← Сияса и кади

Сияса и кади · id 977

شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت الأفغاني

الصدر الشهيد

Полный текст (650 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

في زمن قضائه ويستجيزه وذكر الشَّيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي هذا الفصل ولم يذكر فيه خلافًا بل أجراه على الوفاق وذكر الشَّيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني فيه خلافًا فقال إن أصحابنا لا يرون ذلك (١) وصورة الهجوم ما قاله أبو بكر صاحب الكتاب (وهو (٢) أن يبعث القاضي رجلين يثق بهما ومعهما جماعة من النساء والأعوان فيأتون منزله بغتة فتقوم الأعوان في الباب (٣) وحول الدار حتَّى أن فر من الدار يأخذونه وتدخل النساء فجأة من غير استئذان حتَّى يصرن في الدار بحيث يشاهدن من فيها وينذرن حرم المطلوب ويأمر بهن أن يصرن في بيت ثم يدخل الرجال فيفتشون الدار سوى ذلك البيت فإن وجدوه وإلا دخل النساء ذلك البيت الذي فيه حرم المطلوب ففتشوه) لجواز أنَّه توارى بينهن (فإن وجد أخذ وإلّا خرجوا) هذه صورة الهجوم أما من قال للقاضي ذلك (٤) فإنَّه يحتج بحديث عمر ﵁ أنَّه خطب النَّاس فقال إنَّه بلغني أن في بيت فلان وفلان شرابًا وأني آتي منزلهما الحديث بطوله وقد ذكرناه في أول هذا الباب وكذلك (٥) احتج (بحديث علي ﵁ وذلك ما روي أنَّه استعمل عبد الرحمن بن مخيف (٦) على الري فأخذ المال وتوارى عند نعيم بن دجاجة الأسدي فأرسل إليه علي ﵁ من يخرجه من دار نعيم فجاء نعيم معهم إلى دار علي (٧) فقال إن مفارقتك لكفر وإن المقام معك لذل فأمر علي بالكف عنه) قوله مفارقتك أي الخروج عليك لأنَّه يصير من الخوارج وذلك يوجب الكفر دل الحديث (٨) على جواز الهجوم

стр. 212

وروي (عن عمر (١) ﵁ أنَّه بلغه نائحة في ناحية المدينة فأتاها حتَّى هجم عليها في منزلها ثم ضربها بالدرة حتَّى سقط خمارها فقيل له يا أمير المؤمنين إن خمارها قد سقط فقال إنَّه لا حرمة لها) وقد تكلموا (٢) في قوله لا حرمة لها قال بعضهم أنَّها لما باشرت ما لا يحل التحقت بالإماء فلم يبق لشعرها حرمة فجاز النظر إليه كما يجوز النظر إلى شعر الأمة وقد روي عن أبي بكر بن الأعمش أنَّه خرج إلى بعض الرساتيق فرأى جماعة من النساء على شاطئ نهر قد كشفن وجوههن وأذرعتهن فجعل ينظر إليهن ويخالطهن ويحادثهن فقيل له في ذلك فقال لا حرمة لهن وإني لأشك في إيمانهن كأنهن حربيات كأنه بلغه حديث عمر ﵁ لكن عندنا أنَّها وإن كانت فاسقة عاصية لم تسقط حرمتها ولم يخرج شعرها من أن يكون عورة وقوله لا حرمة لها معناه لا حرمة لها توجب الإمتناع عن هذا السبب المفضي إلى سقوط خمارها وهو الضرب بالدرة وعن هذا قالوا من أسمع من داره فسادًا جاز الهجوم عليه من غير استئذان الإنكار عليه (٣) لأنَّه لما أسمع من داره فسادًا لم يبق له حرمة يجب لأجلها الإمتناع عن سبب يفضي إلى انتهاك حريمه فصار الحاصل أن الحرمة باقية لكنها لا تنهض شيئًا موجبًا للإمتناع عما يجب إقامته وإن أفضى إلى هتك الحرمة وعلماؤنا ﵏ قالوا لا ينبغي للقاضي أن يهجم على الخصم في منزله لأنَّ فيه هتك ستره وانتهاك حرمته (٤) ولا ينبغي أن يفعل ذلك وفيه إشاعة الفاحشة وكل ذلك يجب التحرز عنه فيما أمكن والله أعلم. باب الحبس في الدين وغيره (٥) ذكر (عن سلام بن مسكين (٦) قال سمعت الحسن يقول (٧) اقتتل أناس من أهل

стр. 213

الحجاز (١) فقتلوا بينهم قتيلًا فبعث إليهم رسول الله ﷺ فحبسهم) أورد الحديث لبيان أن الحبس في التهم (٢) جائز وهذا ورد موافقًا (٣) لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ حبس رجلًا في تهمة (٤) (وقد كان الصّحابة يحبسون إلَّا أنَّه لم يكن لهم حبس معين وكانوا ربَّما حبسوا في المسجد أو في الدهليز كما يتفق فلما آل الأمر إلى علي ﵁ اتخذ حبسًا (٥) وسماه نافعًا فلم يكن حصينًا وفر منه من كان فيه فاتخذ آخر وسماه مخيسًا) وله في ذلك شعر، أورده صاحب الكتاب وقد ذكره محمَّد في كتاب الكفالة وفي ألفاظه قليل اختلاف فالمذكور هاهنا قوله (بنيت بعد نافع مخيسًا. بابًا شديدًا وأميرًا كيسًا ألا تراني كيسًا مكيسًا). وفي بعض الرِّوايات بدلت مكان بنيت وأمَّا المذكور في الكفالة فقوله ألا تراني كيسًا مكيسًا. بنيت بعد نافع مخيسًا. بابًا حصينًا وأميرًا كيسًا. (٦) ونافع ومخيس اسمان للسجن الذي بناه بالبصرة وقد كانوا يسمون مواضعهم وعقاراتهم اسمًا (٧) فإنه روي أنَّه كان لعمر موضع يسمى ثمغًا وذكر (عن أبي مجلز (٨) أن رسول الله ﷺ

стр. 214

حبس رجلًا من جهينة أعتق شقصًا له في مملوك حتَّى باع (١) غنيمة له) دل الحديث على أن الحبس في الدين جائز (٢) وذكر (عن عمر ﵁ أنَّه كان بالجابية فجاءه رجل (٣) فقال يا أمير المؤمنين عبدي وجدته على امرأتي فقال أبصر ما تقول فإنَّك مأخوذ بما تقول فأعاد الرجل فأمر عمر أبا واقد الليثي فقال خذ بيده فأبته عندك حتَّى تغدوا أنت وهو عليها وانظر أحقًا ما قال أو باطلًا (٤) فغدوا (٥) عليها وقد حفرت حفيرة وتهيأت وتحنطت (٦) فقال لها أبو واقد إن هذا جاء عليك بأمر منكر (٧) فإن كان كاذبًا فلا تصدقيه رجاء أن تتوب فقالت صدق لا والله لا أتحملها مرتين فأمر بها عمر فرجمت) أورد الحديث لبيان جواز الحبس في التهمة فإنَّه حبس الرجل عند أبي واقد تلك الليلة (٨) وربما احتج الشَّافعي ﵁ بهذا الحديث علينا (٩) في اشتراط التكرار في الإقرار بالزنا لكنا نقول لا يصلح حجة لأنَّه محتمل ربَّما تكون أقرت أربعًا في أربعة مجالس وربما تكون أقرت مرَّة ومع الاحتمال لا يصلح حجة علينا ولا لنا وقول المرأة لا أتحملها مرتين أرادت بذلك لا أتحمل المعصية مرتين فيكون علي وزران وزر الزنا ووزر الكذب

стр. 215

والله أعلم ذكر (أن رجلًا أتى أبا هريرة ﵁ بغريم له فقال احبسه لي (١) فقال أبو هريرة هل تعلم له عين مال تأخذه قال لا قال فهل تعلم له عقارًا يكسره قال لا قال فما تريد قال أحبسه قال لا ولكن دعه يطلب لك ولنفسه ولعياله) أراد بالعين (٢) النقد من الدراهم والدنانير فإن هذا الاسم يقع على العروض وعلى الدراهم والدنانير لكن عند الإطلاق يراد به الدراهم والدنانيرِ وقوله عقارًا يكسره أي (٣) يبيعه بثمن وكسٍ لأنَّ البائع إذا كان مضطرًا (٤) في البيع فالغالب بيعه بثمن وكس (٥) فيكون ذلك كسرًا ودل الحديث (٦) على أن القاضي يحبس المديون حتَّى يبيع عقاره وإن كان لا يشتري إلَّا بأقل من ثمن مثله ثم أن أبا هريرة ﵁ سأل الطالب ابتداء هل يعلم له مالًا وعندنا لا يسأل القاضي ذلك ما لم يسأله المدعى عليه بسؤال الطالب عن ذلك (٧) ودل الحديث على أنَّه متى ثبت إعسار المطلوب لا يحبسه القاضي فإنَّه قال حين طلب منه حبسه لا دعه يطلب والآية هكذا تقتضي قول الله (٨) ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وهذا لأن الحبس إنَّما كان ليضجر فيتسارع إلى قضاء الدين فإذا لم يكن له مال لم يتحقق هذا المعنى فلا يفيد شرع الحبس في هذه الحالة ذكر (عن طلق بن معاوية (٩) قال كان لي على رجل ثلاثمائة درهم فخاصمته إلى شريح فقال الرجل إنهم قد وعدوني أن يحسنوا إلي فقال شريح أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى

стр. 216

أهلها قال وأمر بحبسه وما طلبت إليه أن يحبسه حتَّى صالحني على مائة وخمسين درهمًا) أراد شريح (١) بالأمانة هاهنا الدين وقد تكلموا في المراد بالأمانات في الآية وقال بعضهم (٢) رد مفتاح الكعبة عليّ بني شيبة وقال بعضهم العوارى والودائع وقال بعضهم الديون فإن الدين في رقبته أمانة لأنَّ المطلوب لما أدان (٣) فقد ائتمنه وقال بعضهم وهو القول الرابع الديون وسائر الأمانات وهو قول شريح ثم (٤) أن شريحًا حبسه من غير طلب الطالب وليس هذا مذهبنا بل لا يحبسه ما لم يطلب المدعي من القاضي حبسه لأنَّ الحبس حق المدعي فيجب متى طلب وللقضاة في هذا الفصل مذاهب مختلفة منهم من يرى حبسه ابتداء من غير طلب لأنَّ ذلك يوصل (٥) إلى إيصال الحق إلى مستحقه قال (٦) طلق بن معاوية حتَّى صالحني على مائة وخمسين وذلك لأنهم وعدوا المدعى عليه أن يحسنوا إليه على ما زعم فحط عنه شطر المال وحط الشطر إحسان ودل الحديث على أن الحبس في الدين مشروع ذكر (عن شريح أيضًا أنَّه حبس رستم السَّديد في الدين) أورده لبيان الحبس في الدين (٧) ذكر (عن الشعبي أنَّه قال إذا لم أحبس في الدين فأنا (٨) أتويت حقه وفي (٩) رواية أنا اتويت ماله) وذلك لأنَّ الغريم متى علم أن القاضي لا يحبسه لا يتسارع إلى قضاء الدين فيتوى حق الطالب ويكون ذلك مضافًا إلى فعل القاضي حيث امتنع عن حبسه ذكر (عن عبد الملك بن عمير (١٠) قال كان

стр. 217

علي ﵁ إذا أتاه الرجل بالرجل فقال إن لي عليه دينًا فقال أله مال أن كان له مال أخذنا ذلك (١) فإن قال نعم (٢) قد لجأه قال أقم البينة أنَّه لجأه والأحلف بالله ما لجأه وإن قال أحبسه قال لا أعينك على ظلمه فإن قال فإنّي ألزمه قال إن لزمته كنت له ظالمًا ولا أحول بينك وبينه) قوله لجأه (٣) من عقد التلجئة وتفسير ذلك مذكور، في كتاب الإكراه من كتب محمَّد ﵀ وقد ذكره القدوري في كتاب البيوع بابًا مفردًا ثم هاهنا مسألتان لم يذكرهما صاحب الكتاب إحداهما (٤) أنَّه متى ثبتت عسرة الخصم بإقرار الطالب هل لرب الدين الطالب أن يلازمه أم يمنعه القاضي من ملازمته قال عامة العلماء له أن يلازمه وقال إسماعيل ابن حماد بن أبي حنيفة ﵃ ليس له ذلك واحتج بحديث علي ﵁ أن لزمته كنت له ظالمًا فلو (٥) كانت له ولاية الملازمة لم يكن ظالمًا بذلك ولأن التأجيل إلى الميسرة ثابت شرعًا فصار كما لو ثبت شرطًا وهناك يمنع ولاية الملازمة كما امتنع ولاية الحبس كذلك في الأجل الثابت شرعًا وعامة العلماء احتجوا بحديث ابن كعب ﵁ فإن رسول الله ﷺ رآه لازم غريمًا له عند سارية ولم ينكر عليه وقال ﵊ لصاحب الحق اليد واللسان أراد باليد الملازمة وباللسان التقاضي واحتجوا بقول علي ﵁ ولا أحول بينك وبينه وقوله كنت ظالمًا لم يرد به الظلم الشرعي وإنما أراد به الظلم العادي العرفي أي لم يحسن المعاملة معه وأمَّا المسألة الثَّانية (٦) فإذا كان معسرًا ولازمه الطالب هل يأثم الطالب بالملازمة قال بعضهم يأثم

стр. 218

احتجاجًا بحديث علي ﵁ فإنَّه قال كنت له ظالمًا ولا أحول بينك وبينه دل على أنَّه يأثم بملازمته لكن القاضي لا يحول بينه وبينه وقال بعضهم لا يأثم لأنَّ ذلك (١) توسل إلى وصوله إلى حق نفسه وقوله كنت له ظالمًا قد ذكرنا تأويله والله أعلم (قال وإذا قدم رجل رجلًا إلى القاضي (٢) فثبت له عليه مال إمَّا بإقرار وإما ببيّنة فالقاضي لا يحبسه ما لم يطلب المدعي حبسه عندنا وقال شريح (٣) يحبسه) وقد مرت المسألة فإذا طلب المدعي حبسه فإن القاضي يتأنّى في حبسه ولا يعجل ويأمره بالخروج إليه (٤) من حقه فإن لم يفعل وأعاده إليه يريد حبسه فإن القاضي يحبسه) صاحب الكتاب سوى بين الدين الثابت بالإقرار وبين الدين الثابت بالبينة وقال (لا يحبسه في أول وهلة) وهذا رأيه والمذهب عندنا أن في الإقرار لا يحبسه في أول وهلة وفي البينة يحبسه والفرق أن الحبس إنَّما يجب باعتبار مماطلة الغني بالنص فإذا أقر لم يظهر منه مماطلة لأنَّ من حجة الغريم (٥) أن يقول ظننت أنك تمهلني فإن أبيت أوفيك (٦) حقك فأمَّا إذا جحد الدين حتَّى ثبت (٧) بالبينة فقد وجدت المماطلة (فإذا جاء أوان الحبس لا يسأل المدعى عليه ألك مال) قال صاحب الكتاب (الصواب عندي (٨) أن لا يحبسه حتَّى يسأله ألك مال ويستحلفه على ذلك فإن أقر أن له مالًا حبسه وإن قال لا مال لي قال للطالب ثبت (٩) أن له مالًا حتَّى أحبسه) وهو مذهب بعض القضاة وهكذا روي في النوادر من أصحابنا أنَّه يسأل المدعى عليه ألك مال ولا يسأل المدعي أله مال وقال أبو هريرة ﵁ يسأل وهو مذهب بعض القضاة (وإن طلب المديون من القاضي أن يسأل المدعي عن ذلك سأله (١٠) القاضي بالإجماع فإن سأل المديون وسأل القاضي من المدعي فزعم (١١) المدعي أنَّه موسر وزعم المديون أنَّه معسر [إنَّه] (١٢) يجعل القول قول من اختلف الأقوال فيه قال) صاحب الكتاب (القول قول المديون) لأنَّ العسرة أصل في بني آدم فالمديون متمسك بالأصل وصاحب الدين يدعي أمرًا عارضًا فيكون القول

стр. 219

قول المديون مع يمينه (وقال بعضهم إن كان الدين وجب بدلًا عما هو مال كثمن متاع أو بدل قرض يكون القول قول المدعي وإن كان الدين وجب بدلًا عما ليس بمال يكون القول قول المدعى عليه) لأنَّه إذا وجب بدلًا عما هو مال فقد عرف (١) قدرته على قضاء الدين بما دخل في ملكه وزوال ذلك محتمل وإذا وجب بدلًا عما ليس بمال لم تعرف قدرته على زوال الدين (٢) فبقي متمسكًا بالأصل أنَّه معسر والذي يؤكد هذا القول (٣) مسألتان إحداهما ما نص في كتاب النكاح أن المرأة إذا ادّعت على زوجها أنَّه موسر وادعت عليه نفقة الموسرين وزعم الزوج أنَّه معسر عليه نفقة المعسرين يجعل القول قول الزوج لأنَّ السبب الذي به وجبت (٤) النفقة دينًا في ذمته لم يدخل في ملكه شيئًا يصير به قادرًا على قضاء الدين فبقي متمسكًا بالأصل والثانية نص في كتاب العتق (٥) أن أحد الشريكين إذا أعتق العبد المشترك وزعم أنَّه معسر كان القول قوله لأنَّ هذا الضَّمان وجب بسبب لم يدخل في ملكه شيئًا يصير به قادرًا (٦) ثم أن صاحب الكتاب نسب هذا القول إلى أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ونسبه القاضي الأسبيجابي (٧) إلى الفقيه أبي جعفر الهندواني وقال بعضهم إن كان الدين لزمه بمباشرته عقدًا يكون القول قول المدعي وإن كان الدين لزمه حكمًا لا بمباشرته عقدًا فالقول قول المديون) لأنَّ الظاهر من حال الإنسان أنَّه لا يشرع في أمر لا يقدر عليه ويلتزم (٨) بما لا يعجز عن الوفاء به وهذا القول يوجب التسوية بينهما إذا ثبت ذلك بدلًا عما هو مال أو لم يكن بدلًا عما هو مال (٩) وفرق هذا القائل بين المسألتين (١٠) اللتين ذكرناهما من النفقة والعتق وبين غيرهما وقال ذاك (١١) ليس بدين بل هو صلة فإن النفقة تسقط بالموت وضمان العتق كذلك على قول أبي حنيفة ﵁ ونسب الشَّيخ الإمام شمس الأئمة أبو بكر محمَّد بن أبي سهل السرخسي هذا القول إلى الفقيه أبي جعفر الهندواني (وقال بعضهم يحكم فيه المزي إن كان عليه زي الفقراء كان القول قول المديون وإن كان عليه زي الأغنياء كان القول قول المدعي) (١٢) لأنَّ ذلك علامة الغناء إلَّا في حق العلوية والفقهاء ونسب الشَّيخ الإمام شمس الأئمة أبو محمَّد عبد العزيز بن أحمد الحلواني هذا القول إلى الفقيه أبي جعفر الهندواني فعلى قول هذا القائل

стр. 220

إن كان على المديون زي الفقراء وادعى المدعي أنَّه غير زيه وقد كان عليه زي الأغنياء قبل أن يحضر مجلس القاضي فإن القاضي يسأل (١) البينة فإن أقام على ذلك بينة (٢) سمع القاضي منه وجعل القول قوله وإن لم يمكنه الأقاصة بحكم زيه في الحال (٣) ويجعل القول قول المديون (ثم متى توجه الحبس على المديون وحبسه القاضي يكتب اسمه ونسبه في ديوانه ويكتب من حبس لأجله ويكتب مقدار الحق الذي (٣) حبس به ويكتب التَّاريخ فيكتب حبس فلان بن فلان لفلان بن فلان بكذا وكذا درهمًا يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا) أما كتبه (٤) اسم المحبوس ونسبه فلأن الطالب ربَّما يطالب القاضي بتسليم المحبوس إليه فلابد من (٥) أن يعرف القاضي اسمه ونسبه حتَّى يطالب السجان بتسليم ذلك إليه والتعريف إنَّما يحصل بالاسم والنسب وأمَّا كتبه اسم من حبس لأجله فلأنه (٦) ربَّما يجيء إنسان آخر فيدعي أنَّه حبس لأجله (٧) في دينه ويخرجه فيهرب من القاضي ومن الشخص الذي حبس لأجله (٨) وأمَّا كتبه مقدار الحق الذي حبس به فلأنه (٩) ربَّما يجيء المحبوس بمال قليل ويقول القاضي حبسني بهذا القدر ويدفعه (١٠) إلى القاضي ويهرب وأمَّا كتبه التَّاريخ فلأنه (١١) ربَّما يحتاج إلى سماع (١٢) البينة على إفلاسه وإنَّما تسمع بعد مدة فلابد أن (١٣) يعرف هل انقضت تلك المدة أم لم تنقض (١٤) وإنَّما يعرف ذلك بالتاريخ (ثم البينة على الإفلاس مقبولة بالإجماع وإنَّما اختلف أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد في أن القاضي هل يقضي عليه بالإفلاس وبالحجر عند أبي حنيفة لا يقضي عليه

стр. 221

بالإفلاس ولا يحجر عليه [وعندهما يقضي بالإفلاس] (١) عليه) لكن إنَّما تقبل البينة على الإفلاس بعد ما مضى مدة من حين حبس (٢) واختلفوا في تقدير تلك المدة روى محمَّد بن الحسن عن أبي حنيفة ﵁ في كتاب الحوالة والكفالة شهرين أو ثلاثة أشهر وروى الحسن عن أبي حنيفة ما بين أربعة أشهر إلى ستة أشهر وذكر الطحاوي شهرًا قال شمس الأئمة أبو محمَّد عبد العزيز بن أحمد الحلواني ما قاله الطحاوي أرفق الأقاويل في هذا الباب وهذا لأن ما زاد على الشهر في حكم الأجل [وما دون الشهر في حكم العاجل] (٣) فصار الشهر أدنى الآجال (٤) والأقصى لا غاية له والصحيح أن هذا ليس بتقدير لازم بل ذاك (٥) مفوض إلى رأي القاضي فإن مضى (٦) ستة أشهر ووقع عنده أنَّه متعنت يديم الحبس وإن مضى شهر أو دونه ووقع عنده أنَّه عاجز أطلقه هذا هو معنى قول محمَّد في آخر الباب بعد ذكر التقدير هذا إذًا أشكل عليه أمره يعني أفقير هو أم غني (فأمَّا إذا لم يشكل عليه أمره سألت عنه عاجلًا فإذا كان (٧) ظاهر أمره الفقر أقبل البينة (٨) على الإفلاس وأخلى سبيله وهذا لأنه إذا ثبت أنَّه معسر ثبت النظرة إلى ميسرة (٩) فلو استدام الحبس كان ذلك ظلمًا وإن لم يقع للقاضي شيء وكان حاله مشكلًا فالقاضي ينظر إن كان الرجل حييًا (١٠) أو صاحب عيال وشكى (١١) عياله إلى القاضي حبسه شهرًا ثم سأل عن حاله ويقبل البينة على إفلاسه وإن كان وقحًا عند جواب الخصم يحبسه إلى ستة أشهر ثم يسأل عن حاله ويقبل البينة على إفلاسه فإن قامت البينة على إفلاسه قبل الحبس هل يقبلها فيه روايتان في إحدى الروايتين يقبل وبه كان يفتي الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل البُخاري (١٢) وكان يقول له رواية في كتاب الكفالة سنذكرها في أول كتاب الكفالة إن شاء الله تعالى وفي رواية لا يقبل (١٣) نص عليه صاحب الكتاب في آخر الباب وبه كان يفتي عامة المشائخ (١٤) وهو الصَّحيح (فإن أحضر المدعى عليه بينة بعد

стр. 222

الحبس على العدم قبل الوقت الذي ذكرنا (١) فيشهدوا عند القاضي بذلك قال) صاحب الكتاب (قبل القاضي ذلك وأخرجه من الحبس وفلسه) وهذا لا يشكل على إحدى الروايتين أما على الرِّواية الثَّانية قال مشائخنا هذا إذا لم يكن حال الرجل مشكلًا أما إذا كان لا يقبل (٢) قبل مضي تلك المدة فإذا مضت تلك المدة واحتاج القاضي إلى معرفة حاله رجع إلى من له معرفة بحاله وعلم بذلك (٣) وأعلم النَّاس (٤) بحاله جيرانه وأهل محلته فيسأل الثقات من جيرانه وأصدقائه وأهل سوقه لأنَّ الفساق عسى يكذبون (٥) فإن قال هؤلاء أنا لا نعرف له (٦) مالًا فلسه القاضي وأخرجه من الحبس ولا يحول بين المدعي وبين ملازمته عند عامة العلماء وعلى قول إسماعيل بن حماد يحول (وليس للخصم (٧) أن يلازمه في الابتداء لكن يأخذ المدعي منه كفيلًا فإن أعطى الكفيل انتهى (٨) الكلام وإن أبى حينئذٍ يلازمه) وقد مرت هذه المسألة في باب أخذ الكفيل (فإن قامت البينة على أنَّه مفلس وأقام المدعي (٩) البينة أنَّه موسر فالقاضي يقبل بينة المدعي) لأن بينته مثبتة وبينة المدعى عليه نافية والبينات مشروعة (١٠) للإثبات لا للنفي والله أعلم (قال وإن حبسه القاضي وله أموال فامتنع من قضاء الدين فإن كان له مال (١١) من جنس ما عليه [من الدين] (١٢) بأن كان عليه (١٣) دراهم وماله [دراهم] (١٤) أو عليه دنانير وماله دنانير فإن القاضي يقضي الدين من ماله) لأنَّ (١٥) صاحب الحق لو ظفر بذلك كان له أن يمد يده ويأخذ حقه لأنَّ هذا عين حقه فيكون للقاضي أن يعينه على ذلك بالدفع إليه (وإن [كان عليه دراهم وله] (١٦) دنانير أو على العكس فالقياس على قول أبي حنيفة ﵁ أن لا يصرف الدراهم بالدنانير ولا يقضي دينه (١٧) بل يحبسه

стр. 223

حتَّى يفعل هو ذلك وفي الاستحسان يصرف ويقضي دينه) وجه القياس أنَّهما جنسان مختلفان ولهذا ليس لصاحب الدين إذا كان دراهم أن يمد يده فيأخذ الدنانير (وكذلك لو كان على العكس) ومتى كانا جنسين أشبه العروض مع الدراهم وجه الاستحسان أنَّهما جنسان مختلفان من حيث العينية لكنهما جنس واحد من حيث المالية وحق صاحب الدين في العين وهما جنسان من هذه الجهة فلذلك لم يكن له أن يمد يده فيأخذ الدنانير مكان الدراهم فأمَّا ولاية القاضي في حق الدفع إنما تثبت من حيث المالية وهما من هذه الجهة جنس واحد فثبت للقاضي ولاية دفع الدنانير مكان الدراهم (فإن كان مال المحبوس عروضًا (١) وعليه دراهم أو دنانير فعند أبي حنيفة ﵁ لا يبيعه لكنَّه يحبسه حتَّى يبيع بنفسه وعندهما يبيع العروض) رواية واحدة (وأمَّا إذا كان عقارًا لا يبيع عند أبي حنيفة ﵁ على ما ذكرناه وعنهما روايتان الأصح (٢) أنَّه يبيع ذلك ويقضي الدين كما يبيع العروض ثم عندهما إذا كان للقاضي ولاية البيع فإنَّه ينبغي أن يبدأ ببيع العروض فإن لم يكن بها وفاء بالدين حينئذٍ يبيع من العقار ما يتمم به قضاء دينه وترتيب الأموال في قضاء الديون مذكور في كتاب زكوة الجامع الكبير (قال ولو أن رجلًا حبس غريمًا له [في دين] (٣) ثم غاب فسأل القاضي عن حال المحبوس فوجده معدمًا قال يأخذ منه كفيلًا ونخلي سبيله) يريد بذلك (٤) إذا مضت المدة وسأل القاضي عن حاله فوجده مفلسًا أما تخليته فلأن الطالب (٥) ربَّما يغيب ويخفي نفسه تعنتًا حتَّى تطول مدة الحبس فيتضرر المحبوس وأما أخذ الكفيل فلأن المدعي لو كان حاضرًا كان له حق الملازمة بعدما خلى القاضي سبيله نظرًا للمدعي فإذا كان غائبًا كان للقاضي أن ينظر له (٦) فيأخذ منه كفيلًا لأنَّ القاضي نصب ناظرًا للمسلمين (مسألة (٧) وإذا

стр. 224

كان الغريم مقرًا بما عليه فأراد الطالب ملازمته (١) وقال الغريم احبسني فالقول قول الطالب ويلازمه) لأنَّ الحبس والملازمة إنَّما (٢) شرعًا توصلا (٣) إلى حق الطالب بواسطة ضجر المطلوب والنّاس في ذلك يتفاوتون منهم من تضجره الملازمة ومنهم من يضجره الحبس فكان التعيين إلى الطالب لأنَّه حقه. فصل (٤) وقال محمَّد إن جاء المطلوب مع الطالب فقال المطلوب أنا مفلس ومعي بينة على ذلك قال لا أسمع منه) وقد ذكرنا أن في سماع البينة على الإفلاس قبل الحبس روايتان فما ذكره هاهنا إحدى الروايتين وقد تقدم هذا (قال وروى) يعني محمدًا (أن أبا حنيفة ﵁ كان يقول احبسه شهرين أو ثلاثة وهو قول محمَّد في رواية هشام) وقد ذكرنا أيضًا أن التقدير ليس بلازم إنَّما هو على حسب ما يراه القاضي (مسألة (٥) المطلوب إذا مرض في السجن مرضًا أضناه قال (٦) إن كان له من يخدمه لم أخرجه (٧) وإن لم يكن له من يخدمه أخرجه) (٨) أما إذا كان له من يخدمه فلأن الحبس إنَّما شرع ليضجر (٩) المحبوس فيسارع إلى قضاء الدين وهو في حالة المرض أشد مسارعة إلى ذلك فكان أقرب إلى المقصود والحبس ليس سببًا للهلاك في هذه الحالة لأنَّه إذا كان له من يخدمه ويعالجه فذلك في

стр. 225

الحبس وغيره سواء أما إذا لم يكن له من يعالجه (١) يخرجه لأنَّه يخاف (١) عليه الهلاك في هذه الحالة والمستحق هو الزجر لا الإهلاك (مسألة قال (٢) محمَّد في ملازمة المرأة آمر الطالب أن يلزمها (٣) بامرأة يجعلها معها) وذلك لأنَّ الملازمة أن يكون مع الغريم يدور حيث ما دار فلو فعل ذلك مع المرأة لخلا بها وهي غير محرم فلا يجوز لكنَّه يأمر امرأة أمينة بأن تلازمها وتكون معها أناء الليل والنهار مسألة (٤) وقال محمَّد إذا خفت على الرجل أن يفر من حبسي حولته إلى حبس اللصوص إذا لم أخف عليه منهم) وذلك لأنَّه محتاج إلى إيصال الحق إلى مستحقيه فيفعل ذلك بأي طريق أمكن ولهذا قلنا إذا عجز عن إحضار الخصم كان له أن يستعين بالوالي في إحضاره وكذلك إذا عجز عن حفظه كان له أن يستعين بالوالي في حفظه (لكن هذا إذا كان لا يخاف عليه منهم أما إذا خاف عليه بأن كان بينه وبين بعضهم عداوة فإنَّه لا يحوله لأنَّه يتوهم هلاكه والهلاك غير مستحق. فصل (قال (٥) ولا أمنع من حبسه من أن تدخل عليه جاريته فيطأها إن كان له هناك موضع) لأنَّ الوطء اقتضاء شهوة الفرج كالأكل اقتضاء شهوة البطن وذلك (٦) لا يمنع عن المحبوس

стр. 226

كذلك هذا (لكن إذا لم يكن هناك موضع يعذر عليه ذلك) لتعذر المكان والله أعلم. باب الحجر بسبب الدين ذكر (عن الزُّهريّ أن معاذ بن جبل ﵁ كان عليه دين فأخرجه النَّبيُّ ﷺ من ماله لغرمائه) هكذا روى صاحب الكتاب وروي في بعض الرِّوايات أن النَّبي ﷺ باع على معاذ ماله وصرف ثمنه إلى الغرماء فأبو يوسف ومحمد احتجا بهذه الرِّواية على أبي حنيفة في أَنَّه باع مال المديون في دينه وأبو حنيفة ﵁ يقول في الرِّوايات تعارض (١) وهو حكاية حال فنقف و (٢) وجه التعارض أن قوله أخرجه من ماله لغرمائه لا يشعر بالبيع عليه بغير رضاه ثم إن كانت الرِّواية أَنَّه باع عليه ماله فيحتمل أَنَّه باع برضاه والتماسه وذكر (عن كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ بن جبل ﵁ وباع ماله في دين كان عليه) وقد احتجا بهذه الأحاديث (٣) في مسألتين على أبي حنيفة إحداهما الحجر (٤) على الحر والثانية بيع مال المديون عليه لقضاء دينه ولكن أبا حنيفة ﵁ يقول المراد من الحجر النَّهي عن التصرف في ذلك المال نهي شفقة لا إسقاط اعتبار تصرفه إذا أوجده (٥) والبيع عليه كان برضاه و (٦) ذكر (عن شريح أنّه كان يبيع ما فوق الإزار والحديث أيضًا حجة لهما في البيع (٧) على المديون ثم القضاة الذين يرون ذلك مختلفون [في هذا] (٨) منهم من لا يرى بيع (٩) مسكنه وخادمه ويبيع ما سوى ذلك (وبه كان يأخذ عمر بن عبد العزيز ﵁) ذكره (١٠) صاحب الكتاب بعد هذا لأن هذا من أصول حوائجه وحاجته مقدم على الدين (١١) ومنهم من قال يباع (١٢) ما فوق الإزار لأنَّ ضرورة ستر العورة يندفع به فإن كان

стр. 227

في موضع برد يترك له ما يدفع به البرد ويباع (١) ما سواه لأنَّ فيه ضرورة أما إذا لم يكن موضع برد فلا ضرورة (٢) ولهذا كان شريح يبيع ما فوق الإزار لأنَّه كان بالحجاز والمرء يكتفي فيها بالإزار الواحد لشدة حرها (٣) وقال بعضهم يترك له دستًا من الثياب ويبيع ما سوى ذلك وهو اختيار (٤) شمس الأئمة الحلواني وقال بعضهم دستين من الثياب لأنَّه متى (٥) غسل أحدهما احتاج (٦) إلى الآخر وهو اختيار الشَّيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي وذكر (عن عبد الله بن دلاف عن أبيه عن عم أبيه بلال بن الحارث (٧) قال كان رجل يغالي بالرواحل يسبق الحاج حتَّى أفلس فخطب عمر بن الخطاب ﵁ وقال أما بعد فإنّ الأسَيْفِعَ (٨) أُسَيْفِعَ جهينة رضي من أمانته ودينه بأن يقال سبق الحاج فادان معرضًا (٩) فأصبح قد رين به فمن كان له عليه شيء فليأتنا حتى نقسم ما له بينهم) قوله فادان أي استدان (١٠) يقال دان فلان فلانًا إذا أعطاه دينًا وأدان فلان من فلان أي أخذ منه دينًا [وقوله وقد أصبح

стр. 228

وقد] (١) رين به [معناه وقد] (١) غلبه (٢) الدين من قوله تعالى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي غلب عليها (٣) ثم الحديث حجة لأبي يوسف ومحمد على أبي حنيفة وأبو حنيفة يقول يحتمل أن ماله كان من جنس الدين (٤) وإن كان من خلاف جنسه فهو كان مكاري مفلس (٥) وهو يرى الحجر على المكاري المفلس ذكر (عن عمر بن عبد العزيز أنَّه فلس رجلًا وآجره) وإنَّما فعل ذلك لأن الإجارة أنفع له لأنَّه متى أجره توصل إلى قضاء الدين [بالأجرة] مع بقاء الأعيان (٦) على ملكه وهذا أولى من بيع الأعيان وإخراجها من ملكه من غير ضرورة لأنَّه أمكن قضاء الدين مع بقاء الأعيان وعلماؤنا ﵏ لم يأخذوا بهذا قالوا لأن الدين لم يتعلق بمنافع بدنه إنَّما تعلق (٧) بأمواله والمنافع ليست أموالًا حقيقة لكن أعطي لها حكم الأموال عند الضرورة وهاهنا لا ضرورة فبقيت على الأصل ومتى لم يكن مالًا لا يتعلق بها الدين لأنَّه يتعلق بما يمكن الاستيفاء منه و (٨) ذكر (عن شريح أنَّه كان إذا أفلس (٩) رجلًا جعل ما بقي بين غرمائه) وذلك لأنَّه (١٠) متى فلسه تعلق حقوق الغرماء بما له على السواء لأنَّه صار محجورًا عليه في التصرف فأشبه مال المريض فتجب قسمته بينهم ذكر (عن عبد الله بن جعفر ﵄ أنَّه اشترى دارًا بأربعين ألف درهم فأراد علي ﵁ أن يحجر عليه وكان جعفر أوصى إلى علي فأتى عثمان ﵁ فقال يا أمير المؤمنين إنِّي اشتريت دارًا بأربعين ألف درهم وإن عمي يريد أن يحجر علي فقال له عثمان أنا شريكك فبلغ ذلك عليًا (١١)

стр. 229

فقال كيف أحجر على رجل شريكه أمير المؤمنين ﵁ هكذا رواه الخصاف وقد روى بعضهم أن الثمن كان أربعة آلاف دينار ولا منافاة بينهما لأن قيمة الدنانير كانت عشرة دراهم فتكون قيمة أربعة آلاف دينار أربعين ألفًا وأصحاب الحديث يروون (١) أن عليًا طلب من عثمان أن يحجر عليه فأجابه إلى ذلك فبلغ ذلك عبد الله بن جعفر فشارك الزُّبير بن العوام في الدار فقال عثمان كيف أحجر على رجل شريكه الزُّبير (٢) والحديث بظاهره حجة لأبي يوسف ومحمد على أبي حنيفة في جواز الحجر على الحر وأبو حنيفة ﵁ يقول إنَّما سأل (٣) علي الحجر عليه وأجابه عثمان إلى ذلك لأنَّه كان يخشى من ذلك ضرر عام، وهو وقوع الفتنة بين العشيرة وعند أبي حنيفة يجوز الحجر (٤) في مثل هذا ولهذا جوز الحجر على الطَّبيب الجاهل والمفتي الماجن الذي يعلم النَّاس الحيل والمكاري المفلس لأنَّه يخاف من هؤلاء ضرر عام، فجوّز الحجر عليهم كذلك هاهنا ذكر (عن مجاهد قال لا يدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط حتَّى يؤنس منه رشده) ظاهره حجة لأبي يوسف ومحمد على أبي حنيفة في أن الذي بلغ (٥) خمسًا وعشرين سنة لا يدفع إليه ماله إذا لم يكن رشيدًا

стр. 230

ولكن أبا حنيفة يقول الله أمر بدفع المال إليه عند إيناس نوع رشد بقوله ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ذكر الرشد منكرًا فيتناول نوعًا واحدًا من أنواع الرشد (١) ومتى بلغ خمسًا وعشرين سنة فالظاهر أنَّه يوجد فيه نوع رشد لأنَّه يبلغ مبلغًا يصلح فيه معه جدًا (قال الخصاف (٢) قال أصحابنا ولو أنّ رجلًا ثبت له على رجل دين إمَّا ببينة وإما بإقرار عند القاضي فقال الطالب للقاضي احجر لي عليه قبل أن تحبسه [بالدين الذي ثبت عليه] (٣) أو بعدما حبسته فإن القاضي لا يحجر عليه في قول أبي حنيفة ﵁ وقال أبو يوسف ومحمد (٤) يحجر عليه ويشهد على ذلك ويقول حجرت على فلان ابن فلان هذا لعلة الدين الذي عليه لفلان وحبست عليه ماله فلا أجيز شراه ولا بيعه ولا هبته ولا صدقته ولا إقراره) أما الإشهاد من القاضي فلأنّ الحجر منه حكم ويتعلق به أحكام أخر فربما يقع فيه تجاحد (٥) فيحتاج إلى إثباته وطريق الإثبات الشهادة (٦) وأمَّا بيان علة الحجر وهو الدين فلأنّ على قول من يرى الحجر جائزًا يختلف الحجر باختلاف سببه فإنّ الحجر بسبب الشفقة يعم (٧) والأموال والأحوال الموجودة في الحال وما يحدث بعد ذلك والحجر بسبب الدين يعمل في الأموال الموجودة في الحال ولا يعمل في المال الذي يحدث بعد ذلك حتَّى يجوز تصرفه فيه فاحتيج إلى بيان علة الحجر من هذه الجهة (٨) (فإذا حجر القاضي عليه) على قولهما (٩) (لَّا يصح تبرّعه) (١٠) [لأنه لما صار محجورًا صار] (١١) بمنزلة المريض مرض الموت (ولو باع شيئًا من ماله بمثل قيمته جاز (١٢) وقول صاحب الكتاب لا أجيز بيعه وشراه يعني (١٣) بيعه بأقل من القيمة لأنّ المديون صار محجورًا عن تصرف يبطل حق الغرماء والبيع بمثل القيمة لا يبطل

стр. 231

حق الغرماء فهو بمنزلة المريض مرض الموت (١) يجوز بيعه بمثل القيمة. فصل (ولو أقر (٢) بدين لإنسان بعد الحجر لم ينفذ إقراره في حق غرمائه الأولين) لأنَّه لمّا صار محجورًا تعلق حق الغرماء بماله [فصار] له بمنزلة المريض مرض الموت (فإذا قضى (٣) دين الأولين نفذ (٤) إقراره للثاني) لأنَّ الإقرار للثاني في حق نفسه صحيِح وإنَّما لم ينفذ (٥) في حق غرمائه (٦) الأولين لسبق حقهم فإذا زال حقهم ظهر ذلك مطلقًا (٧) بمنزلة المريض (٨) لا ينفذ إقراره في حق غرماء صحته فإذا زال حقهم نفذ إقراره مطلقًا. فصل (فإن اكتسب مالًا بعد الحجر (٩) أو حدث له بسبب من الأسباب جاز (١٠) إقراره ونفذ تصرفه) لأنَّ الحجر لم يؤثر فيه (١١) إنَّما يؤثر في المال الذي كان قائمًا في يده وقت الحجر لأنَّ الحجر كان لصيانة محل (١٢) قضاء حق الغرماء ومحل القضاء هو القائم حال الحجر فيتناوله الحجر وصار في حق ما يحدث وجود الحجر وعدمه سواء فينفذ تصرّفه فيه.

стр. 232

فصل (١) (وقال أبو حنيفة ﵁ لو أنّ رجلًا ثبت لإنسان عليه دراهم فامتنع من دفعها إليه وله دنانير بعت عليه دنانيره بدراهم ودفعت إلى صاحب الدراهم حقه) وهذا استحسان منه والقياس عنده أن لا يباع وقد ذكرنا ذلك قبل هذا (١) (قال وقال في العروض لا يبيعها) (٢) والله أعلم (مسألة (٣) قال ولو ثبت لرجل على رجل مال [بمحضر منه] (٤) إمَّا بإقرار وإما ببيّنة قامت عليه بحضرته ثم غاب المطلوب عن خصمه وامتنع من الحضور معه فإنّ القاضي ينصب عليه وكيلًا ويحكم عليه بالمال إن شاء ذلك الخصم وإن شاء الخصم (٥) الحجر عليه حجر له عليه على ما وصفت لك) وهذا قول أبي يوسف ﵀ وقد ذكرنا (٦) عنه في باب الأعداء أنَّ الخصم إذا اختفى في منزله فلم يحضر عذر القاضي عليه ونصب عليه وكيلًا يسمعِ البينة على الوكيل وقضى على الموكل بحضرة الوكيل كذلك هاهنا ينصب عن الغائب وكيلًا فيقضي عليه بمحضر من وكيله وكذلك يحجر عليه بمحضر من وكيله ولأنّ من أصل أبي يوسف أنَّه يجوز القضاء على الغائب بما شهدت به الشهود بحضرته على ما عرف في موضعه (مسألة (٧) فإن باع المطلوب المحجور عليه من خصمه الذي حجرت عليه له ضيعة أو عقارًا أو غير ذلك بدينه الذي حجرت له عليه بسببه أمضيت ذلك وأنفذته له) أجاز البيع من الغريم الذي وقع الحجر له مطلقًا من غير اعتبار قيمة المثل وذلك لأنّ الحجر كان لحقه وليس في البيع منه إبطال حقه فهو بمنزلة ما لو أدّى إليه دينه بغير إذن القاضي لعلّه يرفع (٨) القاضي الحجر عنه فإنّ ذلك جائز، ولا يرد الأداء كذلك هاهنا قال الشَّيخ الإمام

стр. 233

شمس الأئمة [أبو بكر محمَّد بن أبي سهل] (١) السرخسي هذا إذا كان الغريم واحدًا لأن (٢) البيع منه حينئذٍ لا يكون إبطالًا لحقه أما إذا كان له غريمان فباع من أحدهما فإن باع بمثل القيمة جاز وإلَّا فلا بمنزلة ما لو باع من غريمه فإنَّه يجوز بمثل القيمة وبزيادة ولا يجوز بأقل من القيمة وهو مراده من قوله بعد هذا (ولو باع من غيره لم أجز ذلك) يعني إذا كان بأقل من قيمة المثل ثم متى باع من أحد الغريمين بمثل القيمة لم يسلم كل الثمن لذلك الغريم المشتري بل يشاركه فيه الغريم الآخر لأنَّ حقهما تعلق بماله على السواء فلم يكن له تخصيص بعضهم بالقضاء وهو بمنزلة ما لو كان عليه ديون متفرقة لأقوام ليسوا فيها شركاء يقضي بعضهم دون بعض يشاركه الباقون ولا يسلم له ذلك لأنَّ حقوق الكل متعلقة بماله وقد ذكرنا هذه المسألة مفردة في هذا الموضع وقد ذكرناها نحن على سبيل الاستشهاد والله أعلم (مسألة (٣) ولو أن هذا المحجور استهلك مال إنسان بمعاينة من الشهود لزمه ذلك وحاص صاحب المال الغرماء الذين (٤) وقع الحجر لهم [فيما كان في يده من ماله فيكون أسوتهم في ذلك] (١) لأنَّ الحجر يؤثر (٥) في الأقوال لا في الأفعال والإتلاف فعل فكان وجود الحجر وعدمه سواء في حق الإتلاف. فصل (٦) (وإن حبسه القاضي) يعني المحجور عليه (بالدين الذي ثبت عليه فكان (٧) يسرف في الحبس في اتخاذ المأكل ويعمل ما فيه سرف (٨) أمسك عليه القاضي ماله ومنعه من السرف وأمر أن يدخل عليه

стр. 234

[من ذلك] (١) شيء بالمعروف من غير ضيق وكذلك الكسوة يقتصد فيها) لأنَّ الإسراف يمنع منه غير المحبوس وغير المحجور عليه فالمحبوس (٢) المحجور عليه أولى أن يمنع (مسألة (٣) فإن تزوج امرأة في الحبس أو في غير الحبس فزادها على مهر مثلها كان لها أن تحاص الغرماء الذين وقع الحجر لهم (٤) بمقدار مهر مثلها والزيادة يلزمه فيما يستفيده (٥) من المال ولا يلزمه فيما (٦) في يده الآن) أما (٧) أصل النكاح فلأنه من الحوائج الأصلية فلم يؤثر الحجر فيه فصح ومتى صح وجب مهر المثل حكمًا لصحة النكاح لا بالتزامه ولهذا لو سكت عنه يجب مهر المثل ومتى لم يكن لزومه بالتزامه لم يكن إبطالًا لحق الغرماء فيظهر اللزوم في حقهم وأمَّا الزيادة على مقدار مهر المثل فلزومها ليس حكمًا لصحة النكاح إنَّما هو حكم إلتزامه بمنزلة إقراره فلا يصح ذلك في حق الغرماء لأنَّه إبطال لحقهم (قال وكذلك لو اشترى [هذا المحجور عليه] (١) جارية [بمعاينة من الشهود] (١) بأكثر (٨) من ثمن مثلها فمقدار ثمنها يلزمه في حق الغرماء) لأنَّه ليس فيه إبطال حقهم (وأمَّا الزيادة فلا تصح في حقهم ويصح في حقه وشبه هذا بالمريض المديون وهناك إذا تزوج امرأة بأكثر من مهر مثلها أو اشترى شيئًا بأكثر من قيمة مثله فالحكم فيه ما ذكرنا كذلك هاهنا) وقال في الكتاب (وثمنها بينهم وبين البائع أيضًا) يريد بذلك إذا قبض المحجور الجارية ولم يدفع الثمن إلى بائعها حتَّى جاء الغرماء والبائع فالكل سواء في ما في يده من الأموال ولا يكون البائع أحق بمقدار ثمن الجارية (فلو

стр. 235

كان قضى البائع الثمن جاز قضاؤه ولا مشاركة بين البائع والغرماء في ذلك) لأنَّ القضاء ليس بإبطال لحقهم لأنَّ بدله وهو الجارية قائم في يده اللَّهم إلَّا أن تكون الجارية هالكة فيكون للغرماء أن يتبعوا البائع فيشاركونه في الثمن الذي اقتضاه لأنَّه أسوتهم وليس قضاء البعض بأولى من البعض وليس في يده ما يفي بدين الكل فيشاركونه (مسألة (١) ولو أن رجلًا ركبه دين فاختفى فقال أصحاب الدين (٢) نخاف أن يلجأ ماله فاحجر عليه أيها القاضي قال محمَّد ﵀ إن كانت أموالهم قد ثبتت عند القاضي حجر عليه وإن لم تكن ثبتت (٣) لم يحجر عليه) (٤) وعند أبي يوسف ﵀ ينصب عليه (٥) وكيلًا فيحجر عليه بمحضر من وكيله أما على قول أبي يوسف ﵀ فلا يشكل لأنَّ القضاء على الغائب (٦) إذا انتصب عنه وكيل حاضر جائز بإجماع أصحابنا أما على قول محمَّد فإنَّه يشكل (٧) لأنَّه يقول يحجر عليه من غير أن ينصب عليه وكيلًا وهذا قضاء على الغائب لكن الجواب أن الحجر عليه بسبب الدين كالحجر بسبب السفه فيما ثبت فيه الحجر وذاك الحجر ليس بقضاء مطلق ولهذا قال أبو حنيفة ﵀ لا ينفذ الحجر وإن كان من القاضي فلو كان قضاء لوجب نفوذه لأنّ قضاء القاضي في فصل مجتهد فيه من حقه أن ينفذ فلما لم ينفذ علم أَنَّه ليس بقضاء مطلق إنَّما هو نوع نظر للحاضر وإعانة له على حقه بمنزلة الزوجة إذا طلبت من القاضي أن يفرض لها النفقة وزوجها غائب وقد ثبت نكاحه عند القاضي فإنَّه يفرض لها ولا يكون هذا قضاء على الغائب إنَّما هو نوع نظر للحاضر كذلك هاهنا (وهذا إذا ثبتت ديونهم عند القاضي فأمَّا إذا لم تثبت فلا يحجر عليه) لأنَّ الحجر عليه إنَّما كان نظرًا لهم متى استحقوا النظر وإنَّما يستحقون النظر متى ثبتت حقوقهم والله أعلم.

стр. 236

باب حجر الفساد (١) (قال أبو حنيفة (٢) ﵁ الحجر على الحر البالغ العاقل باطل إلّا ثلاثة الطَّبيب الجاهل والمفتي الماجن الذي يعلم النَّاس الحيل والمخارج والمكاري المفلس الأوَّل لإفساده الأبدان والثَّاني لإفساده الأديان والثالث لإفساده أموال النَّاس قيل هذه رواية عن أبي حنيفة ﵁ وإلّا فظاهر الرِّواية إنَّه لا يرى الحجر على حر كائنًا من كان متى كان بالغًا عاقلًا وقال أبو يوسف ومحمد والشَّافعي ﵃ يجوز الحجر على الحر وإن كان بالغًا عاقلًا سوى أنّ عند أبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهما الحجر يكون بأسباب ثلاثة الدين وقد مر ذلك في الباب السابق والثَّاني السفه والتبذير (٣) والثالث الغفلة (٤) وسلامة القلب وزاد الشَّافعي (٥) رابعًا فقال والفسق وتعاطي المعاصي. فصل (ولو (٦) بلغ سفيهًا بلغ محجورًا عند محمد وقال أبو يوسف لا ينحجر ما لم يحجر عليه القاضي وكذلك لو بلغ رشيدًا ثم حدث به السفه يحدث الحجر عند محمَّد من غير فعل القاضي وقال أبو يوسف لا ينحجر ما لم يحجر عليه القاضي) فأبو يوسف اعتبره بالحجر

стр. 237

[بسبب الدين ومحمد اعتبره بالحجر] (١) بسبب الصبا والجنون (ثم (٢) متى ثبت الحجر) أما بحجر القاضي على قول أبي يوسف أو بنفسه على قول محمَّد (ثم باع شيئًا من أمواله أو اشترى شيئًا نظر القاضي فيه فإن كان خيرًا له نفذه وإن كان شرًا له أبطله) كالأجنبي إذا تصرف في حق اليتيم نظر الوصي فيه فإن كان ذلك خيرًا لليتيم نفذه وإلَّا أبطله. فصل (ثم متى بلغ سفيهًا لم يسلم إليه ماله في قولهم جميعًا فإذا بلغ خمسًا وعشرين سنة وهو على حاله دفع إليه ماله عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يبقى الحجر ما يبقى (٣) السفه (٤) قال والمفسد لماله والذي لم يبلغ سواء إلَّا في أشياء منها أنَّه متى (٥) بلغ مفسدًا لماله زالت عنه ولاية الوصي في قولهم جميعًا) وهذا الفصل حجة لأبي حنيفة وأبي يوسف على محمَّد فإنَّه لو بلغ محجورًا عليه كما قال محمَّد ينبغي أن يدوم (٦) ولاية الوصي عليه كما لو بلغ مجنونًا (ومنها أنَّه لو (٧) أعتق عبده نفذ إعتاقه) لأنَّ الحجر بسبب السفه يثبت كما (٨) يثبت عنه الحجر بسبب الهزل لأنهما سببان من حيث أن السبب مقصود في كل واحد منهما والحكم غير مقصود وبسبب الهزل لا يمتنع الإعتاق كذلك بسبب السفه (ثم (٩) متى نفذ العتق سعى العبد في قيمته) وروي عن محمَّد أَنَّه لا يسعى وهي مسألة كتاب الحجر (ومنها أنَّه إذا

стр. 238

دبر عبده نفذ (١) تدبيره لأنَّ التدبير لا يمتنع بسبب (٢) الهزل (فإذا مات [السفيه] (٣) ولم يؤنس منه رشده (٤) عتق المدبر) لأنَّ العتق معلق بالموت وقد وجد فصار الإعتاق بعد الموت قياس الإعتاق قبل الموت ثم الإعتاق قبل الموت من السفيه نافذ ويجب السعاية على العبد فكذا الإعتاق منه بعد الموت] (٥) (وسعى (٦) في قيمته مدبرًا) لأنَّه ملك نفسه مدبرًا (٧) فيجب عليه قيمته مدبرًا ذكر بعد هذا (إذا أوصى (٨) المفسد بشيء من أعمال البر نحو الحج والصدقة وصلة الرحم ونحو ذلك مما يوافق وصايا أهل الصلاح فإنَّه ينفذ وصيّته) وذلك لأنّ للعلماء اختلاف في تنفيذ وصية الصبي بمثل ذلك قال عمر وشريح ﵄ وهو اختيار أهل المدينة ينفذ لأنَّه نظر محض للصبي من حيث كان إزالة ملكه إلى عوض عقباوي على وجه لو لم يزل كذلك أزال (٨) لا إلى عوض أصلًا وهو نفع محض فيجوز وعند أصحابنا وصايا الصبي لا تنفذ لكن السفيه أبعد من الحجر عن الصبي فالاختلاف في جواز وصيّته يكون اتفاقًا على جواز وصية السفيه يبقى هناك إشكال وهو أن التدبير وصية كسائر الوصايا فإذا جازت سائر الوصايا لماذا يسعى المدبر في قيمته وهلا جاز مجانًا كسائر الوصايا وقد اختلف

стр. 239

المشائخ في هذا قال بعضهم لا يسعى ولا فرق بينه وبين سائر الوصايا وقال بعضهم بل يسعى في قيمته وفرق بينه وبين سائر الوصايا ووجه الفرق أن التدبير وصية لكنّ ظهر عملها في الحالة حتَّى امتنع عليه تمليكه وبيعه والسفيه في الحال محتاج إلى إبقاء المال عليه فظهر عمل الحجر في ذلك للحال لكن لم يكن إظهار أثر الحجر في رد التدبير لأنَّه لا يرد فيظهر في وجوب قيمته متى عتق وليس كذلك سائر الوصايا لأنها لا أثر لها في الحال إنَّما تعمل بعد الموت وهو بعد الموت مستغن عن الأموال فلذلك افترقا. فصل (ولو كان للمفسد (١) جارية فجاءت بولد فقال هذا ابني ثبت نسبه (٢) وكانت الجارية أم ولد له فإذا مات [ولم يونس منه رشد] (٣) عتقت [الجارية] (٣) ولا سعاية عليها) أما صحة الاستيلاء فلأنه لا يؤثر فيه الهزل فلا يؤثر فيه الحجر بسبب السفه ثم قال (لا سعاية عليها بخلاف المدبر) والفرق بينهما أن الاستيلاء من الحوائج الأصلية فيقدم (٤) على سائر حوائجه وحوائج غرمائه وليس كذلك التدبير فإنَّه ليس من الحوائج الأصلية ولهذا ظهر (٥) الفرق في حق المريض على ما علم. فصل (٦) (ولو قال (٧) لغلام له ومثله يولد لمثله هذا ابني فإن كان ولد في ملكه لزمه نسبه وعتق الغلام ولا سعاية عليه) بمنزلة أم الولد (فإن كان الغلام لم يولد في ملكه لزمه نسبه وعتق ولكنه يسعى للغرماء (٨) في قيمته) لأنَّه (٩) متى لم يكن مولودًا في ملكه كانت دعوته دعوة تحرير

стр. 240

لا دعوى استيلاء (مسألة فلو أنَّه (١) تزوج جاز نكاحه) لأنّ النكاح لا يؤثر فيه الهزل فلا يؤثر فيه حجر السفه (إلَّا أنَّه إن كان زادها على مهر المثل (٢) بطلت الزيادة) لأن لزوم الزيادة إنَّما كان بالتزامه وهو محجور عن الالتزام وليس كذلك قدر مهر المثل لأنَّ لزومه كان حكمًا لصحة النكاح والنكاح لا يؤثر فيه الحجر فكذلك ما كان حكمًا له والله أعلم. فصل (ولو أن السفيه المحكوم بحجره طلّق امرأته وقع طلاقه) لأنّ الطلاق (٣) لا يؤثر فيه الهزل فلا يؤثر فيه الحجر بسبب السفه على ما تقدم (٤). فصل (ولو حنث في يمينه (٥) لزمته الكفارة وكان عليه أن يكفر بالصيام) لأنَّه لو كفر (٦) بالمال لم يخل إمَّا أن يكفر بالإطعام أو بالإعتاق لا وجه إلى الأوَّل لأنَّه يفتقر إلى التسليم ويده قاصرة عن ماله فلا يقدر على التسليم ولا وجه إلى الثَّاني وهو الإعتاق لأنَّ إعتاقه يوجب السعاية على ما تقدم سيكون إعتاقًا ببدل والإعتاق ببدل لا يجزي عن الكفارة فتعين له التكفير بالصيام (وكذلك لو ظاهر كان عليه التكفير بالصيام (٧) لصحة الظهار لأنَّه لا يؤثر فيه الهزل بمنزلة الطلاق والتكفير بالصوم لما قلنا (وكذلك (٨) لو قتل إنسانًا خطأً لزمه التكفير بالصيام) لما قلنا.

стр. 241

فصل (وتجب عليه الزكاة) لأنَّها سبب لزيادة المال (١) (وكذلك حجة الإسلام إذا استطاع إليها سبيلًا لكن القاضي لا يدفع النفقة إليه) لأنَّه ربَّما يسرف في ذلك (فيدفعها) القاضي (إلى رجل ينفق عليه في ذهابه وإيابه فلو أصاب شيئًا مما يوجب الكفارة في حجه) فهو على (٢) وجهين (إن كان للصوم فيه مدخل فعليه التكفير بالصوم) لما قلنا وهو في ذلك بمنزلة العبد يحج بإذن مولاه وإن كان لا مدخل للصوم فيه نحو دم الإحصار لزمه التكفير بالمال) لأنَّه تعذر عليه التكفير بالصوم حيث لم يكن للصوم فيه مدخل ولابد من الكفارة فاضطر إلى التكفير بالمال (٣) (وهكذا العبد في دم الإحصار لا يتحلل إلّا به لكن المولى يحلّله إن شاء) لأنَّ العبد لا مال له أما السفيه فله مال فيجب الدم من ماله. فصل (قال والمرأة المفسدة في ذلك بمنزلة الرجل) في جميع ما ذكرنا (إلّا أنَّها إذا اختلعت من زوجها على مال وقع الطلاق (٤) ولم يلزمها المال) أما وقوع الطلاق فلأن شرط وقوع الطلاق على مال قبول المال لا وجوبه كالصغيرة يطلقها زوجها على مال فتقبل يقع طلاقها وإن لم يجب المال ثم هاهنا لا يجب المال لأنَّها محجورة عن إلتزام المال (٥) (ثم بعد ذلك) المسألة على وجهين (إما أن يكون طلقها بلفظ الطلاق أو بلفظ الخلع فإن كان بلفظ الطلاق

стр. 242

فهو رجعي) لأنَّ صريحِ الطلاق رجعي لو (١) صار بائنًا إنَّما يصير حكمًا لوجوب المال فإذا لم يجب المال بقي رجعيًا (وإن كان بلفظ الخلع فهو بائن) لأنَّ لفظ الخلع من كنايات الطلاق والكنايات بوائن (ولو أنّ القاضي أمر المحكوم عليه بالحجر بأن يبيع ويشتري فباع واشترى وقبض الثمن جاز جميع ذلك وكان أمر القاضي إخراجًا له من الحجر) هذا على ثلاثة أوجه الأوَّل ما ذكرناه وحكمه أَنَّه يكون إخراجًا عن الحجر (بمنزلة العبد إذا أذن له مولاه في الشراء والبيع كان ذلك إخراجًا له عن الحجر وكذلك الصبي إذا أذن له الولي في البيع والشراء كان إخراجًا له عن الحجر فلو أنَّه وهب شيئًا أو تصدّق به لم يجز) لأنَّه أطلقه في التجارة وهذا ليس من التجارة (بمنزلة العبد والصبي إذا وهبا لم يجز) (٢) الوجه الثَّاني (٣) إذا أذن له في بيع شيء بعينه أو شراء شيء بعينه من أمواله لم يكن ذلك إخراجًا من الحجر بمنزلة المولى إذا أذن لعبده في شيء بعينه أو في شراء شيء بعينه كان ذلك استخدامًا لا إطلاقًا كذلك هاهنا الوجه الثالث إذا أذن له في التجارة في الخز (٤) خاصة كان ذلك إخراجًا (٥) له عن الحجر بمنزله المولى يأذن لعبده في التجارة في الخز خاصة فإنَّه يكون إطلاقًا مطلقًا كذلك هاهنا. فصل (٦) (ولو قال القاضي له بمحضر من أهل سوقه قد أذنت له في التجارة ولا أجيز عليه من ذلك إلّا ما كان بمعاينة أو ببينة الشهادة (٧) ولا أجيز عليه الإقرار (٨) فهو كما قال القاضي لا

стр. 243

يجوز عليه (١) إلَّا ما كان بمعاينة أو شهادة) فرق (٢) بين هذا وبين الولي إذا قال للغلام مثل هذه المقالة والمولى قال لعبده مثل هذه المقالة فإنَّه لا يلتفت إلى ذلك ويثبت الإطلاق عامًا في الإقرار وغيره وجه الفرق بينهما أن المانع من نفاذ تصرف العبد حق المولى فإذا أسقط حقه نفذ تصرفه مطلقًا وكذلك المانع من نفاذ تصرف الصبي قصور عقله فإذا انضم إليه إذن الولي ثبت الكمال معنى فيثبت الإطلاق مطلقًا أما في حق السفيه فالحجر والإطلاق إنَّما كان نظرًا له والنظر قد يعم وقد يخص والقاضي أعرف بذلك (٣) فيعتبر فيه تقييده وإطلاقه والله أعلم. فصل (٤) (ولو أن قاضيًا حجر على رجل فاسد يستحق الحجر فجاء قاض آخر فأطلق حجره وأجاز ما صنع كان إطلاقه جائزًا وجاز (٥) ما صنع من بيع وشراء وما فعل من ذلك قبل إطلاقه عنه أو بعد إطلاقه فهو جائز) وإنَّما كان كذلك (٦) لأنَّ قضاء الأوَّل بالحجر ليس بقضاء حقيقة لعدم المقضي له فكان مجرد فتوى في محل اجتهاد فللثاني أن يعمل بخلافه والثَّاني إن كان ذاك قضاء فهو قضاء اختلف فيه نفسه هل يحل للقاضي أن يقضي عليه بالحجر أم لا والقضاء متى كان نفسه مختلفًا في جوازه يوقف لزومه على اتصال قضاء قاضٍ

стр. 244

آخر به فإن أجازه قاض ثان لزم حتَّى ليس للثالث أن ينقضه وهذا كقضاء المحدود في القذف لما كان بين العلماء خلاف في جواز قضائه لا جرم يوقف ذلك على قضاء قاض آخر فإن أجازه القاضي الثَّاني لزم حتَّى لم يكن للثالث رده وإن نقضه الثَّاني انتقض كذلك هاهنا وإذا ثبت هذا فيقول الثَّاني إذا أطلقه نفذ إطلاقه وتبين به أن فصل الأول وقع في محل الاجتهاد فلم يلزم (ولو أنّ القاضي الثَّاني أجاز الحجر عليه كما فعل الأوَّل ثم رفع إلى قاض ثالث فليس للقاضي الثالث إطلاقه) لأنّ قضاء الأوَّل لما اتصل به قضاء الثَّاني لزم لأنَّ قضاء الأوَّل نفسه حكم، مجتهد في جوازه وقد حكم الثَّاني بجوازه وكل فصل مجتهد فيه اتصل الحكم به نفذ حتَّى لا يجوز لأحد نقضه (ولو أن الأوَّل حجر عليه ثم إن الثَّاني أطلقه وأجاز تصرفاته ثم رفع إلى قاض ثالث فإنَّه يجيز ما فعل الثَّاني) لأنّ قضاءه وقع في محل الاجتهاد فنفذ. فصل (فلو حجر (١) عليه الأوَّل ثم رفع إليه بعض بيوعه وتصرّفاته فنقضها ثم رفع إلى قاضي آخر فليس للثاني أن يرد ما فعل الأول) أما على الوجه الأوَّل فلأنّ فعل الأوَّل هاهنا (٢) قضاء لوجود المقضي له والمقضى عليه لأنّ المتصرفين معه يخاصمونه وعلى الوجه الثَّاني (٣) هاهنا المختلف فيه جواز بيعه أهو جائز أم لا فإذا حكم الأوَّل برده وأنَّه لا يجوز فقد حكم في فصل مجتهد فيه فنفذ حكمه فليس لأحد نقضه (فلو أن القاضي الثَّاني لم يجز ما صنع الأوَّل لكنَّه أجاز أمر المحجور عليه ثم رفع الأمر إلى قاض آخر فإنَّه ينبغي للثالث أن يجيز ما صنع الأول ويرد ما فعل الثَّاني) لأنّ قضاء الأول وقع في محله فنفذ وقضاء الثَّاني لم يقع في محله فلغا. فصل (قال وهذا المفسد لماله لا يجوز بيعه فإن باع شيئًا من ماله وقبض ثمنه) قال هاهنا

стр. 245

(لم يكن للمشتري (١) أن يرجع عليه بما له) وذكر محمد (٢) ﵀ هذا الفصل فقال أما أن يكون البيع بيع رغبة أو بيع محاباة (٣) وتفسير بيع الرغبة أن يكون النفع فيه ظاهرًا للمفسد (٤) فإن كان بيع رغبة نفذه (٥) القاضي وسلم المبيع المشتري (٦) وإن كان بيع محاباة نقضه (٧) (ثم الكلام (٨) في الثمن الذي قبضه بعد ذلك) على ثلاثة أوجه (إما أن يكون الثمن قائمًا في يده أو هالكًا أو مستهلكًا فإن كان قائمًا رده القاضي على المشتري) لأنَّ عين ماله قائمة (وإن كان هالكًا فلا ضمان على المفسد) لأنَّه لا يمكن إيجاب الضَّمان عليه ما لم يصر الثمن الذي قبضه مضمونًا عليه ولا يمكن أن يجعل مضمونًا بالعقد لأنَّ القاضي لما نقض البيع فقد ارتفع من الوصل (٩) فلا يمكن جعله مضمونًا بالقبض لأنَّه وجد بإذن المشتري وكل قبض مأذون فيه لا يصح سببًا للضمان (وإن كان [الثمن] (١٠) مستهلكًا) فقد استهلكه المفسد فلا

стр. 246

يخلو (إما أن يكون أنفقه في وجوه الصلاح وأبواب الخير أو في وجوه الفساد ففي الأوَّل يضمنه القاضي بمثل الثمن) لأنَّه غير محجور عن الإنفاق في وجوه الخير كنفقة طريق الحج وما شاكل ذلك ولا فرق بين أن ينفق من مال نفسه ابتداءً وبين أن ينفق من مال غيره قرضًا ثم يؤدي من ماله (وفي الوجه الثَّاني وهو ما إذا استهلك الثمن في وجوه الفساد قال محمَّد لا ضمان عليه أصلًا وقال أبو يوسف يضمنه القاضي للحال) وهذا بناء على فصل الاستقراض من العبد والصبي فإنهما في حال الحجر (١) متى استقرضا مالًا واستهلكاه قال محمَّد لا يضمن الصبي لا في الحال ولا بعد البلوغ وأمَّا العبد فلا يضمن [في الحال ويضمن بعد العتاق وقال أبو يوسف يضمنان] (٢) للحال فالاختلاف في هذا المفسد كذلك يجعلانه بمنزلة الاستقراض ثم أنّ محمدًا فرق بين هذا وبين العبد حيث قال العبد يضمن بعد العتاق وهذا لا يضمن أصلًا والفرق أن العبد محجور عليه لحق المولى لا لنفسه فإذا زال حق المولى بالعتق ظهر ما كان منه لأنَّه كان ثابتًا لكن لم يظهر لأجل حق المولى أما هاهنا الحجر عليه كان نظرًا له والنظر لا يوجب الفصل بين الحال وبين الحال بل لا يتحقق النظر متى لم يسقط اعتبار ذلك حالًا ومالًا لأنّ الحجر كان ليزول السفه ويبقى المال في يده فإذا أخذ بعد الإطلاق بكلِّ ما كان منه حال الحجر لم يكن الحجر مفيدًا ولم يبقى المال. فصل (المحجور عليه يزوّج (٣) ابنته أو أخته وهما صغيرتان تزويجه (٤) باطل ولا أراه وليًا) فرق بين هذا وبين ما لو زوّج (٥) نفسه فإنّ ذلك جائز والفرق أنَّه محجور عليه والحجر ينافي صحة التصرف أي تصرف كان لكن في نكاح نفسه تحققت الضرورة لأنَّه محتاج إليه فجوز (٦) أما في نكاح غيره فلا ضرورة فلا يجوز.

стр. 247

فصل (١) (رجل (٢) كان صالحًا ففسد (٣) وحجر القاضي عليه وقد كان إنسان اشترى منه شيئًا (٤) فقال المشتري كنت اشتريته قبل الحجر عليك (٥) وقال لا بل بعد ما حجر علي فالقول قول المحجور عليه) لأنَّ (٦) البيع حادث فيضاف إلى أقرب الأحوال (فإن أقاما البينة (٧) فالبينة بينة المشتري) (٨) لمعنيين أحدهما أنه يثبت الصحة وبينة مثبت الصحة أولى في جميع الأحوال والثاني أنَّه يثبت سبق التَّاريخ (قال وكذلك (٩) لو أطلق عنه الحجر ثم قال اشتريته مني حالة الحجر وقال المشتري بل اشتريته منك بعد الإطلاق فالقول قول المشتري) في ذلك لما قلنا (١٠) أنَّه يدعي أمرًا حادثًا فيضاف إلى أقرب الأوقات (قال الخصاف (١١) وفي هذه المسألة نظر) يريد (١٢) به والله أعلم مسائل المبسوط وهي صبي طلق

стр. 248

امرأته أو أعتق عبده أو أمته (١٤) أو باع شيئًا ثم قال فعلت ذلك وأنا صبي وقالت المرأة بل فعلته بعد ما بلغت وكذلك الأمة والمشتري فالقول هاهنا قول الصبي) ولم يعتبر المعنى الذي ذكرناه بل قال) لأنه أضاف التصرف إلى حالة معهودة منافية للصحة وهذا المعنى موجود في مسألة لمفسد لكن وجه الفرق بينهما أن الصبي محجور عليه مطلقًا من غير تردد فإضافته التصرف إلى حالة الصبا كان إنكارًا منه للصحة والقول قول المنكر أما المفسد لماله فليس بمحجور مطلقًا لأنه ليس بمحجور عن تصرف مضر وهذا التصرف يحتمل أن يكون نافعًا ويحتمل أن يكون مضرًا فلما كان هذا الاحتمال لم تكن الإضافة إلى حالة الإفساد إنكارًا فلذلك افترقا والله أعلم بالصواب. باب المسألة عن الشهود ذكر (عن إبراهيم ﵀ أنَّه قال العدل من (١) المسلمين من لم يطعن عليه في بطن ولا فرج) هذا الحديث بظاهره حجة لأبي حنيفة ﵁ على صاحبيه في أن شهادة المستور الحال يجب قبولها (٢) ما لم يطعن فيه الخصم (٣) وهذا لأن الأصل في المسلمين هو العدالة لأنَّ الظاهر من حال كل مسلم أنَّه يتجنب (٤) المحارم ويأتي بالمشروع فيكون عدلًا بحكم الأصل وعنى (٥) بالطعن عليه في البطن أن يطعن عليه في مأكله نحو أن يقال أكل ربا أو شارب خمر وما يتبع ذلك وعنى بالطعن في الفرج الطعن بالزنا وما يتبعه وخص هذين الشيئين بالذكر لأنهما أصلان في الآدمي فإذا اتقى الله في بطنه وفرجه واجتنب المحارم فيهما فالظاهر كونه عدلًا قال ﵀ ولم (٦) يذكر صاحب الكتاب الكذب وقد قال أصحابنا إنَّه مما يطعن به ويوجب الفسق لأنَّه ارتكاب الحرام وهو داخل تحت ما ذكره إبراهيم لأنَّه من جملة البطن فإن الكلام يخرج من البطن والحلق قال الشَّيخ الإمام شمس

стр. 249

الأئمة السرخسي (١) المعتبر هو الغالب من أحوال المرء لأنَّه لا يوجد من يرتكب المحارم إلَّا وهو يفعل بعض المشروعات وينتدب إلى بعض ما ندب إليه ولا يوجد من يفعل المشروعات ويتبع الإذن إلَّا وهو يفعل بعض المحرمات فيعتبر في ذلك الغالب من أحواله فإن كان الغالب صلاحه فهو عدل وإلا فلا وقال المزني العدل من وافقت أعماله أعمال أهل الصلاح وكان ذا مرؤة يريد به حافظًا للسانه يخاف هتك ستره والحاصل ما ذكرنا من اعتبار الأغلب ذكر (عن عامر الشعبي قال شهادة الرجل جائزة ما لم يضرب حدًا (٢) أو يعلم خربة منه في دينه) يريد بالخربة (٣) الفساد في الدين وذلك لأنَّه متى ضرب الحد علم أنَّه ارتكب الحرام وكذلك متى علم منه فساد في الدين فهو مرتكب للحرام فلا يكون عدلًا ذكر (عن عمر ﵁ أنَّه سأل رجلًا عن رجل فقال لا نعلم إلَّا خيرًا فقال عمر حسبك) (٤) اكتفى (٥) بذلك في التعديل لأنَّ هذا اللفظ يستعمل في التعديل وهو ظاهر لأنَّه متى قال لا أعلم إلَّا خيرًا فقد أخبر أنَّه يعلم منه الخير ولا يعلم غيره فكان تعديلًا ذكر (عن شريح أنَّه قال وأت على ذلك شهود

стр. 250

عدل (١) فإنا قد أمرنا بالعدل وأنت فاسأل عنه فإن قالوا الله أعلم فالله أعلم به يفرقون (٢) أن يقولوا هو مريب ولا تجوز شهادة مريب) (٣) وقوله (٤) أنت على ذلك شهود عدل خطاب للمدعي فإنّه يأتي بالشهود فإنا قد أمرنا بالعدل وهذا إلا إشكال فيه وقوله وأنت فاسأل عنه خطاب للمدعي عليه أي ائْتِ من يعرف حال الشاهد فاسأل عنه "فإن" قال الله أعلم به أي الله أعلم به أنه مجروح جعل قولهم الله أعلم جرحًا لأنّ مثل هذا اللفظ يستعمل في الجرح كما كان قولهم لا نعلم إلّا خيرًا تعديلًا إلا أنه يفرق أي يخاف أن يقول هو مريب فحسن العبارة بقوله الله أعلم والسلام وذكر (عن الحسن أنه كان يجيز شهادة من صلّى إلى أن يأتي الخصم بما يجرحه به) قوله من صلّى يريد به المسلم قال الله حكاية عن أهل النار لم نك من المصلين أي من المسلمين (٥) وظاهر الحديث حجة لأبي حنيفة ﵁ على صاحبيه في الاكتفاء بظاهر العدالة الثابتة بحكم الإسلام فإن الحسن
следующие страницы →