← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 97808

مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (511 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المقاصد السَّيّئَة من ابتغى بالعبادة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة المقاصد الخيرة هي التي يقصد بها صاحبها وجه الله تعالى، أو يقصد المصالح التي أجاز الشارع للمكلف قصدها. فإذا ابتغى المكلف بالعبادة غير ما شرعت العبادة له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في هذه الحالة غير صحيح، والأدلة على ذلك كثيرة (١): أحدها: أنَّ المكلَّف إذا قصد غير ما قصده الشارع فقد جعل ما قصده الشارع مهمل الاعتبار، وما أهمل الشارع مقصودا معتبرا، وذلك مضادّ للشريعة. الثاني: أن هذا المقاصد غير ما قصده الشارع مشاقّ للرسول متبع غير سبيل المؤمنين، وقد ذمَّ الله هذا الصنف من الناسٍ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢). الثالث: أنّ هذا القصد يجعل العبادة المؤدّاة كأن لم تؤد، ولم تفعل، فإن الشارع يريد أن تؤدى العبادة بقصد معين، فإذا لم يأت به المكلّف صار كالفاعل لغير ما أمر به، والتارك لما أمر به. الرابع: أنَّ العبادة شرعت وسيلة إلى مصالح أرادها الشارع، ورضيها، فجعلها هذا العابد وسائل لمصالحه هو، لا للمصالح التي أرادها الشارع.

стр. 387

الخامس: أن هذا القصد إستهزاء بآيات الله، لأن من آياته أحكامه التي شرعها، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ الله هُزُوًا﴾ (١)، وهذا الذي حذر الله منه متحقق فمن قصد بالعبادة غير ما شرعت له، وقد ذم الله المنافقين المستهزئين بالله وآياته ورسوله: ﴿أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كنْتُمْ تَستَهْزِئُونَ﴾ (٢). وللمسألة أمثلة كثيرة كإظهار كلمة التوحيد قصدا لإحراز الدم والمال لا للإقرار للواحد الحقّ بالوحدانية، والصلاة لينظر إليه بعين الصلاح، والذبح لغير الله، والهجرة لينال دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، والجهاد للعصبية، أو لينال شرف الذكر في الدنيا. وسنتناول في هذا الفصل المقاصد السيئة التي تبتغي من العبادة غير ما شرعت له.

стр. 388

أولاً: اتباع الهوى أكثر الناس تحركهم أهواؤهم، فيكون الهوى هو الدافع والباعث على العمل، وفي الوقت نفسه هو الغاية التي يسعى صاحب الهوى إلى تحقيقها، وبذلك يكون الهوى هو الإله الذي يعبده، ويطوف حوله، قال ابن عباس: "الهوى إله معبود"، ثم قرأ: ﴿أَرَأيْتَ مَن اتخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (١) (٢) فصاحب الهوى متعبِّد لهواه حبًا وخوفا، ورجاء ورضا، وسخطا، وتعظيما، وذلا، إن أحب أحب لهواه، وكان أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، فهواه آثر عنده، وأحبّ إليه من رضا مولاه. فالهوى على ذلك مضاد للإخلاص ومناف له، ولا يجتمع في قلب إخلاص وهوى، فالمخلص متوجه إلى الله بكليَّته، وصاحب الهوى يدور حول نفسه، كما يدور الحمار برحاه. والهوى عميق الجذور في النفس الإنسانية، ولذلك فإنه إذا تمكن من الإنسان سيطر عليه سيطرة المقاتل على أسيره، وقد ضرب الله مثلا للذي يتبع الهوى يعجز البيان عن أن يأتي بمثله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣). والسبب في قوة الهوى وسيطرته على النفس، أن الشهوات التي يهواها العبد مخلوطة بكيانه، وهو يشعر باللذة الحاضرة عندما ينال هواه، وما تشتهيه نفسه، فاللذَّة التي يعرف

стр. 389

طعمها، تدفعه دائمًا إلى تحصيل المشتهى، والأمور المشتهاة تتراءى للإنسان دائمًا، فهي وإن كانت في الخارج إلاّ أنها تتصور للعبد وتقوم في نفسه، وقد تستولي على قلبه كما قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ (١)، وعند ذلك لا يكون له همّ إلاّ أن يطلب تلك الصورة التي استقرت في نفسه، وسيطرت عليه، وفي سبيل تحصيل ما يهواه ببذل ماله ونفسه. ولقد حمل الهوى أصحابه على الكفر بالله ومعاداة رسله، بل حملهم على قتل الأنبياء والمرسلين: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (٢)، وقال موبخًا لهم في سورة أخرى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (٣). وقد حملهم الهوى على أن كفروا بمحمد ﷺ مع أنهم كانوا يتوعدون العرب ببعثته: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٤)، لقد كانوا يعرفون أن محمدا ﷺ هو النبيّ المنتظر، فلما جاء من غير الطائفة التي يهوونها لم ينقادوا له، ولم يؤمنوا به اتباعا للهوى، وحسدا أن يكون هذا الفضل في غيرهم وأخذوا يعتذرون بالمعاذير الكاذبة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا

стр. 390

سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (١). يقول الشاطبي في هذا الموضوع: "مخالفة ما تهوى الأنفس شاقّ عليها، وصعب خروجها عنه، ولذلك بلغ الهوى بأهله مبالغ لا يبلغها غيرهم، وكفى شاهدا على ذلك حال المحبّين، وحال من بعث إليهم رسول الله ﷺ من المشركين وأهل الكتاب وغيرهم. ممّن صمَّم على ما هو عليه، حتى رضوا بإهلاك النفوس والأموال، ولم يرضوا بمخالفة الهوى، حتى قال تعالى: ﴿أَرأيْتَ منِ اتَّخذَ إِلَهَه هَوَاه﴾ (٢)، وقال: ﴿إنْ يتبعونَ إِلّا الظَّن وَمَا تَهْوى الأنْفس﴾ (٣)، وقال: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنة منْ رَبهِ كمَن زُيِّنَ لَه سُوءُ عَمَلِهِ وَاتبَعوا أَهْوَاءَهمْ﴾ (٤) (٥). واتباع النّاس لأهوائهم أفسد دنياهم، ذلك أنَّ أصحاب النفوذ والسلطان يقضون عمرهم في الجري وراء الملذّات والشهوات، ويجاهدون في حيازة الدنيا، فيؤدي ذلك إلى ظلم الآخرين وحرمانهم من أبسط حقوقهم، فيموت الفريق الأول ويهلك بسبب التخمة، ويهلك الفريق الآخر، لأنَّه لا يجد ما يسدُّ به رمقه. يقول كانت معاصر (٦)، مبينًا أثر الإغراق في اتباع الشهوات في بعض الدول المتمدنة في التاريخ: "استحوذ على الناس في الدولتين: الفارسية والرومية حياة الترف

стр. 391

والبذخ، وطغى عليهم بحر المدنية المصطنعة والحياة المزورة، وغرقوا فيه إلى أذقانهم، فكان ملوك الفرس والروم وأمراء الدولتين سادرين في غيِّهم، ودققوا في مرافق المعيشة، وفضول المدنية وحواشي الحياة تدقيقا عظيما جدّا، فكان لكسرى أبرويز اثنا عشر ألف امرأة وخمسون ألف جواد، وشيء لا يحصى من أدوات التعرف والقصور الباذخة، ومظاهر الثروة والنعمة، وقصره مثال في الأبهة والغنى" (١). وينقل عن بعض المؤرخين أنَّه: "لم يرو في التاريخ أنَّ ملكا بذخ وتنعم مثل الأكاسرة الذين كانت تأتيهم الهدايا والجرايات من كلِّ البلدان الواقعة ما بين الشرق الأقصى والشرق الأدنى، ولما خرجوا من العراق في الفتح الإسلامي تركوا في الخزائن من الثياب والمتاع والآنية والفضول والألطاف والأدهان ما لا يدرى ما قيمته" (٢). وينقل عن الطبري: "أن العرب وجدوا قبابا تركيَّة مملوءة سلالا مختمة بالرصاص، قال العرب: فما حسبناها إلاّ طعاما، فإذا هي آنية الذهب والفضة" (٣). ووصف المؤرخون العرب بهار كسرى الذي أصابه المسلمون يوم المدائن، فقالوا: "هو ستون ذراعا في ستين ذراعًا، بساط واحد مقدار الجريب (٤)، أرضه بذهب، ووشيه بفصوص، وثمره جواهر، وورقه بحرير وماء الذهب، فيه طرق كالصور، وفصوص كالأنهار، وخلال ذلك كالدير، وفي حافاته كالأرض المزروعة، والأرض المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب، ونواره بالذهب والفضة وأشباه ذلك، وكانوا يعدّونه للشتاء، إذا ذهبت الرياحين،

стр. 392

فكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه، فكأنهم في رياض" (١). ويذكر صاحب العقد الفريد أنَّ الفرس قسموا دهرهم كلَّه هذا التقسيم: قالوا: يوم المطر للشراب، ويوم الريح للنوم، ويوم الدجن للصيد، ويوم الصحو للجلوس، وما فعلوا ذلك إلا اتباعا لأهوائهم البهيمية، وإيثارا للراحة (٢). تعريف الهوى وبيان نتائجه وآثاره: الهوى مقصور: "مصدر هوى يهوى هوى، أي: أحبّ، وهوى النفس إرادتها، قال اللغويون: الهوى محبة الإنسان الشيء، وغلبته على قلبه ... (٣)، ومتى تكلم بالهوى مطلقا لم يكن إلا مذموما، حتى ينعت بما يخرجه عن معناه، كقولهم: "هوى حسن، وهوى موافق للصواب" (٤). والنفوس لها محبوبات تهواها، وتعشقها، وتطلبها، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٥). وقد أودع الله النفوس حب هذه الأمور لحكمة بالغة، كي ينبعث الإنسان إلى تحصيل ما فيه صلاح لبدنه وبقاء نسله. فإيداع النفوس حب هذه الأمور ليس مذموما، وإنما المذموم هو طلب هذه الأمور من غير الطريق المشروع، أو الإنشغال بها عن طاعة الله، يقول الغزالي ﵀: "فإن قلت: فهل من فرق دين الهوى والشهوة؟ قلنا: لا حجر في العبارات، ولكن نعني بالهوى: المذموم من جملة الشهوات دون المحمود،

стр. 393

والمحمود من فعل الله تعالى، وهي قوة جعلت في الِإنسان لتبعث بها النفس لنيل ما فيه صلاح إما بإبقاء بدنه، أو بإبقاء نوعه، أو صلاحهما جميعًا. والمذموم من فعل النفس الأمارة .... " (١). والغزالي يشير هنا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). فالنفوس لها أمر ونهي، وهي تأمر بتحصيل مطلوباتها التي تحبّها، وتلتذ لها، واتباع ما تهواه النفوس يكون بفعل ما تهواه، والِإنسان لا بد أن يتصور مراده الذي يهواه، ويشتهيه في نفسه، ويتخيله قبل فعله، فيبقى ذلك المثال كالِإمام مع المأموم، يتبعه حيث كان، وفعله في الظاهر تبع لاتباع الباطن، فتبقى صورة المراد المطلوب المشتهى في النفس هي المحركة للإنسان الآمرة له. واتباع الهوى بالاستجابة للنفس الأمارة من أعظم الضلال: ﴿وَمَنْ أضَلُّ ممن اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هدَىً مِنَ الله﴾ (٣). وقد عَدَّ الرسول ﷺ اتباع الهوى أحد ثلاث مهلكات، فقال: "ثلاث مهلكات: شحّ مطاع (٤)، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه. وثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا" (٥). واتباع الهوى له نتائج خطيرة، ولنتأمل في قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (٦). ومن ينظر اليوم ببصيرة

стр. 394

مستنيرة بنور الإِيمان يعلم ما حل بالقلوب والعقول والأفراد والأسر والمجتمعات نتيجة لاتباع الهوى في السياسة والتشريع والاقتصاد وغير ذلك، يقول ابن القيم: "وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمَّة إلا وفسد أمرها أتم الفساد" (١)، والسبب في ذلك أن أهواء العباد غير محكومة بميزان، ولا تعتمد الحجة والبرهان، وإنما هي محبوبات ومكروهات يراد من ورائها اللذة العاجلة، والمتعة الزائلة. ومن نتائج اتباع الهوى أن متبعه يعرض عن الحق، وهذا يورثه الجهل والضلال، حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح، قال تعالى: ﴿فَلَما زاغوا أَزَاغَ الله قُلوبَهمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَا تَتبع الْهَوَى فَيضِلكَ عَنْ سَبيلِ الله﴾ (٣). وإذا ضل العبد باتباعه الهوى فإن الشياطين تتلقفه، وقد لا يستطيع العودة إلى الحق: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (٤). ومن نتائجه أنه يبطل الأعمال الصالحة ويفسدها، فالذي يفعل ويترك اتباعا للهوى، لا عبودية لله، إذا عمل من الأعمال الصالحة ما وافق هواه، فإن عمله غير مقبول، لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى، يقول الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز في أمثال هؤلاء: "لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذًا أنت لا تثاب على ما اتبعته من الحق، وتعاقب على ما خالفته، لأنه إنما قصد اتباع هواه" (٥).

стр. 395

وقد أبان هذه المسألة الشاطبي في الموافقات فقال: "اتباع الهوى طريق إلى المذموم، وكان جاء في ضمن المحمود، لأنَّه إذا تبيَّن أنَّه مضاد بوضعه لوضع الشريعة، فحيثما زاحم مقتضاها في العمل كان مخوفا" (١). واستدل على ذلك بثلاثة أدلّةٍ: الأول: أنَّ الهوى سبب تعطيل الأوامر وارتكاب النواهي، لأنه مضاد لها. الثاني: أنَّه إذا اتبع واعتيد ربما أحدث للنفس ضراوة وأنسًا به، حتى يسري معها في أعمالها، ولا سيما وهو مخلوق معها ملصق بها في الأمشاج، فقد يكون مسبوقا بالامتثال الشرعي، فيصير سابقا له، وإذا صار سابقا له صار العمل الامتثالي تبعا له وفي حكمه، فبسرعة ما يصير صاحبه إلى المخالفة، ودليل التجربة حاكم هنا. الثالث: أنَّ العامل بمقتضى الامتثال من نتائج عمله الالتذاذ بما هو فيه، والنعيم بما يجنيه من ثمرات الفهوم، وانفتاح مغاليق العلوم، وربما أكرم ببعض الكرامات، أو وضع له القبول في الأرض، فانحاش الناس إليه، وحلقوا عليه، وانتفعوا به، وأمّوه لأغراضهم المتعلقة بدنياهم وأخراهم، إلى غير ذلك مما يدخل على السالكين طرق الأعمال الصالحة من الصوم والصلاة وطلب العلم والخلوة للعبادة، وسائر الملازمين لطرق الخير. فإذا دخل عليه ذلك كان للنفس به بهجة، وأنس وغنى ولذة ونعيم، بجث تصغر الدنيا وما فيها بالنسبة إلى لحظة من ذلك، كما قال بعض الصالحين: لو علم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا بالسيوف. وإذا كان الأمر كذلك فلعلَّ النفس تنزع إلى مقدمات تلك النتائج فتكون سابقة للأعمال، وهو باب السقوط عن تلك الرتبة، والعياذ بالله". علاج الهوى وللإنسان في مجاهدة الهوى ثلاثة أحوال، كما يقول الغزالي:

стр. 396

الأولى: أن يغلبه الهوى فيملكه ولا يستطيع له خلافا، وهو حال أكثر الخلق، وهو الذي قال الله فيه: ﴿أَرَأَيْتَ منِ اتخَذَ إِلَهه هَوَاهُ﴾ (١)، فمن كان تردّده في جميع أطواره خلف أغراضه البدنية وأوطاره، فقد اتخذ إلهه هواه. الثانية: أن يكون الحرب بينهم سجالا، تارة لها اليد، وتارة عليها اليد، فهذا الرجل من المجاهدين، فإن اخترمته المنية في هذه الحالة فهو من الشهداء، لأنه مشغول بامتثال كلام الرسول ﷺ ، وهذه الرتبة العليا للخلق سواء الأنبياء والأولياء. الثالثة: أن يغلب هواه فيصير مستوليا عليه لا يقهره بحال من الأحوال، وهذا هو الملك الكبير، والنعيم الحاضر، والحرية التامة، والخلاص من الرق، ولذلك قال ﵇: "ما من أحد إلاّ وله شيطان، وكان الله قد أعانني عليه حتى ملكته" (٢) (٣). ونحن بحاجة إلى أن نرسم الطريق، كي نعرف السبيل التي نقاوم بها أهواءنا، ونقف في وجه الدواعي التي تدعونا إلى الشر ومخالفة الصراط المستقيم. لا شكَّ أن تخليص النفس من الهوى ليس بالأمر السهل الميسور، فهو يحتاج إلى جهد وعناء طويل، وقبل ذلك كله يحتاج إلى توفيق الله وعنايته، من أجل ذلك تكرر في الكتاب التحذير من الهوى، فقد حذر الله منه الأنبياء والرسل السابقين، وحذر منه رسول هذه الأمة، كما حذرنا منه أيضًا، وحذر الله موسى ﵇ من اتباع أهواء الذين لا يستقيمون على منهج الله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أكَادُ أُخْفِيهَا

стр. 397

لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (١). وحذر داود من الحكم بالهوى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). وقال في حقّ رسوله محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٣). وأمرنا الله بالعدل والبعد عن الهوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٤). ونحن في علاجنا لأهواء النفوس يجب أن نتوجه إلى دين الله نستمدُّ منه النور والضياء، وإلا فإننا لو تركنا لأنفسنا أن تضع منهجا لعلاج أهوائنا فإننا لن نحل المعضلة، بل قد نزيدها ونعمقها. ولقد وضع أقوام نهجا لعلاج النفوس بعيدا عن النظر في كتاب الله، فجاؤوا بالعجائب والغرائب، وضلوا من حيث أرادوا الخير. انظر إلى رجل من هذا الصنف جاءه من يطلب منه أن يدله على طريق تطمئن فيه نفسه، ويهدأ قلبه، فإذا بهذا يدلّه على طريق عجب، فيقول له: "اذهب الساعة إلى الحجام، واحلق رأسك ولحيتك، وانزع عنك هذا اللباس، وابرز بعباءة، وعلّق في عنقك مخلاة، واملأها جوزا، واجمع حولك صبيانا، وقل

стр. 398

بأعلى صوتك: يا صبيان، من يصفعني صفعة أعطيه جوزة، وادخل إلى سوقك الذي تعظّم فيه ... " (١). أي تربية هذه؟ وأين هي من منهج الإسلام الذي ينهى أن يهين المرء نفسه؟! وهذا آخر ينظر إلى جارية إذ يغلبه هواه، فلا يفعل ما أمره الله من التوبة والاستغفار، بل يقلع عليه التي نظرت إلى محرّم، فقد جهل في الأولى، وجهل جهلا أشد في الثانية، فعالج الحرام بحرام أكبر. وهذه امرأة سألت شابا عن سر افتتانه بها؟ فلما عرفت أنه قد فتن بعينيها قلعتهما، ورمت بهما إليه (٢). ولو ذهبنا نستقصي ما تناقله العلماء في هذا المجال لطال الحديث، وإيراد القليل في هذا يغني عن الكثير. ١ - تحويل الاتجاه: إن النفس الإِنسانية دائمة الهم والإرادة، وهي في ذلك كنهر متدفق فياض، فإذا خاف قوم من النهر أن يغرق ديارهم، ويهلك زرعهم، فلن يكون العلاج بإيقاف تدفق النهر، وقطعه من مصبّه ومنبعه، فذلك ما لا طاقة لهم به، وإنما السبيل أن يحولوا مجراه. وإذا كانت النفس الإنسانية لا يمكن أن تتوقف في الهمّ والإرادة وطلب ما يقيم أودها، ويحفظ وجودها، ويضمن استمرار نوعها، لأن ذلك سرّ من أسرار تكوينها - فليس السبيل أن نعدم ذلك ونزيله، إنما السبيل أن نعدل عن الضار إلى النافع، وعن الحرام إلى الحلال، وعن الخبيث إلى الطيب. والله يعلم مدى ضعفنا فلم يحرم علينا كلَّ شهوة، لذلك أباح لنا من الهوى

стр. 399

والشهوة ما فيه الغنية والكفاية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (١). قال ابن تيمية: "سياق الكلام يدلّ على أنَّه ضعيف عن ترك الشهوات، فلا بد له من شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة، ولهذا قال طاووس ومقاتل: "ضعيف في قلة صبره عن النساء" (٢). والسبيل أن نستغني بالحلال عن الحرام، وذلك بأن نأخذ محبوبات النفوس من الطريق الذي أحله الشارع، ونأخذ منه في حدود لا تضر بدنيانا ولا أخرانا. ٢ - تقوية الإرادة: وهذا لا يأتى إلاّ بعلم وبصيرة، علم بالحلال والحرام، وفقه يحمله على أن يأخذ الحلال ويترك الحرام. وهو في ذلك يحتاج إلى عزيمة قوَّية، وإرادة صلبة، ويكون تقوية الإرادة بتبصير الإنسان في نفسه بأضرار اتباع الهوى في الدنيا قبل الآخرة، وفي الآخرة بعد الدنيا، وتبصيرها بالخير الذي سيحرمه في الدنيا والآخرة. يكون بتوجيه قصده إلى طلب الله والدار الآخرة، وبذلك يقوى داعي الإخلاص ويضعف داعي الهوى، فقد تقرر أن العضو يقوى بالاستعمال ويضعف بالترك، ومتى عودنا أنفسنا مصارعة داعي الهوى، وأمددنا داعي الإِخلاص بما يقويه ويؤيده كانت النصرة له بحول الله وقوته. والإكثار من العمل الصالح يقوي الإرادة ويزكي النفس. يقول الغزالي: "الطريق إلى تزكية النفس اعتياد الأفعال الصادرة من النفوس الزكية الكاملة، حتى إذا صار ذلك معتادا بالتكرار مع تقارب الزمان، حدث منها للنفس

стр. 400

هيئة راسخة (١)، تقتضي تلك الأفعال وتتقاضاها، بحيث يصير ذلك له بالعادة كالطبع، فيخفف عليه ما يستثقله من الخير" (٢). فإذا شغل العبد قلبه بإرادة طاعة الله والتوجه إليه، وجوارحه بالأعمال الخيِّرة قويت تلك الإِرادة، وجاءت العزيمة الصادقة. ٣ - إحياء واعظ الله في قلوبنا: المتتبع لآيات الكتاب والباحث في أحاديث المصطفى ﷺ يعلم علما جازما أن في أعماقنا وازعا يدفعنا إلى الخير، ويزجرنا عن الشر، قد يطمس هذا الوازع فلا يظهر إلاّ في آماد متباعدة، وقد يلحّ على صاحبه ويقلقه، ولكنّه عند المؤمن واضح بيّن، ذلك أنّ الله ألقى عليه من نوره، فكشف عنه عمى قلبه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٣). وليس صحيحا ما قرره زكي مبارك من أن الضمير (٤) لا وجود له في ذاته .. ، وإنَّما ينشأ من الشرائع الوضعية أو السماوية ... (٥)، ليس صحيحا ذلك، لأن النفس الإنسانية تلقت في تكوينها الأولى الإِحساس بالخير والشر: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا

стр. 401

سَوَّاهَا فَألْهَمَهَا فجُورَهَا وَتَقْواها﴾ (١)، وزود الله الإنسان بالبصيرة: ﴿بلِ الإنْسَانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَة﴾ (٢)، وهدى الإنسان إلى طريقي الخير والشر: ﴿أَلَمْ نَجعَلْ لهُ عينيْنِ وَلسَانًا وَشَفَتَينِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٣). كل ما في الأمر أنَّ الأديان السماوية تكشف الغشاوة عن القلوب، وتزيح الظلمات التي حجبتها عن الحق، وحجبت الحق عنها، وتمدّها بالنّور الذي يمدّ البصيرة الداخلية ببصيرة إلهية فيكون ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤). أما الشرائع الوضعية فإنّها تفسد الضمائر، وتدسّي النفوس: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (٥). وممّا يقوي الضمير في نفس المسلم ويحييه أن يربط العبد قلبه بربه خوفا وطمعا، ورغبة ورهبة، فالخوف من الله والوقوف بين يديه يدفع الهوى ويقهره: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٦). يقول المرحوم سيد قطب في تفسير هذه الآية: "الذي يخاف مقام ربه لا يقدم على معصية، فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري، قاده خوف هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة، فظل في دائرة الطاعة ونَهْي النفس عن الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة، فالهوى هو الدافع القويّ لكلّ طغيان، وكلّ تجاوز، وكلّ معصية، وهو أساس البلوى، وينبوع الشر، وقلَ أن يؤتى الِإنسان إلاّ من قبل الهوى، فالجهل سهل علاجه، ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها. والخوف من الله هو

стр. 402

الحاجر الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة، وقلَّ أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى، ومن ثم يجمع السياق بينهما في آية واحدة، فالذي يتحدث هنا هو خالق هذه النفس العليم بدائها، الخبر بدوائها، وهو وحده الذي يعلم دروبها ومنحنياتها، ويعلم أين تكمن أهواؤه وأدواؤها، وكيف تطارد في مكامنها ومخابئها" (١). ٤ - محاسبة العبد نفسه: ومما يدفع الهوى ويبعده أن يحاسب المرء نفسه، وقد كان هذا دأب الصالحين، قال عمر بن الحطاب: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا" (٢). وفي الحديث: "الكيس من دان نفسه" (٣). والمحاسبة تكون على أحوال: الأولى: أن يحاسب العبد نفسه قبل أن يقدم على الفعل، وينظر في همّه وقصده. فالمرء إذا نفى الخطرات قبل أن تتمكن من القلب سهل عليه دفعها، ذلك أن بداية الأفعال من الخطرات، فالخطرة النفسية والهمّ القلبي قد يقويان، حتى يصبحا وساوس، والوسوسة تفسير إرادة، والإرادة الجازمة لا بد أن تكون فعلا. قال الحسن: كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة تثبت، فإن كانت لله أمضاها، وقال: رحم الله عبدا وقف عند همّه؛ فليس يعمل عبد حتى يهمّ، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخَّر. والتثبت في الخطرات إنّما يكون بعرض همّه وخطراته على الكتاب والسنة، فيجعل الكتاب والسنة دليله، فإن لم يتثبت بعقله لم يبصر ما يضره مما ينفعه، وما لم يكن العبد كذلك فإن النفس قد تدعو إلى أمور يظنها خيرا، ثم يتبين أنّها شر.

стр. 403

الثانية: أن يعصي داعي الهوى ولا يوافقه (١)، وعصيان داعي الهوى يكون بالصبر عن مواقعة المعاصي والذنوب، يقول ابن القيم: "الصبر ثبات باعث العقل والدّين في مقابلة باعث الهوى والشهوة" (٢). ويقول: النفس تدعونا إلى الزنى والغضب وإفشاء السر والهروب من القتال، وتدعو إلى الانتقام والبخل والعجز والكسل، والإمساك عن هذه الدواعي يسمى صبرًا (٣). والصبر للنفس بمنزلة الخطام والزمام للمطيّة، فإذا لم يكن لها زمام شرقت وغربت في كلّ مذهب، قال الحجاج (٤) في بعض خطبه: "اقدعوا هذه النفوس، فإنها طلعة إلى كل سوء، فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطاما وزماما، فقادها بخطامها وزمامها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصي الله، فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه ... " (٥). الثالثة: بعد وقوع العبد في الخطأ وموافقة الهوى، فإن الذي يحاسب نفسه يستعرض عمله دائمًا، فإذا وجد أنَّه حاد عن السبيل عاد على نفسه باللوم، وتاب

стр. 404

إلى ربه، وأناب، وسأله العفو والصفح والغفران: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١).

стр. 405

ثانيًا: الرياء جاءت نصوص الكتاب والسنة ترهبنا ترهيبا عظيما من أن نقصد بالعبادة -التي شرعها الله لنتقرب بها إليه- العباد، وعدَّ ذلك من عظائم الذنوب، بل عده شركا، وذلك لأنّ هذا المرائي لم يقصد الله وحده دون سواه بعمله، والإخلاص يقتضي أن يريد العابد الله لا شريك له. والمرائي جعل العبادات مطيّة لتحصيل أغراضه، فقد استعمل العبادة فيما لم تشرع لأجله، وهذا تلاعب بالشريعة ووضع للأمور في غير مواضعها. ومن النصوص القرآنية التي تتوعّد المرائين: ١ - قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (١). فقد تهدّد الله هذا الصنف المرائي بصلاته بالويل وهو الهلاك. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢). فالمتصدق الذي يمنّ بصدقته على المتصدق عليه أو يؤذيه عمله باطل، مثله مثل الذي ينفق رياء. ٣ - وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (٣). فالذي يريد بعمله ثواب الدنيا يعطاه إذا شاء الله

стр. 406

تعالى (١)، ومصيره في الآخرة العذاب الشديد، لأنه جرد قصده إلى الدنيا، فالآية -كما يقول القرطبي- عامة في كلّ من ينوي بعمله غير الله، كان معه أصل إيمانه أو لم يكن، وهذا قول مجاهد، وميمون بن مهران (٢)، وإليه ذهب معاوية (٣). أما الأحاديث النبوية فهي كثيرة منها: ١ - روى أبو هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إن أول النّاس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النّار. ورجل تعلم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم، وعلّمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنّك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت، ليقال قارىء، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى أُلقي في النّار. ورجل وسّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرّفه نعمه، فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنّك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار (٤) ". فهؤلاء الثلاثة الذين أجهدوا أنفسهم في الطاعات والعبادات لم تنفعهم طاعتهم وعبادتهم، لأنهم لم يبغوا بها وجه الله

стр. 407

تعالى، بل صارت عذابا، لأنَّهم قصدوا بها العباد لا ربَّ العباد، وفي هذا دليل على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته (١). ٢ - عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيَّ ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، رواه مسلم في صحيحه. وفي رواية في صحيح مسلم أيضا، قال السائل: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (٢). فقد صرّح الرسول ﷺ بأن المقاتل لا يكون مقاتلا في سبيل الله إلاّ إذا كان هدفه إعلاء كلمة الله، أما الذي يقاتل لغير ذلك فلا يعدّ مقاتلا في سبيل الله. ٣ - عن أسامة بن زيد (٣) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار، يقولون: يا فلان، مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف، ولا آتيه، وأنهى عن المنكر، وآتيه" (٤).

стр. 408

٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١). ٥ - عن معاذ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اليسير من الرياء شرك" (٢). ٦ - وعن أبي سعد بن أبي فضالة، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا جمع الله النّاس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله مع الله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإنَّ الله أغنى الشركاء عن الشرك" (٣). ٧ - عن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر الدجال ففال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ "فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الشرك الخفي، أن يقوم الرجل، فيصلي، فيزيد صلاته، لما يرى من نظر رجل" (٤). تعريف الرياء الرياء لغة: الرياء مصدر راءى، ومصدره يأتي على بناء مفاعله وفعال، وهو مهموز العين لأنه من الرؤية، ويجوز تخفيفها بقلبها ياء. وحقيقة الرياء لغة: أن يري غيره خلاف ما هو عليه. يقول الفيروز آبادي: وراءيته مراءاة ورياء: أريته على خلاف ما أنا عليه" (٥).

стр. 409

الرياء شرعًا: وقد عرّف العلماء الرياء بتعريفات قريبة من المعنى اللغوي، ومدار تعريفاتهم على شيء واحد هو: أن يقوم العبد بالعبادة التي يتقرب بها لله لا يريد الله ، بل يريد عرضا دنيويا. (١) يقول الحارث المحاسبي في تعريف الرياء: "الرياء إرادة العبد العباد بطاعة الله (٢)، ويقول الغزالي: "الرياء التشبه بذوي الأعمال الفاضلة طلبا للسمعة والمفاخرة" (٣)، ويقول العز بن عبد السلام: "الرياء إظهار عمل العبادة، لينال مظهرها عرضا دنيويا، إما بجلب نفع دنيوي أو تعظيم أو إجلال" (٤). وقال القرطبي: "حقيقة الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادة، وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس" (٥). وقال مرّة: "الرياء أن يفعل شيئًا من العبادات التي أمر الله بفعلها لغيره" (٦). وقال ابن حجر: "هو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس، فيحمدوا صاحبها" (٧). وعرفه أبو بكر بن العربي: "هو أن يري الناس أنّه يعمل عملا على صفة، وهو يضمر في قلبه صفة أخرى" (٨).

стр. 410

وقال الصنعاني: "الرياء أن يفعل الطاعة، ويترك المعصية، مع ملاحظة غير الله، أو يخبر بها، أو يحب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي، من مال أو نحوه" (١). الرياء والسمعة: عنون البخاري في صحيحه بهذا العنوان: "باب الرياء والسمعة"، وذكر فيه قوله ﷺ : "من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به" (٢). والفرق بين الرياء والسمعة أن الرياء هو العمل لرؤية الناس، والسمعة العمل لأجل سماعهم، فالرياء يتعلق بحاسة البصر، والسمعة بحاسّة السمع، قال الحافظ ابن حجر: "المراد بالسمعة نحو ما في الرياء، لكنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر" (٣). فالتسميع على هذا لا يكون إلا في الأمور التي تسمع كقراءة القرآن وذكر الله تعالى، ونحو ذلك. إلاّ أن العز بن عبد السلام يرى أن المراد بالتسميع هو أن يحدّث المرء غيره بما يفعله من الطاعات التي لم يطلع عليها المتحدث، أمّا الرّياء فهي الطاعة التي يظهرها الفاعل كي يراها الناس (٤). وعلى ذلك فالرياء لا يدخل في العبادات القلبية كالخوف والرجاء بخلاف التسميع، لأن العبد قد يحدّث عما يكنه قلبه يريد بذلك ثناء الناس. يقول العز بن عبد السلام: "أعمال القلوب مصونة من الرياء، إذ لا رياء إلا بأفعال ظاهرة ترى أو تسمع، والتسميع عام لأعمال القلوب والجوارح، وقد عدَّ الصوم من الأعمال التي لا تظهر إلا بالتسميع" (٥).

стр. 411

وقسم التسميع إلى قسمين: (١) الأول: تسميع الصادقين، وهو أن يعمل الطاعة خالصة لله، ثم يظهرها ويسمّع الناس بها، ليعظموه، ويوقروه، وينفعوه، ولا يؤذوه". قال: وهذا محرم، وقد جاء في الحديث: "من سمَّع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به" (٢)، وهذا تسميع الصادقين. الثاني: تسميع الكاذبين وهو أن يقول صلّيت ولم يصلّ، وزكيت ولم يزك، وصمت ولم يصم، وحججت ولم يحج، وغزوت ولم يغز. فهذا أشدّ ذنبًا من الأول، لأنَّه زاد على إثم التسميع إثم الكذب، فأتى بذلك معصيتين قبيحتين. وجاء في الحديث الصحيح: "المتسمِّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (٣). وقد يجمع العبد بين هذين الأمرين القبيحين: الرياء والتسميع، يقول العز بن عبد السلام في ذلك: "لو راءى بعبادات، ثمَّ سمَّع موهما لإخلاصهما، فإنه يأثم بالتسميع والرياء جميعا، وإثم هذا أشد من الكاذب الذي لم يفعل ما سمَّع به، لأن هذا أثم بريائه وتسميعه وكذبه ثلاثة آثام" (٤). الرياء والعجب: يقول ابن تيمية: "وكثيرا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب". ثم يفرّق بينهما قائلا: "فالرياء من باب الِإشراك بالخلق، والعجب من باب الِإشراك بالنفس" (٥).

стр. 412

والعجب في لغة العرب: الزهو، ورجل معجب مزهو بما يكون منه حسنا أو قبيحا، وقد أعجب فلان بنفسه فهو معجب برأيه وبنفسه والاسم العجب (١). والعجب بالطاعات إنما يكون نتيجة استعظام الطاعة، وكأنه يمنُّ على الله -تعالى- بفعلها، وينسى نعمته عليه بتوفيقه لها: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). والمعجب المغرور بنفسه وبعبادته وطاعته لا يحقّق ﴿إِيَّاكَ نسْتعَيِنُ﴾ (٣)، كما أن المرائي لا يحقق ﴿إِيّاكَ نَعْبدُ﴾ (٤). ومتى شغل العبد بتحقيق ﴿إِياكَ نَعْبُد وَإيّاكَ نَسَتعيِنُ﴾ (٥)، خرج عن الرياء والعجب. وفي الحديث: "ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه" (٦). والعجب آفة تحبط العمل، يقول النووي رحمه الله تعالى: "اعلم أنَّ الإخلاص قد يعرض له آفة العجب، فمن أعجب بعمله حبط عمله، وكذلك من استكبر حبط عمله" (٧). أسباب الرياء أخبر الرسول ﷺ أنّه يخاف علينا الشرك الخفي أكثر مما يخاف علينا المسيح الدجال، وما ذلك إلاّ لأنّ الداعي إلى الرياء قويٌّ، إذ النفوس

стр. 413

مجبولة على حبِّ الرئاسة والمنزلة في قلوب الخلق إلاّ من سلَّم الله، وقد أحسن الشاعر حيث يقول: يهوى الثناء مبرِّز ومقصر ... حبّ الثناء طبيعة الِإنسان وقد لا نكون مغالين في القول إذا ذهبنا إلى أن الداعي إلى الرياء أعظم من الداعي إلى الشرك الأكبر، فالشرك الأكبر معدوم في قلوب المؤمنين الصادقين، ولهذا يكون الإلقاء في النّار أسهل عندهم من الكفر كما جاء في الحديث. أما داعي الرياء فهو من الدنيا التي قال الله فيها: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحياةَ الدنْيَا﴾ (١)، وقال: ﴿بلْ تُحِبُّونَ الْعَاجلَةَ وتَذَرُونَ اْلآخِرَةِ﴾ (٢)، والأمور التي تدعو إلى الرّياء مغروسة في أعماق النفس الِإنسانية، فهي حبيبة إلى نفس الإنسان، أثيرة لديه، وقد حصرها الحارث المحاسبي (٣) في ثلاثة أمور: "حبّ المحمدة وخوف المذمة، والضعة (٤) في الدنيا، والطمع لما في أيدي الناس". ولا يحتاج هذا الذي قرره المحاسبي إلى دليل فالِإنسان يجد في نفسه: "أنّه يحب أن يعلم العباد بطاعته لربّه، فيوصل ويعطى ويكرم، ويحبّ أن يحمد: يثنى عليه ويعظّم، ويكره أن يذمَّ، فيفعل الطاعة لئلا يذم بقلّة الرغبة فيها" (٥). وقد شرح لنا الحارث المحاسبي حديث أبي موسى الأشعري، وبين دلالته على أن الرياء إنما يبعث عليه الأمور الثلاثة التي ذكرها، فالأعرابي السائل للرّسول ﷺ ، يقول: "يا رسول الله، الرجل يقاتل حمية" (٦)، ومعنى ذلك

стр. 414

-كما يقول الحارث-أنَّه يحمي فيأنف أن يقهر أو يذمَّ بأنه غُلب أو غلب قومه، فيقاتل لذلك". قال: "الرجل يقاتل ليرى مكانه" وهذا طلب الحمد بالقلب ومعرفة القدر. قال: "ورجل يقاتل للذكر" وهذا طلب الحمد بالألسن. وذكر حديث ابن مسعود: "إذا التقى الصفان نزلت الملائكة فيكتبون الناس على نياتهم، فلان يقاتل للذِّكر"، ومعنى ذلك حمد المخلوقين. "وفلان يقاتل للملك" وهذا جمع الدنيا. وقد أرجع الحارث المحاسبي هذه الثلاثة التي تبعث على الرياء وتهيجه إلى اثنتين ثمَّ إلى واحدة، قال: "ويجمع ذلك كلّه حبّ المحمدة وخوف المذمة، لأن العبد يعلم أنه لا ينال ما عند الناس بطاعة ربه إلاَّ أن يحمدوه عليها، فتبذل له أموالهم، وأنّه ما جزع من الذمّ لحبه للمحمدة كراهية أن يزول عنه حمدهم، فتؤول هذه الثلاثة إلى حب المحمدة، إلا أنها تشعبت وتفرقت على أقدار الناس، وقدر مراتبهم" (١). وقد استثنى الإمام مالك -رحمه الله تعالى- وتابعه ابن العربي (٢) من هذه الأفعال التي هي رياء، تلك العبادات التي يظهرها العبد، كي تثبت عدالته، وتصحّ إمامته، وليُقْتدى به، قال القرطبي: "قال ابن العربي: إنَّ من صلى صلاة لِيُرِها الناس، ويرونه، فيشهدون له بالإيمان، أو أراد طلب المنزلة والظهور، لقبول الشهادة وجواز الإمامة، فليس ذلك بالرياء المنهي عنه، ولم يكن عليه حرج، وإنما الرياء في المعصية أن يظهرها صيدا للناس وطريقا إلى الأكل، فهذه نيّة لا تجزىء وعليه الإعادة.

стр. 415

وينبغي أن يحمل كلام مالك وابن العربي في مثل هذه الحال على ما إذا كان القصد إلى هذه الأمور تابعا للِإخلاص، أما إذا كان قصد هذه الأمور متبوعا فهو رياء، لا يخالف فيه مالك ولا غيره (١). ومع ذلك فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنَّ هذا القصد ينافي الإخلاص ويذهبه، وأنّه من الرِّياء، منهم الحارث المحاسبي والقرطبي وغيرهما (٢). الأمور التي يراءى بها (٣) قد يرائي العبد بالنحول والإصفرار، ليوهم الناس أنه حبان في العبادة كثير الحزن والخوف، وقد يرائي بضعف الصوت، وغور العينين وذبول الشفتين ليستدل بذلك على الصيام. وقد يرائي بتشعيث الرأس وحلق الشارب واستئصال الشعر، ليظهر بذلك تتبع زي العبّاد والنساك، وقد يحرص على إبراز أثر السجود في جبهته، ويلبس الغليظ من الثياب وخشنها، ويشمرها، ويقصر الأكمام، ويخصف النعال. وقد يكون رياؤه بالنطق بالحكمة، وإقامة الحجة عند المجادلة، وحفظ الحديث وبيان الحجة والفهم والعلم وإظهار الذكر لله باللسان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحسن الصوت بالقراءة، وتحزينه وإظهار

стр. 416

التسخط على أهل الدنيا، وإظهار الوعظ، والتأسف على ما يفوت من الخير والطاعة. وقد يرائي بعمله؛ كأن يطوّل الصلاة، ويزيد في الركوع والاعتدال منه أو السجود، وقد يرائي بالصوم أو بالغزو أو بالحج أو بطول الصمت وبذل المال. وقد يرائي بصحبة العلماء بأن يحرص على أن يسير مع العالم أو العابد، ليقال: إنه صاحبه، ومن أهل ودّه، فيعظَّم بذلك. حكم العمل المراءى به هل كل عمل خالطه قصد الرياء يعدُّ باطلا؟ لم تتفق نظرة العلماء في هذا الموضوع، فالصنعاني ينظر إلى القصد هل تمحض للرياء أم صاحبه قصد الثواب، وفي الحالة الثانية هل كانت إرادة الثواب أرجح أو أضعف أو مساوية (١)؟ وهو بذلك يضع أمامنا أربع صور لا يعطيها حكما واحدا، والصورة الأولى لا أظن أحدا من العلماء خالف في الحكم عليها بالبطلان، وهي الحالة التي لا يقصد فيها العابد الثواب، إنما قصده كله أن ينال منزلة ومحمدة عند الناس. وقد سمّى ابن رجب (٢) هذا النوع من الرياء بالرياء المحض، وهذا يقع من المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ (٣). ويرى ابن رجب أن هذا النوع من الرياء لا يكاد يقع من مؤمن بالله واليوم الآخر

стр. 417

في فرض الصلاة والصوم، وأنّه قد يقع في الصدقة الواجبة أو الحج أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإنّ الإخلاص فيها عزيز. ويقول ابن رجب في هذا: "العلل على هذا النحو لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحقُّ المقت من الله والعقوبة" (١). وقد سمّى الحارث المحاسبي هذا النوع من الرياء: الرياء الأعظم والأشد، وقد قال فيه: "الوجه الذي هو أشدّ الرياء وأعظمه: إرادة العبد العباد بطاعة الله ، لا يريد الله بذلك" (٢). وقال الغزالي في هذا النوع: "أما الذي لم يرد به إلا الرياء فهو عليه قطعا، وهو سبب المقت والغضب" (٣). أما الصور الثلاثة الأخرى فيكون قصد الرياء مصحوبا بقصد الثواب، وإنما كانت الصور ثلاثة لأن إرادة الثواب قد تكون أرجح، وقد يكون قصد الرياء أرجح، وقد يتساويان. والصنعاني هنا يتابع الغزالي في النظر إلى قدر قوة الباعث (٤) "فإن كان الباعث الديني مساويا الباعث النفسي تقاوما وتساقطا، وصار العمل لا له ولا عليه. وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع، وهو مع ذلك مضر ومفض للعقاب؛ نعم العقاب الذي فيه أخف من عقاب العمل الذي تجرد للرياء، ولم يمتزج به شائبة التقرب. وإن كان قصد التقرب أغلب بالِإضافة إلى الباعث الآخر فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الديني". والغزالي يرى أن هذا من العدل الذي تقتضيه قاعدة الثواب التي نصَّ الله عليها

стр. 418

في غير آية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ (٢)، فقصد الخير لا يضيع عند الله: "فإن غلب قصد الرياء حبط منه القدر الذي يساويه، وبقيت زيادة، وإن كان مغلوبا سقط بسببه شيء من عقوبة القصد الفاسدة". والغزالي يقوي مذهبه ويستدل عليه بالمعقول وبالنصوص. فهو يقول في توضيح مذهبه: "وكشف الغطاء عن هذا أن الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاتها، فداعية الرياء من المهلكات، وإنما غذاء هذا المهلك وقوته في العمل على وفقه، وداعية الخير من المنجيات، وإنما قوتها بالعمل على وفقها، فإذا اجتمعت الصفتان في القلب فهما متضادتان، فإذا عمل على وفق مقتضى الرياء فقد قوّى تلك الصفة، وإذا كان العمل على وفق مقتضى التقرب فقد قوى تلك الصفة، وأحدهما مهلك والآخر منج، فإن كان تقوية هذا بقدر تقوية الآخر فقد تقاوما". وقد مثل لهذا بالأمور المحسوسة، فالمستضر بالحرارة إذا تناول ما يضرّه، ثم تناول من المبردات ما يقاوم قدر قوته فيكون بعد تناولهما كأنه لم يتناولهما، وإن كان أحدهما غالبا لم يخل الغالب عن أثره. فكما لا يضيع مثقال ذرة من الطعام والشراب والأدوية، ولا ينفك عن أثر في الجسد بحكم سنة الله تعالى- فكذلك لا يضيع مثقال ذرة من الخير والشر، ولا ينفك عن تأثير في إنارة القلب أو تسويده، وفي تقريبه من الله أو إبعاده، فإذا جاء بما يقربه شبرا مع ما يبعده شبرا فقد عاد إلى ما كان، فلم يكن له ولا عليه، وإن كان الفعل مما يقربه شبرين والآخر يبعده شبرا واحدا فضل لا محالة شبر، وقد قال النبي ﷺ : "أتْبِع السيئَةَ الحسَنةَ تمْحُهَا" (٣) فإذا كان الرياء المحض يمحوه الإخلاص المحض عقبه، فإذا

стр. 419

اجتمعا جميعا فلا بد وأن يتدافعا بالضرورة". وقد استدل بالإجماع المنعقد على صحة الحج ممن قصد التجارة في حجه مع أن حجه قد امتزج به حظ من حظوظ النفس. وكذلك الغزاة الذين يقصدون نيل الأسلاب والغنائم هم من المجاهدين في سبيل الله، ولا يخرجهم ذلك عن كونهم مجاهدين، وإنما كان الأمر كذلك لأنَّ "الباعث الأصلي والمزعج القوي هو إعلاء كلمة الله، وإنما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية، فلا يحبط به الثواب، نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلا، فإن هذا الالتفات نقصان لا محالة". والغزالي لم تخف عليه النصوص التي تدلّ على أن العمل المشوب بالرياء باطل، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١)، وحديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النّار يوم القيامة، والأحاديث التي يعدّ الرسول ﷺ الرياء فيها شركا، والتي يقول الله فيها يوم القيامة للمرائي: خذ عملك ممن عملت، والحديث الذي يحصر الرسول ﷺ فيه الجهاد فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. أقول لم تخف هذه النصوص عن الغزالي، ولم تغلب عن باله، فهو يذكرها، ثمّ يعقب عليها قائلا: "هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه، بل المراد منها من لم يرد إلا الدنيا، كقوله: "من هاجر يبتغي شيئًا من الدنيا، وكان ذلك هو الأغلب على همه ... ، وأما لفظ الشركة حيث ورد فلا مطلق للتساوي، وقد بينا أنه إذا تساوى القصدان تقاوما، ولم يكن له ولا عليه، فلا ينبغي أن يرجى عليه ثواب، ثم إن الإنسان عند الشركة في خطر أبدا، فإنَّه لا يدري أي الأمرين أغلب على قصده، فربما يكون عليه وبالا ... ". هذا خلاصة مذهب الذين اتجهوا للنظر في قوة الدافع.

стр. 420

مناقشة ما احتج به أصحاب هذا المذهب: قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا المذهب مذهب قوي، وأن ما اعتمدوا عليه أمر منطقي. ولكننا حين نمعن التأمل فيه نجده غير صواب، فالغزالي ﵀ ينظر إلى قوة الدافع، فالدافع يستحوذ بالعمل. ونحن نقول: إن قصد الرياء يفسد الإخلاص ويحبط العمل، وإن كان قليلا، وهذا له أمثلة في الأمور المحسوسة، فهناك قطرة صغيرة من القذارة قد تفسد جو منزل بأكمله، لخبث رائحتها، وقطرة من السم قد تفسد الطعام الكثير، وقد ورد في بعض النصوص أنه لو قدر أن تسقط قطرة من طينة الخبال -عصارة أهل النار التي هي شرابهم- في أرضنا هذه فإننا لا نستطيع البقاء، لأنَّها ستملأ المشارق والمغارب خبثا. فالقضية ينبغي أن ينظر إليها من زاوية أخرى، هي أن الرياء يفسد الإخلاص؛ وبالتالي يبطل العمل الصالح، وقد دلَّت النصوص على أن الأعمال لا تقبل ما لم تكن خالصة يبتغي بها الله وحده. وحمل الغزالي لهذه النصوص الدالة على بطلان العمل المشوب بالرياء، على الرياء المحض الذي لم يقصد فيه الثواب أصلا، بعيد وبعيد جدا، فالثلاثة الذين هم أول من يقضي فيهم الله حكمه، وأول من تسعر بهم النار، وهم: المجاهد، وقارىء القرآن، والمنفق، هل يعقل أنهم كانوا لا يقصدون القربة مطلقا؟! وقد ورد أكثر من حديث ينص على أنَّ الرياء شرك والمشرك لا يقبل عمله. وقد عدَّ القرطبي الرياء أحد أقسام الشرك الثلاثة مبطلا للأعمال، قال: "ويلي الرتبة (١) الإشراك في العبادة، وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئًا من العبادات التي أمر

стр. 421

الله بفعلها بغيره، وهذا الذي سيقت الآيات والأحاديث لبيان تحريمه، وهو مبطل للأعمال، وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي" (١). وممن ذهب هذا المذهب الحارث المحاسبي، فهو يعدّه شركا محبطا للعمل، يقول في الرعاية: "إرادة العباد بطاعة الله وإرادة ثواب الله يجتمعان في القلب، والِإرادتان: إرادة المخلوقين، وإرادة الثواب، وهو أدنى الرياء، وهو الشرك بالإرادة في العمل، لأنّه أراد الله والنّاس، فأشرك في عمله بطلب حمد الله وطلب حمد المخلوقين" (٢). وأورد الأحاديث الدالة على أنّ هذا شرك (٣)، ومنها حديث محمود بن لبيد (٤) أنَّ رسول الله ﷺ ، قال: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء"، قال: "يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهوا إلي الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" (٥). وقال رجل لعبادة بن الصامت (٦): أقاتل في سبيل الله بسيفي أريد الله ومحمدة المؤمنين، فقال: لا شيء لك، فسأله ثلاث مرات كل ذلك يرد عليه: لا شيء لك، ثم قال في الثالثة: إنّ الله يقول: "أنا أغنى الشركاء عن

стр. 422

الشريك، من عمل عملا وأشرك معي شريكا، ودعت نصيبي لشريكي" (١). وعن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك" (٢). وعن أبي سعيد الخدري (٣) قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال"؟ فقلنا بلى يا رسول الله، قال: "الشرك الخفي، أن يقوم الرجل، فيصلي، يزيد في صلاته لما يرى من نظر رجل" (٤). والثاني يريد الناس ورب الناس وكلاهما محبط للعمل، وذكر القرطبي أنّ هذا القول: "نقله الحافظ أبو نعيم في الحلية عن بعض السلف"، واستدلّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥)، فكما أنّه كبر عن الزوجة والشريك والولد، تكبر أن يقبل عملا أشرك فيه غيره، فهو تعالى أكبر كبير ومتكبر" (٦). وقد نسب ابن نجيم إلى بعض الأحناف القول بكفر من صلى رياء، وقال بعضهم: لا أجر له، وعليه الوزر. وقال بعضهم: لا أجر له، ولا وزر عليه، وهو كأنه لم يصل " (٧).

стр. 423

وقال ابن القيم: وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كانت العمل واجبا، فإنّه ينزل منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر، فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١)، فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير مأمور به، فلا يصح ولا يقبل منه ... " (٢). شبهة وجوابها: ولعل من أكثر ما يستوقف الناظر في الحجج التي أوردها الغزالي أن الحاج القاصد للتجارة صحيح حجّه بالنصّ القرآني، وبالِإجماع على ذلك، والغازي الذي ينال الغنيمة ويتطلع إليها لا يخرجه ذلك عن الِإخلاص، ولا يبطل عمله، وإن كان قد ينقص ثوابه وأجره. فالغزالي هنا يرى أن هذا تشريك في الِإرادة، وليس بمبطل العمل، وقد غاب عن الغزالي أنَّ هذا التشريك ليس شركًا، ولا يدخل في الرياء. فهذا الذي قصد التجارة في الحج لم يقصد أن يرائي بعمله هذا، وعمله ليس شركًا، إنما قصد أن يحج، وأن يتاجر، وقد أباح الله له هذا القصد. ولم أر من فرق تفريقًا دقيقًا بين الرياء والتشريك في العبادة غير القرافي -رحمه الله تعالى- فقد بيّن هذه المسألة وجلاها، فقال: "الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادة وبين قاعدة التشريك فيها: اعلم أنَّ الرياء شرك وتشريك مع الله تعالى في طاعته، وهو موجب للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة، كما نصَّ عليه المحاسبي وغيره، ويعضده ما في الحديث الصحيح، أخرج مسلم وغيره أنَّ الله تعالى يقول: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل

стр. 424

عملاً أشرك فيه غيري تركته له أو تركته لشريكي" (١) فهذا ظاهر في عدم الاعتداد عند الله تعالى بذلك العمل. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمروا إلا لِيَعْبُدُوا الله مخْلِصِين له الدينَ﴾ (٢)، يدل على أن غير المخلص لله تعالى غير مأمور به، وما هو غير مأمور به لا يجزىء عن المأمور به، فلا يعتد بهذه العبادة وهو المطلوب". ثم قال: "وتحقيق هذه القاعدة وسرها وضابطها أن يعمل للعمل المأمور به المتقرب به إلى الله تعالى، ويقصد به وجه الله تعالى، وأن يعظمه الناس أو بعضهم، فيصل إليه نفعهم أو يندفع به ضررهم، فهذا هو قاعدة أحد مسمى الرياء، والقسم الآخر أن يعمل العمل لا يريد به وجه الله النية، بل الناس فقط، ويسمى هذا القسم رياء الإخلاص، والأول رياء الشرك". وبين أن أغراض الرياء ثلاثة: التعظيم، وجلب المصالح، ودفع المضار الدنيوية، والأخيران يتفرعان على الأول، فإنه إذا عظم انجلبت إليه المصالح، واندفعت عنه المفاسد. ثم قال: "هذا الغرض الكلي في الحقيقة، وأما مطلق التشريك كمن يجاهد لتحصيل طاعة الله بالجهاد، وليحصل له المال من الغنيمة، فهذا لا يضره، ولا يحرم عليه بالإجماع، لأن الله جعل له هذا في العبادة، ففرق بين جهاده ليقول الناس: هذا شجاع أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاؤه من بيت المال، هذا ونحوه رياء حرام، وبين أن يجاهد لتحصيل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو مع أنه قد شرك، ولا يقال لهذا رياء بسبب أن الرياء أن يعمل ليراه غير الله من خلقه والرؤية لا تصح إلاّ من الخلق، فمن لا يرى ولا يبصر لا يقال في العمل بالنسبة إليه رياء، والمال المأخوذ في الغنيمة ونحوه لا يقال إنّه يرى ويبصر، فلا يصدق على هذه الأغراض لفظ الرياء لعدم الرؤية فيها.

стр. 425

وكذلك من حج وشرّك في حجه غرض المتجر، ويكون جلّ قصوده كلّه السفر للتجارة خاصة، ويكون الحج إما مقصودا مع ذلك أو غير مقصود، ويقع تابعا اتفاقا، فهذا أيضا لا يقدح في صحة الحج، ولا يوجب إثما ولا معصية. وكذلك من صام ليصح جسده، أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصوم، ويكون التداوي هو مقصوده أو بعض مقصوده، والصوم مقصود مع ذلك، وأوقع الصوم مع هذه المقاصد، لا يقدح في صومه بل أمر بها صاحب الشرع في قوله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّه له وجاء" أي قاطع. فأمر رسول الله ﷺ بالصوم لهذا الغرض، ولو كان ذلك قادحا لم يأمر به ﷺ في العبادة. ومن ذلك أن يجدد وضوءا ليحصل له التبرد أو التنظف. قال: "وجميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق بل هي لتشريك أمور من المصالح، ليس لها إدراك، ولا تصلح للِإدراك، ولا للتعظيم، وذلك لا يقدم في العبادات". وبعد هذا البيان قال: "فظهر الفرق بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك فيها غرض آخر غير الخلق مع أن الجميع تشريك، نعم لا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر وأن العبادة إذا تجردت عنها زاد الأجر وعظم الثواب، أما الإثم والبطلان فلا سبيل إليه ومن جهته حصل الفرق" (١). تحقيق القول في قصد المكلف المصالح التي أقر الشارع قصدها بالعبادة: عدم إدراك بعض العلماء للفرق الذي وضحه القرافي أوقعهم في خطأ بيّن
следующие страницы →