← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 97808

مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (511 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يفعل وما يقول؛ خاصة والنفوس في الأموال شحيحة، وهي عليه جدّ حريصة. أما وقوع التلفظ باللّسان وعدم حصول ذلك بالقلب من واع مدرك لما يفعل وما يقول فهو أمر لا يتصور حصوله، لأنَّ المرء متى علم بوجوب فعل أمر عليه، ثم توجّه إلى الفعل فإنَّه لا بد أن ينويه، فكيف يتصور منه أن يتلفظ به، ولا ينويه بقلبه! هذا محال. إذا وضح هذا اتضح أن ما ذهب إليه القفال غير صحيح، لأنه لا يمكن حصوله، وما استدل به لا ينهض للاحتجاج على المدعى. فقد احتج بأنَّ الزكاة تخرج من مال المرتد ولا تصحّ نيته، فالتلفظ من غير نيّة جائز من باب أولى، والجواب: أن إخراج الزكاة من مال المرتد من غير نية أمر ممكن الحصول، وهذا غير ممكن، وكون ذلك يجزىء المرتد مسألة خلافية. وأمّا استدلاله بجواز النيابة في أداء الزكاة، ولو كانت نيّة القلب متعينة لوجب على المكلف بها مباشرتها، لأن النيات سر العبادات والإِخلاص فيها، فإنه منقوض بالحج والعمرة، فالنيابة فيهما جائزة، ولا تصحان إلاّ بالنية باتفاق. وأما أنَّ القول بذلك هو مذهب الشافعي فعندي فيه نظر، وسأنقل نصّ عبارة الشافعيّ في الأم، ثم أبين مأخذهم منها، وما تبين لي فيها. يقول الشافعي ﵀: "وإنما قلت: لا تجزىء الزكاة إلاّ بنية؛ لأنَّ له أن يعطي ما له فرضا ونافلة، فلم يجز أن يكون ما أعطى فرضا إلا بنية. وسواء نوى في نفسه أو تكلم بأن ما أعطى فرض". ثم (قال الشافعي ﵀: "وإنما منعني أن أجعل النية في الزكاة كنيّة الصلاة لافتراق الزكاة والصلاة في بعض حالهما، ألا ترى أنه يجزىء أن يؤدي الزكاة قبل

стр. 107

وقتها، ويجزيه أن يأخذها الوالي منه بلا طيب نفسه، فتجزىء عنه، وهذا لا يجزىء في الصلاة" (١). فقد فهموا أنَّ الاكتفاء باللفظ فحسب مذهب للشافعي في قوله: "وسواء نوى في نفسه أو تكلم"، ومن قوله: "وإنما منعني أن أجعل النيَّة في الزكاة كنيّة الصلاة لافتراق حالهما" (٢). وعندي أن كلام الشافعي هذا ليس نصا في الدلالة على الاكتفاء باللفظ، لاحتمال أن يكون مراد الشافعي لفظ اللسان مع نيّة القلب، وهذا ما فهمه صاحب التقريب من الشافعية من عبارة الشافعي هذه (٣)، ويدلّ على أنَّ هذا هو مقصوده نصّه قبل ذلك على أن الزكاة لا تقبل في أكثر من مسألة، لأنه لم يخلص القصد للفرضية. فمن ذلك قوله: "ولو أخرج عشرة دراهم فقال: إن كان مالي الغائب سالما فهده العشرة من زكاته أو نافلة، وإن في يكن سالما فهو نافلة. فكان ماله الغائب سالما لم تجزىء عنه (٤) "، ثم علَّل عدم الِإجزاء بقوله: "لأنه لم يقصد بالنية فيها قصد فرض خالصا" (٥)، ومعلوم أنَّ القصد هو النية، ومحله القلب. وأما أنّه فرق بين نيّة الصلاة والزكاة فقد وضّح نفسه ﵀ أنّ الفرق منحصر في جواز إخراج الزكاة قبل وقتها، وفي إجزائها إذا أخذها الِإمام من المالك بغير طيب نفس منه. ولذا كان القول الأشهر والأصح في مذهب الشافعية أنه لا بد من تعيين نيَّة القلب، ولا يكفي التلفظ باللسان، بل نصّ إمام الحرمين على أنَّ المذهب هو تعيين نية القلب (٦).

стр. 108

وإذا اتضح لنا بعد العرض السابق أنّ التلفظ بالنية من غير وجود لها في القلب أمر مستحيل حال اليقظة والعلم، تبيّن لنا ما في قول بعض الحنفية: "من لا يقدر أن يحضر قلبه لينوي بقلبه، أو يشك في النية، يكفيه التكلم بلسانه" (١) من مجافاة للصواب، فإنَّ هذا أخطأ إذ زعم أنَّ استحضار النيَّة في القلب غير مقدور، كما أخطأ في زعمه أنَّ المتكلم بالنيّة من غير استحضار لها في القلب يجزىء والرد عليه علم مما مضى. والخلاصة: أن القول بإجزاء التلفظ بالنيَّة من غير قصد قلبي قول ضعيف كما قال السيوطي (٢)، بل هو شاذ كما نصَّ على ذلك العيني (٣). وبذلك صحَّ قول ابن تيمية: "ولو تكلم بلسانه، ولم تحصل النية في قلبه، لم يجزىء ذلك باتفاق أئمة المسلمين" (٤).

стр. 109

مخالفة اللسان لما نواه في قلبه ليس بين العلماء نزاع في أن العابد إذا تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه كان الاعتبار بما نوى في قلبه، ذلك لأنَّ النيَّة عمل القلب كما سبق أن بيناه، فإذا قال بلسانه: نويت التبرد (أي في الوضوء)، ونوى بقلبه رفع الحديث، أو بالعكس فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف. ومثله ما قاله الشافعي في الحجّ: لو نوى بقلبه حجّا، وجري على لسانه عمرة أو عكسه، انعقد ما في قلبه دون لسانه (١). وما ذكره ابن نجيم (٢): أنَّ من سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد انعقدت الكفارة به، وكذا من قصد الحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره (٣) - غير صحيح ولا تنعقد الكفارة به، وليس مستثنى من القاعدة. كيف وقد نص القرآن على أن الله لا يؤاخذنا باللغو في أيماننا، واللغو ما صدر من المرء بدون قصد اليمين، وأخبر أنَّ المؤاخذة إنما تكون على اليمين المقصودة المرادة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكمُ بمَا كَسبتْ قُلُوبكُم﴾ (٤). ﴿وَلكِن يُؤاخذُكُمْ بمَا عَقّدْتمُ الأيْمَان﴾ (٥)، لذا كان السيوطي محقّا عندما جزم "بأنَّ من سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد فلا تنعقد، ولا يتعلق به كفارة، أو قصد الحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره" (٦).

стр. 110

الجهر بالنيّة الجهر بالنيّة لا يجب ولا يستحب باتفاق علماء المسلمين، بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة، وإذا فعل ذلك معتقدا أنَّه من الشرع فهو جاهل ضال، يستحق التعزير وإلا فالعقوبة على ذلك، إذا أصرَّ عليه بعد التعريف والبيان له، لا سيما إذا آذى من إلى جنبه برفع صوته، أو كرّر ذلك مرة بعد مرة. وقد أفتى غير واحد من علماء المسلمين بذلك، فمنهم قاضي القضاة جمال الدين أبو الربيع سليمان بن عمر (١) الشافعي قال "الجهر بالنية وبالقراءة خلف الإِمام ليس من السنة، بل مكروه. فإن حصل به تشويش على الصلين فحرام، ومن قال بأنَّ الجهر بلفظ النية من السنة فهو مخطىء، ولا يحلّ له ولا لغيره أن يقول في دين الله تعالى بغير علم". ومنهم أبو عبد الله محمد بن القاسم التونسي المالكي، قال: "النيّة من أعمال القلوب فالجهر بها بدعة مع ما في ذلك من التشويش على النّاس". ومنهم الشيخ علاء الدين بن العطار عفا الله عنه قال: "ورفع الصوت بالنية مع التشويش على المصلين حرام إجماعًا، ومع عدمه بدعة قبيحة، فإن قصد به الرياء كان حراما من وجهين كبيرة من الكبائر، والمُنكر على من قال بأن ذلك من السنة مصيب، ومصوّبه مخطىء. ونسبته إلى دين الله اعتقادا كفر، وغير اعتقاد معصية. ويجب على كل مؤمن تمكَّن من زجره زجره، ومنعه وردعه، ولم ينقل هذا النقل

стр. 111

عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن أحد ممن يقتدى به من علماء الِإسلام". ومنهم الشيخ العلَّامة أبو عبد الله محمد بن الحريري الأنصاري، قال في هذه المسألة: "ما كان النبي ﷺ ، ولا أصحابه ﵃، ولا أحد من الأئمة الأربعة ولا علماء المسلمين يفعل مثل ذلك ... ، فإن زعم الفاعل لذلك أن هذا هو دين الله تعالى فقد كذب على الله تعالى، وعلى رسول الله ﷺ ، وأدخل في دين الله ما ليس منه، يستتاب بعد التعريف وتزاح عنه الشبهة التي عرضت له، فإن تاب وإلّا قتل بذلك". والمتأمل في هذه النقول (١) يعرف أنها تتحدَّث عن مقولة صدرت من أحد أهل العلم في زمن هؤلاء الأعلام فأعظموا عليه النكير. وأنا وأن كنت لا أوافق هؤلاء الأفاضل على أنَّ القول بذلك يستوجب القتل وإن كان يستحق التعزير إذا أصرَّ على قولته، إلاّ أنّ فتاويهم هذه تدلّ بوضوح على أن هذه القولة بعيدة جدًّا عن تعاليم الِإسلام.

стр. 112

التلفظ بها همسًا التلفظ بالنيّة سرّا لا يجب عند الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فلم يقل أحد من الأئمة بوجوب ذلك، لا في الطهارة ولا في الصلاة ولا الصوم، .. الخ. وغلط أبو عبد الله الزبيري (١) من الشافعية على الشافعي ﵀ إذ خرّج وجها من كلام الشافعي زاعما أنه يوجب التلفظ بالنية في الصلاة. والسبب في غلطه سوء فهمه لعبارة الشافعي، فالشافعي قال في كتاب الحج: "إذا نوى حجّا وعمرة أجزأ، وإن لم يتلفظ، وليس كالصلاة لا تصح إلاّ بالنطق" (٢). قال النووي: "قال أصحابنا: غلط هذا القائل، وليس مراد الشافعي بالنطق في الصلاة هذا، بل مراده التكبير" (٣). وحتى ينقطع القول بأن للشافعي قولا يوجب التلفظ بالنيّة في الصلاة أسوق عبارته الناصة على أنّه لا يرى ذلك لا في الصلاة ولا في غيرها؛ يقول رحمه الله تعالى في كتاب الأم: "فيما حكينا من أحاديث عن النبي ﷺ دليل على أنّ نيّة الملبي كافية له من أن يظهر ما يحرم به، كما تكون نيّة المصلي مكتوبة أو نافلة أو نذرا كافية له من إظهار ما ينوي منها بأيِّ إحرام نوى، ونيّة الصائم كذلك، وكذلك لو اعتمر أو حج عن غيره كفته نيته من أن يسمي أنَّ حجه هذا عن غيره" (٤).

стр. 113

ولم يذكر الفقهاء عن أحد قبل الزبيري أو بعده لا من الشافعية ولا من غيرهم أنّه قال بوجوب التلفظ بالنية، فيكون قوله هذا خرقا للإجماع، ولا يحل الأحد متابعته في القول بذلك أو بالإفتاء به. أما القول باستحباب التلفظ فلم يقل به أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة السابقين، بل المنصوص عن الِإمام مالك وأحمد أنّه لا يستحب التلفظ بذلك (١). وأتباع الِإمام مالك لا يستحبون التلفظ بالنية (٢)، واختلف أصحاب الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة (٣)، فمنهم من رأى أنَّ التلفظ بالنية مستحب، ومنهم من لم ير الاستحباب بل قال: هو مكروه وبدعة. وكلّ الذي احتج به القائلون بالاستحباب على اختلاف مذاهبهم أنه يستحب "لاجتماع عزيمته" (٤)، أو "لأنه آكد" (٥)، أو "ليساعد اللسان القلب" (٦)، أو "ليكون أوفى وطأ، وأقوم قيلا" (٧)، هذه عباراتهم وهي متقاربة في معناها. أما الذين كرهوا التلفظ ولم يستحبوه فلهم أدلة على مدّعاهم، وردود على القائلين بالاستحباب نوجزها فيما يلي: ١ - الاستحباب لا يكون إلاّ بدليل، ولا دليل: قالوا: إن الاستحباب حكم شرعي لا يثبت بمجرد النظر والتشهي، فلا واجب

стр. 114

إلاّ ما أوجبه الله ورسوله، ولا مستحب إلا ما أرشد الله ورسوله إلى استحبابه. ولم يأتنا دليل يرشدنا إلى استحباب التلفظ بالنيّة. وقد تنبه بعض الأحناف إلى هذه الحقيقة فوجه الاستحباب على غير معناه الأصولي: فقال: "التلفظ بالنية مستحب، وقيل سنة، يعني أحبّه السلف أو سنه علماؤنا، إذ لم ينقل عن المصطفى ولا الصحابة ولا التابعين، سمّي مستحبّا باعتبار أنه أحبّه علماؤنا، وسنة باعتبار أنّه طريقة، حسنة لهم" (١). وهذا التوجيه غير سديد، فإنَّ المستحب أو السنة إذا أطلقا انصرفا إلى المصطلح المعروف. ٢ - وقالوا: هو بدعة: وعللوا ذلك بأنه لم ينقل عن الرسول ﷺ أنه فعله لا في طهارة ولا صلاة ولا زكاة ولا غير ذلك، ولم يعلمه أحدا من أصحابه ولا أمر به. ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنّه فعل ذلك أو علّمه أو أمر به، ولا التابعين ولا أتباعهم، ولا الأئمة الأربعة ولا أحد من الأئمة المعتبرين (٢). ومعلوم أن كل ما يحدث في العبادات المشروعة من الزيادات التي لم يشرعها رسول الله ﷺ ، بدعة من وجهين: الوجه الأول: من حيث اعتقاد المعتقد أنَّ ذلك مشروع مستحب، أي يكون فعله خيرا من تركه مع أنَّ النبي ﷺ لم يفعله البتّة، فتبقى حقيقة هذا القول: أنَّ ما فعلناه أكمل وأفضل مما فعله النبي ﷺ ، وقد سأل رجل مالك بن أنس عن الإِحرام قبل الميقات، فقال: "أخاف عليك الفتنة"، فقال السائل: أيُّ فتنة في ذلك؟ وإنما زيادة أميال في طاعة الله ! قال:

стр. 115

"وأي فتنة أعظم من أن تظن في نفسك أنّك خصصت بفضل لم يفعله رسول الله صلى الله على وسلم" (١). وقد ثبت في الصحيحين أنَّ الرسول ﷺ قال: "من رغب عن سنتي فليس مني". والمعنى أن من ظن أن سنة ما أفضل من سنّة الرسول ﷺ ، فرغب عما سنّه الرسول ﷺ ، معتقدا أنّ ما رغب فيه أفضل مما رغب عنه فليس مني، لأن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، كما في الصحيح أن النبي ﷺ ، كان يخطب بذلك يوم الجمعة. ولا يحتجّ محتجّ بجمع التراويح، وبقول عمر: "نعمت البدعة هذه" فإنَّها بدعة في اللغة، أي أمر بديع جميل، يدلّنا على ذلك أنَّ صلاة التراويح سنة في الشريعة، يقول ابن بطَّال: "قيام رمضان سنَّة، لأنَّ عمر إنَّما أخذه من فعل النبي ﷺ ، وإنَّما تركه النبيّ ﷺ خشية الافتراض" (٢)، فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ خرج ليلة في جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلّى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلَّى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدَّثوا، فكثر أهل المسجد في الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلى بصلاته، فلمَّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى أقبل على النّاس، فتشهد، ثمَّ قال: "أما بعد: فإنه لم يخفَ علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك" (٣).

стр. 116

فالحديث واضح فيه أنّ الرسول ﷺ سنَّ لنا قيام رمضان جماعة، وأنه ترك المداومة على ذلك خشية أن يفرض علينا فلا نستطيع القيام به، فلمَّا توفي ﷺ ، وانقطع الوحي، زالت الخشية التي خشيها ﷺ . ولو لم يأت دليل بذلك لكان لنا أسوة بعمر بن الخطاب عملا بقوله ﷺ : "عليكم بسنتي، وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" (١). وما أبعد ما قاله القسطلاني (٢) متحكما في هذه القضية برأيه حيث زعم بلا دليل أنَّ الرسول ﷺ كان يتلفظ بالنية، يقول القسطلاني: "ولئن سلمنا أنّه لم يرو عنه ﷺ ولا عن أحد من أصحابه النطق بها، لكنا نجزم بأنَّه ﵇ نطق بها، لأنّه لا شك أن الوضوء المنوي مع النطق به أفضل، والعلم الضروري حاصل بأن أفضل الخلق لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره أنّه أتى بالوضوء المنوي مع النطق، ولم يثبت عندنا أنَّه أتى بالوضوء العاري عنه، والشك لا يعارض اليقين، فثبت أنّه أتى بالوضوء المنوي مع النطق" (٣). هذا كلام القسطلاني، وعجيب أن يصدر مثل هذا من عالم محدِّث فاضل مثله. فهو يقرّر أن التلفظ بالنية أفضل، ولا يأتي بدليل يدلُّ على هذه الأفضلية، ثم يبني على هذا الأمر الذي لم يدلّل عليه -والذي أصبح عنده يقينا- أنَّ الرسول ﷺ لا يمكن أن يترك الأفضل، فيلزم من ذلك أنّه كان يتلفظ بالنية.

стр. 117

ونحن نقول له: أثبت الأصل أولا قبل أن تقيم عليه البناء، ونقول له: إنّه يبعد كلّ البعد أن الرسول ﷺ كان ينطق بالنية في فعل كان يتكرر في كل يوم مرات ومرات من وضوء وصلاة، على مشهد من أصحابه وأزواجه ثم لا ينتبهون إليه، ولا ينقلونه لنا، أما القول بأنَّهم عرفوا ذلك وكتموه أو أهملوا نقله فهذا بعيد، لأنَّ في ذلك كتمانا للعلم، وتضييعا للأمانة، ولا يقول مسلم إنَّ أحدا من الصحابة كان كذلك. فلما لم ينقل علمنا أنه لم يكن، وإذ لم يكن فعلينا أن نقول: إنَّ الأفضل تركه. الوجه الثاني: أن التلفظ بها بدعة من حيث المداومة على خلاف ما داوم عليه الرسول ﷺ في العبادات، فإنَّ هذا بدعة باتفاق الأئمة. والمحْدِث لذلك يظنُّ أنَّ في الزيادة خيرا، ولكنّه في واقع الأمر ليس كذلك، فقد أحدث مروان بن الحكم (١) الأذان والِإقامة لصلاة العيد، فأنكر عليه الصحابة والعلماء ذلك. ٣ - ثبت في السنة أن الرسول ﷺ لم يكن يتلفظ بذلك. أ- فمن ذلك حديث عائشة (٢) قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير (٣). ب- وفي حديث أبي هريرة (٤) أنّ الرسول ﷺ قال للمسيء

стр. 118

صلاته -عندما قال له: علمني يا رسول الله- قال له: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثمَّ اقرأ بما تيسر معك من القرآن" (١). جـ وقيل لعبد الله بن عاصم (٢): توضّأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه ومسلم، فدعا بإناء فأكفأ منه على يديه، فغسلهما ثلاثا ... الحديث (٣). د- وثبت مثله عن علي بن أبي طالب، فعن أبي حَيَّة، قال: "رأيت عليا توضأ، فغسل كفيه حتى أنقاهما .. " الحديث. فهذه النصوص ومثلها كثير عن الرسول -صلى الله عليه ومسلم- وأصحابه أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بالتكبير، ولا يقولون قبل التكبير شيئًا، وكذلك في الوضوء يبدؤون بغسل الكفين، وفي الحج كانوا يبدؤونه بالتلبية، ولم يكونوا يقولون: اللهم إنّي أريد الحجّ أو العمرة والحجّ، بل كانوا أول ما يفعلون الإهلال بالحج، والِإهلال رفع الصوت بالتلبية. "وقد سأل أبو داود الِإمام أحمد، فقال: يقول المصلي قبل التكبير شيئًا؟ قال: لا" (٤). ٤ - إذا خالف اللسان القلب فالعبرة بما في القلب: وهذا ممّا لم يختلفوا فيه، يقول النووي: "إذا قال بلسانه نويت التبرد، ونوى بقلبه الحديث، أو بالعكس- فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف. ومثله ما قاله الشافعي في الحج: "لو نوى بقلبه حجّا، وجرى على لسانه عمرة أو عكسه، انعقد ما في قلبه دون لسانه" (٥).

стр. 119

فما الفائدة من النطق بالنيّة إذا كان الإجماع قد انعقد على أنَّه لا عبرة به إذا خالف ما استقرَّ في القلب؟ ٥ - لا مدخل للتلفظ في حصول النية في القلب، والتلفظ بها عبث، والقصد أمر ضروري لفعل الفاعل: لقد ظن القائلون بالاستحباب أن للتلفظ مدخلا في تحصيل النية بأن يؤكد عزيمة القلب، وهذا خطأ، فإنَّ القائل -إذا قال: نويت صلاة الظهر، أو نويت رفع الحديث- إمّا أن يكون مخبرا، أو منشئا. فإن كان مخبرا فإمّا أن يكون إخباره لنفسه أو لغيره، وكل ذلك عبث لا فائدة فيه، لأنَّ الِإخبار إنّما يفيد إذا تضمَّن تعريف المخْبَر ما لم يكن عارفا، وهذا محال في إخباره لنفسه. وإن كان إخبارا لغيره بالنيّة فهو عبث محض، وهو غير مشروع ولا مفيد، وهو بمثابة إخباره بسائر أفعاله من صومه وصلاته وحجّه وزكاته، بل بمنزلة إخباره له عن إيمانه وحبّه وبغضه، بل قد يكون في هذه الأخبار فائدة، وأما إخبار المأمومين أو الإمام بالنية فعبث محض. ولا يصحّ أن يكون ذلك إنشاء، فإن اللفظ لا ينشىء وجود النيّة، وإنّما إنشاؤها إحضار حقيقتها في القلب، لا إنشاء اللفظ الدالّ عيها. والذي يُوجِد حقيقتها في القلب العلمُ الذي يتقدمها ويسبقها، فالنيّة تتبع العلم، فمن علم ما يريد فعله لا بد أن ينويه ضرورة، كمن قدّم بين يديه طعام ليأكله، فإذا علم أنه يريد الأكل فلا بد أن ينويه، وكذلك الركوب وغيره. ولو كلّف العباد أن يعملوا بغير نية كلفوا ما لا يطيقون، فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملا مشروعا أو غير مشروع، فعلمه سابق إلى قلبه، وذلك هو النية، وإذا علم الإنسان أنَّه يريد صلاة أو صوما أو طهارة فلا بد أن ينويه -إذا علمه- ضرورة، وإنَّما يتصور عدم النيّة إذا لم يعلم ما يريد، مثل من نسي الجنابة، واغتسل للنظافة أو للتبرد، أو من يريد أن يعلّم غيره الوضوء، ولم يرد أن يتوضأ لنفسه، أو من لا يعلم أن غدا من رمضان فيصبح ناويا للصوم، وأمَّا الذي يعلم أن غدا من رمضان

стр. 120

وهو يريد الصوم فهذا لا بدَّ أن ينويه ضرورة، ولا يحتاج أن يتكلم به (١). ٦ - القول بالوجوب أو الاستحباب له آثار سيئة: ظن القائلون باستحسان التلفظ أنه أجمع لعزيمة القلب، ولكن الواقع المشاهد أن القول بوجوب التلفظ أو باستحبابه أنشأ آثارا سيئة، فقد أوقع كثيرا من النّاس في الوسوسة، فترى المصلي ينطق بنيَّة الصلاة واضحة مفسرة، ثم يهم بالتكبير، فيظن أنَّه لم يستحضر النية، فيعيد النطق مرة أخرى، بل منهم من يكبر، وينقض تكبيرته مرَّة ومرَّة (٢)، حتى يصل الأمر ببعضهم أن يقسم بالله، أو يحلف بالطلاق لا كبّرت غير هذه، وسب هذا الوسواس أن النية تكون حاضرة في قلب هذا الموسوس، ويعتقد أنَّها ليست في قلبه، فيريد تحصيلها بلسانه، وتحصيل الحاصل محال. ٧ - تناقض: والذين يوجبون مقارنة النية للتكبير في الصلاة كالشافعية، ثم يقولون بوجوب التلفظ بالنية أو يستحبون ذلك يتناقضون، إذ كيف سينطق بالنية في الوقت الذي يكون لسانه مشغولا بالتكبير؟! هذا محال. وقد تنبه إلى ذلك ابن الصباغ من الشافعية فقال: "يستحب التلفظ بالنية مقارنا لها في غير الصلاة، ولا يتصوّر ذلك في الصلاة" (٣). إلاّ أنه قال -مع ذلك- باستحباب التلفظ، واستصحاب ذكرها بقلبه، وعلى ذلك يكون من القائلين بتقدم النية على التكبير، وإن لم يعترف بذلك.

стр. 121

هل ينعقد العمل بالنيّة فحسب ؟ هل تكفي النية للتلبس بالعبادة أم لا بد من شيء آخر معها؟ العبادات ليست على درجة واحدة في هذا الموضوع، فمنها ما يجب فيه مع النية شيء آخر، ومنها ما يكفي فيه مجرد النيّة. فالصلاة لا تكفي فيها النية المجردة، بل يجب التكبير، وخالف أبو بكر الأصم من الأحناف فقال: "يصح الشروع في الصلاة بمجرد النية دون التكبير" (١)، وهو قول فاسد، لقول النبي ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (٢). وبقية العبادات لا يشترط لها قول، وخالف ابن حبيب من المالكية في الحجّ والعمرة، فقال لا بدَّ فيها "من النيّة قصدا باطنا، والإحرام فعلا ظاهرا، والتلبية نطقا مسموعا" (٣)، فقد اشترط مع النية الفعل والتلبية، وأبو حنيفة اشترط مع النية فعلا من خصائص الِإحرام كالتلبية أو سوق الهدي (٤). والأئمة الثلاثة مالك والشافعيّ وأحمد لا يشترطون مع النيّة شيئًا، لا تلبية ولا غيره (٥)، لأنه لا دليل على اشتراط شيء من ذلك، واحتجاجا بقوله ﷺ :

стр. 122

"إنّما الأعمال بالنيات"، يقول ابن المنذر (١) -وهو ممن يقول بقول الأئمة الثلاثة- معلّلا عدم وجوب شيء مع النية: "لأن الواجب النية، وعليها الاعتماد، واللفظ لا عبرة به، فلم يؤثر كما لا يؤثر اختلاف النيّة فيما يعتبر له اللفظ دون النية" (٢). وقد استدلَّ الاحناف بأدلة منها: ١ - مجرد النيّة لا عبرة به لما روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "إنّ الله عفا لي عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل" (٣). ٢ - الإحرام عقد على أداء عبادة تشتمل على أركان مختلفة كالصلاة، وكلّ ما كان كذلك فلا بدّ للشروع فيه من ذكر يقصد به التعظيم، سواء أكان تلبية أم غيرها، أو ما يقوم مقام الذكر كتقليد الهدي (٤). ٣ - واحتجوا بما رواه السائب يزيد (٥) الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاءني جبريل فقال: يا محمد، مُرْ أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية" (٦). ٤ - وقاسوا الحج على الهدي والأضحية، فهما لا يجبان بمجرد النيّة، فالنسك ينبغي أن يكون كذلك (٧).

стр. 123

وهذه الأدلة التي ساقوها لا تنهض على الاستدلال للمسألة: أولا: لأن حديث "إن الله عفا لي عن أمتي ... " استدلال في غير محله، فالمعفو عنه حديث النفس، والنيّة في الحج ليست حديث نفس، بل هي عزم مصمم، والعزم المصمم غير معفو عنه، كما سيأتي تحقيقه. ثانيا: وعلى فرض أن النيَّة داخلة في الحديث، فالشرط ألَّا تتكلم أو تعمل، والحاجّ لا بد له من العمل من سفر، وترك لما حرم عليه فعله، فالناوي داخل في الحديث. ثالثا: قولهم إن ما كان مثل الحج لا بد له من ذكر في أوله حتى يصح الشروع فيه، وقياسهم الحج على الصلاة، كل ذلك منقوض: ١ - بإجازتهم عملاً من خصوصيات الإحرام، فإنه ينوب عندهم عن الذكر، وهذا لا يجوز في الصلاة. ٢ - بأن الصلاة في آخرها ذكر يخرج به المصلي من صلاته، فيلزمهم أن يقولوا مثل ذلك في الحجِّ، وإن جاز لهم أن يقيسوا الحج على الصلاة، فكيف يكون ردّهم على من قاس الحج على الصيام، والصيام لا ذكر في أوله ولا في آخره! رابعا: خبر السائب بن يزيد ليس مرادا به الوجوب بل الاستحباب، فإنَّ منطوقه رفع الصوت، ولا خلاف في أنه غير واجب، فما هو من ضرورته أولى، ولو وجب النطق لما لزم كونه شرطا، فإن كثيرا من واجبات الحج غير مشترطة فيه (١). خامسا: إننا نفرق بين الحج، والأضحية والهدي، إذ الحج عبادة بدنية، والأضحية والهدي إيجاب مال فأشبها النذر (٢).

стр. 124

القصد المجرد عن العمل مما له علاقة بهذا الفصل المقاصد التي بقيت حبيسة في الصدور سواء أكانت خيرة أم شريرة، ما حكمها؟ وهل يثاب ويعاقب صاحبها؟ مراتب الإرادة القصد نوع من الإرادة، والإِرادة مراتب متفاوتة، وهكذا كل صفة من صفات الحي، فالعلم مراتب: الشك، ثمّ الظنّ، ثمّ اليقين ومراتبه. وقد قسّم ابن أبي جمرة الوارد على القلب إلى ست مراتب: الهمَّة، ثم اللمة، ثم الخطرة، ثم النية، ثم الإرادة، ثم العزيمة، وهذا التقسيم غير مرتضى: ١ - لأنَّ الخطرة في الحقيقة أقلّ مرتبة من الهمّة، فالخاطر يمر في الذهن مرورا عابرا، ولا يتوقف، أما الهمّ فإنه يتردَّد في النفس. ٢ - لأنَّه جعل الِإرادة مرتبة من المراتب، وارتأى أنها أعلى من النية، والحق أن الإرادة جنس للهمِّ والخاطر والنيّة. ٣ - لأنه جعل العزم في مرتبة أعلى من النيَّة، وليس الأمركذلك، فقد حققنا من قبل أنَّ النية جزم الإرادة، فعلى ذلك النيّة والعزم في درجة واحدة، بل يرى كثير من العلماء أن النيّة أعلى رتبة من العزم كما سبق بيانه. والترتيب الذي نختاره هو ذلك الترتيب الذي وضعه السبكي، فقد قسَّم ما يقع في النفس إلى خمس مراتب، وقد رتبها ترتيبا تصاعديا: الأول: الهاجس: وهو أضعف هذه المراتب، وهو ما يلقى في النفس.

стр. 125

الثاني: الخاطر: وهو ما يجري في النفس ثم يذهب في الحال بلا تردد. الثالث: حديث النفس: وهو ما يقع من التردد، هل يفعك أم لا؟ فمرة يميل إلى الفعل، وأخرى ينفر عنه، ولا يستقر على حال. الرابع: الهمُّ: وهو أن يميل إلى الفعل، ولا ينفر عنه، لكنّه لا يصمم على فعله، وقد عرّفه ابن حجر العسقلاني بأنَّه "ترجيح قصد الفعل" (١). الخامس: العزم: وهو أن يميل إلى الفعل، ولا ينفر مه، بل يصمِّم عليه، وهو قوة ذلك القصد، والجزم به ومنتهى الهم (٢). وهذا التفاوت في مراتب الإرادة يلزم الباحث بألا يعطي حكما واحدا لكلِّ أنواع الإِرادة التى لم تتمثل في قول أو عمل، لاختلافها قوة وضعفا، إلا أنَّنا سنكتفي بتقسيم هذه المراتب إلى قسمين، جاعلين الفيصل في هذا التقسيم هو الجزم في الإرادة والتصميم على الفعل أو عدم ذلك، وحسب هذا التقسيم تدخل المراتب الأربع الأولى التي ذكرها السبكي في القسم الأول الذي لا تصميم فيه، بينما يشتمل القسم الثاني على المرتبة الخامسة فقط وهي العزم.

стр. 126

الإِرادة غير الجازمة نستطيع أن نقّسم الإِرادة غير الجازمة إذا لم تتمثل في فعل من حيث العقاب والإثابة عليها إلى قسمين: الأول- ما لا ثواب عليه ولا عقوبة فيه: وهذا يشتمل على المرتبة الأولى والثانية من المراتب التي ذكرها السبكي "الهاجس والخاطر"، ومن الذين نصُّوا على عدم المؤاخذة على الخواطر العزّ بن عبد السلام، وقد علّل ذلك بغلبة الخواطر على الناس (١)، وذكر السبكي الإجماع على عدم المؤاخذة بهما، ونص على أنه لا ثواب عليهما (٢)، إلاّ أَن السبكي جعل "حديث النفس" من هذا القسم، والصواب أن نعدّه من القسم الثاني، لما ورد في بعض الأحاديث من أن فيه الثواب وسيأتي إيضاح ذلك. الثاني- ما يثاب صاحبه إذا كان خيرا، ولا يعاقب إن كان شرا: وهذا القسم يضمّ حديث النفس والهمّ، أما الهمّ فلم يختلف العلماء فيه، فالهام بالحسنة إذا لم يفعلها ينال حسنة تامة، والهام بالسيئة لا تكتب عليه سيئة، وينظر: فإن تركها لله كتبت حسنة، وإن تركها لغير ذلك لم تكتب عليه سيئة، كما أنها لا تكتب له حسنة. والأدلة على ذلك صحيحة صريحة: فقد روى ابن عباس ﵁: عن النبيِّ ﷺ فيما يرويه

стр. 127

عن ربه قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثمَّ بَينَ ذلك: فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عده حسنة كاملة، فإنْ هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة" (١). وهذا الحديث صريح في الدِّلالة على الِإثابة على الهمِّ الخيّر إذا لم يقترن به فعل، وإن كان غير صريح في الدلالة على أن الهام بسوء لا ينال شيئا إذا ترك المعصية لغير خوف الله، وإنما فيه أنَّه ينال حسنة بتركها. وأكثر صراحة منه حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قالت الملائكة: يا ربّ، ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة -وهو أبصر به- فقال: "ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنما تركها من جراي"، وفي رواية "من أجلي" (٢). فمفهوم المخالفة لقوله "من جراي"، أو "من أجلي"، أنّه لا تكتب له حسنة إن تركها لغير مخافة الله تعالى. وقد صرَّح بذلك في الرواية الأخرى "وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه" (٣). فيفهم من الجمع بين الروايتين أنّه إن ترك المعصية خوفا من الله كتبت له حسنة كاملة، فإن تركها لغير ذلك لم تكتب عليه كما أنّها لا تكتب له. أما أنَّ "حديث النفس" لا يؤاخذ عليه فلأنه أقلّ رتبة من الهمّ، فإذا كان الهم -وهو أقوى منه - لا عقوبة فيه، فحديث النفس من باب أولى.

стр. 128

ويشهد لذلك قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم "، وفي لفظ: "ما حدثت به أنفسها" (١)، وهو اللفظ المشهور. والوسوسة وحديث النفس متقاربان، إذ المعنى في كليهما: تردّد في النفس من غير اطمئنان إليه واستقرار عليه. ولم يرد حديث صريح في أن حديث النفس الخير ينال به العبد ثوابا إذا لم يفعل ما حدَّث نفسه به، إلّا أنه يستأنس بقوله ﷺ : "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق" (٢)، فمفهوم المخالفة أن حديث النفس يدفع النفاق، وذلك لا يكون إلاّ مأجورا عليه. إلاّ أن يقال: إن المراد بحديث النفس هنا العزم، فنقول: هذا خلاف ظاهر. لم أثيب الهامّ بالحسنة ولم يُعاقب على الهم بالسيئة ؟ قد يقال: لم أثيب الذي هم بالخير أو حدَّث به نفسه، ولم يعاقب الذي هم بالشر، أو حدث نفسه به؟ فالجواب: أن إرادة الخير خير في ذاتها، ولقد أحسن القائل حيث يقول: لَأشْكُرنكَ معْرُوفًا هَمَمْتَ بِهِ ... إن اهْتِمَامَكَ بالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفُ وَلَا أَلُومكَ إنْ لَمْ يُمْضهِ قَدَرٌ ... فَالشيء بِالْقَدَرِ الْمَحْتُومِ مَصْروفُ (٣) وإرادة الخير عمل القلب، وعمل القلب فيه الثواب، وإرادة السيئة يكفرها تركها، فإن كان الترك خوفا من الله، فالخوف عبادة يستحق الإِثابة. ثم الإثابة على إرادة الخير مقتضى رحمة الله، وعدم العقوبة على إرادة الشر مقتضى عفو الله، وحسبنا هذا دليلا.

стр. 129

الإِرادة الجازمة تحدثنا عن الإرادة غير الجازمة إذا لم تتمثل في فعل، وبقيت حبيسة في النفس من حيث الِإثابة والعقوبة عليها. ونريد أن نبين هنا حكم الإرادة الجازمة من الحيثية نفسها، والإرادة الجازمة وهي "القصد أو العزم" تكون على أحد أمرين: الأول: الجزم على فعل من أفعال القلوب: فهذا لم يخالف أحد من العلماء في أن العزم عليه مثاب صاحبه، إن كان المعزوم عليه خيرا، كالعزم على الإيمان، أو محبة الله ونحو ذلك. وأن المقاصد فعلا قلبيا سيئا مؤاخذ معاقب، كالذي يصمم على الكفر، وترك الإيمان، وتكذيب الرسول ﷺ ، أو إنكار البعث، فهذا كافر بعزمه وتصميمه (١)، وعن مالك رواية قوّاها ابن العربي (٢): "من اعتقد الكفر كفر، ومن أصرَّ على المعصية أثم" (٣). الثاني: العزم على فعل من أفعال الجوارح: وهذا وقع فيه النزاع، فذهبت طائفة إلى أنَّ المقاصد لعمل ما كشرب الخمر، أو ترك الصلاة لا يؤاخذ على قصده، وقد ذكر ابن حجر أنَّ القول بذلك هو نصّ الشافعي رحمه الله تعالى (٤)، وقال السبكي: "خالف بعضهم -أي في أن العزم لا

стр. 130

يؤاخذ به- وقال: إنه من الهمّ المرفوع" (١)، ومن هؤلاء المازري (٢)، فقد حكى قول ابن الباقلاني (٣) في أن العزم مؤاخذ به، ثم ردَّه، وقال: "وخالفه كثير من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين، واحتج على ما ذهب إليه بحديث أبي هريرة القدسي: "فأنا أغفرها له ما لم يعملها" (٤). وقد استدل القائلون بعدم المؤاخذة بالأدلّة الناطقة بعدم المؤاخذة على الهمّ، وقد سبق إيرادها، وقالوا: إن الهمّ في لغة العرب هو العزم، فهم يقولون: "هم بالشيء يهمّ همّا، نواه وأراده" (٥). فإذا صحّ أنَّ الهمّ هو العزم صحّ أنّه لا مؤاخذة عليه بنص الأحاديث القدسية والأقوال النبوية. ونحن لا ننكر في مجال الحجاج أنَّ العرب تفسر الهم بالعزم، بل نقول: لقد ورد ذلك في كتاب الله تعالى في قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ (٦)، والشاهد في الآية أنه سمّى الإِرادة المصممة التي كانت من امرأة العزيز هما، ولا خلاف في كونها عزما، وليست عزما مجردا، بل عزما حاولت معه تنفيذ ما عزمت عليه بإغلاق الأبواب، ودعوته إلى الفاحشة، والإِمساك به، وقد قميصه من دبر، وغير ذلك. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَهَموا بِمَا لمْ يَنَالُوا﴾ (٧)، فإنَّ سبب نزول هذه

стр. 131

الآية أنَّ بعض المنافقين حاولوا اغتيال الرسول ﷺ في إحدى الغزوات. أقول: لا ينكر أن الهمَّ قد يفسر بالعزم في لغة العرب، ولكنّ الذي يستنكر ولا يوافق عليه أن يقال: إنَّ كلّ همّ عزم، فهذا غير صحيح. فالهمّ منه ما يكون عزما كما سبق بيانه، ومنه ما ليس بعزم، يقول الِإمام أحمد: "الهم همان: همّ خطرات، وهم إصرار" (١). فمن الهمّ الذي ليس بعزم همّ يوسف ﵇ على القول بأنّه همّ، إذ لم يكن همه عزما بالتأكيد. ومنه هم الرسول ﷺ بتحريق بيوت الذين لا يشهدون الجماعة "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثمَّ أخالف إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم" (٢). ومنه همّ عبد الله بن مسعود عندما همَّ بالجلوس وتَرْك الرسول ﷺ واقفا في صلاة الليل: "صليت مع رسول الله ﷺ ليلة، فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي ﷺ " (٣). فهمُّ الرسول ﷺ ، وهم عند الله، لم يكن عزما، إذ لو كان عزما لوقع مرادهما، لأن العبد إذا أراد إرادة جازمة، وكان الفعل المراد مقدورا، فلا بد من وقوع الفعل المراد. فلمّا لم يقع ما هم به الرسول ﷺ ، وما هم به عبد الله - علمنا أن الإرادة عندهما لم تصل إلى درجة الجزم. ومما اختلف فيه العلماء قوله ﷺ في حديث الاستخارة: "إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثمَّ ليقل ... " (٤) الحديث.

стр. 132

ففريق ذهب إلى أنَّ المراد بالهم هنا: الوارد أول ما يرد على القلب، فيستخير العبد عند وروده، فينظر ببركة الدّعاء والصلاة ما الخير، وهؤلاء يعلّلون تفسيرهم هذا بأنّه لو تمكن الأمر عنده، وقويت فيه عزيمته وإرادته- فإنَّه يخشى أن يخفى عليه وجه الأرشدية لغلبة ميله إليه. وفريق يرى أنَّ الهمّ في الحديث العزم: لأنَّ الخاطر لا يثبت، فلا يستمرّ إلاّ على ما يقصد التصميم على فعله، وإلّا لو استخار في كلّ خاطر لاستخار فيما لا يعبأ به، فتضيع عليه أوقاته (١). والذي يظهر لي أن الهم هنا ليس مجرد الخاطر، ولا العزيمة، وإنّما أراد به الميل إلى الفعل قبل أن يصل إلى مرحلة العزم والتصميم، إذ الخاطر ماض عابر، وما عزم على فعله لا يستخار فيه. إذا ثبت أن الهمَّ نوعان: هم عزم وتصميم، وهمّ ليس كذلك، وثبت أنَّ العزم لا يكون إلا جازما، لأنَّ العزم في لسان العرب: "ما عقد عليه قلبك من أمر أنك فاعله" (٢) -إذا ثبت ذلك؛ بطل استدلالهم بقوله ﷺ : "من همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ... ، ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتَبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها، فعملها، كتبها الله له سيئة واحدة" (٣) - على أن العزم معفو عنه، وممّا يدلّ على بطلان ذلك قوله ﷺ : "فعملها"، "فلم يعملها"، ففيهما دلالة على أن هذا التقسيم في الحديث هو في رجل يمكنه الفعل فلم يفعل، وهذا ليس بجازم الإرادة، فالإرادة الجازمة لا تتخلف إذا وجدت القدرة التامة. ومما يدل على أن الهم في الحديث ليس هو العزم قوله ﷺ

стр. 133

في حديث خريم بن فاتك الأسدي (١): "ومن هم بحسنة يعلم الله أنّه قد أشعر بها قلبه، وحرص عليها ... " (٢) قال ابن حجر معلّقا على الحديث: "هذا الحديث يدلُّ على أنَّ مطلق الهمّ والإرادة لا يكفي" (٣). ومما يدل على التفريق بن العزم والهمّ، أن من خطر في قلبه أن يقطع الصلاة فإنها لا تنقطع، فإن صمّم على قطعها بطلت. رأينا كيف أنَّ القائلين بعدم المؤاخذة على القصد المجرد عن الفعل لم يستطيعوا أن يدللوا على ما ذهبوا إليه، وأن دليلهم الذي أتوا به لم يثبت في مجال التمحيص والنقاش، لذا فقد ذهب القاضي ابن الباقلاني إلى القول بالمؤاخذة على العزم، وتابعه القاضي عياض وقال: "عامّة السلف وأهل العلم على ما قال ابن الباقلاني، لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب" (٤). ومثل ذلك قال القرطبي: "وهذا المذهب الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف، وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين" (٥). ووصف ابن السبكي القائلين به بأنَّهم أهل التحقيق "وأما العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به" (٦). وسأل ابن المبارك سفيان الثوري: "أيؤاخذ العبد بما يهمّ به؟ قال: إذا جزم بذلك" (٧).

стр. 134

أدلّة القائلين بالمؤاخذة قبل أن نذكر أدلتهم نقول: إن مرادنا بالإرادة الجازمة ما نسمّيه القصد والنية، والعزم. والإرادة الجازمة هي التي يجب وقوع الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة، فإنه متى وجدت الإرادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل، لكمال وجود المقتضى السالم عن المعارض المقاوم. ومتى وجدت الإرادة والقدرة التامة، ولم يقع الفعل لم تكن الإرادة جازمة. وبعض النّاس قدروا إرادة جازمة للفعل لا يقترن بها شيء من الفعل، وهذا لا يكون. وإنَّما يكون في العزم على أن يفعل، فقد يعزم على الفعل في المستقبل من لا يفعل منه شيئًا في الحال، والعزم على أن يفعل في المستقبل لا يكفي في وجود الفعل، بل لا بد عند وجوده من حدوث تمام الِإرادة المستلزمة للفعل، وهذه هي الإِرادة الجازمة. وقد استدل القائلون بالمؤاخذة على القصد الجازم الذي لا فعل معه بأدلَّة كثيرة تدل على أنه بمنزلة الفاعل التامّ في الإثابة والعقوبة، ومن هذه الأدلّة: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (١). قال القرطبي: "استدلّ بهذه الآية على أنَّ العزم مما يؤاخذ به الإنسان، لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم" (٢) (٣).

стр. 135

٢ - قوله ﵇: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنّه كان حريصا على قتل صاحبه" (١). قالوا: دلَّ الحديث على المؤاخذة بالعزم على الفعل، لأن الرجل المقتول لم يقع منه فعل القتل، ولتعليل الرسول ﷺ "إنه كان حريصا على قتل صاحبه" (٢). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣). قال المخالفون: لا حجّة في هذه الآية، لأنَّها نسخت بقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إلاّ وُسْعَهَا﴾ (٤)، وقد قال بذلك جمع من الصحابة، ومما يوضح ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٥)، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : قولوا: سمعنا، وأطعنا، وسلَّمنا قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يكلِّفُ الله نَفْسَا إلاّ وُسْعَهَا، لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتَسَبَتْ﴾ (٦). ورواه مسلم عن أبي هريرة بأوفى من رواية ابن عباس. والصحيح أن هذا بيان وليس بنسخ، وهذا قول ابن عباس، والحسن

стр. 136

البصري (١)، واختاره إمام المفسرين ابن جرير الطبري. قال ابن عطية: "وهذا هو الصواب، ذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿وإنْ تبدُوا مَا في أَنْفُسكمْ أَوْ تخْفُوه﴾ معناه: مما هو في وسعكم وتحت كسبكم، وذلك استصحاب المعتقد والفكر. فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصحابة، فبين الله لهم ما أراد بالآية الأخرى، وخصّصها ونص على حكمه: أنّه لا يكلف نفسا إلاّ وسعها، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع، بل هي أمر غالب، وليست مما يكتسب" (٢). ٤ - رتَّب القرآن الثواب والعقاب على مجرد الإرادة، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ (٣). وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٤). ٥ - قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٥). فالله نفى المساواة بين المجاهد والقاعد الذي ليس بعاجز، ولم ينف المساواة بين المجاهد والقاعد العاجز، بل يقال دليل الخطاب (٦) يقتضي مساواته إياه، ولفظ الآية صريح فقد استثنى (أولي الضرر) من نفي المساواة، فالاستثناء هنا هو من النفي، وذلك يقتضي أن أولي الضرر يساوون المجاهدين.

стр. 137

وممّا يدلّ على ذلك صراحة قوله ﷺ لأصحابه في غزوة تبوك: "إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر"، فأخبر أن القاعد بالمدينة الذي لم يَحْبسه إلا العذر هو مثل من معهم في هذه الغزوة. وما أحسن قول القائل: يَا سَائِرينَ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ لَقَدْ ... سِرْتُمْ جُسومَا وَسِرْنا نَحْنُ أَرْواحَا إِنّا أَقَمْنَا عَلَى عُذْرٍ وَعَنْ قَدَرٍ ... وَمَنْ أَقَامَ عَلَى عذْرٍ فَقَدْ رَاحَا (١) ٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ (٢)، قال القرطبي: "الإِصرار العزم بالقلب على الأمر وترك الإِقلاع عنه. وقال قتادة: "الإصرار الثبوت على المعاصي" (٣). وقال ابن المبارك (٤): "المصر الذي يشرب الخمر اليوم، ثم لا يشربها إلى شهر، وفي رواية إلى ثلاثين سنة، ومن نيته إذا قدر على شربها شربها" (٥). والآية دليل على أنَّ الإِنسان يؤاخذ بما وطَّن عليه ضميره، وعزم عليه بقلبه، فالِإصرار معصية اتفاقا، فمن صمَّم على المعصية كتبت عليه سيئة، فإذا عملها كتبت عليه معصية ثانية، قال النووي: "وهذا ظاهر حسن لا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر" (٦).

стр. 138

٧ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). نقل القرطبي عن جماعة من أهل التأويل أنهم احتجوا بالآية على أنَّ الإنسان يعاقب بما ينويه وإن لم يفعله (٢) (٣). ٨ - استدل النووي ﵀ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (٤)، حيث رتَّب الله العذاب على فعل القلب وهو مجرد حبِّ إشاعة الفاحشة، والقصد فعل قلبي كالحبّ، يقول الكرماني: "إنَّ النية السيئة يعاقب عليها بمجرد النيّة، لكن على النية لا على الفعل، حتى لو عزم أحد على ترك الصلاة بعد عشرين سنة يأثم في الحال، لأن العزم من أحكام الِإيمان، ويعاقب على العزم لا على ترك الصلاة" (٥). ٩ - حديث سهل بن حنيف (٦) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" (٧). فهذا ينال أجر الشهيد لنيته الجازمة على الفعل، وإلا فمجرد القول إذا كان من غير إرادة جازمة لا يكفي في حصول هذا الثواب. ١٠ - قول الرسول ﷺ في حديث أبي كبشة الأنماريّ: "إنما الدنيا لأربعة نفر:

стр. 139

عند رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربَّه، ويصل رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو أنّ لي مالا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما، يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربَّه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل. وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو أنَّ لي مالا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء" (١). فهذا فمن كانت إرادته جازمة على الفعل إذا قدر على مثل ما قدر عليه صاحب المال، وإلّا إذا لم تكن النيّة جازمة، وعلم الله منه ذلك، فلا ينال ذلك الأجر الذي يحصله صاحب المال المنفق المتصدِّق، يؤيده قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢). ١١ - قوله ﷺ : "من أتى فراشه، وهو ينوي أن يقوم يصلي من اللّيل، فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه" (٣). فقد أثاب الله هذا النائم الذي لم يَصْحُ -لمّا عزم على القيام- إثابة الذي قام فصلى، وما ذلك إلاّ لإرادته التامة الجازمة. ١٢ - أن الإثابة والعقوبة على الأفعال المتولدة من فعل العبد:

стр. 140

ومما يؤكد هذه المسألة أن الشارع يعاقب ويثيب على الأفعال المتولدة من فعل العباد، ففي الصحيحين أنَّه قدم وفد من مضر فقراء ظهرت على أجسادهم آثار الجهد، فآلم الرسول ﷺ حالهم، فخطب في المسلمين حاثّا إيّاهم على الصدقة، فتباطأ الصحابة، فجاء رجل بصرة -في صحيح مسلم عين أنها من فضة- كادت كفّه أن تَعْجِزَ عن حملها، بل قد عجزت، فأثر هذا في نفوس الصحابة فانطلقوا يأتون مما عندهم، حتى اجتمع عند الرسول ﷺ كومان من مختلف الأشياء: نقود، وطعام، وثياب ... ، فقال ﷺ : "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (١). والداعي إلى الهدى أو الضلالة لما كانت إرادته جازمة في دعوته فإنّ له من الأجر مثل أجور من تابعه، لا ينقص من أجورهم شيء، وعليه مثل أوزار من تابعه، لا ينقص من أوزارهم شيء، يقول ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن يناقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (٢). وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٣).

стр. 141

فأخبر أن أئمة الضلال في يوم القيامة لن يفوا لأتباعهم بما تعهدوا به من حمل خطاياهم وذنوبهم، وأخبر أنَّ أئمة الضلال سيحملون آثام الذنوب التي ارتكبوها، وسيحملون أثقالا مع أثقالهم، وهي أوزار الاتباع الذين أضلوهم، لأن إرادتهم كانت جازمة بذلك، وفعلوا مقدورهم، فصار لهم جزاء كلّ عامل. وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس عن أبي سفيان أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل: "فإن توليت فإن عليك إثْم الأرّيسيِّين" (١)، لأن هرقل إمامهم المتبوع في دينهم، فتولّيه عن الحقِّ سبب في بقائهم على ضلالهم. بل يذهب الِإسلام إلى أبعد من ذلك في الإثابة والعقاب على القصد المجرد، إذ يعتبر الراضي بالفعل كالفاعل وإن لم يعمله ويقصده. يقول القرطبي عند قوله تعالى عن اليهود: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبياءَ بغيْر حَق﴾ (٢)، أي ونكتب قتلهم الأنبياء بغير حق، أي رضاءهم بالقتل والمراد قتلَ أسلافهم الأنبياء، لكن لما رضوا بذلك صحت الِإضافة إليهم. وحسَّن رجل عند الشعبي (٣) قتل عثمان بن عفان (٤)، فقال له الشعبي: شركت في دمه (٥). فجعل الرضا بالقتل قتلا، ﵁ (٦). ثم قال القرطبي: "وهذه مسألة عظيمة حيث يكون الرضا بالمعصية معصية،

стр. 142

وقد روى أبو داود عن العرس (١) بن عميرة الكندي عن النبي ﷺ ، قال: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها -قال مرة: نكرها- كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" (٢).

стр. 143

الفصل الثاني وَقت النّية

стр. 144

وَقتُ النيِّة سنحاول -إن شاء الله تعالى- أن نحقق القول في هذا الفصل في وقت النية في كلّ عبادة من العبادات. وقت النية في الطهارة للعلماء في وقت النيّة في الطهارة أقوال: الأول: قال فريق بوجوب مقارنة النية لأول الطهارة. وقد صرح كثير من الشافعية والمالكية بأن الواجب اقتران النية بأول واجبات الطهارة، ففي الوضوء مثلا يجب اقترانها بغسل الوجه (١)، غير أنّهم لا حظوا أنّه يلزم على قولهم هذا أن تعرى سنن الطهارة المتقدمة عن أول الواجبات عن النّية، لذا قال بعضهم: ينوي المتوضىء مرتين: مرّة عند ابتداء وضوئه، ومرة عند غسل وجهه (٢). وقال آخرون: ينوي عند أوّل المستحبّات ويستصحب النية إلى أول الواجبات. وقد بين ابن العربي حجّة القائلين بالاقتران فقال: "محل النيّة أن تكوت مقترنة مع أوّل العبادة وضوءا أو صلاة ... ، لا يجوز قبلها ولا بعدها: لأن القصد بالفعل -حقيقته- أن يقترن به، وإلا لم يكن قصدا له، فنية الوضوء مع أوّل جزء منه" (٣).

стр. 145

الثاني: وذهب فريق آخر إلى وجوب تقدّمها على الطهارة، قالوا: "لأنها شرط لها، فيعتبر وجودها في جميعها، فإن وجد شيء من واجبات الطهارة قبل النية لم يعتدّ به" (١)، "ويلزم في مقارنة النيّة للعمل أن يكون أول العمل خاليا من نية" (٢). وهؤلاء الموجبون لتقدم النية انقسموا إلى قسمين: أ- قسم أجاز تقدّمها على أول الطهارة بزمن يسير، وهم الحنابلة، يقول ابن قدامة: "ويجوز تقديم النيّة على الطهارة بالزمن اليسير كقولنا في الصلاة، وإن طال الفصل لم يجزه ذلك" (٣). ويقول في الإنصاف: "يجب تقديم النية على أول واجبات الطهارة، وأول واجباتها المضمضة والتسمية، ويجوز تقديمها بزمن يسير بلا نزاع، ولا يجوز بزمن طويل على الصحيح من المذهب" (٤). وذهب بعض العلماء منهم الآمدي إلى أنه يجوز التقديم بزمن طويل ما لم يرفضها، ومن الذين جوّزوا تقديم النية الأحناف. يقول ابن عابدين (٥): "زمن النيّة أول العبادات، ولو حكما، كما لو نوى الصلاة في بيتة، ثم حضر المسجد، وافتتح الصلاة بتلك النية"، ويقول في وقت نية الوضوء: "وقت نيّة الوضوء عند ابتداء الوضوء، حتى قبل الاستنجاء، لأن الاستنجاء من سنن الوضوء" (٦). ب - وذهب أبو محمد ابن حزم إلى أنَّ "النية لا تجزىء في الوضوء، ولا في غيره
следующие страницы →