← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 97808

مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (511 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فأخبر أن أئمة الضلال في يوم القيامة لن يفوا لأتباعهم بما تعهدوا به من حمل خطاياهم وذنوبهم، وأخبر أنَّ أئمة الضلال سيحملون آثام الذنوب التي ارتكبوها، وسيحملون أثقالا مع أثقالهم، وهي أوزار الاتباع الذين أضلوهم، لأن إرادتهم كانت جازمة بذلك، وفعلوا مقدورهم، فصار لهم جزاء كلّ عامل. وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس عن أبي سفيان أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل: "فإن توليت فإن عليك إثْم الأرّيسيِّين" (١)، لأن هرقل إمامهم المتبوع في دينهم، فتولّيه عن الحقِّ سبب في بقائهم على ضلالهم. بل يذهب الِإسلام إلى أبعد من ذلك في الإثابة والعقاب على القصد المجرد، إذ يعتبر الراضي بالفعل كالفاعل وإن لم يعمله ويقصده. يقول القرطبي عند قوله تعالى عن اليهود: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبياءَ بغيْر حَق﴾ (٢)، أي ونكتب قتلهم الأنبياء بغير حق، أي رضاءهم بالقتل والمراد قتلَ أسلافهم الأنبياء، لكن لما رضوا بذلك صحت الِإضافة إليهم. وحسَّن رجل عند الشعبي (٣) قتل عثمان بن عفان (٤)، فقال له الشعبي: شركت في دمه (٥). فجعل الرضا بالقتل قتلا، ﵁ (٦). ثم قال القرطبي: "وهذه مسألة عظيمة حيث يكون الرضا بالمعصية معصية،

стр. 142

وقد روى أبو داود عن العرس (١) بن عميرة الكندي عن النبي ﷺ ، قال: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها -قال مرة: نكرها- كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" (٢).

стр. 143

الفصل الثاني وَقت النّية

стр. 144

وَقتُ النيِّة سنحاول -إن شاء الله تعالى- أن نحقق القول في هذا الفصل في وقت النية في كلّ عبادة من العبادات. وقت النية في الطهارة للعلماء في وقت النيّة في الطهارة أقوال: الأول: قال فريق بوجوب مقارنة النية لأول الطهارة. وقد صرح كثير من الشافعية والمالكية بأن الواجب اقتران النية بأول واجبات الطهارة، ففي الوضوء مثلا يجب اقترانها بغسل الوجه (١)، غير أنّهم لا حظوا أنّه يلزم على قولهم هذا أن تعرى سنن الطهارة المتقدمة عن أول الواجبات عن النّية، لذا قال بعضهم: ينوي المتوضىء مرتين: مرّة عند ابتداء وضوئه، ومرة عند غسل وجهه (٢). وقال آخرون: ينوي عند أوّل المستحبّات ويستصحب النية إلى أول الواجبات. وقد بين ابن العربي حجّة القائلين بالاقتران فقال: "محل النيّة أن تكوت مقترنة مع أوّل العبادة وضوءا أو صلاة ... ، لا يجوز قبلها ولا بعدها: لأن القصد بالفعل -حقيقته- أن يقترن به، وإلا لم يكن قصدا له، فنية الوضوء مع أوّل جزء منه" (٣).

стр. 145

الثاني: وذهب فريق آخر إلى وجوب تقدّمها على الطهارة، قالوا: "لأنها شرط لها، فيعتبر وجودها في جميعها، فإن وجد شيء من واجبات الطهارة قبل النية لم يعتدّ به" (١)، "ويلزم في مقارنة النيّة للعمل أن يكون أول العمل خاليا من نية" (٢). وهؤلاء الموجبون لتقدم النية انقسموا إلى قسمين: أ- قسم أجاز تقدّمها على أول الطهارة بزمن يسير، وهم الحنابلة، يقول ابن قدامة: "ويجوز تقديم النيّة على الطهارة بالزمن اليسير كقولنا في الصلاة، وإن طال الفصل لم يجزه ذلك" (٣). ويقول في الإنصاف: "يجب تقديم النية على أول واجبات الطهارة، وأول واجباتها المضمضة والتسمية، ويجوز تقديمها بزمن يسير بلا نزاع، ولا يجوز بزمن طويل على الصحيح من المذهب" (٤). وذهب بعض العلماء منهم الآمدي إلى أنه يجوز التقديم بزمن طويل ما لم يرفضها، ومن الذين جوّزوا تقديم النية الأحناف. يقول ابن عابدين (٥): "زمن النيّة أول العبادات، ولو حكما، كما لو نوى الصلاة في بيتة، ثم حضر المسجد، وافتتح الصلاة بتلك النية"، ويقول في وقت نية الوضوء: "وقت نيّة الوضوء عند ابتداء الوضوء، حتى قبل الاستنجاء، لأن الاستنجاء من سنن الوضوء" (٦). ب - وذهب أبو محمد ابن حزم إلى أنَّ "النية لا تجزىء في الوضوء، ولا في غيره

стр. 146

من الأعمال إلاّ قبل الابتداء بالوضوء أو بأيّ عمل كان متصلة بالابتداء به، لا يحول بينهما وقت قل أم كثر" (١). وحجة ابن حزم أن القائل بجواز الفصل بين النيَّة والعبادة يلزمه أحد أمرين: الأول: أن يجيز بلا حدٍّ محدود، فيجيز أن يكون الفصل سنة أو سنتين. الثاني: أن يحدَّ حدا برأيه لم يأذن به الله (٢). القول الثالث: وذهب فريق إلى جواز المقارنة والتقديم. منهم الشافعي قال في الأم: "وإذا قدَّم النية مع أخذه في الوضوء أجزأه الوضوء، فإن قدمها قبل ثم عزبت عنه لم يجزه" (٣). ونلاحظ أنَّ الشافعي يجيز التقديم المتصل بشرط ألّا تعزب النية. كذلك جوز بعض المالكية التقديم، منهم ابن القاسم، أجاز تقديمها عندما يأخذ في أسباب الطهارة بذهابه إلى الحمام، أو النهر، بخلاف الصلاة، وخالفه سحنون (٤) في الحمام ووافقه في النهر. وفرّق: بأن النهر لا يؤتى غالبا إلاّ لذلك فتميزت العبادة فيه، بخلاف الحمّام فإنَّه يؤتى لذلك، ولإزالة الدرن، والرفاهية غالبة فيه، فلم يتميز للعبادة (٥). وقال الخطاب (٦): "وفي تقدمها بيسير خلاف، أي القولان مشهوران، قال ابن بشير: المشهور الصحة" (٧).

стр. 147

أقول: وهذا (القول الثالث) مذهب قوي إذ لم يأت القائلون بوجوب المقارنة أو التقديم بدليل يعتمد عليه.

стр. 148

وقت النيّة في الصلاة للعلماء في وقت النية في الصلاة ثلاثة أقوال: القول الأول: وجوب المقارنة تكبيرة الإحرام: مذهب الإمام مالك -رحمه الله تعالى- أن وقت النيّة في الصلاة عند تكبيرة الإحرام، فلا يجوز تقدمها ولا تأخرها (١). وهذا مذهب الشافعي -رحمه الله تعالى- قال في الأمِّ: "ولا تجزيه النيّة إلاّ أن تكون مع التكبير، لا تتقدم التكبير، ولا تكون بعده" (٢). وفي مختصر المزني "قال الشافعي: وإذا أحرم إماما أو وحده نوى صلاته في حال التكبير لا قبله ولا بعده" (٣). وإلى هذا المذهب قال ابن المنذر (٤) أيضا، وبه قال الطحاوي (٥) من الأحناف (٦)، وقد استدل للقائلين بهذا المذهب بأدلّة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أمِرُوا إلْا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ﴾ (٧).

стр. 149

فقوله مخلصين حال لهم في وقت العبادة، فإن الحال وصف هيئة الفاعل وقت الفعل، والِإخلاص هو النيّة (١). ٢ - أنّ أول العبادة لوعَرَى عن النيّة لكان مترددا بين القربة غيرها، وآخر الصلاة مبني على أولها، فإذا كان أولها متردِّدا كان آخرها كذلك، واستثني من ذلك الصوم للمشقة. وللشافعية في كيفية المقارنة ثلاثة أقوال: (٢) الأول: أن تقترن النيّة بالتكبير وتنبسط عليه، فينطبق أوّلها على أول التكبير وآخرها على آخره. الثاني: أن تتقدم النيّة على التكبير، وإذا تمّت افتتح همزة التكبير متصلة بآخر النيّة، ولو قرن النيّة بالتكبير لم يجز. الثالث: لو قدم النيّة كما ذكر المتقدمون، أو قرن كما ذكره الأولون جاز. واحتج أصحاب المذهب الأول: بأنَّ العقد يحصل بالتكبير، فينبغي أن يكون القصد مقرونا به، وإن تقدَّم القصد، ثم جرى التكبير عريا عن القصد، لم يرتبط القصد بالمقصود، ولم يتحقق تعلق أحدهما بالثاني. والذين ارتأوا تقديم النيّة اعتلوا بأنَّ النيّة لو بسطت على التكبير خلا أوّل التكبير من نية تامة، وإذا قدّمت النيّة ثبت حكمها، فاقترن حكم النيّة التامة بأوّل جزء من التكبير. والذين جوزوا الأمرين جميعا بنوا توجيه مذهبهم على المسامحة في الباب، واستروحوا إلى أنَّ الأولين كانوا لا يتعرضون لتضييق الأمر في ذلك على الناس. ولإمام الحرمين عند الملك بن عبد الله الجويني الشافعي نظرة دقيقة وعميقة فيما ذهب إليه أصحاب هذه الأقوال.

стр. 150

فهو يرى أنهم وقعوا في خطأ بين عندما اعتمدوا أنّ للنية ابتداء ووسطا وجريانا في الضمير على ترتيب، والذي أوقعهم في هذا الخطأ هو ذهولهم عن حقيقة النيّة. فالنيّة تقع في لحظة واحدة، ولا تحتمل البسط والاسترسال والترتيب، أمَّا الذي يقع فيه الترتيب، ويحتمل البسط فهو العلوم بصفات المنوي يقول: "إذا كان الفعل موصوفا بصفات، فالعلوم بها تترتب وتقع في أزمة في مطرد العادة". وبناء على ما حققه أخذ يوجه الأقوال الثلاثة: فالذي يقول بالتقديم: إنّما يقدم إحضار العلوم، وإذا اجتمعت، ولم يقع الذهول عن أوائلها، وقع القصد إلى العلوم بصفاتها مع أوَّل التكبير، فتكون النيّة في لحظة واحدة مقترنة بأول جزء من التكبير. ويوجه القول الثاني: بأن الذي ينبسط هو أزمنة العلوم، فيبتدئها مع أول التكبير، ثم يقدّر تمام حضورها مع آخر التكبير، فعند ذلك يجرد القصد إلى ما حضرت العلوم به، فينطبق هذا القصد على آخر التكبير، وآخر التكبير أول العقد. والذين قالوا بالتخيير بين التقديم والتأخير آل حاصل كلامهم إلى التخيير بين إطباق القصد على أول التكبير، وبين إطباق النيّة على أول العقد. ثم بين أن الذي يختلج في صدره أنه لا يقدح على القاعدة إلاّ ثلاثة أوجه: أحدها: محاولة تطبيق القصد على أوّل التكبير. الثاني: تطبيق القصد على آخر التكبير وهو وقت العقد. الثالث: التخيير بينهما. ثم قال: أما البسط فليس له معنى، ولكن لما لم تكن النية إلاّ في خطرة، والتكبير يسمى تكبيرة العقد، وكانت حقيقة النية لا تنبسط، وذهب ذاهبون إلى بسط العلم إلى إنشاء القصد، وذهب ذاهبون إلى بسط الذكر. ثم بيَّن أن الغرض المكتفى به أن تقع النية بحيث تعدّ مقترنة بعقد الصلاة، ثمّ

стр. 151

تمييز الذكر عن الإنشاء والعلم بالمنوي عنهما عسر، سيما على عامّة الخلق. وكان السلف الصالح لا يرون المؤاخذة بهذه التفاصيل، والقدر المعتبر دينا انتفاء الغفلة بذكر النية حالة التكبير مع بذل المجهود في رعاية الوقت، فأمّا التزام حقيقة مصادفة الوقت الذي يذكره الفقيه فمما لا تحويه القدر البشرية (١). ونقل النووي هذا القول عن إمام الحرمين والغزالي وقال: "وهذا الذي اختاراه هو المختار" (٢). القول الثاني: جواز تقدّم النيّة على التكبير بزمن يسير: ذكرنا أن مالكا والشافعي قالا بوجوب مقارنة النية للتكبير، ثم ذكرنا اختلاف أصحاب الشافعي في معنى المقارنة وتحقيق القول في ذلك. وقد ذهب الإمامان: أحمد وأبو حنيفة إلى جواز تقديم النية على التكبير بوقت يسير (٣). وقد نص فقهاء المذهبين على أن الفصل إذا طال لم تجز المصلي نيته المتقدمة. واشترطوا أيضا ألّا يفسخ نيّته، وألا يشتغل بعمل من غير جنس الصلاة بحيث يذهل عن الصلاة (٤). واستدلّوا لمذهبهم: ١ - بقوله ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرىء ما نوى"، وتقديم النيّة على الفعل لا يخرج الفعل عن كونه منويّا، ولا يخرج الفاعل عن كونه مخلصا، بدليل أنَّ الصائم والمزكي يقدّمان النيّة، ولا يخرجهما ذلك عن كونهما مخلصين (٥).

стр. 152

٢ - وقاسوا نيّة الصلاة على نيّة الصوم في جواز التقديم بجامع أنهما عبادتان (١). ٣ - وقالوا: شرط القِران لا يخلو من الحرج، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). القول الثالث: وجوب تقديم النية على التكبير: ذهب داود الظاهري (٣)، إلى وجوب تقديم النية على التكبير، ولم يجز المقارنة (٤)، وهذا بخلاف أصحاب المذهب الثاني القائلين بجواز المقارنة، بل نصّ فقهاء المذهب الحنبلي والحنفي على أفضلية المقارنة (٥)، وكما لا يجيز داود المقارنة، فإنه لا يجيز التقدّم بوقت ما، بل يشترط أن تتقدّم النية تقدما يعقبه التكبير، وقد أوضح هذه المسألة أحد فقهاء المذهب الظاهري وهو ابن حزم، وقد سبق ذكر أدلته التي احتجَّ بها في مبحث (وقت النية في الوضوء). والقول الثاني هو القول الراجح لقوة أدلته، وضعف دليل المخالف. تأخير النية تلك مذاهب العلماء في تقديم النيّة، أمّا تأخير النيّة عن التكبير فلم يرد عن أحد من العلماء القول به، إلاّ عن الكرخي (٦) من الأحناف، قال بجواز تأخير النية إلى

стр. 153

الثناء، معتلاّ بأن الثناء من توابع التكبير (١)، ونقل آخرون عنه القول بجواز التأخير إلى الركوع أو إلى الرفع من الركوع (٢). وقد ردَّ عليه علماء مذهبه ووسموا قوله بالفساد، وقالوا: "إنمّا سقط القران لمكان الحرج، والحرج يندفع بتقديم النية، فلا ضرورة إلى التأخير" (٣). وقال ابن عابدين: "ولا عبرة بنيّة متأخرة، لأنّ الجزء الخالي عن النيّة لا يقع عبادة، فلا ينبني الباقي عليه، وفي الصوم جوزت للضرورة" (٤).

стр. 154

وقت نية الزكاة في وقت نية الزكاة وجهان مشهوران: أحدهما: تجب النية حال الدفع إلى الإمام أو الأصناف، ولا يجوز تقديمها عليه كالصلاة، وقال بهذا جمع من فقهاء الشافعية والأحناف. ثانيهما: يجوز تقديمها على الدفع للغير قياسا على الصوم، لأن القصد سدّ خلَّة الفقير، وبهذا قال أبو حنيفة، وعليه عامّة أصحابه، يقول صاحب التحفة: "قال مشايخنا: يعتبر أحد الوقتين: وقت الدفع، أو وقت تمييز قدر الزكاة عن النصاب، حتى يكون الأداء بناء على نية صحيحة" (١). وهذا القول ظاهر نصّ الشافعي في الكفارة، قال النووي: "والكفارة والزكاة سواء" (٢)، وأخذ بقول الشافعي ما لا يحصى من فقهاء المذهب كالرافعي (٣) والبندنيجي وابن الصباغ والنووي وغيرهم. وأجاز فقهاء الحنابلة تقديمها بزمن يسير كالصلاة، ويقرر فقهاء الحنابلة والمالكية أنَّه يجوز تقديم نية الزكاة عندما يوكل ربّ المال غيره في دفع الزكاة (٤). والمقارنة وجواز تقديم النيّة بالزمن اليسير مذهب قويٌّ.

стр. 155

وقت نيّة الصوم تقديم النية في الصوم لم يختلف العلماء في جواز تقديم النية في الصوم كما اختلفوا في الوضوء والصلاة، والسبب في ذلك أمران: ١ - النصوص الصريحة الدالة على أنَّ محل النيَّة في الصوم هو الليل، وسيأتي بيانها. ٢ - أن اشتراط مقارنة النيّة لأول الصوم فيه مشقّة بالغة، وحرج شديد والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ علَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، ووجه المشقة والحرج أنَّ أول الصوم يأتي في وقت غفلة من الناس، ولعسر مراقبة أول الصوم وهو الفجر (٢). تأخير النية في الصوم اختلف العلماء في جواز تأخير النية في بعض أنواع الصوم، وسأحاول تحقيق مذاهب العلماء في ذلك، والراجح منها. ١ - القضاء والكفارة: لا يجوز تأخير نية صوم الكفارة وقضاء رمضان، ولا يصح صومهما إلاّ بنيّة من الليل عند كافة العلماء.

стр. 156

قال النووي: "ولا نعلم أحدا خالف في ذلك" (١). ٢ - صوم رمضان: القائلون بجواز صومه بنيّة من النهار: ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ وأصحابه إلى أنَّ صوم رمضان يتأدى بنية من بعد غروب الشمس إلى منتصف النهار (٢). وخالف زفر (٣) من الأحناف في المريض والمسافر إذ صاما رمضان، قال: لا بد لهما من تبييت النيّة من الليل، لأنه في حقهما كالقضاء، لعدم تعينه عليهما، ولم يرتض الأحناف منه ذلك، لأنَّ صوم رمضان متعين بنفسه على الكل، غير أنه جاز لهما تأخيره تخفيفا للرخصة، فإذا صاما وتركا الترخيص التحقا بالمقيم الصحيح (٤). وقد استدل الأحناف بأدلة كثيرة نجملها فيما يأتي: ١ - احتجوا بحديث سلمة بن الأكوع ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ بعث رجلا ينادي في النّاس يوم عاشوراء: "أنَّ من أكل فليتم، أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل" (٥). ولا يتم لهم الاستدلال بالحديث إلَّا على القول بأن صوم عاشوراء كان واجبا، وقد نازع في ذلك بعض مخالفيهم. قال النووي: "وأجابوا عن استدلال أبي حنيفة بأنَّ صوم عاشوراء كان تطوعا

стр. 157

شديد التأكيد، ولم يكن واجبا، وهذا صحيح مذهب الشافعية" (١). واستدلّوا على أنَّ صومه لم يكن واجبا بحديث معاوية بن أبي سفيان (٢) الذي خطب به على منبر الرسول ﷺ في المدينة قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر" (٣). فقوله ﷺ : "ولم يكتب عليكم صيامه"، وقوله: "من شاء فليصم، ومن شاء فليفطر"، ظاهر الدلالة في أنَّه لم يكن واجبا قط، بل هو نصّ في ذلك. ومما يؤكد هذا أنه لم يصح أنّ الرسول ﷺ أمر من كان أكل بقضائه. والتحقيق أنَّ صوم عاشوراء كان واجب الصوم، وأن وجوبه نسخ عندما فرض الله صوم رمضان، والذي يدلّ على ذلك حديث عائشة ﵂، قالت: "كان رسول الله ﷺ أمر بصيام عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام، ومن شاء أفطر" (٤). وفي الحديث الآخر قالت عائشة: "فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء ترك صيامه" (٥). قال ابن حجر في فتح الباري: "ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه، ثمَّ تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته

стр. 158

بأمر من أكل بالإمساك، ثمّ زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في صحيح مسلم: "لما فرض رمضان ترك عاشوراء، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدلّ على أن المتروك وجوبه" (١). وقد ضعف ابن حجر قول من قال: "المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه"، وقال: "لا يخفى ضعف هذا القول، بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى عام وفاته ﷺ حيث يقول: "لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر"، ولترغيبه في صومه، وأنَّه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ (٢). والجمع بين حديث معاوية الذي يخبر فيه الرسول ﷺ أنَّ الله لم يكتب علينا صيام يوم عاشوراء وحديثي عائشة وابن مسعود الدالّين على أنَّه كان واجبا ثم نسخ، أنَّ صوم عاشوراء ليس مما أوجبه الله تعالى بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكمُ الصيَام كمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣). أو يقال: "لم يكتب عليكم صيامه"، أي لم يكتب عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان. ومما يؤكد أنَّه كان واجبا أن رواة الوجوب هم من الصحابة المتقدمين الذين شهدوا أمره بصوم عاشوراء والنداء بصومه في السنة الأولى، أو أوائل العام الثاني من الهجرة، ومعاوية الذي روى عدم الوجوب من مسلمة الفتح فلم يشهد ما شهد أولئك (٤). وإذ حققنا أن صوم عاشوراء كان واجبا فهل يتم للأحناف الاستدلال بالحديث على جواز صيام رمضان بنيّة من النهار؟

стр. 159

قال منازعوهم: لا؛ لأنَّ الحديث منسوخ، فلا يصحّ الاستدلال به. إلاّ أن الأحناف قالوا: لا يلزم من كون الحديث منسوخا أن تنسخ كلَّ الأحكام التي تتعلق به، فالحديث دل على شيئين: أحدهما: وجوب صوم عاشوراء، والثاني: أنَّ الصوم الواجب في يوم بعينه يصحُّ بنية من نهار، والمنسوخ الأول: ولا يلزم من نسخه نسخ الثاني (١). ومع ذلك فإنني أرى أنَّ الحديث لا تقوم به حجة، لأن المتنازع فيه في صوم الفرض المقدور هل يجوز أن ينويه من النهار بلا عذر؟ أما الذي دلَّ عليه الحديث فهو صحة صوم من لم يعلم وجوب الصوم عليه من الليل، كالذي لم يبلغه أن اليوم أول رمضان إلاّ بعد أن أصبح، وقد احتج ابن حزم بالحديث على صحة صوم من لم يعلم وجوب الصوم إلا بعد طلوع الفجر كما سيأتي. وقد أجاب النووي بجواب آخر حيث يقول: "وعلى فرض وجوبه فكان في ابتداء فرض عليهم من حين بلغهم، ولم يخاطبوا بما قبله، كأهل قباء في استقبال الكعبة، فإن استقبالها بلغهم في أثناء الصلاة، فاستداروا وهم فيها من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة، وأجزأتهم صلاتهم حيث لم يبلغهم الحكم إلاّ حينئذ، وإن كان الحكم باستقبال القبلة قد سبق في حق غيرهم قبل هذا" (٢). ٢ - استدل صاحب الهداية من الأحناف بقوله ﷺ بعدما شهد الأعرابي برؤية الهلال: "إلاّ من أكل فلا يأكل بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم" (٣). وقد اختلط على المؤلف حديث الأعرابي هذا بحديث سلمة بن الأكوع (٤) في صوم عاشوراء، إذ هذا اللفظ الذي ذكره صاحب الهداية لم يذكر في حديث

стр. 160

الأعرابي، وحديث الأعرابي أخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة (١)، وابن حبان (٢)، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم، عن ابن عباس أنَّ أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: "إني رأيت الهلال، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: نعم قال: "أتشهد أن محمدا رسول الله؟ " قال نعم. قال:"فأذّن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا" (٣). فرؤية الأعرابي وإخباره للرسول ﷺ كانت ليلا، والأمر بصومه كان في الليل، كما هو واضح من قوله: "أن يصوموا غدا"، وقد استغرب ابن الهمام ما ذكره صاحب الهداية (٤). ٣ - واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥). فقد أباح للمؤمنين الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، وأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر: متأخرا عنه؛ لأن كلمة "ثم" للتعقيب مع التراخي، فكان هذا أمرا بالصوم متراخيا عن أول النهار، والأمر بالصوم أمر بالنية، إذ لا صحة للصوم شرعا بدون النية، فكان أمرا بالصوم بنيّة متأخرة عن أول

стр. 161

النهار، ومن أتى به فقد أتى بالمأمور به، فيخرج عن العهدة، وفيه دلالة على أنَّ الإمساك في أول النَّهار يقع صوما وجدت فيه النيَّة أو لم توجد، لأنَّ إتمام الشيء يقتضي سابقية وجود بعض منه، ولأنَّه صام في وقت متعين شرعا لصوم رمضان لوجود ركن الصوم مع شرائطه. هكذا احتج صاحب بدائع الصنائع بالآية الكريمة (١). ونحن نخالفه في عدّة أمور: الأول: نخالفه في أن "الأمر بالصوم أمر بالنيّة"، وتعليله لذلك بأنّه "لا صحة للصوم شرعا بدون النيّة". ذلك أنّ وجوب النية في الصوم غير مأخوذ من مجرد الأمر بالصوم، بل من أدلّة أخرى منفصلة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢). وقوله ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنيّات" (٣)، وبناء على ذلك فليس الأمر بالصوم أمرا بالنية. ثانيا: إذا تقرّر الأمر السابق بطل ما بناه عليه من أن الشارع أمر بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار، ولو كان قوله هذا حقّا لكان الأفضل أن نأتي بالنية بعد طلوع الفجر، وهذا لم يقل به أحد، حتى ولا الأحناف الذين يجيزون النية من النهار. ثالثا: أنّ الرسول ﷺ بيّن هذه الآية كما بيّن غيرها من الآيات بقوله: "لا صوم لمن لم يبيّت الصيام من الليل"، فوجب أن نأخذ ببيانه. رابعا: ونخالفه في أنّ الإمساك في أول النهار يقع صوما وجدت فيه النية أم لم توجد، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيّات"، وهذا لم ينو فكيف يقع صوما ولم توجد منه نيّة، ويلزم بناء على قوله: أن من أصبح ناويا الإفطار في رمضان أن يكون صائما إذا لم يأكل أو يشرب أو يجامع.

стр. 162

وتعليله بأنه صام في وقت متعين شرعا يلزم منه أن من صلى ركعتين في آخر وقت الصبح بحيث لم يبق من الوقت إلا ما يكفي لصلاة الفرض، ولم ينو بهما فرض الوقت أن تجزيا عن صلاة الفريضة، لأن الوقت أصبح متعينا لصلاة الصبح، ولا يصحُّ منه غيرهما، وهم لا يقولون بذلك. ٤ - واحتجوا بالقياس: ولهم في القياس طريقان: الأول: قياس الفرض على النفل (١)، فالنفل صح فيه أن الرسول ﷺ كان ينويه من النهار. وقال منازعوهم: هذا قياس لا يصح، لأننا عهدنا من الشارع أنه يخفف في النوافل ما لا يخفف في الفرائض. ففي الصلاة مثلا سامح الشارع في ترك القيام في صلاة التطوع، وترك استقبال القبلة فيه في السفر تكثيرا له بخلاف الفرض (٢). ثم نقول لهم: صح الحديث في أنَّه ﷺ كان يحدث الصوم بنية من النهار في النوافل، وصح أن أكثر من صحابي قال: "لا صيام لمن لم يبيت الصوم من الليل" أو نحو هذا، وهذا له حكم المرفوع، لأنه لا يقال بالرأي بل الذي نرجحه صحته مرفوعا إلى الرسول ﷺ من قوله، كما سيأتي بيانه (٣). فلمّا صح هذا وهذا كان الواجب ألّا نضرب حديث رسول الله ﷺ بعضه ببعض، بل علينا أن نوفق بن الأحاديث، وهذا ما فعلناه عندما حملنا حديث إحداثه النية من النهار على صوم النفل، بل هو صريح في ذلك، وحملنا حديث "لا صوم لمن لم يبيت الصيام من الليل" على صيام الفرض. الثاني: قياس النّية المتأخرة على المتقدمة من أول الغروب والجامع بينهما

стр. 163

"التيسير ودفع الحرج" (١). قالوا: "الأصل أنَّ النيّة لا يصح اعتبارها إلا بالمقارنة، أو مقدمة مع عدم اعتراض ما ينافي المنوي بعدها قبل الشروع فيه، فإنه يقطع اعتبارها على ما قدمنا في شروط الصلاة" (٢). ولم يجب فيما نحن فيه، لا المقارنة وهو ظاهر، فإنه لو نوى بعد الغروب أجزأه، ولا عدم تخلل المنافي لجواز الصوم بنيَّة يتخلل بينها وبينه الأكل والشرب والجماع مع انتفاء حضورها بعد ذلك إلى انقضاء يوم الصوم (٣). أخذ يبين الحرج الذي سينشأ من عدم إجازة النية من النهار: "فكثير من النّاس يقع في الحرج لو لم تجز من النهار، كالذي نسيها ليلا، وفي حائض طهرت قبل الفجر ولم تعلم إلا بعده، وهو كثير جدا، فإنّ عادتهن وضع الكرسف عشاء، ثم النوم، ثم رفعه بعد الفجر، وكثير ممن يفعل كذا تصبح فترى الطهر، وهو محكوم بثبوته قبل الفجر، ولذا نلزمها بصلاة العشاء: وفي صبي بلغ بعده، ومسافر أقام، وكافر أسلم" (٤). ثم قال: "فيجب القول بصحتها نهارا، وتوهم أن مقتضاه قصر الجواز على هؤلاء، أن هؤلاء لا يكثرون كثرة غيرهم بعيد عن النظر ... " (٥). فهو بذلك يثبت أن "المعنى الذي لأجله صحت النية المتقدمة لذلك التيسير ودفع الحرج موجود في النية المتأخرة ... " (٦). والِإجابة على ذلك أن القول بهذا يلزمهم القول بإجازة الصوم بنيّة من النهار قبل الزوال وبعده، لا كما يقولون بأن النية بعد الزوال لا تصح، وذلك لأنَّ الحرج قد

стр. 164

يوجد بعد الزوال، فقد يبلغ الصبي، ويسلم الكافر، ويفيق المجنون، ويصحو المغمى عليه، وهم لا يقولون بذلك. ثم إن إجازة صوم هؤلاء من النهار بلا نية على القول به كما هو مذهب ابن حزم خاص بهم للضرورة (١)، وقد احتج لمذهبه هذا بحديث صيام عاشوراء حيث أمر من أكل بالإمساك، ومن لم يأكل بالصيام، أما الذين كانوا قادرين على النية من الليل فلم يفعلوا فلا حرج في إيجاب النيّة عليهم من الليل لإباحة النية في الليل بطوله، وقد تابع ابن حزم في مذهبه الشوكاني من المتأخرين (٢). إلاّ أن كثيرا من الفقهاء نازع في إيجاب النية على الكافر يسلم في نهار يوم الصيام، والصبي يبلغ أثناءه، لكونهما غير مُكَلَّفَيْنِ من أوله، فهم يرون أنَّ الصيام عليهما غير واجب، والحائض لها أن تنوي من الليل إذا علمت أن عادتها الطهر قبيل الفجر. الفريق الموجب للنية من الليل في صوم رمضان: وذهب مالك وأحمد وإسحق (٣) والشافعي وداود وجماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا يصح صوم رمضان إلاّ بنيّة من الليل (٤). أدلتهم: أولا: احتجوا بما رواه النسائي (٥) من طريق أحمد بن أزهر عن عبد الرزاق عن

стр. 165

ابن جريج عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله بن عمر (١) عن حفصة (٢)، قالت؛ قال النبي ﷺ : "من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له" (٣). وقد اعترض الأحناف على الحديث باعتراضات عدة: ١ - أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة (٤)، وهذا الذي ذكروه من ضعف الحديث قاله جماعة من الحفاظ، فضعفوا رفعه إلى الرسول ﷺ ، ورجحوا أن الحديث موقوف. قال البخاري: هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف. وقال الترمذي: الموقوف أصح. وقال النسائي: الصواب عندي أنّه موقوف ولم يصح رفعه. وجوابنا على ذلك من وجهين: أ- أن جماعة من الحفاظ حكموا بصحته مرفوعا، منهم ابن خزيمة وابن حبان، وقال الحاكم (٥) في الأربعين: صحيح على شرط الشيخين. وقال في المستدرك: صحيح على شرط البخاري.

стр. 166

وقال البيهقي رواته ثقات إلا أنّه روي موقوفا (١). والسبب الذي من أجله ضعّفه لا يعتبر سببا قويا قويا لتضعيف الحديث، فكونه روي موقوفا، وروي مرفوعا، ليس سببا موجبا لتضعيفه، خاصة وأن الذي رفعه ثقة ثبت، بل إن روايته مرفوعا وموقوفا تعتبر سببا موجبا لقوة الحديث. يقول ابن حزم بعد أن ساق رواية النسائي: "وهذا إسناد صحيح، ولا يضر إسناد ابن جريج له، أن وقفه معمر (٢)، ومالك، وعبيد الله، ويونس، وابن عيينة (٣)، فابن جريج (٤) لا يتأخر عن أحد من هؤلاء في الثقة والحفظ". ثم قال: "والزهري (٥) واسع الدراية، فمرة يرويه عن سالم عن أبيه، ومرة عن حمزة عن أبيه، وكلاهما ثقة. وابن عمر كذلك مرة رواه مسندا، ومرة روي أن حفصة أفتت به، ومرة أفتى به هو". ثم يقول: "وكل هذا قوة للخبر" (٦).

стр. 167

وقال الخطابي: "أسنده عبد الله بن أبي بكر (١)، والزيادة من الثقة مقبولة" (٢). ب- وعلى التسليم لهم بضعف الحديث: فإنه قد روي موقوفا عن ثلاثة من الصحابة بأسانيد صحيحة، والصحابة الذين يروى موقوفا عليهم هم: ابن عمر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وعائشة بنت أبي بكر ﵃ جميعا (٣). وهؤلاء لا يعرف لهم مخالف من الصحابة أصلا، والأحناف يستعظمون مخالفة الصحابي الذي لم يعرف له مخالف. فإن قالوا: حديث عاشوراء يدل على جواز الصوم بنية من النهار، وهو أصح من هذا الحديث كما قاله ابن الهمام (٤)، فالجواب أن حديث عاشوراء لا يدل على مدعاهم كما سبق بيانه. ٢ - أنَّه من الآحاد، فلا يصلح ناسخا للكتاب (٥). وكون الزيادة على النص القرآني تعتبر نسخا لا يسلم لهم، كما بحثناه من قبل. ٣ - أنهم حملوه على صوم القضاء والنذر: وهذا تأويل بعيد كما يقول الآمدي: وإنما كان هذا التأويل بعيدا، لأن الصوم في الحديث نكرة، وقد دخل عليه حرف النفي، فكان ظاهره العموم في كل صوم، ثم المتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنمَّا هو الصوم الأصلي المتخاطب في اللغات: وهو الفرض والتطوع، دون ما وجوبه بعارض، ووقوعه نادر، وهو القضاء والنذر.

стр. 168

وقد أصاب الآمدي في ردّه عليهم عندما بين أنّ ترك ما هو قوي في العموم، وإخراج الأصل الغالب من النص، وإرادة العارض البعيد النادر- إلغاز في القول. وقرّب هذا بمثال ضربه، فالسيد إذا قال لعبده: "من دخل داري من أقاربي فأكرمه"، ثم قال: إنّما أردت قرابة السبب دون النسب، أو ذوات الأرحام البعيدة، دون العصبات القريبة، كان قوله منكرا مستبعدًا" (١). ٤ - وقالوا ليس معناه كما ذكرتم، بل إنَّ المراد بقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام"، أي لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل بأن نوى الصيام من وقت النية (٢). وهذا تأويل غريب للحديث، يبطله أدنى تأمل في نصّ الحديث، فقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" نص في أنّ مراد الرسول -صلى الله عليه ولمسلم- النيّة من الليل، لقوله: "يبيت" والتبييت فعل الأمر في البيات وهو الليل. ومما يوضح هذا الأمر رواية ابن عمر الموقوفة عليه "لا يصوم إلاّ من أجمع الصيام قبل الفجر"، وقالت عائشة مثل ذلك. وقالت حفصة: "لا صيام لمن لم يجمع قبل الفجر". فنص الحديث المرفوع، والأحاديث الموقوفة صريحة في إيجاب إيقاع النيَّة في الليل، وهذا التأويل الذي ذكروه لا وجه له، بل هو تمحل من قائله لنصرة المذهب، وهذا لا يجوز لهم. ٥ - قالوا أيضا: الحديث محمول على نفي الفضيلة أو الكمال، كقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٣). وجوابا أن هذا الحديث ضعيف (٤)، ولو ثبت لما صحت صلاة لجار المسجد

стр. 169

إلا في المسجد، ونظيره الصحيح قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١)، فنفي الشيء كالصلاة والصوم لعدم وجود شيء يدل على وجوبه لا استحبابه. ثانيا: احتج الموجبون للنيّة في الليل على أبي حنيفة وأصحابه بالقياس، فقاسوا صوم رمضان على القضاء والكفارة، بجامع الفرضية والوجوب في كل. وفرق الأحناف بين صوم الكفارة والقضاء وصوم رمضان بأن الوقت في رمضان متعين لصومه، أما في القضاء والكفارة فالوقت غير متعين لهما شرعا، لأنَّ خارج رمضان متعين للنفل، فلا يكون لغيره إلاّ بتعيينه، فإذا لم ينو من الليل صوما آخر بقي الوقت متعينا للتطوع فلا يملك تغييره (٢). فمناط التفرقة عندهم بين صوم القضاء والكفارة وصوم رمضان هو أن الوقت غير متعين للأولين، ولكنه متعين لصوم رمضان. وجوابنا أن وقت الصلاة قد يتضيق على المصلّي بألاّ يبقى إلاّ ما يكفي لصلاة الفرض، فهل تصحُّ صلاته فرضا إذا نوى أن يصليها نفلا. الأحناف هنا لا يخالفون غيرهم في أن الصلاة لا تصحُّ فرضا، على الرغم من أن الوقت لا يتسع لغير الفريضة، ولا فرق بين هذه الحالة وصوم رمضان. النيّة لكلّ يوم مذهب مالك وإسحق ورواية عن أحمد أنه يجزىء الصائم نيّة واحدة لجميع الشهر في أوله (٣). واستدلوا على ذلك بأدلة منها:

стр. 170

أولا: أن صوم الشهر عبادة واحدة. ثانيا: أنَّ الرسول ﷺ يقول: "ولكل امرىء ما نوى"، وهذا نوى صيام الشهر فله ما نوى. ثالثا: قاسوا الصوم على الحج، فالحج: طوافه، وسعيه، والوقوف بعرفه .... الخ، يجزىء بنية واحدة. وذهب الإِمام الشافعي وأبو حنيفة ورواية عن أحمد إلى القول بوجوب نيّة مستقلة لكلّ يوم (١). وهذا هو المذهب الراجح؛ لأنَّ صوم كلّ يوم عبادة مستقلة، يدل على ذلك أنَّ فساد بعض أيام الشهر لا يفسد بعضها الآخر. ولأنّه يتخلل صوم أيام الشهر ما ينافيها، إذ يباح في الليل الطعام والشراب والنكاح. وقد وهم من قاس أيام رمضان على أعمال الحج باعتبار التعدد للأفعال، لأن الحج عمل واحد، ولا يتم إلاّ بفعل ما اعتبره الشارع من المناسك، والإخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم إجزائه. حكم من ظهر له وجوب الصيام نهارا ما الحكم فيمن ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار، كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وكمن انكشف له من النهار أن ذلك اليوم من رمضان؟ أما على مذهب أبي حنيفة وأصحابه فالحكم واضح، إذ يعتبرون صوم من نوى قبل منتصف النهار صحيحا. وعلى مذهب القائلين بوجوب تبييت النية من الليل لا يصح صومهم، ولا خلاف في ذلك عند الشافعية (٢).

стр. 171

وقد نصَّ الشافعي ﵀ على أنَّ من أصبح لا يرى أن يومه من رمضان، ولم يطعم، ثم استبان ذلك له، فعليه صيامه وإعادته (١). وابن حزم يصحح صوم الناسي، والنائم، والجاهل، بنيّة من النهار، بل يرى أن هؤلاء إن أكلوا وشربوا وحصل منهم الجماع، ثم ظهر لهم أن يومهم من رمضان وجب عليهم الإِمساك، وأجزأ عنهم، وقد احتجَّ على ما ذهب إليه بأنَّ الرسول ﷺ أمر من أكل في نهار عاشوراء بالكفّ والِإمساك، ولم يثبت أنه أمرهم بالقضاء (٢). وابن حجر لم يرتض ذلك الاحتجاج: "لأن الأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء، فيحتمل أن يكون أمرا بالإمساك لحرمة الوقت، كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهارا، وكما يؤمر من أفطر يوم الشك ثم رأى الهلال، وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء. وقد بين ابن حجر أنَّ الرسول ﷺ أمر بالقضاء صريحا في حديث أخرجه أبو داود والنسائي، وفيه "أنَّ أسلم أتت النبي ﷺ فقال: "صمتم يومكم هذا"؟ قالوا: لا، قال: "فأتموا بقية يومكم واقضوه". ثم بيّن أنّه على تقدير عدم ثبوت هذا الحديث في الأمر بالقضاء فلا يتعين ترك القضاء، لأنَّ من لم يدرك اليوم بكماله لا يلزمه القضاء، كمن بلغ أو أسلم أثناء النَّهار" (٣). الليل كله وقت للنية لا تصح النية في بداية الليل، فلو نوى قبل دخول الليل بلحظة لم يصح (٤)،

стр. 172

وفي مذهب الحنابلة (١) "إن نوى من النهار صوم الغد لم تجزئه تلك النية إلاّ أن يستصحبها إلى جزء من الليل. وقد روى سعيد بن منصور عن أحمد: من نوى الصوم عن قضاء رمضان بالنهار، ولم ينو من الليل فلا بأس، إلا أن يكون فسخ النية بعد ذلك، فظاهر هذا حصول الإجزاء بنيّة من النّهار، إلاّ أن القاضي قال: هذا محمول على من استصحب النية إلى جزء من الليل، وهذا صحيح ظاهر، لقوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيّت النيّة من الليل". وكما لا تصح النية قبل الغروب لا تصح بعد انقضاء الليل ولو بلحظة، خلافا لأبي حنيفة كما سبق، وهل تصح مع الفجر؟ قال النووي: الصحيح لا تصح، لأنَّ أول وقت الصوم يخفى، فوجب تقديم النيّة عليه، بخلاف سائر العبادات (٢). والليل كلّه محل للنيّة، وقد خطَّأ علماء الشافعية وغيرهم أبا الطيب أسامة من الشافعية فيما ذهب إليه من أن النية لا تصح إلَّا بعد منتصف الليل، قال النووي: "واتفق أصحابنا على تغليطه" (٣). وقد قاس أبو الطيب الصوم على أذان الصبح والدفع من مزدلفة. قال النووي: وهو قياس عجيب، وأي علّة تجمعهما؟ ولو جمعتهما علّة فالفرق ظاهر، لأن اختصاص الأذان والدفع بالنصف الثاني لا حرج فيه، بخلاف النيّة، فقد يستغرق كثير من الناس النصف الثاني بالنوم، فيؤدي إلى تفويت الصوم، وفي هذا حرج شديد لا أصل له (٤). ومما يدل على خطئه أن قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيت الصوم من الليل" ليس فيه هذا التحديد الذي حدّه، بل يفهم منه أن من نوى في أي جزء من الليل صح صومه.

стр. 173

ومما يدل على بطلان قياسه أنَّ الأذان والدفع من مزدلفة "يجوزان بعد الفجر بخلاف نيّة الصوم، ولأن اختصاصهما بالنصف الأخير بمعنى تجويزهما فيه، واشتراط النية بمعنى الإيجاب والحتم وفوات الصوم بفواتها، وهذا فيه مشقة ومضرة بخلاف التجويز، ولأن معهما في النصف الأول لا يفضي إلى اختصاصهما بالنصف الأخير لجوازهما بعد الفجر، والنية بخلافه". ٣ - صوم النذر يجب تبييت النية من الليل في صوم النذر عند جماهير العلماء، لأنَّ النذر كالواجب، وبذلك قطع جمهور فقهاء الشافعية، وقد حكى بعضهم فيه وجهين بناء على أنّه يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع، أو جائزه ومندوبه؟ إن قلنا كواجب لم يصح بنيّة من النهار وإلا فيصح كالنفل. وجمهور فقهاء الشافعية لم يجروا الخلاف في هذه المسألة في الصوم المنذور كما أجروها في بقية المسائل، وذلك لأن الحديث هنا عام في اشراط تبييت النيّة للصوم، خص منه النفل بدليل، وبقي النذر على عمومه (١). ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أن النذر المعين يجوز بنيّة من النهار، لأنه كصوم رمضان، لأن الوقت متعين لصومه كما سبق. أمّا النذر المطلق فلا بدَّ له من نيّة من الليل، وذلك لأنَّ الوقت غير متعين لصيامه (٢)، وقد سبق أن بينا أنَّ هذا الذي اعتمدوه في التفرقة هنا، وفي غير هذا الموضع، لا يصحُّ أن يكون مفرقا. ٤ - صوم النفل الإمام مالك -رحمه الله تعالى- لا يجيز صوم النفل إلا بنية من الليل كالفرض،

стр. 174

وقال بهذا القول غير مالك عبد الله بن عمر، وزفر من الأحناف، وداود الظاهري، وتابعه ابن حزم، وبه قال المزني (١) من الشافعية، ونقل ابن المنذر عن مالك أنه استثنى من يسرد الصوم، فصحح نيّته من النهار (٢)، وحجة هؤلاء قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل". وذهب جماهير العلماء إلى أنَّ صوم النفل يصح بنية من النهار، وبذلك قال علي بن أبي طالب (٣)، وابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وطلحة، وابن عباس، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي، وسعيد بن المسيب (٤)، وسعيد بن جبير، والنخعي، وآخرون (٥). وقال ابن حزم: "قال بهذا جمهور السلف" (٦). واحتج هؤلاء بحديث عائشة ﵂ قالت: "دخل النبي ﷺ ذات يوم، فقال: "هل عندكم شيء؟ " قلنا: لا. قال: "فإنّي إذن صائم" (٧) وفي رواية قال: "إذن أصوم" (٨). وروى البيهقي والشافعي بالإسناد الصحيح عن حذيفة أنه بدا له الصوم بعد ما زالت الشمس (٩).

стр. 175

قالوا: حديث تبييت النية عام، فنخصه بما ذكرناه جمعا بين الأحاديث. ومع أن ابن حزم روى حديث عائشة السابق، وروى عن عشرة من الصحابة أنهم كانوا يعزمون على صوم النفل في النَّهار -إلاّ أنّه لم يقل بجواز صيام النفل بنية من النهار، قال: "لأنّه ليس في الحديث أنَّه ﵇ لم يكن نوى الصيام من الليل، ولا أنَّه ﵇ أصبح مفطرا ثم نوى الصوم بعد ذلك، ولو كان هذا في ذلك الخبر لقلنا به، لكن فيه أنَّه ﵇ كان يصبح متطوعا صائما ثم يفطر، وهذا مباح عندنا .... ، فلما لم يكن في الخبر ما ذكرنا، وكان قد صحَّ عنه ﵇: "لا صيام لمن لم يبيته من الليل "، لم يجز أن نترك هذا اليقين لظن كاذب، ولو أنه ﵇ أصبح مفطرا ثمَّ نوى الصوم نهارا لبينه" (١). وتابع الصنعانيُّ من المتأخرين ابنَ حزم فيما ذهب إليه، فبعد أن ساق حديث عائشة الذي احتج به الجمهور قال: "فالجواب عنه أنّه أعمّ من أن يكون بيَّت الصوم أو لا، فيحمل على التبييت، لأنّ المحتمل يردّ إلى العامّ ونحوه" (٢). ثم قال: "والأصل عموم حديث التبييت، وعدم الفرق بين الفرض والنفل والقضاء والنذر، ولم يقم ما يرفع هذين الأصلين فتعين البقاء عليهما" (٣). والجواب على ما ذكراه: أولا: أنّ ابن حزم تناقض هنا تناقضا بينا، فهو يرى "أن من نوى في حال صيامه أنّه تارك للصوم عامدا بذلك ذاكرا لصومه، إلاّ أنه لم يأكل، ولم يشرب، ولا وطىء، ولا فعل فعلا ينقض الصوم، فإن صومه قد بطل وأنّه أفطر" (٤). ووجه التناقض أنّه يرى أن من نوى قطع الصوم وتركه فإن صومه يبطل،

стр. 176

والرسول ﷺ عندما دخل على عائشة طلب طعاما ليأكله، فلما لم يجد شيئًا قال: إني صائم، فإذا كان نوى الصوم من الليل، وكان الصوم لا يجزئ بنية إلاّ من الليل، فعلى قول ابن حزم يعتبر صيام الرسول ﷺ باطلا. ولما لم يكن باطلا حتما، فيلزمه أحد أمرين: الأوّل: القول بأنّ من عزم على قطع نية الصوم أو تركه لا يبطل صومه بذلك. والثاني: أن يجيز الصوم بنية من النَّهار. ثانيا: ورد في رواية البيهقي "إذن أصوم"، كما ورد عن الصحابة الذين روى ابن حزم أقوالهم ما يدلّ على أنهم كانوا يحدثون النية من النّهار، فعائشة تقول: "إني لأصبح يوم طهري، وأنا أريد الصوم، فأستبين طهري فيما بيني وبين نصف النهار، فأغتسل، وأصوم". وروي عن عبيد الله بن عمر"أن أبا هريرة كان يصبح مفطرا، فيقول: هل من طعام؟ فيجده أو لا يجده، فيتم ذلك اليوم". "وسأل رجل علي بن أبي طالب، فقال: أصبحت ولا أريد الصوم؟ فقال له علي: أنت بالخيار بينك وبين نصف النهار، فليس لك أن تفطر". وكذلك قال أكثر من صحابي (١). والصحابة أعلم بالتنزيل وبمراد الرسول ﷺ منّا، خاصّة ورواية البيهقي تكاد تكون صريحة في أنّ الرسول ﷺ أحدث النية من النهار. المدى الذي يصح أن يحدث فيه النية من النهار: ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنَّ المتنفل يجوز له أن يحدث الصوم بنيّة من النهار، إلا أنهم حدوا منتصف النهار كحدّ أقصى، فلا يجوز عندهم أن ينوي

стр. 177

الصوم بعد منتصف النهار (١)، قالوا: "لأنَّ الصوم هو الإمساك عن الغداء، وتأخير العشاء إلى اللّيل، وبعد الزوال لا يجوز؛ لأنّه لم يوجد الِإمساك عن الغداء لله تعالى" (٢). وذهب الشافعي في القديم إلى القول بقولهم، وذهب في الجديد إلى صحة صوم من نوى بعد الزوال، وهو قول معظم أصحاب الشافعي، وقال الأصحاب بناء على ذلك: "يصحّ في أيّ لحظة، لكن يشترط ألاّ يتصل غروب الشمس بالنيّة، بل يقى بينهما زمن ولو أدنى لحظة" (٣). وهذا مذهب الحنابلة أيضا أنّه: "يصحّ صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، هذا هو المذهب، نصّ عليه، وعليه أكثر الأصحاب" (٤). وهذا القول هو الراجح؛ لأن النصوص الدالة على جواز الصوم بالنيّة من النهار لم تفرق بين إحداث النية قبل الزوال وبعده. شروط من أجاز صوم النفل بنية من النهار: يشترط الذين يقولون بصحة صيام من أحدث النية من النهار -ألا يأتي بمناف قبل أن ينوي من أكل أو شرب أو جماع. "وذهب أبو العباس بن سريج (٥)، ومحمد بن جرير الطبري إلى أنَّ من شرب أو أكل أو جامع من النهار، ثم نوى بعد ذلك الصوم تطوعا صحَّ صومه" (٦).

стр. 178

قال النووي: "وهذا خلاف قول جماهير العلماء" (١). ويدلّ على بطلان هذا القول أن القرآن اشترط الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى الليل، فهذا الذي تناول المفطرات عمدا في النهار لا يصحّ الصوم منه، لأنّه أكل بعد الفجر، فالشارع أباح تأخير النية، ولم يبح ابتداء الصوم لمن تناول مفطرا من النهار. المقدار الذي يثاب عليه الناوي من النهار: قال الشافعي يثاب من حين نوى (٢)، ويمكن أن يحتجّ له بقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلّ امرىء ما نوى"، فهذا لم ينو الصوم إلاّ بعد مضي جزء من النهار، فليس له من الثواب إلا المقدار الذي نواه. وهذا مذهب الحنابلة، قال صاحب الإنصاف: "الثواب من وقتِ النية على الصحيح من المذهب" (٣). ولعل ما ذهب إليه الأحناف (٤) - من أنَّه يثاب على النّهار كلّه أصحّ، لأنه يلزم على قول الشافعية والحنابلة أن يكون الصوم متجزئا، ونحن نعلم أنّ الصوم إنما يكون يوما كاملا من الفجر إلى الليل، وهذا أمسك النَّهار كلَّه وأخر النية، وفضل الله واسع فلا يحجر، فيثاب الناوي نهارا على اليوم كلّه، كما يثاب من يدرك بعض صلاة الجماعة ثواب الجماعة، وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فضل الله تعالى.

стр. 179

الفصل الثالث صفة النِّيَّة

стр. 180

صفة النية تمهيد المطلوب إلى الناوي أن يقصد العبادة قصدا يحددها بحيث لا تلتبس بغيرها. وتختلف أنظار العلماء في الأمور التي تميز العبادة، بعد اتفاقهم على الأصل، وهو وجوب تميز العبادة في النيّة. صفة نيّة الطهارة إذا نوى مطلق الطهارة: (١) إذا نوى مطلق الطهارة بوضوئه وغسله ففي صحة ذلك منه قولان في مذهب المالكية والشافعية والحنابلة: أصح القولين عند الحنابلة الصحة، وعند الشافعية عدم الصحة، وقد نصّ الشافعي في البويطي على الصحّة، وتأوله جمهور أصحابه على إرادة طهارة الحدث، وممن مال إلى الصحة النووي ﵀. الذين قالوا بعدم الإجزاء علَّلوا ذلك بأن الوضوء والغسل الشرعيين لا يتميزان بنية الطهارة المطلقة، لأنَّ الطهارة قد تكون عن حدث، وقد تكون عن نجس، فلا بدَّ من تمييز طهارة الحدث عن طهارة النجس. والمصححون قالوا: إذا أطلقت الطهارة انصرفت إلى الطهارة الشرعية التي هي رفع الحدث، ويتأيد هذا -كما يقول النووي- بأن المتطهر في الوضوء يقوم بغسل مخصوص بطريقة مخصوصة تبعد إرادة النجس، ومثله الغسل إذا قام به
следующие страницы →