← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 97808

مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (511 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والرسول ﷺ عندما دخل على عائشة طلب طعاما ليأكله، فلما لم يجد شيئًا قال: إني صائم، فإذا كان نوى الصوم من الليل، وكان الصوم لا يجزئ بنية إلاّ من الليل، فعلى قول ابن حزم يعتبر صيام الرسول ﷺ باطلا. ولما لم يكن باطلا حتما، فيلزمه أحد أمرين: الأوّل: القول بأنّ من عزم على قطع نية الصوم أو تركه لا يبطل صومه بذلك. والثاني: أن يجيز الصوم بنية من النَّهار. ثانيا: ورد في رواية البيهقي "إذن أصوم"، كما ورد عن الصحابة الذين روى ابن حزم أقوالهم ما يدلّ على أنهم كانوا يحدثون النية من النّهار، فعائشة تقول: "إني لأصبح يوم طهري، وأنا أريد الصوم، فأستبين طهري فيما بيني وبين نصف النهار، فأغتسل، وأصوم". وروي عن عبيد الله بن عمر"أن أبا هريرة كان يصبح مفطرا، فيقول: هل من طعام؟ فيجده أو لا يجده، فيتم ذلك اليوم". "وسأل رجل علي بن أبي طالب، فقال: أصبحت ولا أريد الصوم؟ فقال له علي: أنت بالخيار بينك وبين نصف النهار، فليس لك أن تفطر". وكذلك قال أكثر من صحابي (١). والصحابة أعلم بالتنزيل وبمراد الرسول ﷺ منّا، خاصّة ورواية البيهقي تكاد تكون صريحة في أنّ الرسول ﷺ أحدث النية من النهار. المدى الذي يصح أن يحدث فيه النية من النهار: ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنَّ المتنفل يجوز له أن يحدث الصوم بنيّة من النهار، إلا أنهم حدوا منتصف النهار كحدّ أقصى، فلا يجوز عندهم أن ينوي

стр. 177

الصوم بعد منتصف النهار (١)، قالوا: "لأنَّ الصوم هو الإمساك عن الغداء، وتأخير العشاء إلى اللّيل، وبعد الزوال لا يجوز؛ لأنّه لم يوجد الِإمساك عن الغداء لله تعالى" (٢). وذهب الشافعي في القديم إلى القول بقولهم، وذهب في الجديد إلى صحة صوم من نوى بعد الزوال، وهو قول معظم أصحاب الشافعي، وقال الأصحاب بناء على ذلك: "يصحّ في أيّ لحظة، لكن يشترط ألاّ يتصل غروب الشمس بالنيّة، بل يقى بينهما زمن ولو أدنى لحظة" (٣). وهذا مذهب الحنابلة أيضا أنّه: "يصحّ صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، هذا هو المذهب، نصّ عليه، وعليه أكثر الأصحاب" (٤). وهذا القول هو الراجح؛ لأن النصوص الدالة على جواز الصوم بالنيّة من النهار لم تفرق بين إحداث النية قبل الزوال وبعده. شروط من أجاز صوم النفل بنية من النهار: يشترط الذين يقولون بصحة صيام من أحدث النية من النهار -ألا يأتي بمناف قبل أن ينوي من أكل أو شرب أو جماع. "وذهب أبو العباس بن سريج (٥)، ومحمد بن جرير الطبري إلى أنَّ من شرب أو أكل أو جامع من النهار، ثم نوى بعد ذلك الصوم تطوعا صحَّ صومه" (٦).

стр. 178

قال النووي: "وهذا خلاف قول جماهير العلماء" (١). ويدلّ على بطلان هذا القول أن القرآن اشترط الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى الليل، فهذا الذي تناول المفطرات عمدا في النهار لا يصحّ الصوم منه، لأنّه أكل بعد الفجر، فالشارع أباح تأخير النية، ولم يبح ابتداء الصوم لمن تناول مفطرا من النهار. المقدار الذي يثاب عليه الناوي من النهار: قال الشافعي يثاب من حين نوى (٢)، ويمكن أن يحتجّ له بقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلّ امرىء ما نوى"، فهذا لم ينو الصوم إلاّ بعد مضي جزء من النهار، فليس له من الثواب إلا المقدار الذي نواه. وهذا مذهب الحنابلة، قال صاحب الإنصاف: "الثواب من وقتِ النية على الصحيح من المذهب" (٣). ولعل ما ذهب إليه الأحناف (٤) - من أنَّه يثاب على النّهار كلّه أصحّ، لأنه يلزم على قول الشافعية والحنابلة أن يكون الصوم متجزئا، ونحن نعلم أنّ الصوم إنما يكون يوما كاملا من الفجر إلى الليل، وهذا أمسك النَّهار كلَّه وأخر النية، وفضل الله واسع فلا يحجر، فيثاب الناوي نهارا على اليوم كلّه، كما يثاب من يدرك بعض صلاة الجماعة ثواب الجماعة، وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فضل الله تعالى.

стр. 179

الفصل الثالث صفة النِّيَّة

стр. 180

صفة النية تمهيد المطلوب إلى الناوي أن يقصد العبادة قصدا يحددها بحيث لا تلتبس بغيرها. وتختلف أنظار العلماء في الأمور التي تميز العبادة، بعد اتفاقهم على الأصل، وهو وجوب تميز العبادة في النيّة. صفة نيّة الطهارة إذا نوى مطلق الطهارة: (١) إذا نوى مطلق الطهارة بوضوئه وغسله ففي صحة ذلك منه قولان في مذهب المالكية والشافعية والحنابلة: أصح القولين عند الحنابلة الصحة، وعند الشافعية عدم الصحة، وقد نصّ الشافعي في البويطي على الصحّة، وتأوله جمهور أصحابه على إرادة طهارة الحدث، وممن مال إلى الصحة النووي ﵀. الذين قالوا بعدم الإجزاء علَّلوا ذلك بأن الوضوء والغسل الشرعيين لا يتميزان بنية الطهارة المطلقة، لأنَّ الطهارة قد تكون عن حدث، وقد تكون عن نجس، فلا بدَّ من تمييز طهارة الحدث عن طهارة النجس. والمصححون قالوا: إذا أطلقت الطهارة انصرفت إلى الطهارة الشرعية التي هي رفع الحدث، ويتأيد هذا -كما يقول النووي- بأن المتطهر في الوضوء يقوم بغسل مخصوص بطريقة مخصوصة تبعد إرادة النجس، ومثله الغسل إذا قام به

стр. 181

بالكيفية الثابتة عن الرسول ﷺ . إذا نوى الغسل أو الوضوء: (١) أما إذا نوى الغسل أو الوضوء فينبغي أن نقول بالإجزاء لأنَّ التحديد هنا واضح، إلا أنَّ بعض العلماء لم يكتف بهذا التحديد، ومنهم الروياني من الشافعية، فقد ذهب إلى أنَّ الجنب لو نوى الغسل لا يجزئه، لأنَّه قد يكون عادة، وقد يكون مندوبا. وقالوا أيضا: الوضوء قد يكون تجديدا فلا يرفع حدثا. إلاّ أنَّ الراجح من أقوال العلماء القول بالِإجزاء، بل القول بالإجزاء هنا أولى منه في المسألة السابقة. أما إذا نوى بوضوئه الطهارة المفروضة، أو نوى فرض الوضوء، أو الغسل المفروض، فذلك يجزئه بلا خلاف. قال إمام الحرمين: "قطع به أئمة المذهب". إذا نوى المتطهر رفع الحدث: لا خلاف في أن المتوضىء أو المغتسل إذا نوى رفع الحدث فإنه يجزئه، إلاّ إذا كان المتطهر به حدث دائم كالاستحاضة وسلس البول، فالصحيح في مذهب الشافعية والحنابلة أنه لا يجزئه، لأنَّ حدث هؤلاء لا يرتفع مع جريانه، والذي نصَّ عليه معظم الشافعية والحنابلة أنَّ على هؤلاء أن ينووا استباحة الصلاة (٢). إذا نوى المتطهر الطهارة لأمر لا يستباح إلا بها: لا خلاف بين العلماء في أن من نوى بوضوئه أمرا لا يستباح إلاّ بالوضوء أنَّ حدثه يرتفع ويستبيح الذي نواه وغيره، وعندما حكى الشافعي ﵀ وجها أن الحدث لا يرتفع بهذه النيّة غلَّط النووي قائله، وقال: هذا غلط وخيال عجيب.

стр. 182

وخالف بعض العلماء في المرأة تغتسل من الحيض والنفاس بنيّة استباحة وطء الزوج، فقالوا: لا تستبيح الصلاة به، والأصح الصحة، لأنَّ الحائض مأمورة بذلك شرعا (١). إذا نوى ما تستحب له الطهارة: أما إذا توضأ لأمر تستحب له الطهارة كالجلوس في المسجد، وقراءة القرآن، فقد ذهب المالكية والشافعية في أصحّ القولين عندهم إلى أنّ ذلك لا يجزئه، لأنّ الجلوس في المسجد ونحوه يستباح من غير طهارة. وقد صحّح جمع من علماء المالكية والشافعية وضوءه، ونصوا على أن حدثه يرتفع بذلك، بل إن ظاهر كلام الشافعي في الأم، وكلام المزني أن من نوى ما يستحب له الطهارة تصح صلاته، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، وفي المسألة قولان في مذهب الحنابلة، الراجح عندهم ارتفاعه (٢). إذا نوى ما لا تشرع الطهارة له: إذا قصد ما لا تشرع له الطهارة كالتبرد، ونظافة أعضائه من وسخ أو طين أو تطهير لأجل دخول السوق، أو السلام على الأمير، أو لبس الثوب والصيام، وعقد البيع، والنكاح، والخروج إلى السفر، ولقاء القادم ونحو ذلك فلا يجزئه قولا واحدا (٣). إذا نوى من عليه أحداث رفع أحدها: في مذهب الحنابلة فمن نوى رفع أحد الأسباب وعليه غيره في الوضوء أو الغسل أنه يرتفع سائرها، هذا هو المذهب الصحيح، وقيل لا يرتفع إلا ما نواه (٤). وفي مذهب الشافعية خمسة أوجه: (٥)

стр. 183

الأول: يصح وضوؤه، لأن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع واحد ارتفع الجميع، وهذا أصح الأقوال. الثاني: لا يصح مطلقا لأنه لم ينو رفع جميع الأحداث. الثالث: إن نوى رفع الحدث الأول صحّ، وإن نوى ما بعدّه لم يصح، لأنَّ الذي أوجب الطهارة هو الأول دون ما بعده. الرابع: إن نوى رفع الأخير صحّ وضوؤه وإلا فلا، لأن ما قبل الأخير اندرج فيه. الخامس: إن اقتصر على نيّة رفع أحد الأحداث صح وضوؤه، وإن نفى غيره فلا. والصواب في هذه المسألة أن الحدث يرتفع بنيّة رفع واحد من الأحداث التي عليه، لأنه لا يجب عليه أن ينوي رفع حدث معين بل يجزئه أن ينوي رفع الحدث مطلقا، وقد بين المزني ﵀ هذه المسألة غاية البيان، فقال: "ليس على المحدث عندي معرفة أي الأحداث كان منه، وإنما عليه أن يتطهر للحديث، ولو كان عليه معرفة أي الأحداث كان منه، كما كان عليه معرفة أي الصلوات عليه لوجب لو توضأ من ريح ثم علم أنَّ حدثه البول، أو اغتسلت المرأة تنوي الحيض، وإنما كانت جنبا، أو من الحيض، وإنما كانت نفساء، لم يجزىء أحد منهم، حتى يعلم الحدث الذي تطهر منه، ولا يقول بهذا أحد نعلمه" (١). يوضح هذه المسألة أنَّ الحدث له في اصطلاح الفقهاء معنيان: الأول: الأسباب الموجبة له، يقال: أحدث إذا خرج منه ما يوجب الوضوء. الثاني: المنع المرتب على هذه الأسباب، فإنَّ من صدر منه سبب من هذه الأسباب فقد منعه الله من الِإقدام على هذه العبادة حتى يتوضأ.

стр. 184

والقصد إلى رفع الحدث الذي هو السبب محال، لاستحالة رفع الواقع فيتعين أن يكون المنوي هو رفع المنع، وإذا ارتفع المنع تثبت الِإباحة. ولذلك نصَّ جماهير الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة والأحناف على أن من غلط في تحديد سبب الحدث فلا يضرّه ذلك، لأن التحديد غير مراد (١). النية للتيمم يرى جماهير العلماء أنَّ التيمم لا يرفع الحدث، وقد استدلُّوا على ذلك بالحديث الذي يوجب على المتيمم الوضوء إذا وجد الماء: "الصعيد الطيب وضوء المسلم، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" (٢). وبناء على هذا القول فلا يجزىء عن المتيمم أن ينوي رفع الحدث، والواجب على قول هؤلاء أن ينوي استباحة الصلاة، أو استباحة ما لا يباح إلاّ بالطهارة. وذهب داود الظاهري وأبو حنيفة وبعض المالكية إلى أنَّ التيمم يرفع الحدث، واستدلوا بأنَّ الله -تعالى- جعل التيمم بدلا عن الماء فحكمه حكمه، وبأنَّه ﷺ سماه طهورا، وسماه وضوءا. والحقُّ أن التيمم يقوم مقام الماء، ويرفع الجنابة رفعا مؤقتا إلى حال وجدان الماء، أما أنّه يقوم مقام الماء فلأنَّ الله -تعالى- جعله عوضا عنه عند عدمه، والأصل أنه قائم مقامه في جميع أحكامه، فلا يخرج عن ذلك إلاّ بدليل، وأما أنّه إذا وجد الماء اغتسل فلقوله ﷺ : "فإذا وجد الماء، فليتق الله، وليمسَّه بشرته"، فإنَّ الأظهر أنه أمر بإمساسه الماء لسبب قد تقدم على وجدان الماء إذ إمساسه لما يأتي من أسباب وجوب الغسل أو الوضوء معلوم من الكتاب والسنة، والتأسيس خير من التأكيد.

стр. 185

وهذا القول اختيار الصنعاني من المتأخرين، وهو قول قوي كما يبدو، وبناء على قول القائلين بأن التيمم يرفع الحدث، فإنه يجوز للمتيمم أن ينوي رفع الحدث ويجزئه. فإذا قصد بالتيمم ما يستحب له الطهارة فمذهب أبي حنيفة أن ذلك يجزئه ويصلي به الفريضة، ومذهب الأئمة الثلاثة أن ذلك لا يجزئه، لأنَّ التيمم لا يرفع الحدث عندهم، ولذلك لم يعطوه حكم الوضوء، وقد علمنا أن التحقيق في المسألة أنَّه يرفع الحدث رفعا مؤقتا (١).

стр. 186

صفة النيّة في العبادات الواجبة صفة النيّة في الزكاة والحج والعمرة إذا أراد العبد أن يأتي بعبادة من العبادات الواجبة فلا بد له أن ينوي فعل العبادة لتمتاز عن سائر الأفعال. ثم من العبادات ما يكفي فيه نيّة الفعل فحسب كالزكاة، لأن اسم الزكاة لا يطلق إلا على العبادة المفروضة، وما يتطوع به يسمى صدقة، وهذا هو المعتمد في مذهب الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، وخالف بعض الشافعية والحنابلة فأوجبوا التعرض لنية الفرضية، إلاّ أنَّ محققي المذهبين ردوا هذا القول ولم يرضوه. أما إذا نوى الصدقة فلا تجزىء عن الزكاة ما لم ينو الصدقة المفروضة، لأن الصدقة تكون واجبة أو تطوعا، فيحتاج إلى نيّة الفرضية كي يميزها عن التطوع (١). ومثل الزكاة الحجّ والعمرة، فقد أجمع الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم على أن من نوى بإحرامه نيّة مطلقة في حج الفريضة لا يعين حجة الفريضة، ولا الإفراد أو القران أو التمتع فإن إحرامه صحيح، واستدلوا على جواز الحج بنية مطلقة بأنّه صح بنيّة مبهمة، كما في حديث أبي موسى الأشعري قال: قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: "بم أهللت"؟ قلت: لبيت بإهلال كإهلال رسول الله. قال: "أحسنت"، فأمرني فطفت بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم قال: (حُلّ) (٢).

стр. 187

وروى جابر (١) وأنس أنَّ عليا قدم من اليمن على رسول الله ﷺ فقال له النبي ﷺ "بم أهللت"؟ قال: أهللت بما أهل به النبيُّ ﷺ قال: "فاهد، وامكث حراما"، وقال أنس: قال رسول الله ﷺ : "لولا أنّ معي الهدي لحللت" (٢). والسبب في أمره لأبي موسى بالإِحلال أنه لم يسق الهدي، أمّا علي فقد ساق الهدي، فأمره أن يبقى محرما. فأنت ترى أن أبا موسى وعليا قد أحرما بنيّة مبهمة، فكذلك من حج بنية مطلقة. بل إن الشافعي وأحمد وإسحق يذهبون إلى أبعد من هذا، فهم يرون أن من نوى التطوع بحجة، أو نوى الحج عن غيره، وعليه حج الفريضة، فإنّه لا ينعقد عن غيره، ويقع عن نفسه. وخالفهم فيما ذهبوا إليه الإِمام مالك وأبو حنيفة والثوري، وقالوا: من حج عن غيره وقع عن المحجوج عنه، ومن نوى التطوع كان تطوعا، وإن لم يحج الفريضة. وحجة الشافعي ومن معه حديث الصحابي الحاجّ عن شبرمة حيث أمره الرسول ﷺ أن يحجّ عن نفسه، ثم يحجّ عن شبرمة (٣). وليس لهم حجة في الحديث غاية ما يفيده أنه أمره بفسخ نية وصرفها إلى الحجّ عن نفسه، ولا يستفاد منه أنَّ الذي قصد الحج عن غيره يقع حجة عن نفسه إن لم يسبق له حج.

стр. 188

واحتج الفريق الثاني بقوله ﷺ : "وإنما لكلّ امرىء ما نوى"، وهؤلاء نووا الحج عن غيرهم، أو نووه تطوعا، فلا يقع إلاّ على الوجه الذي نووه. ويشهد لصحة قولهم حديث الخثعمية التي قالت للرسول ﷺ إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا كبيرا لا يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم، حُجي عن أبيك"، ولم يستفسر الرسول ﷺ وترك الاستفسار مع وجود الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال (١).

стр. 189

صفة النية في الصوم أما الصوم فلا يتأدى بمجرد نية الفعل، بل لا بد من أن ينوي صوم رمضان، والسبب في هذا أنَّ الصوم منه التطوع ومنه الواجب، والواجب قد يكون عن رمضان أو كفارة أو نذر، ولا يتميز رمضان عما سواه إلاّ بقصده قصدا واضحا بحيث لا يختلط بغيره. وهذا مذهب الِإمام مالك والشافعي، وأحمد في أظهر روايتيه، بل إنَّ هؤلاء الأئمة الأعلام قالوا بوجوب نيّة الفرضية في الصوم، وممن قال بذلك إسحق وداود الظاهري، وإن كان الأرجح في مذهب الشافعية والحنابلة عدم اشتراطها. وخالف الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- وجميع أصحابه، فقالوا: يتأدى صوم شهر رمضان بنية مطلقة من المقيم الصحيح، بل ويتأدى عندهم بنيّة النفل، ونيّة القضاء والكفارة، وحجّة أبي حنيفة عدم قابلية المحل؛ لأن شهر رمضان متعين لصوم الفرض لمن شهده صحيحا غير مريض، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). والصحيح المقيم شهد الشهر وصامه، فيخرج من العهدة. وقد أوردنا فيما سبق اعتراض الشافعي ﵀ أن الواجب الموسع قد يتضيق كما لو أخر صلاة الظهر إلى آخر وقتها بحيث لم يبق من الوقت إلا ما يكفي صلاة الفرض، فيلزم الأحناف بناء على ذلك القول بأن الفريضة هنا تتأدى بنية النافلة، إلا أن الأحناف يفرقون بين ما تضيق بحكم شرعي أصلي كرمضان، وبين

стр. 190

ما تضيق بفعل الإنسان، كما في تأخير الصلاة إلى آخر وقتها، وكما في نذر يوم بعينه، فالأول يتأدى ولو نوى به شيئًا آخر، والثاني: لا يتأدى إلاّ بقصده بعينه. وأقوى ما يردّ به على هؤلاء قوله ﷺ : "وإنما لكلِّ امرىء ما نوى"، وهذا لم ينو الفرض أو رمضان، فلا يحصل له؛ وقد تناقض الأحناف هنا، فقد قالوا في الحجّ: إنّه لا يتأدى بنيّة النفل إذا كان عليه حجّة الفريضة، وإذا نوى من عليه حجّة الإسلام عن غيره فإنه يقع عن المحجوج عنه، واحتجوا بقوله ﷺ : "وإنما لكلِّ امرىء ما نوى"، ولكنهم لم يسيروا على النسق نفسه في الصيام مما جعل مخالفيهم يرمونهم بالتناقض، إلاّ أنَّ الأحناف رفضوا ذلك، وقالوا: شهر رمضان متعين للصوم لمن شهده صحيحا، بخلاف وقت الحج فإنّه لم يتمحض للحجّ. ولكن أين الدليل على أنَّ ما تعين وقته للعبادة بحيث يصبح ظرفا لها لا يحتاج إلى تعيينه، ويصحّ أداؤه بنية النفل؟! وما الذي أخرج هذه الصورة من الحدث "إنما الأعمال بالنيات"؟! أما استدلالهم بالآية فلا حجة فيه، فالآية تأمر بالصوم الشرعي، والصوم الشرعي لا بدَّ له من النية التي تحدده وتميزه، وإلاّ لم يكن صياما، وفي الحدث (١) "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" (٢).

стр. 191

صفة النيّة في الصلاة أما الصلاة فقد اتفق الفقهاء على أنه لا يكفي فيها مجرد نية الفعل، بل لا بد من تعيين العبادة المنوية، ظهرا أو عصرا أو مغربا .. ، وهذا الاشتراط كي تتميز الفريضة عن النافلة، وكي تتميز صلاة الظهر عن العصر والمؤداة عن المقضية، ويكفيه أن ينوي الظهر أو العصر، لأن ظهر الوقت هو المشروع الأصلي فيه، وغيره عارض، فعند الإطلاق ينصرف إلى ما هو الأصل، كمطلق اسم الدرهم؛ فإنه ينطلق إلى نقد البلد، وهذا يردُّ قول من يقول: إنَّه لا يكفيه أن ينوي صلاة الظهر أو العصر. وهل يجب مع نيته الظهر أو العصر أن ينوي الفريضة؟ رجح كثير من الحنابلة والشافعية إيجاب ذلك، والراجح أن إضافة الصلاة إلى الوقت تكفي في التحديد والتمييز، وهذا قول قويّ عند الشافعية والحنابلة وغيرهم، أما إذا نوى الصلاة المفروضة فهذا لا يكفي لعدم التحديد (١). نية الجماعة (٢) اتفق الشافعي وأصحابه على أنّه يشترط لصحة الجماعة أن ينوي المأموم الجماعة والاقتداء والائتمام، وهذا مذهب الحنابلة، وقال المالكية بوجوب نية الإِمامة في كلّ موضع تشترط فيه الجماعة، وقد حدَّدها بعضهم في خمسة مواضع: الجمعة، والجمع، والجنائز، والخوف، والاستخلاف. أما الصلوات التي

стр. 192

لا تشرط فيها الجماعة فإن عدم نية المأموم الجماعة لا يبطل الصلاة عند المالكية، ولكنّها لا تقع جماعة عندهم بل تصح منفردا. وحجّة الذين قالوا بوجوب نيّة الجماعة: أن صلاة الجماعة عمل، لأنَّ لها وصفا زائدا على صلاة الفرادى بالاجتماع والمتابعة، فلا بدّ من الإتيان بها لقول الرسول ﷺ "إنما الأعمال بالنيات". وهل يلزم الإمام نيّة الِإمامة؟ صحيح الشافعية والأحناف عدم الاشتراط، ويرى الِإمام أحمد الاشتراط، وعندما احتج مخالفوه بأنَّ الصحابة اقتدوا بالرسول ﷺ وهو يصلّي من الليل في رمضان، وكذلك ابن عباس اقتدى بالرسول ﷺ عندما قام يصلّي من الليل بعد أن كبر الرسول ﷺ لم يرتض الإمام ذلك، لأن هذه الصلوات نوافل وهو يفرق بين الفريضة والنافلة في هذا الجانب. ولكن ورد ما يدلّ على أنّ الاقتداء حصل أمام الرسول ﷺ وبإرشاده بعد التكبير، وذلك عندما جاء أحد الصحابة متأخرا عن صلاة الجماعة، وقام يصلي منفردا، فقال الرسول ﷺ : "من يتصدّق على هذا"، فقام صحابي فصلى معه. وممن قال بقول أحمد الأوزاعي (١) والثوري وإسحق والشوكاني (٢). واشترطها أبو حنيفة في حالة وهي أن يكون المأمومون نساء. نيّة القضاء والأداء (٣) ينصُّ فقهاء المذاهب على أنَّه لا تشترط نية قضاء في فائتة، وأداء في حاضرة،

стр. 193

بل يرى كثير منهم أنه لو صلَّى القضاء بنية الأداء أو العكس، صحت صلاته إذا كان مخطئا. نية الجمع في اشتراط نية الجمع قولان في مذهب الحنابلة (١) والشافعية، الأصح عدم الاشتراط. يقول ابن حجر: "رجح كثير من الشافعية أن جمع التقديم تلزمه نيَّة الجمع، وخالفهم شيخنا شيخ الِإسلام، واستدلَّ له بمفهوم حديث: "إنما الأعمال بالنيات"، فما ليس بعمل لا تشترط له النيّة، وجمع التقديم ليس بعمل" (٢). ويقول السيوطي: "استدل البلقيني (٣) بحديث "إنَّما الأعمال .. ". على ما اختاره من أن جمع التقديم لا يشترط فيه النية، قال: لأن الجمع ليس بعمل إنما العمل الصلاة، ويقوي ذلك أنه ﷺ جمع في غزوة تبوك، ولم يذكر ذلك للمأمومين الذين خلفه ولو كان شرطا لأعلمهم به" (٤). وذكر السيوطي عن البلقيني أيضا أنه لا يوجب نيّة الجمع في جمع التأخير. صفة النية في النوافل يرى الأحناف أنَّ النوافل والسنن من صلاة وصوم وحج مطلقة أو مقيدة تتأدى بنية مطلقة. ويقول ابن الهمام: (٥) "المحققون على عدم اشتراطها "وعللوا ذلك

стр. 194

بأن" معنى السنية كون النافلة مواظبا عليها من النبي ﷺ بعد الفريضة المعينة وقبلها، فإذا أوقع المصلي النافلة في ذلك المحلّ صدق عليه أنَّه فعل الفعل المسمى نية ... " (١). ويقول الكاساني: (٢) "إن كان يصلي التطوع تكفيه نية الصلاة، لأنّه ليس لصلاة التطوع صفة زائدة على أصل الصلاة ليحتاج إلى أن ينويها، فكان شرط النيّة فيها لتصير لله تعالى، وأنها تصير لله تعالى بنية مطلق الصلاة، ولهذا يتأدى صوم النفل خارج رمضان بمطلق النية" (٣). هذا مذهب الأحناف أمّا الشافعية والحنابلة والمالكية فقد قسموا النوافل إلى قسمين: (٤) الأول: نوافل مقيدة أو معينة أو ذوات أسباب: كصلاة الاستسقاء، وصلاة الكسوف، والسنن الرواتب، والوتر، ونحوها، فهذه مقيدة بأزمانها أو بأسبابها، فلا بد من نيَّة التعيين فيها، فمن افتتح الصلاة من حيث الجملة، ثم ردّها لهذه لم يجزىء. وقد يحصل بينهم خلاف في عدّ بعض العبادات نوافل مقيدة، فتحتاج إلى تعيين، أو هي مطلقة فلا تحتاج إلى تعيين، كما في صلاة قيام رمضان. الشافعيّة والحنابلة يعدّونها من النوافل المقيدة، والمالكية يعدونها من قيام الليل. فالنوافل المقيدة ينويها كأن ينوي صلاة الاستسقاء مثلا، أو يضيفها إلى سببها كالكسوف، وفي الرواتب تتعين بالإضافة بأن ينوي سنة الظهر مثلا.

стр. 195

الثاني: النوافل المطلقة فهذه تتأدى بنيّة مطلقة، ولا تفتقر إلى نيّة التعيين، فإن كانت الصلاة في الليل فهي قيام ليل، وإن كانت في أول النهار فهي صلاة الضحى، أو عند دخول المسجد فهي تحيّة المسجد، وكذلك سائر العبادات من صوم وحج وعمرة.

стр. 196

الاستحضار التفصيلي لأركان الصلاة بعض متأخري الشافعية (١) يرون وجوب الاستحضار التفصيلي لأركان الصلاة، وهؤلاء لم يكتفوا بالقول بالوجوب على أنه رأي لهم، أو فهم فهموه من كلام السابقين، بل نسبوا القول بهذا إلى كبار علماء الشافعية كابن حجر، بل صرح بعضهم بأن هذا القول هو قول الشافعي ﵀ وأصل مذهبه. ونحن نوافق أحمد الحسيني (٢) فيما ذهب إليه من أن هذا القول ليس قول الشافعي، ولا مذهب الشافعية، وأنه لم يقل به كبار علماء الشافعية، ونخالفه في أنَّ القول بذلك عند الشافعية لم يحدث إلاّ بعد القرن الحادي عشر، لأن القرافي المالكي المتوفى (سنة ٦٨٤ هـ)، ذكر في كتابه الذخيرة (٣) أن بعض الشافعية قال: ينوي الأركان عند الإحرام، ونقله عن صاحب الطراز وقال (أي صاحب الطراز): "وهو هوس وقد كانت الأمة على خلاف هذا، ويلزمه أن ينوي حروف الفاتحة والتسليم لأنها واجبة" والعلامة أحمد الحسيني ردَّ هذا القول من أربعين وجها (٤)، ويمكن تقسيم هذه الردود إلى قسمين: الأول: أدلة تنفي أن يكون هذا القول هو قول الشافعي، أو القول المعتمد عند الشافعية، أو أنه قال به أحد من كبار علماء الشافعية، وقد ساق هنا نصوص كلام الشافعي وكبار أصحابه الدالة على خلاف ذلك، أو التي يفهم منها أن هذا ليس قولا لهم.

стр. 197

الثاني: من الردود جنح فيه إلى مناقشة أصل المسألة، وبيان استحالة تطبيقها والعمل بها. والمراد بالاستحضار التفصيلي كما صرَّح به أرباب الحواشي المتأخرون: هو أن يستحضر أركان الصلاة ركنا ركنا، حتى يكون المقصود معلوما بأجزائه، ومن جملة أجزائه ركنا القراءة والتشهد، وأجزاؤهما ألفاظ مخصوصة بترتيب خاص، واستحضار الألفاظ المخصوصة المذكورة في الذهن دفعة واحدة أو دفعات متعذر مستحيل أن يقوم به شخص بحيث يكون حاضرا في ذهنه في آن واحد، أو في آنات النطق بالتكبير مهما مدَّها. وقد شبه بعضهم هذا الاستحضار الذهني لأركان الصلاة في لحظة واحدة بعروس تزف، وهذا تشبيه بعيد، إذ العروس متصفة بصفات متعددة قائمة بها يتحقق وجودها خارجا في لحظة واحدة، أما أركان الصلاة فبعضها تلو بعض، وبعضها ضدّ بعض، فالقيام بعده ركوع، والاعتدال إبطاله، والسجود غيره، ولا يوجد قيام وركوع ورفع منه وسجود في لحظة واحدة، ولا يمكن استحضار هذه الأمور المتضادة إلا مع التعاقب. ومما يجعل الاستحضار التفصيلي في حكم المستحيل أن وقت النية عند الشافعية هو التكبير للصلاة ولا يجوز تقدمها، ولا تأخرها عنه، فكيف يمكن أن يستحضر المصلي ما ذكروه في لحظات التكبير. وقد قرّر ابن حجر في فتاويه أن استحضار القصد والتعيين ونية الفرضية مع مقارنتها لكل حرف من حروف التكبير عسيرة جدا إلاّ على من صفا قلبه، ونار سره، وبين أن الشافعي ﵀ كان يستحضر تلك الثلاث ويقرنها بكل جزء من أجزاء التكبير، وأنَّ ذلك غير ميسور لمن بعده، واستنتج أن رتبة الشافعي ومقامه عظيمان بمجرد استحضار الثلاثة وقرنها بالتكبير. فإذا كان استحضار ثلاثة أمور -كما يرى ابن حجر- في غاية الصعوبة، فكيف يكون استحضار ثلاثة عشر ركنًا، يضاف إليها الثلاثة التي ذكرها ابن حجر، فيكون المطلوب استحضاره ستة عشر أمرا؟!

стр. 198

وقد اعترف بعض الذين قالوا بوجوب الاستحضار التفصيلي بصعوبة ذلك، فقد ذكر الشيخ عوض في حاشيته على شرح الإقناع لحل ألفاظ أبي الشجاع أن الاستحضار الحقيقي والاقتران الحقيقي متعذر، يقول هذا مع تسليمه بأن هذا المتعذر هو معتمد المذهب!! ويرى الشيخ عوض أن الذي يقدر عليه البشر هو الاستحضار الإجمالي والمقارنة العرفية، ومع تقريره لهذا القول ورضاه به فإنه يراه قولا ضعيفا في مذهب الشافعية. ومما يدلّ على بطلان هذا القول علاوة على ما تقدم أمور: ١ - لم يقل أحد بوجوب الاستحضار التفصيلي في الصوم أو الحج مع أن الاستحضار التفصيلي فيهما أسهل من استحضاره في الصلاة. ٢ - لا يوجد دليل يدل على وجوب الاستحضار التفصيلي في الصلاة، والأدلة الموجبة للنية في الصلاة هي الأدلة التي توجب النية في كل عبادة كقوله ﷺ : "إنّما الأعمال بالنيات"، وهذه الأدلة لا توجب الاستحضار التفصيلي في كلّ عبادة؛ وليس للصلاة دليل خاص يوجب الاستحضار التفصيلي فيها. ٣ - الآثار السيئة المترتبة على القيام بهذا الاستحضار، فهذا القول يوقع معتنقيه في الوسوسة المنهي عنها، إذ هي كما قيل: خلل في العقل، أو نقص في الدين، والشريعة لا تأمر بما يلزم منه الوسوسة المنهي عنها عادة. قول أعجب وأغرب وأعجب من القول الذي قال به بعض متأخري الشافعية قول القاضي أبي بكر من المالكية. فالقاضي يقول: "يلزمه عند الِإحرام أن يذكر حدوث العالم وأدلته، وإثبات

стр. 199

الأعراض، واستحالة قدم الجواهر، وإبطال حوادث لا أول لها، وأدلة العلم بالصانع، وإثبات الصفات، وما يجب لله تعالى، وما يستحيل، وما يجوز، وأدلة المعجزة، وتصحيح الرسالة، ثم الطرق التي بها وصل التكليف إليه" (١)!! وحكى صاحب القبس مذهب القاضي عن إمام الحرمين أيضا، وأنه كان يقول: "تذكار هذه الأمور يكفي فيه الزمن اليسير بخلاف تعلمها" (٢). وهذا القول أشدّ بطلانا من سابقه، ولا يحتاج أن ندلل على بطلانه، ورحم الله المازري حيث يقول: "أردت أن اتبع كلام القاضي عند إحرامي، فرأيت في منامي كأنّي أخوض في بحر من ظلام، فقلت: هذه والله الظلمة التي قالها القاضي أبو بكر" (٣).

стр. 200

الفصل الرابع شروط النِّيَّة ومبطلاتها

стр. 201

شروط النية ومبطلاتها جملة الشروط التي عدها الفقهاء للنية ثمانية: ١ - أهلية الناوي. ٢ - الجزم والتنجيز. ٣ - استصحاب حكم النية. ٤ - عدم التشريك في النيّة. ٥ - أن تتعلق بمكتسب للناوي. ٦ - قصد العبادة دفعة واحدة. ٧ - مقارنة النية للمنوي. ٨ - العلم بصفات المنوي. وسنتناول هذه الشروط في هذا الفصل بشيء من التفصيل، مبينين حكم العبادات التي فقدت فيها النيّة شرطًا أو أكثر منها.

стр. 202

الشرط الأول أهلية من صدرت عنه النية (١) يشترط لصحة النيّة أن يكون من صدرت عنه النية من الذين تصح منهم العبادة، ويعتبر الشخص كذلك إن كان مسلما عاقلا مميزا. أما غير العاقل فلا تصح نيته، لأنه لا يدري ما يفعل وما يقول، ولم يرد عن أحد من العلماء ما يشعر بتصحيح العبادة منه، لأنه قد تقرر في الشريعة أن العقل مناط التكليف، فإذا زال العقل ارتفع التكليف. والصغير غير المميز لا يتأتى منه القصد. والإسلام شرط في صحة العبادة، فالله لا يقبل من أحد عبادة وقربة ما لم يكن صاحبها مسلما. إلا أننا نجد بعض العلماء يصحح بعض العبادات من غير المميز، ومن الكافر، وهذا ما سنتناوله فيما يأتي. الوضوء والغسل والتيمم من الكافر يرى أبو حنيفة أن الكافر إذا توضأ أو اغتسل ثم أسلم فلا يجب عليه إعادة الوضوء والغسل، وخالفه جمهور الفقهاء فيما ذهب إليه، منهم الشافعي ومالك وأحمد وداود (٢).

стр. 203

وأبو حنيفة هنا لا يخالف في أصل القاعدة: أي لا يرى أن العبادة من الكافر صحيحة، وتصحيحه الوضوء والغسل منه لأنهما لا يحتاجان إلى نيّة عنده (١)، ولذلك نراه يوافق غيره من الأئمة في عدم صحة النية من الكافر. غير أنَّ أبا يوسف (٢) يصحّح التيمم من الكافر إذا أراد الإسلام لا الصلاة، وحجته في ذلك أنَّ الإسلام يصح منه، فكذلك التيمم، بخلاف ما لو تيمم بنيّة الصلاة، لأنَّ الصلاة قربة لا تصحّ من الكافر، فلا تصحّ نيتها منه (٣)، وواضح أن أبا يوسف هنا يصحّح التيمم لا على أنه عبادة يتقرب بها، بل لأنه مأمور بالتطهر: الاغتسال، فإن لم يجد ماء تيمم، كي يدخل في الإسلام. الزكاة من أهل الذمة استثنى كثير من العلماء كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد والثوري نصارى بني تغلب من بقية الكفار وجوزوا أخذ الزكاة منهم مضاعفة بدل الجزية (٤). وحجّتهم فيما ذهبوا إليه أن عمر بن الخطاب فعل هذا، فقد ورد أنَّ النعمان بن زرعة كلَّم عمر بن الخطاب في بني تغلب، وقال له: "إنهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عدوك بهم، فصالحهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة". وابن حزم يرّد هذا الخبر ويضعفه لانقطاعه وضعف رواته، إلا أن محقق الكتاب: الشيخ أحمد شْاكر ردّ قول ابن حزم بأمرين: (٥)

стр. 204

الأول: أنَّ له طرقا كثيرة، تطمئن النفس إلى أنَّ له أصلا، ولذلك قال الجصاص في أحكام القرآن: هذا خبر مستفيض عن أهل الكوفة. الثاني: يؤيد هذا الخبر، خبر آخر صححه ابن حزم نفسه، فقد ذكر ابن حزم عن زياد بن حدير (١) قال: أمرني عمر بن الخطاب أن آخذ من نصارى تغلب العشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر (٢). ومع القول بثبوت الخبر عن عمر في ذلك، فلا يدلّ على قبول الزكاة من نصارى بني تغلب، فالذي فعله عمر إنَّما هو من باب السياسة الشرعية، لدرء شرٍّ متوقع بسبب أنفة هؤلاء من دفع الجزية، واحتمال انحيازهم إلى الأعداء، وممّا يدلنا على هذا أنّه أضعف عليهم الصدقة التي تؤخذ من المسلم، فلو كان الذي أخذه منهم زكاة لما أخذها مضاعفة، وفي الرواية الأخرى أمر عمر زيادا أن يأخذ من نصارى تغلب العشر، فقد سماه عشرا. فالقضية هنا قضية شكلية، إذ أرضى عمر هؤلاء بأن أضعف عليهم الصدقة، فسميت بالزكاة ظاهرا، أما في الحقيقة والواقع فإنها ليست بزكاة. غسل الزوجة الكتابية إذا طهرت زوجة المسلم الكتابية من حيضها أو نفاسها، فهل يجب عليها الغسل، حتى يحلّ للزوج وطؤها؟ الأحناف يقولون: لا يجب عليها ذلك، ولا يتوقف الوطء على الغسل، لأنَّها ليست من أهله (٣)، فإن اغتسلت فيصحّ منها، لأن الغسل والوضوء عندهم يصحّان من الكافر -كما سبق- لعدم اشتراطهم النيّة لهما.

стр. 205

وذهب الحنابلة والشافعية إلى وجوب اغتسالها من الحيض والنفاس حتى يحل للزوج الوطء، وتصحيح اغتسالها إنّما هو لضرورة الوطء، لا على أنّه طهارة شرعية تعبدية، ولذلك نصّوا على أنها إذا أسلمت عقب ذلك لم يجز لها أن تصلي بتلك الطهارة. وفي قول ضعيف عندهم أنَّ النيَّة لازمة للكتابية حين غسل الحيض (١). القربات التي أداها المسلم حال كفره من مات كافرا فإنَّ الأعمال الخيرة التي قام بها في دنياه لا تغني عنه شيئًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢). فالآية تشبه الأعمال التي يظنها الكفار مغنية عنهم بالسراب الذي لا حقيقة له، ولذلك فإن الذي يموت كافرًا خالد مخلد في نار جهنَّم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٣). وقد جاءت الأحاديث بمثل ذلك، فقد سألت عائشة رسول الله ﷺ قائلة: يا رسول الله، ابن جدعان (٤) كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: "لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (٥). وبما أن الله لا يظلم الناس شيئًا، فإن كل من عمل عملا صالحا من الكفار

стр. 206

يجزى به في الدنيا، كما في الحديث عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات قام بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" (١). وتبقى الأعمال الصالحة التي صدرت من العبد حال كفره، ثم أسلم، هل يثاب عليها؟ لقد أغنانا حكيم بن حزام (٢) ﵁ عن عَنَاء البحث في هذا الموضوع، فقد سأل الرسول ﷺ قائلا: أي رسول الله، أرأيت أمورا كنت أتحنَّثُ بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : "أسلمت على ما أسلفت من خير" (٣). وقد يقال كيف يصحُّ العمل الصالح من العبد حال كفره، وأنتم تقررون أنَّ النية لا تصح إلا من مسلم؟ فالجواب: أنَّ قبول الأعمال الصالحة التي صدرت من المسلم حال كفره من باب تفضل الله على عباده، وفيه دلالة على عظيم رحمته ألا ترى أنَّ الله يبدّل سيئات الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه حسنات، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤)، هذا كرمه -سبحانه- بالنسبة لسيئات المسلم حال كفره، فكيف يكون الحال بالنسبة للأعمال الصالحة التي كانت منه حال كفره؟!

стр. 207

العبادة من غير المميز قررنا في شروط النية أن من شروطها أهلية الناوي، ومن أهليته أن يكون مميزا، فالعبادات التي تصدر من غير المميز لا تقبل منه؛ لأنه لا يعقل ما يفعل، وهذا أوضح من أن يستدل عليه. حج الصغير الذي لا يميز ويشكل على هذا أن العلماء صححوا حج الصغير غير المميز، وحجتهم في هذا حديث ابن عباس: أنه ﷺ مرّ بامرأة في محفتها، فأخذت بعضد صبي كان معها، فقالت: ألهذا حج؟ فقال: "نعم، ولك أجر" (١). وفي حديث جابر: "حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم" (٢). قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبيّ حتى يبلغ، إلا أنَّه إذا حجَّ كان له تطوعا عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه، ولا يلزمه شيء من محظورات الِإحرام، وإنما يحجّ به على جهة التدريب (٣)، وهذا الذي ذهب إليه أبو حنيفة مخالف لما دلَّت عليه الأحاديث التي أوردناها. ولكن كيف نصحح حجّ الصغير الذي لا يميز وهو ليس من أهل النية؟ الجواب أننا صححنا حجه بشرط أن ينوي عنه وليه، وقد حققنا في فصل "النيابة في النية" صحة نيابة الولّي في الحجّ في حال عجز المحجوج عنه بسبب هرم أو كبر أو موت، فهذا من ذلك الباب، لا من باب تصحيح النية من الصغير الذي لا يميز.

стр. 208

والغزالي يرى صحة العبادة ممّن لا يميز الفرائض من السنن، بشرط ألا يقصد التنفل بما هو فرض، فإن قصده لم يعتدّ به، وإن غفل عن التفصيل فنيّة الجملة كافية، واختار رأي الغزالي هذا النووي في الروضة (١). وهذا القول غريب منهما، لأنَّهما اشترطا شرطا يهدم ما قرراه، فإنَّ الذي لا يميز لا يمكنه أن يقصد الفرض أو النفل دون غيره، وليس لدينا ضمانة في أنه لن يقصد الفرض بالنافلة، أو النافلة بالفرض، فهو غير مميز كما افترضاه. نيّة الصبي المميز أمّا الصبيّ المميز فالنية منه تقع صحيحة، وقد أمرنا الرسول ﷺ أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع، وأن نضربهم عليها لعشر (٢). وقد كان الصحابة يصوّمون الصبيان في عهد الرسول ﷺ وكان عمرو بن سلمة يؤمّ قومه وهو ابن سبع سنين (٣)، ولو كان هذا غير جائز لنهاهم الرسول ﷺ عنه. والأدلة على صحة النية من الصبي المميز كثيرة. وعلى ذلك فالصبي -كما يقول النووي- طهارته كاملة، فلو تطهر، ثم بلغ على تلك الطهارة، جاز أن يصلي بها، فالصبية إذا جومعت، ثم اغتسلت، ثم بلغت، لم يجب عليها إعادة الغسل، فإذا لم تغتسل، ثم بلغت، وجب عليها الغسل بلا خلاف (٤). وحكى النووي عن المزني بأن طهارة الصبيّ ناقصة، فيلزمه الِإعادة إذا بلغ،

стр. 209

قال: وهذا غريب جدًّا، والصحيح المشهور ما قدمناه (١).

стр. 210

الشرط الثاني الجزم والتنجيز وعدم التردد والتعليق لا تكون الإرادة المتجهة إلى الفعل لإحرازه أو تحقيقه نيّة ما لم تكن جازمة لا تردد فيها. فإن كان المقاصد مترددا في الفعل، أو علّق الفعل أو الاستمرار فيه على حصول أمر ما، فإنَّ الإرادة هنا لم تصل إلى درجة أن تكون نية. وهذا الشرط نصّ عليه كثير من العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم (١). ولا يتحقق القصد الجازم ما لم يكن الشيء المراد فعله معلوما، أو مظنونا ظنًّا راجحا (٢)، إذ لا يتصور أن يتجه القصد إلى الشيء بلا تردد ممن يجهله، إذ كيف يقصد الصيام من لا يعلم وجوبه عليه أو دخول شهره، فلا بد أن يكون الشيء معلوما، فإن كان مجهولا، أو مشكوكا فيه، كمن شك في دخول رمضان، أو وقت الصلاة، فإنَّ الجزم لا يتأتى منه. نعم، الظنُّ الراجح يعمل به شرعا، ويقوم في العمليات مقام اليقين (٣)، فإن عمل على أساسه صح.

стр. 211

وسنتناول فيما يأتي بعض العبادات التي قد تكون النية فيها غير جازمة: لأنها وقعت على تردد، أو تعليق على شيء، أو كان صاحبها شاكا. الشك وسبب الشك يعود إمّا إلى عدم العلم ببعض ما يجب أن يعلمه في المنوي، وإما إلى شكّه بعد دخوله في العبادة: هل وقعت منه النية أم لا؟ وسنعرض للمسائل التي تندرج تحت كل واحدة من هاتين: الشك بسبب عدم علمه بأمور تتعلق بالمنوي الشك في الحدث إذا جزم شخص بأنه متطهر، ثم شكَّ: هل أحدث أم لا؟ فإنَّه لا يجب عليه الوضوء، لأنَّ الشاك يبني على اليقين، والمتيقن هنا الطهارة، والحدث مشكوك فيه. ولكن لو توضأ شاكا في الحدث احتياطا، ثم تبين له أنه كان محدثا قطعا. فما الحكم؟ الجواب: وضوؤه باطل، لأن القصد ليس بجازم، والمنوي ليس معلوما، وهذا هو القول الأصح عند المذاهب الثلاثة: المالكية، والشافعية، والحنابلة (١)، أما عند الأحناف فيجزيه جزما، لأنهم لا يشترطون النية في الوضوء والغسل. والوجه الثاني عند المذاهب الثلاثة يجزيه لأنها طهارة مأمور بها صادفت الحدث فرفعته. اختلطت ثياب طاهرة بنجسة إذا اختلطت ثياب طاهرة بنجسة، ولم يجد ثوبا معلوما طهارته، فماذا يفعل؟

стр. 212

يرى ابن القاسم من المالكية أنه يجب عليه أن يصلي في كل ثوب مرة (١)، حتى يتأكد أنَّه صلى في ثوب طاهر، ولكن ابن رشد ضعف قول ابن القاسم هذا بأنَّ النيَّة في هذه الحال غير جازمة، وهذا مبطل لها. وابن القاسم هنا يخالف ما رواه عن الإِمام مالك من أنه يجب عليه أن يصلي صلاة واحدة فحسب في ثوب واحد، على أن يتحرى قدر جهده في اختيار الثوب الذي يغلب على ظنه طهارته (٢). ورأي الإمام مالك رأي سديد ولا شك، إذ القول بأنَّه يجب أن يصلي في عدد يحصل معه التأكد من أنّه صلى صلاة في ثوب طاهر يوقع الناس في حرج شديد، فكيف يفعل من اختلطت عنده مئات وألوف الثياب ... ؟ أيصلي ألف صلاة في كل وقت؟ إنَّ القول بذلك تكليف بالشاق الذي لم يعهد من الشارع التكليف بمثله، بل يكون أحيانا من التكليف بما لا يطاق. الشك في الصلاة التي فاتته إذا تأكد أنَّ صلاة فاتته يوما ما بنوم أو نسيان، ولكنه لم يدر أي صلاة هي، فماذا يفعل؟ المزني من الشافعية يذهب مذهبا غريبا لم يوافقه عليه أصحابه، فهو يرى أن يصلي أربع ركعات، يجلس في ركعتين، ثم يجلس في الثالثة، ثم يجلس في الرابعة، ويسلم (٣). وقوله مستغرب لأنَّها صلاة لا مثيل لها في الصلوات المفروضة، ولأنه لم ينو صلاة بعينها. أمَّا المذهب الذي نصَّ عليه الشافعي فهو إعادة الصلوات الخمس التي تكون في اليوم والليلة، يقول الشافعي ﵀: "إذا فاتت الرجل صلاة لم يدر أي

стр. 213

صلاة هي بعينها، صلى الصلوات الخمس، ينوي بكلّ واحدة منهن الصلاة الفائتة له" (١). وهذا القول هو مذهب أبي حنيفة (٢)، وهو مذهب المالكية والحنابلة أيضا (٣). ويشكل على هذا القول ما قرره من أن النية لا بد أن تكون جازمة، وهنا لا جزم، وقد علل العز بن عبد السلام مذهب القائلين بالصحة: "أن الأصل وجوب كلّ واحدة من الصلوات في ذمته، فصحت لذلك نيته، ولظنه بقاء كل صلاة في ذمته" (٤). وتعليل القرافي: "أن الشرع جعل شكَّه سببا لإيجاب الجميع، فالجميع معلوم الوجوب" (٥). أما النووي فيجعل ذلك من باب الاضطرار المعفو عنه (٦). وذهب ابن حزم إلى ما ذهب إليه الأوزاعي من أن الواجب على هذا الذي فاتته صلاة لا يدري عينها، أن يصلي أربع ركعات يجلس بعد الثانية والرابعة، ثم يسجد للسهو، وأن عليه أن ينوي في ابتدائه إياها أنها التي فاتته في علم الله تعالى (٧). وابن حزم هنا يوجه النيّة إلى الصلاة الفائتة بلا تحديد، وهو بذلك لا شكّ ولا يتردّد، ويجعل هذا المصلي كالرجل الذي شكَّ في صلاته أصلى ركعتين أم ثلاثا

стр. 214

أم أربعا، فإنَّ الشارع أمره أن يبني على اليقين، فيصلي حتى يأتي بالعدد المقطوع به، وهذا الذي فاتته الصلاة التي لا يدري عينها، إذا صلى ركعتين فإنه يشك في أنَّ الصلاة التي فاتته أكثر من ذلك، فيأتي بثالثة، ولما كان غير متأكد من أنه جاء بالعدد المتيقن فإنَّه يأتي بالرابعة، وقد أمر الرسول ﷺ مثل هذا المتشكك بسجدتي سهو، فكذا يفعل هذا. والذي جعل ابن حزم يذهب هذا المذهب أن الله قد فرض على هذا الرجل صلاة واحدة، فإيجاب خمس صلوات عليه تكليف له بما لم يأمر الله به. وابن حزم هنا لم يخلص هذا المصلي من الشك، واليقين لا يتأتى من هذا الشاك أبدا، فجزم النية لم يحصل، ثم إنه أجاز فعل صورة غير معهودة الشارع في الصلوات المفروضة، وما قال به الأئمة الأربعة هو الراجح، وهو ممكن ولا حرج في فعله. صيام يوم الشك نهى الرسول ﷺ أمته عن صيام اليوم أو اليومين السابقين لشهر رمضان "لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلاّ أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم" (١). ولعلَّ الحكمة من وراء هذا النهي خشية الرسول ﷺ أن يؤدي هذا الصيام المتقدم بالأمة إلى الزيادة في رمضان كما فعل النصارى من قبل. ولكن إذا فعل ذلك بأن صام شخص اليوم السابق على رمضان، فإن كان صوما قد اعتاده كأن يوافق الِإثنين أو الخميس وهو قد اعتاد صيامهما فلا بأس في ذلك كما هو نصّ الحديث، وإلّا فقد خالف نهي الرسول ﷺ . وفي حال المخالفة هذه، هل يصح صومه إذا قصد بالصيام صوم رمضان إن كان غدا من رمضان؟

стр. 215

الجواب أنه لا يجزيه؛ لأنَّه شاك غير متيقن، والأصل عدم رمضان وبقاء شعبان، وبهذا قال الشافعي ﵀ كما في رواية الربيع عنه (١)، وهو مذهب الحنابلة (٢). وقد حمل أصحاب الشافعي قول الشافعي: "أنّه إذا أصبح الرجل يوم الشك من رمضان، وقد بيت الصوم من الليل على أنه من رمضان، أنَّ هذه نيَّة كاملة له، تؤدي عنه ذلك اليوم إن كان من شهر رمضان" (٣) - حملوه على أنَّ الشافعي أراد بذلك إذا صام جازما معتقدا أنّ غدا من رمضان، وذلك لوجود قرائن تدل على ذلك، كأن يخبره من يثق به من امرأة أو صبي أو عبد ممن لا يقبل الحاكم شهادته، أما إذا صام بدون مستند ولا قرينة فصومه غير صحيح، فإن قيل لو جزم بذلك من غير مستند ولا قرينة، قالوا: ذلك مستحيل، إذ كيف يجزم الإِنسان من غير دليل، فالمرء لا يجزم إلا إذا حصل لديه اعتقاد (٤). وقد قال بعدم الإجزاء: حماد وربيعة وابن أبي ليلى وابن المنذر، وممن قال بالِإجزاء الثوري والأوزاعي بحجة أنه أجمع النية من الليل (٥). والأحناف يقولون: إن كان تردده في أصل النية أي أن يصوم يوم غد "يوم الشك" إن كان من رمضان، ولا يصوم إن لم يكن منه، لم يصح صومه، فإن كان التردد في كونه يصومه فرضا أو تطوعا صحّ، لأنَّ التردد هنا في الوصف لا في الأصل (٦). فإن قيل كيف صححتم صوم يوم الثلاثين من رمضان مع احتمال كونه من شوال؟ فالجواب (٧) أنَّ الصوم هنا استند إلى أصل وهو بقاء الصوم ما لم ير الهلال،
следующие страницы →