صفته ﴿وجَعَلَ مِنْهُم الْقِرَدَةَ والْخنازِيرَ وَعبدَ الطَّاغوتَ﴾ (١)، فمما ابتلاهم به جزاء تكذيبهم أن جعلهم عبيدا للطواغيت بعد أن كانوا عبيدا لله.
وفي هذه الأيام تتردّد كلمة الحرية، ويزعمون أنَّ الثورة الفرنسية أعلنت هذا المبدأ، وأن هيئة الأمم المتحدة أقرت الحرية مبدأ، وليس الأمر كذلك، فإنَّ ما فعله هؤلاء أنَّهم أخرجوا الناس من عبودية نظام وقانون وطائفة، إلى عبودية نظام آخر، وقانون آخر، وطائفة أخرى، ولكن هؤلاء جميعا بَقَوْا عبيدا، وإن ظَنّوا أنفسهم أحرارا، ولن يحررهم من سلطان البشر ويخلصهم من العبودية الظالمة إلاّ أن يكونوا عبيدا لله، يقصدونه وحده، وعند ذلك يتحررون من سلطان الآخرين، حتى من هوى النفوس التي تتردّد في أجسادهم.
وأكثر الناس بعدا عن العبودية لله هم أكثر الناس عبودية لغير الله، فهؤلاء الشيوعيون أعظم الناس تمردا على الله وبعدا عنه، يستكبرون حتى عن التصديق بوجوده، وهم أعظم الناس عبودية لغير الله، فالفئة الحاكمة في روسيا والصين تسيطر على رقاب الناس سيطرة كبيرة، فلا يكادون يجدون طعم الحياة.
والحريّة هناك وهم كبير، وسراب خادع، أراد الشيوعيون أن يتحرروا من سلطان الله، فأقاموا الدولة إليها تصادر حرية الأفراد، وتمنعهم من إبداء الرأي، وتتحكم في ممتلكاتهم، وتسوق الملايين إلى المعتقلات في صحراء سيبيريا، وإلى السجون التي غصَّت بالنزلاء على سعتها وكثرتها، وفي الأعياد يمر عشرات الملايين من البشر مطأطئي الرؤوس أمام جثة مؤسس المذهب المحنطة في الميدان الأحمر في موسكو!! لقد أخرجوا النّاس من ظلمات متراكمة إلى ظلمات أشدّ، وأخرجوهم من عبودية إلى عبودية، ولن يكون من مخلص من العبودية لغير الله إلا هذا الإسلام. ولقد صدق موفد المسلمين وبرَّحين واجه قائد الفرس قائلا: "الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل
стр. 352
الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة" (١). وكلّ من لم يرض بالإسلام دينا، وبحكمه حكما، فإنّه غارق في قاذورات الجاهلية: ﴿أفَحُكْمَ الْجَاهِبيةِ يَبغُونَ ومَنْ أحسنُ مِنَ الله حكْمًا لِقَوم يُوقِنونَ﴾ (٢). والذين يرفضون أن يكون الله معبودهم فإنهم يهينون أنفسهم بتعبيدها لمخلوقات أقل منها شأنا وأحقر منزلة، وهم في ذلك يُدسون هذه النفوس. والإسلام يعدّ الذي يكون جلّ همه وغاية مطلبه الدينار والدرهم والملبس والمأكل؛ عبدا لهذه التي سيطرت على نفسه: "تعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تعس عبد الدرهم، تَعِسَ عَبْدُ الْخميصَة، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ" (٣).
٥ - عنى الله عن العباد وإحسانه إليهم:
ومما يوجب على العباد التوجه إلى رب العباد دون سواه أنه محسن إليهم، متفضل عليهم، وهو غني عنهم، يجلب لهم الخير ويكشف عنهم الضرّ، لا لجلب منفعة إليه من العبد ولا لدفع مضرة، بل رحمة وإحسانا. والعباد لا يتصور أن يعملوا إلا لحظوظهم، فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه، ويعظّموه، ويجلبوا له منفعة، ويدفعوا عنه مضرة، وإن كان ذلك أيضا من تيسير الله تعالى.
فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد إذا لم يكن العمل لله، فإنَّهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبتهم، سواء أحبوه لجماله الباطن أوالظاهر، وإذا أحبوا الأنبياء والصالحين طلبوا لقاءهم، فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك. وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو لرياسته أو جماله أو كرمه، فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبّة، ولولا التذاذه بها لما أحبه، وإن جلبوا له منفعة كخدمة أو مال، أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو ولو بالدعاء أو
стр. 353
الثناء- فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله، فأجناد الملك وعبيد المالك وأجراء الصانع وأعوان الرئيس؛ كلّهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به، لا يعرّج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم إلاّ أن يكون قد عُلّم وأدّب من جهة أُخرى، فيدخل ذلك في الجهة الدينية، أو يكون فيها طبع على عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة، وإلّا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه، وهذا من حكمة الله التي أقام بها مصالح خلقه، وقسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات.
العباد يقصدون نفع أنفسهم، والربّ يريدك لك، ولمنفعتك بك، لا لينتفع بك، وهى منفعة لك بلا مضرة.
стр. 354
حكم الإِخلاص في العبادات
يقول صدّيق حسن خان (١): ولا خلاف في أن الإِخلاص شرط لصحة العمل وقبوله (٢)، وممّن نصَّ على ذلك العزّ بن عبد السلام، قال: "إخلاص العبادة شرط" (٣)، وقد عدّه القرطبي: واجبا (٤)، وابن تيمية: فرضا (٥).
ولذلك كان عجيبا أن يصحح بعض فقهاء الأحناف عادة من لا إخلاص لهم، يقول الحموي: "إذا صلى رياء وسمعة تصحّ صلاته في الحكم، يعني لوجود شرائطها وأركانها، ولم يستحقّ الثواب لفقد الإخلاص" (٦).
ويقول في موضع آخر: "النية الخالصة ظاهرة في حصول الثواب لا الصحة، لأنَّ الثواب يبنى على وجود العزيمة وهو الإخلاص، وأما الصحة فلا تتوقف على الإِخلاص، بل على أصل النية، فإنّه لو صلّى رياء صحّت صلاته، وكان غير مثاب عليها" (٧).
ويقول ابن عابدين: "الإخلاص شرط للثواب لا للصحة، فإنّه لو قيل لشخص صلّ الظهر ولك دينار، فصلّى بهذه النية، ينبغي أن يجزيه، وأنه لا رياء في
стр. 355
الفرائض في حقّ سقوط الواجب، فهذا يقتضي صحة الشروع مع عدم الإخلاص" (١).
وهذا الذي قرراه لو أراد به عدم مطالبة من لم يخلص بالعبادة في الدنيا، وإنما هو أمر بينه وبين الله تعالى كما يقول صاحب الذخيرة المرضية (٢) - لكان قولهم صحيحا، أما وهم يصححون عبادته، ويعدّون النية شرطا للثواب لا للصحة فلا.
وما قاله هذان الفقيهان (٣) هو أثر من آثار تقسيم العلوم الِإسلامية إلى وحدات مستقلة، وقد وصل الأمر إلى درجة أن كادت تنفصم الوشيجة التي تربط بينها جميعا، فالإخلاص -وهو أحد مباحث علم التوحيد- أصل لكلّ عمل قلبي أو قولي أو بدني، وكان ينبغي أن يعنى بهذا عناية تامة، أما أن يزعم بعض المتأخرين "أن الِإخلاص أمر زائد على النيّة لا يحصل بدونها، وقد تحصل بدونه، وأنَّ نظر الفقهاء قاصر على النية، وأحكامهم تجري عليها" (٤)، فهذا قول غير صحيح.
وقد حكم السيوطي ببطلان عبادة من نوى بذبحه الأضحية أن تكون لله ولغيره (٥)، وما ذلك إلا لأنَّها فقدت الِإخلاص.
وقد ذكرنا قول بعض العلماء الذين عدوها شرطا. وممن نصَّ على بطلان عبادة غير المخلصين الحطّاب، قال: "فالمخلص في عبادته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتى له إلاّ بأن يكون الباعث له على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده، فأما إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أغراض الدنيا فلا تكون عادة، بل مصيبة موبقة لصاحبها" (٦).
стр. 356
وتحدث ابن تيمية عن الذين يدفعون زكاة أموالهم إلى السلطان خشية أن تضرب أعناقهم، أو تنقص حرماتهم، أو تؤخذ أموالهم، وعن الذين يقومون يصلّون خوفا على دمائهم وأغراضهم ... ، تحدث عنهم واصفا إياهم بالنفاق والرياء، ثم قال: "عندنا وعند أكثر العلماء، أن هذه العبادة فاسدة، لا يسقط الفرض بهذه النية" (١).
وما لنا نذهب بعيدا والرسول ﷺ يقول: "إنَّ الله تَعالَى لاَ يَقْبَل مِنَ العَمَلِ إِلّا ما كَانَ له خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْههُ" (٢).
стр. 357
الفصل الثاني
مفهومات خاطئة للإخلاص
стр. 358
مفهومات خاطئة للإخلاص (١)
من المعضلات التي واجهت البشر في القديم والحديث أنهم لا يدورون مع الحق حيث دار، بل يجنحون إلى الإفراط أو التفريط، فنجد أقواما يؤلهون عيسى، وآخرين يلعنونه. ونجد أقواما كالشيوعيين يحرمون الفرد حريته، وآخرين يتمادون في إعطائه الحرية بلا قيود كالرأسماليين، وجاء الإسلام بالمنهج الوسط، وكانت هذه الأمة أمة وسطا: ﴿وَكَذَلِكَ جعَلْنَاكمْ أمةً وَسَطًا﴾ (٢) والوسط خير الأمور، فالفردوس أعلى الجنّة ووسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة كما ورد في الحديث.
وفي موضوع البحث غلا أقوام غُلوًا شديدًا في تعريف الإخلاص، حتى عدوا تحصيله ضربا من الخيال، ولو تفكرنا فيما وضعوه من مواصفات للإنسان المخلص لعسر علينا أن نجد مسلما يتحقق الإخلاص فيه.
ومهمتنا هنا أن نعيد الحق إلى نصابه، وأن نكشف الزيف الذي علق بهذا الموضوع الخطير الذي يعدُّ أصل الأصول، وغاية الغايات، وإلا فإن اليأس سيصيب السالكين إلى الله، وعند ذلك سيقعدون عن العمل، بل سيتوجهون إلى الأعمال المخالفة لمنهج الله.
стр. 359
١ - الِإخلاص والتجرد عن الِإرادة
يرى بعض السالكين أن الاخلاص لا يتحقق إلا إذا تجرد الِإنسان عن إرادته، وتجرد عن رؤية أعماله، وعدَّوا النظر إلى شيء من ذلك قادحا في الإخلاص: فالسهروردي يصف هؤلاء بأنهم غابوا فى إخلاصهم عن إخلاصهم، ويذكر عن بعضهم قوله: "متى شهدوا في إخلاصهم الِإخلاص احتاج إخلاصهم إلى إخلاص" (١). ويعرّف الجرجاني (٢) المريد بأنَّه المجرد عن الِإرادة، وينقل عن محيي الدين بن عربي أنه قال في الفتح المكي: "المريد من انقطع إلى الله عن نظر واستبصار، وتجرد عن إرادته"، وعلَّل مقالته هذه بأن المريد: "يعلم أنه لا يقع في الوجود إلاّ ما يريده الله تعالى، لا ما يريده غيره، فيمحو إرادته في إرادته، فلا يريد إلا ما يريده الحق" (٣).
وفي موضع آخر يعرف الجرجاني المريد بأنَّه: "المتجرد عن إرادته"، ويقل عن أبي حامد بأنه عرف المريد بقوله: "هو الذي فتح له باب الأسماء، ودخل إلى جملة المتوصلين إلى الله تعالى بالاسم" (٤).
وذكر الجرجاني مرتبة فوق ذلك عنده، فقد عرَّف المريد بأنه "عبارة عن المجذوب عن إرادته مع تهيؤ الأمور له، فجاوز الرسوم كلّها والمقامات من غير مكابدة" (٥).
стр. 360
ووضّح الغزالي هذا في الإحياء، فقال: "النية إنما مبدؤها من الإيمان، فالمؤمنون يبدأ لهم من إيمانهم ذكر الطاعة، فتنهض قلوبهم إلى الله من مستقر النفس، فإن قلوبهم مع نفوسهم، وذلك النهوض هو النية"، ثم بيّن أنَّ أقواما لا يحتاجون إلى النيّة، لأنهم صاروا إلى حال فوق ذلك، فقال: "وأهل اليقين جاوزوا هذه المنزلة، وصارت قلوبهم مع الله مزايلة لنفوسهم بالكليّة، ففرغوا من أمر النيّة، إذ هي النهوض، فنهوض القلب من معدن الشهوات والعادات إلى الله تعالى بأن يعمل طاعة وهو بنية، والذي صار قلبه في الحضرة الأحديَّة مستغرقا محال أن يقال نهض إلى الله في كذا وهو ناهض بجملته مستغرق في جزيل عظمته، قد رفض ذلك الوطن الذي كان موطنه وارتحل إلى الله" (١).
وهذا الذي نقلناه عن هؤلاء يحتاج إلى تمحيص وبيان.
هل يمكن العمل بدون إرادة:
الأمر الأول الذي يحتاج إلى تمحيص هو دعوى إمكان العمل بغير إرادة، هل يمكن ذلك؟ لقد تخيّل بعض النَّاس أن ذلك ممكن، وظنُّوا أنَّ كمال العبد ألّا تبقى له إرادة أصلا، ولعل السب في خطئهم أنهم لم يثسعروا بإرادتهم لفرط تعبدهم، فالإرادة شيء، والشعور بها شيء آخر، فلما لم يشعروا بها ظنوا انتفاءها، وهذا غلط، فالعبد لا يتصور أن يتحرك إلا عن إرادة وهمّ.
وقد يريد بعض العباد والسالكين بالتجرد عن الإرادة قصد الله وحده والتوجه إليه دون سواه، والفناء في ذلك بحيث لا يشهدون سواه، ويسمّون هذا (الفناء عن شهود السوي)، وواقع الأمر أنَّ شدّة انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته سبَّب للقلوب ضعفا عن أن تشهد غير ما تعبد، وترى غير ما تقصد، فلا يخطر بقلوبهم غير الله، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ (٢) قالوا: فارغا من كل شيء إلا من ذكر
стр. 361
موسى، ومثل هذا يحدث لمن فجأه أمر شديد من حب أو خوف أو رجاء، فإن القلب يبقى منصرفا عن كلّ شيء إلاّ عما قد أحبّه أو خافه أو طلبه، بحيث يكون عند استغرافه في ذلك لا يشعر بغيره.
وعندما يقوى هذا الحال عند السالكين يغيب الواحد منهم بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، حتى يفنى من لم يكن وهي المخلوقات المعبّدة ممن سواه، ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى، والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره، وفناؤه عن أن يدركها أو يشهدها، وفي مثل هذه الحال يضعف المحبّ ويضطرب في تمييزه، فقد يظن أنه هو محبوبه.
وهذا الموضع زلّ فيه أقوام، وأكابر الأولياء كأبي بكر وعمر والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يقعوا في مثل هذا، فضلا عمّن هم فوقهم من الأنبياء، وإنما وقع شيء من هذا بعد الصحابة.
فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا أكمل وأقوى وأثبت في الأحوال الِإيمانية من أن تغيب عقولهم، أو يحصل لهم غشي أو صعق أو فناء أو منكر أو وَلَة أو جنون، وإنَّما كان مبادىء هذه الأمور في التابعين من عبّاد البصرة، فإنّه كان فيهم من يُغشى عليه إذا سمع القرآن، ومنهم من يموت.
وصار في بعض العبّاد والنساك بعد ذلك من يعرض له من الفناء والسكر ما يضعف معه تمييزه، حتى يقول في تلك الحال من الأقوال ما إذا صحا عرف أنه غالط منه.
وهذه الأحوال ليست كمالا بحال من الأحوال، فالكمال هو قصد الله وحده دون سواه، مع بقاء العلم والتمييز، بحيث يعرف القاصد الأمور على ما هي عليه، والكمال لا يقتضي أن يغيب العبد عن مشاهدة المخلوقات، بل يشهدها قائمة بأمر الله، مدبَّرة بمشيئته مستجيبة له قانتة له، فيكون للعباد فيها تبصرة وذكرى، ويكون
стр. 362
ما يشهدونه من ذلك مؤيدا وممدّا لما في قلوبهم من إخلاص الدّين، وتجريد التوحيد لله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١).
وحسبنا أن نعلم أنَّ الرسول ﷺ عرج به إلى السموات العلا، وعاين هناك ما عاينه من الآيات، وأوحى الله إليه ما أوحى من أنواع المناجاة، وأصبح في غداة تلك الليلة في مكة، لم يتغير حاله، ولا ظهر عليه ما يظهر على العباد حال الذكر والمناجاة، ولا غابت عنه المخلوقات حال عروجه.
وقد أخطأ بعض السالكين خطأ قريبا من هذا، فظن أنَّ الطريقة الكاملة للعبد ألّا تكون له إرادة أصلا، وأن مرادهم هو ما يقدره الرب، ويرون أن هذا هو القيام بالحقيقة العظمى، وقالوا: إن هذا النهج يجمع على المرء قلبه، فلا تتفرق به السبل، لأنَّه لا يرى للمخلوقات أفعالا، ولا يرى إلاّ الله وحده، وهؤلاء يتناقضون، فقد يقع من العبد الفسق والفجور والقتل وغير ذلك مما أذن الله في كونه وقدره، ولكنَّه كرهه من العبد وأبغضه، فكان لا بد للعبد من أن ينظر إلى الأمور لا من حيث هي مقدّرة كائنة، بل من حيث كونها مأمورا بها أو منهيا عنها، فيريد العبد ما أمر به، ويقصر عما نُهي عنه، فالمريد ما قدر عليه، سيقع في المحرمات، ويترك الواجبات، ثم يزعم أنه قائم بالحق، لأن هذا فعل الله فيه، لا فعله هو، وما دام الأمر كذلك فلا تثريب عليه، وهذا ضلال وبُعْد عن الحق. فليس الحقّ في ألا يريد العبد شيئًا، ولا أن يريد كلّ ما هو واقع وكائن، بل يريد مراد الله، ويحبّ ما أحبه.
стр. 363
الفناء الحق:
والفناء كلمة لم يأت بها كتاب ربنّا ولا سنّة نبينا -صلي الله عليه وسلم- وهي تحتمل حقا وباطلا، وقد بينّا فيما سبق شيئًا من الغلط الذي وقع فيه بعض النّاس. وقد غلا آخرون فزعموا أنّ الخالق حل في خلقه فلا موجود إلاّ الله، فوجود الخالق هو وجود المخلوق، فلا فرق بن الرب والعبد، وهذا من أعظم الضلال!! وقد يظنّ ببعض الصالحين الأخيار أنّهم يذهبون هذا المذهب ويتجهون هذا الاتجاه، والأمر ليس كذلك، فإذا قال بعض الأخيار: ما أرى غير الله، أو لا أنظر إلي غير الله، ونحو ذلك فمرادهم بذلك ما أرى ربّا غيره، ولا خالقا ولا مدبِّرا غيره، ولا أقصد إلا هو (١).
فالخالق جل وعلا مباين للمخلوقات، وليس في مخلوقاته جلَّ وعلا شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وقد اتفق السلف الصالح على وجوب إفراد القديم عن الحادث، وتمييز الخالق عن المخلوق.
فالفناء الذي يريده الصالحون أمثال الشيخ عبد القادر في قوله: "افن عن الخلق بحكم الله، وعن هواك بأمره، وعن إرادتك بفعله ... ". وقوله: "فعلامة فنائك عن خلق الله انقطاعك عنهم والتردد إليهم واليأس مما في أيديهم ... " - ليس هو الفناء المذموم، بل مراده ألا يكون للإنسان مراد إلا الله، ولا يقصد إلا ما يحبّه الله ويريده، فلا تكون للعبد إرادة لم يؤمر بها.
هذا مراد الصالحين الذين فقهوا عن الله وعن رسوله صلي الله عليه وسلم، وهذا الذي يسميه بعض الناس فناء هو حقيقة الِإسلام، وجوهر الِإيمان، وقطب القرآن، وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد سواه، وهو الذي أسميناه الإخلاص.
وتلك المعاني التي سمّوها فناء بعيدة عن جوهر الدين ومراد الله، والقول بها والتوجه إليها، ودعوة الناس إلى تحقيقها؛ سبَّب إشكالات وفسادًا عانى منه الصالحون طويلا.
стр. 364
٢ - التجرد عن الميول والنزعات الفطرية
نشأ في صفوف المسلمين اتجاه يزعم أنّ الإخلاص لا يتحقق ولا يتم إلاّ إذا محا الإِنسان من نفسه النوازع التي خلقها الله فيه، بحيث يقضي عليها قضاء لا رجعة فيه، فلا تدعوه بعد ذلك إلى الدنيا، ولا تطالبه النفس بمتاع، وقد عرّف الجنيد التصوف قائلا: "التصوف تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسية، ومنازلة الصفات الروحانية ... " (١).
ويقول السهروردي: "لا بدّ للمريد من الخروج من المال والجاه، والخروج عن الخلق بقطع النظر عنهم" (٢).
ويقول الغزالي: "إنما الوصول إلى الله بالتجرد عن علائق الدنيا، والإكباب بجملة همته على التفكير في الأمور الإلهية" (٣).
وأصحاب هذا الاتجاه بذلوا جهودا هائلة في سبيل الوصول إلى مبتغاهم، ولكنها كانت جهودا في غير محلها، ولدلك أتعبتهم كثيرا، ولنضرب مثالا على الجهد المبذول من واقع أصحاب هذا الاتجاه، فقد مكث أبو يزيد أربعين سنة يجاهد كي يقطع نفسه عن علائق الدنيا الظاهرة والباطنة، فإلى أي شيء وصل؟ يقول: "كنت ثنتي عشرة سنة حدّاد نفسي، وخمس سنين كنت مرآة قلبي، وستّة أنظر فيما بينها، فإذا في وسطي زنار ظاهر، فعملت في قطعه ثنتي عشرة سنة، ثم نظرت فإذا
стр. 365
في باطني زنار، فعملت في قطعه خمس سنين، انظر كيف أقطع، فكشف لي، فنظرت إلى الخلق، فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات" (١).
إنّ هذا الجهد الذي بذله هذا السالك جهد مضن طويل، وما أظنّه فعل شيئًا، ذلك أن الإنسان مفطور على أن يطلب ما تقوم به حياته، من مطعم ومشرب ومنكح، فإذا رام الإنسان أن يمحو هذه النوازع والغرائز والميول، فإنه يكون قد رام محالا، وسعى فيما لا يمكن تحقيقه. يقول الحارث المحاسبي في هذا: "فإنّما أمر العباد بمجاهدة أهوائهم، ولم يؤمروا ألّا يكون في النفس غريزة تدعوه إلى شهوة" (٢).
ولو كلفنا بذلك لكان تكليفا بما لا يطاق، وقد قرَّر الشاطبي هذه البدهية حيث يقول: "الأوصاف التي طبع عليها الِإنسان كالشهوة إلى الطعام والشراب لا يطالب برفعها، ولا بإزالة ما غرز في الجبلة منها، فإنّه من تكليف ما لا يطاق، كما لا يطالب بتحسين ما قبح من خلقة جسمه، ولا تكميل ما نقص منها، فإنّ ذلك غير مقدور للِإنسان، ومثل هذا لا يقصد الشارع طلبا له، ولا نهيا عنه" (٣).
وقد أدّى العمل على النحو الذي يقتضيه هذا الاتجاه إلى حدوث صراع نفسي في نفوس العاملين به، كانت له آثار سيئة، ذلك أنّهم يحاولون كبت نوازع الفطرة، ويطلبون محوها وإزالتها، وهذا أمر مستحيل، فدفعة الجسد قوّية عنيفة، وهي لا تفتأ تلح على الِإنسان، وتضغط عليه ليستجيب لها، فإذا وقع الِإنسان بين ضغط الغريزة الدائم الملحاح، وبين ما يعتقد أنَّه سمو وكمال، وهو محاربة هذه الميول وخنقها في أعماق النفوس، فالنتيجة الحتمية أن يدمّر الصراع الثائر بين الدوافع والكوابح نفس صاحبه، ويوهن قواه، ويشتت فكره، ويملأ القلب حيرة وقلقا.
ولقد سار في هذا السبيل أقوام من قبل فدمَّروا أنفسهم، فالبوذية ترى أن "سبيل
стр. 366
السعادة لا يمكن تحققه إلاّ بمحاربة الأهواء والرغبات المادية، وترك اللذائذ ومتع الحياة" (١).
وقد نادى (زينون) مؤسس المدرسة الرواقية المشهورة باسم مدرسة أهل العزيمة والجلد، قبل الميلاد بثلاثة قرون، نادى الناس زاعما أنَّ "مبدأ الفضيلة هو التحرر من اللذائذ والآلام جميعا، وطالبهم بأن يكافحوا العاطفة الإنسانية، والوجدان الطبيعي، والبلوغ بهما من الجمود والتحجر إلى حد الجسارة على الانتحار" (٢).
وفي فارس الكسروية ظهر (ماني) داعيا إلى حياة العزوبة، لحسم مادة الشرّ والفساد من العالم، وأعلن أن امتزاج النور بالظلمة شرّ يجب الخلاص منه، فحرّم النكاح استعجالا للفناء (٣).
والديانة النصرانية تحوّلت بعد دين المسيح إلى قيود متزمتة، تتشدّد بها الكنيسة ورجال الدّين، حتى حولوها إلى رهبانية تنعزل عن الحياة، وتزعم أن العباد لا يحصلون على ملكوت السماء إلا إذا قهروا نوازع النفوس، وحجتهم في زعمهم هذا أنّ هذه النوازع دنس وقذارة ينبغي أن يتطهر منه الأتقياء الذين يخشون ربَّهم ويرجون لقاءه. وعدَّ علماء النصارى الاستجابة للغريزة الجنسية بالزواج رجسا، ودعوا إلى الانقطاع عن الشهوة المدمرة التي تنهك الجسد، وقد علمنا من حال الرهبان ما تقشعر لهوله الأبدان، فقد مكث أحدهم خمسين عاما لم يغتسل مرّة واحدةفي وآخر مكث في مغارة عشر سنوات لا يرى الشمس، وثالث كان يجلد جسده كل يوم حتى تقرح، أما انقطاعهم في الفيافي والقفار، وبعدهم عن الزواج، وتركهم الدنيا، فذلك أشهر من أن يذكر، وأوضح من أن يكتب فيه!!
فماذا كانت النتيجة لتجربة الأمم من قبلنا التي سلكت هذا السبيل؟ لقد ثارت الفطرة، وتمردت، فدفعت بهؤلاء الذين حاربوها إلى الاستجابة لها بالطرق
стр. 367
الملتوية، لقد أصبحت الأديرة في العصور الماضية مباءة للفسق والفجور، وبدل أن يتعفف هؤلاء عن الدنيا، إذا بهم يطلبونها بكل سبيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١).
وما أخبار صكوك الغفران التي كان الرهبان يجنون منها أموالا طائلة منا ببعيد، ولقد أصجت الكنيسة في العصور الوسطى سيفا مسلولا على رقاب النصارى، فقد أذاقتهم الكنيسة الذلَّ أشكالا وألوانا، وقد كانت سلطتها تعادل أو تفوق سلطة الدولة، وباسم الدين الذي يزعمون أنه يبغض الدنيا، حازوا الدنيا.
هذا حال الذين زعموا أنهم يبغضون الدنيا وأن السبيل الذي يوصل إلى رضوان الله هو ترك الدنيا والهروب منها، أما أتباع هذه المذاهب من عوام الناس، فقد ثاروا على هذه التعاليم، ولم تقف ثورتهم عند حدّ الاعتدال، فقد تجاوزت كل الحدود، ففي فارس قام (مزدك) كردة فعل لتعاليم (ماني) المجحفة، ودعا إلى الإغراق في الشهوات، وأعلن شيوعية المال والنساء.
وحال النصارى اليوم لا يحتاج إلى بيان، فأوروبا وأمريكا اليوم ماخور يعجّ بالفساد، وسوق الرذيلة هي السوق الرائجة، وأصبحت العلامة المميزة لأهل تلك الديار هي السعي وراء الرذيلة واللذة العاجلة، وطأطأت الكنيسة من كبريائها، فأصبحت احتفالات الغناء والرقص التي تخجل منها الفضيلة، تقام في قاعات الكنائس، لأن هذا هو السبيل الذي يجلب الشباب إلى الكنيسة.
стр. 368
ولقد أخطأ بعض المسلمين (١) عندما ساروا على درب أولئك الذين فشلوا في تجربتهم، وأضاعوا أعمارهم في غير ما فائدة، أخطأوا عندما لم يعتبروا من التاريخ، ولم يستفيدوا من دروسه، وأخطأوا ثانيا عندما ظنوا أنَّ الإسلام أمرهم بهذا وحثهم عليه.
الإسلام لم يأتنا لننبذ الحياة وراء ظهورنا، ولنطمس الميول التي تدعونا إلى نيل محبوباتها التي خلقها الله، إنما جاء ليوضح لنا المنهج الذي نسلكه في نيلنا لهذه التي لا تقوم حياتنا إلا بها، ودعانا لاتباع السبيل الذي يحبُّه ويريده لنا، إنه لا يريدنا في مسيرتنا إليه أن نتجرد من نوازعنا ونحرم ما خلقه لنا: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٢)، وكيف تحرم وقد خلقت من أَجلنا؟ ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣). فتناول هذه المحبوبات والمشتهيات من حيث يريد الله هو في ذاته محبوب مرض لله، وهو معين على طاعة الله، فالإطعام من الحلال للنفس ولمن يعوله الإِنسان صدقة،
стр. 369
ففي الحديث الصحيح: "مَا أَطْعَمْتَ زَوْجَتَك فَهُوَ لَكَ صَدَقَة، وَمَا أَطْعَمْتَ وَلَدَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَة، وَمَا أَطْعَمْتَ خَادِمَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهوَ لَكَ صدَقَة" (١).
وقد قال الرسول ﷺ لسعد بن أبي وقاص: (٢) "إنكَ لَنْ تنْفِقَ نَفَقَةً تبْتَغِي بِها وَجْهَ الله إِلاَّ أُجرْتَ عَلَيهَا، حتى ما تَجْعَلُ في فِي امْرَأَتِكَ" (٣).
وقد مدح الله الذين ينفقونَ أموالهم ابتغاء مرضاة الله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًا وَعَلاَنِيَةً، فَلَهُمْ أَجْرُهمْ عندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْف عَلَيْهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤).
قال ابن كثير في هذه الآية: "هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله ابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سر وجهر، حتى أنَّ النفقة على الأهل تدخل في ذلك" (٥). وساق حديث سعد بن أبي وقاص، وحديث الِإمام أحمد الذي أورده في مسنده: "إِنَّ الْمُسلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً يَحْتَسبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً"، وهو في الصحيحين (٦).
وقد عدّ الرسول ﷺ إتيان المسلم شهوته صدقة، ففي الحديث: "أَوَ لَيْس قَدْ جَعَلَ الله لَكمْ مَا تَصَدقُونَ بهِ؟ إِنّ بِكُلِّ تَسْبيْحَةٍ صَدَقَةً، وَكُل تَكْبِيْرَةٍ صدَقَة، وَكلّ تَحْميدَةٍ صدَقَة، وَكُلّ تَهْلِيلَةٍ صدَقَة، وَأَمْرٌ باَلمعروف صدَقَة، وَنَهْيٌ عَنِ الْمنْكَرِ صدقَة، وفَي بُضْعِ أَحَدكُمْ صَدَقَة".
قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟
стр. 370
قال: "أَرَأَيْتمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَام أَلَيْسَ يَكُونُ عَلَيهِ وزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلَالَ لَهُ أَجْر" (١).
إنّ الذي يرفضه الإسلام أن يسعى العبد لنيل حظه من الدنيا بهواه من غير الطريق الذي ارتضاه الشارع، كالذي ينال شهوته بالزنى أو اللواط، وكالذي يروي ظمأه بالخمر، وكالذي يملأ بطنه بلحم الخنزير والميتة.
ويرفض الإسلام أن تشغل الدنيا العبد عن طاعة الله، وأن تصبح ميدانا للصراع والتنافس، بحيث تثور الأحقاد، ويصبح همّ الناس التكالب على الدنيا، والتصارع على متاعها.
أما ما يصيب العبد من نسيان للآخرة حال ملابسته للدنيا فذلك أمر لا يمكن أن يتخلص منه الإنسان، وقد عانى من هذه ألحال حنظلة الأسيدي (٢) أحد كتاب الوحي، قال: كنا عند النبي ﷺ فذكّرنا الجنّة والنّار، حتى كأنا رأي عين، فقمت إلى أهلي وولدي، فضحكت، ولعبت، فذكرت الذي كنا فيه، فخرجت، فلقيت أبا بكر، فقلت: نافقتُ يا أبا بكر، فقال: وما ذاك؟ قلت: نكون عند النبيّ ﷺ يذكرنا الجنة والنّاركأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا.
فقال أبو بكر: إنا لنفعل ذلك. فأتيت النبيّ ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: "يَا حَنْظَلَةُ لَوْ كنتم عندَ أَهْليكُمْ كَمَا تَكونونَ عِنْدِي لَصَافحتكمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرشِكُمْ، وَفِي الطَّرِيقِ، يَا حَنْظَلَة سَاعَة وَسَاعَة" (٣).
стр. 371
محاربة الرسول ﷺ لهذا الاتجاه:
لقد قاوم الرسول ﷺ هذا الاتجاه في أفضل صوره وأعلى مراتبه، فقد حاول بعض الصحابة أن يتبتل، وآخرون حاولوا الهروب إلى الجبال كي يعبدوا الله، ولكنَّ الرسول ﷺ رفض ذلك رفضًا كليًّا، وعنّف الذين أرادوه، وبيّن لهم ما فيه من تضييع لما هو أفضل منه، وبين أنّه مناف لسنته وطريقته، وقد جمع ابن الأثير (١) هذه الأحاديث تحت باب: "الاقتصاد والاقتصار في الأعمال"، وسأسوق طرفا منها يتضح به المقصود إن شاء الله تعالى.
فقد ذكر أنَّ البخاريَّ ومسلما رويا عن أنس بن مالك ﵁ أنه "جاء ثلاثة رهْطٍ (٢) إِلى بيوتِ أزواج النبيّ ﷺ يسألون عن عِبادة النبِي ﷺ فَلَما أخبروا، كَأَنهم تقالُّوها (٣). قالوا: فأين نحن من رسول الله ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء، ولا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله ﷺ إليهم، فقال: "أَنْتُمْ الذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَالله إِنّي لَأخشاكمْ لله، وأَتْقَاكمْ له، وَلَكِني أَصُومُ وَأفْطِرُ، وَأصلي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوّج النسَاءَ، فمَنْ رَغِبَ عِنْ سنتي فلَيسَ مِنّي" (٤).
ونقل عن أبي داود في سننه أنه أخرج عن عائشة قالت: "بعث رسول الله -
стр. 372
صلى الله عليه وسلم- إلى عثمان بن مظعون (١): أرَغْبةً عَنْ سنَّتِي؟ فَقَالَ: لا وَالله يَا رَسولَ الله، ولَكِنْ سنَّتَكَ أَطْلُب، قَالَ: فإنِّي أَنَامُ وَأصَلِّي، وَأَصوم وَأفْطِر، وَأَنْكَحُ النسَاءَ، فَاَتَّقِ الله يا عُثْمَانُ، فَإِن لَأهْلِكَ عَليْكَ حقًا، وإِن لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ" (٢).
وأنكر الرسول ﷺ على عبد الله بن عمرو بن العاص تشدده في العبادة، فقد أخبر الرسول -صلى لله عليه وسلم- أن عبد الله يقول: "والله لأصومنَّ النَّهار، ولأقومن الليل ما عشت" فأنكر عليه الرسول ﷺ مقالته، وقال له: "فَإنَّك لَا تسْتطيع ذَلِكَ، فَصمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ" وأرشده إلى طريقة معينة في الصيام والقيام. والحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (٣).
وحذر رسول الله ﷺ أمته من أن تسلك سبيل الأمم من قبلها فقال: "لَا تُشَدِّدوا عَلَى أَنْفُسِكمْ، فيشدَّدُ عَلَيْكمْ، وكان قَوما شددوا عَلَى أَنْفسِهِمْ، فشُدِّدَ عَلَيْهِم، فَتِلْكَ بَقَايَاهمْ فِي الصَّوامعِ وَالدّيَارِ، رَهبَانيةً ابْتَدعُوهَا مَا كَتَبْناهَا عَلَيْهمْ" رواه أبو داود (٤).
فالرسول ﷺ قد بين لأمته أن هذا منهج خاطىء، وأن السبيل الذي ينجي عبد الله هو القيام بهذا الدّين، والالتزام بتعاليمه، فيما يتعلق بحقوق الله أو النفس أو الأهل ... وليست القضية التي جاء بها الإسلام هي الهروب من الحياة كي ننال الجنّة والنعيم الأخروي، الإسلام يريدنا أن نسخّر الحياة باسم الإسلام وبنهجه، يريد الإنسان المسلم أن يكون طاقة قوية تندفع إلى الحركة
стр. 373
والعمل والكفاح في الحياة لبناء الحضارة الِإنسانية الخيرة، ويسدّ الثغرات التي تظهر في العالم المادي نتيجة للدوافع الحيوانية التي تولّد الصراع الحادّ في أعماق نفس الإنسان، والتي تظهر على شكل مظاهر كثيرة متنوعة من الفساد العام الذي يصيب الفرد والجماعة، فيتحول المجتمع الإنساني إلى مجتمع يسود فيه منطق الأقوياء الجشعين والناهبين الظالمين والمفسدين الضالين.
إنّ النظام الروحي في الإسلام يحافظ على الحضارة الإنسانية من أن تتحول إلى أداة شقاء، وبؤرة مرض، كما حدث في الحضارة الحديثة، عندما يتحول الِإنسان في ظلها إلى آلة جامدة، ثمَّ إلى مجموعة عقد مرضية، ثم إلى انحراف خطير، ولّد الثغرة الكبرى والفراغ الهائل الذي يريد المربون معالجته، ولكن بدون جدوى؛ ذلك لأنَّهم عندما جزؤوا الإنسان، وعالجوه مقطع الأوصال، لم يصيبوا كبد الحقيقة، ولم يدركوا حقيقته الكبرى من حيث هو كائن ثنائي التركيب، مركب من المادة والروح، وليس نموذجا من النماذج الحيوانية الكثيرة المنتشرة على الكرة الأرضية.
سرّ المسألة:
وسرّ المسألة أنَّ أصحاب هذا الاتجاه من المسلمين ظنوا في بداية الأمر أن القصد الذي يتطلع صاحبه إلى ثمرات الأعمال ونتائجها وحظوظه منها- مزاحم للقصد المتجه إلى الله فيكون ذلك تشريكا يجب أن ننزه عنه نياتنا، ومن هنا اندفعوا جاهدين كي ينتزعوا من أعماق نفوسهم تلك الخواطر والمقاصد التي تتطلع إلى محبوباتها من الأعمال المشروعة، فلمّا وجدوا صعوبة في الأمر تحول دون تحقيق المراد رموا الدنيا وراء ظهورهم، وقصروا تطلعاتهم على الأعمال التي أمروا بتحقيقها، وجاهدوا النفوس كي لا يبقى لهم مراد غير ذلك المراد.
ولا يفوتنا -ونحن نبحث في أصل المسألة- أن نقرر ما قرره المحققون من العلماء من أنَّ الشارع قصد فى وضعه للشريعة مصالح العباد في العاجل والآجل،
стр. 374
وقد دل على هذا استقراء العلماء للشريعة في أعظم مصدرين: الكتاب والسنة، وقد دلَّ استقراؤهم على أنَّ هذا الأمر (القول بأن الشريعة وضعت لمصالح العباد) مستمر في جميع تفاصيل الشريعة. وإن الاستدلال مفيد للعلم لكثرة الأدلة الدالة على ذلك (١)، فإذا كان هذا مقرَّرا، فكيف يجوز أن نمنع العابد من أن يتطلع إلى المصابيح التي قصدها الشارع من أعمال المكلفين؟
لو ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى القول بمنع العبّاد من النظر والتطلع إلى مصالح ونتائج لا يرتضي الشارع أن تجعل الأعمال المتعبد بها وسيلة إليها- لكان هذا القول مرضيا ومقبولا، لأن المكلف مطالبا بألَّا يتوجه ولا يقصد إلاّ ما قصده الشارع من المصالح، أما أن نرفض جواز التطلع إلى الخير المترتب على أعمالنا المتعبد بها مع أنَّ الشارع ارتضاه وقصده، فهذا في غاية الصعوبة.
ونستطيع هنا أن نتقدم خطوة فنقول: إن قصد هذه الحظوظ من الأعمال المتعبد بها مقصودة للشارع ومطلوبة من المكلف لأنّها تناسب حاله، وعمله على هذا النحو يصلح أمره، ويحفظ عليه دنياه وأخراه. ويحسن أن نقرّر بوضوح أن التطلع إلى ثمرات الأعمال المتعبد بها -سواء أكانت عبادات أصلا أم عاديات متعبد بها- لا يضاد الإِخلاص ولا يناقضه، ما دمنا نقصد مقاصد الشارع المترتبة على الأعمال.
ولقد أحدثت هذه النظرية شرخا في نفوس المسلمين، لأن هؤلاء حاروا بين هذه النظرية التي تدعوهم إلى المثالية والترفع في مقاصدهم وبين واقع حالهم، إذ وجدوا أنفسهم غير مطيقين للانسلاخ من رغباتهم، وصرف أنفسهم عن النظر إلى نتائج الأعمال.
كيف نريد من الذي يريد طهارة -وضوءًا أو غسلا- ألاّ يقصد مع قصد التقرب إلى الله تعالى- التنظف والتطيب! وإذا كان الجو حارا كيف نريد من هذا الإنسان
стр. 375
ألا يقصد التبرد وإنعاش نفسه! فإن قصد هذا القصد حكما على عمله بالبطلان والفساد؟! وهب هذا الإنسان راغم نفسه كي يتصرف عما تحسّه وتطلبه، فكيف السبيل إلي أن يقصر نفسه على مجرد الامتثال للفعل!
ومن ذا الذي يتذوق سرور العبادة ولذتها ثم يطيق ألّا يقصد هذا النعيم؟! وهل إذا قصدنا من وراء إخراج الزكاة المتقرب بها سدّ خلَّة الفقير وصلة الأرحام، وتقديم الخير لبني الإنسان، نكون أقمنا مقاصد مضادة للإخلاص؟!.
ألم يأمرنا الله بأن نقاتل في سبيل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا؟!
ألم يقرّنا الله على أن نحصل بالجهاد أمرا نحبّه ونرضاه: ﴿وَأخرَى تُحِبّونَهَا نصْرٌ مِنَ الله وَفَتْحٌ قَرِيب﴾ (١)!
وهب أننا استطعنا أن نصرف قصدنا في أمور العبادات عن النظر إلى ثمرات الأعمال في الدنيا، فهل نطيق ذلك في الأمور العادية إذا قصدنا التعبد بها! فالزواج والطعام والشراب واللباس إذا قصدت التقرب بها إلى الله تعالى بأن آخذها من الطريق التى شرعها، وأبتعد عما حزم منها، وأقصد الاستعانة بها على طاعة الله، أأستطيع أن أصرف النظر عن الثمرات الناتجة عنها والتى تحبها النفس وتتطلبها منها؟!
إن العاملين بأعمال دنيوية من المسلمين: أطباء ومهندسين وباحثين، يستطيعون أن يجعلوا أعمالهم قربات عند إحداث نية صالحة حين القيام بهذه الأعمال، وهذا لا يلزمهم ألا يقصدوا حظوظهم من وراء هذه الأعمال.
لا يجوز أن يحتجّ علينا في هذا بأنَّ الشارع لم يرتض أن يقاتل المسلم شجاعة أو حمية، بل يجب أن يقصر قصده على القتال كي تكون كلمة الله هي العليا،
стр. 376
وبدون ذلك لا يكون جهاده في سبيل الله- لأننا قررنا من قبل أن الثمرات والنتائج التي نجيز التطلع إليها هي التي أقرها الشارع ورضيها، والقتال بقصد هذه الأمور لم يرتضه الشارع.
نعم نتائج الأعمال المطلوبة والمقصودة للشارع قد تخفى علينا وقد لا ندركها خاصة في العبادات، ومن هنا قد نظن أمرا ما مقصودا للشارع فنطلبه مع أنه -في واقع الأمر- ليس بمطلوب ولا مقصود له.
وهذه نظرة وجيهة يجب أن يراعيها العابد، فلا يقصد إلاّ المصالح التي نص الشارع عليها، والمصالح التي استنبطناها من النصوص، لا تلك المصالح التي ارتضيناها بأهوائنا.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر بأن الشريعة لم توضع لطائفة من النّاس وإنما هي شريعة عامة، جعلت لعموم الناس، والناس أصناف شتى، ولذلك رغبهم في العمل بالشريعة بمرغبات مختلفة، كي تصبح مؤثرات ودواعي تحركهم إلى العمل وتدفعهم إليه. لننظر في هذه المرغبات التي يجلّيها نوح لقومه كي يحققوا مراد الله ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (١). ولننظر إلى موعود الله لهذه الأمة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٢). ولننظر إلى وعد الله للأتقياء: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣)، ﴿وَمَنْ يَتقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يسْرًا﴾ (٤).
стр. 377
هذه الآيات وأمثالها كثير تستثير في النفس الإنسانية آمالها وتطلعاتها، وتحرك جذوتها فتندفع إلى تحقيق ما يطلب منها، ولكن بإرادة صادقة وعزيمة قوية، تطلب في ذلك خيرها من حيث يريد الله تعالى، وهذه -وايم الله - العبودية الحقّة التي يريدها الله من عباده، وحسبنا أن الله أثنى على الذين يطلبون منه خيري الدنيا والآخرة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١). نعم لو قالوا كما قال الشاطبي (٢): بأن قصر النظر على الأعمال وعدم التطلع إلى النتائج أقرب إلى الإخلاص والتفويض والتوكل على الله- لكان قولهم صوابا.
стр. 378
٣ - قصد النعيم الأخروي
وقد بالغ بعض العلماء والعباد في تجريد القصد إلى الله والتقرب إليه، حتى عدّوا طلب الثواب الأخروي الذي وعد الله به عباده الصالحين قادحا في الإخلاص، وهم وإن لم يقولوا ببطلان الأعمال التي قصد أصحابها الثواب الأخروي- إلاّ أنهم كرهوا للناس العمل على هذا النحو، ووصفوا العامل رجاء حظّ أخروي بالرعونة، ووسموه بأجير السوء، مما جعل قلوب كثير من الذين يقرؤون كلامهم تحاذر أن تقصد هذا القصد، وتجاهد في ألا تنظر إلى ثواب الأعمال الأخروية.
وقد تناقل العلماء قول رويم (١) في تعريف الإِخلاص: "الإخلاص ألا يريد على عمله عوضا في الدارين، ولا حظَّا من الملكين" (٢).
ووصفت رابعة العدوية (٣) الذي يعبد رجاء الجنة وخوف النار بأنه أجير سوء حيث تقول: "ما عبدته خوفا من ناره، ولا حبّا في جنته، فأكون كأجير السوء، بل عبدته حبا له وشوقا إليه" (٤).
ووصف الغزالي العاملين على هذا النحو بالبَلَه، بالإضافة إلى الوصف الذي وصفتهم به رابعة العدوية: "العامل لأجل الجنة عامل لبطنه أو فرجه، كالأجير
стр. 379
السوء - ودرجته درجة البله (١)، وإنّه لينالها بعمله إذ أكثر أهل الجنة البله، وأما عبادة ذوي الألباب فإنَّها لا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه حبا لجماله وجلاله ... وهؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المنكوح والمطعوم في الجنة .. " (٢).
وقرر شيخ الِإسلام إسماعيل الهروي أنَّ الرجا أضعف منازل المريدين ووسم العاملين على الرجا بالرعونة في مذهب المتصوفة: "الرجا أضعف منازل المريدين، لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه، وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة" (٣).
وإذا نظرنا نظرة عجلى في كتاب ربنا، وسنة نبيه ﷺ ، وفي سيرة الأنبياء والمرسلين والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، فإنَّنا نعلم علما قاطعا أنَّ ما ذهب إليه هؤلاء بعيد عن الصواب، مخالف لما جاءت به نصوص السنة والكتاب.
لقد وصف الله سادات المؤمنين بأنَّهم كانوا يعبدون الله خائفين راجين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٤).
وعباد الرحمن الذين نسبهم إلى نفسه وأثنى عليهم في آخر سورة الفرقان يقولون: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ (٥).
والذين وسمهم بأنَهم أولو الألباب يقولون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
стр. 380
﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١).
وخليل الرحمن إبراهيم يقول في دعائه: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ (٢).
وأثنى الله على نبيّه زكريا ويحيى، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٣).
وجاء صحابي للرسول ﷺ يقول: "أَما إني أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﷺ "حَوْلَهَا نُدَنْدِنْ" (٤).
وقد وصف الله نعيم الجنة، ثم حثَّ على التنافس والتسابق في طلبه، فقال: ﴿وِفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَس الْمتنافِسون﴾ (٥).
وما أكثر ما بين القرآن الثواب أو العذاب الأخروي لمن قام بعمل ما، كذلك الرسول ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ (٦).
وقال في أكلة مال اليتيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٧).
وقال الرسول ﷺ في حقّ صائم رمضان: "منْ صَام رمَضانَ
стр. 381
إيمانًا واحْتِسَابًا غفر لهُ مَا تَقَدمَ مِنْ ذَنْبهِ" (١).
قال ابن حجر: "والمراد بالإيمان الاعتقاد بحق فرضية الصوم، وبالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى، وقال الخطابي: احتسابا أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك، غير مستثقل لصيامه ومستطيل لأيامه" (٢).
وقال فيمن تبع الجنازة: "مَنْ تَبعَ جَنازَةَ مسْلِم إِيمانًا واحْتِسَابًا وكَانَ مَعَهَا حَتى يصَلى عَلَيْهَا، ويفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنّه يَرْجع مِنْ الَأجْرِ بِقيرَاطَيْن، كل قِيراطٍ مثْلُ أحُدٍ، وَمَنْ صَلى عَلَيْها، ثم رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تدْفَن، فَإِنَّه يَرْجِع بِقيرَاطٍ منَ الَأجر" (٣).
ولو ذهبنا نورد النصوص المرغّبة والمرهبة من الكتاب والسنة لطال القول، وقد ألّف الحافظ المنذري (٤) كتابه الترغيب والترهيب في ثلاث مجلدات، وحسبنا أن الله قد عد القرآن مبشرا ونذيرا: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ (٥).
ووصف الرسول ﷺ بذلك: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٦).
فكيف بعد أن ثبت أن دين الله كله دعوة إلى العباد كي يطلبوا الجنّة، ويهربوا من النار، وأن سادة المؤمنين من الرسل والأنبياء والصديقين والشهداء كلّهم
стр. 382
يطلبون الجنة، ويخافون النار- يستقيم قول من زعم أنّ الذي يعبد الله طلبا للجنة، وخوفا من النار كأجير السوء، أو أن العمل على ذلك من الرعونة، وأنه أضعف مراتب المريدين، وكيف يجوز للغزالي -غفر الله له- أن يقول: "العامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه، كالأجير السوء ودرجته درجة البله".
لا والله، بل هؤلاء هم الأخيار الأبرار الأطهار الذين سماهم الله بأولي الألباب، وهم الذين تلقوا علومهم عن الله، وفقهوا عنه، وشمّروا لما دعاهم إليه، فهم أسعد الناس وخير الناس، وحاشاهم أن يكونوا كأجراء السوء، أو أهل رعونة وضعف.
والذين قالوا هذه المقالة أثروا في المسلمين أثرا سيئا، فإنَّ القلب إذا خلا من ملاحظة الجنة والنار، ورجاء هذه، والهرب من هذه، فترت عزائمه، وضعفت همته، ووهى باعثه، وكلما كان أشدّ طلبا للجنة وعملا لها، كان الباعث له أقوى، والهمّة أشدّ، والسعي أتمّ. ولعلّ من أخطاء هذا الفريق زعمه أنَّ الجنّة لا يدخل في مسماها إلاّ الأكل والشرب واللباس والنكاح والسماع ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات، وأنَّ طالب الله وطالب رؤيته والنظر إليه ينبغي أن يطلب مطلوبا غير الجنّة، كما قال أحدهم عندما سمع قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (١)، قال: فأين من يريد الله (٢)؟
وقال الآخر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٣). فقال: إذا كانت النفوس والأموال بالجنة، فأين النظر إليه؟ (٤).
وظنوا أنَّ مسمى النار لا يدخل فيه إلا التعذيب بالمخلوقات فحسب، وقد عبرت رابعة العدويّة عن هذا الفهم بقولها: (٥)
стр. 383
كلهُمْ يَعْبُدُونَ منْ خَوفِ نَارٍ ... وَيرَونَ النَّجاةَ حَظًّا جَزيلا
أَوْ بِأَنْ يَدْخُلُوا الجِنَانَ فيَحْظَوْا ... بنَعِيم ويشرَبُوا سَلسبِيلا
ليسَ لي فِي الجِنَانِ والنَّارِ حظ ... أنَا لا أَبْتغِي بِحِبي بَدِيلا
وهذا -كما يقول ابن تيمية- قصور وتقصير منهم عن فهم مسمّى الجنة والنار، فكلّ ما أعدّه الله لأوليائه فهو من الجنة، والنظر إليه -تعالى- هو من الجنة، ولهذا كان أفضل الخلق يسأل الله الجنَّة، ويعوذ به من النَّار.
فالجنة دار الرحمة الخالصة، والنار دار العذاب الخالص، وأعظم نعيم يناله أهل الجنَّة وأعلاه النظر إلى وجهه تعالى، كما في صحيح مسلم، أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عبد الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيّض وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا، ويدخلنا الجنَّة، وينجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبّ إليهم من النظر إليه" (١).
وأعظم عذاب في النار هو حرمان أهل النّار من هذا النّعيم العظيم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢).
стр. 384
تنوّع المقاصد الخيّرة
اتضح مما مضى أن المقصود الذي يجب أن يتوجه إليه العبد هو الله وحده، وأن هذا هو الإخلاص الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه.
إلاّ أنَّ المقاصد تتنوع فيما بينها، ذلك أنَّ العباد يقصدون ربهم من جوانب مختلفة، فمنهم الذي يعبده تعظيما له وتوقيرا، ومنهم الذي يقصد الدخول في طاعته وعبادته، ومنهم الذي يطلب رضوانه ورضاه، ومنهم الذي يقصد الأنس به، والتلذذ بطاعته وعبادته، ومنهم من يرجو التنعم برؤيته في يوم لقياه، ومنهم من يطلب ثوابه من غير أن يستشعر ثوابا معينا، ومنهم من يطلب ثوابا معينا، ومنهم من يخاف عقابه من حيث الجملة غير ناظر إلى عقاب معين، ومنهم من يخشى عقابا معينا.
وتنوع المقاصد باب واسع، والعبد قد يقصد هذا مرة، وهذا مرة، وقد يقصد أكثر من واحد من هذه المقاصد، وكلّها تنتهي إلى غاية واحدة، وتعني في النهاية شيئًا واحدا، أنّ العبد يريد الله سبحانه، ولا يريد سواه، وكل ذلك محقق للإخلاص. وأصحاب هذه المقاصد على الصراط المستقيم، وعلى الهدى والصواب، وإن كان العبد لا ينبغي أن يخلي قصده من الحبّ والخوف، فإن قوام العبادة بهما، ومدارها عليهما.
стр. 385
الفصل الثّالِث المقاصد السَّيّئة
стр. 386
المقاصد السَّيّئَة
من ابتغى بالعبادة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة
المقاصد الخيرة هي التي يقصد بها صاحبها وجه الله تعالى، أو يقصد المصالح التي أجاز الشارع للمكلف قصدها.
فإذا ابتغى المكلف بالعبادة غير ما شرعت العبادة له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في هذه الحالة غير صحيح، والأدلة على ذلك كثيرة (١):
أحدها: أنَّ المكلَّف إذا قصد غير ما قصده الشارع فقد جعل ما قصده الشارع مهمل الاعتبار، وما أهمل الشارع مقصودا معتبرا، وذلك مضادّ للشريعة.
الثاني: أن هذا المقاصد غير ما قصده الشارع مشاقّ للرسول متبع غير سبيل المؤمنين، وقد ذمَّ الله هذا الصنف من الناسٍ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢).
الثالث: أنّ هذا القصد يجعل العبادة المؤدّاة كأن لم تؤد، ولم تفعل، فإن الشارع يريد أن تؤدى العبادة بقصد معين، فإذا لم يأت به المكلّف صار كالفاعل لغير ما أمر به، والتارك لما أمر به.
الرابع: أنَّ العبادة شرعت وسيلة إلى مصالح أرادها الشارع، ورضيها، فجعلها هذا العابد وسائل لمصالحه هو، لا للمصالح التي أرادها الشارع.
стр. 387
الخامس: أن هذا القصد إستهزاء بآيات الله، لأن من آياته أحكامه التي شرعها، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ الله هُزُوًا﴾ (١)، وهذا الذي حذر الله منه متحقق فمن قصد بالعبادة غير ما شرعت له، وقد ذم الله المنافقين المستهزئين بالله وآياته ورسوله: ﴿أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كنْتُمْ تَستَهْزِئُونَ﴾ (٢).
وللمسألة أمثلة كثيرة كإظهار كلمة التوحيد قصدا لإحراز الدم والمال لا للإقرار للواحد الحقّ بالوحدانية، والصلاة لينظر إليه بعين الصلاح، والذبح لغير الله، والهجرة لينال دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، والجهاد للعصبية، أو لينال شرف الذكر في الدنيا.
وسنتناول في هذا الفصل المقاصد السيئة التي تبتغي من العبادة غير ما شرعت له.
стр. 388
أولاً: اتباع الهوى
أكثر الناس تحركهم أهواؤهم، فيكون الهوى هو الدافع والباعث على العمل، وفي الوقت نفسه هو الغاية التي يسعى صاحب الهوى إلى تحقيقها، وبذلك يكون الهوى هو الإله الذي يعبده، ويطوف حوله، قال ابن عباس: "الهوى إله معبود"، ثم قرأ: ﴿أَرَأيْتَ مَن اتخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (١)(٢) فصاحب الهوى متعبِّد لهواه حبًا وخوفا، ورجاء ورضا، وسخطا، وتعظيما، وذلا، إن أحب أحب لهواه، وكان أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، فهواه آثر عنده، وأحبّ إليه من رضا مولاه. فالهوى على ذلك مضاد للإخلاص ومناف له، ولا يجتمع في قلب إخلاص وهوى، فالمخلص متوجه إلى الله بكليَّته، وصاحب الهوى يدور حول نفسه، كما يدور الحمار برحاه.
والهوى عميق الجذور في النفس الإنسانية، ولذلك فإنه إذا تمكن من الإنسان سيطر عليه سيطرة المقاتل على أسيره، وقد ضرب الله مثلا للذي يتبع الهوى يعجز البيان عن أن يأتي بمثله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣). والسبب في قوة الهوى وسيطرته على النفس، أن الشهوات التي يهواها العبد مخلوطة بكيانه، وهو يشعر باللذة الحاضرة عندما ينال هواه، وما تشتهيه نفسه، فاللذَّة التي يعرف
стр. 389
طعمها، تدفعه دائمًا إلى تحصيل المشتهى، والأمور المشتهاة تتراءى للإنسان دائمًا، فهي وإن كانت في الخارج إلاّ أنها تتصور للعبد وتقوم في نفسه، وقد تستولي على قلبه كما قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ (١)، وعند ذلك لا يكون له همّ إلاّ أن يطلب تلك الصورة التي استقرت في نفسه، وسيطرت عليه، وفي سبيل تحصيل ما يهواه ببذل ماله ونفسه. ولقد حمل الهوى أصحابه على الكفر بالله ومعاداة رسله، بل حملهم على قتل الأنبياء والمرسلين: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (٢)، وقال موبخًا لهم في سورة أخرى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (٣).
وقد حملهم الهوى على أن كفروا بمحمد ﷺ مع أنهم كانوا يتوعدون العرب ببعثته: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٤)، لقد كانوا يعرفون أن محمدا ﷺ هو النبيّ المنتظر، فلما جاء من غير الطائفة التي يهوونها لم ينقادوا له، ولم يؤمنوا به اتباعا للهوى، وحسدا أن يكون هذا الفضل في غيرهم وأخذوا يعتذرون بالمعاذير الكاذبة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا
стр. 390
سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (١).
يقول الشاطبي في هذا الموضوع: "مخالفة ما تهوى الأنفس شاقّ عليها، وصعب خروجها عنه، ولذلك بلغ الهوى بأهله مبالغ لا يبلغها غيرهم، وكفى شاهدا على ذلك حال المحبّين، وحال من بعث إليهم رسول الله ﷺ من المشركين وأهل الكتاب وغيرهم. ممّن صمَّم على ما هو عليه، حتى رضوا بإهلاك النفوس والأموال، ولم يرضوا بمخالفة الهوى، حتى قال تعالى: ﴿أَرأيْتَ منِ اتَّخذَ إِلَهَه هَوَاه﴾ (٢)، وقال: ﴿إنْ يتبعونَ إِلّا الظَّن وَمَا تَهْوى الأنْفس﴾ (٣)، وقال: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنة منْ رَبهِ كمَن زُيِّنَ لَه سُوءُ عَمَلِهِ وَاتبَعوا أَهْوَاءَهمْ﴾ (٤)(٥).
واتباع النّاس لأهوائهم أفسد دنياهم، ذلك أنَّ أصحاب النفوذ والسلطان يقضون عمرهم في الجري وراء الملذّات والشهوات، ويجاهدون في حيازة الدنيا، فيؤدي ذلك إلى ظلم الآخرين وحرمانهم من أبسط حقوقهم، فيموت الفريق الأول ويهلك بسبب التخمة، ويهلك الفريق الآخر، لأنَّه لا يجد ما يسدُّ به رمقه. يقول كانت معاصر (٦)، مبينًا أثر الإغراق في اتباع الشهوات في بعض الدول المتمدنة في التاريخ: "استحوذ على الناس في الدولتين: الفارسية والرومية حياة الترف