الكفيل فهو نظر للمدّعي وليس فيه ضرر على المدعى عليه لأنّ الكفيل بحضرة مجلس القاضي والحضور واجب عليه سواء كان له كفيل أو لم يكن (مع هذا إذا قال المدعى عليه أنا أعطي وكيلًا في خصومته جاز وقبل هذا منه) وهذا (٨) قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لأن عندهما التوكيل بغير رضا الخصم نافذ (٩) فمتى نفذ

стр. 187

التوكيل كان للموكل أن لا يعطي كفيلًا بنفسه لأنّ له وكيلا يخاصم عنه وأما على قول أبي حنيفة ﵁ فالتوكيل بغير رضاه لا ينفذ فيكون له أن يطالبه بإعطاء كفيل بنفسه (١) فيكون تأويل ما ذكره صاحب الكتاب أنّه قولهما أو إن كان قول الكل فهو محمول على ما إذا تراضيا على التوكيل (ثم إذا وكل وكيلًا بالخصومة أخذ من الوكيل كفيلًا بنفسه) لأنّه يحتاج إلى ذلك حتى يحضره فيثبت عليه الحق وقد يجوز أن الوكيل يغيب نفسه كما جاز ذلك في حق الأصيل فيؤخذ منه كفيل (٢). فصل (فلو قال في الدين أنا أقيم وكيلًا في خصومته ولا أعطيه كفيلًا بالمال (٣) لم يقبل القاضي ذلك منه) لأنه (٤) يمكن المدعي الوصول إلى حقه بذلك فإنه إذا أثبت المال لا يقدر على مطالبة الوكيل به فيقال له اتبع صاحبك فيصير حقه حينئذٍ تأديًا (قال فإن (٥) قال أنا أعطيه (٦) كفيلًا بالمال ولا أعطيه كفيلًا بنفسي والمسألة على حالها (٧) لم يقبل ذلك منه أيضًا) لأنّه (٨) وإن أخذ كفيلًا بالمال لا يقدر على الإثبات لأن ذلك إنما يكون على الخصم وقد ذكرنا هذا في أول الفصل الذي قبل هذا (قال إلّا أن يشاء الطالب ذلك) لأنه حقه (فله أن يفعل فيه ما يشاء مسألة (٩) فلو قال أنا أعطيه وكيلًا بالخصومة وكفيلًا بالمال وهو

стр. 188

دين أو كان المال ثابتًا فقال أنا أعطيه كفيلًا فللطالب أن لا يرضى بذلك) أعني بالكفيل في المال فرق (١) بين هذا وبين ما إذا كان المدعى عينًا ينقل ويحول أو عقارًا فقال المطلوب انا أعطي وكيلًا بالخصومة وأسلم العقار إليه وأعطي كفيلًا بالعين المدعاة فإنّ له ذلك وليس للطالب الامتناع والفرق أن في إعطاء الكفيل بالمال إذا كان دينًا ضررًا بالمدعي لأن الناس في قضاء الدين يتفاوتون فله أن يقول لا أرضى لأن خصمي أيسر قضاء وأوفى ذمة وأما في العقار والأعيان متى أمكنه الإثبات وكان هناك من يطالبه بالتسليم فلا تفاوت في ذلك لأنّ تسليم العين لا تختلف بخلاف الدين على ما تقدم والله أعلم بالصواب مسألة فلو (٢) قامت البينة للمدعي على المدّعى عليه (٣) بشيء مما وصفت لك (٤) ثم غاب المدعى عليه أو مات (٥) ولم يكن له وكيل في خصومة أو كان له وكيل لكنه مات الوكيل أو غاب وزكيت البينة في السر والعلانية فإن القاضي لا يقضي عليه بذلك وهذا قول أبي حنيفة ﵁ ومحمد ﵀ وقال أبو يوسف ﵀ يقضي عليه ويجعله على حجة إن كانت له قال الخصاف وهو الصواب عندي) ووجه ذلك (٦) أنّ

стр. 189

حضور الخصم لو كان شرطًا إنما يكون شرطًا لأحد وجهين إما لأن القاضي متى سمع كلام الخصمين عرف كيف يقضي بينهما فيكون الحضرة شرطًا ليمكن القاضي من القضاء أو يكون شرطًا ليتمكن المدعى عليه من الدفع بالطعن فإن كان المعتبر هو الوجه الأول ففي مسألتنا القاضي سمع كلامهما وعرف وجه القضاء وإن كان المعتبر هو الوجه الثاني فقد ظهر عجز المدعى عليه عن الطعن لأنّه هرب من البلدة فلو كان له طعنًا لما فرّ من البلدة ولأنه يبقى على حجته فوجب القضاء وجه قول أبي حنيفة ﵁ ومحمد ﵀ أنّ الإنكار شرط القضاء وما كان شرطًا للقضاء يشترط دوامه إلى وقت القضاء لما عرف أن البينة ليست حجة بنفسها إنّما تصير حجة ضرورة قضاء القاضي مقتضاه (١) به فلابد من قيام الشرط إلى وقت وجود القضاء قال الشيح الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ ما قاله أبو يوسف ﵀ أرفق بالناس وأسهل عليهم ثم أنّ (٢) أبا حنيفة ﵁ فرق بين الإقرار والبينة فقال لو أقر عند القاضي ثم مات أو غاب قضى عليه بخلاف ما إذا سمعت البينة ثم مات أو غاب فإنّه لا يقضي عليه والفرق أن البينة ليست حجة بنفسها إنما تصير حجة مقتضى القضاء بخلاف الإقرار فإنه حجة بنفسه والله أعلم. مسألة (٣) ولو أنّ رجلًا تقدم إلى القاضي وادّعى وصية في رجل (٤) وأحضر معه رجلًا ادعى عليه حقًا (٥) للميت ولم تثبت الوصية (٦) عند القاضي فقال المدعي خذ لي منه كفيلًا (٧) حتى أثبت وصيتي وأثبت الحق عليه (٨) فإن القاضي لا يجيبه إلى ذلك (٩) ولا يأخذ منه كفيلًا) (١٠) لأنّ

стр. 190

أخذ الكفيل إنما يكون للخصم ولم يثبت كونه خصمًا فلا يؤخذ له كفيلًا (قال وكذلك رجل ادّعى وكالة من رجل وادعى للذي وكّله حقًا على رجل أحضره معه وطلب من القاضي أن يأخذ له منه كفيلًا فإنّ القاضي لا بجيبه إلى ذلك) لأنه لم يثبت كونه خصمًا (١) (وكذلك لو أقام (٢) على الوصية أو على الوكالة بينة ولم تثبت عدالتهم فطلب من القاضي أن يأخذ له كفيلًا من المدّعى عليه حتى يسأل عن بينته فإن القاضي لا يجيبه إلى ذلك) لأنّه إنّما يصير خصمًا متى ثبتت الوصية أو ثبتت الوكالة وثبوت ذلك موقوف على الحجة ولا حجة بدون العدالة فأما متى ثبتت الوكالة أو الوصية فطلب منه كفيلًا حتى يثبت الحق عليه فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا ثلاثة أيام على ما تقدم قبل هذا والله أعلم (مسألة ولو (٣) قال المدعي للوصية أيها القاضي لي شهود على الوصية وعلى الدين وهم حضور فاسمع منهم فإنّ القاضي يقبل ذلك ويدعو بالشهود ويسألهم (٤) عن الشهادة على الوصية فإذا شهدوا على ذلك سألهم عن الحق (٥) الذي على المدعى عليه فإذا شهدوا بذلك أثبته عنده فإذا عدلت البينة قضى بالوصية له وبالحق على المدعى عليه وكذلك الوكيل وهذا استحسان والقياس أن لا يسمع البيّنتان (٦) في مجلس واحد بل يسمع البينة على الوصية فيقضي بها ثم بعد ذلك يسمع البينة على الحق ويقضي به) ذكر القياس والإستحسان في الزيادات (ثم إذا سمع (٧)

стр. 191

البيّنتان في مجلس واحد استحسانًا فالمسألة على ثلاثة أوجه إما إن عدلت (١) البيّنتان جميعًا أو عدلت بينة الوصية دون بينة الحق أو بينة الحق دون بينة الوصية ففي الوجه الأول ما ذكرناه (٢) من القياس والإستحسان في سماع البينتين في مجلس واحد أما إذا آل الأمر إلى القضاء فإنه يقضي بالوصية أولًا ثم بالحق يقضي بالوصية أولًا فيجعله وصيًا ثم يقضي له بالحق وفي الوجه الثاني (٣) يقضي بالوصية فيجعله وصيًا فإذا عدلت بينة الحق بعد ذلك قضى به وفي الوجه الثالث لا يقضي بشيء أصلًا) لأنّه لا يمكنه القضاء بالوصية (٤) لأن شهودها لم تظهر عدالتهم ولا يمكنه القضاء بالحق لأنه لا خصم فإنّه ما لم يثبت كونه وصيًا لا يثبت كونه خصمًا وكل حكم عرفته في الوصي فهو كذلك في الوكيل إذا ادّعى مكان الوصية وكالة فهو على ما ذكرنا والله أعلم (مسألة (٥) ولو أن رجلًا ادعى حقًا على ميت (٦) وقدم وصيه إلى القاضي ولم تثبت وصيته فطلب من القاضى أن يأخذ له منه كفيلًا (٧) حتى يثبت (٨) ما يدّعيه من الحق فإن القاضي لا يأخذ منه كفيلًا) لأنه لم يثبت كونه خصمًا والكفيل إنما يؤخذ من الخصم (وكذلك (٩) لو أحضر رجلًا ادّعى أنّه وكيل فلان ولي على فلان حق ولم تثبت وكاله فأراد أن يأخذ منه كفيلًا لم يكن له ذلك) لأنّه متى لم تثبت الوكالة لا يصير خصمًا فلا يجبر على إعطاء الكفيل (فإن ثبتت الوصية عند القاضي فقال الوصي لم يصل

стр. 192

إليّ من تركة الميت شيء فالقول قول الوصي) (١) لأنه منكر والقول قول المنكر (فإن قال الطالب للقاضي أريد أن أثبت الحق (٢) على الميت بمحضر منه ثم اتبع (٣) مال الميت فخذ لي منه كفيلًا حتى أجيء بشهودي (٤) فإنّ القاضي يجيبه إلى ذلك (٥) ويأخذ له منه كفيلًا ثلاثة أيام) لأنّه (٦) يحتاج إلى ذلك لإثبات الحق وقد ثبت كونه خصمًا (وكذلك الوارث (٧) إذا قال لم يصر إليّ من مال الميت شيء فالقول قوله ولو طلب الطالب منه كفيلًا حتى يثبت الحق على الميت بحضرته وجب عليه إعطاء الكفيل) لما ذكرنا في الوصي والله أعلم (مسألة فلو كان المدعي وارثًا ادّعى أنّ (٨) أباه مات وهو وارثه أو أنّ أخاه مات وهو وارثه وأنّ للميت على هذا (٩) ألف درهم وأراد كفيلًا من الرجل حتى (١٠) يثبت ذلك عليه فإنّ القاضي يأخذ له منه كفيلًا ثلاثة أيام (١١) حتى يثبت وفاة أبيه (١٢) ونسبه منه والدين له) (١٣) فرق بين هذا (١٤) أو بين الوصي والوكيل أنّه (١٥) لا يؤخذ لهما كفيل ما لم يثبت الوصاية والوكالة والفرق بينهما أن الوارث يدعي الحقوق لنفسه (١٦) لأنّ بالموت ينتقل الحق من الميت إليه وكل من يدعي

стр. 193

حقًا لنفسه فهو خصم على كل حال (١) ولا كذلك الوصي والوكيل فإنّهما لا يدعيان الحق لأنفسهما إنما يدعيان ذلك للميت والموكل لكن متى ثبت (٢) ذلك للميت كان الوصي نائبًا عنه فلما لم تثبت النيابة لا يكون خصمًا ونظر الوارث (٣) (رجل ادّعى (٤) دارًا في يد رجل أنّه اشتراها من فلان وقبضها أو أنّه اشتراها من فلان وهو يملكها وقال ذو اليد هي ملكي فأراد المدعي من ذي اليد كفيلًا حتى يثبت ما يدعيه كان له ذلك) لأنه وإن كان يدعي الشراء من الغير وما لم يثبت ذلك لا يكون خصمًا لكنه يدّعي حقًا لنفسه فيكون خصمًا في إثباته بأي طريق أمكنه الإثبات كذلك الوارث قال الخصاف ﵀ وكذلك (٥) كل من ادّعى حقًا لنفسه قبل رجل وطلب منه كفيلًا آخُذ له منه كفيلًا ثلاثة أيام إلّا أن يكون المدعى عليه ذلك ليس من أهل المصر) وقد تقدم ذكر هذا (مسألة (٦) امرأة ادعت على رجل (٧) نكاحًا أو رجل ادعى على امرأة نكاحًا (٨) أو رجل ادعى (٩) على رجل أنّه مملوكه فأنكر وقال أنا حر أو على امرأة (١٠) أنّها أمته فقالت أنا حرة فإنّه يؤخذ له منه كفيل حتى يحضر شهوده في الفصول أجمع) لأنّه محتاج إلى ذلك لإثبات حقه ولا ضرر على المدعى عليه فيه مسألة (١١) وكل

стр. 194

مطلوب بحق من الحقوق أخذ منه للطالب (١) كفيلًا بنفسه فمات المطلوب أو مات الكفيل فقد بطلت الكفالة لأنه عجز عن تسليم ما التزم (٢) ولو مات الطالب لا تبطل الكفالة (٣) فرق بين (٤) موت الطالب وبين موت المطلوب والفرق بينهما أن وارث الطالب يقوم مقامه في استحقاق ما كان له ووارث المطلوب لا يقوم مقام المطلوب فيما كان عليه فلذلك تبطل الكفالة بموته (ثم متى بقيت الكفالة بعد موت الطالب فالمسألة على وجهين إما أن يكون له وصي أو لا يكون له وصي فإن كان فجاء الكفيل وسلم المكفول إلى الوصي برى (٥) مطلقًا) لأنّه (٦) نائب عن الميت مطلقًا ولو سلم إلى الميت برئ مطلقًا كذلك إذا سلمه إلى نائبه المطلق (فإن لم يكن للميت وصي (٧) فسلم (٨) المكفول إلى أحد الورثة سقطت حصة ذلك الوارث خاصة) لأنّ الوارث ليس بنائب في القبض مطلقًا إنّما يقبض لنفسه لا غير ولا ولاية له على بقية الورثة في حق القبض (وهو (٩) بمنزلة غريم الميت إذا سلم الدين إلى الوصي خرج عن العهدة مطلقًا) لأنه سلمه إلى نائبه (ولو سلمه الى بعض الورثة خرج عن عهدة حق ذلك الوارث لا غير ولبقية الورثة المطالبة بحقوقهم) لما ذكرناه والله أعلم. باب العدوى والأعداء (قال) أحمد بن عمرو (١٠) صاحب الكتاب (قال أبو يوسف رحمة الله عليه في رجل ادعى

стр. 195

على رجل دعوى وأراد عليه عدوى وهو في المصر والقاضي لا يعلم أمحق هو أم مبطل فإنّه يعديه عليه ويبعث من يحضره على (١) هذا أدركنا الناس لم يكن أحد من الحكام يمنع من هذا ولم يكن أحد من الفقهاء ينكر هذا) قال ﵀ وهذا استحسان والقياس أن (٢) لا يعديه بمجرد الدعوى ولا يبعث من يحضر الخصم وجه القياس أنّ الدعوى خبر محتمل للصدق والكذب فلا يجوز (٣) أن يكون ملزمًا شيئًا وجه الاستحسان ما ثبت (٤) من الآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم وكذلك من بعدهم كلهم فعلوا ذلك من غير نكير وما فعلوه من غير نكير فهو حق قال رسول الله ﷺ إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة فصار (٥) ذلك حقًا لاجتماع الأمة عليه ولأن الحاجة إليه ماسة لأنه لو لم يحضره وهو لا يمكنه الذهاب بنفسه على ما يأتي بيانه يتعطل حق المدعي ثم (٦) قول صاحب الكتاب فيما حكاه عن أبي يوسف رحمه لله وهو في المصر دليل على أنّه إذا لم يكن المدعى عليه في المصر لا يعديه عليه ولا يحضره قالوا هذا إذا كانت المسافة بينه وبين المصر بعيدة (٧) فأما إذا كانت قريبة فإئه يحضره وجعلوا الحد الفاصل بين القريب والبعيد أنه إذا كان بحال لو ابتكر إلى مجلس الحكم وأجاب خصمه ثم رجع يمكنه أن يبيت بأهله فهو قريب وإن كان لا يمكنه ذلك بل يبيت في الطريق فهو بعيد (٨) ونظير هذا ما ذكرناه في شرح الجامع الصغير في كتاب الطلاق في باب الولد من أحق به إذا وقعت الفرقة بين الزوجين وبينهما ولد صغير (٩) فأرادت المرأة نقله (١٠) من قرية إلى قرية إن كان بينهما مسافة قريبة فلها ذلك وإلّا فلا وقدّروا ذلك بأن

стр. 196

يغدو الوالد فيطالع أحوال الولد ثم يروح فيبيت بأهله فإذا كان كذلك فهو قريب وإلّا فهو بعيد وكذلك ما ذكرناه في شرح المبسوط (١) في كتاب الصلاة أن أبا يوسف ﵀ ذكر في أدب القاضي الذي أملاه على بشر بن الوليد (٢) في أهل الرستاق هل يجب عليهم حضور الجمعة قال إن كان بحال يغدو فيشهد الجمعة ثم يروح فيبيت بأهله قبل أن يؤويه الليل وجب عليه حضور الجمعة وإلّا فلا وكذلك (٣) قال أبو يوسف ﵀ في شهادة الفروع إنّها تقبل إذا كان الأصول في مكان لو غدوا إلى مجلس القاضي لا يمكنهم البيتوتة بأهلهم ذكرنا ذلك في شرح الجامع الصغير في كتاب القضاء فكل هذا نظير ما قدرنا به البعد المانع من الأعداء ثم على قول من أخذ بالقياس في العدوى أو أخذ بالاستحسان (٤) لكن كان المدعى عليه في مكان بعيد لا يمكن إحضاره ما الذي ينبغي للقاضي أن يصنع قال بعض المشائخ يطلب البينة من المدعي على الحق الذي يدعيه فإذا أقامها سمع ذلك منه لا للقضاء بها بل لإحضار الخصم ثم يبعث فيحضره ثم يأمر المدعي بإعادة البينة فيسمعها ويحكم عليه بذلك كما يفعل في كتاب القاضي إلى القاضي فإنّه يسمع البينة وإن كان الخصم غائبًا لكن للنقل لا للقضاء ويكتفي في ذلك بمستُورِي الحال ولا حاجة إلى العدالة لأن السماع الساعة لم يكن للقضاء وقال بعضهم القاضي يسأل المدعي هل بينك وبين المدعى عليه معاملة شركة أو مضاربة أو مبايعة أو غير ذلك فإن قال نعم حفظ ذلك وأحضر خصمه فإن ادعى عليه من ذلك الوجه الذي كان قاله سمع دعواه وإن ادعى من وجه آخر لم يسمع وإن أبى أن يفسر جهة الدعوى عند القاضي ابتداء لم يحضر خصمه ولم يعديه عليه وقال بعضهم يتربص

стр. 197

حضور الخصم والاعتماد على القول الأول والله أعلم ذكر (عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال استعديت عثمان بن عفان ﵁ وأخذت بتلابيبه (١) فأعد (٢) أني) (٣) الأخذ بالتلابيب كأنه لم يكن عارًا في زمانهم وتعارفوا ذلك استغاثة بالمأخوذ بلا بينة واستعادة به فعل ذلك رسول الله ﷺ بغيره وفعل برسول الله ذلك وهو كالمتمسك (٤) بالذيل في زماننا علامة الاستعادة والاستغاثة ثم ذكر (٥) بعد ذلك حديث الأراشي وهو ما (روي أنّ رجلًا من أراش قدم مكة بإبل فباعها من أبي جهل (٦) فمطله وظلمه (٧) فصاح في المسجد فقال يا معشر (٨) قريش إني رجل غريب ابن سبيل (٩) وإني بعت إبلًا من أبي جهل فمطلني وظلمني فمن رجل يعديني عليه ويأخذ لي بحقي قال ورسول الله ﷺ (١٠) جالس في المسجد فقالوا ذلك (١١) الرجل يعديك عليه قال فانطلق إليه فذكر له ذلك فقام (١٢) رسول الله ﷺ معه وبعثت (١٣) قريش في أثرهما رجلًا وإنما فعلوا ذلك استهزاء لما قد علموا بين (١٤) رسول الله ﷺ وبين أبي جهل من العداوة قال فأتى الباب فضربه فقيل من هذا فقال محمد (١٥) فخرج أبو جهل وما في وجهه رائحة من الزعر (١٦) فقال اعط هذا حقه فقال نعم فدخل فأخرج حقه فأعطاه إياه فجاء الرسول فأخبرهم وجاء الرجل فوقف عليهم فقال جزاه الله خيرًا فقد أخذ لي حقي (١٧) فلم يتفرقوا إن جاء أبو جهل فقالوا (١٨) ويلك ما صنعت قال (١٩) والله ما هو إلَّا أن

стр. 198

ضرب على الباب وقال (١) محمد فذهب فؤادي فخرجت إليه وإن معه لفحلًا ما رأيت مثل هامته وأنيابه لفحل قط إن كان (٢) لآكلي لو امتنعت فوالله ما ملكت نفسي ان أعطيت حقه) دل الحديث (٣) على أنّ العدوى مشروعة وفيه أن رسول الله ﷺ قام معه بنفسه وفي زماننا القاضي لا يقوم في ذلك بنفسه لوجهين أحدهما أن الخصوم في زماننا كثيرة فلا يقدر على القيام بذلك بنفسه في حق الكل والثاني أنّ حرمة القاضي بمجلسه وأعوانه فإذا ذهب في العدوى لا يخلو إما أن يذهب بجملة (٤) أهل مجلسه أو يذهب وحيدًا لا وجه إلى الأول لأنّ فيه حرجًا ولا وجه إلى الثاني لأنه يستخف به فتذهب حرمته وحشمته ولا كذلك الرسول ﷺ فإنه كان محترمًا لعينه لا لمجلسه ولا لجلسائه وهذا هو الأصل أن يكون الإمام والقاضي هو الذي يقوم في أمور المسلمين بنفسه إلّا إذا تعذر عليه ذلك فيبعث نائبًا والله أعلم ذكر (عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب الناس فقال إنه بلغني أن في بيت فلان وفلان شَرَابًا لرجل من قريش ورجل من ثقيف) يسمى الثقفي مرشدًا (وإني آتي بيوتهما فإن كان حقًا أحرقتهما فسمع القرشي ذلك فحذر وأخرج ما في بيته ولم يفعل الثقفي قال فأتى بيت القرشي فلم يجد فيه شيئًا فأتى بيت الثقفي فوجد فيه الخمر فأحرق البيت وقال ما أنت بمرشد) أفاد (٥) الحديث جواز الأعداء قبل ثبوت المدعى فإن عمر ﵁ (٦) أعد عليهما وجمع الناس لذلك ووعظهم وأوعدهما بحرق بيوتهما إن كان ما قيل فيهما حقًا ثم ذهب بنفسه في العدوى وإنما أحرق بيت الثقفي لأنّه أوعده بذلك فلم يخلف ما أوعد به وهكذا ينبغي للإمام إذا أوعد بشيء من العقوبات لا يخلفه في ذلك ثم لم يرو عن أصحابنا ﵏ في حرق البيوت شيء أما الهدم (٧) وكسر الدنان فقد روي عنهم قالوا في الهدم

стр. 199

إذا كان الرجل فاسقًا معروفًا بأنواع الفسق فلا بأس أن يهدم بيته زجرًا له وروي عن محمد قاله في السير الكبير في رجل كسر دن خمر لإنسان قال إن كان بإذن الإمام فلا ضمان عليه وإن كان بغير إذن الإمام فعليه ضمانه هذا هو المروي عنهم والله أعلم ذكر (عن الحسن قال بلغ عمر بن الخطاب ﵁ (١) أن امرأة مغيبة يتحدث عندها فأرسل إليها ليؤتى بها وكانت حاملًا فذعرها ذلك فأخذها الطلق في الطريق فأسقطت فبلغ ذلك عمر فاستشار جلساءه في السقط فقالوا أنت الوالي أرسلت في حق وأنت مؤدب ولا نرى عليك شيئًا وعلي ﵁ ساكت فقال قل قال أراك ضامنًا فقال عزمت عليك لا تجلس حتى تقضي ذلك عني) (٢) وروى بعضهم هذا الحرف على خلاف هذا حتى تقضي ذلك على قومك أما (٣) المرأة المغيبة فهي التي غاب عنها زوجها وكان إذ ذاك الأزواج يغيبون في الجهاد وقوله يتحدث عندها (٤) أراد أن الرجال يجتمعون عندها فيتحدثون لأن ذلك محل التهمة وقوله فذعرها (٥) أي أخافها مهابة لعمر ﵁ وكان مهيبًا وسكوت علي ﵁ جريًا على عادته الحميدة فإنه كان لا يتكلم حتى يسئل وهكذا ينبغي للعالم أن لا يتكلم ما لم يسئل فإن أجاب غيره كفى المؤونة وأما ضمان السقط فقد قال بعضهم لا ينبغي أن يجب لأنّ الإمام متى فعل فعلًا تولّد منه شيء فلا ضمان فيه كما لو قطع يد السارق فسرى إلى نفسه ومات فلا ضمان على الإمام وقال بعضهم هاهنا ينبغي أن يجب عليه الضمان لأنّه غير مكلف بالعدوى إنّما ذلك مباح له وكل فعل كلفه الإمام فما تولد منه لا يكون مضمونًا عليه إمامًا كان مباحًا فإنه يتقيد بشرط السلامة أما آخر الحديث فإن كان الرواية حتى تقضي ذلك عني فيحتمل أن يكون قول عمر خطابًا لعلي ﵄ ومعناه تساعدني في قضائه ويحتمل أن يكون

стр. 200

خطابًا من علي لعمر ومعناه أن الغرم التي وجبت في السقط تجب على عاقلة عمر وعاقلته قريش وبنو هاشم من جملة قريش وعلي من بني هاشم فيكون عليه بعض العقل فقال عمر اقض ذلك عني وأد ما يلزمني فيه وإن كانت الرِّواية حتَّى تقضي ذلك على قومك فهو خطاب من عمر لعلي ومعناه أَنَّه يجب على العاقلة وهم قوم علي لأنّ قريشًا قوم علي وهم قوم عمر أيضًا فيقضي بالغرم عليهم وفائدة الحديث المقصودة في كتابنا هذا جواز الأعداء فإنَّه أرسل إليها وأعدى عليها ذكر (عن عمر ﵁ إنَّه لما قدم الشَّام أتاه رجل فذكر عن امرأته فجورًا قال فأرسل عمر ﵁ إليها أبا واقد الليثي ﵁ وقال أخبرها أنَّها لا تؤخذ بقول زوجها فأتاها أبو واقد فأخبرها بذلك فاعترفت فأمرها عمر فحدث) دل الحديث على (١) جواز الأعداء مجرد الخبر ثم ظاهر الحديث حجة للشافعي علينا فإن الحد يقام بالإعتراف (٢) مرَّة لكنا نقول المذكور إنَّها اعترفت فينصرف ذلك إلى الاعتراف المشروط شرعًا وهو الإقرار (٣) أربع مرات في أربع مجالس (قال والذي نزل فيها (٤) اللعان كان على نحو من هذا) يريد الذي رأى مع امرأته رجلًا والحديث فيه معروف ذكر (عن ابن مسعود ﵁ أنَّه أرسل إلى ابن النواحة حتَّى بلغه ما بلغه قرظة بن كعب في ثمانين فارسًا) وهو يدل على جواز الأعداء أيضًا ذكر صاحب الكتاب بإسناده (عن جابر بن نوح الحماني قال رأيت على خاتم سعيد بن أشوع (٥) الصابري وكان على قضاء الكوفة أجب القاضي سعيد بن أشوع وعن (٦) هذا جرى الرسم بين القضاة بإرسال الختم على طينة أو رقعة حتَّى يحضر الخصم) وذلك (٧) لأنَّه قد يكون المدعى عليه في مكان بعيد فلو أرسل مع المدعي

стр. 201

من يحضر خصمه يحتاج إلى مؤنة الرسول وهو الذي نسميه عون القاضي فكان النظر في إرسال الختم ليعرضه عليه ويشهد عليه أنَّه عرض ختم القاضي عليه فإن حضر وإلَّا أرسل القاضي من يحضره وتكون مؤنة الرسول على المدعى عليه والله أعلم (قال أحمد بن عمر والخصاف وإذا استعدى رجل القاضي (١) على رجل أو على امرأة أعداه عليه وأمره بإحضاره (٢) ليجمع بينهما ويسأل (٣) عن دعوى المدعي وإن أراد احلافه أحلفه في مجلس الحكم) (٤) وإنَّما (٥) كان كذلك لأنَّ القاضي مأمور بإيصال الحق إلى المستحق وكف يد الظالم ولا يمكنه ذلك إلَّا إذا جمع بينهما وسألهما عن الحال وما يقوله كل واحد منهما فيفعل ذلك ليتوصل به إلى إقامة الحق قال في الكتاب (إلَّا أن يكون المستعدي عليه مريضًا أو امرأة مخدرة (٦) لا تخرج) يريد (٧) به امرأة مخدرة لم تجر عادتها بالخروج إلَّا لضرورة (فإن كان (٨) بهذه الحالة وجه القاضي إلى ذلك المريض وتلك المرأة مع المدعي أمينًا من أمنائه وبعث معه شاهدي عدل ممن يعرف المريض أو المرأة فإذا أتاه الأمين سأله عن دعوى المدعي فإن أقر شهد الشاهدان على ذلك وقال له الأمين وكل وكيلًا يحضر مع خصمك مجلس الحكم فإذا فعل ذلك حضر الشاهدان فشهدا عند القاضي بما أقر به بمحضر من وكيله) أما توجيه القاضي إليه فلأن المريض معذور وكذلك المرأة إحضارها لا يفيد لأنَّها لو حضرت فالحياء يمنعها عن التكلم وربما يكون ذلك سببًا إلى فوات حقها فيعذر إحضارهما والقاضي لا يمكنه الحضور بنفسه عندهما لأنّ في ذلك ذهاب جاهه فكان له أن يبعث أمينًا ويبعث (٩) معه شاهدين لأنَّه يحتاج إلى نقل إقراره أو إنكاره إلى مجلس الحكم ليحكم القاضي عليه وشرط أن يكون الشاهدان يعرفان المدّعى عليه لأنَّ الشهادة عليه إنَّما تكون متى عرفاه ثم قال

стр. 202

يشهدان بإقراره بمحضر وكيله لأنّ الشهادة إنَّما تصح على خصم إذا عرفت هذه الجملة فالمسألة بعد ذلك على وجهين إمَّا أن يكون القاضي قد أذن له في الاستخلاف أو لم يكن كذلك (فإن كان مأذونًا له من جهة السلطان بالاستخلاف يستخلف أمينه فيحكم على المرأة والمريض في ذلك المجلس فيكون مجلس الخليفة كمجلس القاضي وإن كان القاضي غير مأذون له في الاستخلاف بَعَثَ الأمين والشاهدين على ما ذكرنا فإن أقرّ المدعى عليه نقلًا إقراره على ما مر ثم يحكم به الحاكم وإن أنكر المريض أو المرأة استحلفه الأمين على ذلك وينبغي للقاضي أن يعلم الأمين كيف يستحلفه (١) لأنَّ عادات القضاة فيما يختارونه للتغليظ مختلفة منهم من يزيد ومنهم من ينقص، ومنهم من يختار ذكر بعض الأوصاف دون بعض فيعلمه ذلك ليعرف رسم القاضي فيه فإذا حلف قال له الأمين وكل وكيلًا ليحضر مع خصمك ليثبت عليه بينة إن كانت له. فصل (فإن (٢) عرض عليه اليمين فأبى فعرض عليه ثلاث مرات فأبى أن يحلف أمره أيضًا أن يوكل وكيلًا يحضر مع خصمه مجلس الحكم ويحضر الشاهدان فيشهدان عند القاضي بمحضر من وكيله بنكوله (٣) فيحكم عليه بالنكول ويلزمه ذلك) وقال الشَّيخ الإمام شمس الأئمة أبو بكر محمَّد بن أبي سهل السرخسي ﵀ وهذا اختيار (٤) صاحب الكتاب بناء على مسألة وهي أنَّه هل يشترط القضاء بالنكول أن يكون على فور النكول أم لا فاختيار صاحب الكتاب أنَّه لا يشترط ذلك حتَّى لو نكل الخصم فاشتغل القاضي بعد نكوله بشغل آخر ثم تفرّغ فله أن يحكم بذلك النكول فعلى هذا يستقيم ما ذكره هاهنا. لأنَّ الشاهدين إذا شهدا بنكوله عند القاضي فحكم بذلك عليه لم يكن حكمًا على فور النكول لأنَّ النكول كان

стр. 203

في مجلس آخر وقال (١) غيره من مشائخنا يشترط في الحكم بالنكول أن يكون على فور النكول فلا جرم ما ذكره الخصاف لا يتأتى على قول هؤلاء فإذًا ما يصنع في هذا الفصل على قول هؤلاء المشائخ قال بعضهم ينبغي للأمين الذي وجهه القاضي أن يحكم عليه بالنكول وإن كان القاضي لم يأذن له بذلك ثم يرفع الأمر إلى القاضي (٢) فيمضي ذلك الحكم لأنَّه تحقق فيه العذر فوجب تنفيذه وقال بعضهم ينبغي للقاضي أن يسأل المدعي أتريد التحكيم فإذا قال نعم بعث إلى المدّعى عليه وسأله أتريد التحكيم فإن رضي بذلك بعث حكمًا يحكم بينهما فيحكم الحكم عليه بالنكول ثم يرفع ذلك إلى القاضي فيمضيه قال شيخنا الإمام سلّمه الله ثم الحكم إذا حكم بشيء فحكمه لا يخلو (٣) أما أن يكون لحادثة لم يختلف الفقهاء فيها أو يكون فيها خلاف بين الفقهاء فإن لم يكن فيها خلاف فحكمه نافذ لازم ليس لأحد نقضه وإن كان للفقهاء في تلك الحادثة خلاف فحكمه موقوف حتَّى يمضيه القاضي أو يرده يريد بذلك حتَّى يمضيه قاضي فيقع الأمن عن نقضه أما قبل ذلك فهو نافذ بين الخصمين بلا خلاف بين المشائخ إلّا في اليمين المضافة إذا حكم ببطلانها حكم محكم اختلف المشائخ قال بعضهم ينفذ حكمه فيما بين الخصمين قبل أن يرفع ذلك إلى القاضي وقال بعضهم لا ينفذ فيما بينهما ما لم يضامه تنفيذ القاضي أما ما سوى ذلك من الحوادث فلا خلاف أنَّه ينفذ حكم الحكم المحكم إنَّما يحتاج إلى تنفيذ قاضي فيما كان فيه اختلاف ليلزم ذلك فلا يقدر غيره من القضاة على نقضه إذا عرفت هذا فالقضاء بالنكول مما اختلف فيه العلماء فإذا حكم به الحكم نفذه القاضي وأمضاه والله أعلم (٤) مسألة وإذا تقدم رجل إلى

стр. 204

القاضي وادعى حقًا على رجل ليس بحاضر معه وذكر أَنَّه امتنع من الحضور معه أعطاه القاضي طينة أو خاتمًا فقال له أرِه الخاتم وادعه إليَّ واشهد عليه (١) فإن أرى المدعي المدعى عليه الخاتم وقال هذا خاتم القاضي فاحضر معي إليه في يوم كذا واستشهد (٢) عليه بذلك) فهذا على وجهين إما أن يحضر في ذلك اليوم أو لا يحضر (فإن (٣) حضر فيها وإن لم يحضر فيأتي بيان حكمه فإن قال حين عرض عليه الخاتم لا أحضر وشهد بذلك عند القاضي شاهدان مستوران لم يسأل القاضي عنهما وكتب إلى الوالي ليحضره) أما الشهادة (٤) فلأن قول الخصم وحده لا يقبل ولهذا لم يقبل قبل توجيه الخاتم وأمَّا تركه السؤال فلأن القاضي لا ينفذ بذلك حكمًا إنَّما هو تأديب قال الشَّيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي (٥) هذا اختيار صاحب (٦) الكتاب وينبغي للقاضي أن لا يسمع شهادتهما ما لم يزكيا قال ﵀ والأول أرفق بالنَّاس لأنَّ القاضي لو اشتغل بالتزكية والتعديل يتوارى المدّعى عليه خوفًا من تأديب القاضي فيكتفي في هذا بقول المستور كما يكتفي في كونه ذاعرًا مؤدبًا (٧) للتأديب ونحو ذلك قال في هذه المسألة (٨) (فإذا أحضره (٩) وشهد الشهود برده الخاتم في وجهه حبسه

стр. 205

القاضي على قدر ما يرى تأديبًا له) أما الشهادة في وجهه فلأن الشهادة إنَّما يسمع الخصم في وجهه ثم القاضي مخيّر في كيفية التعذير إن شاء ضربه وإن شاء حبسه وإن شاء عبس في وجهه ونهره على حسب ما يراه تأديبًا لمثله لأنَّه أتى منكرًا وجنى على القاضي حيث امتنع من إنفاذ حكم الله عليه وتركه الانقياد لطاعة الإمام وهذا كله إذا قال لا أحضر (فإن (١) عرض عليه الخاتم فسكت ولم يجب بشيء أصلًا ولم يحضر فهذا والأول سواء) لأنَّ الساكت عند الحاجة إلى الجواب بمنزلة الممتنع فيكون الحكم في حقه على ما ذكرنا (ولو (٢) أنَّه قال أحضر ثم لم يحضر فكذلك الجواب إلَّا إن الأوَّل أغلظ جناية وأحق عقوبة) لأنَّه خالف قولًا وفعلا وهذا خالف فعلًا لا قولًا ولأن (٣) ذلك خالف ابتداء وانتهاء وهذا خالف انتهاء لا ابتداء ثم القاضي إذا كتب إلى الوالي في إحضاره فوجه الوالي من يشخصه فمؤنة المشخص على من قال بعضهم على بيت المال وقال بعضهم الأصح على المتمرد لأنَّ هذا شيء لزم بسبب من جهته فيكون عليه كأجرة الحداد وثمن الدهن الذي يحسم به يد السارق يجب على السارق لأنَّه شيء لزم بسبب من جهته كذلك هنا (٤). فصل (قال (٥) وإن كتب القاضي ابتداء إلى الوالي في إحضار الخصم ولم يعطه خاتمًا فلا بأس به يفعل من ذلك ما يرى) وهكذا عادة القضاة في زماننا هذا لكنهم يبعثون أعوانهم لا أعوان الوالي والله أعلم (مسألة (٦) ولو توارى الخصم في منزله كتب إلى الوالي بإحضاره فإن قال الوالي لم أظفر به وسأل الطالب الختم عليه فإن القاضي يكلفه أن يأتي بشاهدين أنَّه في

стр. 206

منزله) لأنّ (١) الختم عليه بمنزلة الحبس فلا يقبل فيه قول المدعي وحده (فإذا (٢) جاء بالشهود سألهم القاضي من أين علمتم) وذلك لأنهم يشهدون عليه بسبب العقوبة وقد ذكرنا في كتاب الحدود من شرح المختصر (٣) أن القاضي يسأل الشهود ويستقصي في السؤال احتياطًا لأمر العقوبات واحتيالًا للدرئ والإسقاط كذلك هاهنا (فإن قالوا (٤) رأيناه اليوم أو أمس أو منذ ثلاثة أيَّام فإنَّه (٥) يقبل ذلك ويختم (٦) عليه وإن كانت الرؤية قد تقادمت لم يقبل ذلك منه (٧) إلّا أن يكون المدعي لم يمكنه التقدم إلى القاضي) لأنَّ القرعة لم تدركه إلَّا متأخرًا فيقبل ذلك في مقدار القرعة ويختم عليه أما إذا تقادمت القرعة فلأنه يحتمل أنَّه لم يشعر بدعوى الطالب فلم يكن ممتنعًا من إنفاذ الحكم وأمَّا إذا تقاربت الرؤية فالظاهر أنَّه علم بدعوى الطالب وأنَّه ممتنع من الحضور فيستحق الختم عليه ثم صاحب الكتاب جعل اليوم واليومين والثلاثة ليس بتقادم وما وراء ذلك تقادم وقال الشَّيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ ذلك (٨) موكول إلى رأي القاضي ما رآه تقادمًا اعتبر تقادمًا وما لا فلا (ثم (٩) متى كانت الرؤية متقاربة حتى استوجب الختم عليه ختم باب داره في السكة وختم منفذ سطحه أيضًا) لأنَّه لو

стр. 207

كان حاضرًا وامتنع من الحكم يحبس فإذا غاب ممتنعًا كان مستحقًا للحبس فيجعل منزله عليه حبسًا ولن يكون كذلك إلَّا إذا ختم الباب ومنفذ السطح حتَّى لا يمكنه الخروج من ذلك وإذا تقادمت الرؤية فقد مر أنَّه لا تقبل الشهادة على ذلك إلَّا أن يكون المدعي لم يمكنه التقدم لأنَّ قرعته لم تخرجه مادًا ما بين الدعوى ووقته الذي يتقدم فيه إلى القاضي بحكم القرعة ذاك لا يعد تقادمًا لأنَّ المدعي معذور، في التأخير فصار بمنزلة اليوم واليومين والله أعلم. فصل (فإن أقام (١) المدعى عليه بعد الختم في منزله طويلًا فقال المدعي للقاضي أنَّه قد جلس في منزله فعذر عليه وانصب له وكيلًا واسمع من شهود (٢) عليه فقد قال أبو يوسف إنِّي أبعث رسولًا ومعه شاهدان فينادي الرسول ببابه بحضرة الشهود (٣) يا فلان بن فلان أن القاضي يقول لك احضر مع خصمك فلان في مجلسي (٤) وإلَّا نصبت لك وكيلًا (٥) وقضيت عليك يقول ذلك ثلاث مرات في ثلاثة أيَّام فإن (٦) حضروا لا شهد الشاهدان عند القاضي بذلك فنصب القاضي له وكيلًا وسمع من شهود المدعي وقضى على المدعى عليه بحضرة وكيله قال الخصاف ﵀ وقال غير أبي يوسف ﵀ لا أرى أن أنصب (٧) له وكيلًا ولا أحكم عليه حتَّى يحضر) ولم يسم (٨) القائل وقد اختلف

стр. 208

المتأخرون في ذلك قال بعضهم أراد به أبا حنيفة ﵁ فإن قول محمَّد ﵀ مذكور في النوادر مثل قول أبي يوسف ﵀ وقال القاضي الإمام أبو علي النسفي وجدت في بعض الرِّوايات النوادر قول أبي حنيفة ﵁ مثل قول أبي يوسف فصار هذا فصلا مجمعًا عليه على هذا الوجه ووجه ذلك أن القاضي مكلف بإيصال الحق إلى مستحقه ولا يقدر على ذلك إلّا بما ذكرناه فيفعله والتقدير بالثلث لا بلاء العذر لأنَّه يحصل بذلك (قال أبو بكر (صاحب الكتاب) (وقال أبو يوسف في كتاب أدب القاضي) يريد (١) به الذي ذكره في الأمالي (قال لو أن رجلًا أتى بكتاب قاضي إلى قاضي بحق على رجل فلم يحضر المطلوب مع الطالب وأشهد عليه شاهدين (٢) أنَّه طلب منه الحضور معه مجلس الحكم فلم يحضر ولم يوكل أنَّه أقبل كتاب القاضي والبينة وأنقذ القضاء عليه) وهذا والأول سواء والوجه فيه ما ذكرناه. فصل (قال وإذا ادعى رجل حقًا على رجل غائب من المصر (٣) وسأل القاضي إحضاره والكتاب إلى الوالي في ذلك (٤) فإن كان بين المدعى عليه وبين المصر مسافة مقدار ما يأتي الرجل مجلس القاضي ثم يروح من يومه فيبيت في منزله أعداه (٥) إليه وكتب إلى الوالي في إحضاره وإن كانت المسافة أكثر من ذلك لم يعده عليه حتَّى يقيم الطالب شاهدين أن له عليه (٦) حقًا وينسبان (٧) الحق إلى ما يستجبر القاضي إحضاره فيه) أما تقدير المسافة فقد

стр. 209

تقدم ذكره قبل هذا وأمَّا الكتاب إلى الوالي فهو اختيار صاحب الكتاب وهو عادة قضاة زمانهم لأنَّ أعوان القاضي رجالة لا يجدون مراكب يحتملون عليها لإحضاره من خارج المصر ومتى كان كذلك كتب القاضي إلى الوالي ليحضره وعادة القضاة في زماننا هذا خلاف ما ذكر فإنهم يبعثون أعوانهم ولا يستعينون بالولاة في ذلك إلَّا إذا تمرد الخصم عن قدرة وأبى أن يحضر فحينئذٍ القاضي يستعين بالسلطان لإحضاره (ثم) إن (١) صاحب الكتاب ذكر (أنَّه إن كان المدعى عليه في المصر فالقاضي ينفذ إليه بخاتمه وإن كان خارج المصر ينفذ إليه الوالي من يشخصه) وعادة قضاة زماننا على عكس هذا فإن المدعى عليه إذا كان في المصر يستحضرونه بأعوانهم وإن كان خارج المصر يبعثون علامة قائمة مقام الخاتم فيكتبون رقعة في ذلك وهذا أرفق بالنَّاس والله أعلم (قال) صاحب الكتاب (٢) (قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة ﵃) أربعة من الشهود لا أسأل عنهم (٣) شاهدا رد الطينة وشاهدا تعديل العلانية وشاهدا الغربة ليدعوا به القاضي على غير قرعة وشاهدا الأشخاص) (٤) أما شاهدا أرد الطينة فهي الطينة التي يدفعها القاضي إلى المدعي ليعرضها على خصمه فيحضر معه فإذا ردها المدعى عليه ولم يحضر وشهد بذلك شاهدان عند القاضي لم يسأل عنهما واكتفى بالستر ظاهرًا وكتب إلى الوالي في إحضاره لأنَّه لا يلزم بذلك شيئًا على أحد ولو أنَّه اشتغل بالتعديل يتوارى الخصم مخافة من تأديب القاضي إياه وهو موافق لما ذكره صاحب الكتاب اتفق رأيهما فيه أما شاهدا تعديل العلانية (٥)

стр. 210

فكان التعديل في زمانهم تعديلان (١) تعديل في السر وتعديل في العلانية فالتعديل في السر أنه كان يسأل عن الشهود سرًا من قوم يعرفونهم فإذا عدلوا سأل عنهم في الظاهر من قوم آخرين وعدلهم علانية فيكفي (٢) في شهود العلانية بالسر الظاهر لأنَّه لو اكتفى بتزكية السر جاز إنَّما التعديل ظاهرًا زيادة خبر وتوثق فيكفي فيه بمستور الحال وأما شهود الغربة فما قال الرجل يزعم أنَّه غريب ليقدم سماع خصومته من غير قرعة فيشهد له شاهدان أنَّه غريب لا يسأل عنهما لأن الإشتغال بالتعديل يفوت المقصود فإن المقصود من تقديم الغريب أن لا تفوته الرفقة والاشتغال بتعديل الشهود يفوت ذلك (٣) وأما شهود الأشخاص (٤) فالرجل يدعي على رجل غائب عن المصر حقًا بينه وبين المصر مسافة بعيدة فإن القاضي لا يعديه ولا يشخصه ما لم يقم شاهدين على ذلك ولا يسأل عن ذلك (٥) الشاهدين لأنَّه في الحال لا يلزم بهما حقًا وقال محمَّد بن سماعة أمَّا أنا أسأل (٦) عن شاهدي رد الطينة وشاهدي الأشخاص لأنَّ (٧) في ذلك إلزام شيء على الخصم وهو التأديب والإحضار وهذا موافق لما ذكره شمس الأئمة الحلواني فإنَّه قال يسأل عنهم والله أعلم. فصل (قال وأما الهجوم على الخصم إذا توارى في منزله وبين (٨) ذلك للقاضي فقد رآه (٩) بعض أصحابنا) ولم يذكر صاحب الكتاب من قاله وأراد به أبا يوسف فإنَّه كان يفعل (١٠) ذلك

стр. 211

في زمن قضائه ويستجيزه وذكر الشَّيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي هذا الفصل ولم يذكر فيه خلافًا بل أجراه على الوفاق وذكر الشَّيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني فيه خلافًا فقال إن أصحابنا لا يرون ذلك (١) وصورة الهجوم ما قاله أبو بكر صاحب الكتاب (وهو (٢) أن يبعث القاضي رجلين يثق بهما ومعهما جماعة من النساء والأعوان فيأتون منزله بغتة فتقوم الأعوان في الباب (٣) وحول الدار حتَّى أن فر من الدار يأخذونه وتدخل النساء فجأة من غير استئذان حتَّى يصرن في الدار بحيث يشاهدن من فيها وينذرن حرم المطلوب ويأمر بهن أن يصرن في بيت ثم يدخل الرجال فيفتشون الدار سوى ذلك البيت فإن وجدوه وإلا دخل النساء ذلك البيت الذي فيه حرم المطلوب ففتشوه) لجواز أنَّه توارى بينهن (فإن وجد أخذ وإلّا خرجوا) هذه صورة الهجوم أما من قال للقاضي ذلك (٤) فإنَّه يحتج بحديث عمر ﵁ أنَّه خطب النَّاس فقال إنَّه بلغني أن في بيت فلان وفلان شرابًا وأني آتي منزلهما الحديث بطوله وقد ذكرناه في أول هذا الباب وكذلك (٥) احتج (بحديث علي ﵁ وذلك ما روي أنَّه استعمل عبد الرحمن بن مخيف (٦) على الري فأخذ المال وتوارى عند نعيم بن دجاجة الأسدي فأرسل إليه علي ﵁ من يخرجه من دار نعيم فجاء نعيم معهم إلى دار علي (٧) فقال إن مفارقتك لكفر وإن المقام معك لذل فأمر علي بالكف عنه) قوله مفارقتك أي الخروج عليك لأنَّه يصير من الخوارج وذلك يوجب الكفر دل الحديث (٨) على جواز الهجوم

стр. 212

وروي (عن عمر (١) ﵁ أنَّه بلغه نائحة في ناحية المدينة فأتاها حتَّى هجم عليها في منزلها ثم ضربها بالدرة حتَّى سقط خمارها فقيل له يا أمير المؤمنين إن خمارها قد سقط فقال إنَّه لا حرمة لها) وقد تكلموا (٢) في قوله لا حرمة لها قال بعضهم أنَّها لما باشرت ما لا يحل التحقت بالإماء فلم يبق لشعرها حرمة فجاز النظر إليه كما يجوز النظر إلى شعر الأمة وقد روي عن أبي بكر بن الأعمش أنَّه خرج إلى بعض الرساتيق فرأى جماعة من النساء على شاطئ نهر قد كشفن وجوههن وأذرعتهن فجعل ينظر إليهن ويخالطهن ويحادثهن فقيل له في ذلك فقال لا حرمة لهن وإني لأشك في إيمانهن كأنهن حربيات كأنه بلغه حديث عمر ﵁ لكن عندنا أنَّها وإن كانت فاسقة عاصية لم تسقط حرمتها ولم يخرج شعرها من أن يكون عورة وقوله لا حرمة لها معناه لا حرمة لها توجب الإمتناع عن هذا السبب المفضي إلى سقوط خمارها وهو الضرب بالدرة وعن هذا قالوا من أسمع من داره فسادًا جاز الهجوم عليه من غير استئذان الإنكار عليه (٣) لأنَّه لما أسمع من داره فسادًا لم يبق له حرمة يجب لأجلها الإمتناع عن سبب يفضي إلى انتهاك حريمه فصار الحاصل أن الحرمة باقية لكنها لا تنهض شيئًا موجبًا للإمتناع عما يجب إقامته وإن أفضى إلى هتك الحرمة وعلماؤنا ﵏ قالوا لا ينبغي للقاضي أن يهجم على الخصم في منزله لأنَّ فيه هتك ستره وانتهاك حرمته (٤) ولا ينبغي أن يفعل ذلك وفيه إشاعة الفاحشة وكل ذلك يجب التحرز عنه فيما أمكن والله أعلم. باب الحبس في الدين وغيره (٥) ذكر (عن سلام بن مسكين (٦) قال سمعت الحسن يقول (٧) اقتتل أناس من أهل

стр. 213

الحجاز (١) فقتلوا بينهم قتيلًا فبعث إليهم رسول الله ﷺ فحبسهم) أورد الحديث لبيان أن الحبس في التهم (٢) جائز وهذا ورد موافقًا (٣) لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ حبس رجلًا في تهمة (٤) (وقد كان الصّحابة يحبسون إلَّا أنَّه لم يكن لهم حبس معين وكانوا ربَّما حبسوا في المسجد أو في الدهليز كما يتفق فلما آل الأمر إلى علي ﵁ اتخذ حبسًا (٥) وسماه نافعًا فلم يكن حصينًا وفر منه من كان فيه فاتخذ آخر وسماه مخيسًا) وله في ذلك شعر، أورده صاحب الكتاب وقد ذكره محمَّد في كتاب الكفالة وفي ألفاظه قليل اختلاف فالمذكور هاهنا قوله (بنيت بعد نافع مخيسًا. بابًا شديدًا وأميرًا كيسًا ألا تراني كيسًا مكيسًا). وفي بعض الرِّوايات بدلت مكان بنيت وأمَّا المذكور في الكفالة فقوله ألا تراني كيسًا مكيسًا. بنيت بعد نافع مخيسًا. بابًا حصينًا وأميرًا كيسًا. (٦) ونافع ومخيس اسمان للسجن الذي بناه بالبصرة وقد كانوا يسمون مواضعهم وعقاراتهم اسمًا (٧) فإنه روي أنَّه كان لعمر موضع يسمى ثمغًا وذكر (عن أبي مجلز (٨) أن رسول الله ﷺ

стр. 214

حبس رجلًا من جهينة أعتق شقصًا له في مملوك حتَّى باع (١) غنيمة له) دل الحديث على أن الحبس في الدين جائز (٢) وذكر (عن عمر ﵁ أنَّه كان بالجابية فجاءه رجل (٣) فقال يا أمير المؤمنين عبدي وجدته على امرأتي فقال أبصر ما تقول فإنَّك مأخوذ بما تقول فأعاد الرجل فأمر عمر أبا واقد الليثي فقال خذ بيده فأبته عندك حتَّى تغدوا أنت وهو عليها وانظر أحقًا ما قال أو باطلًا (٤) فغدوا (٥) عليها وقد حفرت حفيرة وتهيأت وتحنطت (٦) فقال لها أبو واقد إن هذا جاء عليك بأمر منكر (٧) فإن كان كاذبًا فلا تصدقيه رجاء أن تتوب فقالت صدق لا والله لا أتحملها مرتين فأمر بها عمر فرجمت) أورد الحديث لبيان جواز الحبس في التهمة فإنَّه حبس الرجل عند أبي واقد تلك الليلة (٨) وربما احتج الشَّافعي ﵁ بهذا الحديث علينا (٩) في اشتراط التكرار في الإقرار بالزنا لكنا نقول لا يصلح حجة لأنَّه محتمل ربَّما تكون أقرت أربعًا في أربعة مجالس وربما تكون أقرت مرَّة ومع الاحتمال لا يصلح حجة علينا ولا لنا وقول المرأة لا أتحملها مرتين أرادت بذلك لا أتحمل المعصية مرتين فيكون علي وزران وزر الزنا ووزر الكذب

стр. 215

والله أعلم ذكر (أن رجلًا أتى أبا هريرة ﵁ بغريم له فقال احبسه لي (١) فقال أبو هريرة هل تعلم له عين مال تأخذه قال لا قال فهل تعلم له عقارًا يكسره قال لا قال فما تريد قال أحبسه قال لا ولكن دعه يطلب لك ولنفسه ولعياله) أراد بالعين (٢) النقد من الدراهم والدنانير فإن هذا الاسم يقع على العروض وعلى الدراهم والدنانير لكن عند الإطلاق يراد به الدراهم والدنانيرِ وقوله عقارًا يكسره أي (٣) يبيعه بثمن وكسٍ لأنَّ البائع إذا كان مضطرًا (٤) في البيع فالغالب بيعه بثمن وكس (٥) فيكون ذلك كسرًا ودل الحديث (٦) على أن القاضي يحبس المديون حتَّى يبيع عقاره وإن كان لا يشتري إلَّا بأقل من ثمن مثله ثم أن أبا هريرة ﵁ سأل الطالب ابتداء هل يعلم له مالًا وعندنا لا يسأل القاضي ذلك ما لم يسأله المدعى عليه بسؤال الطالب عن ذلك (٧) ودل الحديث على أنَّه متى ثبت إعسار المطلوب لا يحبسه القاضي فإنَّه قال حين طلب منه حبسه لا دعه يطلب والآية هكذا تقتضي قول الله (٨) ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وهذا لأن الحبس إنَّما كان ليضجر فيتسارع إلى قضاء الدين فإذا لم يكن له مال لم يتحقق هذا المعنى فلا يفيد شرع الحبس في هذه الحالة ذكر (عن طلق بن معاوية (٩) قال كان لي على رجل ثلاثمائة درهم فخاصمته إلى شريح فقال الرجل إنهم قد وعدوني أن يحسنوا إلي فقال شريح أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى
следующие страницы →