النيابة في النيّات في العبادات
تمهيد:
مرادنا بالنيابة هنا: أن ينوي شخص ما تأدية عبادة عن غيره في صلاة أو صوم أو حج.
وقد اختلف العلماء في ذلك بين مانع مطلقا، ومجيز مطلقا، ومجيز في بعض دون بعض.
فقد ذهب إلى المنع مطلقا علماء المعتزلة (١)، والإمام مالك (٢) وأصحابه.
وذهب إلى الإجازة مطلقا ابن تيمية في أحد أقواله (٣).
وذهب جماهير العلماء إلى جواز النيابة في الحجّ، وممن قال بذلك: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وعطاء (٤)، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وابن أبي ليلى (٥)؛ وإسحاق، وأهل الظاهر، وغيرهم (٦).
стр. 247
ومن هؤلاء المجيزين للنيابة في الحج من منع النيابة في الصوم، منهم الشافعي، والثوري، وقال بذلك: ابن عمر، وعائشة، وأبو حنيفة (١).
وأجاز أحمد النيابة في صوم النذر خاصة، وهو قول ابن عباس وإسحاق، وأبي عبيد (٢)، والليث بن سعد (٣)(٤).
стр. 248
أدلّة الذين منعوا مطلقا
أولا: النصوص التي تدل بعمومها على منع النيابة:
استدلّوا بقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١).
يقول القرطبي: "أخبر تعالى أنّه ليس للإِنسان إلاّ سعي نفسه، فمن قال إن له سعي غيره، فقد خالف الآية" (٢).
ويقول ابن كثير: "كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، وكذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه" (٣).
ويعتبر ما دلت عليه هذه الآية قاعدة من قواعد دين الله في كل شريعة أنزلها، فقد أخبر هنا أن هذا كان مقررا في الكتب الماضية العظيمة، وعند الرسل العظام عند إبراهيم وموسى.
وعندما نجيل النظر في شريعتنا الغراء نرى نصوصا كثيرة تدلّ على مثل ما دلت عليه الآية الماضية، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤)، فهذه الآية كتلك في معناها.
وجاءت النصوص تقرر أنَّ الهداية والضلال، والمجاهدة والقعود، والتزكية
стр. 249
والتدسية، كلّ ذلك خاص بمن حصل منه: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ (٣).
واحتجوا بقوله ﷺ : "وإنما لكلِّ امْرىء مَا نَوى" فإن مفهوم هذه العبارة أنه لا يحصل على ما نوى غيره (٤)، والجنة يدخلها النّاس بأعمالهم: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥)، ويصلى الكفرة النار بأعمالهم: ﴿اصْلوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كنْتُم تكْفُرُونَ﴾ (٦).
وفي يوم القيامة لا يملك أحد لغيره شيئًا: ﴿لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًَا﴾ (٧).
وقد قرر هذه الحقيقة رسول الله ﷺ ببيان عام أعلنه على الملأ وعمّ وخصّ، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ "قام حين أنزل الله عليه ﴿وَأَنْذرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبينَ﴾ (٨)، فقال: "يا معشر قريش، -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا.
يا صفية عمّة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا.
стр. 250
ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شثت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا" (١).
ثانيا: النصوص المصرّحة بمنع النيابة في بعض العبادات:
فقد استدلّوا بحديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه" (٢).
ثالثا: قالوا جواز النيابة فى العبادات تنافي الغرض من تشريعها:
لأن المقصود من العبادات الخضوع لله، والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذكره، حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرا مع الله، ومراقبا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيا في مرضاته، وما يقرب إليه على حسب طاقته، والنيابة تنافي هذا المقصود وتضاده، لأن معنى ذلك ألا يكون العبد عبدا، ولا المطلوب بالخضوع والتوجه خاضعا، ولا متوجها، إذا ناب عنه غيره في ذلك، وإذا قام غيره في ذلك مقامه. فذلك القائم هو الخاضع المتوجه، والخضوع والتوجه ونحوهما إنما هو اتصاف بصفات العبودية، والاتصاف لا يعدو المتصف به، ولا ينتقل عنه إلى غيره. والنيابة إنما معناها أن يكون المنوب عنه بمنزلة النائب، حتى يعدّ المنوب عنه متصفا بما اتصف به النائب، وذلك لا يصحّ في العبادات كما يصحّ في التصرفات (٣).
يقول العز بن عبد السلام موضحا هذه المسألة:
"لا يثاب الإنسان ولا يعاقب إلاّ على كسبه واكتسابه ... ، لأنَّ الغرض بالتكاليف تعظيم الإله بطاعته، واجتناب معصيته، وذلك مختص بفاعليه، إذ لا يكون معظّم الحرمات منتهكا لها بانتهاك غيره، ولا منتهك الحرمات معظما لها
стр. 251
بتعظيم غيره، فكذلك لا تجوز الاستنابة في المعاصي والمخالفات، ولا في الطاعات البدنيات إلا ما استثني ... " (١).
رابعا: قالوا: لو صحّت النيابة في العبادات البدنية لصحت في الأعمال القلبية، كالِإيمان وغيره من الصبر والشكر والرضى والتوكل والخوف والرجاء وما أشبه ذلك.
ولو كانت النيابة جائزة، فإن التكاليف ينبغي ألّا تكون محتومة على المكلف عينا لجواز النيابة، فكان يجوز أمره ابتداء على التخيير بين العمل والاستنابة، ولصحّ مثل ذلك في المصالح المختصة بالأعيان من العبادات كالأكل والشرب والوقاع واللباس، وما أشبه ذلك، وفي الحدود والقصاص والتعزيرات وأشباهها من أنواع الزجر، وكل ذلك باطل بلا خلاف، من جهة أنّ حكم هذه الأحكام مختصة فكذلك سائر العبادات (٢).
خامسا: احتجّ مالك بعمل أهل المدينة: فعملهم على عدم النيابة، قال القرطبي: "وهو أقوى ما يحتج به لمالك" (٣).
стр. 252
المجيزون مطلقا
موقفهم من حجج المانعين:
ذهب بعض العلماء إلى أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْس لِلإنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾، منسوخ، وقد نسب بعض المفسرين القول بذلك إلى ابن عباس (١)، وعندي في صحة هذه النسبة إلى ابن عباس نظر، لما سنعلمه بعد من أنّه كأن يفتى بألا يصام عن الميت في صوم فرض، بل يُطْعم عنه، ولَأنَّه راوي الحديث الذي سبق ذكره: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد ... الحديث".
كما نسبت كتب التفسير إلى عكرمة مولى ابن عباس أنَّه كان يقول: "كان هذا الحكم في قوم إبراهيم، وموسى، أما هذه الأمة فلها ما سعى غيرها، يدل عليه حديث سعد بن عبادة: هل لأمي إن تطوعت عنها؟ قال: نعم" (٢).
ونسبوا إلى بعض أهل العلم أن هذه الآية: ﴿وَأنْ لَيْس لِلإنْسَانِ إلا مَا سَعى﴾، خاصّة بالكافر، أما المؤمن فله ما سعى غيره (٣).
وهذه الأقوال: من القول بأن الآية منسوخة، أو أنّها خاصة بالأمم من قبلنا، أو خاصة بالكفار غير صحيحة:
أولا: لأن الآية خبر لم يتضمن تكليفا، وما كان كذلك لا يجري فيه النسخ.
ثانيا: ولأنه قد دل على معناها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وقد ذكرنا جملة منها.
стр. 253
ثالثا: مما يدلّ على بطلان خصوصيتها بالأمم السابقة وجود الصوص الدالّة على ما دلت عليه في شريعتنا، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا وجد في شرعنا ما يقرّه ويؤيده.
رابعا: القول بخصوصيتها بالكافر خلاف الظاهر، وليس عليه دليل.
أدلّة المجيزين للنيابة مطلقا أو في حال دون حال:
الذين قالوا بالإجازة خصوا النصوص التي استدلّ بها المانعون بمخصصات كثيرة نذكر منها ما يأتي:
١ - ما رواه عبد الله بن عباس ﵄، قال: "كان الفضل رديف النبي ﷺ فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشقِّ الآخر، فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يثبت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجّة الوداع" (١).
٢ - حديث أبي رزين العقيلي (٢)، أنه أتى النبي ﷺ فقال: "إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن. قال: حجّ عن أبيك، واعتمر" (٣).
٣ - حديث عبد الله بن الزبير (٤) رض الله عنهما قال: "جاء رجل من خثعم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إن أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ
стр. 254
كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: أنت أكبر ولده؟ قال: نعم. قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه، أكان ذلك يجزىء عنه؟ قال: نعم. قال: فاحجج عنه" (١).
٤ - عن ابن عباس: أن النبى ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبي ﷺ : "من شبرمة؟ " قال: أخ لي، أو قريب لي. قال: "حجَّ عن نفسك، ثم عن شبرمة". وفي رواية: "هذه عنك، ثم عن شبرمة" (٢).
ومنها الأحاديث الدالة على صحّة صوم الولي عن ميت عليه صيام من رمضان أو نذر، فمن هذه الأحاديث:
٥ - حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٣).
٦ - وحديث ابن عباس ﵄ "أنَّ امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهرا، فأنجاها الله ، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها (إمَّا أختها أو ابنتها) إلى النبيّ ﷺ فذكرت ذلك له، فقال:
"أرأيت لو كان عليها دين، كنت تقضينه؟ قالت: نعم.
قال: فَدَيْن الله أحقّ أن يقضى، فاقض عن أمك" (٤).
стр. 255
٧ - حديث ابن عباس أيضا، أنَّ سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: "إن أمي ماتت وعيها نذر؟ فقال: اقضه عنها" (١).
موقف المانعين للنيابة في العبادات من هذه النصوص الدالة على الجواز ومناقشتهم:
أولا: تضعيف هذه النصوص:
قالوا يدلّ على ضعفها اضطرابها، ففي بعض الروايات أن الذي سأل الرسول ﷺ رجل، وفي رواية امرأة، وفي رواية أنَّ المسؤول عن الصيام عنه أب، وفي رواية أم، وفي رواية أخت، والمسؤول فيه في رواية حجّ، وفي أخرى صوم (٢). وحسبنا في الردِّ عليهم أن هذه التي قالوا: إنها مضطربة، اتفق على إخراجها البخاري ومسلم.
وقد حقَّق العلماء، أنَّ هذا الاضطراب غير قادح، لأنّه من باب اختلاف الوقائع، بل فى بعض الروايات توضيح لذلك، كتلك الرواية التي أخرجها مسلم، وقد سألت المرأة الرسول ﷺ عن الحجّ عن أمها، والصيام عنها.
ثم توجد نصوص من تلك الأحاديث لا اضطراب فيها. وضعفوها أيضا من جهة مخالفة الرواة لها "عائشة وابن عباس" بفتواهما، وهذا غير قادح، لأن الحجَّة بما رواياه.
ثانيا: جعل الشاطبي عدم أخذ العلماء بهذه الأحاديث أو ببعضها دليلا على ضعف الأخذ بها في النظر، ومما ضعّفها في نظره، أنها تدلّ على جواز النيابة في الحجّ، والحجّ يشتمل على ركعتي الطواف، وقد أجمع العلماء على عدم جواز
стр. 256
النيابة في الصلاة (١). وهذا الذي ذكره لا يوجب ضعف هذه الأحاديث، إذ ليس مما يضعّف الحديث عدم أخذ العلماء به كما هو مقرر في علم أصول الحديث، والصلاة في الحج "ركعتا الطواف" إنّما جازتا على وجه التبعية، إذ هما تابعتان ولم يقصدهما مؤديهما على أنهما صلاة مستقلة عن الحج.
ثالثا: قالوا هي خاصة بالمأذون لهم بالنيابة:
فقد ذكر ابن عبد البر أن حديث الخثعمية التي أذن لها الرسول ﷺ بالحج عن أبيها، محمول عند مالك وأصحابه على الخصوصية (٢)، واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ للسائل: "حجّ عنه، وليس لأحد بعده" (٣).
ويجاب عن ذلك بأمور:
١ - أن الخصوصية لا تثبت بغير دليل، فقد دل صريح لفظ الرسول ﷺ باختصاص أبي بُردة بن نيار (٤) بجواز التضحية بعناق دون غيره، حيث قال له: "لا تجزىء عن أحد بعدك" (٥). وكما خصّ خزيمة (٦) دون غيره بكون شهادته بشهادة رجلين (٧).
٢ - وكيف تتمّ دعوى الخصوصية، وقد صح في بقية الأحاديث إذن الرسول ﷺ لغيرها في الصوم عن الأب أو الأم أو الحج عنهما؟ كما أذن
стр. 257
لأبي رزين العقيلي (١).
٣ - والرواية التي أوردوها دالة على الخصوصية ضعيفة كما حقق ذلك ابن حجر (٢).
رابعا: ومنهم من تأول هذه الأحاديث على وجه يوجب ترك اعتبارها مطلقا:
وذلك أنّه قال: سبيل الأنبياء -صلوات الله عليهم- ألا يمنعوا أحدا من فعل الخير، يريد أنهم سئلوا عن القضاء في الحج والصوم، فأنفذوا ما سئلوا فيه، من جهة كونه خيرا، لا من جهة أنه جاز عن المنوب عنه، هكذا قال الشاطبي، وذكر قريبا منه ابن العربي، والقرطبي (٣).
وهذا الذي قالوه كلام بعيد فكيف يُظنّ برسول الله ﷺ أن يقر السائلين على خلاف الحق، مجاراة لرغبة السائل في عمل الخير، بل كيف يقول للسائلين: حجّوا، وصوموا، ويجزىء ذلك عن من فعلتموه عنه، وواقع الأمر على خلاف ذلك. هذا ما لا يكون أبدا، ولا يظنّ برسول الله ﷺ ذلك، وغفر الله لهم مقالتهم هذه.
خامسا: حملوا بعض هذه الأحاديث محملا بعيدا، فقالوا: قوله ﷺ : "صام عنه وليه" محمول على ما تصحّ النيابة فيه، وهو الصدقة مجازا، لأنَّ القضاء تارة يكون بمثل المقضي، وتارة بما يقوم مقامه عند تعذره، وذلك في الصيام: الِإطعام، وفي الحج: النفقة عمّن يحج عنه، أو ما أشبه ذلك (٤).
وهذا حمل بعيد، يدل على ضعفه إذنه ﷺ في الأحاديث
стр. 258
الأخرى بالحجّ والصيام، وبقوله للملبّي عن شبرمة: "حجّ عن نفسك أولا، ثم حج عن شبرمة".
السادس: ردّوا هذه الأحاديث بدعوى أنها مخالفة لظاهر القرآن:
يقول القرطبي: "رأي مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن، فرجَّح ظاهر القرآن"، وقد رجَّح القرطبي ظاهر القرآن لأمرين، قال: "ولا شك في ترجيحه من جهة تواتره، ومن جهة أنّ القول المذكور قول امرأة ظنَّت ظنًّا"، ثم أورد إشكالا على ما ذهب إليه، ولم يستطع الرد عليه ردًّا مجزئا، فقال: "لا يقال: قد أجابها الرسول ﷺ عن سؤالها، ولو كان غلطا لبيَّنه لها، لأنَّا نقول: إنما أجابها عن قولها: أفأحجّ عنه؟ قال: حجيّ عنه (١) ". فأين الجواب عن الإشكال الذي أورده؟ ولقد صدق ابن حجر وبرَّ حسين قال معقبا على ما ذكره القرطبي: "وتعقّب بأن في تقرير النبي ﷺ لها على ذلك حجة ظاهرة" (٢).
وما ذكره القرطبي ذكره الشاطبي بأجلى من عبارة القرطبي، قال: "هذه الأحاديث على قلتها معارضة لأصل ثابت في الشريعة قطعي، ولم تبلغ مبلغ التواتر اللفظي ولا المعنوي، فلا يعارض الظن القطع، كما تقرر أنّ خبر الواحد لا يعمل به إلاّ إذا لم يعارضه أصل قطعي، وهو أصل مالك بن أنس وأبي حنيفة". ثم بين أنَّ هذا الجواب عن الأحاديث هو الجواب القوي المرضيّ، فقال: "وهذا الوجه هو نكتة الموضع، وهو المقصود فيه، وما سواه من الأجوبة تضعيف لمقتضى التمسك بتلك الأحاديث، وقد وضح مأخذ هذا الأصل الحسن" (٣).
وفي الردّ نقول: إن هذا الذي ردّوا به الأحاديث ليس بحسن، فإن ما قالوه لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق، وفي حال إمكان التوفيق بين النصوص فلا يعدل عنه، وقد أمكن هنا كما سيأتي بيانه قريبا.
стр. 259
موقف الدين أجازوا النيابة في بعض العبادات من حجج المجيزين مطلقا:
عرضنا موقف المانعين من النيابة تجاه النصوص الدالّة على جواز النيابة، فما موقف غيرهم من العلماء؟.
جماهير العلماء كما ذكرنا في مقدمة هذا الفصل احتجّوا على جواز النيابة في الحجّ بالأحاديث الأربعة الأولى (١)، فقد أذن الرسول ﷺ فيها للخثعمية، وللخثعمي، ولأبي رزين العقيلي، بالحجّ عن آبائهم.
وأقرّ ذلك الملبي عن شبرمة بالحجِّ عنه، وإنما اعترض عليه في أمر آخر، وهو أن عليه أن يحج عن نفسه أولا، ثم ليحجَّ بعد ذلك عن شبرمة، ومما يستأنس به أنه ﷺ أذن للولي أن ينوي عن الصغير في الحجّ (٢).
والشافعي ومن معه أجازوا أن يحجّ المرء نيابة عن غيره، ولكنه منع النيابة في الصوم مطلقا، وعندما قيل له: لم فرّقت بين الصوم والحج؟ قال: "قد فرّق الله بينهما، فإن قال: أنى؟ قلت: فرض الله الحجّ على من وجد إليه سبيلا، وسنَّ رسول الله ﷺ أن يقضى عمَّن يحج، ولم يجعل الله ورسوله من الحج بدلا غير الحج".
وفرض تعالى الصوم، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣)، فقيل: يطيقونه: كانوا يطيقونه، ثم عجزوا عنه، فعليهم في كل يوم طعام مسكين (٤) ".
وبهذا فرّق بين الصلاة والحج فقال:
стр. 260
"وأمر بالصلاة، وسنَّ رسول الله ﷺ ألا تقضي الحائض، ولا يقضى عنها ما تركت من الصلاة، وقال عوام المفتين: ولا المغلوب على عقله، ولم يجعلوا في ترك الصلاة كفارة، ولم يذكر في ذلك كتاب ولا سنّة عن صلاة كفّارة من صدقة، ولا أن يقوم به أحد عن أحد، وكان عمل كلّ امرىء لنفسه، وكان الصوم والصلاة عمل المرء لنفسه لا يعمله غيره، وكان يعمل الحج عن الرجل اتباعا للسنّة وبخلافه الصوم والصّلاة" (١). ثم ذكر فرقا آخر بين الحجّ والصوم والصلاة، وهو أنَّ الحجّ "فيه نفقة من المال، وليس ذلك في الصوم والصلاة" (٢).
ومع هذا الفرق الذي ذكره الشافعي إلَّا أن النصوص الدالَّة على جواز النيابة في الصوم لا تزال قائمة تلزمه بأن يقول بمقتضاها، لكنه لا يرى صحتها، وقد بين ضعفها في أكثر من موضع في كتبه، قال الشافعي: "فإن قيل: أفروي عن رسول الله ﷺ أنه أمر أحدا أن يصوم عن أحد؟ قيل نعم. روى ابن عباس عن النبي ﷺ ؛ فإن قيل: لم لم تأخذ به؟ قيل: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ "نذر نذرا"، ولم يسمّه، مع حفظ الزهري، وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس.
فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس بغير ما في حديثه أشبه ألا يكون محفوظا. فإن قيل: أتعرف الذي جاء بهذا الحديث يغلط عن ابن عباس؟ قيل:
стр. 261
نعم، روى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس أنه قال لابن الزبير: إن الزبير حلَّ من متعة الحج، فروي هذا عن ابن عباس أنَّها متعة النساء، وهذا غلط فاحش" (١).
وقد ساق البيهقي كلام الشافعي، ثم قال (٢): "يعني به -أي الحديث الذي ضعفه- حديث الشافعي عن مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس: "أن سعد بن عبادة (٣) استفتى ... " الحديث؛ قال البيهقي: وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم من رواية مالك وغيره عن الزهري، إلاّ أن في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس "أنَّ امرأة سألت" يعني عن صوم أمها، وكذلك رواية الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل (٤) عن مجاهد عن ابن عباس" (٥).
وقد تكلم البيهقي عن هذه الأحاديث الدالّة على جواز صوم الولي عن الميت في "معرفة السنن والآثار"، وبيَّن قوة هذه الأحاديث، واختتم كلامه قائلا: "وقد أودعها صاحبا الصحيحين كتابيهما، ولو وقف الشافعي على جميع طرقها ونظائرها لم يخالفها إن شاء الله تعالى" (٦).
وقال النووي بعد نقله كلام البيهقي، وبعد جزمه بصحة الأحاديث الدالّة على جواز النيابة في الصوم، قال: "ويتعيّن أن يكون هذا -جواز النيابة في الصوم- مذهب الشافعي، لأنه قال: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، واتركوا قولي المخالف له".
стр. 262
ثم قال معتذرا للشافعي في تضعيفه للحديث: "وقد صحت في المسألة أحاديث، والشافعي إنما وقف على حديث ابن عباس من بعض طرقه، ولو وقف على جميع طرقه، وعلى حديث يزيد، وحديث عائشة عن النبي ﷺ لم يخالف ذلك (١) ".
أما الإِمام أحمد ومن ذهب مذهبه من الذين قالوا بجواز النيابة في صوم النذر خاصة فحجتهم:
أولا: أنَّ المسائلة في "الحديث الخامس" (٢) حديث ابن عباس قد صرَّحت أنَّ أنَّها نذرت أن تصوم شهرا، ثم توفيت قبل أن تفي بنذرها (٣).
ثانيا: حملوا حديث عائشة "الحديث الرابع" "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" (٤) على صوم النذر، لأنَّه قد ورد النهي في حديث ابن عباس من النبي ﷺ عن أن يصلي أحد عن أحد، أو يصوم أحد عن أحد (٥)، وقالوا: وفقنا بين هذين النصين بحمل النهي على النيابة في صوم الفرض، وحملنا الإذن في النيابة على صوم النذر.
ثالثا: قالوا هذا الذي صرنا إليه هو الذى أفتى به رواة هذه الأحاديث، فعائشة التي روت "من مات وعليه صوم صام عنه وليه"، وابن عباس الذي روى افتاء الرسول ﷺ للمرأة بأن تصوم عن أمّها، لم يفهما من هذه النصوص جواز النيابة في صوم الفرض، فقد أخرج الطحاوي عن عَمْرة أن أمّها ماتت وعليها من رمضان، فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: "بل تصدقي عنها مكان كلّ يوم نصف صاع على كل مسكين" (٦).
стр. 263
وابن عباس أفتى: "إذا مرض الرجل ثم مات ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضي عنه" (١).
قالوا: فرواة الأحاديث لم يفهموا منها جواز النيابة في صوم الفرض، وقد تقرّر عند علماء الشريعة، أن راوي الحديث أدرى بمعنى ما روى، لا سيما إذا كان ما فهم هو الموافق لقواعد الشريعة وأصولها، كما هو الشأن هنا، خاصّة إذا كان الراوي من كبار فقهاء الصحابة مثل أمّ المؤمنين عائشة، وحبر هذه الأمة ابن عباس.
رابعا: قالوا وفي هذا الذي صرنا إليه رفع للإشكال الذي شَّبه حديث عائشة، فما صرنا إليه فيه إعمال للقاعدة القاضية بأن الفرائض لا تقبل النيابة، وإعمال للنصوص المجيزة للصوم عن الولي.
خامسا: وقد قوى ابن القيم مذهب الحنابلة، وقال: "وهو مقتضى الدليل والقياس" ثم أخذ يبين وجه ذلك: "لأن النَّذر ليس واجبا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدَّين الذي استدانه، ولهذا شبَّهه النبيّ ﷺ بالدّين في حديث ابن عباس، والمسؤول عنه فيه: أنَّه كان صوم نذر".
وتابع استدلاله قائلا: "والدين تدخله النيابة، وأمَّا الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام، فلا تدخله النيابة بحال، كما لا يدخل الصلاة والشهادتين، فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحق العبودية التي خلق لها، وأمر بها، وهذا أمر لا يؤديه عنه غيره، كما لا يسلم عنه غيره، ولا يصلي عنه غيره".
ثم أخذ يبين أنَّ النذر أخف حكما من الفرض وبذلك يفارقه: "وسر الفرق: أنَّ
стр. 264
النذر التزام المكلَّف لما شغل به ذمته، لا أن الشارع ألزمه به ابتداء، فهو أخف حكما مما جعله الشارع حقًّا له عليه، شاء أم أبى، والذّمة تسع المقدور عليه، والمعجوز عنه، ولهذا تقبل أن يشغلها المكلف بما لا قدرة له عليه، بخلاف واجبات الشرع فإنَّها على قدر طاقة البدن، لا تجب على عاجز"، إلى أن قال: " .. فلا يلزم من دخول النيابة في واجب النذر بعد الموت، دخولها في واجب الشرع" (١).
أما الذين قالوا بأنّه لا ينوب أحد عن أحد في حجّ ولا صوم إلا الابن عن أبيه فقد احتجوا بأن السائل في غالب الأحاديث ولد، وحملوا بقيّة الأحاديث على الولد، لأن النصوص من أمثال قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ للإنسانِ إلاّ مَا سَعَى﴾ مانعة من النيابة، قالوا: ولا تعارض بين الآية ونيابة الابن، لأنَّ الابن من سعي أبيه كما صحَّ الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ : "إنَّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنَّ ولده من كسبه" (٢).
ويشكل على ما قرروه حديث شُبرمة الملبي في الحج عن أخيه، وحديث عائشة الذي فيه "من مات وعليه صوم صام عنه وليه"، فإنه أطلقه ولم يقيده بالولد، وفي حديث السائلة عن النذر قيل: المسؤول عن الصوم عنها كانت أختها كما في إحدى الروايات. وفي حديث الصدقة تحمل الرسول ﷺ الزكاة عن عمه.
ولذا وصف ابن حجر القائلين بقصر النيابة على الولد بالجمود.
стр. 265
تحرير محلّ النزاع
بعد أن عرضنا مذاهب العلماء في النيابة وأدلتهم وما ورد عليها من مناقشات يجدر بنا أن نحرر محلَّ النزاع فنقول: ليس كلّ العبادات موضع خلاف، ولا كل الأشخاص تجوز نيابتهم عن غيرهم، ولذا سأبين العبادات التي اتفق العلماء على أنّه لا مجال للنيابة فيها، ثم الذين لا تجوز النيابة عهم باتفاق.
أولا: عبادات لا مجال للنيابة فيها:
أ- العبادات القلبيّة كإيمان القلب وإسلامه، وحبّه ورجائه ... فقد اتفق العلماء على أنّه لا مجال للنيابة فيها، ولم يذكروا خلافا في ذلك، بل لا يتصور الخلاف.
ب- العبادات الشبيهة بالعاديّات كالوضوء والغسل والتيمم، وما ذكره بعض الفقهاء من وجوب النية في غسل الميّت فليس هو من باب النيابة، لأن الميت هنا غير مكلف غسل نفسه، وإنَّما هو فعل أمر به الأحياء للأموات، فينوي قصد الفعل الذي أمر به، وكذلك ما ذكروه من غسل الزوج زوجته المجنونة إذا طهرت من حيضها ونفاسها، وغسله للزوجة الذمية إذا طهرت في حيضها ونفاسا قهرا إذا امتنعت فلا يدخل في هذا الباب، لأنَّ المجنونة والذمَّية لو اغتسلتا بنفسيهما صحّ مع أنَّهما ليستا من أهل النية، فالقول بوجوب غسلهما أو اغتسالهما إنّما هو لمجرد التطهر.
وكذلك ما ذكروه من أنّ الشخص قد يوضىء غيره أو ييممه أو يغسله، والمتوضىء والمتيمم والمغتسل من أهل النية، كمن وضّأ مريضا أو يمم أقطعا، ليس من باب النيابة، لأن هذا الموضىء والمغسل والميمم بمثابة الآلة، فمثله كمثل جهاز من الأجهزة الحديثة يقوم بغسل الإنسان أو توضئته، وكمثل جنب
стр. 266
أمطرت السماء فوقف صامدا تحت المطر ينوي الغسل من الجنابة، فالنيّة هنا على المتوضىء والمغتسل والمتيمم، لا على من فعل ذلك به، وهذا واضح، وغفل من قال بأن النية على الموضىء.
جـ نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل الصلاة (١)، ولا يعتدُّ بمخالفة الظاهرية في تجويزهم النيابة في الصلاة المنذورة خاصة لمخالفته للإجماع، وممن نصَّ على أنَّ الصلاة المنذورة لا تقضى عن الميت الشافعي في اختلاف علوم الحديث (٢).
ثانيا: الذين لا تجوز النيابة عنهم:
أ- لا تجوز النيابة عن الأحياء القادرين على الفعل، فلا يجوز أن ينيب حيّ قادر غيره ليحج عنه أو يصوم عنه، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على عدم جواز النيابة عن القادر في حج واجب (٣).
ب- ولا يجوز أن ينيب الحيُّ غير القادر أحدا عنه إلاّ في الحجّ، أما الذي لا يستطيع الصوم فيطعم عن كلّ يوم مسكينا، والخلاف في الحيّ غير القادر في الحج، إذا كان غير مستطيع بنفسه، ولكنه مستطيع بغيره.
جـ ولا تجوز النيابة عن ميّت لم يفرّط ولم يقصّر، فمذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي والجمهور أن من كان عليه صوم، ولم يتمكن من قضائه حتى مات بسبب سفر أو مرض أو غيرهما من الأعذار-فهذا لا شيء عليه، ولا يصام عنه، ولا يطعم عنه، قال العبدري: وهو قول كافة العلماء إلاّ طاووسًا وقتادة، فقالا: يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكينا، لأنَّه عاجز فأشبه الشيخ الهرم (٤).
стр. 267
د- ولا تجوز النيابة عن شخص كان متعمدا لترك العبادة، يقول ابن القيم: "من ترك الحجّ عمدا حتى مات، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات- فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع أن فعلهما عنه بعد الموت لا يبرىء ذمته، ولا يقبل منه، والحق أحق أن يتبع" (١).
وقال في موضع آخر: "ولا يحجّ عن أحدٍ إلاّ إذا كان معذورا بالتأخير كما يطعم الوليّ عمن أفطر في رمضان لعذر".
"فأما المفرِّط في غير عذر أصلا فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرّط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاء وامتحانا دون الولي" (٢).
وبهذا يتحرر محلّ النزاع، فالنزاع بين العلماء في النيابة في العبادات في عبادتين.
الأولى: في الصوم عن الميت الذي عليه صوم نذر، أو صوم من رمضان، كان يمكنه قضاؤه، ثم توفّى في أن يقضيه.
الثانية: في الحجّ في حالتين: في ميّت لم يحجّ ولم يكن متعمدا للترك، ولكنَّه كان يسوّف ويؤجّل فوافاه الأجل. وفي حيّ غير قادر على الحج بنفسه، ولكنّه قادر بغيره، بأن ينفق على من يحجّ عنه من ماله، أو يجد من يطيعه من ولد أو قريب إذا أمره بالحجّ عنه.
الرأي الراجح:
وما ذهب إليه الجمهور من جواز النيابة في الحجّ في الحالتين المذكورتين هو الرأي الراجح الذي تشهد له الأدلّة كما بينا، ونرى أنّه تجوز النيابة فيه من الولد ومن غير الولد خلافا لمن قيَّده بذلك.
стр. 268
ومذهب الإمام الشافعي في عدم جواز النيابة في صوم الفريضة مذهب قوي، إلا أننا نرجّح مذهب الحنابلة في جواز النيابة في صوم النذر، لصحة الأحاديث في ذلك، على أن يكون النائب وليا: ولدا أو أبا، أما غير الولي فلا للحديث: "مَنْ مات وعليه صوم صام عنه وليه".
ونستطيع القول بأنَّ العبادات البدنية التي لا مدخل للمال فيها لا تجوز النيابة فيها مطلقا، وهي الوضوء، والغسل، والتيمم، والصلاة، والصوم غير المنذور.
والعبادات المالية تجوز فيها النيابة مطلقا، ولذلك أقر ﷺ بل حبَّب قضاء الدين عن الميت، فعن سلمة بن الأكوع "أنَّ النبي ﷺ أتي بجنازة، فقالوا: صلِّ عليه. قال: هل ترك شيئًا؟ قالوا: لا. قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلّوا على صاحبكم، قال رجل من الأنصار يقال له أبو قتادة: صلّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه" (١).
وعن أبي قتادة ﵁ نحو من حديث سلمة بن الأكوع، وفيه: "أرأيت إن قضيت عنه، أتصلي عليه؟ قال: إن قضيت عنه بالوفاء- صلّيت عليه، قال: فذهب أبو قتادة فقضى عنه، فقال: أوفيت ما عليه؟ قال: نعم، فدعا رسول الله ﷺ ، فصلى عليه" (٢).
ويدلّ على ذلك ما سيأتي من جواز الصدقة عن الميت.
أما العبادات التي فيها مدخل للمال كالحجّ، فالراجح دخول النيابة فيها، لأجل ذلك. وبناء على هذا الأصل: جاز للولي أن يقوم بتفريق زكاة مال التيم، وزكاة مال المحجور عليه لجنون أو سفه، وجاز أن يفوض الرجل غيره في التصرف في ماله بما في ذلك إخراج الزكاة عنه. أما توكيل صاحب المال شخصا ما بتفريق
стр. 269
زكاة فليس من باب النيابة، لأن الموكَّل -بالفتح- بمثابة الآلة، أشبه ما لو أرسل المال إلى الفقراء بالبريد أو بواسطة المصرف (البنك).
ويلزم -بناء على ذلك- جواز تحمل شخص ما الزكاة عن غيره، وهذا ما دل عليه حديث أبي هريرة -ضي الله عنه- قال: "بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد (١)، وعباس (٢) عمّ رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "ما ينقم ابن جميل إلاَّ أنه كان فقيرا، فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله تعالى، وأما العباس فهي عليَّ ومثلها معها، ثم قال: أما شعرت يا عمر أن عمّ الرجل صنو أبيه" (٣).
فالرسول ﷺ تحمَّل زكاة عمه العباس.
وقد حاول بعضهم ردّ الحديث بحمله على الصدقة المستحبة، وهذا بعيد كما يقول النووي (٤)، فإن الرسول ﷺ ما كان يبعث عمالا إلا في زكاة المال، وما كان هؤلاء ليلاموا لو منعوا الصدقة المستحبّة. وصرف بعضهم الحديث عن وجهه زاعما أنّ الرسول ﷺ قصد بقوله: "فهي علي ومثلها": أننا تسلّفنا من العباس زكاة سنتين، قالوا: يشهد لذلك ما ورد أنَّ الرسول ﷺ قال: "إنا كنَّا احتجنا فاستسلفنا العباس صدقة عامين" (٥).
стр. 270
وفي حديث: "أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ، فرخص له" (١).
والجواب أنَّ في هذه الأحاديث ضعفا، وعلى القول بصحتها لا يلزم من ذلك أن يحمل قول الرسول ﷺ : "فهي عليّ" أي تسلفتها منه، فهو حمل بعيد، وما فائدة التعليل بقوله ﷺ : "أما شعرت يا عمر أن عمَّ الرجل صنو أبيه"، أليس فيه تعليل للسبب الذي دعاه لأن يتحمل عنه زكاته، وإلا ما فائدة هذا التعليل إذا كان مراده بالتحمل التسلف؟ فعلى القول بصحّة التسلف هما حديثان مختلفان.
стр. 271
إهداء ثواب العبادة للأموات
هذه المسألة شديدة الارتباط بالمسألة السابقة، بل إنَّ الفقهاء يعرضون هاتين المسألتين وكأنَّهما مسألة واحدة.
والأقوال فيهما متقاربة:
فالإمام مالك -رحمه الله تعالى- منع من إهداء الثواب مطلقا، وبذلك قالت المعتزلة (١).
وذهب ابن تيمية إلى جواز إهداء ثواب ما يتعبد به المرء للميت مطلقا، أي سواء أكان صلاة، أم صياما، أم حجّا، أم قراءة قرآن (٢)، وقد انتصر ابن القيم لشيخه في كتاب الروح، وأطال الاستدلال والاحتجاج لنصرة هذا المذهب.
وأجاز الإمام أحمد وبعض الشافعية إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الأموات (٣)، ومنع من ذلك الشافعي -رحمه الله تعالى- كما منعه مالك. ويرى بعض العلماء أنّ جواز الإهداء مقصور على الابن، فيجوز له أن يهدي لأمه وأبيه، ولا يجوز من غيره (٤).
حجج المانعين:
احتج المانعون هنا بالحجج نفسها التي استدلَّ بها مانعو النيابة في العبادات، وقد سبق ذكرها.
стр. 272
حجج المجيزين:
احتجّوا بالنصوص التي تدلّ على جواز النيابة والتي ذكرناها في المسألة السابقة وبنصوص أخرى منها:
١ - عن عائشة ﵂: "أنَّ رجلا قال: إن أمي افتلتت نفسها -ولم توص- وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدَّقت عنها؟ قال: نعم، فتصدق عنها" (١).
٢ - عن ابن عباس ﵁: "أن سعد بن عبادة توفيت أمّه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائط المخراف صدقة عليها" (٢).
٣ - عن أبي هريرة ﵁: "أنَّ رجلا قال للنبيّ ﷺ إن أبي مات وترك مالا ولم يوص، فهل يكفّر عنه أن أتصدّق عنه؟ قال: نعم" (٣).
٤ - عن عبد الله بن عمرو (٤): "أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، وإن هشاما أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنه لو كان مسلما، فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه
стр. 273
ذلك، (وفي رواية): لو أقرَّ بالتوحيد فصمت وتصدَّقت عنه نفعه ذلك" (١).
٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلاَّ من ثلاثة أشياء: إلاّ من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (٢).
٦ - عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده" (٣).
٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن عن عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورَّثه، أو من مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته" (٤).
واحتجوا بالنصوص الدالة على مشروعية الدعاء للأحياء والأموات: كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٥)، ومن الأحاديث: "دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكَّل، كلَّما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل" (٦)، ومها: أنَّه قد شرع لنا الدعاء عند زيارة القبور، وفي الصلاة على الجنائز.
стр. 274
النظر في هذه الأدلة:
هذه النصوص التي ساقوها لا تنهض للاستدلال على جواز إهداء الثواب إلى الميت في كل العبادات، بل إن بعضها ليس من باب الإهداء:
أ- فالنصوص الدالّة على مشروعية الدعاء للأحياء والأموات لا مدخل لها في هذا الباب، فليست هي من إهداء الثواب، بل هي من باب شفاعة المسلم لغيره، يقول العزُّ بن عبد السلام: "الدعاء شفاعة جائزة من الأقارب والأجانب، وليست مستثناة من هذه -يقصد النصوص المانعة من وصول عمل المرء لغيره- لأن ثواب الدعاء للداعي، والمدعو به حاصل للمدعو له، فإنْ طلب له المغفرة والرحمة كانت المغفرة والرحمة مخصوصين بالمدعو له، وثواب الدعاء للداعي، ونظَّر ذلك بما لو شفع إنسان لفقير في كسوة أو في العفو عن زلة، كانت للشافع ثواب الشفاعة في العفو والكسوة، وكانت مصلحة العفو والكسوة للفقير" (١).
ب- وأيضا النصوص الدالة على انتفاع المرء بأعماله الصالحة التي استمر وجودها وانتفاع الناس بها من بعده -لا تصلح للاحتجاج بها على هبة الثواب، لأنها من سعي الإنسان وعمله أو هي آثار عمله، يقول ابن كثير بعد أن ساق حديث "إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به" (٢) يقول: "فهذه الثلاث في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" (٣). والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (٤) الآية.
والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله،
стр. 275
وثبت في الصحيح "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء" (١).
ومن هذا الباب أيضا ما ورد في الحديث: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورَّثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها .. " (٢).
أما بقيّة النصوص الدالّة على الصدقة، فقد سبق القول بأن الأمور المالية تقبل النيابة عن الأحياء والأموات، وكذلك يصحّ إهداء ثوابها للأموات. وقد ذهب جمع من العلماء منهم الشوكاني ومحمد رشيد رضا (٣) إلى أنَّ الصدقة التي تلحق الميت هي الصدقة الكائنة من الابن فحسب، لأنَّ الأحاديث الواردة في الصدقة عن الميت كلّها في ذلك.
يقول الشوكاني: "وأحاديث الباب تدلّ على أنَّ الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصيّة منهما، ويصل إليهما ثوابها، فيخصّص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ ليسَ لِلِإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ (٤) ". ثم استدرك قائلا: "ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أنَّ ولد الإنسان من سعيه، فلا حاجة إلى دعوى التخصيص.
وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها" (٥).
стр. 276
ويجاب عن ما ذكره من أن الصدقة المهداة الثواب التي تصل الميت مخصوصة بالولد بأمرين:
الأول: بالإجماع، وقد نقل الإجماع النووي في شرحه على مسلم (١) وابن كثير في تفسيره، يقول ابن كثير: "أما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما" (٢).
الثاني: سبق أن ذكرنا حديثين صحيحين رغب الرسول ﷺ فيهما في قضاء دين الميت، وقد قضى دينه عنه رجل من غير قرابته، وأقرّ رسول الله ﷺ ذلك، بل أمره به (٣)، فإذا نفعه قضاء الدَّين عنه، فإنَّ الصدقة كذلك، ولا فرق بينهما.
وما ذكره ابن النحوي من الشافعية من أنه ينبغي أن يجزم بوصول ثواب قراءة القرآن للميت إذا أهديت له، لأنه دعاء (٤)، غير صحيح، لأن القراءة ليست دعاء كلُّها، فالقرآن فيه الدعاء، والأخبار والقصص والأحكام، فكيف يقال القرآن دعاء فحسب، وقد ذكر ابن كثير أن الشافعي -رحمه الله تعالى- استنبط من قوله تعالى: ﴿وَأنْ لَيْس لِلإنْسَان إِلا مَا سَعى﴾ (٥) "أنَّ قراءة القرآن لا يصل ثواب إهدائها إلى الموتى، لأنه ليس من كسبهم وعملهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵁، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء" (٦).
стр. 277
الفصل السادس
ما يفتَقرِ إلى النِّيَّة وَمَا لاَ يفتَقِر إليَهَا
стр. 278
مَا يفتَقِر إلى النِّيَّة وَمَا لاَ يفتقِر إليَهَا
سنحاول أن نفصل القول في هذا الفصل في ما يفتقر إلى النيَّة من العبادات، وما لا يفتقر إليها، مع بيان مذاهب العلماء في ذلك.
إزالة النجاسات
إزالة النجاسات من البدن، أو الثوب أو المكان، لا تفتقر إلى نيّة، ولم يخالف في هذا إلا قليل من متأخري الحنابلة، والشافعية (١)، وقد نسب محققو المذهبين هؤلاء الذين أوجبوا النيّة في إزالة النجاسة إلى الشذوذ (٢).
وحجّة جمهور العلماء أن إزالة النجاسات من باب التروك، ولذا لا تلزمها النيّة.
وكأن الذين أوجوا النيّة في إزالة النجاسات نظروا إلى أن الشارع قد أوجب عليهم التطهر من الخبث، كما أوجب عليهم التطهر من الحديث، فتكون من باب المأمورات التي لا تكفي صورتها في تحصيل مصلحتها، فتحتاج إلى النيَّة (٣).
والردّ عليهم أنَّ الطهارة من الحديث لا بدّ لها من النية، لأنَّها طهارة حكمية، أما النجاسات فإنها محسوسة، والمطلوب إزالة عينها، وإزالة عين النجاسة لا تتوقف
стр. 279
على النية، بل لا تتوقف على فعل من العبد، فلو نزل الماء على الأرض النجسة، أو على الثوب، أو لو طيرت الريح الثوب، وألقت به في البحر أو النهر، فإنه يطهر بذلك.
وابن حزم وإن كان يرى أن النجاسة لا تفتقر في زوالها إلى النية، محتجا بالإجماع، إلاّ أنّه يوجب النية في تطهير النجاسة التي أمر الله بها على صفة معينة وبعدد محدود، فهذه لا تزول -عنده- إلاّ بالنية، وعلى تلك الصفة التي أمر الله بها، كنجاسة الكلب، فقد أمرنا بغسلها سبعا إحداها بالتراب، واحتجَّ لذلك بقوله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١)، وما احتج به لا دليل فيه على وجوب النية لإزالة هذا النوع من النجاسة.
الأحداث التي تنقض الطهارة
الأحداث التي تنقض الطهارة تنقض بنفسها سواء قصدها أم لم يقصدها، حتى لو كانت بنسيان.
ولم يخالف في هذا أحد من العلماء غير مالك في اللمس (٢)، فهو يرى أنَّ اللامس لا ينتقض وضوؤه ما لم يكن قاصدا اللمس، وخالفه بقية العلماء الذين يرون أن اللمس ناقض للوضوء، فقالوا: هو ناقض بصورته.
يقول ابن العربي رادّا على إمام مذهبه: "والذي يدّعي انضمام القصد إلى اللمس في اعتبار الحكم هو الذي يلزمه الدليل، فإن الله تعالى أنزل اللمس المفضي إلى خروج المذي بمنزلة التقاء الختانين المفضي إلى خروج المني" (٣).
стр. 280
النيّة في الوضوء والغسل (١)
ذهب جماهير العلماء إلى إيجاب النيّة في الوضوء والغسل، ومن هؤلاء: الأئمة الثلاثة: الشافعي ومالك وأحمد، ومنهم: الليث وإسحق وابن المنذر، وداود الظاهري، وابن حزم، وأبو ثور (٢)، وربيعة وغيرهم كثير (٣).
ولكثرة القائلين بإيجاب النية في الوضوء ظنَّ بعض الفقهاء أنَّ الأمر مجمع عليه، وليس كذلك، بل الخلاف فيه مشهور معروف، وممن خالف في ذلك أبو حنيفة وأصحابه: أبو يوسف، ومحمد، وزفر، وخالف الثوري والأوزاعي، والحسن بن حي (٤).
وحكى القرطبي أن كثيرا من الشافعية ذهبوا إلى هذا (٥).
وهو قول شاذّ في مذهب الحنابلة (٦).
وعند عامة الأحناف أن النية في الوضوء سنّة، إلا أن القدوري (٧) منهم قال بأنّها مستحبة، وأنكر عليه ابن الهمام قوله، وقال: "لا سند للقدوري في الرواية ولا في
стр. 281
الدراية في جعل النية مستحبّة غير سنّة، أما الرواية فنصوص المشايخ متضافرة على السنيَّة" (١).
أدلة القائلين بعدم الوجوب
استدل القائلون بعدم الوجوب بأدلة كثيرة، منها:
١ - أن الماء مطهر بطبعه:
قالوا: "الماء مخلوق على صفات وطبيعة لا تحتاج في حصول أثرها إلى النية. فالماء خلق طهورا، ومرويا، ومبردا وسائلا، كلّ ذلك بطبعه ووصفه الذي جعله الله عليه، فكما أنّه لا يحتاج إلى النيّة في حصول الري والتبريد به، فكذلك في حصول التطهر به.
ومما يزيد الأمر وضوحا قوله ﷺ : "خلق الماء طهورا" (٢)، فهو صريح في أنه مخلوق على هذه الصفة، و "طهورا"، منصوب على الحال، أي خلق على هذه الحالة من كونه طهورا، وهي حال لازمة، فهي كقولهم: "خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها"، فهذه الصفة وهي الطهورية مخلوقة معه نويت أم لم تنو" (٣).
واستدلالهم بالحديث قريب من استدلالهم بالآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طهورًا﴾ (٤).
٢ - أن المعتبر في الوضوء لا يتوقف على النَّية:
وقالوا: المعتبر في الوضوء إما جريان الماء على الأعضاء، وهذا حاصل نوى أو لم ينو.
стр. 282
وإما حصول الوضوء والنظافة، وهذا أيضا لا يتوقف حصوله على النية.
وإما إزالة الحدث المتعلق بالأعضاء، وهذا أيضا لا ينبغي أن يتوقف على النية، لأنّ الخبث أقوى من الحدث، ولا يتوقف زواله على النيّة، بل بمجرد غسله، فكيف تزيل الأقوى بدون نيّة، ولا تزيل الأضعف! (١)
٣ - الوضوء يتحقق المقصود منه بنفس وقوعه:
قسّمت الشريعة أعمال المكلفين إلى قسمين:
قسم يحصل مقصوده والمراد منه بنفس وقوعه، فلا يعتبر في صحته نيَّة كأداء الديون، وردّ الأمانات والنفقات وإزالة النجاسات، وغير ذلك من مصالح هذه الأفعال التي تحصل بوجودها، ولا يتوقف ذلك على النية.
والقسم الثاني: ما لا يحصل مراده ومقصوده منه بمجرده، بل لا يكفي فيه مجرد الصورة العارية عن النية، كالصلاة والصوم والحج ... الخ.
وقد عدّ الأحناف الوضوء من القسم الأول، لأن المراد من الوضوء والغسل الوضاءة والنظافة وقيام العبد بين يدي الربّ ﵎ على أكمل أحواله مستور العورة، متجنبا للنجاسة، نظيف الأعضاء، وضيئها، وهذا حاصل بالإتيان بهذه الأفعال نواها أو لم ينوها.
٤ - الوضوء وسيلة لغيره، والوسائل لا تلزمها النية:
يرى الأحناف أنّ الوضوء مراد لغيره، والمراد لغيره لا يجب أن ينوى، لأنه وسيلة لغيره، والنيّة إنّما تعتبر في المراد لنفسه، إذ هو المقصود المراد، ولهذا لا يلزم الذاهب إلى الحج، أو الساعي إلى الجمعة أن ينوي قطع المسافة، ولا يلزم من عليه عتق في كفّارة نيّة شراء العبد.
стр. 283
يقول الكاساني: "إن اتصلت النيّة بالوضوء يقع عبادة، وإن لم تتصل به لا يقع عبادة، لكنّه يقع وسيلة إلى إقامة الصلاة كالسعي للجمعة" (١).
٥ - الوضوء شرط والشروط لا تحتاج إلى نيّة:
قالوا: لو اعتبرت النية في الوضوء والغسل لاعتبرت في سائر شروط الصلاة كستر العورة وإزالة النجاسة.
٦ - إطلاق النصوص:
يقول الكاساني: "أمر القرآن بالغسل والمسح (أي في الوضوء) مطلقا عن شرط النية، ولا يجوز تقييد المطلق إلاّ بدليل، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢).
نهى الجنب عن قربان الصلاة إذا لم يكن عابر سبيل إلى غاية الاغتسال مطلقا عن شرط النية، فيقتضي انتهاء حكم النهي عند الاغتسال المطلق، وعنده "أي الشافعي" لا ينتهي إلاّ عند اغتسال مقرون بالنية وهذا خلاف الكتاب" (٣). وقريب من استدلالهم هذا الاستدلال بقول الرسول ﷺ لأمّ سلمة (٤): "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي عليك الماء، فإذا أنت قد طهرت" (٥).
واستدلوا بالأحاديث الكثيرة الآمرة بالوضوء والغسل من غير ذكر للنية، ولو وجبت لذكرت.
стр. 284
وعندما استدلّ مخالفوهم بحديث: "إنَّما الأعمال بالنيات" وما في معناه على تقييد الآيات، لم يرتض الأحناف ذلك، لأنَّه نسخ عندهم، والسنّة الآحادية لا تنسخ الكتاب، يقول السرخسي: "ولنا آية الوضوء، ففيها تنصيص على الغسل والمسح، وذلك يتحقق بدون النيّة، فاشتراط النيّة يكون زيادة على النص، إذ ليس في اللفظ المنصوص عليه ما يدلّ على النيّة، والزيادة لا تثبت بخبر الواحد ولا بالقياس" (١)، وممن ذهب هذا المذهب الجصاص (٢).
٧ - دليل النية ظني الثبوت ظني الدلالة:
وقالوا: إنّ دليل النية -وهو حديث "إنَّما الأعمال"- ظني الثبوت ظني الدلالة، وما كان كذلك فلا يثبت به إلا السنّة والاستحباب.
يقول صاحب كشف الأسرار: "الأدلّة السمعية أنواع أربعة:
قطعيّ الثبوت والدلالة كالنصوص المتواترة.
وقطعي الثبوت، ظني الدلالة، كالآيات المؤولة.
وظنّي الثبوت، قطعي الدلالة، كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي.
وظنّي الثبوت والدلالة، كأخبار الآحاد التي مفهومها ظني" (٣).
ثم بين أنه بالأول يثبت الفرض.
وبالثاني والثالث يثبت الوجوب.
وبالرابع تثبت السنة والاستحباب، ليكون الحكم بقدر دليله" (٤).
стр. 285
ثم قرّر أن قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيّات" من القسم الرابع، لأنَّ معناه: "إما ثواب الأعمال، أو اعتبار الأعمال، فيكون مشترك الدلالة" (١).
وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من دليل آخر يعيّن المراد، وقد بيّن الجصاص عدم صلاحية الحديث للاستدلال به على العموم فقال: "تعلق النيّة بالفعل على وجهين مختلفين: أَحدهما إثْبات فضيلة العمل، والآخر إثبات حكمه حتى إذا فقدت لم يكن له حكم أصلا، ومتى تعلقت به على وجه الفضيلة لم يؤثر عدمها في الحكم نحو غسل الثوب والبدن من النجاسة وغسل الجنابة والوضوء، متى نوى بذلك طهارة الصلاة كانت نية مثبتة له فضيلة، وكان مستحقا بها عليه الثواب، وفقدهما لا يضره في إثبات الحكم". ثم مثل للعبادات التي إذا تعلقت بها على جهة ثبوت الحكم كالصلاة والصوم، ثم قال: "فلمّا كان تعلّق النيّة بالفعل على هذين الوجهين، ولم يكن بأحد الوجهين أولى منها بالآخر، ولم بجز أن يراد به الوجهان جميعا مع ذلك، لاستحالة تعلقه بها على الوجهين جميعا في حال واحدة احتيج فيه إلى دلالة من غير اللفظ المراد به، ولم يكن من ادعى في قوله: "الأعمال بالنيات" إثبات حكم الأعمال بأولى ممن ادّعى فضيلة العمل" (٢)، ثم قرّر أنه لا يصحّ الاحتجاج فيه بظاهر اللفظ حتى تقوم دلالة على المراد.