← Сияса и кади

Сияса и кади · id 977

شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت الأفغاني

الصدر الشهيد

Полный текст (650 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يخلو (إما أن يكون أنفقه في وجوه الصلاح وأبواب الخير أو في وجوه الفساد ففي الأوَّل يضمنه القاضي بمثل الثمن) لأنَّه غير محجور عن الإنفاق في وجوه الخير كنفقة طريق الحج وما شاكل ذلك ولا فرق بين أن ينفق من مال نفسه ابتداءً وبين أن ينفق من مال غيره قرضًا ثم يؤدي من ماله (وفي الوجه الثَّاني وهو ما إذا استهلك الثمن في وجوه الفساد قال محمَّد لا ضمان عليه أصلًا وقال أبو يوسف يضمنه القاضي للحال) وهذا بناء على فصل الاستقراض من العبد والصبي فإنهما في حال الحجر (١) متى استقرضا مالًا واستهلكاه قال محمَّد لا يضمن الصبي لا في الحال ولا بعد البلوغ وأمَّا العبد فلا يضمن [في الحال ويضمن بعد العتاق وقال أبو يوسف يضمنان] (٢) للحال فالاختلاف في هذا المفسد كذلك يجعلانه بمنزلة الاستقراض ثم أنّ محمدًا فرق بين هذا وبين العبد حيث قال العبد يضمن بعد العتاق وهذا لا يضمن أصلًا والفرق أن العبد محجور عليه لحق المولى لا لنفسه فإذا زال حق المولى بالعتق ظهر ما كان منه لأنَّه كان ثابتًا لكن لم يظهر لأجل حق المولى أما هاهنا الحجر عليه كان نظرًا له والنظر لا يوجب الفصل بين الحال وبين الحال بل لا يتحقق النظر متى لم يسقط اعتبار ذلك حالًا ومالًا لأنّ الحجر كان ليزول السفه ويبقى المال في يده فإذا أخذ بعد الإطلاق بكلِّ ما كان منه حال الحجر لم يكن الحجر مفيدًا ولم يبقى المال. فصل (المحجور عليه يزوّج (٣) ابنته أو أخته وهما صغيرتان تزويجه (٤) باطل ولا أراه وليًا) فرق بين هذا وبين ما لو زوّج (٥) نفسه فإنّ ذلك جائز والفرق أنَّه محجور عليه والحجر ينافي صحة التصرف أي تصرف كان لكن في نكاح نفسه تحققت الضرورة لأنَّه محتاج إليه فجوز (٦) أما في نكاح غيره فلا ضرورة فلا يجوز.

стр. 247

فصل (١) (رجل (٢) كان صالحًا ففسد (٣) وحجر القاضي عليه وقد كان إنسان اشترى منه شيئًا (٤) فقال المشتري كنت اشتريته قبل الحجر عليك (٥) وقال لا بل بعد ما حجر علي فالقول قول المحجور عليه) لأنَّ (٦) البيع حادث فيضاف إلى أقرب الأحوال (فإن أقاما البينة (٧) فالبينة بينة المشتري) (٨) لمعنيين أحدهما أنه يثبت الصحة وبينة مثبت الصحة أولى في جميع الأحوال والثاني أنَّه يثبت سبق التَّاريخ (قال وكذلك (٩) لو أطلق عنه الحجر ثم قال اشتريته مني حالة الحجر وقال المشتري بل اشتريته منك بعد الإطلاق فالقول قول المشتري) في ذلك لما قلنا (١٠) أنَّه يدعي أمرًا حادثًا فيضاف إلى أقرب الأوقات (قال الخصاف (١١) وفي هذه المسألة نظر) يريد (١٢) به والله أعلم مسائل المبسوط وهي صبي طلق

стр. 248

امرأته أو أعتق عبده أو أمته (١٤) أو باع شيئًا ثم قال فعلت ذلك وأنا صبي وقالت المرأة بل فعلته بعد ما بلغت وكذلك الأمة والمشتري فالقول هاهنا قول الصبي) ولم يعتبر المعنى الذي ذكرناه بل قال) لأنه أضاف التصرف إلى حالة معهودة منافية للصحة وهذا المعنى موجود في مسألة لمفسد لكن وجه الفرق بينهما أن الصبي محجور عليه مطلقًا من غير تردد فإضافته التصرف إلى حالة الصبا كان إنكارًا منه للصحة والقول قول المنكر أما المفسد لماله فليس بمحجور مطلقًا لأنه ليس بمحجور عن تصرف مضر وهذا التصرف يحتمل أن يكون نافعًا ويحتمل أن يكون مضرًا فلما كان هذا الاحتمال لم تكن الإضافة إلى حالة الإفساد إنكارًا فلذلك افترقا والله أعلم بالصواب. باب المسألة عن الشهود ذكر (عن إبراهيم ﵀ أنَّه قال العدل من (١) المسلمين من لم يطعن عليه في بطن ولا فرج) هذا الحديث بظاهره حجة لأبي حنيفة ﵁ على صاحبيه في أن شهادة المستور الحال يجب قبولها (٢) ما لم يطعن فيه الخصم (٣) وهذا لأن الأصل في المسلمين هو العدالة لأنَّ الظاهر من حال كل مسلم أنَّه يتجنب (٤) المحارم ويأتي بالمشروع فيكون عدلًا بحكم الأصل وعنى (٥) بالطعن عليه في البطن أن يطعن عليه في مأكله نحو أن يقال أكل ربا أو شارب خمر وما يتبع ذلك وعنى بالطعن في الفرج الطعن بالزنا وما يتبعه وخص هذين الشيئين بالذكر لأنهما أصلان في الآدمي فإذا اتقى الله في بطنه وفرجه واجتنب المحارم فيهما فالظاهر كونه عدلًا قال ﵀ ولم (٦) يذكر صاحب الكتاب الكذب وقد قال أصحابنا إنَّه مما يطعن به ويوجب الفسق لأنَّه ارتكاب الحرام وهو داخل تحت ما ذكره إبراهيم لأنَّه من جملة البطن فإن الكلام يخرج من البطن والحلق قال الشَّيخ الإمام شمس

стр. 249

الأئمة السرخسي (١) المعتبر هو الغالب من أحوال المرء لأنَّه لا يوجد من يرتكب المحارم إلَّا وهو يفعل بعض المشروعات وينتدب إلى بعض ما ندب إليه ولا يوجد من يفعل المشروعات ويتبع الإذن إلَّا وهو يفعل بعض المحرمات فيعتبر في ذلك الغالب من أحواله فإن كان الغالب صلاحه فهو عدل وإلا فلا وقال المزني العدل من وافقت أعماله أعمال أهل الصلاح وكان ذا مرؤة يريد به حافظًا للسانه يخاف هتك ستره والحاصل ما ذكرنا من اعتبار الأغلب ذكر (عن عامر الشعبي قال شهادة الرجل جائزة ما لم يضرب حدًا (٢) أو يعلم خربة منه في دينه) يريد بالخربة (٣) الفساد في الدين وذلك لأنَّه متى ضرب الحد علم أنَّه ارتكب الحرام وكذلك متى علم منه فساد في الدين فهو مرتكب للحرام فلا يكون عدلًا ذكر (عن عمر ﵁ أنَّه سأل رجلًا عن رجل فقال لا نعلم إلَّا خيرًا فقال عمر حسبك) (٤) اكتفى (٥) بذلك في التعديل لأنَّ هذا اللفظ يستعمل في التعديل وهو ظاهر لأنَّه متى قال لا أعلم إلَّا خيرًا فقد أخبر أنَّه يعلم منه الخير ولا يعلم غيره فكان تعديلًا ذكر (عن شريح أنَّه قال وأت على ذلك شهود

стр. 250

عدل (١) فإنا قد أمرنا بالعدل وأنت فاسأل عنه فإن قالوا الله أعلم فالله أعلم به يفرقون (٢) أن يقولوا هو مريب ولا تجوز شهادة مريب) (٣) وقوله (٤) أنت على ذلك شهود عدل خطاب للمدعي فإنّه يأتي بالشهود فإنا قد أمرنا بالعدل وهذا إلا إشكال فيه وقوله وأنت فاسأل عنه خطاب للمدعي عليه أي ائْتِ من يعرف حال الشاهد فاسأل عنه "فإن" قال الله أعلم به أي الله أعلم به أنه مجروح جعل قولهم الله أعلم جرحًا لأنّ مثل هذا اللفظ يستعمل في الجرح كما كان قولهم لا نعلم إلّا خيرًا تعديلًا إلا أنه يفرق أي يخاف أن يقول هو مريب فحسن العبارة بقوله الله أعلم والسلام وذكر (عن الحسن أنه كان يجيز شهادة من صلّى إلى أن يأتي الخصم بما يجرحه به) قوله من صلّى يريد به المسلم قال الله حكاية عن أهل النار لم نك من المصلين أي من المسلمين (٥) وظاهر الحديث حجة لأبي حنيفة ﵁ على صاحبيه في الاكتفاء بظاهر العدالة الثابتة بحكم الإسلام فإن الحسن

стр. 251

اعتبر الإسلام والعقل لا غير إلّا أن يثبت الجرح وظاهر الحديث يدل على أن الحسن كان لا يرى المسألة عن الشهود ما لم يأت الخصم بما يثبت به الجرح وعندنا بمجرد الجرح يجب على القاضي المسألة ذكر حديثًا عن الشعبي قد تقدم قبل هذا ذكر (عن الأشعث الحراني قال جاء رجل إلى الحسن فقال إن هذا رد شهادتي يدي إياس بن معاوية فقام معه وقال (١) يا مَلكْعَاَنْ (٢) لم رددت شهادة هذا أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم قال أيها الشيخ إن الله تعالى يقول ممن ترضون من الشهداء وأن هذا ليس ممن يرضى من الشهداء قال محمد فخصمه إياس) فالحسن (٣) اعتبر الإسلام والعقل على ما تقدم وإياس اعتبر العدالة معه ذكر (عن خالد الحذاء قال شهدت إياس بن معاوية قضى في يوم ثلاثين قضية ما صرفها يمينًا ولا سأل فيها بينة) قوله ما صبر فيها يمينًا (٤) يعني ما أجبر (٥) فيها الخصم على الحلف ولا احتاج إلى الشهادة بل رفق بالخصوم حتى لاح له وجه القضاء وهكذا ينبغي للقاضي أن يفعل واليمين المصبورة (٦) ذكر (عن إبراهيم (٧) قال العدل من لم تظهر منه ريبة) الريبة (٨) هي التهمة فجعل مجرد التهمة مانعًا من العدالة وعندنا أنه ليس كذلك فإنّه ما لم يظهر فسقه لا تسقط عدالته وتأويل ما قال إبراهيم أن يشيع فسقه ولكن لم يشهد به الشهود عند القاضي وعندنا أن مثل هذا مسقط العدالة ذكر (٩) بعد هذا أحاديث

стр. 252

قد تقدمت في هذا الكتاب والله أعلم ذكر (عن محمد بن عبد الرحمن النوفلي (١) قال قلت لإياس بن معاوية أخبرت إنك كنت لا تجيز شهادة الأشراف بالعراق ولا التجار ولا الذين يركبون البحر قال أجل) قال الشيخ الإمام ﵀ للجرح أسباب من جملتها ركوب البحر وإنما كان موجبًا للجرح لما ذكره إياس فإنّه قال إن الذين يركبون البحر إلى الهند يغورون بدينهم ويكثرون عدوهم لأجل طمع الدنيا وهذا ظاهر فإنه تغرر بنفسه ودينه ويكثر (٢) سواد العدو وبكونه في دارهم لطمع الدنيا فمثل هذا لا يؤمن أن يأخذ شيئًا من المال ويشهد بالزور وأما التجار الذين يتجرون في قرى فارس قال فإنهم يطعمونهم الربا وهم يعلمون ذلك ولا تجوز شهادة آكل الربا وأما الإشراف فإنهم كانوا ذوي عصبية إذا نابت بعض من ينتمي إليهم نائبة رجع إلى سيد قومه فكان يشهد له ويشفع له ويجتهد في صلاح حاله بكل ممكن فلم تقبل شهادتهم لأجل ذلك ذكر (عن عيسى بن موسى (٣) أنه قال لابن أبي ليلى تجيز شهادة أصحاب الأهواء قال نعم وأراهم لذلك أهلًا إلّا الخطابية) (٤) وإنما كان كذلك لأن الشهادة

стр. 253

خبر محتمل للصدق والكذب لكن ترجح فيه الصدق وقد ترجح الصدق في شهادة أصحاب الأهواء لأن تعمقهم في الدين حملهم على ما صاروا عليه ومنهم من يرى الكذب سببًا للكفر فكيف يرتكبه إلّا الخطابية وهم قوم من الروافض خذلهم الله يستجيزون الشهادة على الحلف كان يحضر الخصم (١) عندهم فيحلف على دعواه فيشهدون له ويقولون المسلم لا يكذب فلم تقبل شهادتهم لذلك أما من عداهم من أهل الأهواء فشهادته مقبولة وكذا روي عن أبي حنيفة ﵁ وأبي يوسف (٢) ﵀ والله أعلم ذكر (عن ابن شبرمة (٣) أنه قال ثلاث لم يعمل بهن أحد، قبلي ولن يتركهن أحد بعدي المسألة عن الشهود في السر وإثبات حجج الخصمين وتحلية الشهود في المسألة) قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي في هذا الحديث نظر في قوله المسألة عن الشهود في السر فإنه يروي أن أول من أحدث ذلك شريح فإنه قيل له إنك أحدثت فقال أحدثتم فأحدثنا يعني أحدثتم الخوف عن إظهار القدح في الشهود وذكرهم بما فيهم ظاهرًا فأحدثت المسألة سرًا حتى يمكن التزكية ومتى كان شريح هو الذي أحدث هذا كيف يكون محدثه ابن شبرمة (٤) وقد اختلفت (٥) الرواية عن محمد في تعديل الشهود ظاهرًا فقال في رواية حسنة وفي رواية بلاء وفتنة وغيره من أصحابنا لم يرها بأسًا وذكر فيه إثبات حجج الخصمين يعني يثبت ذلك في ديوان القاضي حتى إذا

стр. 254

احتاج إليه وجده وقد تقدم هذا في صدر الكتاب قال وتحلية الشهود في المسألة وسنذكر هذا بعد هذا إن شاء الله تعالى (ثم المسألة (١) عن الشهود في الحدود والقصاص واجبة في قولهم جميعًا طعن الخصم أو لم يطعن وأما في الأموال وما يجري مجراها فلا تجب المسألة عند أبي حنيفة ﵁ ما لم يطعن الخصم وعند أبي يوسف ومحمد يجب) وهي مسألة كتاب التزكية والله أعلم. فصل (قال وينبغي للقاضي أن يتخير لمساءلته (٢) عن الشهود أوثق من يقدر عليه وأعظمهم أمانة وأكثرهم خبرة بالناس وأعلمهم بالتمييز) [فيوليه المسألة] (٣) وذلك لأن القاضي (٤) ناظر محتاط للمسلمين والاحتياط في أن يسأل من يكون موصوفًا بهذه الصفات ثم قال (يدفع الرقعة إليه في السر حتى لا يعرف المزكي فيخدع أو يخوف) وقد تقدم هذا في صدر الكتاب (قال ويكتب في الرقعة أسماء الشهود وأنسابهم وحلاهم (٥) وقبائلهم ومحالهم ومصلاهم) وذلك (٦) لأنه قد يتفق في المحلة اثنان على نسبة واحدة وتسمية واحدة فلا يقع التمييز للقاضي أيهما الذي عدل فيبالغ في ذكر ما وصفنا من ذلك الحلية ونحوها ليقع التمييز (ثم العدد (٧) في التزكية

стр. 255

ليس بلازم عند أبي حنيفة وأبي يوسف حتى جاز تزكية الواحد وعند محمد العدد شرط حتى لا يجوز أقل من اثنين ولكن مع أن العدد ليس بشرط فهو أفضل عندهما) لأن الاحتياط فيه أكثر (فإذا اختار القاضي (١) العدد دفع الرقعة إلى آخر ولم يعلمه بما جاء به الأول) كيلا يعتمد على قول الأول فلا يبالغ في المسألة (قال فإذا جاء الثاني بمثل ما جاء به الأول أنفذ ذلك وأمر الطالب أن يأتي بقوم يعدلونهم في العلانية) اشترط العدد (٢) في المعدل ظاهرًا بقوله قوم ولم يذكر فيه خلافًا والتعديل سرًا على الاختلاف الذي ذكرناه والفرق بينهما أن التعديل ظاهرًا يشبه الشهادة ولهذا يختص بمجلس القضاء بخلاف التعديل سرًا فإنه لا يختص بمجلس ولهذا أهلية الشهادة يعتبر في التعديل ظاهرًا ولا يعتبر في التعديل سرًا ثم ذكره (٣) صاحب الكتاب إشارة إلى أن المعدل سرًا غير المعدل ظاهرًا قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني (٤) وهذا مذهب صاحب الكتاب (٥) أما عندنا فالمعدل ظاهرًا يجوز أن يكون هو المعدل سرًا ثم (٦) هذا كله كان في صدر الإسلام حيث كان التعديل ظاهرًا وباطنًا أما في زماننا فالتعديل واحد وهو التعديل سرًا وأهلية الشهادة ليست شرطًا فيه كما كان في الابتداء حتى يجوز تعديل الوالد لولده والعبد للحر لأنه من جملة الأخبارات فيجوز فيه ما يجوز فيها ولا يشترط فيه العدد عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد يشترط. فصل (وهذا كله (٧) فيما إذا جاء المعدل الثاني بمثل ما جاء الأول فإن جاء أحدهما بخلاف

стр. 256

ما جاء به الأول فعدله أحدهما وأتى الآخر بما يسقط به العدالة فإن القاضي يمتحن ذلك بنفسه ويسأل غيرهما حتى يظهر عنده أحد الأمرين فإن عدله الثالث انضم ذلك إلى تعديل الأول فقوي جانب العدالة فيحكم بها وإن جرحه الثالث انضم ذلك إلى جرح الأول) فيقوى جانب الجرح فترد شهادته (وينبغي (١) للمزكي أن يسأل من جيران الشهود ممن يصلح للمسألة فإن لم يكن في جيرانهم من يصلح للمسألة سأل أهل أسواقهم) ليعرف حالهم. فصل (فإن كان المشهود (٢) به حد أو قصاص (٣) سأل عنهم أخيارهم وبحث عن ذلك بحثًا شافيًا واستقصى ما قدر على ذلك) لأن هذا مما يسقط بالشبهات فوجب الاحتياط له من كل وجه بقدر الممكن (فإن سأل عنهم (٤) صاحب المسائل فطعن فيهم فلا ينبغي للقاضي أن يصرح بذكر ذلك لكنه يقول للطالب زدني شهودًا أو لم نحمد شهودك) لأن هذا أقرب إلى الستر (٥) على المسلمين وهو واجب والله أعلم (فإن قال المدعي (٦) أنا آتي بمن يعدلهم من أهل الأمانة أو قال للقاضي (٧) أسمي لك قومًا من أهل الثقة يسألهم عنهم وسمى له قومًا يصلحون للمسألة فإن القاضي يسمع قوله وليسأل (٨) من القوم الذين سماهم فإن هم عدلوا

стр. 257

الشهود (١) فينبغي للقاضي أن (٢) يعيد المسألة على الذين جرحوا الشهود ويسألهم عن السبب الذي جرحوهم به) لجواز (٣) أن يكونوا جرحوا بما ظنوه جرحًا وليس بجرح عند القاضي (فإذا سألهم عن السبب) فبعد ذلك المسألة على وجهين (أما أن يبينوا ما هو جرح عندهم وليس بجرح عند القاضي (٤) أو يبينوا ما هو جرح عند الكل ففي الوجه الأول لا يلتفت إلى (٥) الجرح ويأخذ بالتعديل) لأن هذا ليس بجرح حقيقة فهذا شاهد عدله قوم ولم يجرحه غيرهم (٦) (وفي الوجه الثاني الجرح أولى) لأن المثنى نصاب كامل في باب الشهادة والنصاب متى (٧) ثم فالجروح أولى لأنهم عرفوا ما لم يعرفه المعدلون. فصل (٨) (قال أبو حنيفة ﵁ ولو أن شهودًا شهدوا (٩) عند القاضي أن المدعي استأجر هؤلاء الشهود ليشهدوا له (١٠) فإن القاضي لا يقبل هذه الشهادة) لأن المقصود من هذه الشهادة إبطال شهادة المدعي ونفيها والشهادة مشروعة لإثبات الحقوق (١١) لا للنفي فلم يقبل هذا معنى قول (١٢) صاحب الكتاب (وهذا عندنا من التهاتر) (١٣). فصل (قال ويقبل تعديل الوالد لولده والولد لوالده وكل ذي رحم محرم فإنه (١٤) يقبل

стр. 258

تعديله لرحمه) أراد به تعديل السر لأن تعديل السر ليس بشهادة إنما هو من باب الأخبار والأب والابن وغيرهما (١) في الأخبار سواء بخلاف تعديل العلانية لأنه من باب الشهادة (قال وشهادة أهل الأهواء جائزه إذا كانوا عدولًا) وقد تقدم (٢) هذا. فصل (٣) (وقال أبو يوسف أيما رجل أظهر شتيمة أصحاب رسول الله ﷺ لم أقبل (٤) شهادته) لأنه لو أظهر شتيمة رجل (٥) من المسلمين سقطت عدالته فبإظهار شتيمة الصحابة أولى لأنهم أعظم حرمة. فصل ذكر بعد هذا (٦) الأسباب الموجبة لسقوط العدالة والحاصل فيه (٧) (أنه إذا ارتكب جناية موجبة (٨) للعقوبة في الدنيا أو تعلق بها الوبال (٩) في الآخرة مما هو منصوص عليه (١٠) في الكتاب أو يشبه المنصوص عليه (١١) من الكبائر فإنه تسقط عدالته (١٢) وإن كان جميع أخلاقه صالحة فأما إذا سلم من الكبائر ما يوجب الحدود وما يشبهه (١٣) فإنه ينظر في معاصيه الصغار (١٤) وفي طاعته فبحكم (١٥) الأغلب فأيهما كان الأغلب حكم به) لأن الإنسان لا يسلم عن ذنب إذا ثبت هذا (١٦) فنقول (السارق ليس بعدل) لأن السرقة موجبة القطع

стр. 259

بالكتاب (وكذا قاطع الطريق وكذا الزاني ومن يعمل عمل قوم لوط) لأنه في معنى المنصوص عليه في كونه كبيرة (١) وذكر صاحب الكتاب (من هذه الجملة من يشرب (٢) الخمر) وذكر محمد في كتاب الشهادات وشرط مع ذلك الإدمان حتى لو شرب مرة (٣) لا تسقط عدالته في باب الشهادات ومتى داوم سقطت (٤) لأنه متى كان مدمنًا صار تاركًا للمروءة (وكذلك) (٥) ذكر صاحب الكتاب من (٦) هذه الجملة (من (٧) يسكر من النبيذ) وذكر محمد مع ذلك (٨) أشياء أخر وهو أن يعتاد ذلك ويظهر للناس ويسخر منه الصبيان ويلعبون معه (٩) وهو الصحيح لأنه الآن صار تاركًا للمروءة قال (وكذلك من يجلس مجلس (١٠) الفجور والمجانة (١١) على الشرب وإن كان لا يشرب) (١٢) لأنه لما جالسهم لم يتحرز من (١٣) أن يظهر عليه ما يظهر عليهم فربما لا (١٤) يتحرز عن ارتكاب ما لا يحل في الدين فيشهد بالزور (١٥) قال (وكذلك المغني والمغنية والنائحة والنائح) (١٦) لأنه ارتكب كبيرة لا يحل (١٧) ارتكابها طمعًا في المال فلا يؤمن أن يشهد بزور طمعًا في المال أيضًا قال (وكذلك الذي يلعب بالحمام ونظيرها) لأن مقصوده الإطلاع (١٨) على عورات النساء وذلك مسقط للعدالة (١٩) قال (وكذلك الذي يلعب

стр. 260

بالشطرنج) لكن يشترط أن ينضم (١) إلى اللعب أحد معاني ثلاثة وذلك أن يقامر عليه أو يشغله عن الصلوات أو يكثر الحلف عليه بالكذب والباطل لأن القمار نفسه كبيرة مسقطة للعدالة وكذلك ترك الصلوات وكذلك الكذب والحلف عليه أما إذا خلى عن هذه المعاني فإنه لا يسقط العدالة لأنه مختلف في إباحته فأوجب ذلك خفة حكمه فلم يسقط العدالة قال (ومن ترك الصلوات في الجماعة (٢) استخفافًا بذلك ومجانة أو فسقًا فلا (٣) تجوز شهادته (٤) وإن تركها تركها على تأويل (٥) وكان عدلًا فيما سوى ذلك فثبت شهادته) لم يرد بالاستخفاف الاستخفاف بالدين لأن ذلك كفر والعياذ بالله وإنما أراد به أن لا يستعظم فوت الجماعة كما يفعله العوام ومن فعل ذلك ظهر فسقه وشهادة الفاسق غير مقبولة (٦) (أما إذا تركها متأولًا بأن كان الإمام فاسقًا فكره الصلاة خلفه ولم يمكنه صرفه فصلّى في بيته أو كان يضلل الإمام ولا يرى الاقتداء به فترك الجماعة لأجل ذلك لم تسقط عدالته) أما في الوجه الأول فظاهر (٧) وفي الثاني فلأنه من جملة أهل الأهواء وقد ذكرنا أن الشهادة من أهل الأهواء مقبولة قال (وكذلك من (٨) يأكل الربا ولا يبالي من أين يكتسب الدراهم لا تقبل شهادته) لأنه لما لم يمتنع [عن (٩) أكل الحرام ربما لا يمتنع] (١٠) عن شهادة الزور قال (وإذا كان الرجل شيء من هذه الملاهي وذلك لا يشغله عن الصلاة ولا عما يلزمه من الفرائض ينظر

стр. 261

فإن (١) كانت مستشنعة بين الناس كالمزامير والطنابير لم تجز شهادته) لأن أصحاب هذه الملاهي أهل فسق فيما بين الناس (وان لم تكن مستشنعة نحو الحد (٢) أو ضرب القضيب جازت شهادته إلا أن يتفاحش ذلك) بأن يرقصون عليه (٣) فيدخل في حد المعاصي والكبائر فيسقط (٤) العدالة قال (وإذا كان الرجل معروفًا بالكذب الفاحش لم تقبل شهادته) يريد به إذا اعتاد الكذب لأنه متى (٥) اعتاد ذلك لم يؤمن أن يجري على عادته فيكذب في شهادته (فأما (٦) إذا كان الكذب يقع منه أحيانًا لم تسقط عدالته) لأنه لا يسلم أحد عن ذنب (٧). فصل (قال وإذا عدل الرجل واحد وجرحه واحد فإن القاضي يعيد المسألة فإن اجتمع رجلان على التعديل فالتعديل أولى وإن جرحه رجلان وعدله جماعة فالجرح أولى) وقد تقدم هذا (٨). فصل (٩) (وإذا قال المشهود عليه هذان الشاهدان عبدان فقالا (١٠) نحن حران لم نملك قط) فهذا على وجهين (إن عرفهما القاضي وعرف حريتهما لم يلتفت (١١) إلى قول المشهود عليه) لأنه يدعي خلاف الظاهر (وإن كان لا يعرفهما وكانا مجهولين قبل قول المشهود عليه ولا تقبل (١٢) شهادتهما) لأن الناس في الأصل أحرار إلّا في أربع خصال منها الشهادة (١٣) (إلّا أن يقيم المدعي بينة (١٤) على حريتهما أو يقيم الشاهدان البينة على حريتهما فحينئذٍ يقبل شهادتهما

стр. 262

فإن قال الشاهدان سل عنا لم يقبل منهما فلو سأل عنهما فأخبر (١) بحريتهما فقبل شهادتهما كان ذلك حسنًا والأول أحب إلي) وهو أن لا يقبل شهادتهما إلّا ببينة (٢) أما الجواز فلأن المسألة مختلفة بين العلماء فإن زفر والشافعي رحمهما الله يقولان بأن الثابت بالظاهر يصلح حجة للدفع والاستحقاق جميعًا فإذا (٣) اكتفى القاضي بالسؤال عن الشهود ولم يكلف المدعي إقامة البينة على الحرية فقد أمضى حكمًا في موضع الاجتهاد فيجوز وأما كون الأول أحسن فلما قلنا [من قبل] (٤) قال (وقال أبو يوسف ﵀ أجيز في التزكية سرًا تزكية العبد والمرأة والمحدود والأعمى إذا كانوا (٥) عدولًا) لأن ذلك خبر وخبر هؤلاء مقبول في باب الدين (ألا ترى أن شهادة العبد على رؤية هلال رمضان (٦) مقبولة إذا كان عدلًا ويجب الصوم بذلك هكذا استشهد الخصاف في هذا الفصل (٧) قال (قال (٨) وأقبل تزكية امرأتين ورجل لرجل في العلانية) لأن تزكية العلانية بمنزلة الشهادة فيعتبر فيها العدد وقد وجد وقد تقدم ذلك (٩) قال (وإذا سأل القاضي عن الشهود (١٠) فصحت عدالتهم وثبتت وقع عند اسم كل شاهد اسم من عدله) ليعرف ذلك إذا احتاج إليه (١١) لأنه ربما يظهر أنه مجروح فيحتاج القاضي إلى (١٢) معرفة من عدله قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ هذا في عرف بلادهم حيث كان القاضي يختار لكل فريق (١٣) قومًا يعدلونهم ويزكونهم فأما في عرف بلادنا فإن القاضي يكون له مزكيان لا غير فلا يحتاج إلى أن يوقع (١٤) أسماء المعدلين إلّا أن

стр. 263

يجرحه أحدهما ويعدله الآخر ثم أن القاضي أخذ بالتعديل فحينئذٍ يكتب أسماء (١) المعدل لأنه ربما يحتاج إليه. فصل (ولو ثبت (٢) عدالة الشهود عند القاضي وقضى بشهادتهم ثم [إنهم] (٣) شهدوا عند القاضي في حادثة أخرى إن كان العهد قريبًا لا يشتغل (٤) بتعديلهم) لأن الظاهر من حال الإنسان أن لا يتغير حاله في الزمان القريب (فإن كان (٥) العهد بعيدًا يشتغل بالتعديل ثانيًا) (٦) لأن الإنسان في الزمان البعيد قد يتغير واختلفوا في الحد الفاصل بينهما والصحيح (٧) فيه قولان أحدهما أنه مقدر بستة أشهر لأنه هو الزمان المطلق (٨) والثاني أنه يفوض [ذلك] (٩) إلى رأي القاضي فإن رأى (١٠) ذلك زمانًا طويلًا سأل عن عدالتهم ثانيًا وان رآه قريبًا لم يسأل والله أعلم. فصل (قال (١١) وإن طعن المشهود عليه في الشهود بعدما عدلوا عند القاضي فقال أنا أقيم شاهدين يشهدان أنهم عبيد أو محدودون في قذف أو بفعل رأوهم يفعلونه وهو غير متقادم فإن القاضي يقبل ذلك ويسمع من شهوده) مثل أن يقول شهوده رأيناهم سكارى من النبيذ منذ أيام أو عرفناهم بقذف المحصنات (وأن عهدهما قريب من ذلك فإنه يقبل منهما وإن كان ذلك بعد مدة طويلة) وفي تقديرها اختلاف والصحيح ما ذكرناه من القولين (وقد قدرها) الخصاف (بسنة إذا كثر لم تقبل من شهود المشهود عليه) لأنهم أعني شهود المدعي الأول قد يتوبون في مثل هذه المدة والله أعلم.

стр. 264

باب متى ينبغي للرجل أن يعدل غيره (١) ذكر (عن إبراهيم ﵀ أنه كان يجيب في النكاح ولا يجيب في الشهود إذا سئل عنهم) وكأنّه (٢) اقتدى في ذلك برسول الله ﷺ فإنه أجاب في النكاح حتى روي أنّه زيّف بعض الخطاب وزكى البعض ولم ينقل عنه مثل ذلك في الشهود ذكر (عن أبي حمزة الثمالي قال قلت للشعبي اسئل عن الرجل لا أرضاه أي شيء أقول فيه قال قل الله أعلم وهكذا ينبغي) لأنّه (٣) لو ذكره بما فيه من المعاصي هتك ستره وهتك ستر المسلم ليس بمشروع وقد روى عن عمر ﵁ أنه كان لا يكتفي بذلك لكن القضاة في زماننا هذا يكتفون به لما ذكرنا ذكر (عن ابن أبي ليلى كثير (٤) قال كان ابن عمر إذا أنعم أن يمدح الرجل قال ما علمنا إلّا خيرًا كذا ينبغي) لأنّه (٥) لا يقف على حقيقة عدالته ليقول إنّه عدل (فلو أنّه قال هو عدل جاز) لأنّه يفيد القاضي علم ما لم يكن عنده لأن القاضي قد كان يتشبث بالظاهر ولا يعلم إلّا خيرًا فالمعدل بقوله هو عدل يفيد القاضي ما لم يكن عنده (إلّا أن الأول أحوط وأمن) ومن هذا الجنس مسائل منها إذا شهد الشهود أنّ فلانًا مات وترك هذا ابنه لا نعلم له

стр. 265

وارثًا غيره فهو جائز فلو قال (١) هو وارثه لا وارث له غيره فهو جائز أيضًا لكن الأول أحوط وكذا إذا شهد أن فلانًا جرح فلانًا وأنه لم يزل صاحب فراش حتى مات جاز وثبت القصاص ولو شهد أنّه مات من جراحته فهو جائز أيضًا والأول أحوط وآمن كذا وفي مسألة كتابنا) ذكر (عن ابن المبارك قال من غلبت حسناته سيئاته (٢) قبلت شهادته) وهذا لما ذكر أن الإنسان لا يسلم عن الذنوب والجواد قد يعثر فيحكم بالأغلب في أخلاقه (٣) (قال أبو بكر أحمد بن عمرو وقال أصحابنا لا ينبغى للرجل أن يعدل الرجل إذا كان لا يختبره (٤) ولا يعرف أموره) (٥) وذلك (٦) لأنّه بدون الخبرة لا يتحقق المعرفة روي عن النبي ﷺ أنه عدل عنده رجل رجلًا فقال ﵊ هل عاملته هل شاركته هل سافرت معه فقال لا فقال ﵊ فبم تزكّيه دل أن التزكية إنّما تكون ممن يخبر أموره ويقف على أحواله والله أعلم. فصل (ثم متى (٧) خبره حتى جاز سؤاله عنه فهذا على وجهين إما أن عرف منه العدالة أو عرفه بغير ذلك ففي الوجه الأول ينبغي له أن يخبر بعدالته) لأنّ هذا من أمور الدين فلو لم يخبر رُبما لا يخبر غيره فيضيع الحق وذلك لا يجوز قيل (٨) هذا إذا كان القاضي عالمًا عادلًا فأما إذا كان

стр. 266

جائرًا أو جاهلًا فأمسك عن الأخبار بالعدالة متأولًا أنّه لو أخبر ربما يقضي بشهادته بغير حق إما جهلًا وإما جورًا فلا بأس بالإمساك عن الأخبار بعدالة الشاهد على هذا التأويل (وأما إذا علم منه ما يسقط العدالة فهو على وجهين أما إذا كان يعلم أنّه لو لم يخبر بذلك أخبر غيره به أو علم أن القاضي لا يقضي بشهادته فلا ينبغي له أن يخبره (١) ولكنه يمسك ويعرض بما فيه فيقول الله أعلم وإن كان يعلم أنّه لو لم يخبر بفسقه عدّله غيره فيقضي القاضي بشهادته فينبغي أن يخبر بذلك) حفظًا لقضاء القاضي عن الخطأ قال (وقال أبو يوسف إذا كانت أكثر أمور الإنسان حسنة فهو عدل إذا كان الذي يكون منه من الأمر القبيح ليس من الكبائر وإنّما ذلك من الذنوب الصغار (٢) وهذا (٣) القول موافق لما حكينا عن عبد الله بن المبارك على ما تقدم قال (٤) الخصاف (وقال غيره إذا كان الرجل ملازمًا للجماعة) إلى آخر ما ذكر قال الأستاذ ﵀ هذا مذهب الكل أبي يوسف وغيره وجملة ذلك أنّ للعدالة شرائط منها ملازمة الجماعات لأن ترك ذلك علامة المنافقين (وأداء الفرائض) لأنّ تركها كبيرة (٥) (ومنها أن يكون معروفًا بصحة المعاملة في الدراهم (٦) والدنانير) لما روي عن عمر ﵁ (٧) أنّه قال لا يغرنكم طنطنة الرجل في صلاته وانظروا إلى معاملته في الدينار والدرهم (و) منها (أن يكون مؤديًا للأمانة (٨) صدوق اللسان) لأنّ الشهادة أمانة وأنّها صدق ظاهرًا [ومنها أن يقل لغوه] (٩) ومنها (أن لا يكون مجريًا عليه (١٠) شهادة زور ولا قاذفًا للمحصنات) لأنّ الله تعالى

стр. 267

لعنه وأبعده عن رحمته دنيًا وعقبى (وأن لا يكون معاقرًا للنبيذ ينادم عليه) المعاقرة (١) المداومة وشرط المنادمة عليه لأنه متى شربه وحده لاستمراء الطعام لم تسقط عدالته (وأن (٢) لا يكون صاحب لهو) والأسباب (٣) الموجبة سقوط العدالة كثيرة يطول تعدادها والأصل في الكل ما ذكرنا والله أعلم قال (ولو أن رجلًا نزل بين ظهراني قوم لم يعرفوه قبل ذلك فأقام بين أظهرهم لا يظهر منه (٤) إلّا على خير قال أبو يوسف أولًا إذا أقام [كذلك] (٥) ستة أشهر وسعهم أن يعدلوه ثم رجع وقال إذا سكن (٦) سنة ولم يعرفوا منه إلّا خيرًا جاز لهم أن يعدلوه) وجه الأول (٧) أنّ المقصود تبين حاله وحال المرء يتبيّن في ستة أشهر ولهذا قلنا قبل هذا إنّ الشهود متى عدلوا في حادثة ثم شهدوا في أخرى إن كان ما بين الحادثتين مدة قريبة لا حاجة إلى التعديل ثانيًا وإن كان خلاف ذلك يحتاج وقدّرنا تلك المدة بستة أشهر وجه قوله الثاني أنّ حاله إنّما يعرف بالتجربة والتجربة إنّما تحصل بالسنة كما في حق العنين وهذا لأن من الفرائض ما لا يجب على المرء إلّا بعد السنة كالزكاة وكذا الصوم يجب في السنة مرة فيتأنّى في تعديله ذلك ليعلم أنّه ممن يمنع هذه الفريضة أم لا والله أعلم. فصل (قال ولو أنّ رجلين عدلين لهما معرفة وتمييز عدلا رجلًا عند رجل وسع ذلك (٨) الرجل

стр. 268

أن يعدل هذا الرجل المعدل (١) إذا وقع في قلبه أن المرء (٢) كما قالا) لأنّهما لو عدلاه بين يدي المزكي لأثبت (٣) المزكي ذلك وبعث به إلى القاضي وقضى القاضي به (وكذا لو عدلا بين يدي القاضي فإنّ القاضي يقبل قولهما ويقضي به ويسعه (٤) أن يقول هو عدل لو سأله عنه قاضي آخر [أو إنسان) فجاز له أن يعدله أيضًا] (٥) وهذا إذا لم يتقادم (٦) عهد تعديلهما عنده أما إذا تقادم لم يسعه أن يعدله وحد التقادم ما مر وهو ستة أشهر (وكذلك لو عدله (٧) عنده رجل وامرأتان وسعه أن يعدله) كما لو عدله رجلان. فصل (قال ولا ينبغي أن يسأل أحدًا من النساء عن الشهود إلّا امرأة برزة تخالط الناس وتعاملهم وتخبر أمورهم) لأنّها (٨) متى لم تكن كذلك لم تعرف أحوال الناس صلاحها من فسادها فلا يكون تعديلها معتبرًا فلا يفيد السؤال أما إذا كانت برزة كانت عالمة بأحوالهم عارفة أمورهم كالرجل فيفيد السؤال منها والتعديل من أمور الدين فيستوي فيه الرجل والمرأة كرؤية الهلال ورواية الأخبار خصوصًا في تعديل النسوان إذا شهد رجل وامرأتان. فصل (قال وقال أبو يوسف من سألت عنه فقالوا نتهمه بشتم أصحاب رسول الله ﷺ فإنّي لا أقبل هذا حتى يقولوا سمعناه يشتم) لأنّ مجرد التهمة ظن وبالظن لا يثبت (٩) الفسق فإذا قالوا سمعناه يشتم فقد ظهر فسقه فرق بين هذا (و) بين ما (إذا قالوا يتهمه بالفسق والفجور ونظن ذلك

стр. 269

به فإنّي أقبل ذلك ولا أجيز شهادته) والفرق إنهم متى قالوا يتهمه بالفسق فاعدلوه بشيء البتة فكان هذا جرحًا أما في الوجه الأول عدلوه في سائر الخصال إلّا أنهم (١) اتهموه بالشتم وظنوا به ذلك ومجرد التهمة والظن لا يكون معتبرًا فلا يكون جرحًا والله أعلم. باب المدعى عليه يعدل الشهود ذكر (عن الشعبي [أنّه] (٢) قال إذا رضي الخصمان بقول رجل واحد جاز عليهما ما قال) وهو (٣) يحتمل وجهين أحدهما أنّهما إذا حكما رجلًا فحكم بينهما فحكمه جائز لأنّه في حقهما بمنزلة القاضي المولى من قبل أن لهما ولاية على أنفسهما والثاني إذا اتفقا على رجل ليعدل الشهود ورضيا بذلك فعدل ذلك الرجل جاز وثبتت العدالة بقوله وهذا ظاهر على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ﵄ فإنّهما لا يشترطان العدد في المزكى (٤) وأما محمد ﵀ فيشترط فيكون الحديث حجة عليه لكنه يقول إنّما اشترط العدد متى لم يرض الخصم أما إذا رضي فلا. فصل (قال وقال أبو حنيفة ﵁ إذا عدل المشهود عليه الشهود [الذين شهدوا عليه] (٥) فإن القاضي لا يجتزي بذلك حتى يسأل عنهم في قول من يرى المسألة عن الشهود أما عند أبي حنيفة فالسؤال ليس بشرط إلّا أن يطعن الخصم (٦) وعندهما السؤال شرط لكن لم يجعلا (٧) تعديل المشهود عليه تعديلًا) قال ﵀ (٨) المشهود عليه إذا عدل الشهود لم يخل أما إن عدلهم قبل الشهادة (٩) فقال هم عدول فلما شهدوا أنكر ما شهدوا به وقال للحاكم سل عنهم وأما إن عدلهم (١٠) بعد ما شهدوا عليه ففي الوجه الأول [القاضى] لا ينفذ

стр. 270

ذلك عليه ويسأل عنهم لأنّه لو قال بعد الشهادة عليه هم عدول ولم يزد على هذا ألا يعتبر ذلك (١) تعديلًا ويسأل عنهم على قول من يرى السؤال عن الشهود لما تبين فقبل الشهادة أولى (٢) (وأما إذا عدلهم (٣) بعدما شهدوا عليه فهو على ثلاثة أوجه أما إن قال صدقوا فيما شهدوا به عليَّ أو قال هم عدول فيما شهدوا به [لي و] (٤) علي جائزة شهادتهم لي وعليَّ أو قال هم عدول ولم يزد على هذا ففي الوجه الأول والثاني يمضي القاضي عليه ذلك ويلزمه الحق) (٥) لأنّ قوله ذلك إقرار بالمال فيلزمه ذلك بإقراره لا بالشهادة (٦) (وفي الوجه الثالث لا يكتفي بالتعديل) (٧) فذكر الخصاف (٨) هاهنا أنّ تعديل المشهود عليه ليس بتعديل وقال في كتاب التزكية إذا عدل المشهود عليه الشهود إن كان المشهود عليه من أهل التعديل جاز تعديله فاعتبر تعديل المشهود عليه تعديلًا هناك (٩) وكذا ذكر الخصاف في آخر هذا الباب أنّ تعديل المشهود عليه لا يعتبر إذا لم يكن من أهل التعديل (١٠) ثم إذا صح التعديل فعند أبي حنيفة ﵁ لا حاجة إلى التعديل ما لم يطعن الخصم وعند أبي يوسف ﵀ يحتاج إلى التعديل وتعديل الواحد يكفي فيكتفي بتعديل المشهود عليه إلّا رواية رويت عنه (١١) أنّه لا يعتبر تعديل المشهود عليه أصلًا لما بين وعند محمد ﵀ ثبوت العدالة يتوقف على العدد فيتوقف على تعديل آخر ينضم إلى المشهود عليه (١٢) ثم فرّقوا بين

стр. 271

تعديل المشهود عليه قبل الشهادة وبين تعديله بعد الشهادة فقالوا (١) إذا عدل الشهود قبل الشهادة لا يعتبر تعديله وإذا عدل الشهود بعد الشهادة يعتبر والفرق بينهما أنّه يمكن الجمع بين التعديل قبل الشهادة والقدح وقت الشهادة فيقول كانوا عدولًا ثم حدث بهم كذا وفيما إذا عدل بعد الشهادة لا يمكن ذلك (٢) قال (وإذا شهد عليه شاهدان فعدل أحدهما بعدما شهد عليه وقال للقاضي هو عدل لكنه غلط أو أوهم (٣) فإن القاضي لا ينفذ عليه (٤) شهادة هذا وحده ولكنه (٥) يسأل عن الآخر فإن عدل أنفذ ذلك عليه) اعتبر تعديل المشهود عليه تعديلًا (٦) وقوله غلط (٧) ليس بجرح فيه فهذان (٨) شاهدان عدل أحدهما فيتوقف الحكم على تعديل الآخر قال (ولو (٩) شهدا عليه فقال (١٠) الذي شهد به على فلان لأحدهما حق أو هو الحق ألزمه القاضي ذلك ولم يسأل عن الآخر) لأنّ هذا إقرار منه قال (ولو (١١) قال ذلك قبل أن يشهدا عليه بأن قال ما يشهد (١٢) به على فلان حق أو [قال الذي يشهد به فلان عليَّ] (١٣) هو الحق فلما شهدا [عليه] (١٣) قال للقاضي سل عنهما فإنهما شهدا عليَّ بباطل وما كنت أظن أنهما (١٤) يشهدان علي بما شهدا به لم يلزمه ذلك وسأل (١٥) القاضي عنهما فإن عدلا أمضى شهادتهما وأنفذها وإن لم يعدلا لا) (١٦)) لأن قوله الذي يشهدان به على حق تعليق الإقرار بالخطر وتعليق الإقرار بالخطر لم يصح فبقي مجرد الشهادة فيحتاج إلى التعديل (١٧) لأن المشهود عليه طعن فيهما وعند الطعن يسأل عنه بالإجماع والله أعلم.

стр. 272

فصل (قال (١) أبو يوسف ﵀ في الإملاء إذا شهد الرجلان للرجل (٢) بحق فقال المشهود عليه بعدما شهدا هما عدلان لم يجتن القاضي بذلك [ولم يحكم بشهادتهما] (٣) حتى يسأل عنهما) لم يجعل (٤) تعديل المشهود عليه تعديلًا في هذه الرواية عن أبي يوسف ﵀ ووجه ذلك أن في زعم المشهود له وزعم الشهود أنّ المشهود عليه كاذب في الإنكار فيكون فاسقًا وتعديل الفاسق لا يقبل وقد نص علي ذلك في أول الباب على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله حيث قال على قول من يرى المسألة عن الشهود يعني على قولهما وهكذا نص فى الجامع الصغير في كتاب القضاء ووجه ذلك قد ذكرنا في ظاهر الرواية أنّ تعديله يعتبر والاعتماد على هذا وتأويل ما ذكرنا في أول الباب ما ذكرنا وذكر الأستاذ (٥) في شرح الجامع الصغير أنّه لو سكت عن الإقرار والإنكار وقال هم عدول يقبل تعديله بالإجماع ثم أنّ أبا يوسف ﵀ على هذه الرواية فرّق بين قولهم هم عدول إذا لم يزد عليه وبين قوله صدقا فيما شهدا به عليَّ أو قال هما صادقان في شهادتهما هذه أو شهدا بالحق أو حق ما شهدا به عليَّ فإنَّ القاضي يلزمه ذلك لأنّ هذه الألفاظ إقرار منه فيحكم عليه بحكم الإقرار لا بالشهادة والله أعلم. باب الملازمة في الدين (٦) ذكر (عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه كعب ﵄ أنّه تقاضى ابن أبي حدرد ﵁ دينًا له (٧) عليه فمر بهما رسول الله ﷺ وهو ملازمه (٨)

стр. 273

في المسجد فقال مالك يا كعب قال يا رسول الله دين لي على هذا (١) فأشار إليه النبي ﷺ أن ضع عنه الشطر فقلت قد فعلت (٢) يا رسول الله قال قم فأدّ إليه حقه) انتظم (٣) الحديث فوائد منها جواز الملازمة لأنّ الرسول ﵊ لم ينكر ذلك عليه وتركه الإنكار عما عاينه تقرير وهو شرع ومنها أنّ الجلوس في المسجد لغير الصلاة لا بأس به ألا تراهما كيف جلسا للتلازم ولم ينكر ذلك عليهما رسول الله ﷺ ومنها أنّه تجوز الإشارة في موضع القدرة على البيان باللسان إذا فهمت الإشارة لأنّ الرسول ﵊ أشار إليه أن يضع الشطر وكان قادرًا على بيانه بالنطق ومنها أنه ينبغي للغريم أن يحسن إلى المديون وضع الشيء (٤) من الدين وكمال الإحسان في وضع الشطر كما فعل كعب بن مالك ومنها أنه لا بأس للقاضي بأن يدعو الخصم إلى الإحسان والنظر كما فعله رسول الله ﷺ ذكر (حديث حسيل بن خارجة الأشجعي) (٥) وقيل هو حسل (قال لما أراد رسول الله ﷺ أن يغزو خيبر لم يبق أحد من يهود المدينة له دين على أحد من المسلمين إلّا لزمه وكان لأبي الشحم اليهودي علي درهمان فاستعدى عليَّ رسول الله ﷺ فقال إلزمه حتى يؤدي إليك حقك فعمدت إلى شقيقة كانت عليَّ سنبلانية (٦) فأدخلتها السوق فبعتها بستة دراهم فقضيته درهمين وخلفت عند أهلي درهمًا وتزودت بدرهم واشتريت شملة (٧) بدرهمين فلبستها فبينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ في ليلة مقمرة وهو خلفي يسير وأنا لا أعلم إذ نظر إلى ضوء القمر على

стр. 274

الشملة كأنّه شمس فقال ما هذا يا حسيل فقلت يا رسول الله شملة اشتريتها ثم أخبرته خبري فقال رسول الله أنت والله وأصحابك من الفقراء المهاجرين الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ثم قال اللهم إنّهم عالة فاغنهم وحفاة فاحملهم وعراة فاكسيهم فما رجع منا أحد إلا ومعه بعيران أو ثلاثة ومن الطعام والتمر حملان أو ثلاثة (١) ومن الكسوة والأثاث (٢) والخرثيّ سوى سهامنا كثير) أفاد الحديث (٣) أنّ ملازمة الغريم جائزة وإن كان مفلسًا فإنَّ رسول الله ﷺ أمره بملازمة حسيل مع علمه بفلسه وهذا خلاف ما قاله [إسماعيل بن حماد] (٤) بن أبي حنيفة أن المفلس لا يلازم وقد تقدم هذا من قبل وأفاد الحديث أنّ المديون ينبغي أن يبيع ثيابه لقضاء الدين إذا كانت زيادة على كفايته ولو باعها بقي (٥) بعد قضاء الدَّين ما يكفيه وأنّه يطالب بذلك فالمعتبر هو قدر الكفاية لكن كفاية كل إنسان من الثياب ما جرت عادته بمثله على وجه لا يكون فيه زيادة تحمل ولا نقصان جاه وقد تقدم هذا في باب الحجر بسبب الدين ذكر حديث (الهرماس بن حبيب رجل من أهل البادية عن أبيه عن جده (٦) قال أتيت النبي ﵊ بغريم لي فقال لي الزمه ثم قال يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك) دلّ الحديث على جواز الملازمة (٧) (قال (٨) أحمد بن عمر وهذه الأحاديث أخذ أصحابنا وقالوا لصاحب الحق أن يلازم غريمه ويأخذه بحقه ثم هو مخيّر متى ثبت حقه عليه دينًا كان أو حقًا من الحقوق قبله إن شاء حبسه وإن شاء لازمه) لأنّهما شرعا نظرًا له ليصل

стр. 275

إلى حقه بواسطة ضجر الغريم وضيق الأمر عليه وطباع الناس مختلقة فيهم من تضجره الملازمة ومنهم من يضجره الحبس فكان نظر صاحب الحق في تفويض الاختيار إليه وقد تقدم هذا من قبل. فصل (وإذا أراد ملازمته فليس له أن يجلسه في موضع واحد لا يبرح عنه بل يدور معه أينما دار ولكن لا يدخل معه بيته إذا أراد الخلوة لما يخلو له الإنسان من الأكل والشرب والوضوء بل يجلس على باب البيت حتى يخرج) لأنّه ليس له أضراره إنّما له أن يلازمه على وجه لا يضر به في ذلك (١) ثم قال صاحب الكتاب (لأنّ الملازمة إنّما تكون في المساجد) قال القاضي الإمام أبو علي النسفي وليس هذا مذهبنا لأنّ المساجد إنّما بنيت لذكر الله وإقامة (٢) الصملاة [فيها] (٣) فمن جوّز الملازمة في المسجد لا يحمد (قال فإن قال المطلوب احبسني له فإن الحبس لي أرفق (٤) من الملازمة فإنّ في القاضي ينظر فإن (٥) لم يكن يتضرر بالملازمة من الوجوه التي بينّاها في المنع من الدخول للأكل والشرب والوضوء [وما يحتاج فيه إلى الخلوة] (٦) لا يحبسه القاضي) لأنّه متعنت فإنّ (٧) الملازمة دون الحبس وإن كان (٨) يتضرر بشيء مما ذكرنا حبسه القاضي لأن الحبس أعلى من الملازمة فإذا رضي (٩) به لغرض صحيح وهو دفع الضرر كان على القاضي أن يجيبه إليه ليدفع الضرر عنه (قال صاحب الكتاب (وإنما يحبس عن منزله والاضطراب في أموره فأما أن يدخل عليه ضرر فما (١٠) ينبغي

стр. 276

ذلك) وإنّما يمنع من ذلك حتى يضجر [قلبه] فيتسارع إلى قضاء الدين وإذا (١) أراد بالحبس عن منزله حبسه عن الدخول بسائر الأشغال سوى ما ذكرناه مما يحتاج فيه إلى الخلوة على ما مر وإذا أبى بالاضطراب في أموره، التردد في معاشه والكسب لأهله وعياله وهذا يدل على أنّه إذا كان محترفًا يمنع من الاحتراف لأنّ ذلك من جملة التردد والاضطراب في أموره وهو الصحيح لما نبين بعد هذا في أنّ المحبوس هل يمكن من الكسب أم لا (٢) وقال بعض العلماء لا يمتنع من الكسب وكذا المحبوس على ما يأتي (٣). فصل (فإن حبسه القاضي ثم فلسه وأخرجه من الحبس لم يحل بين الطالب وبينه وتركه يلزمه إن أراد) على ما مر (٤) (قال الخصاف (٥) وبعض أصحابنا يقول إذا فلسه القاضي وأخرجه من الحبس حال بينه وبين خصمه ولم يدعه يلزمه وقال اتركه يضطرب ويكتسب [وينفق] (٦) على نفسه وعليك) قال (٧) ﵀ هذا يدل على أنّ المحبوس لا يمكن من الاكتساب ويمكن منه بعد الإخراج وهو اختيار الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي فإنه قال هو الصحيح من مذهب أصحابنا وقال بعض أصحابنا يمكن من الاكتساب في الحبس لأنّه أنظر لهما والأول أصح لأنّ الحبس إنّما كان ليضجر فيسارع إلى قضاء الدين فإذا مكن من الاكتساب في الحبس صار الحبس حانوتًا له فلا يتحقق الضجر الموصل إلى قضاء الدين فكان الأولى اختيار شمس الأئمة.

стр. 277

باب من القضاء (١) ما ينبغي للقاضي أن يعمل به (قال أبو بكر وأحمد بن عمرو (٢) الخصاف وينبغي أن يشرف على كاتبه (٣) وأصحاب مسائله وأمنائه (٤) ويتفقد [أحوالهم] وأمورهم (٥) ويحاسب أمناءه في كل سنة على ما يتولّون وعلى ما يجري على أيديهم) كل ذلك (٦) احتياطًا لأمور المسلمين وحفظًا لحقوقهم كيلا يقع من بعض هؤلاء خيانة ويلتبس في أمر والقاضي ناظر للمسلمين محتاط لأمورهم فيفعل كل ما فيه الاحتياط (قال ويقتصد في إجراء الرزق عليهم) أما إجراء الرزق فلأنّ (٧) كلًا منهم فرغ نفسه لمصالح المسلمين فيستحق الكفاية من مال المسلمين وذلك من بيت المال ويقتصد في ذلك لأن الزيادة إجحاف (٨) ببيت المال والنقصان بخس (٩) بهؤلاء العمال فوجب التوسط والاقتصاد وخير الأمور أوساطها. فصل (قال ويسأل عن الأموال (١٠) فما كان من مال يتيم له وصي أقره (١١) في يدي وصيه إذا لم يعلم منه خيانة) لأنّ وصي الأب خلف عن الأب فكان رأي الأب قائمًا معنى بقيام رأي خلفه ورأي الأب مقدم في حق الصبي على رأي القاضي إلّا إذا ظهرت خيانة الوصي فحينئذ له

стр. 278

عزله نظرًا للصبي وحفظًا لما له (١) (قال فإن لم يكن له وصي (٢) اختار القاضي له من قرابة اليتيم وأهل بيته من يوثق بدينه وأمانته فوصاه عليه) يعني جعله وصيًا (٣) (وأمره بالقيام بأمره) لأن مبنى الوصية على الشفقة ومن كان بهذه الصفة كان (٤) أشفق لكن (هذا إذا كان أهدى إلى التصرفات) لأنّ (٥) النظر إنّما يحصل بذلك مع الشفقة (وإن لم يكن في أهل بيت (٦) اليتيم من يصلح لذلك فمن جيرانه [لأنّ جيرانه أكثر شفقة عليه من غيره فيكون النظر له] (٧) (فإن لم يجد فمن (٨) اختار من غيرهم ممن يثق به) وله (٩) بصارة بالتصرف فجعله وصيًا لليتيم (واشهد له على ذلك) (١٠) لأنّه (١١) لو لم يشهد ربما يعزل القاضي أو يموت ثم يبلغ الصبي فيضمن الوصي ما تصرف في ماله إذا لم يكن له على الوصاية بينة (فإن أجرى عليه رزقًا من مال اليتيم فينبغي أن يشهد له على إجراء الرزق) (١٢) أما جواز إجراء (١٣) الرزق فلأنّه عامل للصبي كالحافظ وللقاضي أن يستأجر للصبي من يحفظ ماله بأجرة من ماله كذلك هاهنا وأما الإشهاد فلما ذكرنا وهو التحرّز عن تضمين الصبي إياه الرزق الذي أخذه من ماله متى لم يكن له بيّنة على إجراء القاضي.

стр. 279

فصل (فإذا (١) جعله وصيًا له جاز من تصرّفه ما يجوز لوصي الأب) لأنّ للقاضي ولاية مطلقة وقد جعله وصيًا مطلقًا لكن بين هذا الوصي وبين وصي الأب فرق من وجه وهو أنّ القاضي إذا جعله وصيًا في مال اليتيم واستثنى العقار صح ذلك حتى لم يكن له أن يتصرّف في العقار والأب لو وصى إلى رجل واستثنى التصرف في العقار لا يصح الاستثناء ويكون وصيًا مطلقًا وإنّما كان كذلك لأنّ ولاية الأب على الولد لا تتجزأ لأنّ سببها لا يتجزأ وهو كونه أبًا ومتى كانت ولايته غير متجزئة لم يكن له إثباتها لغيره على صفة التجزيء و [ليس] (٢) كذلك ولاية القاضي فإنها تقبل التجزيء لأنّه يجوز أن يولي حكمًا دون حكم وأمرًا دون أمر ومتى جاز ثبوت ولاية القاضي متجزّئة ملك إثبات ولاية الوصي من قبله كذلك هذا إذا جعله القاضي (٣) وصيًا فأما إذا جعله قيمًا فسيأتي والله أعلم. فصل (٤) (ولو لم يجعله وصيًا لكن جعله قيمًا حافظًا لماله فإنّه يملك الحفظ ولا يملك التصرف بخلاف الوصي) فإنّه يملك التصرف مطلقًا لأنّ الوصاية تمليك التصرف ولا كذلك القوامة لأنّها تنبّئ عن الحفظ فجعله فيما هو جعله حافظًا فيملك الحفظ لا غير (٥) (ثم القيم (٦) هل يملك شراء ما لابد للصغير منه فيه قياس واستحسان القياس إنّه لا يملك) لأنّه تصرف كسائر التصرفات (وفي الاستحسان يملك) لأنّه ملك حفظ اليتيم فيملك كل ما كان

стр. 280

من الحفظ وشراء ما لابد منه والإنفاق على اليتيم حفظ له فيملكه. فصل (فلو (١) جعله قيمًا ليزرع أرضه ويؤاجر ويبيع غلاته ويحفظها ملك ذلك لا غير) لأنّ تصرّفه بمنزلة تصرّف الوكيل فيتقدر بقدر ما فوضه القاضي إليه (فينبغي للقاضي أن يشهد له على ذلك) ليعلم قدر ما فوض إليه فلا يتجاوزه وليكون ذلك حجة له فيما تصرف فيه. فصل (٢) (وينبغي للقاضي أن يقرض أموال اليتامى لأقوام (٣) ثقات) لأنّه مأمور بحفظ أموالهم ولا يمكنه ذلك بنفسه لا محالة فيحفظ مرة بنفسه ومرة بغيره له طريقان (إما الإقراض) وإما الإيداع والإقراض أحوط وأنظر لأنّه يكون مضمونًا على المستقرض لا يتوى على مرّ الدهر لهذا قال الخصاف (فهو أحوط من أن يودعها) (٤) فإن قيل إذا كان هذا أحوط كان هذا أصلح وأنظر فينبغي أن يملكه في الأب والوصي الجواب في ملك الأب للإقراض روايتان فعلى إحداهما والقاضي سواء وعلى الأخرى إن قلنا لا يملك وكذا الوصي فلأنّ الإقراض إنّما يكون أحوط في حق من يقدر على الاستيفاء عند الحاجة والقاضي كذلك لأن قوله مقبول ولا كذلك الأب والوصي (٥) (قال ثم متى (٦) أقرض فينبغي أن يكتب بذلك صكوكًا ويخلدها في ديوانه فهو أحوط) لأنّه (٧) ربما يموت أو يعزل فيكون ذلك حجة للأيتام (قال ويتفقد أحوال من أقرضه في كل أوان أهو ملي كما كان

стр. 281

أم أفلس فإن كان مليًا تركها عليه كما كانت وإلّا نقلها إلى غيره يفعل من ذلك ما فيه الاحتياط (١) وكذلك يتفقد حال (٢) الأوصياء والقوام) حتى لا يخونوا في شيء مما فوّض إليهم والله أعلم. فصل (وإذا ثبت للرجل عند القاضي حق بشهادة شهود وعدلوا عنده وجاء أوان القضاء فينبغي له أن يعلم المدّعى عليه فإن أتى من ذلك بمخرج قبل منه (٣) وإلّا قضى عليه إذا طلب المدعي ذلك) وإنّما قلنا إنه يعلمه لأن القاضي إنما يقضي بالشهادة متى خلت من (٤) المعارض وإنّما يتحقق خلوها عن المعارض بعجز الخصم ولا يتحقق عجزه عن المعارض ما لم يعلمه (٥) بوجه الحق ثم لا يأتي بمعارض (فإن (٦) أراد أن يعلمه كيف يعلمه قال بعضهم يقول له أنّه شهد عندي فلان وفلان عليك بكذا وعدلا وثبت الحق عندي فاخرج عن ذلك بدفع إن كان عندك وإلّا فاخرج إليه عن حقه وقال بعضهم لا يقول ثبت الحق عندي) لأنّ هذا حكم منه وقضاء عليه فلا يمكنه الدفع بعد ذلك (لكنه يقول شهدا عندي وعدلا ووجب القضاء له عليك فإن كان لك عن ذلك مخرج، فأت به وإلّا قضيت عليك) ومنهم من

стр. 282

يقول قوله ثبت الحق عندي ليس بقضاء منه لكن الأول هو المختار وهو أنه لا يقول ثبت الحق عندي لأنّ منهم من يقول هو قضاء فيتحرز عن ذلك ويقول ما ذكرناه في القول الثاني وهو اختيار القاضي أبي عاصم العامري والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني (فإذا (١) قال له ذلك وضرب له أجلًا فلم يأت فيه بمخرج وسأل الطالب القضاء له عليه قضى عليه بذلك وكتب به سجلًا ويكون ذلك على نسختين نسخة دفعها إلى الطالب ونسخة يخلدها في ديوانه) لأنّ الطالب يحتاج إلى التمكن من الاستيفاء والقاضي يمكنه من ذلك فلابد للقاضي من نسخة ليمكن ولابد للطالب من نسخة ليتمكن (٢) (هذا إذا ثبت (٣) الحق عليه بشهادة فإن ثبت بإقراره وتوجه القضاء قال يعلمه أيضًا) قال (٤) شمس الأئمة الحلواني هذا صحيح فيما إذا أقر أنّه [كان] (٥) له عليه ذلك لكن أدّاه أو أبرأه عنه وأنكر الطالب فحينئذٍ متى توجه القضاء يعلمه كما لو ثبت الحق ابتداءً بالشهادة أما إذا أقر للحال أنّ ما قاله صدق أو قال له عليَّ كذا أو الحق فيما قال فإنه لا يعلمه فيما (٦) ذكرنا لأنّه لما أقر بكون المال عليه للحال فبعد ذلك لا يسمع منه الدفع فلا فائدة في إعلامه فيقضي عليه بذلك ويكتب بذلك سجلين على ما تقدم في القضاء بالشهادة (قال وإن رأى أن يسمي الشهود في القضية سماهم (٧) وأكثر القضاة والناس لا يرون تسمية الشهود في السجل) (٨) أما من قال بالأول فإنه يقول يسميهم ليعلم أنّه

стр. 283

بشهادة من قضى متى احتاج إلى ذلك ومن قال بالثاني يقول لا يسميهم تحرزًا عن هتك ستر المسلم لأنّه متى شهده جماعة فعدل بعضهم وقضى بشهادته فإذا قال شهد عندي فلان وفلان وفلان فعدل فلان وفلان وقضيت بشهادتهما على أنّ الآخر مجروح إنّه لم يعدل (١) فيكتب إني قضيت بشهادة العدول لأنّه أستر والله أعلم. فصل (٢) (وإن قضى لرجل على رجل بقود أو قصاص (٣) أو حد) يريد بالقود القصاص في النفس بالقصاص ما دون النفس (وكذلك ما كان من حقوق الله من الحدود ثبت عنده ببينة فينبغي أن يشهد على ذلك أنّه ثبت عنده ببينة شهدت عنده على هذا الرجل وعدلوا سرًا وعلانية وأنّه قبل شهادتهم وأنفذها وقضى عليه بذلك (٤) ثم يقيده بعد ذلك ويقتص منه أو (٥) يحده) لأنّ هذا أنفى للتهمة (٦) (وكذلك لو كان ثبت ذلك عنده بالإقرار يشهد أنّه قضى بالإقرار (٧) لأنّ (٨) الإقرار في كونه سببًا للقضاء يخالف البينة لأنّ الرجوع عن الإقرار في بعض الحقوق صحيح ولا يتأتى ذلك في البينة فبأيهما قضى ينبغي أن يذكره ويشهد على قضائه به ((٩) قال) في الكتاب (لأنّه لا يؤمن أن يعزل القاضي عن القضاء فيدعي المطلوب عليه ذلك [فيقول فعلت بي كذا وكذا] (١٠) فإن قال فعلت ذلك وأنا قاض لم آمن (١١) أن

стр. 284

يقدمه إلى قاض لا يرى قبول قوله (١) فيأخذه بذلك ويلزمه (٢) إياه فيتحرز عن هذا بالإشهاد) على ما ذكرنا. فصل (٣) (وإذا أراد القاضي أن يحكم لرجل بشيء (٤) ثبت عنده وأن يسجل له (٥) سجلًا أخرج محضره إن كان ببينة أو إقرار (٦) ثم أنشأ السجل على المحضر) [يعني على وفقه] (٧) (وحكى (٨) في السجل ما ثبت عنده للطالب وما أدلى به المطلوب إن كان أدلى (٩) بحجة خرج بها عن بعض ما ادعى عليه ويعرض نسخة السجل ويتدبر ذلك مرة بعد مرة حتى لا يكون في السجل (١٠) خلل) لم يرد (١١) بقوله يكتب السجل على المحضر [أنّه يكتبه على ظهر المحضر] (١٢) وإنما أراد به أن يكتبه على موافقة المحضر ويثبته عليه لأنّ السجل حكاية عما في المحضر فلابدّ من كونه موافقًا له والمحضر هو الكتاب الذي يكتبه الكاتب عند سماع لبينة وإثبات حق الطالب. فصل (وإذا قال القاضي إنّ فلانًا (١٣) عندي أقر بكذا فهذا على وجهين إما أن يكون ذلك

стр. 285

شيء يصح الرجوع فيه عن الإقرار نحو الحدود الخالصة لله أو يكون ما لا يصح ذلك فيه نحو حقوق العباد ففي الوجه الأول لا يقبل قول القاضي) لأنّ (١) قوله إنما يحتاج إليه متى كان المطلوب منكرًا لأنّه لو كان مقرًا لما احتيج إلى قول القاضي ومتى كان منكرًا فإنكاره إنشاء للرجوع عن الإقرار فإذا كان الحق مما يصح الرجوع فيه صح رجوعه ولم يحكم عليه بشيء (أما (٢) إذا كان الحق مما لا يصح الرجوع فيه فإنّه يقبل قول القاضي إنّه أقر عندي) لأنّه (٣) غير متهم ولذا كان له أن يقضي عليه ومتى انتفت التهمة وجب قبول قوله حتى لو كان ذلك في محل تهمة لا يقبل قوله ولا ينفذ قضاؤه كما في حق نفسه وفي حق ولده وروى ابن سماعة عن محمد أنّه قال لا يقبل قول القاضي في ذلك ما لم ينضم إليه قول عدل آخر وقال (٤) الشيخ الإمام شمس الأئمة أبو محمد الحلواني ما حكاه عنه ابن سماعة (٥) وقد ذكرنا ما رواه ابن سماعة عن محمد في شرح الجامع الصغير لكن هناك ذكرنا أنه لا يقبل قول القاضي ولم نذكر قوله ما لم ينضم إليه قول عدل آخر وقد حكينا عن ابن سماعة وقد ذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي أنّ المسألة على أربعة أوجه على ما ذكرناه في شرح الجامع الصغير وروى هشام عن محمد أنّه رجع عن قوله الذي حكاه ابن سماعة إلى قولهما وهو قوله
следующие страницы →