← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 97808

مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (511 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الدراية في جعل النية مستحبّة غير سنّة، أما الرواية فنصوص المشايخ متضافرة على السنيَّة" (١). أدلة القائلين بعدم الوجوب استدل القائلون بعدم الوجوب بأدلة كثيرة، منها: ١ - أن الماء مطهر بطبعه: قالوا: "الماء مخلوق على صفات وطبيعة لا تحتاج في حصول أثرها إلى النية. فالماء خلق طهورا، ومرويا، ومبردا وسائلا، كلّ ذلك بطبعه ووصفه الذي جعله الله عليه، فكما أنّه لا يحتاج إلى النيّة في حصول الري والتبريد به، فكذلك في حصول التطهر به. ومما يزيد الأمر وضوحا قوله ﷺ : "خلق الماء طهورا" (٢)، فهو صريح في أنه مخلوق على هذه الصفة، و "طهورا"، منصوب على الحال، أي خلق على هذه الحالة من كونه طهورا، وهي حال لازمة، فهي كقولهم: "خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها"، فهذه الصفة وهي الطهورية مخلوقة معه نويت أم لم تنو" (٣). واستدلالهم بالحديث قريب من استدلالهم بالآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طهورًا﴾ (٤). ٢ - أن المعتبر في الوضوء لا يتوقف على النَّية: وقالوا: المعتبر في الوضوء إما جريان الماء على الأعضاء، وهذا حاصل نوى أو لم ينو.

стр. 282

وإما حصول الوضوء والنظافة، وهذا أيضا لا يتوقف حصوله على النية. وإما إزالة الحدث المتعلق بالأعضاء، وهذا أيضا لا ينبغي أن يتوقف على النية، لأنّ الخبث أقوى من الحدث، ولا يتوقف زواله على النيّة، بل بمجرد غسله، فكيف تزيل الأقوى بدون نيّة، ولا تزيل الأضعف! (١) ٣ - الوضوء يتحقق المقصود منه بنفس وقوعه: قسّمت الشريعة أعمال المكلفين إلى قسمين: قسم يحصل مقصوده والمراد منه بنفس وقوعه، فلا يعتبر في صحته نيَّة كأداء الديون، وردّ الأمانات والنفقات وإزالة النجاسات، وغير ذلك من مصالح هذه الأفعال التي تحصل بوجودها، ولا يتوقف ذلك على النية. والقسم الثاني: ما لا يحصل مراده ومقصوده منه بمجرده، بل لا يكفي فيه مجرد الصورة العارية عن النية، كالصلاة والصوم والحج ... الخ. وقد عدّ الأحناف الوضوء من القسم الأول، لأن المراد من الوضوء والغسل الوضاءة والنظافة وقيام العبد بين يدي الربّ ﵎ على أكمل أحواله مستور العورة، متجنبا للنجاسة، نظيف الأعضاء، وضيئها، وهذا حاصل بالإتيان بهذه الأفعال نواها أو لم ينوها. ٤ - الوضوء وسيلة لغيره، والوسائل لا تلزمها النية: يرى الأحناف أنّ الوضوء مراد لغيره، والمراد لغيره لا يجب أن ينوى، لأنه وسيلة لغيره، والنيّة إنّما تعتبر في المراد لنفسه، إذ هو المقصود المراد، ولهذا لا يلزم الذاهب إلى الحج، أو الساعي إلى الجمعة أن ينوي قطع المسافة، ولا يلزم من عليه عتق في كفّارة نيّة شراء العبد.

стр. 283

يقول الكاساني: "إن اتصلت النيّة بالوضوء يقع عبادة، وإن لم تتصل به لا يقع عبادة، لكنّه يقع وسيلة إلى إقامة الصلاة كالسعي للجمعة" (١). ٥ - الوضوء شرط والشروط لا تحتاج إلى نيّة: قالوا: لو اعتبرت النية في الوضوء والغسل لاعتبرت في سائر شروط الصلاة كستر العورة وإزالة النجاسة. ٦ - إطلاق النصوص: يقول الكاساني: "أمر القرآن بالغسل والمسح (أي في الوضوء) مطلقا عن شرط النية، ولا يجوز تقييد المطلق إلاّ بدليل، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢). نهى الجنب عن قربان الصلاة إذا لم يكن عابر سبيل إلى غاية الاغتسال مطلقا عن شرط النية، فيقتضي انتهاء حكم النهي عند الاغتسال المطلق، وعنده "أي الشافعي" لا ينتهي إلاّ عند اغتسال مقرون بالنية وهذا خلاف الكتاب" (٣). وقريب من استدلالهم هذا الاستدلال بقول الرسول ﷺ لأمّ سلمة (٤): "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي عليك الماء، فإذا أنت قد طهرت" (٥). واستدلوا بالأحاديث الكثيرة الآمرة بالوضوء والغسل من غير ذكر للنية، ولو وجبت لذكرت.

стр. 284

وعندما استدلّ مخالفوهم بحديث: "إنَّما الأعمال بالنيات" وما في معناه على تقييد الآيات، لم يرتض الأحناف ذلك، لأنَّه نسخ عندهم، والسنّة الآحادية لا تنسخ الكتاب، يقول السرخسي: "ولنا آية الوضوء، ففيها تنصيص على الغسل والمسح، وذلك يتحقق بدون النيّة، فاشتراط النيّة يكون زيادة على النص، إذ ليس في اللفظ المنصوص عليه ما يدلّ على النيّة، والزيادة لا تثبت بخبر الواحد ولا بالقياس" (١)، وممن ذهب هذا المذهب الجصاص (٢). ٧ - دليل النية ظني الثبوت ظني الدلالة: وقالوا: إنّ دليل النية -وهو حديث "إنَّما الأعمال"- ظني الثبوت ظني الدلالة، وما كان كذلك فلا يثبت به إلا السنّة والاستحباب. يقول صاحب كشف الأسرار: "الأدلّة السمعية أنواع أربعة: قطعيّ الثبوت والدلالة كالنصوص المتواترة. وقطعي الثبوت، ظني الدلالة، كالآيات المؤولة. وظنّي الثبوت، قطعي الدلالة، كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي. وظنّي الثبوت والدلالة، كأخبار الآحاد التي مفهومها ظني" (٣). ثم بين أنه بالأول يثبت الفرض. وبالثاني والثالث يثبت الوجوب. وبالرابع تثبت السنة والاستحباب، ليكون الحكم بقدر دليله" (٤).

стр. 285

ثم قرّر أن قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيّات" من القسم الرابع، لأنَّ معناه: "إما ثواب الأعمال، أو اعتبار الأعمال، فيكون مشترك الدلالة" (١). وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من دليل آخر يعيّن المراد، وقد بيّن الجصاص عدم صلاحية الحديث للاستدلال به على العموم فقال: "تعلق النيّة بالفعل على وجهين مختلفين: أَحدهما إثْبات فضيلة العمل، والآخر إثبات حكمه حتى إذا فقدت لم يكن له حكم أصلا، ومتى تعلقت به على وجه الفضيلة لم يؤثر عدمها في الحكم نحو غسل الثوب والبدن من النجاسة وغسل الجنابة والوضوء، متى نوى بذلك طهارة الصلاة كانت نية مثبتة له فضيلة، وكان مستحقا بها عليه الثواب، وفقدهما لا يضره في إثبات الحكم". ثم مثل للعبادات التي إذا تعلقت بها على جهة ثبوت الحكم كالصلاة والصوم، ثم قال: "فلمّا كان تعلّق النيّة بالفعل على هذين الوجهين، ولم يكن بأحد الوجهين أولى منها بالآخر، ولم بجز أن يراد به الوجهان جميعا مع ذلك، لاستحالة تعلقه بها على الوجهين جميعا في حال واحدة احتيج فيه إلى دلالة من غير اللفظ المراد به، ولم يكن من ادعى في قوله: "الأعمال بالنيات" إثبات حكم الأعمال بأولى ممن ادّعى فضيلة العمل" (٢)، ثم قرّر أنه لا يصحّ الاحتجاج فيه بظاهر اللفظ حتى تقوم دلالة على المراد.

стр. 286

مناقشة الحجج التي أوردوها ١ - حاول بعض الذين يخالفون الأحناف فيما ذهبوا إليه أن يمنع استدلالهم بالدليل الأول زاعما أنَّ الماء ليس مطهّرا بطبعه، لأن هذا مبني على إثبات القوى والطبائع في المخلوقات، وأهل الحق ينكرونه، وجواب هؤلاء فاسد، وهو باطل حسا وشرعا وعقلا، والقرآن والسنة مملوءان من إثبات الأسباب والقوى، والعقلاء قاطبة على إثباتها سوى طائفة من المتكلمين حملهم المبالغة في إثبات قول القدرية النفاة على إنكارها جملة. فما ذهب إليه الأحناف من أنَّ الماء مطهّر بطبعه على أنَّه منظِّف للمحل الذي نريد تطهيره، لا ينبغي أن يخالفوا فيه، والذي نخالفهم فيه، -وفيه النزاع- أنَّ الماء يفتتح به الصلاة، ويرفع المانع الذي جعله الشارع صادّا عن الدخول في الصلاة بطبعه من غير تقدم نيّة، فدعوى الأحناف هذه دعوة مجردة، لا يمكن تصحيحها البتة، بل هي بمثابة قول القائل: استعماله عبادة بمجرد طبعه محصل التعبد، والثواب به لا يحتاج إلى نيّة، وهذا بيّن البطلان. يوضّح المسألة أنَّ التبرد والري والتنظف حاصل بالماء ولو لم يرده، وأما التعبد لله بالوضوء فلا يحصل إلا بنية التعبد، فقياس أحد الأمرين على الآخر قياس فاسد، لذا فإن ابن الهمام من علماء الأحناف لم يرتض الاستدلال بهذا الدليل من قبل علماء المذهب، قال: "أما جعل الماء طهورا بنفسه مستفادا من قوله تعالى: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ (١)، ومن قوله: ﴿وليطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٢)، فلا يخفى ما فيه، إذ كون

стр. 287

المقصود من إنزاله التطهير به، وتسميته طهورا، لا يفيد اعتباره مطهرا بنفسه، أي رافعا للأمر الشرعي بلا نيّة، بخلاف إزالة الخبث، لأنَّ ذلك محسوس أنه مقتضى طبعه، ولا تلازم بين إزالته حسّا صفة محسوسة، وبين كونه يرتفع عند استعماله اعتبار شرعي، أعني الحدث، وقد حققنا في بحث الماء المستعمل أنَّ التطهير ليس من مفهوم (طهور)، والمفاد من (ليطهركم) كون المقصود من إنزاله التطهير به، وهذا يصدق مع اشتراط النيّة كما قال الشافعي: "وعدمه كما قلنا" (١). ثم ذكر أن مستنده في عدم إيجاب النيّة في الوضوء هو عدم الدليل على الإيجاب وسيأتي ما فيه. ٢ - وأما دليلهم الثاني فالرد أننا نجزم بأنّ المراد بالوضوء والغسل رفع الحدث لا جريان الماء ولا الوضاءة، واستدلالهم على أنَّ الحدث يرتفع بقياس الأوْلى مردود، لأن رفع الخبث أمر حسيّ مشاهد لا يستدعي أن يكون رافعه من أهل العبادة، بل هو بمنزلة كنس الدار، وتنظيف الطرقات، وطرح المميتات، والخبائث، فزوال النجاسة لا يفتقر إلى فعل المكلف، بل لو أصابها المطر فأزال عينها طهر المحل بخلاف الطهارة من الحدث، فإن الله أمر بأفعال متميزة لا يكون المكلف مؤديا ما أمر به إلاّ بفعلها الاختياري الذي هو مناط التكليف. وقد سئل الإمام أحمد عن رجل توضّأ، فأصاب رأسه ماء السماء، فمسحه بيده، أيجزيه من مسحه برأسه؟ قال: إذا نوى أخشى أن لا يجزيه حتى ينوي. وسئل عن رجل جنب وقع في ماء: أيجزيه عن الجنابة؟ قال: إذا نوى. وسئل عمن اغتسل من الجنابة، ولم يتوضأ، أيجزيه؟ قال: إذا نوى الوضوء (٢). وقد تعرّض ابن العربي ﵀ للفرق بين طهارة الحدث والطهارة من

стр. 288

النجاسة فقال: "إزالة النجاسة معقولة المعنى، لأن الغرض منها إزالة العين، لكن بمزيل مخصوص، فقد جمعت عقل المعنى وضربا من التعبّد؛ كالعدة جمعت بين براءة الرحم والتعبد، حتى صارت على الصغيرة واليائسة اللتين تحقق براءة رحمهما قطعا، ولا سيما ومنها غرض ناجز: وهو النظافة فيستقل به، وليس في الوضوء غرض ناجز إلا مجرد التعبد، بدليل لو أنّه أكمل الوضوء وأعضاؤه تجري بالماء، وخرج منه ريح بطل وضوؤه (١). ٣ - وأما استدلالهم بأن الشريعة قسّمت الأفعال إلى قسمين: قسم يحصل مقصوده بمجرده من غير نيّة، وقسم لا يحصل إلاّ بالنيّة، فمسلّم، ولكن الذي لا نسلّمه لهم، وننازعهم فيه -كون الوضوء والغسل من القسم الأول، إذ هذه الدعوى هي محلّ النزاع فلا تقبل، وقولهم في تقريرها: إن القصد من الوضوء والغسل النظافة .... الخ. جوابه: أن لله على العبد عبوديتين: عبودية باطنة، وعبودية ظاهرة، فله على قلبه عبودية، وعلى لسانه وجوارحه عبودية، فقيامه بالعبودية الظاهرة مع تعريه عن حقيقة العبودية الباطنة مما لا يقربه إلى ربه، ولا يُوجب له الثواب وقبول عمله، فإنَّ المقصود امتحان القلوب، وابتلاء السرائر، فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح، والنية هي عمل القلب الذي هو ملك الأعضاء والمقصود بالأمر والنهي، فكيف يسقط واجبه، ويعتبر واجب رعيته وجنده واتباعه الذين إنما شرعت واجباتهم لأجله، ولأجل صلاحه؟ وهل هذا إلاّ عكس القضية وقلب الحقيقة؟ والمقصود بالأعمال كلّها: ظاهرها وباطنها إنّما هو صلاح القلب وكماله وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه وإلهه، ومن تمام ذلك قيامه هو وجنده في حضرة معبوده وربه، فإذا بعث جنوده ورعيته وتغيّب هو عن الخدمة والعبودية فما أجدر تلك الخدمة بالرد والمقت! وهل

стр. 289

الأعمال الخالية عن عمل القلب إلا بمنزلة حركات العابثين! وغايتها ألا يترتب عليها ثواب ولا عقاب. ٤ - أما استدلالهم بأنّ الوضوء وسيلة للصلاة والنية لا تشترط في الوسائل .... الخ. فجوابه: أنّ الوضوء وإن كان وسيلة للصلاة إلاّ أنّه أيضا مقصود لذاته، وقد رتب الشارع عليه الأجر والثواب. وقد خرم الأحناف قاعدتهم هذه في التيمم إذ أوجبوا النيّة له، ولذا احتج عليهم مخالفوهم بقياس الوضوء على التيمم، وسيأتي تحقيق ذلك قريبا عند التعرض للنيّة في التيمم. ٥ - وقولهم: "لو اعتبرت النية في الوضوء لاعتبرت في سائر شروط الصلاة" الخ، فالجواب أنَّ شروط الصلاة كاللباس والطهارة يقعان عبادة وغير عبادة، ولهذا لم يرد نصّ بثواب الإنسان على جنس اللباس والإزالة، وقد وردت النصوص بالثواب على جنس الوضوء كما سيأتي. ٦ - وأمّا استدلالهم بالآيات الآمرة بالوضوء والغسل وأنها جاءت مطلقة ليس فيها الأمر بالنية، ولا يوجد في القرآن أمر بها ... الخ. فجوابه من وجوه: أولا: لا نوافقهم على أن الآية الآمرة بالوضوء لا تدلّ على النية، يقول ابن قدامة في آية الوضوء: "والآية حجة لنا، فإنَّ قوله: ﴿إذَا قُمْتمْ إلَى الصلاَةِ فاغسلوا ... ﴾ (١). الآية، أي للصلاة، كما يقال: إذا لقيت الأمير فترجل، أي له، وإذا رأيت الأسد فاحذر، أي منه" (٢).

стр. 290

وبيّن القرطبي في تفسيره وجه احتجاج علماء المالكية وبعض الشافعية بآية الوضوء قال: فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل، لأن الفرض من قبل الله تعالى، فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به، فإذا قلنا: إن النيّة لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى. ومعلوم أنَّ من اغتسل تبردا، أو لغرض، ما قصد أداء الواجب، وصحَّ في الحديث أن الوضوء يكفر، فلو صحّ بغير نيّة لما كفّر (١). ونقل ابن العربي عن فخر الإسلام أن ضرورة اللغة تقضي أنّ الغسل المأمور به (في الآية) إنما هو لأجل الصلاة (٢). وقد حقق ابن العربي القول في الآية فقال: قوله تعالى: ﴿إِذَا قمتمْ إِلَى الصلاةِ ... ﴾، لا يخلو من ستّة أقسام: الأوّل: ألّا يربط غسل الوجه وما بعده بشيء. الثاني: أن يربط بالقيام إلى الصلاة. الثالث: أن يربط بالحدث وبالصلاة. الرابع: أن يربط بالصلاة. الخامس: أن يربط بالكل. السادس: أن يربط ببعضه (٣). ثم أخذ ينظر في كلّ واحد من هذه الستة ويبيّن مدى صلاحيته لذلك، فإن قيل: لا نربطه بشيء كان محالا لغة محالا بالإجماع، فإنَّه قد ربط بما ربط على الاختلاف فيه.

стр. 291

وبين أن ربطه بالقيام إلى الصّلاة محال ضرورة، لأنَّه لا يمكن الجمع بينهما، ومحال معنى لأن نفس القيام لا يقصد بذلك من الوضوء، وإنَّما المعنى: إذا أردتم القيام ونفس الإرادة هي النيّة. وبيّن عدم صلاحية ربط الوضوء بالحدث، لأن الوضوء يجب بالحدث، لا من أجله إجماعا. فلم يبق إلا أنَّ الأمر بالغسل في الآية مرتبط بالصلاة، وقد صرح النبيّ ﷺ بذلك في قوله: "لا يقبل الله صلاةً بغير طهور" (١)، وإذ أمر الله بالغسل للصلاة فلم ينو المكلف كذلك لم يمتثل ما أمر به. أما القول بأنّه يرتبط بالكلّ ففساده ظاهر (٢). ثانيا: لا نسلّم أنّ القرآن لم يأمر بالنيّة، بل أمر بها، وقد استدلّ العلماء (٣) الموجبون للنية في العبادات عامّة وفي الوضوء خاصّة بالآيات الآمرة بالإخلاص، كقوله: ﴿فَاعْبُدِ الله مُخْلِصًا لَهُ الدينَ﴾ (٤). وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدينَ﴾ (٥). فالآيات تأمر بالِإخلاص في العبادة، وإخلاص الدِّين هو النيّة، ومن اغتسل للتبرّد أو التنظف لم يخلص الدّين لله. واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٦).

стр. 292

قالوا: ومن اغتسل للتبرّد والتنظّف لم يرد حرث الآخرة يقول ابن العربي عند هذه الآية: "هذه الآية تبطل قول أبي حنيفة أنه من توضأ تبردا يجزيه عن فريضة الوضوء الموظفة عليه في الآخرة، والتبرد من حرث الدنيا، فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا تجزىء نيّة عنه بظاهر هذه الآية" (١). وقد يقال: إن هذه النية "الإخلاص" يراد بها قصد المعبود، وهي غير النيّة التي تبحثونها هنا، وهي نيّة قصد العبادة، فالجواب: أنَّ نيّة "الإخلاص" تشمل نيّة العبادة، إذ قصد المعبود يستلزم قصد العبادة التي يتقرب بها إلى الله. وقد اعترف بعض الأحناف بقوة هذا الدليل وذهب إلى العمل بمقتضاه، قال: "الحقُّ أن الدليل قائم على اعتبار النيّة في جميع العبادات، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. والإخلاص هو النيّة وهو جعله بنفسه متلبسا بحال من أحوال العابدين" (٢). واستدلّوا على ثبوت النية بالقرآن بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (٣)، ومن هؤلاء محمد بن إسماعيل البخاري، قال في صحيحه: "باب ما جاء أنَّ الأعمال بالنيّة والحسبة ... "، وأورد قوله تعالى: ﴿قلْ كُل يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾، قال: على نيته" (٤). وهذا التفسير وإن قال به البخاري ﵀ والحسن البصري ومعاوية بن قرّة وغيرهم، فإنّه ليس نصّا في الموضوع، فقد فُسِّرت الشاكلة بالطريقة والناحية وهو قول أكثر العلماء (٥)، وقيل (الشاكلة) الدين.

стр. 293

ثالثا: لم يأخذ الأحناف بحديث "إنَّما الأعمال بالنيات" بحجة أن الحديث يصبح ناسخا للآية في حال قبول الاحتجاج به، لأنّه يفيد حكما جديدا لم يرد في الآية، والزيادة على النصّ عندهم نسخ ... الخ. نقول في الجواب: لا نسلّم أنَّ الحديث تضمّن حكما لم تأت الآيات الآمرة بالوضوء والغسل به، وقد تبين لنا مما مضى أن الآيات تدل على النيّة. وإذا سلمنا لهم أن ما تضمنه الحديث فيه زيادة على ما نصّت الآيات عليه، فلا نسلم لهم أن الزيادة على النصّ نسخ، فمذهب الشافعية والمالكية والحنابلة أنَّ الزيادة على النصّ ليست نسخا، لأنَّ حقيقة النسخ لم توجد في الزيادة، ولأن حقيقة النسخ تبديل، ورفع لحكم الخطاب، والزيادة تقرير للحكم المشروع، وضمّ شيء آخر إليه. قال ابن قدامة: "ولنا أنّ النسخ هو رفع حكم الخطاب، وحكم الخطاب بالحدّ وجوبه وإجزاؤه عن نفسه، وهو باق وإنَّما انضمّ إليه الأمر بشيء آخر فوجب الإتيان به؛ فأشبه الأمر بالصيام بعد الصلاة، فأمّا صفة الكمال فليس هو حكما مقصودا شرعيا، بل المقصود الوجوب والإجزاء، وهما باقيان، ولهذا لو أوجب الشرع الصلاة فقط كانت كليّة ما أوجه الله وكماله، فإذا أوجب الصيام خرجت الصلاة عن كونها كلّ الواجب، وليس بنسخ اتفاقا، وأما الاقتصار عليه فليس مستفادا من منطوق اللفظ لأن وجوب الحدّ لا ينفي غيره، وإنما يستفاد من المفهوم، ولا يقولون به" (١). رابعا: إذا سلّم المخالف لهم بأنَّ الزيادة على النصّ تعد نسخا فإنه لا ينبغي أن يسلم لهم أن الدليل الذي دلّ على اشتراط النيّة حديث فرد، بل هو حديث متواتر تواترا معنويا، وسنبين حقيقة التواتر المعنوي (٢) وقوته في الاحتجاج، وأنه لا يقل

стр. 294

رتبة عن المتواتر اللفظي، وبذا يجوز أن يقال بجواز نسخ القرآن بالسنة، لأنها متواترة. ومما يحتج به على الأحناف أنّ حديث: "إنما الأعمال" قد تلقته الأمة بالقبول، وأجمعت على صحته، وما كان هذا سبيله فإنه بمنزلة المتواتر. يقول الجصاص (١) الحنفي: "خبر الواحد إذا تلقاه النّاس بالقبول صار بمنزلة التواتر" (٢)، ثم بين مراده من تلقي الناس له بالقبول، فقال: "وليس معنى تلقي الناس له بالقبول ألّا يوجد له مخالف، وإنما صفته أن يعرف عظم السلف، ويستعملونه من غير نكير الباقين على قائله، ثم إن خالف بعدهم فيه مخالف كان شاذا، لا يلتفت إليه" (٣). ومن طالع تخريجنا للحديث علم أنّ حديث "إنّما الأعمال" على النحو الذي وصف الجصاص، بل نقول: لم يذهب الغالبية فحسب إلى صحته بل أجمعوا على صحته، "والإجماع يصحح خبر الواحد ويمنع الاعتراض عليه" (٤)، كما يقول الجصاص، ويقول: "ويصير الإجماع قاضيا باستقامة وصحة مخرجه" (٥).

стр. 295

أدلة الموجبين لقد سقنا في مقام الردّ على الأحناف جملة من أدلة الموجبين ونحبّ أن نزيد الأمر وضوحا بذكر الأدلة التي لم نسقها هناك وهي كثيرة منها: أولا: الأحاديث المبينة فضل المتوضىء والمغتسل: إنّ الأمر الرئيسي الذي هو نكتة المسألة المتنازع عليها بين الفريقين المتنازعين في وجوب النيّة وعدمها في الغسل والوضوء يدور حول معنى القربة والعبادة: ألازم فيهما أم ليس بلازم؟ فالأحناف يقولون: ليس بلازم، ومخالفوهم يقولون: هو لازم. واستدل الجمهور على عدم وقوعهما إلاّ عبادة بورود الثواب لفاعلهما مطلقا في الأحاديث، وكل ما هذا شأنه فهو عبادة. ومن المناسب أن نذكر بعض الأحاديث الدالة على ثواب من فعل واحدة من هاتين العبادتين أو فعلهما كلتيهما: ١ - عن أبي مالك الأشعري (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "الطَّهُور شَطْرُ الإيمَانِ" (٢)، وشطره أي نصفه. ٢ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 296

"أَلَا أدُلكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللُه بهِ الخطَايا، ويرْفع الدرجَاتِ؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله قال: "إسْبَاغُ الْوُضوءِ عَلَى الْمكارِه، وكَثْرَة الْخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وانْتِظَار الصلاَة بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذلِكُم الرِّبَاطُ" (١). ٣ - وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَوضأَ فَأَحْسَنَ الْوضوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاه مِنْ جسدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أظْفار" (٢). ٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ أمتِي يُدْعوْنَ غُرّا محَجلِينَ مِنْ آثارِ الْوضوءِ" (٣). ٥ - توضأ عثمان ﵁ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: "مَنْ توَضأَ وضوْئي هَذَا، ثم يصَلي رَكْعَتيْنِ لَا يحَدثَ نَفْسَه فِيهمَا شيء غفِرَ لَه ما تَقَدَّم مِنْ ذَنْبهِ" (٤)، والأحاديث في فضل الوضوء وعظم ثواب فاعله كثيرة، وقد تضمنتها كتب السنة (٥). وهذه الأحاديث وما في معناها تفيدنا-كما يقول القرطبي (٦) - أن المراد بها كون الوضوء مشروعا عبادة لدحض الآثام، وذلك يقتضي افتقاره إلى نية شرعية، لأنّه يشرع لمحو الإثم ورفع الدرجات عند الله تعالى. ثانيا: نصوص زعموا أنها توجب النية في الوضوء: احتجوا بالحديث الذي يرويه أبو هريرة، عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "لَا صَلاةَ لمَنْ لا وُضوءَ لَه، ولَا وضوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكر اسْمَ الله عَلَيْهِ" (٧).

стр. 297

وقد فسَّر ربيعة (١) شيخ مالك قوله ﷺ : "لَا وضوءَ لِمنْ لَمْ يَذْكِر اسْمَ الله علَيْه" أنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوي وضوءا ولا غسلا للجنَابة" (٢). وقال ابن القيم معلقا على الحديث: "وتأوّله جماعة من العقلاء على النيّة، وجعلوه ذكر القلب، وقالوا: وذلك أن الأشياء قد تتغير بأضدادها، فلمّا كان النسيان محله القلب كان محل ضده -الذي هو الذكر- القلب، وإنما ذكر القلب: النيّة والعزيمة" (٣). وهذا الذي حكاه أبو داود عن ربيعة، وسكت عليه، وذكره الخطابي، وسكت عنه، وقرره ابن القيم -غير صحيح، فإن الحديث يقول: "ولَا وضُوءَ لمَنْ لَمْ يَذْكِر اسْمَ الله عَلَيْه"، والظاهر أنّ المراد بـ "اسم الله": التسمية بأنْ يقول: "بِسْمِ الله"، وحمله على النية خلاف الظاهر، وحمل الحديث على المعنى المرجوح. وترك الراجح تحكّم، إذ القاعدة الأصولية أنه لا يصرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح إلاّ لدليل، ولا يوجد دليل هنا، بل الدليل قائم على خِلافه إذ التسمية واجبة في بدايةِ الأمور المهمّة، ولذا أمر الرسول ﷺ بها في كل أمر ذي بال. ثالثا: القياس: استدل القائلون بافتقار الوضوء إلى النية بالقياس، فمن ذلك قياس الشافعيّ (٤) -رحمه الله تعالى- وهو: إنها طهارة من حدث تستباح بها الصلاة، فلم تصح بلا نية كالتيمم.

стр. 298

وقوله: "من حدث"، احتراز من إزالة النجاسة. وقوله "تستباح بها الصلاة" احتراز من غسل الذميّة من الحيض. فإن قالوا التيمم لا يسمّى طهارة، فالجواب أنّه ثبت في الصحح: "جعِلَتْ ليَ الأرْض مَسْجدًِا وَطَهُورًا" (١)، وفي رواية في صحيح مسلم: "وَتُربتهَا طَهورًا" وثبت أنّه ﷺ قال: "الصعيد الطيِّب وُضُوء الْمسلِمِ" (٢)، وما كان وضوءا كان طهورا وحصلت به الطهارة. وقد أورد النووي اعتراضا على هذا القياس، فقال: قيل التيمم فرع الوضوء، ولا يجوز أن يؤخذ حكم الأصل من الفرع. وقد أجاب عن هذا الإشكال قائلا: فالجواب: أن التيمم ليس فرعا؛ لأن الفرع ما كان مأخوذا من الشيء، والتيمم ليس مأخوذا من الوضوء، بل بدلا عنه، فلا يمتنع أخذ حكم المبدل من حكم بدله، ولأنَّه إذا افتقر التيمم إلى النية مع أنه خفيف إذ هو في بعض أعضاء الوضوء فالوضوء أولى (٣). وهناك إشكال آخر أقوى من سابقه، قالوا: هذا قياس فاسد، لأن شرعية التيمم متأخرة عن شرعية الوضوء، وقد علم في الأصول أن من شرط القياس ألّا تكون شرعية حكم الأصل متأخرة عن حكم الفرع، وإلا لثبت حكم الفرع بلا دليل، إلاّ أن للمخالف أن يقول: إننا لا نقصد القياس هنا، بل الاستدلال بنفي الفارق، فنقول: لما شرع التيمم بشرط النيّة -ظهر وجوبها في الوضوء فهو بمعنى لا فارق" (٤). جواب ثان: أنّ قياس الوضوء على التيمم هنا ليس لمعرفة حكم النية في

стр. 299

الوضوء ابتداء، فهناك أدلة كثيرة تثبت هذا الحكم غير هذا القياس، وإنما يفيدنا هذا القياس زيادة اطمئنان وتأكد، وتعاضد الدلائل لِإثبات الأمر الواحد مطلوب يسعى إليه العقلاء خاصة وأن إيجاب النية في التيمم مسلم عند الأحناف، فتكون الحجة عليهم أبلغ. قياس آخر: قالوا: الوضوء عبادة ذات أركان، فوجبت فيها النية كالصلاة (١). ولكن يردُّ هذا القياس أن الأحناف ومن معهم يقولون بأنّ الوضوء يتأتى غير عبادة، فلا تقوم الحجة عليهم بهذا القياس إلاّ بعد أن ندلّل على أن الوضوء لا يكون إلا عبادة، وهذا قد أقمنا الحجة عليه فيما سبق، يكون القياس صحيحا مثبتا للمطلوب.

стр. 300

النيّة في التيمم مذهب الشافعي ﵀ في التيمم كمذهبه في الوضوء، أن النية واجبة فيه، فهو يقول بصريح العبارة: "لا يجوز التيمم بغير نية" (١). وهذا مذهب عامة أهل العلم: ربيعة، ومالك، والليث، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر (٢)، بل نجد بعض الذين قالوا بعدم وجوب النية في الوضوء والغسل، وافقوا الجمهور هنا، فأوجبوا النيّة في التيمم كأبي حنيفة وصاحبيه: أبي يوسف ومحمد (٣). ولقد وهم ابن هبيرة عندما قال: "اجمعوا على أنّ النية شرط في صحة التيمم" (٤). وقال مثل قوله السمرقنديّ من الأحناف: "والنيّة فرض التيمم بالإجماع" (٥)، ولعل سبب وهمهما كثرة القائلين بإيجاب النية هنا، وممن خالف فلم يوجب النيّة في التيمم: زفر من الأحناف (٦)، والأوزاعي (٧). ومذهب زفر هنا منسجم مع مذهبه في الوضوء، فلم يتناقض كما تناقض الذين أوجبوا النية في التيمم دون الوضوء، كالإمام أبي حنيفة وصاحبه، وقد بين شارح

стр. 301

العناية من الأحناف (١) أن التيمم خَلَف عن الوضوء، لأن الخَلَف هو ما لا يجوز الإتيان به إلاّ عند عذر وجد في الأصل، والتيمم ينطبق عليه هذا تماما، والخلَف لا يخالف الأصل في وصفه الذي هو الصحة، وبما أنَّ الوضوء على مذهب أبي حنيفة صحيح دون النية، ينبغي أن يصحّ التيمم دون النية، وإلّا كان الخَلَف مخالفا للأصل في وصفه، وهو لا يجوز لخروجه عن الخليفة في هذه الحال. وقد حاول بعض الأحناف أن يوجه هذا التناقض مدعيا أن التيمم هو القصد لفظا ومعنى، والقصد هو النية، وقد أمرنا بالتيمّم والأمر للوجوب، لذا تشترط النيّة للتيمم بخلاف الوضوء، فإنَّ الأمر ورد بالغسل والمسح، ولا دلالة لهما على النية (٢). وهذا الاستدلال غير مقبول بحال كما يقرّر شارح العناية، لأنَّ القصد الذي يدلّ عليه التيمم غير القصد الذي هو النيّة الشرعية، فالقصد الذي يدل عليه التيمم هو قصد استعمال التراب، أما النية في التيمم فهي أن ينوي الطهارة أو رفع الحدث أو الجنابة أو استباحة الصلاة، وهذا غير ذاك لا محالة، فلا يلزم من كون أحدهما مأمورا به أن يكون الآخر شرطا" (٣). وقد استدل لزفر والأوزاعي القائلين بعدم إيجاب النيّة في التيمم -بأن التيمم متميز بصورته، وما كان كذلك فلا تجب النيّة له، وهذا صحيح من جانب، ولكن إذا نظرنا إلى التيمم من جانب آخر فإنّنا ملزمون بإيجاب النية فيه، فهو وإن كان متميّزا بصورته إلاّ أنه خارج عن نمط العبادات، فإنها كلها تعظيم وإجلال، وليس في مسّ التراب ومسحه على الوجه تعظيم، بل هو كما يقول القرافي والعز بن عبد السلام (٤): شبه العبث واللّعب، فاحتاج إلى النية، ليخرجه من حيز اللعب إلى حيّز التقرب.

стр. 302

النيّة في الصلاة الصلاة عبادة مقصودة لنفسها، بل هي رأس العبادات، وهي غير معقولة المعنى، ولم يعلم خلاف بين الأمّة في إيجاب النية لها. وقد نقل غير واحد من العلماء الِإجماع على وجوب النية في الصلاة (١). ولم يفرّقوا بين صلاة الفرض وبين غيرها، فأوجبوا النيّة لكلّ صلاة، ومنها صلاة الجنازة، بل أوجبوها لسجود التلاوة، وسجود الشكر، لأنهما عبادتان (٢). ولقائل أن يقول: الصلاة متميزة بصورتها عن العادات وعن غيرها من العبادات فلم افتقرت إلى النية؟ الجواب أنَّ النية في الصلاة ليست لتمييزها عن العادات وعن غيرها من العبادات بل لتمييز رتب العبادة، فالصلاة منها ما هو فرض، وما ليس بفرض، والفرض قد يكون فجرا أو ظهرا أو عصرا .... الخ، وغير الفرض قد يكون راتبة وغير راتبة ... الخ، فالنية واجبة للتمييز بين رتب العبادات. يقول الشافعي رحمه الله تعالى في هذه المسألة:

стр. 303

"فرض الله تعالى الصلوات، وأبان الرسول ﷺ عدد كلّ واحدة منهنّ ووقتها، وما يعمل فيهنَّ، وفي كلّ واحدة منهنّ، وأبان الله منهنَّ نافلة وفرضا، فقال لنبيّه ﷺ : ﴿وَمِن اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بهِ نافِلَةً لَكَ﴾ (١)، ثم أبان ذلك ﷺ ، فكان بينا -والله تعالى أعلم- إذا كان من الصلاة نافلة وفرضا، وكان الفرض مؤقتا، لا تجزىء عنه صلاة إلاّ بأنْ ينويها مصلّيا". (٢).

стр. 304

النيّة في الزكاة الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي وإن كانت حقّا ماليا إلا أنها حق خالص لله تعالى، وعبادة محضة لا تصح إلاّ بالنية، وقد نقل عن جماهير العلماء القول بإيجاب النيّة فيها، ومن هؤلاء الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم: أبو حنيفة ومالك والشافعيّ وأحمد، ونقل عن داود وأبي ثور (١). وشذَّ الأوزاعي فلم يقل بالوجوب، وصحح إخراجها بلا نيّة (٢). وقد جانب الشيخ محمد أبو زهرة الصواب -رحمه الله تعالى- عندما نسب إلى جماهير العلماء القول بعدم وجوب النية في الزكاة، قال في كتاب الأصول: "وقال جمهور الفقهاء: إنّ الزكاة لا يحتاج أداؤها إلى النيّة، لأنّها مؤنة المال، ولذا تجب في مال الصغير، والمجنون، والمعتوه، وقد سقط عنهم التكليف" (٣). والسبب الذي أوقعه في هذا الخطأ أنه رأى جماهير العلماء يقولون بأن الزكاة تجب في مال الصغير والمجنون والمعتوه، فظن أنَّ جماهير العلماء يقولون بعدم وجوب النية في الزكاة، وليس الأمر كما قال. ويبدو أن الأوزاعي نظر إلى أن الزكاة عبادة مالية فقاسها على إعادة الدين، وردّ العارية والمغصوب، فإن هذه لا تحتاج إلى نيّة، والجواب أن الزكاة عبادة محضة، وكونها عبادة كذلك ثابت بالنصوص ولا خلاف فيه، وما كان كذلك وجبت فيه

стр. 305

النية، أمّا الديون وما أشبههما فإنّها وإن كان فيها حقّ لله تعالى، إلا أنّها ليست عبادة، يدلك على ذلك أنَّ الديون والغصوبات تسقط بإسقاط صاحبها، فالمغلب فيها حقّه، بخلاف الزكاة. وههنا مسألتان لهما علاقة بهذا البحث: الأولى: المسألة التي سبقت الإشارة إليها، وهي قول من يقول بإيجاب الزكاة في مال الصبيّ والمجنون والمعتوه، فكيف تجب في مالهم مع أنّ النية لا تصحّ منهم (١)؟ الثانية: أنّ الفقهاء قرّروا أنّ الممتنع من أداء الزكاة يكره على أدائها، وتجزىء عنه، فكيف يكون ذلك والنية شرط في صحة الزكاة؟ فالجواب: أنّ الزكاة فرض لازم أوجب الله على صاحب المال القيام بذلك، فإن امتنع صاحب المال من أداء الزكاة، أو كان غير مستطيعه لسفه أو جنون أو صغر، فواجب الدولة إجبار الممتنع، وواجب الولي إخراجها عن من ولي أمره، ويجزىء ذلك عن المخرج عنهم، لأنّ إخراج الزكاة أمر لازم لا بدّ من تحققه.

стр. 306

فالقائلون بأن الزكاة غير واجبة على اليتيم والمجنون، وغير مجزية من المُكْرَه نظروا إلى أنّ إخراجها هو واجب مناط بصاحبها، ولم ينظروا إلى أنَّ هذا الواجب مناط بولي الصبيّ والمجنون، ومناط بالحاكم في حال امتناع صاحب المال عن أداء الزكاة. إذا تصدَّق بجميع ماله ولم ينو الزكاة: مذهب الشافعية أنَّ من تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة، لا تسقط عنه الزكاة، كما لوكان عليه فرض فصلَّى مائة صلاة نافلة لا يجزيه بلا خلاف (١). واعترف الأحناف بأنّ الأصل عدم إجزاء هذه الصدقة عن الزكاة، لأنَّ الزكاة عبادة مفروضة مقصودة فلا بدَّ لها من نيّة، ولكنهم قالوا بالإجزاء في هذه الحالة استحسانا، وعلّلوا هذا الاستحسان بقولهم: "إنّ النيّة وجدت دلالة، لأنّ الظاهر أن من عليه زكاة لا يتصدق بجميع ماله، ويغفل عن الزكاة" (٢). وعلّل بعضهم بتعليل آخر، فقال: "الواجب عليه جزء منه، فكان متعيّنا فيه، فلا حاجة إلى التعيين" (٣). ونحن نرجح مذهب الأحناف، فالرجل هنا جاد بماله كله في سبيل الله، فأعطى ما وجب عليه وزيادة، فلا نطالبه لشيء دفع أكثر منه، ويمكن أن يستأنس في هذا الموضوع بما رواه أبو هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعباس عم النبي ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "وَمَا يَنْقِم ابْنُ جَمِيل إلا أَنه كانَ فَقيرًا فأغناهُ اللُه، وأَما خَالِد فَإِنكُمْ تظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدْ احْتبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعتدَه فِي سَبيل

стр. 307

الله تَعالى، وأَمّا العباسُ فَهِيَ عَليَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا" ثم قال: "يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَن عم الرجُل صِنْو أَبِيهِ" (١). فقد اعتذر الرسول ﷺ عن خالد بن الوليد بأنه احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله، ولم يسأله ﷺ مكتفيا بدلالة الحال، إذ لو وجبت عليه زكاة لأعطاها، ولم يشحّ بها، لأنّه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعا، فكيف يشح بواجب عليه! وهذا الرجل الذي يتصدق بجميع ماله في وجوه الخيرات، عمله أظهر من عمل خالد الذي تصدّق بجزء من ماله فحسب: الدروع والعتاد.

стр. 308

صوم رمضان مذهب كافة العلماء أنه لا يصحّ صوم إلا نيّة، سواء أكان الصوم واجبا أم تطوعا (١). وحجتهم أنّ الصوم عبادة محضة لا تتأدى إلا بالنية، والنصوص الدالة على لزوم النية للعبادات تشمل الصوم، هذا عدا النصوص المصرّحة بإيجاب النية في الصوم. وخالف الجمهورَ عطاء ومجاهد (٢) وزفر (٣)، في حالة ما إذا كان الصوم متعينا، بأن يكون الصائم صحيحا مقيما في شهر رمضان، فهذا عندهم لا يفتقر إلى نيّة. وحجتهم أن رمضان مستحق الصوم يمنع غيره من الوقوع فيه، فهم لاحظوا أن الصوم في هذه الحالة متعين بصورته، ولا يحتاج إلى نيّة تميزه عن العادات أو تميّز مراتبه، يقول الكاساني مبيّنا ما يمكن أن يحتجّ به لزفر: "النيّة إنما تشترط للتعيين، والحاجة إلى التعيين إنما تكون عند المزاحمة، ولا مزاحمة لأن الوقت لا يحتمل إلا صوما واحدا في حقّ المقيم، وهو صوم رمضان، فلا حاجة إلى التعيين بالنية" (٤).

стр. 309

واحتجّ له أيضا بأنّ الآية الآمرة بالصيام ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ مطلقة عن شرط النية، والصوم هو الِإمساك، وقد أتى به فيخرج عن العهدة" (١). من هنا قصر زفر قوله في الصوم الذي لا يحتاج إلى نيّة على صوم رمضان من الحاضر المقيم، أمّا المسافر فلا بدَّ أن يأتي بالنية إذا صام رمضان، لأنَّ صوم رمضان غير متعيّن في حقه، فله: -عند زفر- أن يصومه نافلة أو قضاء، ولأنَّه لم يشهد الشهر. أمّا صوم النذر والكفّارة فيشترط لهما النية إجماعا (٢). ومن هنا نعلم أن ابن رشد (٣) لم يصب الحقيقة عندما قرّر أنّ سبب الاختلاف في هذا الموضوع هو الاحتمال المتطرق إلى الصوم: أهو عبادة معقولة المعنى، أو غير معقولة المعنى؟ فهو يرى أن من ذهب إلى أنّها غير معقولة المعنى، أوجب النية، ومن رأى أنّها معقولة المعنى قال: قد حصل المعنى إذا صام ولم ينو (٤). هذا الذي ذهب إليه ليس هو السبب كما بيّنا، إذ الجميع يرون أنّ الصيام عبادة محضة غير معقولة المعنى، والسبب الحقيقي أن زفر ومن معه يرون أن الصوم متعّين بنفسه فلا يحتاج إلى نيّة. والجمهور يردّون على زفر ومن معه بالنصوص الآمرة بالنية في العبادات عموما، وفي الصوم على وجه الخصوص، كقوله ﷺ : "إنَّما الَأعمَالُ بِالنياتِ" (٥). وقوله: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصيَام مِنَ الليْلِ" (٦).

стр. 310

ورد الشافعي حجّتهم في أنّ الصوم لا يحتاج إلى نية، لأنّه متعين بصورته، إذ له وقت محصور محدود، بأنّ هذا يمكن أن يقع في الصلاة. فوقت الصلاة قد يتضيق حتى لا يسع إلاّ الفرض، ومع ذلك لا بدَّ للصلاة التي وقعت في الوقت المتضيّق من نيّة (١). وكذلك من نذر أن يصوم شهرا من هذه السنة، ثم أخّره حتى لم يبق إلا شهر واحد، ولا يجوز أن يصومه بغير نيّة بحجّة أن وقته أصبح محصورا محدودا. أما قول زفر: إن الصوم مأمور به في الآية مطلقا عن شرط النية فمردود عليه، لأن اسم الصوم المطلق ينصرف حين الأمر به إلى الصوم الشرعي، وهو: الِإمساك عن المفطر مع اقتران النية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

стр. 311

النيّة في الحجّ والعمرة لا خلاف بين المسلمين أنّ النية لازمة للحج والعمرة، ولا يصح واحد منهما إلا بها كما لا تصح الصلاة إلاّ بها، لذا قال القرطبي: "لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج، وهو لا ينوي حجّا ولا عمرة -والقلم جار له وعليه- أنّ شهودها بغير نيّة ولا قصد غير مغن عنه، وأن النية تجب فرضا، لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (١)، ومن تمام العبادة حضور النية" (٢). ونقل ابن العربي عن الشافعي أنه قال: "ولو لبّى رجل، ولم ينو حجّا ولا عمرة، لم يكن حاجا ولا معتمرا" (٣). ولذا اتفق أبو حنيفة ومالك وأحمد، على أن من أحرم بالحج في غير أشهره- أنّه لا ينعقد عمرة، وعللوا ذلك بأنّه لم ينوها عمرة، وكان قال بعضهم إنه يتحلّل بأعمال العمرة (٤). وما جرى من خلاف بين العلماء في أنّ الحجّ والعمرة يتأديان بمطلق النية لا يجعل وجوب النيّة فيهما مسألة خلافية، لاتفاقهم على أن النيّة لا بدّ منها، وإنما الخلاف في تحديد المنوي وتعيينه، وهذا سبق الكلام فيه. وما جرى من خلاف في وجوب النيّة في الطواف بالبيت، والوقوف بعرفات؛ لا يجعل المسألة خلافية أيضا، لأنَّ الذين قالوا بعدم لزوم النيّة لأركان الحجّ والعمرة وواجباتهما- قالوا: لأن نية الحجّ والعمرة شاملة لجميع الأعمال، فعدّوا أفعال الحج كأفعال الصلاة، فالمصلّي لا يحتاج أن يحدث نية لكلّ فعل من الأفعال: ركوع، ورفع، وسجود ... الخ، فكذلك الحج والعمرة.

стр. 312

والذين قالوا بلزوم النية لمثل الطواف، والوقوف بعرفة نظروا إلى أن كلَّ عمل من هذه الأعمال منفصل عن غيره، فالأمر مختلف عن الصلاة. أما النية الأولى في بدء الحج والعمرة فالجميع متفقون على وجوبها فيهما. النية في الاعتكاف الاعتكاف في الشرع عبارة عن اللبث في المسجد بنيّة العبادة وبناء على ذلك لا يصح إلا بنيّة، لأنّه عبادة محضة. ولا خلاف بين العلماء في ذلك، وممن نص على وجوب النية في الاعتكاف النوويّ من الشافعية، والكاساني وابن نجيم من الأحناف، وابن هبيرة وصاحب التوضيح من الحنابلة (١). النية في الكفارات يقول العز بن عبد السلام: "هي عبادات وقربات لا تصح إلا بالنيات" (٢)، ويقول ابن نجيم: "وأما الكفارات فالنيّة شرط لصحتها عتقا أو صياما أو إطعاما" (٣)، وممن نص على وجوب النية في صوم الكفارة الشافعي رحمه الله تعالى (٤). النيّة لأعمال القلب يذهب الفقهاء وشراح الحديث إلى أن الإيمان بالله، وتعظيمه، والخوف منه، والرجاء لثوابه، والتوكل عليه، والمحبة له .... ونحو ذلك من العبادات التي هي

стр. 313

من أعمال القلوب- لا تحتاج إلى نيّة (١). وحجّتهم فيما ذهبوا إليه أن النية شرعت لتمييز العبادة عن العادة، ولتمييز رتب العبادات، وهذه الأعمال عادات لا تكون عادات ولا تلتبس بغيرها، فهي منصرفة إلى الله تعالى بصورتها. وقد يشكل على هذا قوله ﷺ : "إنَّمَا الَأعْمَالُ بِالنِياتِ"، فالأعمال شاملة لأعمال الأبدان والقلوب، وقد احتج البخاري بهذا الحديث على وجوب النيّة في الِإيمان (٢)، واستمع لقول ابن دقيق العيد "ما يتعلق بالجوارح وبالقلوب قد يطلق عليه عمل" (٣). ويقول القسطلاني: "وربَّما أطلق -أي العمل- على حركةِ النفس فعلى هذا يقال: العمل إحداث أمر قولا كان أو فعلا بالجارحة أو بالقلب" (٤). ولهذا ذهب بعض المتأخرين إلى إيجاب النية في أعمال القلوب، محتجا بأن أعمال القلوب داخلة في قوله ﵇: "إنَّمَا الَأعْمَالُ بالنّيَّات"، وجعل الحركة المأخوذة في تعريف الفعل أعمّ من الحركة الحسّيّةِ والمعنوية. واستدل بحديث الرسول ﷺ : "أَفْضَلُ الَأعْمَالِ إِيمَان بِالله وَرَسولهِ" (٥). وهذا المذهب بعيد المأخذ، مخالف لقول العلماء الأعلام، فالعمل في اللّغة حركة البدن، وعندما يطلق العمل ينصرف الذهن مباشرة إلى عمل الجوارح، يقول ابن دقيق العيد: "الأسبق إلى الفهم تخصيص العمل بأفعال الجوارح" (٦).

стр. 314

وتعميم الفعل على الحركة الحسية والمعنوية محل وقف، فاللغوي لا يقصد بالحركة إلاّ الحسيّة، فإذا رأينا رجلا ساكنا لا نصفه بالحركة، وإن كان مشغول القلب، ولا يثبت للقلب صفة الجوارح إلاّ مجازا من باب قول الشاعر: (١) وَتَلَقتْ عينِي فمُذْ خَفَيِتْ ... عَنْهَا الطلُول تَلَفَّتَ الْقَلْبُ أما استدلاله بالحديث: "أفضَلُ الَأعْمَال إيمان بِالله وَرَسوله"، فهذا لا يتمّ إلاّ على قول المرجئة (٢): "إن الإِيمان إنّما هو تصديق القلب فقط". أما على قول أهل السنة والجماعة فإنَّ الإيمان عندهم: تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، فلا يتم له الاستدلال بالحديث، لأن الإيمان عندهم -كما رأيت- يطلق على ثلاثة أمور: اثنان منهما أعمال لغوية، فإطلاق العمل على المجموع إنَّما هو من باب التغليب، فلا يدلّ على أنّه أطلق على فعل القلب عمل. وبمثل هذا وجّه ابن حجر مراد البخاري من إدخاله الإِيمان في الأعمال، فمذهب البخاري أن الإِيمان اعتقاد، وقول، وعمل، فهو لا يريد بالإيمان مجرد التصديق، إذ لا يحتاج إلى نيّة كسائر أعمال القلب لأنّها متميزة لله تعالى (٣). وبمثل هذا وجه الكرماني قول من أوجب السنة في التوحيد أنّ المراد به كلمة التوحيد (٤). ويرى بعض العلماء أن النية أمر ملازم لأعمال القلوب، لا يحتاج العبد إلى القيام به، فأعمال القلوب لا يمكن أن تقع إلا منويّة، وإذا فقدت النيّة منها فقدت

стр. 315

حقيقها: "وأما ما كان من المعاني المحضة: كالخوف والرجاء، فهذا لا يقال باشتراط النيّة فيه، لأنّه لا يمكن أن يقع إلاّ منويا، ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته" (١). وبهذا نرد على الذين قالوا: النيّة تحتاج إلى نيّة، لأن النيّة منصرفة بنفسها إلى الله تعالى، ولا نحتاج أن نقول كما قال القسطلاني: "لا تحتاج النيّة إلى نية، لأنّه يلزم من ذلك التسلسل أو الدور، وهما محالان" (٢).

стр. 316

النيّة في الأقوال يرى جمع من العلماء أن الأقوال لا تحتاج إلى نيّة، لأنّها غير داخلة في مسمى الأعمال، فلا يشملها قوله ﷺ : "إنما الَأعْمال بِالنِّياتِ". وما احتجوا به غير صحيح، فكتب اللغة تفسر العمل بالفعل، وتفسّر الفعل بحركة الإنسان (١). وممّن ذهب إلى أن الأعمال تشمل الأقوال القسطلاني، وابن حجر العسقلاني، وابن دقيق العيد، يقول ابن دقيق العيد: "ولا تردد عندي في أن الحديث يشمل الأقوال" (٢). ومما يدل على أنَّ الأقوال داخلة في الأعمال أنّ ابن عباس فسَّر العمل في قوله تعالى: ﴿لَعَلي أَعْمَلُ صَالحًَا فِيمَا تَرَكْت﴾ (٣) بأنه قول: "لا إله إلا الله" (٤). وقد عدّ الرسول ﷺ القول عملا، ففي حديث أبي ذَرّ يرفعه إلى الرسول ﷺ : "مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إلا اللُه وَحْدَه لا شَريْكَ لَهُ، لَه الْمُلْك وَلَه الْحَمْد وَهَو َعَلَى كُل شَيء قَدِيرٍ، فِي يَوْمٍ مائَةَ مَرّة، كَانَتْ لَهَ عِدْلَ عَشْر رِقَابٍ، وَكتِبَت لة مِائة حسَنةٍ، وَمحيَت عَنهُ مِائةُ سيَئةٍ، وَكانتْ لَهُ حِرْزًا مِن الشيْطان يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتى يُمسي وَلَمْ يَأْتِ أَحَد بِأَفْضَلَ مَما جَاءَ بِهِ إلاّ رَجُل عَمِلَ أَكْثَرَ منه" (٥).

стр. 317

فقوله: "إلاّ رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِمَّا جَاءَ بهِ"، يدلّ على أن القول عمل، لأنَّ هذا الرجل لم يعمل شيئًا إلاّ أنَّه قال: لا إلَه إلاّ الله. وفي مسند الإمام أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا عَمِلَ آدَميٌّ عَمَلاً قَطّ أَنْجَى لَهُ مِنْ ذِكر الله" (١). ولكن هل معنى ذلك أنَّ الأقوال لا تصحُّ شرعا ولا تكون إلا بالنيّات؟ إذا أردنا بالنيّات الِإخلاص فهذا صحيح، فالأقوال لا تقبل ما لم يكن القائل مريدا بها وجه الله تعالى كما قال : ﴿فَادْعوا اللَه مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢). وكما ثبت في الأحاديث أنّ من أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة قارىء القرآن الذي يريد به ما عند الناس، والأدلّة على هذا كثيرة، وسيأتي بيانها في الباب الثاني إن شاء الله تعالي. أما إذا أردنا بالنيّة قصد الفعل فالفقهاء يذهبون إلى أنَّ الأقوال: كالتكبير، والتسبيح، والتهليل، والتحميد، وقراءة القرآن، ... ونحو ذلك لا تحتاج إلى نية. وحجّتهم في ذلك أن هذه الأعمال قربات متميّزة بنفسها، فالحكمة التي شرعت النيّة من أجلها: وهي تمييزُ العبادة عن العادة، وتمييز رتب العبادة - لا مكان لها هنا. أما إذا وجدت حالة تحتاج إلى تمييز بعض الأقوال عن بعضها الآخر فإنّ النية تكون ضرورية في مثل هذه الحالة، فقد نصّوا على إيجاب النيّة على مَنْ نذر قراءة قرآن أو ذكر، تمييزًا للمنذور عن غيره (٣).

стр. 318

السنة في التروك ذهب الأعمُّ الأغلب من العلماء إلى أن التروك لا تفتقر إلى نيَّة (١)، وقد عللوا مذهبهم هذا بأنَّ التروك غير داخلة في الأعمال، فلا يشملها حديث الرسول ﷺ : "إنَّمَا الَأعْمَال بِالنيات"، فالعبد يخرج عن عهدة النواهي، وإن لم يشعر بها، فضلا عن القصد إليها. وكون الترك فعلا أو ليس بفعل مسألة خلافية أصولية، وقد احتج القائلون بأن الكف ليس فعلا بأنَّ الفعل في اللّغةِ حركة البدن كلّه أو بعضه، والترك ليس فيه حركة اصلا. وأقوى ما يستدلّ به للقائلين بأنّ الكفّ فعل القرآن الكريم، فقد سمَّى الله الترك فعلا في آيتين من كتابه. الأولى: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٢)، فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإِثم وأكل السحت سمّاه الله في هذه الآية صنعا في قوله. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، أي وهو تركهم المذكور، والصنع أخص من مطلق الفعل، فصراحة الآية الكريمة على أنَّ الترك فعل في غاية الوضوح. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣)، أي وهو تركهم التناهي عن كل منكر، وصراحة دلالة هذه الآية على أنَّ الترك فعل واضحة.

стр. 319

وفي كلام العرب ما يدلُّ على أنَّ الترك فعل، فمن ذلك قول بعض الصحابة في وقت بنائه ﷺ لمسجده بالمدينة (١): لَئِنْ قَعَدْنَا والنبيُّ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ المُضَلَّلُ فسمى قعودهم عن العمل وتركهم له عملا مضللا. ولذا فإن الكرماني لم يكن متجنّيا على النووي عندما أورد كلامه في أن التروك لا تحتاج إلى نيّة، ثم عقب عليه بأنَّ التروك تحتاج إلى نيّة، لأنَّ الترك كشف للنفس وهو عمل، ولأن التارك لا يحصّل ثواب الآخرة بتركه إلاّ إذا قصد ذلك (٢). والذي يظهر لي أنَّ الترك إن كان كفا للنفس فهذا هو الذي يصير فعلا كما لو أمرته النفس الأمارة بالزنى، أو السرقة فكفّها، فهذا يكون فعلا وعليه يحمل ما جاء في الآيات، فإنّ تركهم النهي عن المنكر كان بكفّ أنفسهم عن ذلك مع أنَّهم مأمورون به. أما الترك الذي لا يخطر بالبال كترك الزنى، وترك شرب الخمر والسرقة من شخص لا تخطر بباله هذه الأمور، فهذا لا يعتبر فعلا. وهذا الذي ذكرناه هنا هو قول المحققين من العلماء كابن حجر العسقلاني والكرماني وابن نجيم (٣). يقول ابن نجيم في هذه المسألة: "حاصل كلامهم أن الترك المنهيّ عنه لا يحتاج إلى نيّة للخروج عن عهدة النهي، وأما لحصول الثواب بأن كان كفا، وهو أن تدعوه النفس إليه قادرا على فعله، فيكف نفسه عنه خوفا من ربّه فهو مثاب، وإلا فلا ثواب على تركه، فلا يثاب على ترك الزنى وهو يصلي، ولا يثاب العنّين على ترك الزنى ولا الأعمى على ترك النظر المحرم" (٤).

стр. 320

وبنى ابن نجيم على هذا الذي قرّره أنّه إذا نوى شخص مال التجارة للقُنْية فإنّه يكون لها ولا زكاة فيه. أمَّا إذا نوى العكس بأن نوى في ما كان للقنية أن يكون للتجارة، فإنه لا يكون للتجارة حتى يعمل للتجارة، لأنَّ التجارة عمل، فلا يتم بمجرد النية، والقنية ترك للتجارة فتتم بها. ونظيره -فيما ذكر ابن نجيم- المقيم والصائم، والكافر، والمعلوفة، والسائمة، حيث لا يكون مسافرا، ولا مفطرا، ولا مسلما، ولا سائمة، بمجرد النية، ويكون مقيما، وصائما، وكافرا، بمجرد السنة لأنّها ترك العمل (١). وبهذا الذي قرّرناه في التروك يندفع الإشكال القائل: لم وجبت النية في الصوم مع أنه ترك؟ والجواب أنه ترك مقصود مراد، فالنفس تجوع وتعطش وترغب في الجماع، والمرء يكف نفسه بإرادة وقصد. وهذا الجواب أولى من جواب صاحب دليل الفالحين: "وجبت فيه، لأنه ملحق بالأفعال، إذ القصد منه قمع النفس عن معتاداتها، وقطعها عن عاداتها" (٢).
следующие страницы →