قال ولست آخذ بذلك ولا أترك ما عليه عامة المشائخ يعني أنه لا ينعزل ولكن يستحق العزل والله أعلم.
فصل (١)
(المرأة إذا جعلت قاضيًا فقضاؤها جائز فيما تجوز شهادتها فيه ولا تجوز في الحدود والقصاص) لأنّه (٢) لا شهادة لها في ذلك وقد ذكرنا أنّ القضاء قول هو حجة فما كان قولها فيه مقبولًا صح أن تكون فيه قاضية ومالا فلا والله أعلم.
باب موت الخليفة وله قضاة أو عزله (٣) قاضيًا
قال ولو أنّ خليفة مات أو خلع (٤) وله قضاة قد كان ولاهم فإن قضاته على حالهم أحكامهم نافذة [على ما كانت] (٥) وأمورهم جائزة ولا يكون (٦) موت الخليفة عزلًا لهم) قال صاحب الكتاب (لأنّهم قوام المسلمين جعلوا لمصالحهم وليس (٧) هم ولاة له في شيء من خاصة أمره) وهذا صحيح (٨) لأنّ الخليفة في تعيين القضاة نائب عن المسلمين فكان القضاة نواب المسلمين والمسلمون على حالهم فبقي النواب على ما كانوا عليه بخلاف الوكيل حيث ينعزل بموت الموكل لأنّه نائبه في خاصته ونظير مسألتنا الوكيل يعقد الإجارة إذا مات لا ينفسخ عقد الإجارة لأنّه عقد للمالك لا لنفسه (قال وكذلك (٩) والي بلدة إذا عزل وله ولاة في
стр. 317
البلدة لا ينعزلون) لأنهما نواب أهل البلدة لا أنهم نوابه في خاصته حتى لو كانوا نوابًا له في أمر يخصه مما جعله السلطان له ثم عزل عن ذلك الأمر ينعزلون أيضًا.
فصل
(قال ولو أنّ الخليفة عزل قاضيًا من قضاته وقضى ذلك القاضي (١) بقضايا قبل أن يصل إليه كتاب عزله (٢) أو يقدم عليه قاضٍ مكانه فقضاياه نافذة ماضية وله أن يحكم ما لم يرد عليه كتاب عزله أو يقدم عليه قاضٍ مكانه) لأنّ العزل خطاب من العبد له حكم في حق المخاطب وحكم خطاب الله تعالى لا يلزم قبل العلم بدليل أهل قباء كذلك خطاب (٣) العبد ينبغي أن لا يلزم قبل العلم وهو بمنزلة عزل الوكيل وحجر العبد المأذون له لا يثبت حكمه في حقهما ما لم يعلما به كذلك هاهنا قال (٤) صاحب الكتاب مستشهدًا لهذا الفصل (ألا ترى أنّ والي الصلاة) يعني الجمعة (إذا عزل ولم يقدم وال مكانه يجمع الناس (٥) إلى أن يقدم الوالي عليه فكذلك القاضي) ثم (٦) والي الصلاة إذا علم بالعزل فله أن يجمع بالناس ما لم يقدم الوالي الثاني بلا خلاف أما القاضي إذا علم بالعزل لكن لم يقدم قاضي مكانه هل ينعزل اختلف فيه المشائخ قال بعضهم لا ينعزل بمنزلة والي الجمعة وسوى بينهما لأن
стр. 318
صاحب الكتاب استشهد بذلك على فصل القاضي فدل أنّهما سيان في الحكم وقال بعضهم لا بل القاضي متى علم بالعزل انعزل بخلاف والي الجمعة لأنّ صاحب الكتاب نص على أنه يحكم ما لم يرد عليه كتاب عزله و (١) يقدم عليه قاضٍ مكانه وفي والي الجمعة وإن ورد عليه كتاب عزله فله أن يجمع ما لم يقدم الوالي الثاني فكان الصحيح إفراقهما ووجه ذلك أنّ الجمعة مؤقتة فلا يجوز إخلاء وقتها عن الوالي لأنّه يؤدي إلى فواتها فبقينا الأول على حاله وإن علم بالعزل إلى أن يقدم الثاني والقضاء لا تأقيت فيه فلم يكن تأخيره تفويتًا فمتى علم بالعزل صار معزولًا كالوكيل وعلى هذا القول ثم يثبت علمه بالعزل الاختلاف فيه كالاختلاف في عزل الوكيل إن كان المبلغ رسولًا ثبت العزل على كل وإن كان فضوليًا عدلًا فالواحد يكفي وإن كان فاسقًا قال اثنان (٢) شرط عند أبي حنيفة ﵁ وعندهما الواحد يكفي والله أعلم قال بعض أصحابنا أيضًا ينظر إلى كيفية منشور الثاني إن كان فيه إلى الأول إذا وصل إليك كتابنا فقد عزلناك لا يصير معزولًا ما لم يصله الكتاب سواء ورد القاضي الثاني أو لم يرد لأنّه علق عزله بشرط فلا ينعزل قبله وإن كان المكتوب فيه قد عزلناك من غير تعليق بوصول الكتاب إليه فمتى علم بالعزل فقد انعزل والله أعلم بالصواب.
باب الخوارج يولون قاضيًا
(قال ولو أنّ قومًا من الخوارج أو من أهل التأويل (٣) غلبوا على مدينة أو على مصر (٤) من أمصار المسلمين حتى نفذت أمورهم وجازت أحكامهم فولوا قاضيًا على ذلك البلد (٥) فهذا على وجهين أما أن (٦) ولّوا منهم قاضيًا أو من أهل الجماعة والعدل فالأول لا ينفذ قضاؤه حتى لو رفع إلى قاضٍ من أهل العدل رده ولم يجزه) لأنّ ما يفعله الخارجي ليس على وجه القضاء إنما هو استحلال لأنّه يستحل دماءنا وأموالنا فلا ينفذ شيء من ذلك على كل حال (وكذلك لو كتب (٧) قاضي الخوارج وهو منهم إلى قاضي أهل العدل كتابًا لم ينفذه) لأنّ
стр. 319
الكاتب لا ينفذه قضاؤه بما تضمنه الكتاب فغيره أولى (وإن كان القاضي من أهل العدل وقد ولاه الخوارج جاز ما يقضي به) لأنه قضى لكونه من أهل القضاء (ثم قضاء هذا الذي ولاه الخوارج من أهل العدل إنّما ينفذ متى قضى بينهم بالحق حتى لو قضى بينهم بغير حق لم ينفذ) لأنه لا يكون قضاء حينئذٍ (وكذلك إنما ينفذ إذا قضى بشهادة أهل العدل حتى لو قضى بشهادة أهل التأويل والخوارج (١) لم ينفذ ذلك القضاء) لأنّ الخوارج لا يصلحون قضاة ولا يصلحون شهودًا والله أعلم بالصواب.
باب استخلاف القاضي (٢)
(إذا ولّى (٣) الخليفة رجلًا القضاء فاستخلف هذا القاضي قاضيًا آخر لم يجز استخلافه ولم يصر الثاني قاضيًا) لأنّ الخليفة رضي برأي الأول لا غير بمنزلة الوكيل ليس له أن يوكل لأنّ الموكل رضي برأيه لا غير (فإن كان الخليفة أذن للأول في الاستخلاف فجائز منه ذلك) كالموكل إذا قال للوكيل افعل ما شئت أو جائز ما صنعت جاز منه التوكيل كذا هذا.
فصل
(وإن (٤) كان الخليفة أمر القاضي أن يستخلف رجلًا (٥) يسمع من الخصوم ويثبتوا عنده البينة ويكتب الإقرار ولا يقطع حكمًا فأمر القاضي رجلًا يقوم بذلك (٦) فهو جائز) لأنّ الخليفة
стр. 320
لو ولى القاضي الأول هذا القدر جاز وكان له أن يسمع البينة ويكتب الإقرار ثم يرفع الأمر إلى الخليفة فيحكم هو فكذلك هذا القاضي إذا ولى إنسانًا هذا القدر ينبغي أن يجوز (ثم هذا الثاني متى سمع البينة وكتب الإقرار رفع الأمر إلى القاضي الأول فيحكم به ثم متى أراد القاضي أن يحكم بذلك فينبغي له أن يحضر المدعي والمدعى عليه ويسمع من الشهود ما يشهدون به ثم يحكم بذلك ويمضيه ولا يحكم (١) بذلك السماع الذي وجد من النائب) لأنّ ذلك السماع لم يفد النائب ولاية القضاء مع أنه سمعه فلأن لا يفيد القاضي ولاية القضاء مع أنّه لم يسمعه كان أولى فإذًا فائدة سماع النائب أنّه يسوّي الأمر ويقصر المساعة في حق التعديل والتزكية ونحو ذلك ثم القاضي يستعيد الشهادة ويحكم بها (قال وكذلك في الإقرار إذا كتبه النائب) فالقاضي يحضر المقر والمقر له ويسمع إقراره له ثم يحكم عليه بذلك (قال فإن (٢) كان الشهود شهدوا عند خليفته) (٣) يعني خليفة القاضي (بالحق للمدعي ثم غابوا أو ماتوا (٤) فأعلمه خليفته أنّهم شهدوا عنده بكذا وكذا لم يحكم بذلك ولم يقبله (٥) حتى يعيدوا الشهادة عنده) وهذا لما تقدم (٦) أن سماع الخليفة للبينة لم يقع موقعه فصار كأن الشهود ماتوا أو غابوا قبل أن يشهدوا فلا يجوز للقاضى أن يحكم بغير سماع (وكذلك هذا في الإقرار (٧)
стр. 321
إذا أقر عند خليفة القاضي بشيء ثم جحد فأخبره الخليفة بأنه أقر عنده لفلان بكذا لم يقبل ذلك إلّا أن يجيء الخليفة فيشهد على ذلك ويشهد معه غيره فيقبل القاضي ذلك على طريق الشهادة) لأنّ (١) غير الخليفة لو شهد مع غيره على الإقرار والحق قبلت شهادتهما فالخليفة أولى (مسألة (٢) ولو أن قاضيًا استخلف رجلًا ولم يجعل الإمام ذلك إليه فحكم خليفة القاضي بشيء لم يجز) على ما تقدم (٣) (فإن أجازه القاضي وأنفذه فهذا على وجهين إما أن يكون (٤) الخليفة ممن (٥) لو كان حاكمًا جاز حكمه أو لم يكن كذلك ففي الوجه الأول تنفذ إجازة القاضي لحكم الخليفة ويكون القاضي كأنّه هو الذي حكم بذلك) وهذا قول علماؤنا ﵏ (وقال زفر ﵀ لا يجوز إجازة القاضي لذلك) وهذا (٦) كاختلافهم في وكيل لم يجعل إليه التوكيل فوكل غيره فالتوكيل غير جائز فلو أنّ الوكيل الثاني تصرف فأجاز الوكيل الأول تصرفه جاز عندنا وعند زفر لا يجوز (وكذا (٧) لو حكم هذا الخليفة بحضرة القاضي جاز حكمه) كالوكيل الثاني إذا تصرف بمحضر من الأول ينفذ تصرفه ويكون كأن الأول هو الذي تصرف (وأما الوجه الثاني (٨) وهو إذا كان الخليفة ممن لا يصلح حاكمًا) بأن كان عبدًا أو ذميًا أو صبيًا أو مجنونًا (فأجاز القاضى حكمه لم يجز) لأنّه ليس بأهل للقضاء بمنزلة ما لو شهد فأجاز القاضي شهادته لا يجوز لأنه ليس من أهل الشهادة كذا في حق القضاء (ولو أنّ امرأة استقضت (٩) فحكمها جائز في كل شيء سوى الحدود والقصاص) لأنّها (١٠) لا تصلح
стр. 322
قاضية في ذلك كما لا تصلح شاهدة وقد تقدمت هذه المسألة (ولو حكمت في الحدود فأجاز قاضي حكمها لم يجز) لأنها ليست أهلًا لذلك والله أعلم.
باب القاضي يعزل فيطالب بشيء مما كان فعله
(قال ولو أن قاضيًا عزل (١) فقدمه رجل إلى القاضي الذي ولي بعده وادعى (٢) عليه أنّه قتل ابنه فلانًا وهو قاضٍ أو فقأ عينه أو قطع يده أو طلّق امرأته) أو غير ذلك من أسباب الضمان وقد عدها الخصاف في كتابه (فقال القاضي بلى فعلت ذلك وأنا قاضي بحق لأنّه أقر عندي به أو قامت عليه بينة به والمدعي يقول فعلته بغير حق فالقول قول القاضي في ذلك كله مصدقًا غير مسؤول عنه بينة ولا يستحلف عليه بيمين) وإنّما كان كذلك لوجهين أحدهما أنّ القاضي أضاف الإقرار وأسنده إلى حالة منافية للضمان وهي حالة القضاء فكان منكرًا للضمان والقول قول المنكر (بمنزلة من قال طلقت امرأتي وأنا صبي أو أعتقت أمتي وأنا صبي فالقول قوله كذا هنا) والثاني أنّ القاضي أمين في حالة القضاء وقد توافقا على أنّه فعله وهو قاضي فكان ذلك اتفاقًا على وجود الفعل منه وهو أمين والأمين مصدق فيما يخبر به مقبول القول كما في سائر المواضع ثم لا يمين على القاضي لأنّهما لما اتفقا على وجود الفعل معه في حالة القضاء صار ذلك كالثابت معاينة ولو عايناه فعل شيئًا من ذلك في حالة القضاء وقال فعلته [بحق والخصم يقول فعلته] (٣) ظلمًا وتعدّيًا كان قول القاضي هو المقبول غير مسؤول عليه بينة ولا يمين كذا هنا (قال (٤) وكذلك لو قال الطالب للقاضي المعزول ما
стр. 323
أقررت عندك بشيء من ذلك ولا قامت به عليّ بينة فحضر الذي ذكر القاضي أنه حكم له فقال ما حكمت لي عليه بشيء ولا أقر لي عندك بشيء ولا قامت لي عليه بينة والقاضي يقول لا بل أقر عندي لك بذلك أو قامت عليه بيّنة لك بذلك فالقول أيضًا قول القاضي ولا يمين عليه ولا بيّنة) كما ذكرنا إذا كان الطالب مقرًا أنه فعل به ذلك وهو قاضي (ولا يقبل (١) قول هذين عليه) يعني المحكوم له والمحكوم عليه وهذا (٢) في كل شيء مستهلك وليس بقائم فالقول فيه قول القاضي على ما وصفت لك والله أعلم بالصواب مسألة ولو كان الشيء قائمًا في يد المقضي له فالقول قول القاضي على كل حال في حق براءة نفسه ولا يمين عليه) على ما تقدم فيما إذا كان الشيء مستهلكًا (فأما المقضي (٣) له الذي الشيء في يده فلا يخلو إما أن صدق القاضي في جميع ما قال من أنه حكم له به على المقضى عليه على الوجه الذي قال أو كذبه وقال هذا ما لي لم تحكم لي به عليه ولا كان له ففي الوجه الأول ينتزع الشيء من يد المقضي له ويدفع المقضى عليه إلى أن يقيم المقضي له بينة على صدق ما قاله (٤) القاضي) لأئهم توافقوا على أن ذلك الشيء كان في يد المقضى عليه واليد دليل الملك ظاهرًا فوجب إعادته إلى يده ثم يتخاصمان كمن قال لغيره هذا الشيء الذي في يدي كان لك فاشتريته منك وأنكر ذاك البيع فعلى المقر إعادته إلى يده ثم يخاصمه فيه كذا هنا (وفي الوجه الثاني (٥) وهو ما إذا كذب القاضي فلا ينتزع من يده ما لم يقم عليه بينة توجب ذلك) لأنّ اليد في الحال له وهي دليل الملك ولم يقر أنّ اليد كانت لغيره فيترك في يده وقول القاضي
стр. 324
المعزول مقبول في براءة نفسه من (١) الضمان وبراءة المقضي له بالحق غير مقبول في إلتزام (٢) غيره شيئًا وإزالة ملك المدعي متى وافق المقضي له إن كان في يده.
فصل
(وما (٣) حكم به الحاكم فأخطأ فهو على وجهين إما إن كان ذلك في حقوق الله وإما إن كان في حقوق العباد فالوجه الأول) نحو حد الزنا والشرب والسرقة (إذا حكم به القاضي ثم ظهر أنّ الشهود عبيد أو كفار فهذا خطأ ولا ضمان على القاضي في شيء مما فعل بالمقضى عليه وضمان ذلك في بيت المال) دية المرجوم وأرش السياط وبدل اليد ونحو ذلك لأنّ القضاء وقع لكافة المسلمين لأنّ نفع القضاء بالحدود عائد عليهم والقاضي نائب عنهم فإذا كان مخطئًا تعذر إيجاب الضمان عليه لأنّه لا جناية منه فيجب الضمان على من وقع القضاء له وهم كافة المسلمين وما لهم ما وضع في بيت المال (والوجه الثاني ما كان من حقوق العباد فهو على وجهين ما كان قائمًا يمكن ردّه كالدار القائمة والدابة والعبد وغير ذلك نحو إن حكم بطلاق امرأة رجل أو عتق أمته أو عبده فإنّه يرد ذلك إلى المحكوم عليه) لأنه تبين له أنّه انتزع من يده بغير حق (والوجه الثاني) من القسمة الثانية (ما كان مستهلكًا لا يمكن ردّه عينه أو كان قصاصًا فاستوفى فالضمان فيه على المقضي له) قيمة الدم في القصاص وقيمة العبد المستهلك وغيره مما وقع القضاء به لأنّ عمل القاضي وقع له وقد تبين خطأ القاضي فيه ولا يمكن لغريم القاضي فيغرم من وقع القضاء له.
стр. 325
فصل
(وما فعله (١) القاضي من ذلك على وجه القصد والتعمد وأقر أنه فعل ذلك جورًا وظلمًا وقضى فيه بما لا يجب فضمان ذلك عليه في ماله) لأنه جان فأمكن إيجاب الضمان عليه وسقطت عدالته بذلك حتى يستحق العزل على ما هو المختار وعلى قول الطحاوي يصير معزولًا (قال ولو أقر القاضي أنّه قضى على إنسان لفلان بقضية جور وظلم وهو على القضاء أو قد عزل عنه فقوله غير مقبول في نقض القضية على كل حال) لأنّ قوله غير مقبول في إزالة ملك الغير عن اليمين القائمة كما ذكرنا (لكنه يضمن هنا ما أقر به) لأنّه أقر بالخيانة فخرج عن الأمانة وصار ضامنًا (فإن كان هذا الإقرار منه وهو قاضي استحق العزل والتأديب وإن كان بعد العزل لم تجز توليته القضاء بعد ذلك) لأنّه عرف فسقه والله أعلم بالصواب.
باب القاضي يقضي بالقضاء ثم يرى بعد ذلك خلافه
ذكر (عن الشعبي قال كان رسول الله ﷺ يقضي بالقضاء ثم ينزل القرآن بغير الذي قضى به فلا يرد قضاؤه ويستأنف) دل الحديث (٢) على أن رسول الله ﷺ كان يقضي فيما لا نص فيه باجتهاده ولا ينتظر الوحي فإذا قضى صار ذلك شرعًا له كسائر شرعه فإذا نزل القرآن بخلافه بعد ذلك كان نسخًا للقضاء الأول فهذا من باب النسخ إلّا أنه نقض الاجتهاد بالإجتهاد ودل الحديث على أن القاضي إذا قضى في حادثة باجتهاده ثم رأى خلاف ما قضى به لم ينقض ما مضى من القضاء لكنه يستأنف الحكم في المستقبل بما يحول إليه رأيه لأنّ رأيه
стр. 326
الحادث في مقابلة الرأي الأول دون القرآن النازل في مقابلة ما حكم به الرسول ﵇ قبل ذلك ثم ينزل القرآن لم ينقض ما مضى من الحكم فيتغير الرأي أولًا ثم فرق (١) بين الرسول ﵇ فيما ذكرناه وبين القاضي إذا قضى برأيه في حادثة ثم وجد نصًا بخلافه فإنه ينقض ما حكم به والرسول ﵊ كان يحكم برأيه ثم ينزل القرآن بخلافه فلا ينقضه والفرق أن النص كان موجودًا حال ما اجتهد القاضي لكنه لم يقف عليه فلم يكن المحل محل الاجتهاد وكل اجتهاد وقع في غير محله لا يصح ولا كذلك الرّسول حين اجتهد فإنه لم يكن هناك نص فكان الاجتهاد واقعًا في محله فنفذ إنما النص حادث بعد ذلك (وقد ذكر أبو يوسف) هذا الفرق في حديث شريح المذكور بعد هذا (فقال قول الرسول حق واجب وفرض لازم والرأي ناسخ له كمثل المنسوخ من الكتاب وقول شريح لا يشبه قول الرسول إنما هو رأي رآه لو كان سنة أو كتاب خالفه في القضاء الأول كان الواجب عليه أن يرده ثم لا يعود بمثله) ذكر (عن شريح أنه كان يقضي بالقضاء ثم يرجع عنه فيقضي بخلافه ولا يرد قضاءه) (٢) أو رده (٣) لبيان أن ما قضى فيه بالإجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله وشريح كان قاضيًا في زمن عمر وعلي ﵄ فالظاهر أن ما فعله كان بعلمهما فيكون الموقوف عليه في ذلك كالمرفوع إليهما والله أعلم (مسألة القضاء بالاجتهاد لا ينقض إذا تغير الاجتهاد وينقض متى ظهر كونه خلاف النص) وقد تقدم هذا في صدر الباب (٤) (مسألة ولو أن (٥)
стр. 327
قاضيًا خوصم إليه في أمر من الأمور يذهب في ذلك إلى مذهب وفيه اختلاف بين العلماء فنسي مذهب نفسه وقضى بغيره مما قاله بعض العلماء في ذلك قال أبو حنيفة ﵁ قضاؤه ماضٍ نافذ إذا كان الذي قضى به مما قد جاء فيه الأثر) وإنما شرط ذلك كيلا يكون ذلك القول مهجورًا لأنّ كل قول مهجور لا يجوز القضاء به أصلًا (وقال أبو يوسف ﵀ لا ينفذ قضاؤه بذلك إذا كان خلاف رأيه) قال ﵀ وذكر الإمام القاضي أبو الحسن علي السغدي والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمهما الله في شرح هذا إلا الكتاب قول محمد مع أبي يوسف رحمهما الله تعالى قال القاضي الإمام أبو الحسن هذا وهذه المسألة بناء على اختلافهم في مسألة ذكرناها في الباب الرابع من هذا الكتاب وهو باب اجتهاد الرأي في القضاء وذلك أن القاضي إذا كان يرى في الحادثة رأيًا فيتركه عمدًا وحكم برأي غيره من الفقهاء قال أبو حنيفة ﵁ ينفذ حكمه وقال أبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهما لا ينفذ وجه قولهما إن كل امرئ مؤاخذ بما عنده وبما في زعمه وفي زعمه أن رأي غيره خطأ ورأي نفسه صواب فكان عاملًا بالخطأ في زعمه والخطأ مردود (واستشهدا لذلك بمسائل فيها متوضئ اقتدى بمتيمم فرأى الماء في أثناء الصلاة والإمام لا يراه فسدت صلاة المأموم دون الإمام اعتبارًا لزعمه في حقه ومنها إذا كان على ثوب الإمام نجاسة تزيد على قدر الدرهم فرآها المأموم والإمام لا يعلم بذلك فصلاة المأموم فاسدة بناءً على زعمه دون صلاة الإمام أعني به أن الإمام إذا لم يعلم بذلك لا يخاطب بالقضاء والمأموم يخاطب ومنها إذا ظن المأموم قيام النجاسة بثوب الإمام ولم يكن كذلك فسدت صلاته كما زعمه ومنها إذا كان على الإمام فوائت حديثة نسيها حال اشتغاله بهذه الصلاة والمأموم يعلم ذلك فصلاة الإمام جائزة وصلاة المأموم فاسدة كل ذلك اعتبارًا لما استولى على رأيه واستقر في زعمه كذلك هاهنا) وجه قول أبي حنيفة ﵁ أن حكمه صادف محل الاجتهاد
стр. 328
و [كل حكم صادف محل الاجتهاد] (١) وجب الحكم بصحته وبيانه أنه متى ثبت الاختلاف بين الصحابة مثلًا فقد اتفقوا على كون الحق في أقوالهم لا يعدوها ولكن كل واحد لا يقطع القول بكونه مُحِقًا وكون صاحبه مخطئًا إنما يرجح قول نفسه على صاحبه فلم يكن قول صاحبه خطأ بيقين وكل حكم لم يتيقن خطأه فهو نافذ ماضي على ما عرف إذا عرفت هذه الجملة فالمسألة التي ذكرها صاحب الكتاب في هذا (رجل قال لامرأته أنت خلية أو برية أو بتة فخوصم في ذلك إلى قاضٍ يرى أن هذا القائل ينوي فحكم بكونها ثلاثًا وأبانها منه فإن أبا حنيفة ﵁ قال ينفذ قضاؤه وقال أبو يوسف ﵀ لا ينفذ ويرجع عنه إلى رأيه) ودلت المسألة على أن من العلماء من يقول بوقوع الثلاث بقوله بائن أو خلية من غير نية والله أعلم بالصواب.
باب ما يحله قضاء القاضي وما لا يحله
ذكر (حديث (٢) أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال إنكم تختصمون (٣) إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أنا بشر أقضي بما أسمع (٤) فمن قضيت له بشيء من مال أخيه (٥) فإنما أقطع له قطعة من النار) أفاد (٦) الحديث أن القضاء إمضاء ما كان لا إنشاء ما لم يكن فكان حجة لأبي يوسف في قوله الأخير ومحمد علي أبي حنيفة في مسألة قضاء القاضي في الفسوخ والعقود أينفذ باطنًا أم لا وإن أبا حنيفة ﵁ يقول الحديث ورد في الأملاك المرسلة وبه أقول وذكر حديث (٧) (أبي هريرة ﵁ قال اختصم رجلان (٨) إلى رسول الله ﷺ أحدهما عالم بالخصومة والآخر بها جاهل فلم يلبث العالم أن قضي له بها فمضى (٩) المقضي له وبقي المقضي عليه فقال والله الذي لا إله إلّا هو أن
стр. 329
حقي لحق فقال رسول الله ﷺ علي بالرجل فأتي به فأخبره بما حلف عليه صاحبه فقال إن شئت عاودته فلما عاوده فلم يلبث (١) أن قضي له فقام وحلف المقضي عليه حتى أشكل في ذلك ثلاث مرات فلما كانت الرابعة قال إن شئت عاودته فقال لا ولكن اعلم أن من اقتطع بخصومته وجَدَلِهِ مال امرئ مسلم بغير حق فإنما يقتطع قطعة من النار قال فقال الرجل فإن الحق حقه قال فكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس فقال من اقتطع بخصومته وجدله مال امرئ مسلم بغير حق فليتبوأ مقعده من النار قال أبو هريرة فكانت الأخيرة (٢) أشد من الأولى) أفاد الحديث (٣) فوائد منها أنه لا بأس للقاضي أن يعاود الخصم ويراجعه ولا يعد ذلك منه إعانة للآخر ألا تراه ﵊ كيف عاود المقضي له نظرًا لجانب المقضي عليه ومنها أنه لا بأس أن يقضي متكئًا كما فعله الرسول ﵊ ومنها أنه لا يعزر شاهد الزور بالضرب لأنّ رسول الله ﷺ لم يعزرهم بالضرب وكانوا شهود زور وهو حجة لأبي حنيفة ﵁ على أبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهما لأنّ عندهما يعزر بالضرب ذكر حديث علي ﵁ برواية (عمرو بن أبى المقدام (٤) عن أبيه
стр. 330
أن رجلًا من الحي خطب امرأة ويعودونها في الحسب (١) فأبت أن تتزوجه (٢) فادّعى أنه تزوجها وأقام شاهدين عند علي ﵁ فقالت إني لم أتزوجه قال قد زوجك الشاهدان فأمضي عليها النكاح (٣) قال عمرو فتزوجها الرجل بعد ذلك) أول الحديث (٤) حجة لأبي حنيفة ﵁ على أبي يوسف ﵀ في قوله الأخير وعلى محمد ﵀ في مسألة قضاء القاضي وآخره ويعد قوله تزوجها الرجل بعد ذلك حجة لهما على أبي حنيفة وبعد قول أبي يوسف الأول إلا أن أبا حنيفة ﵁ يقول إنما تزوجها لنفي الشبهة وقطع التهمة (قال أبو يوسف وروي أن رجلين شهدا (٥) على رجل أنه طلق امرأته بزور ففرق القاضي بينهما ثم تزوجها أحد الشاهدين قال الشعبي هذا جائز) وهو حجة (٦) لأبي حنيفة ﵁ عليهما (قال وقال أبو حنيفة ﵁ في رجلين (٧) استأجرتهما امرأة فشهدا لها على زوجها بطلاق ثلاث بزور ففرق القاضي بينهما ثم تزوجها أحد الشاهدين قال قد أثم (٨) الشاهد إثمًا عظيمًا وقد مضت الفرقة بينهما) (٩) أما إثمه، فلأنه (١٠) حلف كاذبًا لأن قوله اشهد حلف وهو كذب في هذه الحالة والكذب كبيرة عظيمة والفرقة ماضية لأنها اعتمدت دليلها وذلك شهادة شهود هم صدقة من حيث الظاهر وهذا قول أبي حنيفة ﵁ (وهو قول أبي يوسف أولًا أن الفرقة (١١) ماضية حتى وسعها أن تتزوج
стр. 331
بزوج آخر وقال محمد وهو قول أبي يوسف آخر الفرقة غير ماضية ولا يسعها أن تتزوج بزوج آخر فلو انقضت عدتها ثم تزوجت بزوج آخر فالكلام فيه في موضعين أحدهما حل الوطئ للزوج الثاني (١) والآخر حله للأول أما الزوج الثاني قال أبو حنيفة ﵁ وهو قول أبي يوسف أولًا حل للثاني وطئها عالمًا كان بحقيقة الأمر بأن كان أحد الشاهدين أو جاهلًا) لأن الفرقة ماضية ظاهرًا وباطنًا وقد انقضت العدة (وقال محمد وهو قول أبي يوسف آخر إن كان الزوج الثاني جاهلًا بالحال حل له وطئها) لأنه يبني الأمر على الظاهر ولا يكلف بعلم الباطن فلا يوصف فعله بالحرمة (ونظيره (٢) رجل اشترى جارية فوطئها ثم استحقت لا يوصف وطئها الماضي بالحرمة) لأنه اعتمد فيه دليلًا ظاهرًا ولا تكليف عليه في المغيب كذلك هنا (وإن كان الثاني عالمًا بحقيقة الحال لم يحل له وطئها) لأن (٣) الفرقة عندهما في الباطن غير ماضية فكانت زوجة لغيره وهو يعلم ذلك ووطئ منكوحة الغير حرام (أما الزوج الأول فلا يحل له وطئها بحال عند أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف الأول) بناء على نفاذ الفرقة ظاهرًا وباطنًا (وقال محمد وهو قول أبي يوسف آخرًا لا يحل له وطئها) لأن الفرقة نافذة ظاهرًا فلو وطئها ظاهرًا لأقام الإمام عليه الحد لأنه بذلك يكون زانيًا فاجرًا عند المسلمين ولا يسعه أن يبلغ ذلك من نفسه عند المسلمين ولهذا لو وطئها لتعلق بوطئه ما يتعلق بالوطئ الحرام من الأحكام فيما بين العباد الحاصل أنه لو وطئها ظاهرًا أثم وأقيم عليه الحد ولو وطئها باطنًا أعني به خفية عن الناس فهو آثم أيضًا وعند أبي يوسف ومحمد لا إثم عليه (٤) (وأما في الباطن) فيما بينه وبين الله هل يحل (قال أبو يوسف لا يحل وقال محمد يحل باطنًا) حتى لو قدر (٥) على فعل ذلك على وجه لا يعلم به أحد
стр. 332
فلا بال عليه بفعله ولا ينبغي أن يفعل ذلك وإن كان الحق ثابتًا تحرزًا عن التهمة. وقول محمد ﵀ مر على أصله وكذا (١) أبو حنيفة ﵁ أما أبو يوسف (٢) فإنه قال لا يحل له وطئها ظاهرًا لأن الفرقة نفذت ظاهرًا وباطنًا (٣) لقول أبي حنيفة لأن قوله يكون معتبرًا في منع الحل ونظير هذا (٤) ما قاله محمد في النكاح امرأة تزوجت بغير ولي وطلقها الزوج ثلاثًا ثم أرادت أن تتزوج بهذا الزوج قبل المحلل قال محمد أكره لها ذلك لمكان قول أبي حنيفة ﵁ فعند محمد الطلاق هنا غير واقع لأن النكاح (٥) غير نافذ لكن لما كان قول أبي حنيفة ﵁ وقوع الطلاق بناء على نفاذ النكاح لا جرم اعتبره شبهة في سلب الحل (قال (٦) وللزوج الأول أن يتزوج أربعًا إحداهن أختها) يعني أخت التي كانت زوجته (وهذا قول أبي حنيفة ﵁ وهو قول أبي يوسف أولًا) لأن الفرقة ماضية (وقال محمد وهو قول أبي يوسف أخيرًا ليس له أن يتزوج بأختها ولا بأربع سواها) لأنها زوجته بعد (قال (٧) فلو أن الزوج الثاني طلقها بعد ما دخل بها فلها أن تتزوج بالأول في قولهم جميعًا)
стр. 333
أما على قول أبي يوسف ومحمد فلأن نكاح الأول قائم لكان الثاني إمساكًا لها بحكم النكاح الأول لكنّهما يباشران النّكاح الثاني لِنَفْي التّهمة وقطع الشبهة عند النّاس، أمّا على قول أبي حنيفة ﵁ فذلك جائز أيضًا لأنّ المشهود به على الزّوج الأوّل إن كان طلقة واحدة فلا إشكال في حلّ تزويجها به (١)، وإن كان المشهود به ثلاث طلقات فقد وُجِدَ المحلّل وهو الزّوج الثاني فحلّ لها التزوّج [بالأول على كل حال (وهذا إذا طلقها الثاني باختياره أما إذا شهد عليه شهود زور] (٢) بالطّلاق كما شهد على الأوّل ففرق القاضي بينهما، قال أبو حنيفة ﵁ لها أن تتزوّج بمن شاءت سوى الزوج الثاني الّذي فرق القاضي بينها وبيّنه بطلقاتٍ ثلاثٍ لأنّ الفرقة نفذت على ما تقدّم (وقال أبو يوسف ومحمد ليس لها أن تتزوج إلّا بالزّوج الأوّل) لأنّ نكاحه قائم وذكر الخصّاف قول أبي يوسف وحده في هذا وليس ذلك لأنّ قول محمّد يخالفه بل قول محمّد كقول أبي يوسف في هذا، لكنّه خصّ قول أبي يوسف بالذّكر لأنّ قول محمّد معلوم فيه والله أعلم.
فصل (٣)
(ولو وقعت الفرقة بينهما على ما وصفنا). يريد به بقضاء القاضي بشهود زور (فجاءت المرأة وقالت للأوّل تزوّجت غيرك ودخل بي وطلّقني وانقضت عدّتي) فهذا على وجهين، إمّا إن كان الزّوج يعلم أنّه أنّها كاذبة أو كان لا يعلم ذلك (فإن كان يعلمه لم يسعه أن يتزوّجها) لأنّه إبطال حكم القاضي بباطل، لأنّ الفرقة نفذت بقضاء القاضي وصارت بحالٍ لا تحلّ له إلَّا بعد زوج وإصابة وهو يعلم أنّ ذلك لم يوجد فكيف يسعه التّزوّج بها، وينبغي أن يكون مذهب محمد هنا أنّه يسعه أن يتزوّجها إذا كان النّاس لا يعلمون أنها كاذبة لأنّ عنده نكاح الأوّل باق والحل له ثابت في الباطن لكن يمنعه من وطئها ظاهرًا نفيًا للتهمة عند النّاس وبالتّزوّج بها في هذه الحالة وإن كان هو يعلم كذبها ارتفعت التهمة عند النّاس لأنّهم لا يقفون على باطن أمرها فيجوز (وأمّا إذا كان الزّوج لا يعلم كذبها وكانت مأمونة قبل قولها
стр. 334
ووسعه التزوج بها) لأنّ المرأة مؤتمنة في مثل هذا فإنّ المطلّقة ثلاثًا إذا قالت للأوّل تزوّجت بآخر وطلّقني بعد الدّخول وانقضت عدّتي والمرأة مأمونة عدلة يقبل قولها، وإن كانت غير مأمونة ووقع في قلبه أنّها صادقة قبل قولها أيضًا ووسعه التّزوّج بها كذلك هنا والله أعلم مسألة (١) ولو أنّ امرأةً أقامت شاهدين على رجل أنّه تزوّجها بِمَهْرٍ وَوَليٍّ وهما شاهدا زور فأمضى (٢) القاضي النّكاح أو أقام الرّجل عليها البيّنة مثل ذلك (٣)، قال أبو حنيفة ﵁ (٤) يسعها المقام [معه] (٥) على ذلك النكاح، وقال أبو يوسف ﵀ في قوله الآخر (٦) وهو قول محمد ﵀ لا يسعها ذلك). وقد (٧) تقدّم القول في ذلك، (وكذلك هذا في بيع أَمَةٍ وَشِرَاءِها، وكذلك الشهادة في عتق أمة، فهو كالشّهادة في الطّلاق) على ما وصفنا (قال ولو أنّ أمةً أقامت (٨) بينّة على مولاها أنّه أقر أنّها ابنته [وهم] (٩) شهود زور فأعتقها القاضي وجعلها ابنته فإنّها ابنته في الحكم ولا يحلّ له أن يطأها ولا يقربها، ولها (١٠) أن تستنفقه وتأخذ ميراثه) لأنّها صارت ابنته في الحكم (١١) وهذه أحكام البنتية ويحلّ (١٢) لها أن تأكل ميراثه في الباطن عند أبي حنيفة ﵁ خلافًا لهما على ما تقدّم (مسألة (١٣) ولو أنّ رجلًا باع من رجل أمة بيعًا صحيحًا فجحد المشتري ذلك وحلف فإن (١٤) اجتمع البائع على ترك الخصومة فلا بأس أن يغشي الأمة
стр. 335
ويبيعها وإن كان طعامًا يأكله أو ثوبًا يلبسه) وإنما (١) كان كذلك لأنّ المشتري لمّا جحد فقد قام دليل الفسخ من جهته لكن لم ينفسخ العقد بدليل أنّه لو عاد إلى الإعتراف قبل إجماع البائع على ترك الخصومة، صحّ ذلك ومضى البيع بينهما فإذا ثبت أن البيع قائم بينهما، فإذا لم يجمع البائع على ترك الخصومة لم يَعُدْ إليه قديم ملكه فيها فلا يحلّ له أن يغشاها، أمّا إذا اجتمع على ترك خصومته فقد وُجِدَ دليل الفسخ أيضًا من جهته فتمّ الفسخ وصار كأنّهما تقايلا البيع فيعود ملك البائع في الجارية فيحل له أن يطأها ويأكل الطعام ويلبس الثوب كما يفعله سائر الملّاك والله أعلم (مسألة (٢) ولو أن رَجُلًا اشترى جارية (٣) فطعن فيها بعيب هو فيه ظَالِمُ فردّها ببيّنة زور أو آباء يمين (٤) وقبلها البائع بحكم قاضي (٥) أنّه رضي بذلك فإنّ أبا حنيفة ﵁ قال يحلّ له أن يقربها وإن كان طعامًا أكله وهو قول أبي يوسف الأول وقال محمد وهو قول أبي يوسف الأخير لا يحلّ له قربانها ولا أكل الطعام)، وهذا (٦) بناءً على أن قضاء القاضي في الفسوخ بشهادة الزور هل ينفذ باطنًا والاختلاف فيه على ما حكينا من الإختلاف في نفاذ القضاء بالنكاح والطلاق وغير ذلك، فرق أبو حنيفة ﵁ بين هذه المسألة وبين المسألة الأولى وهي ما إذا جحد المشتري فأثبت الحلّ هنا رضي البائع بالرّدّ أو لم يرض، وفي تلك المسألة لا يحلّ له قربان الأمة ما لم يجمع على ترك الخصومة والفرق أن في هذه المسألة وجد قضاء القاضي بالفسخ فنفذ وهناك لم يوجد قضاء قاضي إنما حلف المشتري على جحوده الشِّرَى وذلك ليس بقضاء
стр. 336
بفسخ البيع لأنّ البيع لم يثبت بعد عند القاضي والله أعلم، (قال فلو أنّ البائع رضي بالجارية وقبلها حل له وطئها في قولهم جميعًا) لأنّ الفسخ تمّ بينهما بتراضيهما (وعلى هذا إذا ادّعى (١) عليه الإقالة، وأقام على ذلك شهود زور فقضى القاضي بالإقالة أو بإباء يمين فهو على) هذا الإختلاف ولو رضي بها البائع حل قربانها في قولهم جميعًا (مسألة (٢) ولو أن رجلًا قال لامرأته أنت البتّة وهو ينوي واحدة ثمّ خطبها (٣) فتزوجها على مهر جديد وشهود ثمّ رافعت (٤) إلى القاضي فجعلها ثلاثًا وفرّق بينهما فإنه لا يسع الزّوج (٥) أن يقربها ولا يسع المرأة أن تدعه ذاك (٦) ولا بأس أن تتزوّج المرأة إذا انقضت عدّتها وللزوج أن يتزوج أربعًا إحداهنّ أختها بعد انقضاء العدّة وليس للزّوج أن يتزوّجها حتى تنكح زوجًا غيره ويدخل بها (٧) وهذا قولهم جميعًا) لأنّ (٨) القاضي قضى في فصل مجتهد فيه، لأنّ الفقهاء اختلفوا في هذا الفصل وجاءت الآثار بالإختلاف فيه وكلّ فصل مجتهد فيه ينفذ قضاء القاضي فيه ظاهرًا وباطنًا، (ثمّ (٩) أنّ أبا يوسف ومحمدًا فرّقا بين هذا الفصل وبين قضاء القاضي فإنّهما في ذلك الفصل لا يقولان بنفاذ الفرقة باطنًا وهنا قالا بها، والفرق أن في هذا الفصل قضاء عليه (١٠) ولم يتيقّن خطأ القاضي فيه، لأنّه محلّ اجتهاد وفي شهادة الزور القضاء عليه أيضًا، لكن يبقى خطأ القاضي فيه فلا ينفذ فيما بينه وبين الله تعالى) وإنما ذكر قوله قضاء عليه ليخرج قول أبي يوسف على ما يأتي أمّا عند محمد فالقضاء عليه كالقضاء له في الموضع الذي ينفذ أحدهما بنفذ الآخر (وقال فلو أنّ هذه المرأة رافعته (١١) إلى قاضي يرى
стр. 337
البتّة واحدة يملك الرجعة وقد كان لمسها (١) بعد الطلاق بشهوة قبل أن يفرّق القاضي بينهما وقبل أن تتزوّج (٢) بزوج ثانٍ فقضى عليه بأنها رجعة وجعلها امرأته وقد كان الزّوج نوى واحدة بائنًا (٣) أو ثلاثًا وهو ممّن يأخذ بالنية ويرى ذلك ويعرفه (٤) فإنه لا يسعه المقام معها) (٥) هكذا ذكر صاحب الكتاب. فكأنّه قوله (٦)، وهو قول أبي يوسف، وقال محمد قبل وهو قول أبي حنيفة ﵁ يسعه المقام معها بناء على أنّ قضاء القاضي له بخلاف ما عليه رأيه هل ينفذ باطنًا حتّى يدع رأي نفسه ويتبع قضاء القاضي عند أبي حنيفة ﵁ ومحمد رحمة الله عليه يتبع رأي القاضي ويعمل عليه ظاهرًا وباطنًا فيما له وفيما عليه، وعند أبي يوسف ﵀ إن كان القضاء عليه أخذ برأي القاضي، وإن كان له أخذ برأي نفسه وقد تقدّم هذا وذكر الإختلاف فيه في الباب السّادس والثلاثين (٧) (وهذا كلّه (٨) ممّا إذا كان المقضى عليه عالمًا له رأي في الحادثة، أمّا إذا كان جاهلًا فإنّه يأخذ برأي القاضي فيما له وعليه في قولهم جميعًا،) ثمّ هذا كلّه في القضاء (أمّا الفتوى إذا أفتى
стр. 338
صاحبُ الحادثة بخلاف رأيه وهو عالم يأخذ برأي نفسه، وهذا في قولهم جميعًا، أمّا إذا أراد ترك رأي نفسه والأخذ برأي غيره ممّن هو أعلم منه فعند أبي حنيفة ﵁ ذلك جائز أيضًا خلافًا لأبي يوسف ﵀ وقد تقدّم هذا في باب ما أبيح للقاضي من الاجتهاد (وأمّا إذا كان المستفتي جاهلًا فإنّه يقلّد أفضل الرّجلين وأظهرهما علمًا وفقهًا عند العامّة وذلك منه نوع اجتهاد (فإن أفتاه الأفضل بشيء وقضى عليه المفضول بخلافه) كيف يصنع، فهو على الاختلاف السّابق (عند أبي حنيفة ومحمّد يأخذ بالقضاء فيما له وعليه، وعند أبي يوسف فيما عليه كذلك وفيما له يأخذ بفتوى الأفضل) لأنّ الأفضل لمّا أفتاه بشيء صار ذلك كرأي نفسه، فإذا قضى القاضي عليه بخلافه صار هذا والفصل الأوّل سواء، والله أعلم، (مسألة (١) ولو أنّ رَجُلًا قذف امرأته بالزّنا وهو صادق أو كاذب فرافعته فلاعن القاضي بينهما (٢) وهو لا يعلم أيّهما الصّادق فالفرقة ماضية ظاهرًا وباطنًا في قولهم جميعًا) لأنّه يعلم أنّ أحدهما صادق والآخر كاذب لكن أشتبه الحال في أنّ أيهما الصّادق فصار الإشتباه هنا كلّ حجّة القضاء فينفذ قضاؤه ظاهرًا وباطنًا وهذا الفصل حجّة لأبي حنيفة ﵁ على محمّد وهو قول أبي يوسف الآخر، والله أعلم مسألة (٣) ولو أنّ رَجُلًا خَلا بزوجته ثمّ فارقها ولم يغشها فلها المهر كاملًا وعليها العدة كاملة) قال صاحب الكتاب (٤) (وهذا يشبه ما وصفنا من الشّهود بالطّلاق وغيره بزور) (٥) ووجه التّشبيه أنّه لمّا خلا بها فالظّاهر أنّه دخل بها فإذا بنى الأمر على الظّاهر وقضى لها بكلّ المهر وهي تعلم أنّه لم يدخل بها هل يحلّ لها أخذ النّصف من المهر فيما بينها وبين الله أم لا، هو مثل الإختلاف في شهادة الزور وقد عاب أصحابنا على صاحب الكتاب وقالوا الخلوة عندنا قائمة مقام الدّخول في استحقاق كمال المهر، لا أن يكون إنّما استحقّ ذلك، بناءً على وجود الدّخول ظاهرًا، فإذًا يحلّ لها أخذ المهر وأكله ظاهرًا وباطنًا متى وجدت
стр. 339
الخلوة كما لو وُجدَت الوطئ من غير تفاوت (مسألة (١) ولو أن رجلًا ادّعى حقًا في يدي رجل وأقام عليه بيّنة زور فقضى القاضي (٢) له بذلك والمقضى عليه يعلم أنّه زور فإنّه في سعة من غصب ذلك [الشيء] (٣) من يد المقضي له إذا لم (٤) يخف ويسعه سرقته)، وذلك لأنّ (٥) هذا قضاء بزور في الأملاك المرسلة، وهو لا ينفذ باطنًا بالإجماع فبقي المقضيّ به على ملك المقضى عليه (فكان له أخذه بأيّ طريق أمكن، لكن لا ينبغي أن يأخذه ظاهرًا) لأنّ النّاس يفسقونه بذلك وربّما يضربونه لوجود القضاء عليه ظاهرًا والتحرّز عن مواقف التّهم واجب وتحامي مواضع الضرر فرض لا يسع غير ذلك، أمّا حلّ (٦) الوطئ إن كانت جارية والأكل إن كان طعامًا فالكلام فيه في موضعين في حقّ المقضيّ له وفي حق المقضى عليه أمّا المقضيّ له فلا يحلّ له شيء من ذلك بحال. لأنّه لم يملكه، وأمّا المقضى عليه فلا يحلّ له ذلك ظاهرًا لما ذكرنا أنه يعرض نفسه للحدّ والفسق عند النّاس، وأمّا باطنًا فحلال له أن يطأها وله أن يسرقها فيطأها ويأكل الطّعام إلى غير ذلك لأنّ ملكه لم يزل (فلو أن (٧) المقضي له باع شيئًا من ذلك إن باعه ممّن يعلم الحال كأحد الشاهدين فهو كالمقضي له، لا يحلّ له شيء من ذلك وإن باعه ممّن هو جاهل بحاله فلا بأس له بالوطئ والأكل) لأنّه بنى الأمر على سبب ظاهر وهو الشرى وهو جاهل بباطن الأمر فلا يكون مؤاخذًا بشيء من ذلك، والله أعلم. قال صاحب الكتاب (وكذلك (٨) هبة إن أقام عليها بيّنة أو صدقة، شهود
стр. 340
شهدوا بزور فهو (١) مثل ذلك) يريد (٢) بذلك إذا ادّعى أنّه وهب منه هذه الجارية التي في يده وسلّمها إليه وأنّها في يده بغير حقّ وأقام على ذلك شهود زور، فهو مثل ذلك يعني مثل الأملاك المرسلة في الحكم، أمّا على قول محمد وهو قول أبي يوسف الأخير فلا شك أن القضاء لا ينفذ باطنًا هاهنا، وعن أبي حنيفة ﵁ روايتان في رواية لا تنفذ باطنًا مثل الأملاك المرسلة، وهو الّذي ذكره صاحب الكتاب، وفي رواية أخرى ينفذ باطنا كما في دعوى الشرى على ما نذكره بعد هذا، وكما في النكاح على ما تقدّم والله أعلم (مسألة (٣) ولو أقام شاهدي زور أن فلانًا باعه هذه الأمة بألفِ درهم فقضى بها القاضي له ودفع الثمن إلى البائع [وقبضه] (٤) والبائع يعلم أنّه لم يبع، قال أبو حنيفة ﵁ (٥) يحلّ للبائع أكل الثمن وللمشتري وطئ الأمة وينفذ القضاء ظاهرًا وباطنًا، وهو قول أبي يوسف الأوّل، وقال محمّد وهو قول أبي يوسف الآخر لا ينفذ القضاء باطنًا) على ما تقدم (وهل يحلّ وطيء الأمة للبائع قال محمّد يحلّ باطنًا، وقال أبو يوسف لا يحلّ) لمكان قول أبي حنيفة ﵁ على ما تقدّم، وقال ﵀ ثمّ (٦) إنّ صاحب الكتاب ذكر أنّه ادّعى أنّه باعه الأمة بألف درهم مطلقًا، فال بعض الأصحاب هذا إذا كانت الألف مثل قيمة الأمة أو كان التفاوت يسيرًا
стр. 341
يتغابن النّاس بمثله فهو على ما حكيناه، أما إذا كان يدّعي الشّرى بغبن فاحشٍ لا يتغابن به النّاس فإنّ القضاء لا ينفذ باطنًا عند أبي حنيفة ﵁ على رواية هذا الكتاب في الهبة لأنّ قدر المحاباة هبة وتبرع، وقد ذكرنا أن القضايا بالهبة لا تنفذ باطنًا على رواية هذا الكتاب فالمحاباة كذلك، وقال بعضهم لا بَلْ ينفذ القضاء ظاهرًا وباطنًا في جميع الأحوال، لأنّ بيع ما يساوي أَلفًا بِدِرْهَمٍ له حكم المبادلة بدليل أنَّ المكاتب إذا فعله صحّ منه وإن كان لا يملك التبرّع ومتى كان مبادلة كان القضاء به نافذًا ظاهرًا وباطنًا.
فَصْلٌ
(فلو كان (١) البائع هو الّذي يدّعي البيع والمشتري ينكر وباقي المسألة على (٢) حاله) يعني أن الشهود شهود زور والمشتري يعلم أنّه لم يشتر (فهذا والأوّل سواء عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول أبي يوسف الأوّل وينفذ القضاء ظاهرًا وباطنًا حتّى حلّ وطئها للمشتري وحرّم على البائع، وقال أبو يوسف أخيرًا ومحمد ينفذ القضاء ظاهرًا لا باطنًا فإن رضي المشتري بذلك وسعه أن يطأها إن كانت جارية ويلبس الثوب إن كانت الدّعوى فيه، وإن هو لم يرض وكان يطلب حجّة ينقض بها الحكم فلا يسعه) لأنّ البيع انعقد من جانب المدّعي برضاه فنفذ شرط العقد (٣) ويصير كأن القاضي تولى العقد من الجانب الآخر بغير رضاه فيتوقف على اختياره، فإن رضي نفذ، وإن لم يرض لا، فلو كان (٤) مجمعًا على الخصومة وعلى نقض البيع لو قدر ثمّ وطئ الجارية [أو ركب الدابة أو أكل الطعام أو لبس الثوب] (٥) كان ذلك رِضًا بالبيع ولا يسعه (٦) الخصومة في نقضه، قال صاحب الكتاب (لأنّ البيع قد وجب برضاه) وهذه إشارة إلى ما قلنا من المعنى والله أعلم.
стр. 342
باب ما ينبغي للقاضي أن يضعه على يدي عدل (١) إذا خوصم إليه
الأصل في هذا الباب أنّ كلّ ما كان [حقًا] لله تعالى تثبت فيه الحيلولة، وما لم يكن حقّ الله تعالى (٢) لا تثبت فيه الحيلولة إلّا أن يسأل المدّعي، وآية حقّ الله تعالى أنّ المدّعي إذا أقام البيّنة ثمّ ترك لا يترك (٣)، وآية حق العبد أنّه [إذا ترك] يترك، إذا عرفنا هذا (قال ولو أن رَجُلًا في يديه أمة فادّعاها رجل وأقام عليها شاهدين عند القاضي أنها له، والّذي في يديه ينكر ذلك والقاضي لا يعرف الشهود بأنّ كانوا مستورين قال ﵀ هذا على ثلاثة أوجه، الأوّل (٤) إذا أقام شاهدين مستورين، والثّاني إذا لم يقم الشهود، والثّالث [إذا] أقام شاهدًا واحدًا، أمّا في الفصل (٥) الأوّل ينبغي للقاضي أن يضع الجارية على يدي عدل (٦) امرأةٍ ثقة مأمونة لحفظها حتى يسأل عن الشهود ولا يتركها في يدي الّذي هي في يديه) لأنّ شهادة المستور حجّة للإستحقاق ألا ترى أنّ القاضي لو قضى بهذه الشهادة يجوز، فقد ظهر سبب الاستحقاق، وبعد ما ظهر سبب الاستحقاق لو تركت الجارية في يديه ربما يطأها فيكون القاضي ممكنًا له من ارتكاب الحرام إلى هذا أشار صاحب الكتاب فقال ولا يتركها في يدي الّذي هي في يديه لأنّه يزعم (٧) أنّها له ويستحل وطئها ولهذا قلنا إنّه يستوي الجواب فيما إذا كان المدّعى عليه (٨) عَدْلًا أو غير عدل لأنّ العدل إنّما يتحرّز عن ارتكاب ما يعتقده (٩) حرامًا في دينه، والمدّعى عليه هاهنا يعتقده حلالًا فلا يمتنع من وطئها لكن هذا إذا سأل المدّعي من القاضي أن يضعها على يدي العدل وإن لم يذكر صاحب الكتاب السؤال في هذه المسألة، لأنّ الحق في هذا للمدّعي، ألا ترى أنّه لو ترك الخصومة بعد إقامة البيّنة يترك، (قال وكذلك لَوْ لَمْ يَدِّعِهَا رَجلٌ وادّعت (١٠) الأمة أنها حرّة الأصل أو أنّ مولاها الّذي هي (١١) في يديه أعتقها وأقامت على ذلك شهودًا (١٢) فإنه يضعها على (١٣) يدي عدل يحفظها ولا يخفي بين الّذي هي في يديه وبينها)، لأنّ سبب الحرمة قد ظهر، والباب باب الفروج (١٤) والإحتياط فيه واجب، وهنا يوضع سواء سأل أمر (١٥) لم يسأل، لأنّ الحقّ فيه لله -عزّ
стр. 343
وجلّ- (قال وكذلك امرأة ادّعت أن زوجها (١) طلّقها ثلاثًا وأقامت بيّنة على ذلك والزوج ينكر فإنّه ينبغي أن يمنعه القاضي منها (٢) ويحول بينه وبين الدّخول عليها ولم يشترط السؤال [هاهنا] (٣) كما في دعوى العتق لما قلنا إلّا أنّهما يفترقان في خصلة وهي (٤) أنّ الأمة تخرج من بيت المولى فتوضع (٥) على يدي عدل، وفي المرأة لا يخرجها من بيت الزّوج لكن يجعل معها امرأة مأمونة ثقة تحفظها وتمنع زوجها منها حتى يسأل عن شهودها (٦) وإنّما كان كذلك لأنّ شهود المرأة إما أن (٧) يكونوا صدقة أو كذبة فإن كانت كذبة كانت منكوحته وإن صدقوا كانت معتدّة والمنكوحة لا تخرج من بيت الزوج بغير إذنه والمعتدّة لا تخرج من بيت العدّة فأمّا في الأمة إن كذبوا كانت أمة وللأمة أن تخرج من البيت وإن صدقوا كانت حرّة، وللحرة أن تخرج أيضًا فافترقا في هذا الحكم واتفقا فيما سواه فيما ذكرنا (٨) (فإن عدّلت البيّنة فرق بينهما) لأنّ الثابت بالبينة العادلة إذ أقبلت كالثابت معاينة (٩)، (وإن لم يعدل فقالت (١٠) المرأة لي شهود آخرون وأحضرتهم (١١) أيضًا فشهدوا لها بالطلاق [فإنها] تترك على حالها إلى أن يستبين أمرها) لأنّ بهذه الشهادة يجب ابتداء الحيلولة، فلأن يبقى كان أولى، هذا تمام الفصل الأوّل (١٢)، أمّا الفصل الثاني (قال (١٣) لو ادّعت المرأة الطلاق أو الأمة الحرّيّة أو ادّعى رجل أنها أمته ولم يكن لواحدٍ منهم بينة وسأل القاضي الحيلولة إلى أن يحضر شهوده فإن القاضي لا يلتفت إلى ذلك) لأنّ مجرّد الدّعوى ليس بسبب الإستحقاق في حقّ المدّعى عليه بالحديث المشهور (١٤) ألا ترى أن القاضي لو قضى عليه بمجرّد الدّعوى لا
стр. 344
يجوز فلا يثبت حقّ الحيلولة (١)، وأمّا الفصل الثالث (قال وإذا ادّعى (٢) المدّعي على ما وصفت لك (٣) وأقام على ذلك شاهدًا واحدًا (٤) فهذا على وجهين أمّا إن قالت (٥) لي شاهد آخر في المصر آتي به في المجلس الثاني أو قالت لا شاهد لي سوى هذا الواحد ففي الوجه الأوّل القياس أن لا يحول، وفي الإستحسان يحول إذا كان الشّاهد عَدْلًا)، وجه القياس أن شهادة الواحد (٦) شطر الحجّة وشطر الحجّة لا يكون حجّة فصار وجوده وعدمه بمنزلة (٧) فبقي مجرد الدّعوى، وجه الإستحسان أن قول الواحد حجّة في باب الدّيانات، حقًا لله ، والحل والحرمة حقّ لله (٨)، فجاز أن تجب به الحيلولة إلى المجلس الثاني، وفي الوجه الثّاني لا يحول قياسًا واستحسانًا لأنّه لا يخلو إمّا أن يحول إلى المجلس الثّاني أو مؤبّدًا لا وجه إلى الأوّل لأنّه لا يفيد، لأنّه لا يمكنه أن يقضي بالشاهد الأوّل (٩) ولا وجه إلى الثاني لأنّه يؤدّي إلى تعطيل ملكه عليه، (قال رجل في يديه أمة ادّعى رجل أنّه اشتراها منه وأقام بيّنةً على ذلك عند القاضي وسأله أن يضعها على يدي عدل والّذي (١٠) في يديه ينكر البيع فإنّ القاضي ينبغي له أن يضعها على يدي عدل فإن زكيت البيّنة أمر المشتري بدفع الثّمن إن كان لم يدفع ويسلّمها إليه، وكذلك إن ادّعى الهبة والقبض أو الصّدقة والقبض أو الوصيّة من أب الّذي هي في يديه، وهي تخرج من الثلث وأقام البيّنة فإنّه يضعها على يد عدل إلى أن يسأل عن الشهود) لأنّ البيع والهبة والصّدقة والوصيّة تحرم الوطئ على البائع والواهب والمتصدق وابن الموصي فيخاف منه (١١) الوطئ الحرام، وهذا إذا سأل [المدعي] (١٢) لأنّ الحقّ فيه للمدّعي، وهذا إذا كانت الأمة في يد رجل، (أمّا إذا كانت في يدي امرأةٍ ادّعاها رجل بسبب من الأسباب وأقام على ذلك بيّنة فالقاضي هاهنا لا يضعها
стр. 345
على يدي عدل وإن سأل) لأنّ هاهنا القاضي لا يخاف وقوع الوطئ الحرام، (وكذلك إذا ادّعى رجل (١) على أَيِّمٍ نكاحًا فإن القاضي يكفلها ولا يضعها على يدي عدل) لأنّها حرّة مالكة نفسها لا يخاف منها الوطئ الحرام، هذا الّذي ذكرنا كلّه (٢) في الفروج، (فأمّا في غير الفروج (٣) من الأموال لا تثبت الحيلولة بشهادة شاهدين مستورين وإن سأل، حتّى لو ادّعى بستانًا في يدي رجل أو أرضًا فيها نخل أو شجر في ذلك ثمر (٤) ثم أقام على ذلك بينة وسأل القاضي (٥) أن يجعل ذلك على يَدَيْ عدلٍ حتّى يسأل عن شهوده فإن القاضي لا يضع إلا أن يقول المدّعي لا آمن أن يستهلك هذا الذي في يديه الغلّة (٦) والثمرة الّتي في ذلك فحينئذٍ يضع (٧) حتى يسأل عن شهوده)، لأنّ المدّعي طلب من القاضي أن ينظر له، والنّظر إنما يحصل بإخراج ذلك الشّيء من يده (٨) قال الشيخ الإمام شمس الأئمّة السّرخسي ﵀ هذا إذا كان الرجل معروفًا بالاستهلاك إلّا أن يضع على يَدَيْ عَدْلٍ (٩) لما نبيّن في الباب الّذي يلي هذا الباب (قال ولو أنّ رَجُلًا ادّعى على امرأةٍ أنها امرأته وهي مع رجل تزعم (١٠) أنّه زوجها والرجل يصدقها بذلك فأقام المدّعي عليها بينة أنّها امرأته والقاضي لا يعرف الشهود فإن القاضي يعزل هذه المرأة إذا سأل ذلك الرجل الّذي أقام البيّنة) لأنها مع رجل يقرّ بأنها (١١) امرأته ويزعم أنّ وطأه إيّاها حلال، فلو لم تعزل وتوضع (١٢) على يدي عدل ربّما يطأها فيخاف القاضي وقوع الوطئ الحرام، لكن ينبغي للمدّعي أن يسأل ذلك من القاضي لأنّ الحقّ فى هذا للمدعي ألا ترى أنّه لو ترك الخصومة تترك بخلاف دعوى العتاق لأنّ الحق ثمَّ لله (١٣) ألا ترى أنّها لو أقامت البيّنة على العتق ثمّ أرادت الترك لم تقدر (١٤) على ذلك (قال ولو غاب رجل عن امرأته وتزوّجت زوجًا آخر (١٥) ثمّ قدم فأقام (١٦)
стр. 346
البيّنة أنّها امرأته وسأل القاضي أن يعزلها فإنّه يعزلها ويضعها على يدي عدل) لأنّه لو ثبت ما ادّعى كان النّكاح الثّاني فاسدًا، لكن شرط (١) السؤال هاهنا وفي دعوى الأمة لم يشترط، ووجه الفرق ما بيّنّا، (قال وكذلك امرأة مع رجل ادّعت أنّه تزوّجها نكاحًا فاسدًا وأقامت بيّنة على ذلك (٢) وهو يزعم أنّه تزوّجها نكاحًا صحيحًا فإنّه يعزلها ويضعها على يدي عدل (٣)، وكذلك رجل ادّعى أمة في يدي رجل وقال بعتها من هذا الرّجل الّذي في يديه بيعًا فاسدًا وأقام على ذلك بيّنة (٤) وقال الّذي هي في يديه اشتريتها (٥) شراءً صحيحًا أو قال هي جاريتي ولم (٦) أشترها منه فإنّ القاضي يعزلها) لأنّه لو زكيت البيّنة كان الوطئ حرامًا فالقاضي (٧) يخاف وقوع الوطئ الحرام فإذا أقام البيّنة توضع على يدي عدل قال الشيخ الإمام شمس الأئمة أبو محمد عبد العزيز بن أحمد (٨) الحلواني إنما يعزلها في دعوى الشِّرى لا لَأنَّ المشتري شِرَاءً فَاسِدًا إذا وطئها يكون الوطئ حرامًا) بل (٩) لأنّه يكون مكروهًا فيحول بينه وبينها مخافة الوطئ المكروه كما يحول مخافة الوطئ الحرام والله أعلم.
باب ما لا يضعه القاضي على يدي عدلٍ إذا خوصم إليه فيه
(قَالَ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ادّعى غلامًا في يدي رجل أو دابّةً أو ثوبًا أَوْ عَرضًا من العروض التي تنقل وتحوّل أنّه ابتاعه من الّذي هو في يديه والّذي في يده (١٠) ينكر ذلك وأقام المدّعى شهودًا على دعواه وسأل القاضي أن يجعله على يدي عدل إلى أن يسأل عن شهوده فإن القاضي لا يخرج ذلك الشّيء من يدي الّذي هو في يديه) (لأن اليد مقصود (١١) في العين كما أن الملك مقصود ثمّ لا يجوز استحقاق الملك بالبينة قبل ظهور العدالة فلا يجوز أيضًا استحقاق اليد بالبيّنة قبل ظهور العدالة بخلاف ما تقدّم لأنّ ثمَّ الباب باب الفروج فأمر بالحيلولة احتياطًا لباب (١٢) الفروج وهذا المعنى (١٣) هاهنا غير موجود فلم يخرج (١٤) من يده (لكن يأخذ منه كفيلًا بنفسه وبذاك الشيء المدّعي [به] (١٥) حتّى لا يغيب ولا يغيب ذلك
стр. 347
الشيء (١) ويأخذ منه وكيلًا بالخصومة) هكذا ذكر صاحب الكتاب لكن هذا إذا أعطى بنفسه مختارًا أمّا إذا أبى فإنّه (٢) لا يجبر، ذكر ذلك في مواضع، (وهذا إذا لم يكن المدّعى عليه مِتْلَافًا مخوفًا على ما في يده أن يتلفه (٣) ويستهلكه، فأمّا إذا كان كذلك فإن رأى القاضي أن يضع ذلك على يدي رجلٍ ثقةٍ مأمون فعل ذلك لأنّه (٤) حسن لأنّه إذا كان بهذه الصّفة لا يؤمن مِنْ أن يتلفه (٥) تعنّتًا فالقاضي (٦) يخرجه من يده على سبيل المنع من التعنت (قال وكذلك إن أبى الّذي ذلك في يده (٧) أن يُعْطي كفيلًا بنفسه وبذلك الشيء أمر المدّعي أن يلزمه ويلزم ذلك الشّيء إلى أن يعطيه كفيلًا (٨)، فإن امتنع عن إعطاء الكفيل وكان المدّعي ضعيفًا عن ملازمته فرأى القاضي أن يضع الشّيء على يدي عدل فعل ذلك) لما قلنا (قال ولو أن رجلًا في يديه جارية ادّعى رجل نصفها أنّه ملك له أو أنّه (٩) اشترى ذلك من الّذي هي في يديه وأقام على ذلك بينة وسأل القاضي أن يضعها على يدي عدل إلى أن يزكّي (١٠) بينته فإن القاضي لا يخرجها من يدي الّذي هي في يديه) لأنّه ادّعى شركة في الجارية (ولو ثبت الشركة (١١) في الجارية) بأن زكّيت بينته وحكم له بالنصف (وطلب من القاضي أن يزيلها عن يده (١٢) لم يفعل ذلك لكن يأمرهما بالتهايؤ فقبل ظهور الشركة أولى أن لا يزيل يده عنها)، ويبتنى (١٣) على هذا مسائل منها أنّ الجارية إذا كانت بين رجلين فجاء أحدهما إلى القاضي وقال (١٤) أيّها القاضي إن شريكي ليس بمؤتمن أخاف منه أن يواقع هذه الجارية فضعها (١٥) على يدي عدل فإنّ القاضي (١٦) لا يلتفت إلى ذلك ومنها امرأة جاءت إلى القاضي وقالت (١٧) أيّها القاضي لست آمن على نفسي من زوجي أن يقربني في حالة الحيض فضعني على يدي عدل كلّما حضت فإن القاضي لا يلتفت إلى ذلك، قال (١٨) ففي مسألتنا أولى (لكن يأخذ من الذي [هي] (١٩) في يديه كفيلًا بنفسه وبالمدّعي به فإن قال المدّعي لا أمن أن يستهلك ذلك فضعه على يدي عدل قيل له لك في الكفيل الذي يضمن عن الذي هي (٢٠) في يديه ثقة خذ
стр. 348
منه كفيلًا مليًّا (١) بذلك الشيء (قال ولو أن رجلين تنازعا في جاريةٍ وهي في أيديهما جميعًا كلّ (٢) واحدٍ منهما يدّعيها ويزعم أنّها له وحضر القاضي فإن القاضي يدعها في أيديهما ويقول لكل واحدٍ منهما أقم البيّنة على دعواك) لأنّها إذا كانت [في أيديهما] (٣) فكلّ واحد منهما يمنع صاحبه عن وطئها (فإن تنازعا فيها إلى أن يقيما البيّنة أمرهما القاضي بأن يجمعا (٤) على رجل يضعانها على يديه إلى أن تقوم لها (٥) بيّنة لكي تقطع المنازعة، فإن أقام أحدهما بينة على دعواه ولم يقم الآخر وضعها القاضي على يدي عدل إلى أن يسأل عن الشهود) كما لو كانت الجارية كلها في يد أحدهما وادّعى الآخر كلّها وأقام على ذلك بيّنة وضعها القاضي على يدي عدل، كذلك هاهنا (٦) (قال ولو أن رَجُلًا ادّعى نكاح امرأة كبيرة وهي تجحد ذلك فأقام بينة عليها وسأل القاضي أن يعزلها (٧) حتّى يسأل عن شهوده فإنّ القاضي لا يفعل ذلك لكن يأخذ له منها كفيلًا) لأنّ المرأة الكبيرة تحفظ نفسها وليست هي في يد رجل يخاف عليها أن يطأها (وكذلك لو كانت جارية بكرًا في منزل أبيها فإن القاضي لا يعزلها) لأنّه لا تهمة فيه وإنّما يعزل التي مع رجل يطأها، والله أعلم بالصواب.
باب الرجل يدّعي الشيء في يد رجل من الرقيق والمتاع والعقارات وله بينة على ذلك (٨)
(قال ولو أن رجلًا ادّعى جارية في يدي رجل أو غلامًا أو دابة أو عرضًا من العروض التي تنقل وتحوّل وأراد استحلافه على ذلك [الشيء] (٩) فإن القاضي يأمر المدّعى عليه بإحضار ذلك الشيء ثم يحلّفه على دعوى المدّعي) لأنّ المدّعي محتاجٍ (١٠) في الدعوى إلى الإشارة إلى ذلك الشيء ولا يمكنه الإشارة إليه إلّا وإن يكون حاضرًا في مجلس القاضي فيكلفه إحضاره والقضاة كلهم كانوا على هذا حتى كانت البهائم تقاد إلى المساجد (١١)، فبعد ذلك بعضهم اعتادوا القيام إليها وبعضهم إدخالها في المسجد (١٢)، فإنّ إدخال الدّابة في
стр. 349
المسجد عند وقوع الحاجة [إليه] جائز، ألا ترى أنّ النبي ﷺ طاف بالبيت على ناقته وجعل يستلم الأركان بمحجنه والصّحابة لم يمنعوا الدّواب من الطواف بالبيت حتى الكلاب (قال وكذلك إن أحضر المدّعي بيّنة على أن ذلك له يأمر القاضي المدّعى عليه بإحضار ذلك الشيء [حتى يشهد الشهود على عين ذلك الشيء] (١) إن كان قائمًا) لأنّ الشهود محتاجون (٢) في الشهادة إلى الإشارة إلى ذلك الشيء ولا يمكنهم الإشارة إليه إلّا وأن يكون حاضرًا في مجلس القاضي (٣) (فإذا أحضره فشهد الشهود) (٤) فهاهنا خمس فصول الفصل الأول إذا شهدوا (وقالوا نشهد أنّ هذا له ولم يقولوا [نشهد أنّ هذا ملكه يجوز ويقضي به لأنّ اللام في مثل هذا للملك فصار كأنّهم قالوا نشهد] (٥) أن هذا ملكه والفصل الثاني إذا شهدوا، وقالوا نشهد أنّه مالك لهذا (٦) يجوز ويقضي به والفصل الثالث إذا شهدوا على إقرار الذي ذلك الشيء في يديه أنّه أقر أن هذا الشيء للمدّعي يجوز ويقضي به) والفصل الرابع لم يذكره صاحب الكتاب وهو أنّ المدّعي لو ادّعى عليه أنّه أقر أنّ هذا الشيء له (٧) فمُرْهُ بالتسليم إليّ ولم يدّع أنّه ملكي، اختلف العلماء فيه، قال بعضهم بأنّ (٨) القاضي لا يسمع دعواه ولا يأمره بالتسليم إليه، وقال عامة العلماء ليسمع ويأمره بالتسليم إليه إذا ثبت ذلك عنده، أمّا وجه قول أولئك (٩) أنّ [الإقرار خبر والخبر يحتمل الصدق والكذب وإنّما يوجب الملك له إذا كان صدقًا إما إذا كان كذبًا] (١٠) فالمدّعي بقوله أقر أنّه لي لا يصير مدّعيًا للملك وما لم يوجد دعوى الملك لا يقضي له بالملك، وجه عامة العلماء أنّ الدّعوى تعتبر بالشّهادة وقد ذكرنا أنّ الشهود لو شهدوا أنّ المدعى عليه أقرّ أنّ هذا الشيء للمدّعي فإنّ القاضي يقبل شهادتهم وإن لم يشهدوا بأنّه ملكه، وكذا المدّعي (١١) إذا ادّعى عليه أنّه أقرّ بهذا لي ولم يقل هو (١٢) ملكي (و) الفصل الخامس (إذا شهد الشهود أنّه له أو أنّه هو يملكه منذ عشرين سنة أو شهدوا على أقل من هذا الوقت أو أكثر فهو سواء يحكم به للمدّعي) لأنّ الشهود لا يحتاجون في شهادتهم إلى التاريخ لكن مع هذا إذا شهدوا بذلك (١٣) فالقاضي يسمع ذلك منهم ويذكر فى السَّجل القضاء بالملك من ذلك التاريخ لأنّهم شهدوا بملك مؤرّخ (١٤) فالقاضي يقضي
стр. 350
أيضًا بملك مؤرخ (١) ولا يحتاج الشاهدان أن يقولا لا نعلم أنه باع ذلك ولا وهبه لأن ملكه لمّا ثبت من (٢) ذلك الوقت يبقى إلى أن يوجد الدّليل المزيل إلّا إذا ادّعى المدّعي عليه ذلك وأثبت ذلك بالبيّنة يقبل منه وإن لم يكن له بيّنة وادّعى على المدّعي كان للقاضي (٣) أن يحلفه بالله ما بعته ولا وهبته (قال ولو ادّعى دارًا في يدي رجل أو أرضًا أو حانوتًا أو شيئًا من العقارات وأحضر على ذلك بيّنة أنّ ذلك له وحدّد الشهود ذلك بحدود أربعة وشهد الشهود أنّ ذلك في يد المدّعى عليه وأنه لهذا المدعي قبل الحاكم ذلك وقضى به للمدّعي وكذلك إن شهدوا أنّ هذا مالك له منذ سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك) لأنّ إعلام المدعي به في الدّعوى والمشهود به في الشهادة شرط صحة القضاء والإعلام بأقصى ما يمكن في العقار إنما يكون بالتحديد لأن النقل لا يتصور، فقلنا بأنه أوّلًا يبين (٤) البلدة التي فيها الدّار ثم المحلّة التي فيها الدّار في [تلك] البلدة ثم يبين حدود الدار لأنّ الإعلام بأقصى ما يمكن هذا، وهو أن يبين أوّلًا الاسم العام ثمّ ما هو الأخصّ به، ثم شرط صاحب الكتاب أن يشهد الشهود أن ذلك في يدي المدعى عليه أو يأتي المدّعي بشهود غيرهم يشهدون أنّ ذلك في يدي المدّعى عليه ذكر صاحب الكتاب هذا في آخر الباب حتى يجوز الحكم، ولم يشترط ذلك في المبسوط وأنّه شرط لكن توسّع في المبسوط وبين صاحب الكتاب حتى لو أقرّ المدّعى عليه أن العقار الذي وقع فيه الدّعوى في يديّ فالقاضي لا يلتفت إلى ذلك ما لم يشهد الشهود أن هذا المحدود في يده فرّق بين العقار وبين المنقول، فإن الدّعوى إذا كان في المنقول لا يشترط في الشهادة أن يشهدوا أن هذا الشيء في يده بل إذا أقرّ المدّعى عليه أنّ ذلك في يده (٥) يكفي والفرق ما أشار إليه صاحب الكتاب في آخر الباب أن المنقول لا يخلو إمّا أن يكون قائمًا أو مستهلكًا في يدي المدعى عليه فإن كان قائمًا لابُدَّ من الإحضار ومتى أحضره فالقاضي يعاين أنّه في يديه وإن كان مغيبًا (٦) وقال المدعى عليه هلك في يدي أو استهلك في يدي فقد أقر بوجوب الضمان على نفسه وإقرار الإنسان على نفسه صحيح، فأمّا في العقار يتمكن تهمة المواضعة وهو (٧) أن المدّعي ربما واضع رجلًا ليقرّ بذلك فيقضي
стр. 351
القاضي عليه فيكون ذلك استحقاقًا عليه وعلى غيره والعقار في الحقيقة في يد غيره فيثبت الاستحقاق على صاحب اليد فلابُدَّ أن يشهدوا أن ذلك في يده (فإن لم يشهدوا بذلك ولكن إن علم الحاكم أن ذلك في يده يقبل الشهادة وإن لم يشهدوا أنه في يده) لأنّ يده ثبتت (١) عند القاضي (فإن لم يشهدوا بذلك ولم يعلم الحاكم بذلك وقال المدعى عليه هذا الشيء ليس في يدي فقال المدعي أنا أقيم بينة عدولًا غير هؤلاء يشهدان (٢) أن هذا الشيء في يدي فلان المدعى عليه، فإن القاضي يقبل ذلك منه ويحكم له بذلك) لأن الحاجة إلى القضاء بالملك للمدّعي وباليد للمدعى عليه (٣) فلا فرق (٤) بين أن يثبت هذين الأمرين بشهادة فريق واحد وبين أن يثبت كلّ أمر بشهادة فريق على حدة (قال وإن لم يشهد به الشهود (٥) على حدود أربعة وشهدوا على ثلاثة حدود (٦) وقالوا الحدّ الآخر (٧) لا نعرفه قبل الحاكم ذلك وقضى للمدّعي به (٨) وهذا استحسان أخذ به علماؤنا الثلاثة (٩) والقياس أن لا يقبل، وبه أخذ زفر، وإن شهدوا على حدّين [لا غير] (١٠) لم يقبل ذلك ولم يحكم به (١١) وروي عن أبي يوسف أنه يقبل ويحكم به) واختلف المشائخ فيه فذكر القاضي (١٢) الإمام أبو الحسن علي بن الحسن السغديّ ﵀ في شرح هذا الكتاب ومثله قال مشائخ بلخ إنما يقبل (١٣) إذا شهدوا على حدّين متقابلين يصير ما بينهما معلومًا بأن شهدوا على حدّ اليمين وحد (١٤) اليسار أمّا إذا شهدوا على حدّين حدّ اليمين وحدّ المغرب أو حد اليسار والمشرق لا يقبل عند أبي يوسف أيضًا وذكر الشيخ (١٥) الإمام شمس الأئمة السرخسي رواية عن أبي يوسف فيما إذا شهدوا على حدّين أحدهما طولًا والآخر عرضًا على عكس ما قاله القاضي الإمام، وإن شهدوا بأربعة (١٦) حدود وغلطوا في حدٍّ واحدٍ اختلف المشائخ فيه والصحيح أنه لا يقبل لأنهم إذا غلطوا صار المشهود به شيئًا آخر، وكان ذلك
стр. 352
شهادته (١) بغير ما ادّعى، أما إذا تركوا ما صار المشهود به شيئًا آخر، ونظير هذا ما لو شهد الشاهدان بالبيع وقبض المبيع وتركوا ذكر الثّمن جاز، ولو غلطوا في الثمن لا يجوز كذا هذا وموضع هذه المسألة كتاب الشهادات وأدب القاضي لمحمّد والشروط (٢) (قال فإن قال الشهود للقاضي نشهد أنّ الدار في موضع كذا ونحن نقف على حدودها ونعرفها (٣) ونمشي عليها ونعرفها لهذا الرّجل وفي ملكه ولكنا (٤) لا نعرف (٥) أسماء حدودها قبل ذلك فإذا (٦) أراد أن يحكم بذلك للمدّعي بعث بالشهود ليمشوا على الحدود ويقفوا عليها ويذهب المدّعي معها (٧) حتى يقفوا على الحدود بحضرتهم ويقولوا هذه حدود الدّار التي شهدنا بها لهذا وهي هذه الدّار وهذه حدودها، ثم يأتون القاضي فيشهدوا (٨) أولئك الذي حضروا مع الشاهدين على أسماء الحدود فيحكم للمدّعي على المدّعى عليه بهذه الدّار التي شهد بها هذان [الشاهدان] (٩) ووقفا على حدودها وكذلك الضيعة والحانوت وجميع العقارات) فهو على ما وصفت (١٠) لك (قال ولو لم (١١) يعرف الشهود الحدود ولا يسمّوها وكانت دارًا (١٢) مشهورة باسم رجل مثل دار عمرو بن حريث (١٣) بالكوفة ومثل دار الزبير بالبصرة فشهدوا (١٤) بها لإنسان ولم يذكروا الحدود لم يقبل الحاكم ذلك عند أبي حنيفة ﵁ وَقبلَ عندهما وعلى هذا الخلاف الضيعة إذا كانت مشهورة شهرة قد بانت وظهرت عند الناس) وأجمعوا أنّ الرّجل إذا كان مشهورًا يستغنى عن ذكر الاسم والنّسب وحقّ المسألة ما ذكرنا من الكتب، ثمّ أعاد هذه المسألة فقال (١٥) وإن شهد الشاهدان أن الدار التي بالكوفة في محلة بني فلان (١٦) تلاصق دار فلان بن فلان الفلاني [مما يلي كذا
стр. 353
وكذا وقالوا هي بين دار فلان بن فلان الفلاني] وهي الدّار التي في يد فلان بن فلان الفلاني هذا [هي] (١) لفلان بن فلان الفلاني هذا المدعي وفي ملكه وقال لا نعرف حدودها ولا نقف عليها فقال المدعي آتيك بشهود آخرين يعرفون حدود هذه الدّار ويعرفون أن حدّها كذا وحدّها الآخر (٢) كذا وأتى بشاهدين فشهدا أن حدّ هذه الدّار ينتهي إلى كذا والثاني ينتهي إلى كذا والثالث ينتهي إلى كذا والرابع [ينتهي إلى] كذا) اختلفت النسخ في جواب هذه المسألة ذكر في بعض النسخ أنه يقبل ويحكم به كما في المسألة الأولى وذكر في بعض النسخ أنه لا يقبل ولا يحكم بهذه الدّار للمدّعي لأنّ الشهادة الأولى بدون الشهادة الثانية ليست بحجّة فصار وجودها وعدمها بمنزلة بخلاف الأولى (٣)، وكذلك (٤) الضيعة والقرية والحانوت وجميع العقارات فهو بمثل هذا (٥) (قال ولو أن رَجُلا ادّعى (٦) جارية في يدِّ رجل أو غلامًا أو دابة أَوْ عَرَضًا من العروض أو دارًا أو ضيعةً أو عقارًا والذي ذلك في يديه ينكر دعواه ويزعم أنه له فأحضر المدّعي الشهود (٧) فشهدوا أن ذلك الشيء كان في يد [هذا] (٨) المدّعي أمس أو قالوا منذ شهر أو [منذ] (٨) سنةٍ فإن القاضي لا يحكم به للمدّعي) وهذا ظاهر الرواية وروى أصحاب الأمالي عن أبي يوسف أنه يقبل هذه البيّنة ويأمر المدّعى عليه بالتسليم إلى [يد] (٨) المدعي، وجه تلك الرواية أن الثابت بالبينة بمنزلة الثابت بالإقرار، ولو أقر المدّعى عليه أن العين كانت في يد المدّعي أمس يؤمر بالإعادة إلى يد المدعي، فكذا إذا ثبت ذلك بالبيّنة، وفي ظاهر الرواية فرق بينهما، ووجه الفرق أن الإقرار حجّة موجبة بنفسها لا يحتاج إلى قضاء القاضي فيثبت بنفس الإقرار كون العين في يدي المدّعي وأنها وصلت إليه من جهته فإذا كان كذا (٩) وجب عليه التسليم [إليه] (٨) حتى يثبت لنفسه بعد ذلك الاستحقاق، فأما البينة لا توجب الحكم بنفسها فتحتاج إلى القضاء وقد تعذر القضاء بهذه البينة لأنه لا يمكن القضاء [باليد] (١٠) في الحال لأن الشهود ما شهدوا باليد في الحال، ولا يمكن القضاء باليد فيما مضى لأن تلك اليد زائلة في الحال فتعذر القضاء [باليد] (١٠) بهذه البينة والله أعلم (قال وكذلك إن أقام المدّعي (١١) شاهدين على إقراره أن العين كانت في يد المدّعي أمس يقبل)
стр. 354
لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة (١) (قال وكذلك (٢) لو شهدوا أن هذه العين كانت في يد المدعي [أمس] وأن المدّعى عليه أخذه منه أو غصبه إيّاه أو انتزعه منه أو أخرجه من الدّار أو أبق العبد من يديه فأخذه هذا وأرسله (٣) في حاجة فأخذه (٤) هذا أو أودعه عند هذا المدّعى عليه أو أعاده إياه فإنه يقبل ذلك ويحكم به وإن لم يشهدوا على ملك) (٥) لأنه يثبت (٦) بهذه الشهادة الوصول إليه من جهة المدعي فتجب عليه الإعادة إليه (٧) حتى يظهر استحقاقه ثم ذكر بعد هذا مسائل قد ذكرها (٨) من قبل (قال وإن ادّعى أنّه اشترى دارًا من هذا الرجل أو قرية أو ضيعة ولم يحدد (٩) ذلك فأقر المدعى عليه بذلك واتفقا على حدوده (١٠) فإنّ القاضي يحكم على المدّعى عليه بذلك بإقراره) لأنّ إقرارهما حجّة على أنفسهما (وإن أقرا بالشرى واختلفا في الحدود فقال المدعي هذه حدودها [وقال المدعى عليه لا بل هذه حدودها] (١١) والذي أقرّ به (١٢) المدّعى عليه أقل مما ادّعى المدّعي وليس المشتري بمشهور يعرف (١٣) حدوده فإنهما يتحالفان ويرادّان (١٤) لأن هذا اختلاف في قدر المبيع المعقود عليه وذا يوجب التحالف بالنّص، والله أعلم. (قال وكذلك لو شهد شهود على إقرارهما بالشرى ولم يسميا حدودًا فإن اتفقا على حدود أنفذ ذلك عليهما فإن اختلفا في الحدود وليس للمشتري شهود يعرفون الحدود تحالفا على ذلك وتناقضا البيع) لأنه يثبت الشرى بالشهادة فبقي (١٥) الاختلاف في مقدار المعقود عليه وذا يوجب التحالف بالنّص (وإذا تحالفا لا ينقض القاضي البيع بينهما (١٦) حتى يسألا (١٧) القاضي) لجواز أن يرجع أحدهما إلى تصديق صاحبه (فإن أبى المشتري أخذ ذلك على ما قال البائع ولم يرجع إلى تصديق البائع وطلب
стр. 355
البائع نقض (١) ذلك فإن القاضي ينظر في ذلك ويتأنى فإن (٢) كان للمشتري حجّة ثبت (٣) بها دعواه وإلّا نقض البيع قال وكذلك لو أحضر المشتري كتاب شرى بحقه على البائع فشهدت الشهود على إقرارهما جميعًا بذلك الشرى وفيه تسمية الحدود فإن القاضي يلزم البائع ذلك ويأخذه (٤) بتسليمه إلى المشتري وإن (٥) اختلفا في الحدود تحالفا وتناقضا البيع إلا أن يأتي المشتري ببينة تشهد على الحدود التي يدّعي فإن أتى على ذلك ببينة ألزم القاضي البائع ما شهدت به الشهود وأخذه (٦) بتسليمه إلى المشتري والله تعالى أعلم بالصواب.
باب الرجلين يدّعيان الشيء كل واحدٍ منهما يدّعيه كلّه ويقيم البينة أنّه له وليس هو في يد واحدٍ منهما
ذُكِرَ (عَنْ تَمِيمِ بْنِ طرَفَةَ (٧) ﵄ أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في ناقةٍ ليست في يد واحدٍ منهما فأقام كل واحد منهما البيّنة أنّها ناقته فجعلها (٨) رسول الله ﷺ بينهما نصفين وبه نأخذ فإن (٩) رجلين لو تنازعا في عين في يد ثالث وأقاما البيّنة يقضي بالعين (١٠) بينهما نصفان) وللشافعي ﵁ ثلاثة أقوال، في قول مثل قولنا، وفي قول آخر (١١) يقرع بينهما فمن خرجت قرعته يقضى بالملك له، وفي قول يتهاتر البينتان (١٢) ثم على هذا القول له قولان أيضًا في أنه (١٣) هل يترك العين في يد المدّعى عليه في قول تترك، وفي قول تخرج وتمسك إلى أن يتبين مستحقها (١٤)، وحق المسألة كتاب الدّعوى ذكر (حديث أبي الدّرداء ﵁ أن رجلين اختصما إلى أبي