الله بفعلها بغيره، وهذا الذي سيقت الآيات والأحاديث لبيان تحريمه، وهو مبطل للأعمال، وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي" (١).
وممن ذهب هذا المذهب الحارث المحاسبي، فهو يعدّه شركا محبطا للعمل، يقول في الرعاية: "إرادة العباد بطاعة الله وإرادة ثواب الله يجتمعان في القلب، والِإرادتان: إرادة المخلوقين، وإرادة الثواب، وهو أدنى الرياء، وهو الشرك بالإرادة في العمل، لأنّه أراد الله والنّاس، فأشرك في عمله بطلب حمد الله وطلب حمد المخلوقين" (٢).
وأورد الأحاديث الدالة على أنّ هذا شرك (٣)، ومنها حديث محمود بن لبيد (٤) أنَّ رسول الله ﷺ ، قال: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء"، قال: "يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهوا إلي الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" (٥).
وقال رجل لعبادة بن الصامت (٦): أقاتل في سبيل الله بسيفي أريد الله ومحمدة المؤمنين، فقال: لا شيء لك، فسأله ثلاث مرات كل ذلك يرد عليه: لا شيء لك، ثم قال في الثالثة: إنّ الله يقول: "أنا أغنى الشركاء عن
стр. 422
الشريك، من عمل عملا وأشرك معي شريكا، ودعت نصيبي لشريكي" (١).
وعن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك" (٢).
وعن أبي سعيد الخدري (٣) قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال"؟ فقلنا بلى يا رسول الله، قال: "الشرك الخفي، أن يقوم الرجل، فيصلي، يزيد في صلاته لما يرى من نظر رجل" (٤).
والثاني يريد الناس ورب الناس وكلاهما محبط للعمل، وذكر القرطبي أنّ هذا القول: "نقله الحافظ أبو نعيم في الحلية عن بعض السلف"، واستدلّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥)، فكما أنّه كبر عن الزوجة والشريك والولد، تكبر أن يقبل عملا أشرك فيه غيره، فهو تعالى أكبر كبير ومتكبر" (٦).
وقد نسب ابن نجيم إلى بعض الأحناف القول بكفر من صلى رياء، وقال بعضهم: لا أجر له، وعليه الوزر. وقال بعضهم: لا أجر له، ولا وزر عليه، وهو كأنه لم يصل " (٧).
стр. 423
وقال ابن القيم: وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كانت العمل واجبا، فإنّه ينزل منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر، فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١)، فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير مأمور به، فلا يصح ولا يقبل منه ... " (٢).
شبهة وجوابها:
ولعل من أكثر ما يستوقف الناظر في الحجج التي أوردها الغزالي أن الحاج القاصد للتجارة صحيح حجّه بالنصّ القرآني، وبالِإجماع على ذلك، والغازي الذي ينال الغنيمة ويتطلع إليها لا يخرجه ذلك عن الِإخلاص، ولا يبطل عمله، وإن كان قد ينقص ثوابه وأجره.
فالغزالي هنا يرى أن هذا تشريك في الِإرادة، وليس بمبطل العمل، وقد غاب عن الغزالي أنَّ هذا التشريك ليس شركًا، ولا يدخل في الرياء. فهذا الذي قصد التجارة في الحج لم يقصد أن يرائي بعمله هذا، وعمله ليس شركًا، إنما قصد أن يحج، وأن يتاجر، وقد أباح الله له هذا القصد.
ولم أر من فرق تفريقًا دقيقًا بين الرياء والتشريك في العبادة غير القرافي -رحمه الله تعالى- فقد بيّن هذه المسألة وجلاها، فقال: "الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادة وبين قاعدة التشريك فيها: اعلم أنَّ الرياء شرك وتشريك مع الله تعالى في طاعته، وهو موجب للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة، كما نصَّ عليه المحاسبي وغيره، ويعضده ما في الحديث الصحيح، أخرج مسلم وغيره أنَّ الله تعالى يقول: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل
стр. 424
عملاً أشرك فيه غيري تركته له أو تركته لشريكي" (١) فهذا ظاهر في عدم الاعتداد عند الله تعالى بذلك العمل.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمروا إلا لِيَعْبُدُوا الله مخْلِصِين له الدينَ﴾ (٢)، يدل على أن غير المخلص لله تعالى غير مأمور به، وما هو غير مأمور به لا يجزىء عن المأمور به، فلا يعتد بهذه العبادة وهو المطلوب".
ثم قال: "وتحقيق هذه القاعدة وسرها وضابطها أن يعمل للعمل المأمور به المتقرب به إلى الله تعالى، ويقصد به وجه الله تعالى، وأن يعظمه الناس أو بعضهم، فيصل إليه نفعهم أو يندفع به ضررهم، فهذا هو قاعدة أحد مسمى الرياء، والقسم الآخر أن يعمل العمل لا يريد به وجه الله النية، بل الناس فقط، ويسمى هذا القسم رياء الإخلاص، والأول رياء الشرك".
وبين أن أغراض الرياء ثلاثة: التعظيم، وجلب المصالح، ودفع المضار الدنيوية، والأخيران يتفرعان على الأول، فإنه إذا عظم انجلبت إليه المصالح، واندفعت عنه المفاسد.
ثم قال: "هذا الغرض الكلي في الحقيقة، وأما مطلق التشريك كمن يجاهد لتحصيل طاعة الله بالجهاد، وليحصل له المال من الغنيمة، فهذا لا يضره، ولا يحرم عليه بالإجماع، لأن الله جعل له هذا في العبادة، ففرق بين جهاده ليقول الناس: هذا شجاع أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاؤه من بيت المال، هذا ونحوه رياء حرام، وبين أن يجاهد لتحصيل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو مع أنه قد شرك، ولا يقال لهذا رياء بسبب أن الرياء أن يعمل ليراه غير الله من خلقه والرؤية لا تصح إلاّ من الخلق، فمن لا يرى ولا يبصر لا يقال في العمل بالنسبة إليه رياء، والمال المأخوذ في الغنيمة ونحوه لا يقال إنّه يرى ويبصر، فلا يصدق على هذه الأغراض لفظ الرياء لعدم الرؤية فيها.
стр. 425
وكذلك من حج وشرّك في حجه غرض المتجر، ويكون جلّ قصوده كلّه السفر للتجارة خاصة، ويكون الحج إما مقصودا مع ذلك أو غير مقصود، ويقع تابعا اتفاقا، فهذا أيضا لا يقدح في صحة الحج، ولا يوجب إثما ولا معصية. وكذلك من صام ليصح جسده، أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصوم، ويكون التداوي هو مقصوده أو بعض مقصوده، والصوم مقصود مع ذلك، وأوقع الصوم مع هذه المقاصد، لا يقدح في صومه بل أمر بها صاحب الشرع في قوله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّه له وجاء" أي قاطع.
فأمر رسول الله ﷺ بالصوم لهذا الغرض، ولو كان ذلك قادحا لم يأمر به ﷺ في العبادة.
ومن ذلك أن يجدد وضوءا ليحصل له التبرد أو التنظف.
قال: "وجميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق بل هي لتشريك أمور من المصالح، ليس لها إدراك، ولا تصلح للِإدراك، ولا للتعظيم، وذلك لا يقدم في العبادات".
وبعد هذا البيان قال: "فظهر الفرق بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك فيها غرض آخر غير الخلق مع أن الجميع تشريك، نعم لا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر وأن العبادة إذا تجردت عنها زاد الأجر وعظم الثواب، أما الإثم والبطلان فلا سبيل إليه ومن جهته حصل الفرق" (١).
تحقيق القول في قصد المكلف المصالح التي أقر الشارع قصدها بالعبادة:
عدم إدراك بعض العلماء للفرق الذي وضحه القرافي أوقعهم في خطأ بيّن
стр. 426
سبب إشكالا عظيما، إذ حكموا على العبادات التي قصد بها العابد أمرًا أقره الشارع أو أمرا يتحقق ضمنا بالبطلان.
فمن ذلك ما ذكره المؤلف من الصوم للتداوي أو لمن لا يستطيع الزواج، أو الوضوء تبردا أو تنظفا، ومن أمثلته انتظار الإمام المأموم بإطالة الركعة أو الركوع، والتجارة في الحج والغنيمة في الغزو.
فقد نصّ ابن حزم ﵀ في المحلَّى (١) على أنَّ الذي "خلط بنية الطهارة للصلاة نية التبرد أو غير ذلك لم تجزه الصلاة بذلك الوضوء، برهان ذلك قوله تعالي: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدوا الله مخْلِصِينَ لَهُ الدينَ﴾ (٢)، فمن مزج بالنية التي أمر بها نيّة لم يؤمر بها فلم يخلص لله تعالى العبادة بدينه ذلك، وإذا لم يخلص فلم يأت بالوضوء الذي أمره الله تعالى به".
وممن ذهب هذا المذهب القرطبي، قال في تفسيره: "من تطهر تبردا، أو صام محمّا لمعدته، ونوى مع ذلك التقرب، لم يجزه، لأنه مزج في نية التقرب نية دنياوية، وليس لله إلاّ العمل الخالص كما قال تعالى: ﴿أَلَا لله الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا الله مخْلِصينَ لَه الدّينَ﴾ (٤).
واستدلّ في موضع آخر بآية سورة هود: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (٥) على أن من توضأ لتبرد أو تنظف لا يقع قربة من جهة الصلاة، وهكذا كلّ ما كان في معناه (٦) ".
وحكى عدم إجزاء من قصد التبرد مع نيّة رفع الحديث النوويّ (٧) والحطاب (٨)، وضعَّفا القول بذلك.
стр. 427
وفي انتظار الإمام المأموم في الركعة والركوع "قال بعضهم: أخاف أن يكون شركا، وهو قول محمد بن الحسن (١)، وبالغ بعض أصحاب الشافعي فقال: إنّه مبطل للصلاة" (٢).
وقال النووي في المجموع: "قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأبو يوسف والمزني وداود: لا ينتظر الإمام حال ركوعه القادم كي يدرك الركعة، واحتج لهؤلاء بعموم الأحاديث الصحيحة في الأمر بالتخفيف، وبأن فيه تشريكا في العبادة .... " (٣).
ونقل المزني هذا القول عن الشافعي، لأن هذا الانتظار يشوب الِإخلاص، ويذكر المزني أنه اطلع على رواية أخرى للشافعي يجيز ذلك، ومع هذا فقد رجح الأول (٤).
وفي التجارة في الحج يقول ابن العربي: "وأما ألا يتجر فيه فهو مذهب الفقراء "يقصد الصوفية" ألا تمتزج الدنيا بالآخرة، وهو أعظم للأجر وأخلص في النية".
ومع ذلك فإنَّ ابن العربي لم يذهب هذا المذهب، ولم يقل بقولهم، ونص على مخالفته لهم في موضع آخر، قال: "والقصد إلى التجارة في الحج لا يكون شركا، ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافا للفقراء، أن الحج دون تجارة أفضل" (٥).
ولو انتبه هؤلاء العلماء الأعلام إلى القاعدة التي قررها القرافي، وأن هذا التشريك في العبادة لا يدخل في باب الرياء، لما وقعوا في هذا الإشكال الذي أوقع كثيرا من الناس في حيرة واضطراب.
стр. 428
ولقد وردت نصوص كثيرة تخالف ما ذهبوا إليه، ففي الحج يقول تعالى: ﴿ليس عَلَيْكمْ جنَاح أَنْ تبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبكمْ﴾ (١)، وقد صحَّ عن ابن عباس أن الآية نزلت عندما خاف المسلمون من الاتجار في أسواق الجاهلية في مواسم الحجّ، والحديث في صحيح البخاري، وفي رواية عن ابن عباس في سنن أبي داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم: "إن الناس في أول الحج كانوا يتبايعون في منى وعرفات وذي المجاز ومواسم الحجّ، فخافوا البيع وهم حرم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْس عَلَيْكُمْ جناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج" (٢).
وقد عقد العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام فصلا عنون له بقوله: "فصل في بيان أنّ الإعانة على الأديان وطاعة الرحمن ليست شركا في عبادة الديان وطاعة الرحمن" (٣).
وقد جلّى ﵀ هذه المسألة فقال: "إن قيل: هل يكون انتظار الإمام المسبوق لِيدركه في الركوع شركا في العبادة أم لا؟ قلت: (القائل العز) ظن بعض العلماء ذلك، وليس كما ظنَّ، بل هو جمع بين قربتين لما فيه من الإعانة على إدراك الركوع وهي قربة أخرى والإعانة على الطاعات من أفضل الوسائل عند الله ... وليس لأحد أن يقول هذا شرك في العبادة بين الخالق والمخلوق، فإن الإعانة على الخير والطاعة لو كانت شركا ورياء، لكان تبليغ الرسالة وتعليم العلم والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر رياء وشركا، وهذا لا يقوله أحد، لأن الرياء والشرك أن يقصد بإظهار عمله ما لا قربة به إلى الله من نيل أغراض نفسه الدنية، وهو قد أعان على القرب إلى الله، وأرشد عباده إليه. ولو كان هذا شركا لكان الأذان وتعليم القرآن شركين، وقد جاء في الحديث الصحيح: أنَّ رجلا صلى منفردا فقال ﵇: "من يتجر على هذا"؟ وروي: "من يتصدق على
стр. 429
هذا؟ (١). فقام وجل فصلى وراءه ليفيده فضيلة الاقتداء، ولم يجعله ﵇ رياء ولا شركا لما فيه من إفادة الجماعة القربة إلى الله تعالى" (٢).
وبين ﵀ استحباب الانتظار: "وإذا أحس الإمام بداخل وهو راكع فالمستحب أن ينتظره لينيله فضيلة إدراك الركوع، ولا يكون ذلك شركا ولا رياء، لأنه ﵇ جعل مثله صدقة واتجارا، وأمر به في جميع الصلوات، فكيف يكون رياء وشركا، وهذا شأنه في الشريعة! ولا وجه لكراهية ذلك، ومن أبطل الصلاة به فقد أبعد، فليت شعري ماذا يقول في الانتظار المشروع في صلاة الخوف، هل كان شركا ورياءً أو عملا صالحا لله تعالى؟! " (٣).
ومما يزيد الأمر وضوحا أنَّ الرسول ﷺ كان يقصّر الصلاة إذا سمع بكاء صبي مع عزمه في أولها على التطويل، ففي الحديث المتفق عليه أن الرسول ﷺ قال: "إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريدُ أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي، مما أعلم من شدة وَجْد أمه لبكائه" (٤).
ومالك بن الحويرث (٥) كان يصلي بالنّاس ما يريد بصلاته إلاّ أن يعلم الناس (٦).
وعقد المجد ابن تيمية (٧) في كتابه المنتقى بابا قال في: "باب إطالة الإمام الركعة الأولى، وانتظار من أحس به داخلا، ليدرك الركعة".
стр. 430
وذكر فيه حديث أبي سعيد: "لقد كانت الصلاة تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي رسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يطولها" (١).
وذكر حديث عند الله بن أبي أوفى (٢): "أن النبي ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى من الصلاة حتى لا يسمع وقع الأقدام" (٣). أفيجوز لعلامة مفسِّر كالقرطبي -غفر الله له- بعد ذلك أن يقول: "إذا أحسّ برجل داخل في الركوع وهو إمام لم ينتظره، لأنه يخرج ركوعه بانتظاره عن كونه خالصا لله تعالى؟! " (٤).
الغنيمة في الحرب والتجارة في الحج تنقصان الأجر
ونحن مع قولنا بصحة حج من قصد التجارة في الحجِّ والغنيمة في الحرب إلا أننا نوافق من قال بأن أجر هؤلاء أقلّ من أجر غيرهم ممن لم يشتغل بشيء من ذلك.
وهذا القول جاءت النصوص الصحيحة الصريحة التي لا تحتمل التأويل به، ففي الحديث: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم" (٥).
وفي رواية: "ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية أو سرية تخفق أو تصاب إلا تم أجورهم" (٦).
فهؤلاء بنصّ الحديث خارجون بنية خالصة، فقد صرح بأنهم غازون في سبيل
стр. 431
الله، وأخبر أن الذين نالوا شيئًا من الغنيمة ينقص أجرهم وثوابهم، ولا يبطل مطلقا، ذلك أن ما نالوه من غنيمة يعد ثوابا دنيويا عاجلا، وقد قال أحد الصحابة: "فمنَّا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهديها".
ولا تعارض بين ما دل عليه حديث مسلم من نقصان أجر الذين غنموا وحديث البخاري ومسلم: "انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو علي ضامن، أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة" (١).
أقول لا تعارض بينهما، لأن هذا الحديث دل على أحد أمرين لمن رجع من الغزو سالما ولم يقتل: الأجر، أو الغنيمة، وحديث مسلم السابق ذكر حالا ثالثة، وهي:
الغنيمة والأجر الناقص.
ولا نحتاج إلى تأويل ذلك لأن أحاديث الرسول ﷺ لا يضرب بعضها ببعض، بل يصدق بعضها بعضا.
وقد فهم كثير من العلماء فهمنا هذا، فهذا الحافظ ابن رجب يقول: "إن خالط نيّة الجهاد مثلا نيّة، غير الرياء، مثل أخذ الأجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة، نقص بذلك أجر جهادهم ولم يبطل بالكلية" (٢).
وعلى ذلك تحمل النصوص الدالة على بطلان أجر من قصد شيئًا من الغنيمة، على أن هؤلاء لم يقصدوا الله بجهادهم، ولم يطلبوا ثوابه وإنما تمحض قصدهم لطلب الدنيا، وذلك كالحديث الذي يقول فيه الرسول ﷺ : "من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالا فله ما نوى" (٣).
стр. 432
وقوله: "ولم ينو" فيه دلالة واضحة على أن هذا هو قصده، ومطلبه، وقد فهم هذا الصحابي الجليل عند الله بن عمر حيث يقول: "إذا أجمع أحدكم الغزو، فعوضه الله رزقًا، فلا بأس بذلك؛ وأما من أعطي درهما غزا، وإن لم يعط لم يغز، فلا خير في ذلك" (١).
ومن ذلك الأرزاق التي يأخذها المجاهدون من بيت مال المسلمين لا تبطل أجر الجهاد، فهي حق اللمقاتلين؛ وقد تكلم ابن تيمية في هذا الموضوع بكلام نفيس فقال: "الجند ليسوا كالأجراء، وإنما هم جند الله، يقاتلون في سبيل الله عباده، ويأخذون هذه الأرزاق من بيت المال، ليستعينوا بها على الجهاد، وما يأخذونه ليس ملكا للسلطان، وإنما هو مال الله يقسمه ولي الأمر بين المستحقين، فمن جعلهم كالأجراء جعل جهادهم لغير الله.
وقد جاء في الحديث: "مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون ما يعطون، مثل أم موسى ترضع ابنها وتأخذ أجرها" (٢).
وابن تيمية في هذا يفرق: "بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة، وبين من تكون الدنيا مقصوده والدين وسيلة، والأشبه أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها" (٣).
الرياء بأوصاف العبادة
تحدثنا عن الذي يؤدي العبادة مريدا بها الناس، أو مريدا بها الله والناس، وخلصنا إلى القول ببطلان هذه العبادة، وأن صاحبها آثم معاقب.
فإن كان الرياء لا في أصل العبادة، بل في وصفها كالذي يدخل في الصلاة يريد أن يقصر القراءة فيها والركوع والسجود فيطلع عليه الناس، فيطيل ذلك كلّه
стр. 433
لرؤية الّناس له، ونظرهم، فهذا أمر اختلف فيه العلماء من السلف الصالح، وقد حكى هذا الخلاف الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري (١).
وممن قال بذلك السمرقندي، فهو يرى أن ما فعله من أجل ربّ الناس مقبول، وما فعله من أجل الناس مردود، وسئل العز بن عبد السلام عمن صلى وطول صلاته من أجل الناس، فقال: أرجو ألا يحبط عمله (٢).
ونقل ابن نجيم عن بعض الأحناف أنه يرى: أنَّ من افتتح الصلاة خالصا لله تعالى، ثم دخل في قلبه الرياء، فهو على ما افتتح (٣).
وممن قرر هذه المسألة على هذا النحو ابن القيم (٤).
إلا أنه ينبغي أن يكون واضحا أن ثواب هذا العامل على هذا النحو غير تام، بل فيه نقصان بسب ريائه، ولا يبعد أن يكون على خطر عظيم (٥).
خفاء الرياء وتلونه
لقد كان المحاسبي ﵀ بعيد النظر عندما قرر (٦) أن النفس الإنسانية تطلب لذتها دائما، وإن شهوة النفس خفية كامنة كمون النار في العود، فإذا منع
стр. 434
المسلم نفسه شهوتها بإلزامها بالعبادة والطاعة حاولت أن تجد لذتها بسبيل آخر وهو التزين بالطاعة لتنال حمد الناس.
ولشدة ميل النفس إلى حمد النّاس وثنائهم فإن قصد الرياء يتلون في قلب الإِنسان، حتى يكاد يتوهم أنه مخلص، وهو في الحقيقة يرائي في عمله، وقد عدِّد الغزالي ﵀ درجات الرياء من حيث الخفاء والجلاء، ورتبها ترتيبا تصاعديا (١).
وأول هذه المراتب وأجلاها أن يحسّن العبد من صلاته وعمله الصالح لما يرى من نظر الناس اليه، حتى ينظروا إليه بعين الوقار، ولا يزدرونه، فتخشع جوارحه لذلك، وتسكن أطرافه، وهذا هو الرياء الظاهر، وهو لا يخفى على المبتدئين.
والدرجة الثانية: أن يكون العبد قد علم الرياء الظاهر، فيأتيه الشيطان من زاوية أخرى يخدعه، كأن يدعوه إلى إحسان الصلاة، وإطالتها، لأنه مقتدى به متبوع، ولذا ينبغي أن يحسن صلاته كي ينال أجر الذين ينتفعون ويقتدون به، وهذا في بعض الأحيان خدعة كي تنال النفس لذتها وتصل إلى مطلوبها، وما هذا التعليل إلا إمرار للباطل في صورة الحق كيلا يرفضه الإنسان.
الدرجة الثالثة: إذا تنبه المسلم إلى أن هذا الذي ذكر في الدرجة الثانية رياء، فإنَّ الشيطان قد يدعوه إلى الخشوع في السر وإطالة الصلاة، حتى لا تكون عبادته في السر غيرها في العلانية.
والدرجة الرابعة: وهي أخفاها، وهي تحدث ممن خبر المراتب الثلاثة السابقة، فعند ذلك لا يستطيع أن يأتيه الشيطان منها، ولذا فإن الشيطان يدعوه إلى الخشوع في الصلاة -مثلا- عندما يكون بين الناس، ويقول له تفكر في عظمة الله، واستح أن ينظر إلى قلبك وهو غافل عنه، وعند ذلك يخشع القلب، وإنما كان هذا من الرياء الخفي، لأن هذا العابد لا يخشع مثل هذا الخشوع لو صلى وحده بعيدا
стр. 435
عن أعين الناس.
ومع أننا لا نوافق الغزالي ﵀ في كل ما ذهب إليه هنا إلا أننا لخصنا قوله كي يتبين لنا مدى خفاء الرياء، وأنه قد يخفى على الصالحين الذين يحذرون من الرياء، ويسعون إلى تجنبه.
ولما كان الرياء خفيا قد لا يدركه الأخيار رأينا أن نبين سبيل الوقاية منه.
مزلق خطر
ترك العمل خوف الرياء
قد يعالج بعض الناس خطأ فيقعون في خطأ مثله أو أشد منه، وتلك مشكلة عانى منها الناس قديما وحديثا.
أمرنا الله بالعبادة مخلصين له الدين، وفي النفس نوازع تدعونا إلى الميل عن صراط الإخلاص، فلما رأى الناس هذا اتجهوا اتجاهات مختلفة، فريق رام مجاهدة الرياء، حتى يقتلع جذوره، فلا يبقى في نفسه ميل إلى الرياء، ولا خاطر يدعو إليه، وهؤلاء طلبوا عظيما وراموا مستحيلا "فالناس لم يؤمروا أن يخرجوا وساوس إبليس أن تعترض في صدورهم، ولم يؤمروا بأن يغيروا خلقهم وطباعهم، حتى تصير لا تنازع إلى معنى من زينة الدنيا من رياء ولا غيره، حتى تكون طبائعهم الحمد فيها مكروه والذم فيها محبوب" (١)، لم يؤمر العباد بذلك أبدا، فهذا أمر غير مقدور، والله لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها، والجهود التي تبذل في غير مكانها جهود ضائعة، لا تعود على صاحبها بفائدة.
ونحن نلاحظ أن بعض الأمور التي دعانا الله إليها مكروهة للنفوس ﴿كُتِبَ عَليْكُم الْقِتَال وهُوَ كُرْهٌ لكمْ﴾ (٢)، وبعض الأمور التي نهينا عنها محبوبة للنفوس:
стр. 436
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ (١)، وقد يطلب الإنسان شيئًا من هذه الزينة التي حببت إليه من طريق حرام، وفي الحديث: "حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات".
فحب المعاصي من الرياء والشهوات لا إثم فيه، وكراهية فعل بعض المأمورات لا إثم فيه، وقد وضح ابن عبد السلام هذه المسألة فقال: "وليس حب الرياء ولا غيره من جميع المعاصي معصية، فإن أطلق عليه اسم الرياء كان ذلك مجازا من تسمية السبب باسم المسبب، وكل شيء حرمه الله تعالى فلا يأثم مشتهيه بشهوته وإنّما بعزمه عليه وإرادته، ثم بملابسته، وكل ما تكرهه الطباع، وتنفر منه القلوب والأسماع من الخيور والشرور، فلا إثم على كراهيته، ولا النفور منه، وإنما الإثم على فعله، إن كان قبيحا، أو تركه إن كان حسنا، فشهوة الرياء والشكر وقهر الأقران وإضرار الأعداء لا إثم فيها، لخروجها عن قدرة المكلف، ولتعذر الانفكاك والانفصال عنها، ومن استعمل شيئًا من المحبوبات في غير بابه فقد أخطأ وزل" (٢).
الفريق الثاني: عمل عكس ما عمله هؤلاء، فعدما يدعى إلى فعل خير أو يسأل حاجة أو تدعوه النفس إلى عمل خير يعرض في نفسه عارض الرياء، فيخشى من هذا الخاطر أن يكون، فيعرض عن العمل خوف الرياء، وهذا هرب من شرٍّ ووقع فيما هو أشدَّ منه أو مثله، وقد تنبه العلماء الأعلام إلى هذا المزلق الخطر فحذروا منه.
يقول القاضي عياض: (٣) "ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس
стр. 437
شرك" (١)، يقول النووي معلّقا على كلام القاضي: "ومعنى كلامه رحمه الله تعالى: أن من عزم على عبادة، وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مراء، لأنَّه ترك العمل لأجل الناس، أما لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب، إلاّ أن تكون فريضة أو زكاة واجبة ... فالجهر بالعبادة في ذلك أفضل" (٢).
وترك العمل خوفا من الرياء حبالة من حبالات إبليس كما يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: "لإبليس في ذم الرياء حبالة، وذلك أنَّه ربَّ ممتنع من فعل خير أن يظن به الرياء"، ولذلك ينصح من طرقه مثل هذا ألا يتلفت إليه، وأن يمضي فيه إغاظة للشيطان: "فإذا طرقك منه مثل هذا فامض على فعلك، فهو شديد الألم عليه" (٣).
ولو فعل إنسان هذا لأوشك إذا علم الشيطان بذلك أنْ يعترض له عند كل عمل بالخطرات بالرياء فيدع كل طاعة (٤).
الفريق الثالث: الذين علموا أن الله ألزمهم بطاعته وعبادته، وأوجب عليهم أن يقاوموا أهواءهم، وأن يخلصوا دينهم لربهم، وهؤلاء نحتاج أن نبين لهم كيف يعالجون هذا المرض في نفوسهم، كي يكون سلاحا في أيديهم يقيهم من مداخل الشيطان.
стр. 438
علاج الرياء
١ - الاستعانة بالله على الإخلاص والتعوذ به من الرياء ومراقبته:
قال تعالى: ﴿فَفِروا إِلَى اللِّه إِنّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِير مبينٌ﴾ (١)، فالسبيل الأقوم هو أن نلجأ إلى الله محتمين به لائذين بجنابه، كي يخلصنا من الرياء، ويرزقنا الإخلاص، ولنا في إبراهيم خليل الرحمن أسوة إذ توجه إلى ربه كي يخلصه من الشرك الأكبر: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أنْ نَعْبدَ اْلأصنَامَ﴾ (٢). وليس عبثا أن شرع الله لنا أن نردّد دائما قوله: ﴿إِيَّاكَ َنعبدُ، وَإيَّاكَ نستَعِينُ﴾ (٣)، فهو المعبود وحده دون سواه، فلا نعبد إلا إياه، وهو المستعان وحده في دفع المكروه، وفي الإعانة على الطاعات والمأمورات.
ومن ذلك أن نتعوذ بالله ربنا من هذا الداء العضال؛ ففي الحديث أن الرسول ﷺ خاطب أصحابه قائلاً: "أيها النَّاس: اتقوا الشرك؛ فإنّه أخفى من دبيب النمل، قالوا: وكيف نتقيه يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهمَّ إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه" (٤).
وقد أرشدنا الرسول ﷺ إلى طريقة نخلص بها ديننا لربنا، ونصل بها إلى أعلى المراتب وهي الإحسان، فقال: "اعبد الله كأنك تراه، فإنْ لم تكن نراه فإنَّه يراك" (٥). فالنظر إلى العظماء يوجب مهابتهم وإجلالهم، والأدب معهم إلى أقصى الغايات، فما الظن بالنظر إلى ربّ الأرض والسموات! فإن كان الإنسان لا يستطيع أن يعبد على الصفة الأولى، فليعبد على أن الله يراه وينظر إليه، فالنفوس عندما تستشعر ذلك تستبعد العمل على الغفلة والرياء، وتلتفت إلى الحيّ القيوم.
стр. 439
٢ - معرفة الرياء والتحرز منه:
تحدثنا عن شدة خفاء الرياء، وهذا يقتضي أن يكون العابد على علم بالرياء وأسبابه، ثم يتحرز منه دائما، فالإنسان قد يؤتى من جهله، وقد يؤتى من قلة حذره.
٣ - النظر في عاقبة الرياء في الدنيا:
ومما ينفي الرياء ويُكَرِّه به أن يعلم المرائي أن رياءه لن يجلب له نفع النَّاس، وبين يدفع عنه ضررهم، بل قد يجلب سخطهم وكراهيتهم ومقتهم كما يجلب كراهية الله وسخطه ومقته، فيخسر الدنيا والآخرة. ولله در الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حيث يقول: "ومن تزين بما ليس فيه شانه الله" (١)، وقد علَّق ابن القيم على هذا القول القيم قائلاً: "لما كان المتزين بما ليس فيه ضدّ المخلص فإنه يظهر للناس أمرا، وهو في الباطن بخلافه، عامله بنقيض قصده، فإنَّ المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعا وقدرا، ولمَّا كان المخلص يعجّل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة في قلوب العباد، عجل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته إن شانه الله بين الناس، لأنه شان باطنه عند الله، وهذا موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وحكمته في قضائه" (٢).
وبين أن المرائي قد يشينه عمله عند الناس، لأنَّهم يبحثون عنده عما يظهر أنه فيه، فلا يجدونه، فيعلمون كذبه: "ولما كان من تزين للناس بما ليس فيه من الخشوع والدِّين والشك والعلم وغير ذلك، قد نصب نفسه للوازم هذه الأشياء ومقتضياتها فلا بد أن تطب منه فإذا لم توجد عنده افتضح فيشينه ذلك من حيث ظن أنه يزينه" (٣).
стр. 440
والرياء قد يجعل صاحبه محلّ سخرية الناس وهزئهم، فقد تناقل العلماء في كتبهم حكايات المرائين، وتندروا بها، حكى الأصمعي أنَّ أعرابيا صلى فأطال، وإلى جانبه قوم، فقالوا: ما أحسن صلاتك! فقال: وأنا مع ذلك صائم (١).
فانظر إلى هذا المسكين الذي أراد العباد بعبادته، كيف ترك صلاته عندما سمع حمد الناس، ليظهر لهم أمرا آخر من عبادته لا يعلمونه، وهو الصوم، فكيف أصبح في نظر هؤلاء؟ لقد سمعه أعرابي آخر حاضر المجلس فأنشد قائلا:
صلى فأعجبني وصام فرابني ... نح القلوص عن المصلي الصائم
وقال الماوردي معقبا على هذه القصة "فانظر إلى هذا الرياء ما أقبحه! وما أدله على سخف عقل صاحبه"! (٢).
وذكر العلماء على سبيل التندر أن طاهر بن الحسين (٣) قال لأبي عند الله المروزي: منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عند الله؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنة، وأنا منذ ثلاثين سنة صائم، فقال له مبكّتًا: يا أبا عند الله سألتك عن مسألة، فأجبت عن مسألتين (٤) ... ! أين حال هذين من حال الأشعث بن قيس (٥) عندما خفَّف صلاته مرة، فقال له أهل المسجد: خففت صلاتك جدا؟ فقال: إنه لم يخالطها رياء. فتخلص من تنقصهم بنفي الرياء عن نفسه، ورفع التصنع في صلاته (٦).
وأين حال هذين من حال عمر بن الخطاب وقد أحسَّ على المنبر بريح خرجت
стр. 441
منه، فقال: يا أيها الناس، قد ميَّلت (١) بين أن أخافكم في الله تعالى، وبين أن أخاف الله فيكم، فكان أن أخاف الله فيكم أحبّ إليّ، ألا وإني قد فسوت، وها أنا نازل أعيد الوضوء، فكان ذلك منه زجرا لنفسه، لتكف عن نزاعها إلى مثله (٢).
والإنسان قد يرائي الناس بطلب دنياهم فتهرب منه الدنيا، ولا يرجع من ريائه بغير خفي حنين، وقد يعرض عن دنياهم، فتأتيه الدنيا، وتقبل عليه، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه، وشتت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كتب" (٣).
٤ - النظر في عواقبه الأخروية:
ومما يدفع الرياء أن يتفكر المرائي في إثم الرياء وعاقبته، وقد سبق ذكر الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، مع أنهم كانوا فعالين للخير، إلَّا أنهم لم يريدوا به ربَّ العباد، بل أرادوا العباد.
وفي يوم القيامة يهتك الله ستر المرائين ويفضحهم جزاء كذبهم، وفي الحديث الصحيح يقول الرسول ﷺ : "من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به" (٤).
قال ابن جر: قال الخطابي: "معناه من عمل عملا على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه النَّاس ويسمعوه، جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه" (٥).
قال ابن حجر: "ورد عدَّة أحاديث في التصريح بوقوع ذلك (أي تسميع الله
стр. 442
بالمسمّع ... ). في يوم القيامة، فهو المعتمد. فعند أحمد: "من قام مقام رياء وسمعة راءى الله به يوم القيامة، وسمع به"، وللطبراني من حديث معاذ مرفوعا: "ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء إلا سمَّع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة" (١).
فالمسلم الذي يعلم أن هناك يوم حساب وجزاء، ويعلم شدة حاجته إلى صافي الحسنات غدا في يوم القيامة، يغلب على نفسه الحذر من الرياء، كي يقبل عمله في ذلك اليوم، وكيلا ينفضح.
٥ - إخفاء العبادة وإسرارها:
كان العلماء الأخيار ولا يزالون يحبون إخفاء أعمالهم، حتى لا يخالطها الرياء، ولا يدعون للشيطان مدخلا يشوش عليهم في نياتهم، وقد عد الرسول ﷺ المسر بالصدقة حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله، وذكر الرسول ﷺ صنفا آخر يستحق ذلك التكريم، وهو ذلك الذي ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه.
وقد نصّ الله نصا صريحا على أفضلية صدقة السر على صدقة العلانية في
قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢).
وقد خص العلماء أفضلية الإخفاء بالنوافل دون الفرائض (٣)، واستثنى بعض العلماء أولئك الذين يقتدى ويتأسى بهم، ويكون لأفعالهم تأثير في الناس، فهؤلاء يستحب في حقهم الإعلان دون الإسرار بشرط أن يأمنوا على أنفسهم الرياء، ولا يكون ذلك إلا لقوَّة إيمانهم وصدق يقينهم.
стр. 443
ولم أر من فصَّل القول في هذه المسألة وجلاها كالعز بن عبد السلام رحمه الله تعالى، فقد عقد فصلا في كتابه قواعد الأحكام في (تفاوت فضل الإسرار والإعلان بالطاعات) (١)، قال فيه: "إن قيل: هل الإخفاء أفضل من الإعلان لما فيه من اجتناب الرياء أم لا؟ فالجواب: أن الطاعات ثلاثة أضرب:
أحدها: ما يشرع مجهورا كالأذان والِإقامة والتكبير والجهر بالقراءة في الصلاة والخطب الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في إقامة الجمعة والجماعات والأعياد والجهاد وعيادة المرضى وتشييع الأموات، فهذا لا يمكن إخفاؤه، فإن خاف فاعله الرياء جاهد نفسه في دفعه إلى أن تحضره نية الإخلاص، فيأتي به مخلصا كما شرع، فيحصل على أجر ذلك الفعل، وعلى أجر المجاهد، لما فيه من المصلحة المتعدية.
الثاني: ما يكون إسراره خير من إعلانه كإسرار القراءة في الصلاة، وإسرار أذكارها، فهذا إسراره خير من إعلانه.
الثالث: ما يخفى تارة ويظهر أخرى كالصدقات، فإن خاف على نفسه الرياء أو عرف ذلك من عبادته كان الإخفاء أفضل من الإبداء، لقوله تعالى: ﴿وَإنْ تخْفوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفقَرَاءَ فَهُوَ َخْير لَكمْ﴾ (٢).
ومن أمن الرياء فله حالان:
أحدهما: ألا يكون ممن يقتدى به، فإخفاؤها أفضل إذ لا يأمن الرياء عند الإظهار.
والثاني: أن يكون ممن يقتدى به، فالإبداء أولى لما فيه من سدِّ خلة الفقراء مع مصلحة الاقتداء، فيكون قد نفع الفقراء بصدقته وبتسببه إلى تصدق الأغنياء
стр. 444
عليهم، وقد نفع الأغنياء بتسببه إلى اقتدائهم به في نفع الفقراء" (١).
وقد نقل عن السلف الصالح في إخفاء الأعمال التي يستحب أن تخفى أمور تدعو إلى الإعجاب، وتضع أصحابها في مستويات كريمة، تجعلهم أسوة يحتذى ويقتدى بهم في هذا:
ذكر عن ابن سيرين (٢) أنه كان يضحك بالنهار، ويبكي بالليل، وكان في ذيل أيوب السختياني (٣) بعض الطول، وذلك لأنَّ الشهرة في عصره كانت بتقصير الثوب، وكان ابن أدهم (٤) إذا مرض يرى عنده ما يأكله الأصحاء (٥).
إلاّ أنَّه لا ينبغي أن يبالغ المسلم في إخفاء العمل بحيث يزري على نفسه في ذلك، فبعض النّاس يفعلون أمورا يلامون عليها، لكيلا تظهر أعمالهم، ومما يروي وهب بن منبه (٦) في هذا عن رجل من الأمم المتقدمة قال: كان رجل من أفضل أهل زمانه، وكان يزار، فيعظَّم، فاجتمعوا إليه ذات يوم، فقال: إنّا قد خرجنا من الدنيا، وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان، وقد خفت أن يكون قد
стр. 445
دخل علينا في هذه حالة من الطغيان أكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم، أرانا يحب أحدنا أن تقضى له حاجته، وإن اشترى أن يقارب لمكان دينه. فشاع ذلك الكلام، حتى بلغ الملك، فأعجب به، فركب إليه ليسلِّم عليه، ولينظر إليه، فلما رآه الرجل قيل له: هذا الملك قد أتاك، ليسلّم عليك، فقال: وما يصنع؟ قال: للكلام الذي وعظت به، فسأل غلامه هل عندك طعام؟ فقال: شيء من ثمر الشجر مما كنت تفطر به، فأمر به، فأتي على مسح، فوضع بين يديه، فأخذ يأكل منه، وكان يصوم النهار، ولا يفطر، فوقف عليه الملك، فسلَّم عليه، فأجابه إجابة ضعيفة، وأقبل على طعامه، يأكله، فقال الملك: أين الرجل؟ فقيل له هو هذا، قال: هذا الذي يأكل؟ قالوا: نعم، قال: فما عند هذا من خير، فأدبر، فقال الرجل: الحمد لله الذي صرفك عني بما صرفك به" (١).
وفي رواية أخرى عن وهب: "أنّه لما أقبل الملك قدم الرجل طعامه، فجعل يضع البقول في اللقمة الكبيرة ويغمسها في الزيت، فيأكل أكلا عنيفا، فقال له الملك: كيف أنت يا فلان؟ فقال: كالناس. فردَّ الملك عنان دابته، وقال: ما في هذا من خير. فقال: الحمد لله الذي أذهبه عني، وهو لائم لي" (٢).
وذكر ابن الجوزي قصة قريبة الشبه بهذه، فقد ذكر أنَّ الوليد بن عبد الملك (٣) أراد أن يولي يزيد بن مرثد (٤)، فبلغ ذلك يزيد فما كان من يزيد إلاّ أن تظاهر بالجنون، فقد لبس فروة، فجعل الجلد على ظهره، والصوف خارجا، وأخذ بيده
стр. 446
رغيفا وعرقا (١)، وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف، فجعل يمشي في الأسواق ويأكل، فقيل للوليد: إن يزيد قد اختلط، وأخبر بما فعل فتركه (٢).
علامات القائم بالإِخلاص
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "وددت أنَّ الخلق تعلموا هذا العلم على ألا ينسب إليّ منه حرف" (٣).
وقال: "ما ناظرت أحدا قط على الغلبة، ووددت إذا ناظرت أحدا أن يظهر الحق على يديه" (٤).
وقال: "ما كلمت أحدا إلا وددت أن يسدَّد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ" (٥).
إن هذه الكلمات من هذا الإمام تدل على الإخلاص الذي كان يتحلَّى به، وتلك علامة من علامات المخلصين، أنهم لا يعملون لأنفسهم، بل مرادهم رضا ربهم، ويودون أن يكفيهم غيرهم تعليم الحقّ وإظهاره، وعندما يحاورون لا يكون غاية همهم أن يغلبوا الخصم، بل مرادهم ظهور الحق، ويتمنوا أن يظهر الله الحق على يد الذي يناظرونه.
يقول الغزالي: "وإنما تعرف حقيقة ذلك (الإخلاص) بأمر وهو أن الواعظ المقبول إن كان يعظ لله لا لطلب القبول، وقصده دعوة الخلق إلى الله، فعلامته أنه لو جلس على مكانه واعظ أحسن منه سيرة، وأغزر منه علما، وأطيب منه لهجة، وتضاعف قبول الناس له بالنسبة إلى قبوله، فرح به، وشكر الله على إسقاط هذا الفرض عنه بغيره وبمن هو أقوم به منه" (٦).
стр. 447
ومن علامات المرائي أن ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه، وإن كانت باطلا، وتغضبه الكلمة التي فيها ذمه وإن كانت حقا، وكذلك طالب المال، بخلاف المخلص فالذي يرضيه كلمة الحق له أو عليه، والذي يغضبه كلمة الباطل له أو عليه.
والمخلص لا يبالي لو خرج له كل قدر في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله ، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله.
والمخلص إذا عرض له أمران: أحدهما لله، والآخر للدنيا، آثر نصيبه من الله، لأنَّه يعلم أنَّ الدنيا تنفد، والآخرة تبقى، بخلاف المرائي. وقد ذكر وصف المرائين في بعض الكتب السابقة، يقول نوف البكالي (١) وكان ممَّن يقرأ الكتب: إنَّي لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل، قوم يختلون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، وقلوبهم قلوب الذئاب، فعليَّ يجترئون وبي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيرانا (٢).
وينسب إلى عيسى بن مريم أنَّه قال: "يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رؤوسكم والآخرة تحت أقدامكم، قولكم شفاء، وعملكم داء، مثلكم مثل شجرة الدفلى، تعجب من رآها، وتقتل من أكلها" (٣).
стр. 448
ثالثا: التعبد بقصد الاطلاع على العوالم المغيبة (١)
إذا قصد المتعبد بالعبادة تجريد النفس بالعمل، والاطلاع على عالم الأرواح، ورؤية الملائكة وخوارق العادات، ونيل الكرامات والاطلاع على غرائب العلوم والعوالم الروحانية وما أشبه ذلك- فإنه ممّا ينافي الإخلاص، ويشوب صفاءه، لأن العابد على هذا النحو جعل العبادة وسيلة، لأمور لم تقرها الشريعة الِإسلامية، علما بأنَّ هذا النوع من المقاصد لا يقوي قصد التعبد والإخلاص بل يضعفه، لأن العابد بمثل هذا القصد إذا لم يحصل له مراده ضعف عن العمل، ورمى بالعبادة وربما كذب بنتائج الأعمال التي وعد الله بها عباده المخلصين.
وقد روي أن بعض الناس سمع بالقول المأثور: "من أخلص لله أربعين صباحا، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" (٢) فتعرض لذلك لينال الحكمة فلم يفتح له بابها، فبلغت القصة بعض الفضلاء فقال: هذا أخلص للحكمة، ولم يخلص لله. ومما يدل على عدم جواز مثل هذا النوع من المقاصد أمور:
الأول: أنَّ الشارع لم يرد عنه شيء يجيز مثل هذا النوع من المقاصد، بل جاء عنه ما يدلُّ على خلاف ذلك، فإن ما غيب عن الإنسان مما لا يتعلق بالتكليف، لم يطلب بدركه، ولا حضَّ على الرسول إليه. وفي كتب التفسير أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط، ثم ينمو إلى أن يصير بدرا، ثم يصير إلى حالته الأولى؟ فنزلت: ﴿يَسْألُونَكَ عَن اْلأهِلَّةِ قُلْ هِيَ
стр. 449
مَواقيتُ للِنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بأَنْ تَأتُوا البيوتَ مِنْ ظهُورِهَا .. ﴾ (١)(٢) الآية، فجعل إتيان البيوت من ظهورها مثالا شاملا لمقتضى هذا السؤال، لأنه تطلب لما لم يؤمر بتطلبه.
الثاني: أنَّ كثيرا من العلماء يعدُّون مثل هذا القصد نوعا من الشرك يفسد الإخلاص، وقد مضى تحقيق هذه المسألة.
الثالث: أن هذا النوع من القصد إن أريد به تثبيت القلوب وزيادة طمأنينة النفوس- ففي عالم الشهادة من العجائب والغرائب القريبة المأخذ السهلة الملتمس ما يفنى الدهر وهي باقية لم يبلغ منها في الاطلاع والمعرفة إلاّ كما يأخذ الطائر من البحر إذا نقر منه نقرة. ولو نظر العاقل في أقل الآيات وأذل المخلوقات، وما أودع باريها فيها من الحكم والعجائب، لقضى العجب وانتهى إلى العجز في إدراكه، وقد حثنا الله إلى النظر والتفكر في مخلوقاته؛ قال تعالى: ﴿أَو لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكوتِ السمَوَاتِ وَاْلَأرْض وَمَا خَلَقَ الله منْ شَيءٍ﴾ (٣)، ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (٤)، ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٥). ومعلوم أنه لم يأمرهم بالنظر فيما حجب عنهم، ولم يكن لهم الاطلاع عليه عادة إلا بخارقة، فإنه إحالة على ما يندر التوصل إليه، وإذا تأملت الآيات التي ذكر فيها الملائكة وعوالم الغيب لم تجدها مما أحيل على النظر
стр. 450
فيه، ولا مأمور بتطلب الاطلاع عليها وعلى ذواتها وحقائقها، فهذه التفرقة كافية في أن ذلك غير مطلوب النظر فيه شرعا، وإذا لم يكن مطلوبا لم يحسن أن يطلب.
الرابع: أنَّ أصل هذا التطلب الخاص فلسفي، فإن الاعتناء بطلب تجريد النفس، والاطلاع على العوالم التي وراء الحس إنما نقل عن الحكماء المتقدمين والفلاسفة المتعمقين في فنون البحث من المتألهين منهم ومن غيرهم، ولذلك نجدهم يقررون بطلب هذا المعنى رياضة خاصة، لم تأت بها الشريعة المحمدية من اشتراط التغذي بالنبات دون الحيوان، أو ما يخرج من الحيوان إلى غير ذلك من شروطهم التي لم تنقل في الشريعة، ولا وجد منها في السلف الصالح عين ولا أثر، كما أنَّ ذكر التجريد والعوالم الروحانية، وما يتصل بذلك لم ينقل عن أحد منهم، وكفى بذلك حجة في أنَّه غير مطلوب.
الخامس: أنَّ طلب الِاطلاع على ما غيب عنا من الروحانيات وعجائب المغيبات، كطلب الاطلاع على ما غيب عنا من المحسوسات النائية، كالأمصار البعيدة، والبلاد القاصية، والمغيبات تحت أطباق الثرى، لأن الجميع من مصنوعات الله تعالى، فكما لا يصحّ أن يقال بجواز التعبد لله بقصد أن يطلع الكويتي على قطر وباكستان وأفغانستان .. وأقصى بلاد الصين، فكذلك لا ينبغي مثله في الاطلاع على ما ليس من قبيل المحسوسات.
السادس: لو فرض كون هذا سائغا فهو محفوف بعوارض كثيرة وقواطع معترضة، تحول بين الإنسان ومقصوده، وإنما هي ابتلاءات يبتلي الله بها عباده، لينظر كيف يعملون، فإذا وازن الإنسان بين مصلحة الحصول على هذه الأشياء وبين مفسدة ما يعترض من صاحبها، كانت جهة العوارض أرجح، فيصير طلبها مرجوحا.
ونحن اليوم نعلم مدى رحمة الله بنا إذ لم يعط آذاننا القدرة على استماع كل ما يعجُّ به الكون من أصوات، وإلا فلو كانت آذاننا قادرة على استماع ما يستقبله
стр. 451
المذياع فإن الإنسان لا بدَّ أن ينهار في ساعات قلائل، لأنه لا يستطيع أن يصبر على كلِّ هذا الضجيج والعجيج.
ولو أعطيت أبصارنا القدرة على رؤية الجن والملائكة، فهل يطلب لنا عيش؟ لقد رأى الرسول ﷺ جبريل فرجف فؤاده، وهو الشجاع القوي، الثابت القلب، وجاء لزوجه مسرعا، يقول: (دثروني دثروني)، وقد أخبر الله سبحانه أنه كتب ألا يرى البشر الملائكة إلاَّ عند حلول الساعة أو حلول العذاب: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (١).
ومن رحمة الله بنا أن حجب عنَّا أمورًا كثيرة لا نطيق لها رؤية ولا سماعًا، ولذلك فإنَّ طلبنالها من الخطأ البين الواضح.
اعتراضات
يعترض على ما أوردناه باعتراضات منها:
١ - أن هذا من طلب الولاية، وقد جاء في كتاب الله: ﴿وَاجْعَلنا لِلْمتقينَ إمَامًا﴾ (٢)، فكون العبد يريد أن يكون وليًّا لله تعالى من خواص عباده الصالحين الذين اصطفاهم واختارهم؛ لا حرج فيه.
٢ - أن هذا نوع من المعرفة والعلم، والعلم والمعرفة مطلوب، قال تعالى آمرا رسوله ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٣)، وقد طلب مثال هذا إبراهيم ﵇ من الله : ﴿رَبّ أَرِنِي كيْفَ تُحْيي الْمَوْتَى .. ﴾ (٤).
٣ - ورد عن بعض السلف مثل هذا، فقد سئل بعضهم عن دواء الحفظ، فقال:
стр. 452
ترك المعاصي. ومن مشهور القواعد أن الطاعة تعين على الطاعة، وأن الخير لا يأتي إلا بالخير، كما أن الشرّ لا يأتي إلاّ بالشرّ، ولا ريب أنّه يباح للإِنسان أن يفعل الخير ليتوصل به إلى الخير، والموضوع الذي نبحثه هنا من هذا الباب.
فالجواب عن هذه من وجوه:
الأول: أنَّ طلب الولاية الصالحة بين الله طريقها، وإنما تكون بالإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (١). وفي الحديث القدسي: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)، ثم بين طريق نيل الولاية: (وما تقرب إلي عبدي بأحب إليَّ ممَّا افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتّى أحبه) (٢).
الثاني: أن العلم المطلوب هو ما كان وسيلة إلى العمل، وكلّ ما كان كذلك فقد أخبرنا الله به، وعلّمنا إياه، فالعلم الذي نحتاج إليه مسطر في كتاب الله، وفي نصوص أحاديث الرسول ﷺ وطلبه يكون من هذين المصدرين، أمّا طلب هذه الأمور التي هي موضوع البحث فليس من العلم الذي نحتاج إليه في أعمالنا.
الثالث: أن طلب إبراهيم ﵇ ليس من باب التوصل بالعبادة إلى نيل هذه الأمور، بل هو من باب الدعاء، وباب الدعاء مفتوح، إلا أنّ طلب مثل هذه الأمور بالدعاء غير مرغوب فيه، ولم يكن من هدي نبينا محمد ﷺ .
الرابع: ليس الموضوع الذي نحن فيه من نوع طلب الخير للخير، فإن قاصد الاطلاع على العوالم الروحية قاصد لطلب حظ شهواني بالطاعة التي شرعت
стр. 453
للتقرب بها إلى الله تعالى.
أمّا الخير الموصل إلى الخير فهو كالصلاة والصبر إذا قصد بهما الاستعانة عليه الطاعة: ﴿وَاستعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (١)، وترك الشر فيه معونة على الطاعة، فإن العبد يحرم الخير بالذنب يصيبه، ومن ذلك حرمانه نور العلم والهداية بما يأتيه من المعاصي، فإذا ترك ذلك كان عونا على تحصيل العلم وفهمه وحفظه.
الخامس: نحن لا ننكر أنَّ الله قد يتفضل على بعض عباده بشيء من الكرامة وإطلاعه على بعض ما يخفي على عامة الناس، ويكون ذلك على جهة التكريم، أو لأجل مصلحة ظاهرة من دفع العدو، أو إعانة على خير. والذي نعرفه من هذا أنه يحصل من غير طلب، أو من غير تطلع إليه، كما حدث لعمر بن الخطاب ﵁ عندما رأى عدوا يريد ضرب المسلمين من خلفهم، فصاح من على منبر الرسول ﷺ يا سارية الجبل، فأسمع المسلمين في في بلاد فارس.
وقد يحدث في حال الاضطرار الشديد، كأن يكون العبد خائفا أو جائعا، فييسر الله له الطعام والشراب من حيث لا يحتسب، وقد يعطي الله ذلك عبدا لحكمة يعلمها كما حديث مع مريم ابنة عمران.
وإنما الذي ننكره أن يعبد المسلم بهذا القصد وبهذه النية.
стр. 454
رابعا: الهروب من العبادة
القصد من العبادة هو الخضوع لله وحده بإخلاص التوجه إليه والانتصاب على قدم الذلة والصغار بين يديه، وتذكير النفس بالذكر له، والعادات حق خالص لله دون سواه، والواجبات المفروضة من العبادات ليس للمكلف خيار في إسقاطها عن نفسه.
وبعض الناس يتوجه قصده ونيته إلى الهروب من العبادة بنوع من أنواع الخداع والتحايل، بحيث يكون عمله في ظاهر الأمر مشروعا لا مؤاخذة عليه، وهو يقصد في باطنه التهرب من العبادة وإسقاطها تكاسلا عن الفعل، وضنًا بالجهد والمال، وطلبا للراحة، واتباعا للهوى.
وقد ضرب العلماء أمثلة كثيرة لهذا النوع، ومن أمثلته أن يدخل وقت الصلاة عليه في الحضر، فيشرب الخمر، أو يشرب دواء يفقده عقله مدة من الزمان، أو يرمي نفسه من شاهق، أو يحدث سفرا، كل ذلك ليسقط الصلاة عنه كليَّا أو جزئيَّا بالصلاة من قعود، أو بالقصر في السفر.
ومثلوا له بالذي يظله شهر رمضان فيحدث سفرا ليأكل ولا يصوم أو يريد أن يجامع زوجه في رمضان فيأكل أولا، ثم يجامع كي يسقط الكفارة.
ويدخل في هذا الباب من قصد الفرار من وجوب الزكاة بهبة العالم أو إتلافه، أو جمع متفرقه، أو تفريق مجتمعه، أو بيع المال قبل الحول.
وكل هذا من المقاصد الخبيثة، والأدلة على ذلك كثيرة منها:
١ - أن العبادات الواجبة حق لله تعالي، لا يجوز للعبد أن يتسبب في إسقاطها بحال من الأحوال، ومن فعل ذلك فإن العبادة تبقى في ذمته.
٢ - العبادات شرعت للتقرب بها إلى الله تعالى، ولمصالح تعود على العباد في دنياهم وأخراهم، وهذه المصالح بينها الله في كتابه وبينها رسوله ﷺ في سنته، واستنبطها العلماء من النصوص، فمن رام مصالح غير معتبرة شرعا فإن قصده مخالف لمقصود الشارع من وضع العبادة.
فالزكاة -مثلا- وضعت كي يتقرب العباد بها إلى ربهم، فيحصلون على رضوانه
стр. 455
في الدنيا والآخرة، وشرعت لتزكية النفس، ورفع رذيلة الشح، وفي إخراجها مصلحة للفقير يسد حاجته، وإحياء للنفوس المعرضة للتلف، فمن وهب ماله في آخر الحول هروبا من وجوب الزكاة عليه، ثم إذا كان في حول آخر أو قبل ذلك استوهبه، فهذا العمل تقوية لوصف الشحِّ وإمداد له، ورفع لمصلحة إرفاق المساكين، فمعلوم أن صورة الهبة ليست هي الهبة التي ندب إليها الشرع، لأن الهبة إرفاق وإحسان للموهوب له، وتوسيع عليه غنيا كان أو فقيرا، وجلب لمودته ومؤالفته، وهذه الهبة على الضد من ذلك، ولو كانت على المشروع من التمليك الحقيقي لكان ذلك موافقا لمصلحة الإرفاق والتوسعة، ورفعا لرذيلة الشحّ، فلم يكن هروبا عن أداء الزكاة، فتأمل كيف كان القصد المشروع في العمل لا يهدم قصدا شرعيا، والقصد غير الشرعي هادم للقصد الشرعي.
٣ - هذا الذي هو موضوع البحث نوع من أنواع التحايل المحرم (١)، وقد ذمّ الله
стр. 456
أهله، وجاءت النصوص بلعن أمثالهم، وتوعدت من فعل مثل هذا بالعقوبة الدنيوية والأخروية.
فمن ذلك لعن الله اليهود الذين اعتدوا في السبت بالصيد فيه بنوع من أنواع التحايل، وقد ذكرهم الله في أكثر من سورة، ففي سورة النساء قال: ﴿أو نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السبت وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاَ﴾ (١). وفي سورة البقرة قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتمُ الِّذِينَ أعْتَدَوْا منْكُمْ فِي السبت فَقلْنا لَهُمْ كونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (٢)، وفي سورة الأعراف أطال في شرح قصتهم فقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٣).
ذكر ابن كثير عن ابن عباس وغيره من أئمة التفسير "أنَّ أصحاب تلك المدينة احتالوا على الصيد في يوم السبت، بأن نصبوا الحبال والشباك والشصوص، وحفروا الحفر التي يجرى معها الماء إلى مصانع قد أعدوها، إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها، فعلوا ذلك في يوم الجمعة، فإذا جاءت الحيتان مسترسلة في يوم السبت علقت بهذه المصايد، فإذا خرج سبتهم أخذوها فغضب الله عليهم، ولعنهم، لما احتالوا على خلاف أمره، وانتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظافرة للناظر، وهي في الباطن مخالفة محضة ... " (٤).
стр. 457
وفعل اليهود أمرًا قريبًا من هذا أيضًا، فقد حرّم الله عليهم الشحوم، فتأوّلوا ذلك تأولات فاسدة، فزعموا أن المحرّم أكله وأن المحرم منه الجامد دون المذاب، فأذابوه وباعوه، وأكلوا ثمنه، وقالوا: ما أكلنا الشحم، روى ابن عباس قال: "بلغ عمر ﵁ أن فلانا باع خمرا، فقال: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها (١) فباعوها (٢)؟! ".
وقد حذر الرسول ﷺ أمته من سلوك الطريق الذي سلكته يهود فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (٣).
وحدثنا الله في سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٤) بالعذاب الذي أحلَّه بأهل الجنة، الذين أرادوا أن يحتالوا في منع المساكين من أخذ شيء من الثمر، وقد كان أبوهم الصالح يجذّ الثمر ويصرمه في النهار، فيأتي المساكين، فينالون شيئًا من الثمار، فاحتالوا على منع المساكين بأن اتفقوا على أن يجذوها في الصباح الباكر، فأرسل الله على جنتهم طائفا، وهم نائمون، فأصبحت كالصريم.
وقد احتجَّ البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه بأحاديث كثيرة على إبطال الحيل منها:
حديث عمر بن الخطاب أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يا أيّها الناس، إنّما الأعمال بالنية، وإنّما لامرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها،
стр. 458
فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١).
وهذا الحديث قال فيه القرافي: "فيه حجة لمالك ومن وافقه في إسقاط الحيل، كمن باع ماله قبل الحول فرارا من وجوب الزكاة، وإنما يخادع بالنيات من لا يطلع عليها، وقد نقل النسفي في الكافي عن محمد بن الحسن قال: ليس من أخلاق المسلمين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق" (٢).
ومن الأحاديث التي أوردها البخاري محتجا بها على إبطال الحيل: حديث أنس أن أبا بكر كتب له فريضة الزكاة التي فرض رسول الله ﷺ : "ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" (٣).
стр. 459
الأمر الضابط لمقاصد المكلفين
وقبل أن ننهي الكلام في هذا الموضوع أحب أن يكون عندنا ضابط نستطيع به أن نتعرف على المصالح التي يجوز للمكلف قصدها من وراء الأمور التي يتعبد بها، والمصالح التي لا يجوز له قصدها.
الضابط الذي ارتضاه الشاطبي هو أن ينظر العبد في مقاصد الشارع ويجعل المكلف قصده محكوما بمقاصد الشارع، فالمقاصد الموافقة لقصد الشارع مقاصد صحيحة، والمقاصد المخالفة لمقاصد الشارع من التكالف غير صحيحة.
يقول الشاطبي في هذا: "الشريعة موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وألا يقصد خلاف ما قصده الشارع" (١)، وعلَّل مذهبه بقوله: "لأنَّ المكلّف خلق لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة، هذا محصول العبادة، فينال بذلك الجزاء في الدنيا والآخرة" (٢).
واستدلَّ على ما ذهب إليها "بأنَّ الشارع قصد المحافظة على الضروريات، وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينات، وهو عين ما كلف به العبد فلا بدَّ أن يكون مطلوبا بالقصد إلى ذلك وإلا لم يكن عاملا على المحافظة لأن الأعمال بالنيات".
وانتهى إلى القول بأن الإنسان خليفة الله في إقامة هذه المصالح بحسب طاقته ومقدار وسعه. والمطلوب منه أن يكون قائما مقام من استخلفه يجري في أحكامه
стр. 460
ومقاصده مجاريها (١).
ونرى أن هذا الضابط مع جودته يحسن أن يعدل بحيث يصبح على النحو التالي: يقصد المكلف من عمله بالتكاليف الشرعية المقاصد التي وجه الله عباده إليها وارتضاها لهم، فالله يشرع لعباده الأعمال التي تضمنها دينه، وبين لهم المقاصد التي ينبغي أن يتوجهوا إليها ولعلنا لسنا بمغالين إذا قلنا: إنَّ عناية الإِسلام بإيضاح المقاصد أعظم من عنايته بإيضاح الأعمال.
والضابط الذي ارتضيناه سهل ميسور، يستطيع الناس إدراكه بيسر وسهولة، بينما الضابط الذي قرره الشاطبي لا يستطيع تبينه إلاّ الراسخون في العلم، والشريعة -كما يقرر الشاطبي نفسه- شريعة عامة جاءت للناس كلِّهم، وهي تراعي القدر المشترك بينهم.
ونستطيع أن نقول: إن تعديل هذا الضابط يخلصنا من إشكالات ترد على الضابط الذي وضعه الشاطبي، فالشارع قد يقصد من التكاليف أمورا، ولا يريد من المكلف قصدها، فالشارع قصد من تكليف العباد اختبارهم وابتلاءهم، ولم يكلفنا بأن نقصد ذلك، وقد بحث الشاطبي في أنَّ أمر الشارع بالأسباب لا يعني أمرهم بالمسببات، مع تقريره بأن المسببات مقصودة للشارع من تشريعه الأسباب (٢).
ولو نهج هذا النهج ما احتاج إلى تلك الصفحات الطويلة التي أوضح فيها المسألة وبينها.
ولو جارينا الشاطبي فيما ذهب إليه في مباحثه فإننا نرى الأوفق بنا في مبحثنا هذا أن نعدل عن مجاراته، لأن الأوفق بمن ينظر إلى المقاصد من الجانب التعبدي المقرب إلى الله، سواء في العبادات أو في الأمور العادية التي