← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 97808

مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (511 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

النيّة في الأقوال يرى جمع من العلماء أن الأقوال لا تحتاج إلى نيّة، لأنّها غير داخلة في مسمى الأعمال، فلا يشملها قوله ﷺ : "إنما الَأعْمال بِالنِّياتِ". وما احتجوا به غير صحيح، فكتب اللغة تفسر العمل بالفعل، وتفسّر الفعل بحركة الإنسان (١). وممّن ذهب إلى أن الأعمال تشمل الأقوال القسطلاني، وابن حجر العسقلاني، وابن دقيق العيد، يقول ابن دقيق العيد: "ولا تردد عندي في أن الحديث يشمل الأقوال" (٢). ومما يدل على أنَّ الأقوال داخلة في الأعمال أنّ ابن عباس فسَّر العمل في قوله تعالى: ﴿لَعَلي أَعْمَلُ صَالحًَا فِيمَا تَرَكْت﴾ (٣) بأنه قول: "لا إله إلا الله" (٤). وقد عدّ الرسول ﷺ القول عملا، ففي حديث أبي ذَرّ يرفعه إلى الرسول ﷺ : "مَنْ قَالَ لَا إِلهَ إلا اللُه وَحْدَه لا شَريْكَ لَهُ، لَه الْمُلْك وَلَه الْحَمْد وَهَو َعَلَى كُل شَيء قَدِيرٍ، فِي يَوْمٍ مائَةَ مَرّة، كَانَتْ لَهَ عِدْلَ عَشْر رِقَابٍ، وَكتِبَت لة مِائة حسَنةٍ، وَمحيَت عَنهُ مِائةُ سيَئةٍ، وَكانتْ لَهُ حِرْزًا مِن الشيْطان يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتى يُمسي وَلَمْ يَأْتِ أَحَد بِأَفْضَلَ مَما جَاءَ بِهِ إلاّ رَجُل عَمِلَ أَكْثَرَ منه" (٥).

стр. 317

فقوله: "إلاّ رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِمَّا جَاءَ بهِ"، يدلّ على أن القول عمل، لأنَّ هذا الرجل لم يعمل شيئًا إلاّ أنَّه قال: لا إلَه إلاّ الله. وفي مسند الإمام أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا عَمِلَ آدَميٌّ عَمَلاً قَطّ أَنْجَى لَهُ مِنْ ذِكر الله" (١). ولكن هل معنى ذلك أنَّ الأقوال لا تصحُّ شرعا ولا تكون إلا بالنيّات؟ إذا أردنا بالنيّات الِإخلاص فهذا صحيح، فالأقوال لا تقبل ما لم يكن القائل مريدا بها وجه الله تعالى كما قال : ﴿فَادْعوا اللَه مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢). وكما ثبت في الأحاديث أنّ من أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة قارىء القرآن الذي يريد به ما عند الناس، والأدلّة على هذا كثيرة، وسيأتي بيانها في الباب الثاني إن شاء الله تعالي. أما إذا أردنا بالنيّة قصد الفعل فالفقهاء يذهبون إلى أنَّ الأقوال: كالتكبير، والتسبيح، والتهليل، والتحميد، وقراءة القرآن، ... ونحو ذلك لا تحتاج إلى نية. وحجّتهم في ذلك أن هذه الأعمال قربات متميّزة بنفسها، فالحكمة التي شرعت النيّة من أجلها: وهي تمييزُ العبادة عن العادة، وتمييز رتب العبادة - لا مكان لها هنا. أما إذا وجدت حالة تحتاج إلى تمييز بعض الأقوال عن بعضها الآخر فإنّ النية تكون ضرورية في مثل هذه الحالة، فقد نصّوا على إيجاب النيّة على مَنْ نذر قراءة قرآن أو ذكر، تمييزًا للمنذور عن غيره (٣).

стр. 318

السنة في التروك ذهب الأعمُّ الأغلب من العلماء إلى أن التروك لا تفتقر إلى نيَّة (١)، وقد عللوا مذهبهم هذا بأنَّ التروك غير داخلة في الأعمال، فلا يشملها حديث الرسول ﷺ : "إنَّمَا الَأعْمَال بِالنيات"، فالعبد يخرج عن عهدة النواهي، وإن لم يشعر بها، فضلا عن القصد إليها. وكون الترك فعلا أو ليس بفعل مسألة خلافية أصولية، وقد احتج القائلون بأن الكف ليس فعلا بأنَّ الفعل في اللّغةِ حركة البدن كلّه أو بعضه، والترك ليس فيه حركة اصلا. وأقوى ما يستدلّ به للقائلين بأنّ الكفّ فعل القرآن الكريم، فقد سمَّى الله الترك فعلا في آيتين من كتابه. الأولى: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٢)، فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإِثم وأكل السحت سمّاه الله في هذه الآية صنعا في قوله. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، أي وهو تركهم المذكور، والصنع أخص من مطلق الفعل، فصراحة الآية الكريمة على أنَّ الترك فعل في غاية الوضوح. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣)، أي وهو تركهم التناهي عن كل منكر، وصراحة دلالة هذه الآية على أنَّ الترك فعل واضحة.

стр. 319

وفي كلام العرب ما يدلُّ على أنَّ الترك فعل، فمن ذلك قول بعض الصحابة في وقت بنائه ﷺ لمسجده بالمدينة (١): لَئِنْ قَعَدْنَا والنبيُّ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ المُضَلَّلُ فسمى قعودهم عن العمل وتركهم له عملا مضللا. ولذا فإن الكرماني لم يكن متجنّيا على النووي عندما أورد كلامه في أن التروك لا تحتاج إلى نيّة، ثم عقب عليه بأنَّ التروك تحتاج إلى نيّة، لأنَّ الترك كشف للنفس وهو عمل، ولأن التارك لا يحصّل ثواب الآخرة بتركه إلاّ إذا قصد ذلك (٢). والذي يظهر لي أنَّ الترك إن كان كفا للنفس فهذا هو الذي يصير فعلا كما لو أمرته النفس الأمارة بالزنى، أو السرقة فكفّها، فهذا يكون فعلا وعليه يحمل ما جاء في الآيات، فإنّ تركهم النهي عن المنكر كان بكفّ أنفسهم عن ذلك مع أنَّهم مأمورون به. أما الترك الذي لا يخطر بالبال كترك الزنى، وترك شرب الخمر والسرقة من شخص لا تخطر بباله هذه الأمور، فهذا لا يعتبر فعلا. وهذا الذي ذكرناه هنا هو قول المحققين من العلماء كابن حجر العسقلاني والكرماني وابن نجيم (٣). يقول ابن نجيم في هذه المسألة: "حاصل كلامهم أن الترك المنهيّ عنه لا يحتاج إلى نيّة للخروج عن عهدة النهي، وأما لحصول الثواب بأن كان كفا، وهو أن تدعوه النفس إليه قادرا على فعله، فيكف نفسه عنه خوفا من ربّه فهو مثاب، وإلا فلا ثواب على تركه، فلا يثاب على ترك الزنى وهو يصلي، ولا يثاب العنّين على ترك الزنى ولا الأعمى على ترك النظر المحرم" (٤).

стр. 320

وبنى ابن نجيم على هذا الذي قرّره أنّه إذا نوى شخص مال التجارة للقُنْية فإنّه يكون لها ولا زكاة فيه. أمَّا إذا نوى العكس بأن نوى في ما كان للقنية أن يكون للتجارة، فإنه لا يكون للتجارة حتى يعمل للتجارة، لأنَّ التجارة عمل، فلا يتم بمجرد النية، والقنية ترك للتجارة فتتم بها. ونظيره -فيما ذكر ابن نجيم- المقيم والصائم، والكافر، والمعلوفة، والسائمة، حيث لا يكون مسافرا، ولا مفطرا، ولا مسلما، ولا سائمة، بمجرد النية، ويكون مقيما، وصائما، وكافرا، بمجرد السنة لأنّها ترك العمل (١). وبهذا الذي قرّرناه في التروك يندفع الإشكال القائل: لم وجبت النية في الصوم مع أنه ترك؟ والجواب أنه ترك مقصود مراد، فالنفس تجوع وتعطش وترغب في الجماع، والمرء يكف نفسه بإرادة وقصد. وهذا الجواب أولى من جواب صاحب دليل الفالحين: "وجبت فيه، لأنه ملحق بالأفعال، إذ القصد منه قمع النفس عن معتاداتها، وقطعها عن عاداتها" (٢).

стр. 321

حكم النيّة في العبادات (ركن، أم شرط) مذهب الحنابلة أنَّ النيّة في العبادات شرط في صحتها، يقول المرداوي: "المذهب المجزوم به أن النيَّة شرط لطهارة الأحداث كلّها" (١)، وعبارة ابن قدامة في المغني قريبة من هذه، وصرّح صاحب التوضيح من الحنابلة بأنّ النيّة شرط من شرائط الصلاة (٢). ومذهب الأحناف كمذهب الحنابلة باستثناء الوضوء والغسل، فإنها سنّة فيهما عندهم، يقول ابن عابدين: "هي سنّة في الوضوء والغسل، وشرط في المقاصد في العبادات، كالصلاة والزكاة" (٣). بل يرى الأحناف أنّها شرط في الوضوء والغسل، إذا قصد بهما التعبد، يقول ابن عابدين: "وهي شرط لكون الوضوء عبادة لا مفتاحا للصلاة" (٤). ويبدو أنَّ مذهب المالكية كمذهب الحنابلة والأحناف كما أشار لذلك ابن العربي (٥). واخلف علماء الشافعيّة -كما يقول النووي- في نيّة الصلاة: هل هي ركن أم شرط؟ الأكثرون هي فرض وركن من أركان الصلاة (٦).

стр. 322

وممّن عدّها ركنا إمام الحرمين الجويني، فهو يقول. "النيّة ركن الصلاة وقاعدتها" (١). وعدّها كذلك الفوراني (٢)، والماوردي والبغوي (٣)، وغيرهم. ومال الغزالي في الوسيط إلى عدّها شرطا في الصلاة، ونفى أن تكون من الأركان، إلاّ أنّه جعلها في الصوم ركنا (٤). وحجّة الحنابلة والأحناف والمالكية ومن وافقهم من الشافعية في أن النيّة شرط حديث: "إنَّمَا الَأعْمال بِالنِّيّات"، فالحديث يقضي بعدم المشروط عند عدم الشرط، فإذا قدَّرنا أن الذات الشرعّية لا تكون إلاّ بالنية انتفت الشرعة بانتفاء النيّة، وهذا هو معنى الشرط. وإذا قدَّرنا "الصحة" التي هي أقرب المجازين إلى الحقيقة- أفاد انتفاء الصحّة بانتفاء النيّة. وليست النيّة ركنا عندهم، لأنَّ ركن الشيء ما يتمّ به، وهو داخل فيه، والنيّة هنا ليست داخلة في العبادة، بل العبادة موقفة عليها لا تصح إلا بها. ومذهب الذين عدّوا النيّة ركنا من الشافعية لا غبار عليه في العبادات التي يشترطون أن تكون السنة فيها مقارنة لأوّل العبادة، ففي الصلاة يرى الشافعية -كما سبق (٥) - أن النيّة يجب أن تقارن الكبير، ولا يجوز أن تتقدّم عليه، يقول الإمام الشافعيّ -رحمه الله تعالى-: "إذا أحرم إماما، أو وحده، نوى صلاته في حال

стр. 323

التكبير لا قبله ولا بعده" (١)، فإذا كانت النيّة عندهم داخلة في العبادة، فلا بدَّ من عدّها ركنا، يقول الرافعي: "الأظهر عند الأكثرين كونها ركنا لاقترانها بالتكبير وانتظامها مع سائر الأركان" (٢). وعلى ذلك فيمكننا أن نقرّر أنَّ النيّة ينبغي أن تكون شرطا في العبادات إذا أجزنا تقدم النيّة على العبادة، وركنا إذا قلنا بوجوب مقارنتها لأول العبادة، أمّا القول بتقدّم النيّة في العبادة كالصوم، ثم عدّها في هذه الحالة ركنا- فهذا خطأ بيّن.

стр. 324

الباب الثاني الإخلاص ﴿فاعبد الله مخلصا له الدين﴾ قرآن كريم تمهيد: أهمية الغاية وعظيم خطرها. الفصل الأول: الغاية التي تتوجه إليها مقاصد المكلفين. الفصل الثاني: مفهومات خاطئة للإخلاص. الفصل الثالث: المقاصد السيئة. الفصل الرابع: تأثير القصد في الأفعال.

стр. 325

تمهيد أهمية الغاية وعظيم خطرها الأفعال الإِرادية التي يقوم الِإنسان بها لا بدَّ لها من محركات تدعو الِإنسان إلى فعلها وتحقيقها، وهذه المحركات قد تكون نابعة من حاجة الإنسان إلى أمور معيّنة كالطعام والشراب والنكاح، وقد تكون أهدافا حسّنت وزيّنت له بحيث صارت تلحّ عليه، وتستدعيه إلى تحقيقها لما قام في نفسه من أن الخير في السعي إليها وإيجادها. وهذه المحرّكات من حيث هي بواعث وتصورات تطلب مرادها- يطلق عليها دواعي وبواعث، ومن حيث إنها شيء خارجي يسعى الإنسان إلى تحقيقه ونيله تصبح هدفا وغاية. ومن العلماء من يقصد بالدواعي مجموع المحرّك القائم بنفس الإنسان والهدف الذي يسعى إلى إيجاده، ونحن سنطلق عليها في الأغلب الغاية، لأننا ننظر إليها من هذا الجانب أكثر مما ننظر إليها من الجانب الآخر، وإن كان بينهما اتصال وثيق ورابطة لا تنفصم. والغاية التي يتصورها الإنسان ذات تأثير كبير عليه، فالّذين يبذلون أنفسهم في ميادين الحرب والقتال عن رضا وطواعية حريصين على الشهادة ما فعلوا ذلك إلاّ لأنهم يطلبون بالاستشهاد خيرا عظيما. وقد عُني الحكّام والساسة والقادة والمربُّون والاقتصاديون ... وغيرهم بدراسة الدوافع والغايات عناية كبيرة، وأفرد "علم النفس الاجتماعي" لهذا الجانب مباحث واسعة، وما ذلك إلاّ لأهميّتها وعظيم فائدتها.

стр. 326

ونحن ندرك بدون عناء كبير بما نلاحظه في أنفسنا وفي نفوس الآخرين من حولنا أنَّ الأهداف التي نرسمها في تصوراتنا تنتصب أمامنا بحيث تشدنا إليها شدا، ولا تزال تشغل عقولنا، وتتراءى لنا مهما شغلنا عنها في غمرات الحياة، ولا نستريح ولا نهدأ حتى ندركها، وإلا بقيت حرة في قلوبنا، وألما ممضًّا في نفوسنا. ولذلك عني الباحثون على اختلاف مشاربهم بهذا الجانب، كي يعرفوا السبيل الذي يوجه به سلوك الِإنسان نحو ما يريدون تحقيقه وإيجاده، فعلماء التربية يريدون من وراء هذا أن يندفع الناشئة اندفاعا ذاتيا إلى تحقيق الأهداف التي يرسمونها، ويحددونها. ورجال الاقتصاد يريدون أن يصل الإنتاج إلى قمته، ولا يتحقق ذلك إلاّ إذا انبعث العمال إلى العمل عن رضا وطواعية معتقدين أن هذا العمل يحقق لهم خيرا وصلاحا ... وهكذا. والإسلام جاء لإصلاح النفس الإنسانية، ومنزِّله هو العليم بهذه النفس، ولذلك لم يرغم الِإنسان على اعتناقه والعمل بموجبه، لأن الِإكراه مخالف لفطرة الِإنسان، ومخالف للحكمة التي أوجد الِإنسان من أجلها، ولذلك كان السبيل الذي سلكه الإسلام هو توضيح الغاية التي ينبغي أن يسعى الإنسان إلى تحقيقها، وبيان الأسباب التي تدعو إلى ذلك، والنتائج الخيرة التي ينالها الِإنسان من وراء هذا، وتوضيح العواقب السيئة والآثار البالغة الخطورة المترتبة على التوجه إلى غير الغاية التي رسمها، وعندما نطالع النصوص الِإسلامية في القرآن والحديث ندرك مدى العناية بإيضاح الغاية وتجليتها والكشف عن أبعادها. ويكفينا في هذا أن نعلم أن الغاية التي يرجوها المسلم من وراء أفعاله هي المعيار الذي يقوّم به عمله، فالأعمال تصبح ذات قيمة أو تفقد قيمتها باعتبار الغاية التي يرمي إليها العامل من عمله، فالذي يصلي ابتغاء مرضاة الله عمله أفضل

стр. 327

الأعمال، والذي يصلي لينال شرفا ومكانة عند الناس عمله شرّ الأعمال، والذي يهاجر استجابة لأمر الله ونصرة لدين الله عمله في المرتبة العليا، والذي يهاجر طلبا لنفع دنيوي: مال يحوزه، أو امرأة يتزوجها، عمله باطل مضمحل، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (١). ويقول الرسول ﷺ : "إنَّمَا الأعْمَال بِالنّيّاتِ، وإنَّمَا لِكلِّ امْرىِء مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللِه وَرَسُولهِ، وَمَنْ كَانتْ هِجْرتهُ لِدُنيا يُصِيبُهَا، أَو امْرَأَةٍ يَنكِحُهَا، فهجْرَتهُ إِلى مَا هاجَرَ إِلَيْهِ" (٢). ومعرفة الغاية الحقيقيَة التي تستثير النفسَ الإنسانيّة هو مفتاح النفوس، فالنفس الإنساية كانت ولا تزال سرّا عجيبا ولغزا معقّدا، أتعب العقول وحيّر الفلاسفة والمفكرين منذ أقدم العصور. ولقد قام العلماء بجهود مضنية كي يصلوا إلى كنه النفس الإنسانية، ويسبروا أغوارها، ولقد ارتدّت بحوث العلماء في كثير من الأحيان إلى ترّهات وتفاهات، لأنهم راموا التوصل إلى شيء لم يعط الإنسان القدرة على الإحاطة به (٣)، فروح الإنسان وسر الحياة من مكنونات علم الله: ﴿قلِ الروح منْ أَمْرِ رَبّي﴾. لقد قرر كثير من الباحثين في العصر الحديث أن النفس الإنسانيّة لا وجود لها، والإِنسان ليس إلا آلة تستجيب لما حولها من مثيرات ومنبهات، ولا تحركها أيّ دوافع داخلية، ويرى كثير من الباحثين أن ما كان يسمّى بالغريزة والدوافع الفطرية يمكن إرجاعه بالتحليل إلى سلسلة من الأفعال المنعكسة (٤).

стр. 328

فالعلماء الماديون ينظرون إلى الِإنسان نظرة مادية صرفة، فهم لا يعترفون بأنَّ في الِإنسان نفحة علوية، ولقد صوّر (فرويد) (١) الِإنسان بأنه مجموعة من الشهوات لا ترتفع عن الواقع المادي، ولا ينطلق من إسارها، فالِإنسان عند هؤلاء مخلوق مشدود إلى هذه الأرض، هي عالمه الذي يعيش فيه ويسعى إليه، وهي منتهى آماله، وغاية مطلوبه. لقد ضلّ الإنسان وهو يبحث عن أقرب الأشياء إليه: نفسه، لقد أضاع نفسه، وهو يبحث عن نفسه. فريق أنكر حقيقة الإنسان عندما أنكر الروح التي تسري في كيانه، وفريق لم يستطع أن يتعرف على الروح معرفة حقّة، وإن آمن بوجودها، ونتج عن ذلك أن الغاية التي يجب أن يسعى إلى تحقيقها وإيجادها بقيت مجهولة، وأن المنهج الذي يجب أن ننهجه بقي غائبا، وبذلك بقي الِإنسان يعيش في متاهات، ويمضي في الحياة وهو لا يدري. والموقف الحقّ لا يتمثل في أن نمضي في بحوثنا الرامية إلى معرفة حقيقة النفس الِإنسانية، فذلك سبيل ثبت فشله، وأعلمنا الله بأنَّ نيله لا يستطاع، وإنّما السبيل أن نتعرف على الغاية المثلى التي متى رسمت للنفس الِإنسانية تفاعلت معها، وعملت فيها خيرا، ووجهتها الوجهة التي تتحقق بها سعادتها وهناؤها، وهذا هو الذي جاءَنا به القرآن الكريم. وقد حلّ الإِسلام بذلك اللغز الذي قضى الإِنسان عمره وهو يبحث عنه، حلّه الإِسلام بأيسر سبيل، فالإنسان يطيق أن يتمثل الغاية ويسعى إلى تحقيقها، فيجد نفسه، ويحقق دوره، ويمضي إلى مطلوبه، وبذلك ترتفع عن كاهله الأعباء الجسام التي تراكمت بفعل الضلال الذي لفّ البشرية بسبب الجهل الكبير على مدى قرون متطاولة، وهذا ما سنحاول بيانه إن شاء الله تعالى في هذا الباب.

стр. 329

لا غنى للبشرية عن الغاية التي يرسمها الإِسلام لا خلاف بين الناس في أنّ المطلوب الذي يرمون إلى تحقيقه وإيجاده هو السعادة، فمن أجل السعادة ينطلق الناس في مساعيهم وأعمالهم يومًا وراء يوم، وشهرا في إثر شهر، وعاما بعد عام، وقد أقرّ بهذه الحقيقة أهل الفكر والمعرفة، وعلماء الاجتماع والنفس، يقول ابن حزم في هذا: "تطلبت غرضا يستوى الناس كلّهم في استحسانه وفي طلبه، فلم أجده إلاّ واحدا، وهو طرد الهمّ، فلما تدبرته علمت أن الناس كلَّهم لم يستووا في استحسانه فقط، ولا في طلبه، ولكن رأيت الناس على اختلاف أهوائهم ومطالبهم وتباين هممهم ومراداتهم لا يتحركون حركة أصلا إلاّ فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم، فمن مخطىء وجه سبيله، ومن مقارب للخطأ، ومن مصيب، وهو الأقلّ من النّاس في الأقل من أموره. فطرد الهمّ مذهب قد اتفقت الأمم كلُّها منذ خلق الله تعالى العالم إلى أن يتناهى عالم الابتداء، ويعاقبه عالم الحساب على ألا يعتمدوا بسعيهم شيئًا سواه، وكل غرض سواه ففي النّاس من لا يستحسنه" (١). وهذا الذي أسماه ابن حزم بطرد الهمّ، هو الذي أسميناه بالسعادة، فالسعادة لا تتحقق إلا بطرد الهموم التي تلمّ بالنفس. ومع أنّ الناس اتفقوا على هذا المذهب إلاّ أنَّهم اختلفوا اختلافا كبيرا في تحديد السعادة التي ينبغي أن يقصدها الإنسان، ويسعى إلى تحقيقها في واقع الحياة.

стр. 330

والسبب في هذا الاختلاف يعود إلى الجهل الذي لا يستطيع الِإنسان أن يتخلص منه مهما أوتي من علم، فكثير من النَّاس يطلب أمورا ويكون في تحقيقها دمارهم وهلاكهم، وآخرون يظنون أن الشقاء يكمن في فعل أمور والسعي إليها، فينفرون منها نفور حمر الوحش من الأسد، وواقع الأمر أنَّ السعادة والصلاح في تحقيق هذه الأمور. وهذا الجهل عائد إلى قلّة العلم بحقائق الأمور وبواطنها، وقلة العلم بالعواقب والنتائج، أضف إلى هذا أنَّ ما وراء الحياة الدنيا غيب لا يدركه الِإنسان، فنظرة الإنسان نظرة محكومة بالدنيا، لا تتجاوزها إلى ما وراءها، لقصور علم الإنسان في هذا إذا اعتمد على نفسه. ويقترن بالجهل ظلم النفس وطغيانها، فالنفوس بما حببّ إليها من الملذات العاجلة المرئية تتعامى عن الخير الحقيقي الذي يجب أن تقصده ﴿بَلْ تُؤثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (١). من أجْل ذلك آثر كثيرون النفع الماديَّ وشهوات الدنيا التي تروي أهواء النفوس، وتركوا الآخرة وراءهم ظهريّا لأنّها تحتاج إلى جهد مبذول ومخالفة لأهواء النفوس. ومن أجل عدم قدرة الإِنسان على التعرف على السبيل الأقوم والمقصد الأسمى كانت الرسالات، وجاءت النبوات تجلّي له الحقائق وتبصره بالغاية والنهاية.

стр. 331

الدواعي الطبعية والدواعي الشرعية هناك دوافع طبعية تدفع الإِنسان إلى تحقيق مراده، وليس كلّ الدوافع الطبعية سيئة ولا قبيحة، بل كثير منها أوجده الله في الإنسان كي يندفع اندفاعًا ذاتيًا لتحقيق مراده الذي تقوم حياته له، ولو لم يخلق الله له هذه الدوافع لما سعى في طلب الرزق، ولما تناول الطعام ولما سعى للزوجة ... وقد لاحظ جمع من العلماء (١) أنّ الأمور التي لها دواع طبعية مغروسة في أعماق النفس الإنسانية اكتفى الشارع بشرعها، ولم يقم الدواعي إلى فعلها اكتفاء بالدوافع الداخلية، فهي وحدها كافية في الإلحاح على صاحبها كي ينال مراده منها، ولو قدّر أنّ بعض الناس أراد أن يعمل على تقويض مطلوبات النفوس وتحريمها، كالزواج والطيبات من الطعام ... فإنَّ الشارع يمقت فعلهم هذا، ويعدّه جريمة نكراء. أماّ الأفعال التي تكرهها النفوس وتنفر منها، والشارع يريد من الِإنسان تحقيقها والقيام بها، فإنَّ الشارع يحدث لها من الدواعي بمقدار كراهيتها لها، ونفارها منها، ويكفي أن نعود إلى كتب الترغيب والترهيب، لنعلم ما أعدّه الله للذين يؤدّون الواجبات، ويكثرون من المستحبّات من أجر عظيم، وجزاء كريم، عندما تسمع به القلوب وتعيه فإنّه يستهويها، ويملك عليها أمرها، فلا تملك إلا أن تندفع إلى تحقيق ما طلب منها. والناظر في سير الصالحين من هذه الأمّة يعجب من صبرهم على البأساء والضراء، وبذل أنفسهم في سبيل الله، لا يرهبون الردى، ولا يقيمون وزنا للأواء والآلام.

стр. 332

يعجب الناظر من صبرهم على السهر الطويل يصلّون ويستغفرون، ومن بذلهم الكثير والقليل، لا يطلبون جزاء ولا شكورا، ومن امتناعهم عن محبوبات النفوس صائمين في شهور الحرّ ذات النهار الطويل، وما ذلك إلاّ لأنهم علموا عن الله وعن رسول الله ﷺ ما جعل الله لمن استقام على شرعه، فلم جدوا سبيلا إلا في القيام بما أراد الله منهم مريدين نيل وعد الله. ولقد رأينا الشارع يزيد من الدواعي والترغيب بما يوازي الدواعي الكبيرة التي تدعو إليها النفس والشيطان، بحيث يمنع النفس الأمارة بالسوء، والشيطان الذي يحسّن القبائح للإنسان؛ من السيطرة على قلب الإنسان ولبّه بحيث تكون الغلبة لهما. فالأعمال التي تنفر منها النفوس، ويشق القيام بها عند بني الِإنسان، يقيم الله لها الدواعي التي تجعلها خفيفة على النفوس، تسعى إليها عن رضا وطواعية. وهذا مهج بيّن لمن استقرأ نصوص الكتاب والسنّة، ولذلك وصف الله كتابه بالتبشير والإنذار ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. (١) ووصف رسوله ﷺ بهاتين الصفتين: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢).

стр. 333

الفصل الأول الغاية التي تتوجَّه إليها مقاصدُ المكلّفين

стр. 334

غاية المكلف في عبادته غاية واحدة المقاصد التي يقصدها المكلفون بالعبادة تنحصر في مقصد واحد، هو قصد الله دون سواه، فالعمل الذي لا يتوجه به إلى الله ليس له قيمة. ومن يستقرىء نصوص الكتاب والسنّة يعلم أن هذا هو القصد الوحيد الذي يرتضيه الإِسلام، فأوّل أمر في كتاب الله هو ما تضمنته هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (٢). الغاية الواحدة في مصطلح القرآن هي الإخلاص والقرآن الكريم يطلق على هذا القصد اسم (الإخلاص). والإِخلاص لا يراد به التوجه إلى الله في عمل من الأعمال، بل المقصود به أن يتوجه المكلف بأعماله كلِّها إلى الله وحده، دون سواه، فلا يقصد بعبادته ملكا ولا مَلِكًا، ولا يعبد شجرا ولا حجرا ولا شمسا ولا قمرا. الإخلاص يعني أن يتوجه بالأعمال القلبية لله وحده، كما يتوجه بالأعمال الظاهرة. والإخلاص هو الدين الذي بعث الله به الرسل جميعا، فكان محور دعوتهم ولبّها، وهو الدين الذي طالبت به الرّسلُ الأمم التي أرسلت إليها: ﴿وَمَا أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدِّينَ حُنفَاء﴾ (٣).

стр. 335

وكلّ رسول وكان يقول لقومه: ﴿اعبدوا الله ما لَكمْ مِنْ إلَه غَيْرُه﴾ (١)، وقد قرّر الله هذه الحقيقة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبِلِكَ منْ رَسُولٍ إلاَّ نوحِي إلَيْهِ أنه لاَ إلهَ إلاّ أنَا فاعْبدونِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثنا فِي كلِّ أمَةٍ رَسُولا أن اعْبدوا الله واجْتنبوا الطاغُوتَ﴾ (٣). وتعريفات العلماء للِإخلاص متقاربة، مدارها على قصد الله بالعبادة دون سواه، يقول الراغب في مفرداته: "الإخلاص: التعرّي عما دون الله" (٤). وعرّفه أبو القاسم القشيري (٥) بأنه: "إفراد الحقّ في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرّب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنّع لمخلوق، واكتساب محمدة عند النّاس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله " (٦). وقال في موضع آخر: "يصحّ أن يُقال: الِإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين" (٧). وعرفه العز بن عند السلام قائلا: "الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده، لا يريد بها تعظيما من الناس ولا توقيرا، ولا جلب نفع ديني ولا دفع ضرر دنيوي" (٨).

стр. 336

وقال الحارث المحاسبي: "الإخلاص إخراج الخلق عن معاملة الربّ" (١). وقال سهل بن عبد الله (٢): "الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة" (٣). قال الغزالي بعد ذكره لهذا التعريف: "وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض" (٤). ومدار الإخلاص في كتب اللغة على الصفاء والتميز عن الأوشاب التي تخالط الشيء يقال: هذا الشيء خالص لك: أي لا يشاركك فيه غيرك. وتطلق العرب (الإخلاص) على الزبد إذا خلص من اللبن والثقل. و (الخِلاص) في لغة العرب: ما أخلصته النّار من الذهب والفضة. والخالص من الألوان عندهم ما صفا ونصع. ويقولون خالصه في العشرة: صافاه. وجاءت هذه المعاني في الكتاب الكريم: ﴿نسْقِيكمْ ممِا في بُطُونِهِ مِنْ بَيْن فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خَالصًا﴾ (٥)، أي لا يخالطه دم ولا روث. والمراد بقوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيَّا﴾ (٦) في إخوة يوسف: أي انفردوا، وتميزوا عمن سواهم. والمراد بقوله: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكورِنا﴾ (٧)، فيما حكاه الله عن المشركين: أي لا يشركهم الإناث.

стр. 337

وقال تعالى في الزينة والطيبات: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١)، أي لا يشركهم فيها الكفار. ومن هنا نرى أنَّ بين المعنى اللغوي والاصطلاحي تناسبا وتوافقا، فالإخلاص يهدف إلى تخليص القصد المتوجه إلى الله تعالى من الأوشاب والأخلاط والفساد الذي يزاحمه ويخالطه، بحيث يتصفى القصد لله دون سواه في جميع العبادات. شدة الإخلاص وصعوبته الصدق في الإخلاص من أشقّ الأمور على النفوس، وهذه المشقة لا يعاني منها عوام النّاس ودهماؤهم دون العلماء والأئمة، بل كثير من العلماء والصالحين لاقوا هذه المعاناة، يقول سفيان الثوري: "ما عالجت شيئًا عليّ أشدّ من نيتي، إنّها تتقلب علي" (٢). ولذلك كان الرسول ﷺ كثيرا ما يدعو بهذا الدعاء: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوب ثبِّتْ قَلْبي عَلَى دِينِكَ" (٣). وكان يكثر في قسمه أن يقول: "لاَ وَمُقَلب الْقُلُوب" (٤). فالقلوب كثيرة التقلب والتحول في قصودها ونياتها، ومن شاء أن يعلم ذلك فلينظر إلى تحول قصده ووجهته في مدى ساعة واحدة، يقول الرسول ﷺ : "مَا مِنْ قلب إلاّ وَهُو َمُعَلقَ بَيْنَ أُصْبُعينِ مِنْ أَصَابِع الرّحمن، إنْ شَاءَ أَقَامَهُ وإنْ شَاءَ أَزَاغَهُ، والْمِيزانُ بيَدِ الرَّحْمَن، يَرْفَعُ أقْوَامًا، وَيخَفِضُ آخرينَ إلى يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٥).

стр. 338

ويقول ﷺ : "لقَلْب ابْن آدَمَ أشَدُّ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْر إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا" (١). والسبب في تقلّب القلوب يعود إلى كثرة الواردات التي ترد على القلوب، والقلب -كما يقول سهل بن عبد الله-: "رقيق تؤثر فيه الخطرات" (٢). وقد عدّ الحارث المحاسبي (٣) الواردات التي ترد على القلب على ثلاثة معان: الأوّل: تنبيه من الرحمن، ففي الحديث: "مَنْ يُرِدِ اللُه به خَيْرًا يَجْعَلْ لَهُ وَاعِظًَا مِنْ قَلْبهِ"، وفي الحديث الآخر يقول الرسول ﷺ : "ضَرَبَ اللُه تَعَالَىَ مثلاً صِرَاطًَا مُستَقِيمًا، وَعَلَى جَنبتَيّ الصرَاطِ سُورَان، فِيهمَا أَبْوَابٌ مفَتَّحَة، وَعَلَى الأبْوَاب ستُور مُرْخَاة، وَعَلَى الصِّرَاطِ دَاعٍ، يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخلُوا الصِّرَاطَ جَمِيَعًا، وَلاَ تعْوَجُّوا، وَداعٍ يَدْعُو مِنْ فوْق الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ الإِنْسَانُ أَنْ يَفْتَحَ شيئًَا مِنْ تِلْكَ الأبْواب قال: ويحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فإِنكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ .. فَالصِّرَاطُ الإسْلاَمُ، وَالسُّورَانِ حدود اللِه تَعَالى، وَالْأبْوَاب المُفَتَّحَةُ مَحَارِم الله تَعَالَى، وَذَلِكَ الداعي عَلَى رَأْس الصرَاطِ كَتابُ اللِه، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ الله فِي قَلْبِ كل مُسْلِم" (٤). ويرى المحاسبي أن واعظ الله يتحقق في قلب المسلم بأن يحدث الله الخاطر ببال عبده، وينشئه في قلبه، أو بأن يأمر المَلَك بفعل ذلك. الثاني: تزيين الشيطان ونزغه ووسوسته، وقد أمر الله رسوله أن يفزع إلى الله مستجيرا من نزغات الشيطان: ﴿وَإِما يَنْزَغَنكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاستعِذْ بِالله إنهُ سَمِيعٌ عَليِم﴾ (٥).

стр. 339

وأخبر سبحانه أن الشيطان يوسوس في صدور النّاس: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ (١). والشيطان عنده القدرة على أن يخالط القلب ويصل إليه، ففي الحديث: "إنَّ الشيْطَانَ يَجْري مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدمِ" (٢)، وهو يوسوس للإنسان بالشرّ، فإذا ذكر العبد ربَّه اختفى الشيطان، وهرب. والشيطان يزيّن المعاصي والآثام للعبد، ويحركه إلى فعلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (٣)، أي تحرّكهم إلى المعاصي والآثام تحريكا. وقال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (٤). وبين الله شيئًا من سبل الشيطان في الوسوسة والتزيين والإضلال: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٥) وفي الحديث أنَّ النبى ﷺ قال: "إن الشيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بأطْرُقِهِ، فَقعَدَ لَهُ بطَريقِ الإسْلاَم فَقَالَ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ ودِينَ آبَائِكَ، وآبَاءِ آَبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسلم. ثمَ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وإنما مَثَلُ الْمهَاجِرِ كَالْفَرَسِ فِي الطَولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بطَريق الْجهَادِ، وهُو جهاد النفْس وَالْمَالِ فقال: تُقاتلُ، فتُقْتلُ، فَتُنْكَحُ الْمرْأَة، َ ويقْسَمُ المَالُ؟ فَعَصَاَة، فَجَاهَدَ" (٦).

стр. 340

ومن حكمة الله تعالى أن جعل قلوب العباد ميدان حرب وصراع، فالقلب يتعاوره ملك وشيطان، هذا يلمّ به مرة، وهذا يلمّ به أخرى. يقول تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ (١). ووضّح الرسول ﷺ ذلك، ففي الحديث: "إن للْمَلِك بِقَلْب ابْن آدَمَ لَمَّةً، ولِلشيْطَانِ لَمَّة، فَلَمَّة الْمَلَك إيعَادٌ بِالْخَيْر، وَتَصْديقٌ بالْوَعْدِ، وَلمَة الشيْطَانِ إيعَادٌ بالشر، وتَكْذِيبٌ بِالْمَوْعِدِ، ثم قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). يقول ابن القيم معقبا على الحديث: "فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار، فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره، وآخر بضده، ومنهم من يكون زمنه كله نهارا، وآخر بضده" (٣). وقال الحسن البصريّ: "وإنَّما هما همّان يجولان في القلب: همٌّ من الله، وهم من العدو، فرحم الله عبدا وقف عند همّه، فما كان من الله أمضاه، وما كان من عدوّه جاهده ... " (٤). والشيطان إنّما يصارع ليملك القلب ويستولي عليه، فيفسده، وبفساده يفسد الجسد كله، يقول الرسول ﷺ : "أَلَا وإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صلَحتْ صَلَحَ الْجَسدُ كله، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَد كلهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْب" (٥)، ويقول: "إنّمَا الأعْمَال كَالْوِعَاءِ، إِذَا طَابَ أَسْفَله طَاب أَعْلاه، وإِذَا فَسَدَ أسْفله فَسَدَ أعْلاه" (٦).

стр. 341

فالشيطان كما يقول ابن القيم: "يسحر العقل حتى يكيده، ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله، فيزيّن له الفعل الذي يضره، حتى يخيل إليه أنَّه من أنفع الأشياء، وينفر من الفعل الذي هو أنفع الأشياء، حتى يخيّل إليه أنَّه يضرّه. فلا إله إلاّ الله، كم فتن بهذا السحر من إنسان، وكم حال بين القلب وبين الإيمان والإسلام والإِحسان، وكم جَلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة، وشنَّع الحقَّ وأخرجه في صورة مستهجنة! وكم بهرج من الزيوف على الناقدين! وكم روّج من الزغل على العارفين! فهو الذي سحر العقول حتى ألقى أربابها في الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة، وسلك بهم من سبل الضلال كل مسلك .... " (١). الثالث: والجهة الثالثة التي تؤثّر في القلب بوارداتها -كما يرى المحاسبي- النفس، فالنَّفس أمارة بالسّوء، تدعو إلى الطغيان وتأمر بالشرّ: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٢). وقال نبي الله يعقوب لأبنائه عندما زعموا أن الذئب أكل يوسف: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ (٣). وقال تعالى في حقّ ابن آدم الذي قتل أخاه: ﴿فَطَوّعَتْ لَهُ نفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ (٤). ومركب النفس الأمارة بالسوء الهوى والشهوات، فالمسلم لا ينجو إلاّ بمجاهدة الهوى ومصارعته. فهذه الثلاثة ترد على القلب، فيحتاج العبد أن يكون يقظًا دائمًا، يردع نفسه عن هواها، ويكبح زمام النفس الأمّارة بالسوء، ويعدّ العدّة دائما لمحاربة عدوه: الشيطان، ومصارعته بالأسلحة التي عرَّفه الله بها، من الذكر والتلاوة والعبادة ونحو ذلك.

стр. 342

لماذا كان الله هو المقصود دون سواه (١) التوجه إلى الله وقصده دون سواه ليس أمرًا غفلا عن الأسباب المنطقية والحقائق الصادقة التي يطمئن إليها العقل وترضى بها النفس، وسنكتفي هنا بإيراد عجالة توضح بعض الحقائق التي تدعونا إلى أن نقصر قصدنا على ربنا في مجال العبودية والقربات. ١ - الغاية التي ليس وراءها غاية: الناس جميعًا مؤمنون وكفار لا بد لهم من مراد يقصدونه، ويتوجهون إليه، على ذلك فطرهم الله، فالإنسان دائم الهم والإرادة، دائب العمل والحركة، ولذلك كان أصدق الأسماء حارث وهمام كما ورد في الحديث (٢)، لأنَّ كل إنسان حارث بمعنى كاسب، وكلّ إنسان همّام، أي كثير الهم والإرادة. فالإِنسان مجهول على أن يقصد شيئًا، ويريده، ويستعينه، ويعتمد عليه، في تحصيل طلبه، قد يكون هو الله، وقد يكون غيره، ولكنَّ الِإنسان لا يمكن إلاّ أنْ يكون كذلك، أي له مراد يقصده ويتوجه إليه. والسبب في ذلك أن الإنسان فقير إلى غيره محتاج إليه، كي يسد نقصه، ويكمل عجزه ويحصل حاجته، وفقره هذا دائم لا يتوقف ولا ينقطع. ومن عجائب الإنسان أنه إذا أراد شيئًا من المخلوقات ثم حصل عليه ملَّه وطلب غيره أو أكثر منه، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ

стр. 343

وَادِيانِ مِنْ ذَهَب لَتَمَنّى ثَالِثَا" (١). فالنفس الإنسانية دائمة التطلاب لما لم تحصل عليه، ولم تصل إليه، وليس هناك من شيء يمكن أن يسدَّ فقرها وحاجتها إلا أن تصل إلى ربّها ومعبودها، فتعرفه وتقصده دون سواه، عند ذلك يجد القلب مطلوبه، وتحصل النفس على مرادها، فيكون الإطمئنان والراحة والهناء، وفي ذلك يقول ربُّ العزة: ﴿أَلاَ بذِكر الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب﴾ (٢)، فليس هناك ما يمكن أن يجلب الطمأنينة إلا الوصول إلى الربّ المعبود معرفة وقصدا وتوجها. والنفس في طلب مرادها مترقية متسامية، تطلب الأكمل والأفضل، والكمال كلّه والفضل كلّه حازته الذات الإلهية، يقول ابن خلدون في هذا: "وتطلب غريزة العقل مقتضى طبعها: وهو المعرفة والعلم، فتحرك الفكر إلى تحصيله، وتشتاق إلى الكمال الأعلى بمعرفة خالقها، إذ لا ترى موجودا أكمل منه، فلا تزال تتطلع إلى جانبه بتصورات وأفكار تتعاقب عليها، تُلحم وتسدي، وتعيد وتبدي، وحركاتها في جميع هذه الأمور متواترة مترادفة، لا تفتر طرفة عين، ولا يلحقها من الكسل والملال ما يلحق الجوارح والأعضاء، وهي متنقلة دائما أسرع من إيماض البرق وحركة الدبال بالريح" (٣). والسبب الذي يجعل كثيرا من الناس يطلبون الأدنى من الأمور، ويقصدون ما لا يملك لهم ضرّا ولا نفعا -فساد العلم، وكثرة الجهل، وضعف الهمّة، فكلّما صحّ العلم، وانتفى الجهل، وصحت العزيمة، وعظمت الهمّة؛ طلب الإنسان معالي الأمور، فبعض النّاس همّه لقمة يسدّ بها جوعته، وشربة روية تذهيب ظمأه، ولباس يواري سوأته- وهو مذهب ذمّ أهل الجاهلية أصحابه، وفي مثل هؤلاء يقول حاتم طيىء: (٤) (٥)

стр. 344

لَحى اللُّه صُعْلوكًا مُناه وَهَمُّه ... من العيش أن يلقي لبوسا ومطعمًا يَرَىَ الْخُمْصَ تَعْذِيبًا وَإنْ يَلْق شبْعَة ... يَبِتْ قلبه من قلة الهم مبهًا ومن الناس من يكون مطلبه التمتع بمتاع الحياة الدنيا كحال طرفة بن العبد (١) الشاعر الجاهلي حيث يقول: (٢) وَلَوْلاَ ثَلَاثُ هنَّ مِنْ عِيشة الْفَتَى ... وَجَدِّكَ لَم أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُودِي فَمنْهُن سَبْقِي العَادِلَاتِ بِشَرْبَةٍ ... كُمَيْتٍ مَتى مَا تُعْلَ بالمْاءِ تُزْيدِ وَكَرِّي إِذَا نَادَى الفضَاف مُحَنَّبًا ... كيد الْغَضَا نَبهتهُ المتَوَردِ وَتَقْصِيرُ يَوْمِ الدجنِ وَالدَّجْن معْجِبٌ ... بِبَهْكَنَةٍ تحْتَ الْخِبَاءِ الْمُعمَّدِ (٣) كثير من الناس همّه من دنياه همّ هذا الشاعر المسكين، شربة خمر، والتمتع بامرأة حسناء، وقليل من النّاس تنهض همته إلى الدفاع عن الخائف المستجير. وقد يكون مسعى الناس ومطلبهم أمورا يعدّ طالبها سامي الهمّة عالي القصد كحال امرىء القيس (٤)، عندما أفاق من سكره وعبثه على زوال ملك أبيه، فانقلب جادّا طالبا إعادة هذا الملك (٥): فلو أَنَّ ما أَسْعى لِأدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي ولَمْ أَطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ الْمَالِ وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثّلٍ ... وَقَدْ يدْرِك الْمَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالِي

стр. 345

ولقد طال تطلابه للملك، حتى قضى نحبه في طلبه: بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ ... وَأَيْقَنَ أَنَّا لَاحِقَانِ بِقيْصَرَا فَقُلْتُ لَهُ لَا تَبْكِ عَيْنُكَ إنما ... نُحَاوِلُ مُلْكًَا أَوْ نَمْوتَ فَنُعْذَرَا لقد ضيّع حياته أولا في المتع والشهوات، وقضى شطر عمره الثاني في طلب الملك الضائع، وانتهت حياته، ولم يحصّل مطلوبه، ومات كما مات المتنبي (١) من بعده، طلبا الملك والِإمارة، فأعياهما الطلب. أما همة المسلم فلا تقف إلاّ أن تصل إلى الغاية التي لا غاية وراءها، والمطلوب الذي لا مطلوب بعده. قيل لأحد الصالحين: فلان بعيد الهمّة، قال: إذن لا يرضى بما دون الجنة، وفي عيون الأخبار أن عمر بن عبد العزيز ﵁، جاءه دكين الراجز، فقال له عمر: يا دكين، إنَّ لي نفسًا توّاقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلمّا نلتها تاقت إلى الخلافة، فلمّا نلتها تاقت إلى الجنة (٢). ٢ - هو المستحقُّ لأن يقصد ويعبد: والله وحده المستحقّ لأن يقصد دون سواه، لأنّه المعبود الذي يتصف بصفات الجلال والكمال، فهو الكامل في ذاته وصفاته، وهو المنعم المتفضل بيده النفع والضر، والخفض والرفع، والعطاء والمنع والنصر والخذلان، والعزُّ والإذلال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣).

стр. 346

فهو وحده المطلوب المقصود، لأنَّه الخالق الهادي المطعم المسقي، الذي يشفي من الأمراض، والذي يغفر الذنوب والخطايا: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١). فمنه المبتدأ وإليه المنتهى، له الحمد في الأولى والآخرة، لا ربَّ غيره، ولا معبود سواه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ (٢). فمن كانت هذه صفاته، وتلك أفعاله- فإنه الذي يستحق العبادة دون سواه، وهو الذي ينبغي أن يكون المقصد والمعاذ والملاذ. والتوجه إليه وقصده بالعبادة حقه الخالص الذي لا يشركه فيه أحد، فعن معاذ ابن جبل، قال: "كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: "يا معاذ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى الْعبَاد، وَمَا حَقُّ الْعِباد عَلَى الله؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حَقُّ الله عَلَى الْعِبَاد أَنْ يَعْبُدوهُ، وَلَا تشْرِكوا بِه شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى الله أَلا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يشْرك بِهِ شَيْئًَا .. " (٣). فهو الذي يستحقُّ العبادة خوفا ورجاء، ورغبة ورهبة، وتوكّلا واعتمادا، وصلاة وصياما، وزكاة وحجّا، ونذرا ودعاء ... هو المستحق لذلك لذاته -سبحانه - ولو لم يخلق جنّة ولا نارا، ولم يضع ثوابا ولا عقابا، كما جاء في الأثر: "لوْ لَمْ أخْلُقْ جَنَّة وَلَا نَارًا أَمَا كُنْتُ أَهْلاً أنْ

стр. 347

أعْبَدَ؟ " (١) وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿هوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأهْلُ الْمغْفِرةِ .. ﴾ (٢). وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: هَب الْبَعْثَ لَمْ تَأْتِنَا رسُلهْ ... وَجَاحِمَةُ النَّارِ لَمْ تُضْرَم أَلَيْس مِنَ الْواجِبِ المسْتَحِقِّ ... إِطَاعَة رَب الْورَى الَأكْرَمِ؟ ٣ - السعادة في قصده، والشقاء في توجيه القلوب إلى سواه: إذا كانت الغاية التي يرمي إليها العبد من وراء عمله غير مقصورة على الله -تعالى- فإن الإنسان يشقى بعمله وبنفسه، وتصبح الحياة قطعة من الشقاء، ولا يغني عن الإنسان أن يحوز الدنيا، ويملكها، فإن منابع السعادة والشقاء هناك في أغوار النفس الإنسانية، فالِإنسان مفطور على أن يتوجه إلى الله وحده بالعبادة والاستعانة، فمتى حرم الِإنسان من هذا التوجه فإنّه لا يغني عن هذا التوجه شيء، لأن النفوس في تطلاب دائم لمعبودها وخالقها وفاطرها، إن التوجه لغير الله مخالف للفطرة الِإنسانية، والمتوجه إلى غير الله حاله كحال الذي يستعمل ساعة يده مطرقة حديد، فإنه يظلم الساعة، لأنّها لم تصنع لذلك، والنفس الإنسانية خلقت للعبادة والتوجه إلى الله، فإن توجهت إلى غيره فقد ظلمت، ولذلك جاء في القرآن: ﴿إن الشِّرْكَ لَظلْمٌ عَظيمٌ﴾ (٣) والتوجّه إلى غير الله إفساد للنفوس: ﴿وقَدْ خَاب مَنْ دَساها﴾ (٤)، كما أن التوجه إليه وحده بالعبادة إصلاح وتزكية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زكَاهَا .. ﴾ (٥). إن فطرة الإنسان تدفعه إلى التوجه إلى المعبود، والفطرة قد لا تعرف المعبود الحقّ، ولكنها تطلبه دائما، وقد أرسل الله رسله كي يهدوا الّناس إلى معبودهم

стр. 348

الحق، وعند ذلك يصل الإنسان إلى مطلوبه ومعبوده الذي لا غنى له عنه ولا سكون له إلا به، ذلك مقتضى طبعه، وتلك حاجة نفسه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١). فالإنسان يشقى إذا كان وجهه وقصده وهمه لغير فاطره، ويشقى مرة أخرى لأن همومه تتعدد، وغاياته تتشتت، فإذا لم يكن همّ العبد همًّا واحدا تقاسمته هموم الدنيا، فعند ذلك لا يدري إلى أين يسير، ولا كيف يتجه؟! فمرة يشرّق، ومرة يغرب، ومرة يعبد صنما، وأخرى شمسا وقمرا، ويحاول إرضاء هذا مرة، وذاك مرة، والذي رضي عنه قد يغضب عليه، والذي زين له العمل قد يستقبحه منه بعد حين، وعند ذلك يصاب الإنسان بما أسماه علماء النفس بالصراع النفسي، والقلق الروحي، والعقد النفسية والأمراض ... ، وقد يصل الأمر بالإنسان إلى الانتحار. أما المسلم فغايته واحدة، ومنهجه الذي يؤدي إلى الغاية واحد، وهو قادر على أن يرضي الله ويسير على هداه، وبذلك تجتمع على العبد نيته، ويتوحد مطلوبه، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "منْ كانتْ نِيّته الآخرةُ جَعَل الله غِنَاهُ فِي قَلْبهِ، وَجمَع لهُ شمْلَهُ، وَأتته الدنْيَا وَهِيَ رَاغِمَة، وَمنْ كانت نيتَه طلَبُ الْدنْيَا جَعَلَ الله فقْرهُ بينْ عَيْنَيْه، وَشتَّت عَليْه أَمْرَه، وَلَا يَأْتيه منْهَا إلا مَا كتب له" (٢). وانقسام الغاية يشقي الإنسان، لأن الإنسان ذو قلب واحد لا يمكنه أن يتخذ معبودين، ويتجه إلى غايتين تتقاسمان أعماله: ﴿ما جَعَلَ الله لِرَجل مِنْ قلْبَيْن فِي جَوْفِهِ﴾. (٣) فالإنسان له قلب واحد ينبغي أنْ يتوجه إلى رب واحد، فإنْ توجّه إلى معبودين سبب ذلك للإنسان شقاء وأي شقاء. وخلاصة القول أن التوجه إلى غيره في جملته شقاء، شقاء القلب والنفس، وهو كذلك ضلال عن الحق، وبعد

стр. 349

عن جادة الصواب. والسعادة تكمن في التوجه الصادق إلى الله دون سواه. هذا في الدنيا، وهناك السعادة والشقاء في الآخرة، وهما مرتبطان بمسيرة الإنسان في هذه الحياة، فالذي توجه إلى الله وحده في الدّنيا دون سواه، وعمل في دنياه للغاية الباقية، فإنه في الآخرة من الفائزين السعداء، وتلك السعادة كما يقول الغزالي: "بقاء بلا فناء، ولذة بلا عناء، وسرور بلا حزن، وغنى بلا فقر، وكمال بلا نقصان، وعزّ بلا ذلّ" (١). وهذه هي السعادة الحقيقية الباقية الدائمة، وغيرها مضمحلّ ذاهب. يقول ابن حزم في هذا: "إذا تعقبت الأمور كلَّها فسدت عليك، وانتهت في آخر فكرتك باضمحلال جميع أحوال الدنيا إلى أنّ الحقيقة إنّما هي العمل للآخرة فقط؛ لأن كل أمل ظفرت به فعقباه حزن، إما بذهابه عنك، وإمّا بذهابك عنه؛ ولا بد من أحد هذين السبيلين؛ إلا العمل لله ، فعقباه على كل حال سرور في عاجل وآجل: أمّا في العاجل فقلة الهمّ بما يهتم به النّاس، وإنك به معظّم من الصديق والعدو؛ وأما في الآجل فالجنَّة". (٢) وفي السعادة والشقاء الدنيوي والأخروي يقول رب العزة: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (٣). ٤ - لا سبيل إلى تحرر النفس الِإنسانية إلاّ بتوجهها إليه: إنَّ مفهوم العبودية لله في الإسلام يعني الحرّية في أرقى صورها وأكمل مراتبها، العبودية لله إذا كانت صادقة تعني التحرر من سلطان المخلوقات والتعبد لها، فالمسلم ينظر إلى هذا الوجود نظرة صاحب السلطان، فالله خلق كل ما فيه من

стр. 350

أجلنا، وسخّره لنا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السمَوَاتِ وَمَا في الأرْضِ جَميعًا منه ... ﴾ (١). وما دام الأمر كذلك فالمسلم لن يخضع لهذه المخلوقات، وبين يقصدها لأنها أقل منه شأنا، فهي مخلوقة لنفعه وصلاحه. والمسلم لن يستعبده إنسان مثله، فالناس جميعا عبيد الله، فإنْ حاول بعض المتمردين من بني الإنسان أن يطغى ويبغي- وقف المسلم في وجهه يقول كلمة الحق، ويذكر هؤلاء بأصلهم الذي منه خلقوا، ومصيرهم الذي لا بدَّا لهم منه، ويذكر هؤلاء بضعفهم وعجزهم، علَّهم يفيقون ويرجعون. وبالعبودية لله يتحرّر الِإنسان مِنْ أَهْوائِهِ، فالهوى شَرُّ وثنٍ يعبْد: ﴿أرأيتَ من اتخَذَ إلهَهُ هَوَاه﴾ (٢) فالهوى قد يجْعل إليها معبودا يسيطر على نفس صاحبه، فلا يصدر إلا عن هواه، ولا يسعى إلاّ لتحقيق ما يبعثه إليه، والإسلام يعتبر الخضوع لأهواء النفس التي تدعو إلى المحرمات والآثام عبودية لهذه الأمور. أما التسامي عمّا تدعو إليه النفس من المحرمات -وكان كانت محبوبة للنفوس- فإنه يمثل في الإسلام الحريّة الحقة، لأنّه وإنْ قيدت حرّيته من جهة، بأن ألزم بترك بعض ما يشتهي، إلاّ أنه تحرّر من سلطان الهوى من جهة أخرى. والذين يزعمون أنهم يستطيعون تحقيق الحريّة بعيدا عن الله ومنهجه مخطئون، لأنَّ الإِنسان، بل كل مخلوق، سيبقى عبدا شاء أم أبى، إلا أنه إن رفض الخضوع لله اختيارا فسيخضع لمخلوق مثله، لا يملك له نفعا ولا ضرا، بل قد يخضع لمن هو أقل منه شأنا، وبذلك يكون قد استبدل عبودية بعبودية، ولم يخرج من العبودية إلى الحرية، بل خرج من عبودية الله إلى عبودية الطاغوت، وثنا، أو صنما، أو بشرا، أو شمسا، أو قمرًا ... ، وقد ذمّ الله كل من كانت هذه

стр. 351

صفته ﴿وجَعَلَ مِنْهُم الْقِرَدَةَ والْخنازِيرَ وَعبدَ الطَّاغوتَ﴾ (١)، فمما ابتلاهم به جزاء تكذيبهم أن جعلهم عبيدا للطواغيت بعد أن كانوا عبيدا لله. وفي هذه الأيام تتردّد كلمة الحرية، ويزعمون أنَّ الثورة الفرنسية أعلنت هذا المبدأ، وأن هيئة الأمم المتحدة أقرت الحرية مبدأ، وليس الأمر كذلك، فإنَّ ما فعله هؤلاء أنَّهم أخرجوا الناس من عبودية نظام وقانون وطائفة، إلى عبودية نظام آخر، وقانون آخر، وطائفة أخرى، ولكن هؤلاء جميعا بَقَوْا عبيدا، وإن ظَنّوا أنفسهم أحرارا، ولن يحررهم من سلطان البشر ويخلصهم من العبودية الظالمة إلاّ أن يكونوا عبيدا لله، يقصدونه وحده، وعند ذلك يتحررون من سلطان الآخرين، حتى من هوى النفوس التي تتردّد في أجسادهم. وأكثر الناس بعدا عن العبودية لله هم أكثر الناس عبودية لغير الله، فهؤلاء الشيوعيون أعظم الناس تمردا على الله وبعدا عنه، يستكبرون حتى عن التصديق بوجوده، وهم أعظم الناس عبودية لغير الله، فالفئة الحاكمة في روسيا والصين تسيطر على رقاب الناس سيطرة كبيرة، فلا يكادون يجدون طعم الحياة. والحريّة هناك وهم كبير، وسراب خادع، أراد الشيوعيون أن يتحرروا من سلطان الله، فأقاموا الدولة إليها تصادر حرية الأفراد، وتمنعهم من إبداء الرأي، وتتحكم في ممتلكاتهم، وتسوق الملايين إلى المعتقلات في صحراء سيبيريا، وإلى السجون التي غصَّت بالنزلاء على سعتها وكثرتها، وفي الأعياد يمر عشرات الملايين من البشر مطأطئي الرؤوس أمام جثة مؤسس المذهب المحنطة في الميدان الأحمر في موسكو!! لقد أخرجوا النّاس من ظلمات متراكمة إلى ظلمات أشدّ، وأخرجوهم من عبودية إلى عبودية، ولن يكون من مخلص من العبودية لغير الله إلا هذا الإسلام. ولقد صدق موفد المسلمين وبرَّحين واجه قائد الفرس قائلا: "الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل

стр. 352

الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة" (١). وكلّ من لم يرض بالإسلام دينا، وبحكمه حكما، فإنّه غارق في قاذورات الجاهلية: ﴿أفَحُكْمَ الْجَاهِبيةِ يَبغُونَ ومَنْ أحسنُ مِنَ الله حكْمًا لِقَوم يُوقِنونَ﴾ (٢). والذين يرفضون أن يكون الله معبودهم فإنهم يهينون أنفسهم بتعبيدها لمخلوقات أقل منها شأنا وأحقر منزلة، وهم في ذلك يُدسون هذه النفوس. والإسلام يعدّ الذي يكون جلّ همه وغاية مطلبه الدينار والدرهم والملبس والمأكل؛ عبدا لهذه التي سيطرت على نفسه: "تعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تعس عبد الدرهم، تَعِسَ عَبْدُ الْخميصَة، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ" (٣). ٥ - عنى الله عن العباد وإحسانه إليهم: ومما يوجب على العباد التوجه إلى رب العباد دون سواه أنه محسن إليهم، متفضل عليهم، وهو غني عنهم، يجلب لهم الخير ويكشف عنهم الضرّ، لا لجلب منفعة إليه من العبد ولا لدفع مضرة، بل رحمة وإحسانا. والعباد لا يتصور أن يعملوا إلا لحظوظهم، فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه، ويعظّموه، ويجلبوا له منفعة، ويدفعوا عنه مضرة، وإن كان ذلك أيضا من تيسير الله تعالى. فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد إذا لم يكن العمل لله، فإنَّهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبتهم، سواء أحبوه لجماله الباطن أوالظاهر، وإذا أحبوا الأنبياء والصالحين طلبوا لقاءهم، فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك. وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو لرياسته أو جماله أو كرمه، فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبّة، ولولا التذاذه بها لما أحبه، وإن جلبوا له منفعة كخدمة أو مال، أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو ولو بالدعاء أو

стр. 353

الثناء- فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله، فأجناد الملك وعبيد المالك وأجراء الصانع وأعوان الرئيس؛ كلّهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به، لا يعرّج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم إلاّ أن يكون قد عُلّم وأدّب من جهة أُخرى، فيدخل ذلك في الجهة الدينية، أو يكون فيها طبع على عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة، وإلّا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه، وهذا من حكمة الله التي أقام بها مصالح خلقه، وقسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات. العباد يقصدون نفع أنفسهم، والربّ يريدك لك، ولمنفعتك بك، لا لينتفع بك، وهى منفعة لك بلا مضرة.

стр. 354

حكم الإِخلاص في العبادات يقول صدّيق حسن خان (١): ولا خلاف في أن الإِخلاص شرط لصحة العمل وقبوله (٢)، وممّن نصَّ على ذلك العزّ بن عبد السلام، قال: "إخلاص العبادة شرط" (٣)، وقد عدّه القرطبي: واجبا (٤)، وابن تيمية: فرضا (٥). ولذلك كان عجيبا أن يصحح بعض فقهاء الأحناف عادة من لا إخلاص لهم، يقول الحموي: "إذا صلى رياء وسمعة تصحّ صلاته في الحكم، يعني لوجود شرائطها وأركانها، ولم يستحقّ الثواب لفقد الإخلاص" (٦). ويقول في موضع آخر: "النية الخالصة ظاهرة في حصول الثواب لا الصحة، لأنَّ الثواب يبنى على وجود العزيمة وهو الإخلاص، وأما الصحة فلا تتوقف على الإِخلاص، بل على أصل النية، فإنّه لو صلّى رياء صحّت صلاته، وكان غير مثاب عليها" (٧). ويقول ابن عابدين: "الإخلاص شرط للثواب لا للصحة، فإنّه لو قيل لشخص صلّ الظهر ولك دينار، فصلّى بهذه النية، ينبغي أن يجزيه، وأنه لا رياء في

стр. 355

الفرائض في حقّ سقوط الواجب، فهذا يقتضي صحة الشروع مع عدم الإخلاص" (١). وهذا الذي قرراه لو أراد به عدم مطالبة من لم يخلص بالعبادة في الدنيا، وإنما هو أمر بينه وبين الله تعالى كما يقول صاحب الذخيرة المرضية (٢) - لكان قولهم صحيحا، أما وهم يصححون عبادته، ويعدّون النية شرطا للثواب لا للصحة فلا. وما قاله هذان الفقيهان (٣) هو أثر من آثار تقسيم العلوم الِإسلامية إلى وحدات مستقلة، وقد وصل الأمر إلى درجة أن كادت تنفصم الوشيجة التي تربط بينها جميعا، فالإخلاص -وهو أحد مباحث علم التوحيد- أصل لكلّ عمل قلبي أو قولي أو بدني، وكان ينبغي أن يعنى بهذا عناية تامة، أما أن يزعم بعض المتأخرين "أن الِإخلاص أمر زائد على النيّة لا يحصل بدونها، وقد تحصل بدونه، وأنَّ نظر الفقهاء قاصر على النية، وأحكامهم تجري عليها" (٤)، فهذا قول غير صحيح. وقد حكم السيوطي ببطلان عبادة من نوى بذبحه الأضحية أن تكون لله ولغيره (٥)، وما ذلك إلا لأنَّها فقدت الِإخلاص. وقد ذكرنا قول بعض العلماء الذين عدوها شرطا. وممن نصَّ على بطلان عبادة غير المخلصين الحطّاب، قال: "فالمخلص في عبادته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتى له إلاّ بأن يكون الباعث له على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده، فأما إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أغراض الدنيا فلا تكون عادة، بل مصيبة موبقة لصاحبها" (٦).
следующие страницы →