← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 97808

مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (511 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وسنتناول فيما يأتي بعض العبادات التي قد تكون النية فيها غير جازمة: لأنها وقعت على تردد، أو تعليق على شيء، أو كان صاحبها شاكا. الشك وسبب الشك يعود إمّا إلى عدم العلم ببعض ما يجب أن يعلمه في المنوي، وإما إلى شكّه بعد دخوله في العبادة: هل وقعت منه النية أم لا؟ وسنعرض للمسائل التي تندرج تحت كل واحدة من هاتين: الشك بسبب عدم علمه بأمور تتعلق بالمنوي الشك في الحدث إذا جزم شخص بأنه متطهر، ثم شكَّ: هل أحدث أم لا؟ فإنَّه لا يجب عليه الوضوء، لأنَّ الشاك يبني على اليقين، والمتيقن هنا الطهارة، والحدث مشكوك فيه. ولكن لو توضأ شاكا في الحدث احتياطا، ثم تبين له أنه كان محدثا قطعا. فما الحكم؟ الجواب: وضوؤه باطل، لأن القصد ليس بجازم، والمنوي ليس معلوما، وهذا هو القول الأصح عند المذاهب الثلاثة: المالكية، والشافعية، والحنابلة (١)، أما عند الأحناف فيجزيه جزما، لأنهم لا يشترطون النية في الوضوء والغسل. والوجه الثاني عند المذاهب الثلاثة يجزيه لأنها طهارة مأمور بها صادفت الحدث فرفعته. اختلطت ثياب طاهرة بنجسة إذا اختلطت ثياب طاهرة بنجسة، ولم يجد ثوبا معلوما طهارته، فماذا يفعل؟

стр. 212

يرى ابن القاسم من المالكية أنه يجب عليه أن يصلي في كل ثوب مرة (١)، حتى يتأكد أنَّه صلى في ثوب طاهر، ولكن ابن رشد ضعف قول ابن القاسم هذا بأنَّ النيَّة في هذه الحال غير جازمة، وهذا مبطل لها. وابن القاسم هنا يخالف ما رواه عن الإِمام مالك من أنه يجب عليه أن يصلي صلاة واحدة فحسب في ثوب واحد، على أن يتحرى قدر جهده في اختيار الثوب الذي يغلب على ظنه طهارته (٢). ورأي الإمام مالك رأي سديد ولا شك، إذ القول بأنَّه يجب أن يصلي في عدد يحصل معه التأكد من أنّه صلى صلاة في ثوب طاهر يوقع الناس في حرج شديد، فكيف يفعل من اختلطت عنده مئات وألوف الثياب ... ؟ أيصلي ألف صلاة في كل وقت؟ إنَّ القول بذلك تكليف بالشاق الذي لم يعهد من الشارع التكليف بمثله، بل يكون أحيانا من التكليف بما لا يطاق. الشك في الصلاة التي فاتته إذا تأكد أنَّ صلاة فاتته يوما ما بنوم أو نسيان، ولكنه لم يدر أي صلاة هي، فماذا يفعل؟ المزني من الشافعية يذهب مذهبا غريبا لم يوافقه عليه أصحابه، فهو يرى أن يصلي أربع ركعات، يجلس في ركعتين، ثم يجلس في الثالثة، ثم يجلس في الرابعة، ويسلم (٣). وقوله مستغرب لأنَّها صلاة لا مثيل لها في الصلوات المفروضة، ولأنه لم ينو صلاة بعينها. أمَّا المذهب الذي نصَّ عليه الشافعي فهو إعادة الصلوات الخمس التي تكون في اليوم والليلة، يقول الشافعي ﵀: "إذا فاتت الرجل صلاة لم يدر أي

стр. 213

صلاة هي بعينها، صلى الصلوات الخمس، ينوي بكلّ واحدة منهن الصلاة الفائتة له" (١). وهذا القول هو مذهب أبي حنيفة (٢)، وهو مذهب المالكية والحنابلة أيضا (٣). ويشكل على هذا القول ما قرره من أن النية لا بد أن تكون جازمة، وهنا لا جزم، وقد علل العز بن عبد السلام مذهب القائلين بالصحة: "أن الأصل وجوب كلّ واحدة من الصلوات في ذمته، فصحت لذلك نيته، ولظنه بقاء كل صلاة في ذمته" (٤). وتعليل القرافي: "أن الشرع جعل شكَّه سببا لإيجاب الجميع، فالجميع معلوم الوجوب" (٥). أما النووي فيجعل ذلك من باب الاضطرار المعفو عنه (٦). وذهب ابن حزم إلى ما ذهب إليه الأوزاعي من أن الواجب على هذا الذي فاتته صلاة لا يدري عينها، أن يصلي أربع ركعات يجلس بعد الثانية والرابعة، ثم يسجد للسهو، وأن عليه أن ينوي في ابتدائه إياها أنها التي فاتته في علم الله تعالى (٧). وابن حزم هنا يوجه النيّة إلى الصلاة الفائتة بلا تحديد، وهو بذلك لا شكّ ولا يتردّد، ويجعل هذا المصلي كالرجل الذي شكَّ في صلاته أصلى ركعتين أم ثلاثا

стр. 214

أم أربعا، فإنَّ الشارع أمره أن يبني على اليقين، فيصلي حتى يأتي بالعدد المقطوع به، وهذا الذي فاتته الصلاة التي لا يدري عينها، إذا صلى ركعتين فإنه يشك في أنَّ الصلاة التي فاتته أكثر من ذلك، فيأتي بثالثة، ولما كان غير متأكد من أنه جاء بالعدد المتيقن فإنَّه يأتي بالرابعة، وقد أمر الرسول ﷺ مثل هذا المتشكك بسجدتي سهو، فكذا يفعل هذا. والذي جعل ابن حزم يذهب هذا المذهب أن الله قد فرض على هذا الرجل صلاة واحدة، فإيجاب خمس صلوات عليه تكليف له بما لم يأمر الله به. وابن حزم هنا لم يخلص هذا المصلي من الشك، واليقين لا يتأتى من هذا الشاك أبدا، فجزم النية لم يحصل، ثم إنه أجاز فعل صورة غير معهودة الشارع في الصلوات المفروضة، وما قال به الأئمة الأربعة هو الراجح، وهو ممكن ولا حرج في فعله. صيام يوم الشك نهى الرسول ﷺ أمته عن صيام اليوم أو اليومين السابقين لشهر رمضان "لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلاّ أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم" (١). ولعلَّ الحكمة من وراء هذا النهي خشية الرسول ﷺ أن يؤدي هذا الصيام المتقدم بالأمة إلى الزيادة في رمضان كما فعل النصارى من قبل. ولكن إذا فعل ذلك بأن صام شخص اليوم السابق على رمضان، فإن كان صوما قد اعتاده كأن يوافق الِإثنين أو الخميس وهو قد اعتاد صيامهما فلا بأس في ذلك كما هو نصّ الحديث، وإلّا فقد خالف نهي الرسول ﷺ . وفي حال المخالفة هذه، هل يصح صومه إذا قصد بالصيام صوم رمضان إن كان غدا من رمضان؟

стр. 215

الجواب أنه لا يجزيه؛ لأنَّه شاك غير متيقن، والأصل عدم رمضان وبقاء شعبان، وبهذا قال الشافعي ﵀ كما في رواية الربيع عنه (١)، وهو مذهب الحنابلة (٢). وقد حمل أصحاب الشافعي قول الشافعي: "أنّه إذا أصبح الرجل يوم الشك من رمضان، وقد بيت الصوم من الليل على أنه من رمضان، أنَّ هذه نيَّة كاملة له، تؤدي عنه ذلك اليوم إن كان من شهر رمضان" (٣) - حملوه على أنَّ الشافعي أراد بذلك إذا صام جازما معتقدا أنّ غدا من رمضان، وذلك لوجود قرائن تدل على ذلك، كأن يخبره من يثق به من امرأة أو صبي أو عبد ممن لا يقبل الحاكم شهادته، أما إذا صام بدون مستند ولا قرينة فصومه غير صحيح، فإن قيل لو جزم بذلك من غير مستند ولا قرينة، قالوا: ذلك مستحيل، إذ كيف يجزم الإِنسان من غير دليل، فالمرء لا يجزم إلا إذا حصل لديه اعتقاد (٤). وقد قال بعدم الإجزاء: حماد وربيعة وابن أبي ليلى وابن المنذر، وممن قال بالِإجزاء الثوري والأوزاعي بحجة أنه أجمع النية من الليل (٥). والأحناف يقولون: إن كان تردده في أصل النية أي أن يصوم يوم غد "يوم الشك" إن كان من رمضان، ولا يصوم إن لم يكن منه، لم يصح صومه، فإن كان التردد في كونه يصومه فرضا أو تطوعا صحّ، لأنَّ التردد هنا في الوصف لا في الأصل (٦). فإن قيل كيف صححتم صوم يوم الثلاثين من رمضان مع احتمال كونه من شوال؟ فالجواب (٧) أنَّ الصوم هنا استند إلى أصل وهو بقاء الصوم ما لم ير الهلال،

стр. 216

كما في الحديث "ولا تفطروا حتى تروه". ولذلك فقد نصَّ ابن عقيل من الحنابلة على أن من صام يوم الثلاثين في رمضان بنيّة أنّه إن كان من رمضان فهو صائم، وإن كان من شوال فهو مفطر، نص على أن صومه غير صحيح، لأنَّه لم يجزم بنيته الصيام، والنية اعتقاد جازم (١). إلاّ أنَّ صيام الناس لليوم الثلاثين لا يكون بهذه الطريقة التي ذكرها ابن عقيل، ثم القول ببطلان صيام من كان صومهم على هذا النحو يوقع الناس في حرج شديد، والصواب ما قيل من أننا نلتزم بالصوم حتى نرى الهلال، وحسبنا أن هذا هو أمر المصطفى ﷺ . صيام الأسير قد لا يستطيع الأسير المسلم الذي وقع في أيدي الكفار معرفة شهر الصيام، فما حكم صيامه إذا صام؟ إن صام بغير تحرٍّ فصومه غير صحيح، لأنَّه مطالب بأن يبذل جهده، ويتحرى، كما هو الحال فيمن اشتبهت عليه القبلة. فإن تحرَّى وصام فله حالات: الأولى: ألا يتضح للأسير الأمر، أوافق بصيامه رمضان أو خالف؟ فهذه تجزئه، لأنّه بذل وسعه، والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). الحالة الثانية: أن يوافق صومه صوم رمضان، وهذه لها ثلاثة أوجه: الأول: أن يصومه بنيّة التطوع فإن صومه عن رمضان لا يصحُّ عند الأئمة الثلاثة، وعند أبي حيفة يصحّ؛ لأنّه يصحح الصوم من رمضان بمطلق النية وبنية التطوع (٣).

стр. 217

الثاني: أن يصومه بنية غير جازمة، وهذه الصورة هي التي تتعلق ببحثنا، وكان يمكن أن يتأتى هنا الخلاف الذي ثار في صيام يوم الشك، إلاّ أن العلماء في هذا الموضوع صححوا صوم الأسير في مثل هذه الحال؛ لأنه معذور، وممن نصَّ على هذا النووي، وقال: إنَّه مذهب كافة العلماء، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن بن صالح (١)، واحتج عليه بدليلين: إجماع العلماء على صحة الصوم من الأسير في هذه الحال، والقياس على الاجتهاد في القبلة لمن وافقها، والشكُّ إنما يضرُّ إذا لم يعتضد باجتهاد (٢). الوجه الثالث: أن يصومه بنية جازمة، وهذا صحيح ولا إشكال فيه. الحالة الثالثة: ألّا يوافق بصومه صوم رمضان. وهذه لها وجهان: الأول: أن يصوم قبل دخول الشهر، فهذا لا يصح بإجماع المذاهب، لأنه "أدى الواجب قبل وجوبه، وقبل وجوب سببه" (٣). الثاني: أن يصوم بعد دخول الوقت، فلا خلاف بينهم في صحة هذا الصوم قضاء، إلاّ أنه إذا صام شهر شوال فعليه أن يقضي يوما واحدا، هو يوم العيد إن وافقت عدّة شوال عدّة رمضان، ويومين إن كان أقلّ، وكان وافق شهر ذي الحجة قضى أربعة أيام: يوم النحر وأيام التشريق. الشك في أصل النية ْ إذا دخل في العبادة كالصلاة -مثلا- ثم شك أنوى أو لم ينو؟، فإن كان هذا العارض وسواسا، فالنية صحيحة والصلاة صحيحة؛ إذ لو بطلت الصلاة بمثل هذا

стр. 218

لما سلمت لأحد صلاة، ولاتخذ الشيطان ذلك سبيلا لإفساد صلاة العباد. أمّا إذا كانت شكّا بينا فابن قدامة يقول ببطلان صلاته، والشافعي ﵀ يرى أنه إن تذكر من قريب قبل أن يعمل عملا صحّت صلاته، فإن عمل عملا أثناء شكّه -ولو تذكر بعد ذلك- بطلت صلاته (١). التردد في العبادة مما يبطل النية التردد في فعل العبادة، كالذي يدخل في الصلاة -وهو متردد- أيتمها أو يقطعها؟ أيصليها فرضا أو نافلة؟ أيؤدي هذا المال زكاة أو صدقة؟ لم تصحّ منه فريضة، لأنَّ التردد ينافي الجزم، والنية لا بدَّ أن تكون جازمة، واختلاف الفقهاء في بعض الصور سببه أن منهم من يرى أن هذه الصورة جازمة، فيصحح النية، ومنهم من يراها غير جازمة فلا يصححها (٢). تعليق النية على المشيئة أو على حصول شيء ما إذا علّق النيَّة على موافقة شخص ما أو مشيئته، بطلت، كأن يقول: أصوم غدا إذا شاء فلان أو وافق فلان، لأن النية هنا غير جازمة، وكذلك إذا علق الاستمرار في العبادة على شيء من ذلك، فإن علق الاستمرار في العبادة على حصول شيء، فإن كان حصوله متيقنا بطلت في الحال، وشذّ قوم فقالوا لا تبطل. فإن علقها على حصول شيء قد يحصل، وربما لا يحصل، ففيه قولان عند الشافعية، أصحهما البطلان (٣).

стр. 219

وإذا عقب النية بمشيئة الله، فقد ذهب بعض الأحناف إلى عدم البطلان بحجة أنّ المشيئة تبطل اللفظ دون أفعال القلب ومنها النيّة، فالصلاة والصوم والحج كلها صحيحة إذا عقبت بالمشيئة (١). والذي صححه النووي في المسألة: أنه إن قصد الشك في فعله لم يصح، وكان قصد أن ذلك موقوف على مشيئة الله وتوفيقه وتمكينه صح، وهذا هو الحقّ في المسألة إن شاء الله تعالى. وقد ذكر النووي في المسألة قولين آخرين: أحدهما: لا يصح، لأنَّ الاستثناء يبطل حكم ما اتصل به. والثاني: يصحّ، لأن الأمور بمشيئة الله (٢). والملاحظ: أن تصحيحهم النية هنا أو عدم تصحيحها مبني على الجزم في النية، وعدم الجزم فيها.

стр. 220

الشرط الثالث استصحاب حكم النية (١) الإتيان بالنية في أول العبادة شرط لا تصح العبادة بدونه. ولكن هل يجب على العابد أن يبقى ذاكرا لهذه النية غير غافل عنها طيلة العبادة؟ الجواب: لا، لا يجب عليه ذلك، لأن إلزام العباد بهذا في غاية المشقة والكلفة، بل لو قيل بوجوبه لكان من التكليف بما لا يطاق، لأنَّ العباد مأمورون بأشياء أخرى غير النية في أثناء العبادة كالصلاة مثلا، فإنّهم مأمورون بالذكر وقراءة القرآن، والتفكر والتفهم لذلك كلّه. وفي الحج والصيام يشغل العابد بأمور خارجة عن العبادة، لا يتذكر معها النية، فقد يكون مشغولا بالبيع والشراء وأعمال الدنيا، بل قد ينام فيغفل عن كلّ شيء. من هنا نصَّ العلماء على أن الواجب على العابد "استصحاب حكم النية دون حقيقتها"، ويريدون بالاستصحاب هنا أن الشارع حكم بعدم بطلانها حال ذهول العابد عنها، وعزوبها عنه، وكل ما يلزم العابد في هذه الحال ألا يأتي بما ينافيها ويبطلها، كأن ينوي قطعها أو يرفضها. وسنتناول فيما يأتي حكم النية التي يرفضها العابد، أو يقطعها، أو يقلبها، وتأثيرها على العبادة. وفى هذا المبحث مسائل لها صلة به كتغيير النية، واختلاف نية الإمام والمأموم.

стр. 221

رفض النية (١) الرفض في اللغة الترك (٢)، ومعناه هنا: "تقدير ما وجد من العبادة والنية كالمعدوم". ورفض العبادة إمَّا أن يكون بعد الانتهاء منها، أو في أثنائها، وسنحاول أن نبين الحكم في كل واحد من الحالين. رفض النية بعد تمام العبادة: رفض النية بعد تمام العادة لا أثر له في إبطال العبادة، ويعلل هذا ابن رشد (٣) بقوله: "لأن الرفض يرجع إلى التقدير، لأنَّ الواقع يستحيل رفضه، والتقدير لا يصار إليه إلاّ بدليل، والأصل عدمه، ولأنه بأصل الفراغ من الفعل سقط التكليف". ويذكر فقهاء المالكية عن الإِمام مالك أنه يقول: إن رفض النية في الطهارة بعد تمام الطهارة مبطل لها، وقد قال بعض المالكية بذلك، وإن كان الذي عليه مدار الفتوى عندهم أن رفض نية الطهارة لا أثر له في إبطال العبادة، كما أنَّه لا أثر له في إبطال الصلاة والصوم وغيرها من العبادات. ومن نسب القول إلى مالك بأن رفض النيّة له أثر في بطلان الطهارة بعد تمامها لم يأخذه من نصّ كلامه، وإنما قاسوه على قوله: "من تصنع لنوم فعليه الوضوء، وإن لم ينم"، قالوا: هذه عبادة يبطلها الحدث فصح رفضها. والقول بهذا قول عند الشافعية، والمذهب الصحيح المشهور أنها لا تبطل.

стр. 222

ومن الغريب أن يحكي القرافي أن رفض الصلاة والصوم يؤثر ولو بعد الكمال، ويقول هذا هو المشهور عندهم، إلا أنه استشكل هذا بأنه يقتضي إبطال جميع الأعمال. ولعلَّ القول الفصل في هذه المسألة ما قاله ابن رشد: "من ادعى أن التكليف يرجع بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل". رفض نية العبادة في أثنائها إذا رفض العابد العبادة في أثنائها فما الحكم؟ اختلفت وجهات نظر العلماء في ذلك. يرى داود الظاهري وابن حزم (١) بطلان أي عبادة إذا رفضت النية في أثنائها، لأنَّ النيَّة شرط فى العبادات كلّها، وإذا فقد الشرط فقد المشروط، وحجتهم الحديث: "إنما الأعمال بالنيات" وذهب جماهير العلماء -ومنهم مالك والشافعي وأحمد - إلى القول بذلك: أي ببطلان العبادة إذا رفضت النيّة في الصلاة، وخالفهم في هذا أبو حنيفة فقال بعدم البطلان (٢). ولكن جماهير العلماء عكسوا القضية في الحج والعمرة، فقد ذهبوا إلى أن هاتين العبادتين لا تبطلان برفض النية، يقول الحطاب مبينا هذه المسألة: "الإحرام سواء كان بحج وعمرة أو بهما أو بإطلاق لا يرتفض، ولو رفضه في أثنائه، ولم أر في هذا خلافا، وهو مذهب الكافة، وهو مذهب مالك والأئمة، وخالف داود الظاهري، فقال: يرفض إحرامه" (٣). وقد اختلفت تعليلات العلماء للفرق الذي اقتضى تصحيح الحج والعمرة حال رفض نيتهما، وإبطال الصلاة في الحال نفسه:

стр. 223

١ - فمنهم من يرى أنّ الأمر يعود إلى حاجة كلّ من العبادتين إلى النية، فأحكام النيات في الصلاة مغلظة عنها في الحجِّ والعمرة، فالمصلّي يناجي ربّه، فيجب أن يقبل عليه، ولا يلتفت إلى غيره، لأنَّ ذلك من سوء الأدب، وفي الصلاة نهي عن الفعل الكثير، وأمر باستقبال جهة واحدة، لأنَّه أكمل في الإقبال على مناجاة ذي الجلال. ٢ - ومنهم من لاحظ طبيعة كل من العبادتين، فقد علمنا أنَّ الشارع لا يبطل الحجَّ بأقوى المفسدات كالجماع، ويأمر بإتمام العبادة، فالمحظورات لا تؤثر في الخروج من العبادة بخلاف الصلاة، ورأينا الشارع يصحح عبادة الحاجّ الذي نوى مهما إحرامه، أو نوى النفل، وعليه حجة الإسلام، فيقع عن الفرض. ٣ - ومنهم من نظر إلى أنَّ جانب العبد في الصلاة أكثر وأعظم منه في الحج والعمرة، فهاتان العبادتان تدخلهما الأعمال المالية والبدنية، وقد عهد من الشارع عدم إيجاب النيّة في جنس هذه الأعمال من غير العبادات. ٤ - ولاحظ بعضهم أنَّ الحج والعمرة عبادتان شاقتان فناسب أن يقال بعدم تأثير الرفض دفعا للمشقة الحاصلة (١). وبقية العبادات: من العلماء من يلحق بعضا منها بالحجّ والعمرة في عدم اعتبار رفض النيّة في العبادة، ومنهم من يلحقه بالصلاة لشيء من الاعتبارات التي ذكرناها بين العبادتين. فالصوم مثلا فيه قولان مشهوران عند العلماء: فالذي يلحقه بالصلاة لاحظ أن تأثير النيَّة فيه قوي كالصَّلاة، وأن طبيعة كل من العبادتين متقاربة إذ تبطلان بفعل شيء من مبطلاتهما (٢).

стр. 224

والذي يلحقه بالحج يرى أنَّ الفارق بين الصوم والصلاة يتمثل في أن الصوم ليس له عقد تحرم وتحلل يؤثر فيه القصد، ذلك أن الصلاة يتعلق تحريمها وتحليلها بقصد الشخص واختباره، والصوم بخلافه، لأنَّ الناوي ليلا يصير شارعا في الصوم بطلوع الفجر، ويفطر بغروب الشمس، وإن لم يشعر بهما، فضعف النية في الصّلاة له تأثير كبير بخلاف الصوم، مما يدلّ على هذا جواز تقديم النية في الصوم في الفرض والنفل، وجواز تأخيرها في النفل، وهذا لا يجوز في الصلاة. ومنهم من لاحظ أنّ الصوم أقل حاجة إلى النيّة من الصلاة، لأنَّ الصوم ملحق بالتروك، بخلاف الصلاة فهي من باب الأفعال. قلب النية وتغييرها ومن مبطلات النية تغييرها وقلبها، ومذهب ابن حزم هنا كمذهبه في رفض النيّة وقطعها، فهو يرى أن من صرف نيَّته من صلاة إلى صلاة مثلا متعمدا فصلاته باطلة، فإن كان ناسيا بطلت الأعمال التي قام بها في أثناء ذلك، وعندما يتذكر عليه أن يعيد ما فعله في أثناء النسيان ويسجد للسهو (١). وغيره من العلماء يذهب هذا المذهب، إلا في حالات قليلة سنبينها من خلال التقسيم التالي: أقسام النيّة التي قلبت الذي يتصور في نية القلب أقسام: الأول: نفل فرض إلى فرض: في هذه الحال تبطل الأولى، ولا تصحّ الثانية، وممن نصَّ على هذه ابن

стр. 225

قدامة (١) في الصلاة، والشافعي لم يصحّح أن يعدَّ الرجل دراهم أخرجها زكاة ماله فوجده هالكا- أن يعد تلك الدراهم زكاة مال آخر (٢). أما قلب النية في الصوم فالعلماء لا يجيزون قلب رمضان إلى غيره، أما قلب صوم نذر إلى صوم كفارة مثلا، فالخلاف هنا مبني على ما ذكرناه من قبل: هل رفض النية في الصوم مبطل له أم لا؟. فعلى القول القائل بعدم بطلانه يصحّ صرف نيته، وعلى القول الآخر يبطل الصوم (٣). الثاني: نقل فرض إلى نفل: إذا نقل صلاة فريضة إلى نافلة، فإن كان لهدف صحيح، كأن يحرم منفردا، فتحضر جماعة، فيجعل ما كان يصلي نافلة، أو نوى صلاة الفريضة ثم بان له أن وقتها لم يدخل؛ فينويها نافلة، فهنا الاتجاه إلى تصحيح النية، وهو القول الأصح في مذهب الشافعية والحنابلة. وإن نقلها لغير غرض فللشافعية والحنابلة قولان في المسألة، أصحّهما عندهم بطلان الصلاة. ولعلَّ الذين صححوا الصلاة في الحالة الأولى نظروا إلى قوّة نيّة الفريضة، وضعف نيّة النافلة، فكأنَّ النافلة تدخل في الفريضة في مثل هذه الحال (٤). الثالث: نقل نفل إلى فرض: وهذا لا يصح في الصلاة بالإِجماع، وكذا في الزكاة، وفي الصوم صحَّح أبو حنيفة صوم الفرض بنية التطوع، وفي الحج يتأدى الفرض بنية التطوع.

стр. 226

الرابع: نقل نفل إلى نفل: إذا كان النفل مطلقا فغالب العلماء يرون صحة ذلك، أما إذا كان مقيدا فالذي نص عليه الماوردي عدم الصحة (١). تغيير النيَّة رأينا كيف أن قلب النيّة يبطلها إلا في أحوال قليلة، ونحبّ أن نوضح حالات لا يصل الأمر إلى قلب النية، ولكنه يطرأ نوع من التحول والتغير في عزم عليه أولا. وذلك كالمصلي يدخل في الصلاة منفردا، ثم يأتم به آخر فيصبح إماما، أو يكون إماما فيصبح مأموما أو منفردا. إن النصوص التي بين أيدينا ترشدنا إلى أن هذا التغيير لا يضرّ وأنَّ الصلاة صحيحة. المنفرد يصبح إماما فمن الأدلة الدالة على أنَّ المنفرد إذا اقتدى به غيره فأصبح إماما صحَّت صلاته: ١ - حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته (٢)، وجدار الحجرة قصير، فرأى النّاس شخص رسول الله ﷺ ، فقام أناس يصلّون بصلاته، فتحدّثوا بذلك، فقام معه أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثا ... " (٣) الحديث. فالرسول ﷺ كان يصلّي قيام الليل منفردا، ثم اقتدى به بعض أصحابه، ولم يعترض ممّا يدّل على أن ذلك جائز.

стр. 227

٢ - ومن ذلك ما رواه ابن عباس، قال: "بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ متطوعا من الليل، فقام إلى القربة فتوضأ، فقام يصلي، فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت من القربة، ثم قمت إلى شقّه الأيسر، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن" (١). ودلالة الحديث على المراد واضحة. ٣ - وحديث الذي فاتته صلاة الظهر فأحرم منفردا، فقال رسول الله ﷺ : (من يتصدق على هذا) (٢). ومذهب الشافعي ﵀ أنه يجوز الاقتداء بالذي نوى الصلاة منفردا متنفلا كان أو مفترضا، للأدلة السابقة. ومذهب الثوري، وأصحاب الرأي أنه لا يصح أن يصبح المنفرد إماما سواء في الفرض أو النفل، لأنه لم ينو الإِمامة في ابتداء الصلاة والأدلة السابقة تردُّ عليهم. والِإمام أحمد ﵀ يرى أنَّه يجوز أن يصبح المنفرد إماما في الفريضة، إذا كان إماما راتبا، وأحرم وحده منتظرا من يأتي فيصلي معه. ومال ابن قدامة إلى مذهب الشافعي للأحاديث التي سبقت، ولأنَّ الأصل مساواة الفرض للنفل في النيَّة، ولأن الحاجة تدعو إلى نقل النية إلى الإمامة، لأن المنفرد إذا جاء قوم فأحرموا وراءه، فإن قطع الصلاة وأخبر بحاله قبح، وكان مرتكبا للنهي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أعْمَالَكُمْ﴾ (٣)، وان أتمَّ الصلاة بهم ثم أخبرهم بفساد صلاتهم كان أقبح وأشق. واستدلّ ابن قدامة -أيضا- بالقياس، فقاس هذه المسألة على ما جوزوه من انتقال المأموم ليصبح إماما في حال فساد صلاة إمامه، فليصح انتقال المنفرد ليصبح إماما كذلك (٤).

стр. 228

الإمام يصبح مأموما وقد فعل ذلك أبو بكر الصديق (١) ﵁ عندما تغيَّب الرسول ﷺ فتقدَّم أبو بكر فصلَّى بالنَّاس، وحضر الرسول ﷺ في أثناء الصَّلاة، فتأخر أبو بكر فأصبح مأموما، وتقدَّم الرسول ﷺ فأمَّ النَّاس. (٢). والمجد ابن تيمية جعل هذه الصورة جائزة إذا استخلف الِإمام فحضر، والصّلاة قائمة، فمن حقه أن يتقدم، ويرجع من استخلفه، وابن عبد البرّ يجعل هذا من خصائص الرسول ﷺ وينقل الِإجماع على أن ذلك لا يجوز لغيره، والإجماع الذي ذكره ابن عبد البرّ غير صحيح، فالخلاف في هذا مشهور وثابت، والصحيح المشهور عند الشافعية الجواز (٣)، أما أنَّ هذا من خصوصياته ﷺ فهو قول متجه، يدلُّ عليه أن الرسول ﷺ عندما استفسر من أبي بكر عن سبب تأخره وعدم استمراره في الإمامة قال: "ما كان لابن أبي قحافة أن يصلّي بين يدي رسول الله ﷺ "، فلم ينكر عليه الرسول ﷺ . والِإشكال الذي يسبّبه إجازة الائتمام بإمام جاء بعد أن كبر الناس تكبيرة الِإحرام - أن المأموم هنا كبر قبل إمامه، وقد جوّز ابن حزم تكبير المأموم قبل الِإمام في أربعة مواضع: أولها: صورة المسألة وهي إذا غاب الإمام الراتب، فتقدَّم من صلَّى بالناس، وحضر الإمام الراتب في أثناء الصلاة، فيجوز أن يتقدم الإمام الراتب، فيصلي، ويتأخر الِإمام المستخلف، ليكون من المأمومين.

стр. 229

ثانيها: الذين يدخلون خلف إمام تبين له بعد التكبير أنه غير متطهر، فيشير للنّاس أن يمكثوا، ثم يمضي فيتطهر، ويأتي، فيبتدىء التكبير للإحرام، وهم باقون على ما كبّروا، كما فعل رسول الله -صلى الله عليه ومسلم- بأصحابه. ثالثها: أن يحدث الإمام في صلاته بعد أن كبر وكبر الناس، فيستخلف الإمام رجلا قد دخل لتوه، فيصير إماما مكانه، ويكون المأمومون قد كبَّروا قبله. رابعها: ما سيأتي بيانه: وهو من دخل في الصلاة في مسجد، ثم أقيمت جماعة، فإنه يلتحق بها بانيا على ما مضى من صلاته مع كونه قد سبق إمامه (١). المأموم يصبح منفردا يدلّ على صحة هذا ما ثبت عن أنس بن مالك أنَّ معاذ بن جبل (٢) صلى بأهل قباء، فأطال الصلاة طولا شقَّ على بعض المأمومين، وكانوا أصحاب حرث وزرع، تجوَّز رجل في صلاته، وأكمل لنفسه، وعندما علم الرسول -صلى الله عليه ومسلم- بذلك لام معاذا على تطويله، ولم ينقل أنه أمر الرجل بإعادة الصلاة (٣). والاستدلال بهذا الحديث لا يتم إلاّ على القول بأنه فارق إمامه وبنى على صلاته، أمّا على الرواية التي في الصحيحين وفيها أنَّه قطع الصلاة مع معاذ، ثم استأنف الصلاة، فلا يصلح هذا الحديث للاستدلال، وقد قيل بأن رواية قطع الصلاة واستئناف صلاة جديدة رواية شاذة، بحجة أن ما ورد في هذه الرواية لم يرد في الروايات الأخرى، والصواب أن هذا ليس حدّ الشاذ، فالشاذ يكون بأن يروي الراوي الثقة شيئًا يخالف فيه من هو أوثق منه؛ وهذا تعريف الشافعي للشاذ، وعلى

стр. 230

ذلك فالرواية ليست شاذّة، وقد نص علماء الفقه والحديث والأصول على أنَّ الزيادة من الثّقة مقبولة، ولذا فإنَّ النووي يرى أنَّه لا حجة في الحديث. وقد ذهب الحنابلة إلى جواز مفارقة المأموم لِإمامه لعذر يحصل له: تعب، أو مرض، أو نوم يغالبه. ومفارقته بغير عذر عندهم فيها روايتان: إحداهما: تفسد، والثانية: تصحّ. واحتجوا بالقياس: فالمنفرد لو نوى كونه مأموما لصحَّ في رواية، فنيَّة الانفراد أولى، فإن المأموم قد يصير منفردا بغير نيّة، وهو المسبوق إذا سلَّم إمامه، وغيره لا يصير مأموما بغير نيَّة بحال. وفي هذه المسألة يقول النووي: "اتفق الشافعي والأصحاب على الاستدلال بحديث جابر: "أنَّ معاذا أطال بالصلاة ... " على أنَّ المأموم له أن ينفرد عن إمامه من غير عذر، لأن إطالة القراءة ليس عذرا. واحتج به آخرون على جواز المفارقة بعذر، لأنَّ التطويل بالقراءة عذر، وذكر النووي أن الشافعية لهم في المسألة ثلاثة أقوال: (١) صحتها إذا نوى المفارقة وبنى على صلاته مع الكراهة، وبطلانها إن لم ينو ذلك. (٢) أنها تبطل مطلقا. (٣) قول في القديم تبطل بدون عذر (١). المنفرد يتحوّل إلى مأموم إذا دخل رجل المسجد فظن أنَّ الصَّلاة قد أقيمت فصلى لنفسه، ثم ثبت خطأ ظنة فأقيمت الصلاة، أو أن الصلاة كانت قد انتهت فعلا، ثم أقيمت جماعة أخرى، فهل يجوز أن يقتدي بهم فيما تبقى من صلاته، مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد أنه لا يجوز له ذلك، فإن فعل بطلت صلاته (٢).

стр. 231

وفي مذهب الحنابلة والشافعية رواية تصحّح صلاته، بل مذهب الشافعية كما يقول النووي صحتها (١). وابن حزم يوجب على صاحب الصورة التي افترضناها في هذه المسألة أن يقتدي بالجماعة المقامة فيما تبقى من صلاته، وإنما أوجب عليه ذلك لقوله ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به"، ولإنكاره ﷺ على الصحابي الذي كان يصلي النافلة، وقد أقيمت الصلاة. ونسب ابن حزم القول بذلك إلى إبراهيم النخعي، ونسب إليه أنه قال: "إنَّ هذا كان يفعله من كان قبلكم"، أي الاقتداء بالجماعة التي أقيمت بعده فيما تبقى من صلاته، ثم يفارقهم إذا أتمَّ الركعات المفروضة. ونسب القول بهذا أيضا إلى نافع بن جبير (٢) والحسن وقتادة (٣) (٤). والحديث الذي أورده ابن حزم لا يدل على مبتغاه، وبقية الحديث تبين المراد من قوله: "إنَّما جعل الإِمام ليؤتم به"، إذ أمر بمتابعته في التكبير والركوع والرفع منه والسجد. أمَّا أن المصلي يدخل في جماعة كبَّر قبلها؛ فليس في الحديث ما يدل على جوازه. تغيير نية القصر إلى إتمام لا يجوز لمن دخل في صلاة نوى إتمامها أن يغيّر نيته إلى القصر، أما إذا دخل فيها ينوي القصر ثم نوى الإتمام، أو تغيرت نيّة المسافر فعزم على الإقامة؛ فما الحكم؟.

стр. 232

القول الصحيح أنَّ تغيير هذه النية لا يضرَّ، وأن صلاته صحيحة، بل يجب عليه أن يتم الصلاة إذا غير نية السفر، ونوى الإقامة في مكانه، أو نوى الرجوع إلى بلده، والمسافة قصيرة لا يباح فيها القصر، وعلى هذا الشافعي وأحمد، وحجتهم أن القصر رخصة، فإذا أسقط نيَّة الترخص صحَّت الصلاة بنيتها، ولزم الإتمام، ولأنَّ الإتمام الأصل، وإنَّما أبيح بشرط، فإذا زال الشرط عاد الأصل إلى حاله. وما ذهب إليه مالك ﵀ من أنَّه لا يجوز له الإتمام، لأنه نوى عددا، فإن زاد عليه حصلت الزيادة بغير نيَّة، يرده أن النية لم تتغير، وإنَّما الذي تغير السبب الذي يجعل الصلاة المقصورة تامة، وهذا التغيير قد عهدنا من الشارع أنَّه لا يعتد بمثله كما سبق في صحة تغيير نية المنفرد إلى الإمامة، والمأموم إلى منفرد (١). اختلاف نيّة الإمام والمأموم مما يلحق بالمسألة السابقة اختلاف نية الإمام والمأموم، هل هذا الاختلاف يبطل الصلاة؟. لا خلاف بين العلماء في أن هذا لا أثر له كلية إذا اقتدى المتنفل بالمفترض (٢)، وقد جاءت نصوص كثيرة تدل على هذا، منها الحديث الذي سبق ذكره "من يتصدق على هذا"، فقام أحد الصحابة فصلى خلف ذلك الذي فاتته الجماعة" (٣). وقد أمر الرسول ﷺ أبا ذر (٤) إذا أدرك الأمراء الذين يؤخّرون

стр. 233

الصلاة عن وقتها، بأن يصلّي الصلاة لوقتها، فإن أدرك الصلاة معهم فيصلي، فإنها نافلة له (١). إنما الاختلاف بين العلماء في صلاة المفترض خلف التنفل، فقد منع من ذلك مالك وأبو حنيفة، وحجتهم فيما ذهبوا إليه النصوص الآمرة بمتابعة الِإمام، والناهية عن الاختلاف عليه، كحديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنّما جعل الِإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلَّى جالسا فصلّوا جلوسا أجمعون" (٢)، فقد استدلّوا بقوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" على وجوب موافقة الِإمام في نية الصلاة التي يصليها، وعلى منع الاختلاف في النيّات. وذهب الإمام الشافعي إلى جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، لأن حديث "إنما جعل الإمام ليؤتم به" لا يتناول النية، لأن ظاهره إنما هو في الأفعال الظاهرة، يدل على هذا الأدلّة الكثيرة التي جاءت مجيزة اقتداء المفترض بالمتنفل، وعلى احتمال أن حديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" شامل للنيات كما يشمل الأفعال الظاهرة، فإنَّنا نخص منه النيات بتلك الأدلة التي جاءت مجيزة لاقتداء المفترض بالمتنفل (٣). والإمام أحمد ﵀ وطائفة من أصحابه يجيزون اقتداء المفترض بالمتنفل للحاجة، كما في صلاة الخوف، وكما لو كان المفترض غير قارىء، كما

стр. 234

في حديث عمرو بن سلمة (١) ومعاذ، ولا يجيزونه لغير حاجة (٢). وقد وضح من هذا العرض حجَّة المانعين مطلقا، وحجَّة المجيزين للحاجة، وبقي أن نورد حجة المجيزين مطلقا، وقد احتجَّ الشافعي (٣) على هذه المسألة ب الأدلة النقلية ثم بالقياس. الأدلة النقلية: ١ - حديث جابر أن الرسول ﷺ صلى الظهر في حال الخوف ركعتين ثم سلَّم، ثمَّ جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلَّم (٤). ووجه الاستدلال بالحديث أنَّ الرسول ﷺ صلّى بالطائفة الأولى ثم سلم، فكانت هي صلاة الفرض في حقّه، وعندما أم الطائفة الثانية كان متنفلا، والذين صلوا خلفه كانوا يصلون الفريضة. ٢ - وروى الشافعيّ أيضا بإسناده أن قوما جاؤوا أبا رجاء العطاردي يريدون أن يصلوا معه الظهر فوجدوه صلَّى، فقالوا: ما جئنا إلاَّ لنصلي معك، فقال: لا أخيبكم، ثم قام فصلّى بهم (٥). ٣ - ويروي بإسناده أيضا أنَّ عطاء كانت تفوته العتمة، فيأتي والنّاس في القيام، فيصلّي معهم ركعتين، ويبني عليها ركعتين (٦). ٤ - ويروي أيضا أنَّ إنسانا قال لطاووس (٧): وجدت النّاس في القيام، فجعلتها

стр. 235

العشاء الآخرة، قال أصبت (١). ٥ - ومما يحتجُّ به في هذا المجال ولم يورده الشافعيّ ﵀ حديث جابر أنَّ عمرو بن سلمة أمَّ قومه وهو ابن سبع سنين (٢)، وكان ذلك بأمر الرسول ﷺ حيث أمرهم أن يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله، فكان عمرو هذا أقرأهم، ولو كان لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل لما جاز إمامة الصغير الذي لم تفرض عليه الصلاة للكبار المكلفين. ٦ - ومن أوضح الأدلة الحديث الكبير القدر والفائدة وهو العمدة في الموضوع وقد رواه الشافعي وأهل الصحاح والمسانيد عن جابر بن عبد الله "أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ ، ثم يرجع إلى قومه، فيصلّي بهم تلك الصلاة" (٣). وفي بعض روايات الحديث قال رسول الله ﷺ في صلاة معاذ الثانية بقومه: "هي له تطوع، ولهم فريضة" (٤). وقد ردَّ الفريق المانع على حديث معاذ هذا بردود ضعيفة. منها: أنَّ الرسول ﷺ لم يعلم بصلاة معاذ هذه، والرواية الأخيرة التي أوردتها تدلّك على بطلان هذا الزعم، وفي الصحاح روايات أخرى تدلُّ جزما على علم الرسول ﷺ بصلاة معاذ وإقراره له. ومن الإِجابات الضعيفة أن معاذا كان يصلي مع الرسول النافلة مأموما، ثم يصلّي بقومه الفريضة إماما، وهذا بعيد، إذ كيف يحضر فرض الوقت، فيؤخره ويصلّي نافلة، وكيف يفوّت صحابي -كمعاذ- حريص على الخير والأجر العظيم الذي

стр. 236

يحصل له من اقتدائه بالرسول ﷺ ! (١). الاستدلال بالقياس: يقول الشافعيّ في هذا الصدد: "وكل هذا جائز بالسنة، وما ذكر، ثمَّ القياس: ونيَّة كلّ مصلٍّ نيّة نفسه، لا يفسدها عليه أن يخالفها غيره، وإن أمّه: ألا ترى أن المسافر يكون مسافرا ينوي ركعتين، فيجوز أن يصليّ وراءه مقيم بنيّته، وفرضه أربع؟!. أو لا ترى أن الإِمام يسبق الرجل بثلاث ركعات، ويكون في الآخرة، فيجزىء الرجل أن يصليها معه، وهي أول صلاته! أو لا ترى أنَّ الإمام ينوي المكتوبة، فإذا نوى من خلفه أن يصلي نافلة أو نذرا عليه ولم ينو المكتوبة يجزىء عنه! أو لا ترى أنَّ الرجل بفلاة يصلي، فيصلي بصلاته، فتجزئه صلاته، ولا يدري لعلَّ المصلي صلّى نافلة! أو لا ترى أنّا نفسد صلاة الِإمام، ونتمّ صلاة من خلفه، ونفسد صلاة من خلفه ونتمّ صلاته! وإذا لم تفسد صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام كانت نيّة الإمام إذا خالفت نيّة المأموم أولى ألا تفسد عليه. وأن فيما وصفت من ثبوت سنَّة رسول الله ﷺ الكفاية من كل ما ذكرت" (٢).

стр. 237

الشرط الرابع عدم التشريك في النيّة لا نريد بالتشريك هنا ما ينافي الإخلاص، كأن يصلي الصلاة يقصد بها وجه الله وثناء الناس ومديحهم، فهذا مكانه الباب الثاني. وإنما نريد هنا أن يقصد بالعمل الواحد قربتين، كأن ينوي بالصلاة الرباعية قضاء فائتة وفريضة الوقت الحاضر. والقاعدة العامة التي يكاد الفقهاء يجمعون عليها أن هذه النيَّة غلط، لأن العبادة الواحدة لا يمكن أن تغني غناء عبادتين. إلا أن بعضا منهم استثنى بعض العبادات وحكم بحصول كلتا العبادتين: فمن ذلك من نوى بصلاته الفريضة وتحية المسجد، ومن نوى بغسله رفع الحديث الأصغر والأكبر، أو غسل الجمعة والجنابة، أو نوى بتيممه رفع الحدثين: الأكبر والأصغر. والذي يقول بحصول العبادتين بالفعل الواحد في مثل هذه الصور فلأن مراد الشارع يتحقق بحصول الفعل، فتحية المسجد تحصل بأداء الفريضة، نوى التحيّة أو لم ينوها، لأن المراد شغل البقعة بالعبادة. والحدث الأصغر يرتفع في الطهارة إذا ارتفع الأكبر، وفي الغسل للجنابة والجمعة يحصلان لأنَّ فعلهما واحد، وكذلك التيمم (١).

стр. 238

وتجويز الأحناف الجمع بين العبادتين في هذه الصور لأنهم عدوها من قبيل الوسائل لا المقاصد هذا في الطهارة والتيمم، أمّا في حصول تحية المسجد والفريضة فلأن تحيّة المسجد تحصل وإن لم يقصدها (١). أما ما صحَّحوه من تجويز عبادتين بنيّة واحدة فالذي يظهر لي فيه أنَّ الشارع قد اعتبر فيه هذين الأمرين المقصودين ولو لم يقصدهما الفاعل، فالذي يتصدّق على ذوي رحمه ينال أجرين: أجر الصدقة، وأجر صلة الرحم، فإذا قصد هذا الشيء الذي أقرّه الشارع لم يكن مخالفا، بل موافقا ومصيبا. وإذا صادف أن جاء العيد في يوم جمعة أغنت صلاة العيد عن صلاة الجمعة، لأنَّ الشارع شرع الأمر كذلك. والذي يحج مازجا العمرة بالحجّ (قارنا) صحّ حجّه وعمرته، لأن الشارع قرَّر هذا، ومن قال: إن الصائم في يوم عرفة قضاء ينال ثواب صيام عرفة ويجزىء عنه في القضاء، ومن قال: من طاف بنيّة الفرض والوداع أجزأه عنهما، إنما قصدا أن هذه وأشباهها مرادة للشارع، وإن لم يقصدها العبد، فقصده لها لا يضيره. أمّا قصد عبادتين بفعل واحد عدا ما ذكرنا فإنه قد يكون مبطلا للعبادة، ولا يحصل شيء مما قصده، كمن نوى صلاة الظهر والعصر بصلاته. وابن حزم يرى بطلان كلّ عبادة قصد بها تحقيق قربتين سواء أكانت العبادة صلاة أم صوما أم زكاة، ولم يستثن من ذلك إلاّ من مزج قصد العمرة بالحجّ في حالة إحرامه بهما والهدي معه، لأنَّ هذا هو الحكم الذي شرعه الله في هذه الحالة (٢). وغالبية العلماء يرون أن من قصد أكثر من عبادة بالفعل الواحد تحصل واحدة منهما، ولا تبطل كلها.

стр. 239

وقسم من الأحناف لهم رأي حسن في اعتبار المقصود الذي ينبغي أن يتحقق: فهم يرون العبادة الأوجب لها الأولوية، فإذا نوى بالمال الزكاة وكفارة اليمين، جعل عن الزكاة، وإذا صام يوما عن قضاء وكفارة جعل عن القضاء، لأنه أوجب، فإن استويا في القوّة فله أن يجعلهما إلى أي عبادة شاء، كمن نوى صوما عن كفارة ظهار وكفارة يمين. وقد يقال: إن التردد في النية ينافي الجزم المطلوب فيها، ولذلك لا تصح الفريضة إذا قصد بها أكثر من عبادة، كمن نوى بالمال الذي يخرجه الزكاة، والصدقة؟ فعلى قاعدة الأحناف تكون زكاة، لأنها أوجب، وعلى ما ذكرناه من أن النية غير جازمة تكون صدقة، وهذا مذهب الشافعية، وبه قال محمد من الأحناف. ومن عجب أن يصحّح الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأبو حنيفة الإحرام بحجتين أو عمرتين، وقالوا: يعقد الإحرام بهما، وعليه قضاء إحداهما، لأنه أحرم بهما، ولم يتمهما (١)، وعند الحنابلة (٢) أنه ينعقد بواحدة فقط، ويلغي الأخرى، ودليل الحنابلة: أنهما عبادتان، لا يلزمه المضيّ فيهما، فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين، وعلى هذا لو أفسد حجه وعمرته لم يلزمه إلا قضاؤهما، وعند أبي حنيفة يلزمه قضاؤهما بناء على صحة إحرامه بهما.

стр. 240

الشرط الخامس أن تتعلق النية بمكتسب للناوي ممن ذكر هذا الشرط، ونصَّ عليه الحطَّاب، فقال: "الشرط الأول: أن تتعلق بمكتسب للناوي، فإنَّها مخصصة، وتحصيل غير المفعول للمخصص محال، وكذلك امتنع فعل الإنسان لغيره" (١). وهذا الشرط لا يحتاج إلى أن ننص عليه، لأنَّ الأمر لا يكون إلاّ كذلك، ويستحيل على المرء أن ينوي فعل غيره، بمعنى أن يكون الفعل الصادر من المكلفين قد أثرت فيه نية غيرهم.

стр. 241

الشرط السادس قصد العبادة دفعة واحدة وقد حقَّق العز بن عبد السلام (١) القول في هذه المسألة فقال: "تفريق النية على الطاعة يختلف باختلاف الطاعات، والطاعات أقسام: أولها: طاعة متحدة، وهي التي يفسد أولها بفساد آخرها كالصلاة والصيام، فلا يجوز تفريق النية على أبعاضها. مثاله في الصيام: أن ينوي إمساك الساعة الأولى وحدها، ثم ينوي إمساك الساعة الثانية، وكذلك يفرد كل إمساك بنيّة تختص به إلى آخر النهار، فإن صومه لا يصح. وكذلك لو فرّق نيّة الصلاة على أركانها وأبعاضها، مثل أن يفرد التكبير بنية، والقيام بنيّة ثانية، والركوع بنيّة ثالثة، وكذلك إلى انقضاء الصّلاة، فإنَّ صلاته لا تصح، لأن ما نواه من هذه المفردات ليس بجزء من الصلاة على حياله. ثانيها: طاعة متعددة كالزكاة والصدقات، وقراءة القرآن، فهذا يجوز أن يفرد أبعاضه بالنية، وأن يجمعه في نية واحدة، فلو فرق النيّة على أحد جزئي الجملة في القراءة مثل أن قال: بسم الله، أو قال: فالذين آمنوا؛ فالذي أراه أنه لا يثاب على ذلك، ولا يثاب إلا إذا فرق النية على الجمل المفيدة، إذ لا قربة في الإِتيان بأحد جزئي الجملة، وجمل القرآن ضربان:

стр. 242

أحدهما: ما لا يذكر إلاّ قرآنا، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) فهذا يحرم على الجنب قراءته. الضرب الثاني: ما يغلب عليه كونه ذكرا ليس بقرآن كقوله: بسم الله، والحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، فهذا لا يحرم على الجنب قراءته إلاّ أن ينوي به القراءة لغلبة الذكر عليه. ثالثا: ما اختلف في اتحاده كالوضوء والغسل، فمن رآهما متحدين منع من تفريق النية على أجزائهما، ومن رآهما متعددين جوز تفريق النية على أبعاضهما (٢).

стр. 243

الشرط السابع مقارنة النيّة للمنوي وهذا الشرط يشترطه الذين يقولون بوجوب الإتيان بالنيّة عند أول أفعال العبادة، كالمالكية والشافعية (١)، أما الذين يجوزون تقديم النية على العبادة فلا يشترطون هذا الشرط، وسبق تحقيق القول في ذلك في مبحث "وقت النية" (٢). الشرط الثامن العلم بصفات المنوي قد ذكرنا في مبحث "صفة النية" (٣) الأمور التي يجب تعيينها حين النية. وعدم تعيين هذه الأمور الواجبة يبطل النيّة كما يبطل العبادة، فالذي يصلي ولم ينو بصلاته الظهر مثلا لا يجوز أن يحتسبها بعد ذلك ظهرا. الغلط في تعيين المنوي إذا أخطأ في تعيين أمر لا يجب تعيينه كأن يتوضأ من حدث البول، ثم يتذكر أن حدثه نوم، أو يصلي خلف إمام يظنة سعدا فإذا هو سعيد- فهذا لا يضرّه، لأنه لا يجب عليه تعيين الحدث الذي يتوضأ من أجله، ولا تعيين الإمام الذي يصلّي

стр. 244

خلفه. والذين أبطلوا صلاة من أخطأ في تعيين الِإمام المقتدى به يحمل كلامهم على ما لو قصد الصلاة خلف إنسان معيّن، ولو تبيّن لهذا المقتدي أنّ إمامه ليس فلانا فإنّه لا يصلي خلفه، بخلاف ما لو قصد الصلاة خلف إمام الجمعة وظنَّه فلانا فأخطأ ظنّه، فهذا لا يضرّه خطؤه. وفي بعض الأحيان لا يجب تعيين المنوي، ولكن لو نواه على خلاف ما هو عليه فلا يجزيه: فالمصلي لا يجب عليه تعيين عدد الركعات، فلو نوى مصل أن يصلي الظهر ثلاث ركعات مخطئا في هذا التعيين لم تصحّ صلاته. أمّا إذا أخطأ في تعيين ما يجب تعيينه فلا تصحّ عبادته: فالذي يصلي الظهر فيغلط ويصليها قاصدا العصر لا تصح صلاته، ومن أخرج زكاة ماله وغلط فأعطاها صدقة لا تحتسب زكاة، وقد ذكرنا في "صفة النية" أن أبا حنيفة يصحّح صوم المقيم الصحيح شهر رمضان، ولو تعمَّد صيامه قضاء أو نفلا فضلا عن غلطه في التعيين، وحجته أن الشهر متعين لصيام رمضان، ولا يحتمل غيره، وذكرنا وجه الإجابة عنده. كما بينا هناك أنَّ الشافعية والحنابلة والمالكية يصححون الفريضة ممن لم يحج، ولو نواها نافلة، ويصرفون من نوى الحج عن غيره ولم يكن حج من قبل إلى الحجّ عن النفس، فالغالط أولى ألا يؤثر غلطه عندهم، وقد ذكرنا هناك أدلتهم والرد عليهم.

стр. 245

الفَصل الخامس النيَابة في النيَّة

стр. 246

النيابة في النيّات في العبادات تمهيد: مرادنا بالنيابة هنا: أن ينوي شخص ما تأدية عبادة عن غيره في صلاة أو صوم أو حج. وقد اختلف العلماء في ذلك بين مانع مطلقا، ومجيز مطلقا، ومجيز في بعض دون بعض. فقد ذهب إلى المنع مطلقا علماء المعتزلة (١)، والإمام مالك (٢) وأصحابه. وذهب إلى الإجازة مطلقا ابن تيمية في أحد أقواله (٣). وذهب جماهير العلماء إلى جواز النيابة في الحجّ، وممن قال بذلك: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وعطاء (٤)، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وابن أبي ليلى (٥)؛ وإسحاق، وأهل الظاهر، وغيرهم (٦).

стр. 247

ومن هؤلاء المجيزين للنيابة في الحج من منع النيابة في الصوم، منهم الشافعي، والثوري، وقال بذلك: ابن عمر، وعائشة، وأبو حنيفة (١). وأجاز أحمد النيابة في صوم النذر خاصة، وهو قول ابن عباس وإسحاق، وأبي عبيد (٢)، والليث بن سعد (٣) (٤).

стр. 248

أدلّة الذين منعوا مطلقا أولا: النصوص التي تدل بعمومها على منع النيابة: استدلّوا بقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١). يقول القرطبي: "أخبر تعالى أنّه ليس للإِنسان إلاّ سعي نفسه، فمن قال إن له سعي غيره، فقد خالف الآية" (٢). ويقول ابن كثير: "كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، وكذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه" (٣). ويعتبر ما دلت عليه هذه الآية قاعدة من قواعد دين الله في كل شريعة أنزلها، فقد أخبر هنا أن هذا كان مقررا في الكتب الماضية العظيمة، وعند الرسل العظام عند إبراهيم وموسى. وعندما نجيل النظر في شريعتنا الغراء نرى نصوصا كثيرة تدلّ على مثل ما دلت عليه الآية الماضية، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤)، فهذه الآية كتلك في معناها. وجاءت النصوص تقرر أنَّ الهداية والضلال، والمجاهدة والقعود، والتزكية

стр. 249

والتدسية، كلّ ذلك خاص بمن حصل منه: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١). وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ (٣). واحتجوا بقوله ﷺ : "وإنما لكلِّ امْرىء مَا نَوى" فإن مفهوم هذه العبارة أنه لا يحصل على ما نوى غيره (٤)، والجنة يدخلها النّاس بأعمالهم: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥)، ويصلى الكفرة النار بأعمالهم: ﴿اصْلوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كنْتُم تكْفُرُونَ﴾ (٦). وفي يوم القيامة لا يملك أحد لغيره شيئًا: ﴿لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًَا﴾ (٧). وقد قرر هذه الحقيقة رسول الله ﷺ ببيان عام أعلنه على الملأ وعمّ وخصّ، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ "قام حين أنزل الله عليه ﴿وَأَنْذرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبينَ﴾ (٨)، فقال: "يا معشر قريش، -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا. يا صفية عمّة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا.

стр. 250

ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شثت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا" (١). ثانيا: النصوص المصرّحة بمنع النيابة في بعض العبادات: فقد استدلّوا بحديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه" (٢). ثالثا: قالوا جواز النيابة فى العبادات تنافي الغرض من تشريعها: لأن المقصود من العبادات الخضوع لله، والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذكره، حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرا مع الله، ومراقبا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيا في مرضاته، وما يقرب إليه على حسب طاقته، والنيابة تنافي هذا المقصود وتضاده، لأن معنى ذلك ألا يكون العبد عبدا، ولا المطلوب بالخضوع والتوجه خاضعا، ولا متوجها، إذا ناب عنه غيره في ذلك، وإذا قام غيره في ذلك مقامه. فذلك القائم هو الخاضع المتوجه، والخضوع والتوجه ونحوهما إنما هو اتصاف بصفات العبودية، والاتصاف لا يعدو المتصف به، ولا ينتقل عنه إلى غيره. والنيابة إنما معناها أن يكون المنوب عنه بمنزلة النائب، حتى يعدّ المنوب عنه متصفا بما اتصف به النائب، وذلك لا يصحّ في العبادات كما يصحّ في التصرفات (٣). يقول العز بن عبد السلام موضحا هذه المسألة: "لا يثاب الإنسان ولا يعاقب إلاّ على كسبه واكتسابه ... ، لأنَّ الغرض بالتكاليف تعظيم الإله بطاعته، واجتناب معصيته، وذلك مختص بفاعليه، إذ لا يكون معظّم الحرمات منتهكا لها بانتهاك غيره، ولا منتهك الحرمات معظما لها
следующие страницы →