← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 97808

مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (511 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أهله، وجاءت النصوص بلعن أمثالهم، وتوعدت من فعل مثل هذا بالعقوبة الدنيوية والأخروية. فمن ذلك لعن الله اليهود الذين اعتدوا في السبت بالصيد فيه بنوع من أنواع التحايل، وقد ذكرهم الله في أكثر من سورة، ففي سورة النساء قال: ﴿أو نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السبت وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاَ﴾ (١). وفي سورة البقرة قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتمُ الِّذِينَ أعْتَدَوْا منْكُمْ فِي السبت فَقلْنا لَهُمْ كونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (٢)، وفي سورة الأعراف أطال في شرح قصتهم فقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٣). ذكر ابن كثير عن ابن عباس وغيره من أئمة التفسير "أنَّ أصحاب تلك المدينة احتالوا على الصيد في يوم السبت، بأن نصبوا الحبال والشباك والشصوص، وحفروا الحفر التي يجرى معها الماء إلى مصانع قد أعدوها، إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها، فعلوا ذلك في يوم الجمعة، فإذا جاءت الحيتان مسترسلة في يوم السبت علقت بهذه المصايد، فإذا خرج سبتهم أخذوها فغضب الله عليهم، ولعنهم، لما احتالوا على خلاف أمره، وانتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظافرة للناظر، وهي في الباطن مخالفة محضة ... " (٤).

стр. 457

وفعل اليهود أمرًا قريبًا من هذا أيضًا، فقد حرّم الله عليهم الشحوم، فتأوّلوا ذلك تأولات فاسدة، فزعموا أن المحرّم أكله وأن المحرم منه الجامد دون المذاب، فأذابوه وباعوه، وأكلوا ثمنه، وقالوا: ما أكلنا الشحم، روى ابن عباس قال: "بلغ عمر ﵁ أن فلانا باع خمرا، فقال: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها (١) فباعوها (٢)؟! ". وقد حذر الرسول ﷺ أمته من سلوك الطريق الذي سلكته يهود فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (٣). وحدثنا الله في سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٤) بالعذاب الذي أحلَّه بأهل الجنة، الذين أرادوا أن يحتالوا في منع المساكين من أخذ شيء من الثمر، وقد كان أبوهم الصالح يجذّ الثمر ويصرمه في النهار، فيأتي المساكين، فينالون شيئًا من الثمار، فاحتالوا على منع المساكين بأن اتفقوا على أن يجذوها في الصباح الباكر، فأرسل الله على جنتهم طائفا، وهم نائمون، فأصبحت كالصريم. وقد احتجَّ البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه بأحاديث كثيرة على إبطال الحيل منها: حديث عمر بن الخطاب أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يا أيّها الناس، إنّما الأعمال بالنية، وإنّما لامرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها،

стр. 458

فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١). وهذا الحديث قال فيه القرافي: "فيه حجة لمالك ومن وافقه في إسقاط الحيل، كمن باع ماله قبل الحول فرارا من وجوب الزكاة، وإنما يخادع بالنيات من لا يطلع عليها، وقد نقل النسفي في الكافي عن محمد بن الحسن قال: ليس من أخلاق المسلمين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق" (٢). ومن الأحاديث التي أوردها البخاري محتجا بها على إبطال الحيل: حديث أنس أن أبا بكر كتب له فريضة الزكاة التي فرض رسول الله ﷺ : "ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" (٣).

стр. 459

الأمر الضابط لمقاصد المكلفين وقبل أن ننهي الكلام في هذا الموضوع أحب أن يكون عندنا ضابط نستطيع به أن نتعرف على المصالح التي يجوز للمكلف قصدها من وراء الأمور التي يتعبد بها، والمصالح التي لا يجوز له قصدها. الضابط الذي ارتضاه الشاطبي هو أن ينظر العبد في مقاصد الشارع ويجعل المكلف قصده محكوما بمقاصد الشارع، فالمقاصد الموافقة لقصد الشارع مقاصد صحيحة، والمقاصد المخالفة لمقاصد الشارع من التكالف غير صحيحة. يقول الشاطبي في هذا: "الشريعة موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وألا يقصد خلاف ما قصده الشارع" (١)، وعلَّل مذهبه بقوله: "لأنَّ المكلّف خلق لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة، هذا محصول العبادة، فينال بذلك الجزاء في الدنيا والآخرة" (٢). واستدلَّ على ما ذهب إليها "بأنَّ الشارع قصد المحافظة على الضروريات، وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينات، وهو عين ما كلف به العبد فلا بدَّ أن يكون مطلوبا بالقصد إلى ذلك وإلا لم يكن عاملا على المحافظة لأن الأعمال بالنيات". وانتهى إلى القول بأن الإنسان خليفة الله في إقامة هذه المصالح بحسب طاقته ومقدار وسعه. والمطلوب منه أن يكون قائما مقام من استخلفه يجري في أحكامه

стр. 460

ومقاصده مجاريها (١). ونرى أن هذا الضابط مع جودته يحسن أن يعدل بحيث يصبح على النحو التالي: يقصد المكلف من عمله بالتكاليف الشرعية المقاصد التي وجه الله عباده إليها وارتضاها لهم، فالله يشرع لعباده الأعمال التي تضمنها دينه، وبين لهم المقاصد التي ينبغي أن يتوجهوا إليها ولعلنا لسنا بمغالين إذا قلنا: إنَّ عناية الإِسلام بإيضاح المقاصد أعظم من عنايته بإيضاح الأعمال. والضابط الذي ارتضيناه سهل ميسور، يستطيع الناس إدراكه بيسر وسهولة، بينما الضابط الذي قرره الشاطبي لا يستطيع تبينه إلاّ الراسخون في العلم، والشريعة -كما يقرر الشاطبي نفسه- شريعة عامة جاءت للناس كلِّهم، وهي تراعي القدر المشترك بينهم. ونستطيع أن نقول: إن تعديل هذا الضابط يخلصنا من إشكالات ترد على الضابط الذي وضعه الشاطبي، فالشارع قد يقصد من التكاليف أمورا، ولا يريد من المكلف قصدها، فالشارع قصد من تكليف العباد اختبارهم وابتلاءهم، ولم يكلفنا بأن نقصد ذلك، وقد بحث الشاطبي في أنَّ أمر الشارع بالأسباب لا يعني أمرهم بالمسببات، مع تقريره بأن المسببات مقصودة للشارع من تشريعه الأسباب (٢). ولو نهج هذا النهج ما احتاج إلى تلك الصفحات الطويلة التي أوضح فيها المسألة وبينها. ولو جارينا الشاطبي فيما ذهب إليه في مباحثه فإننا نرى الأوفق بنا في مبحثنا هذا أن نعدل عن مجاراته، لأن الأوفق بمن ينظر إلى المقاصد من الجانب التعبدي المقرب إلى الله، سواء في العبادات أو في الأمور العادية التي

стр. 461

يقصد التقرب بها - أن يقصد تلك الغاية المنصوبة للعامل بدون نظر إلى المصالح التي تضمنتها العبادة، وهذا أمر ارتضاه الشاطبي وأطال التدليل عليه، فالنظر دائما إلى العمل ابتغاء مرضاة الله وطلبا لثوابه، أقرب إلى الإخلاص من ذلك الذي ينظر إلى المصالح التي تتضمنها التكاليف والعمل على وفقها.

стр. 462

الفصل الرابع تأثيرُ القَصْد في الأفعال

стр. 463

تأثير القصد في الأفعال سنحاول أن نبين في هذا الفصل مدى تأثير القصد في المباحات والمحرمات والعبادات. تأثير النيّة في المباحات الأمور المباحة (١) ليست بقربات في نفسها، فالوقوف والجلوس والسير والأكل والشرب والنوم ... ونحو ذلك، من المباح، وهي ليست من العبادات التي شرعها الله للتقرب بها. وقد اختلف العلماء في الأمور المباحة، هل يمكن أن تتحول بالنية الصالحة إلى قربة وطاعة يثاب فاعلها؟ ذهب فريق من العلماء إلى أن: "المباح لا يتقرب به إلى الله تعالى، فلا معنى للنية فيه" (٢). ويقول الخطاب في هذا: "الشريعة كلها إما مطلوب أو مباح، والمباح لا يتقرب به إلى الله تعالى فلا معنى للنية فيه" (٣). واحتج علماء المالكية بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (٤)، على أن الفعل بنية العبادة لا يكون إلاّ في المندوبات خاصة دون

стр. 464

المباح، ودون المنهي .. عنه (١). وردد القرطبي في تفسيره ما ذكره ابن العربي عند تفسير القرطبي للآية السابقة، فقال: "ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب" (٢)، وقد شعر القرطبي أن بعض الأفعال قد تشكل على بعض الناس هل يجوز التقرب بها أم لا، ولذلك نقل لنا ضابطا عن ابن حويز منداد (٣)، لتوضيح هذه المسألة. قال: "إذا أشكل ما هو بر وقربة بما ليس هو بر وقربة فينظر إلى ذلك العمل: فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون قربة، وكان لم يكن فليس ببر ولا قربة، قال: جاءت الآثار عن النبي ﷺ ". وذكر حديث ابن عباس قال: "بينما رسول الله ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. قال النبي ﷺ : "مروه، فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه" (٤)، فأبطل النبي ﷺ ما كان غير قربة مما لا أصل له في الشريعة الِإسلامية، وصحّح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والفتن" (٥). ومما يؤيد هذا أنَّ الشافعي -رحمه الله تعالى- ذهب إلى عدم وجوب الوفاء بنذر مباح، وهو ما علق بشرط رغبة، كقوله إن قدم غائبي فعلي صدقة، أو علق بشرط رهبة كقوله: إن كفاني الله شر كذا فعليّ صدقة".

стр. 465

وعلَّل أصحاب الشافعي عدم اللزوم: بأن النذر إنما يكون بما القصد منه القربة مما هو من جنس القربة، وهذا وإن كان جنس القربة لكنه لم يقصد به قربة، وإنما قصد منع نفسه عن فعل أو إقدام على فعل (١). وذهب فريق آخر من العلماء إلى أن النية الخيرة تحول المباح إلى قربة يؤجر صاحبها. يقول ابن الحاج (٢) في المدخل: "المباح ينتقل بالنية إلى الندب، وإن استطعنا أن ننوي بالفعل نية أداء الواجب كان أفضل من نية الندب، للحديث: "وما تقرب إليَّ عبدي بأحبَّ إلي مما افترضته عليه" (٣)، (٤). وذكر ابن القيم أنَّ خواص المقربين هم الذين "انقلبت المباحات في حقهم إلى طاعات وقربات بالنية، فليس في حقهم مباح متساوي الطرفين، بل كل أعمالهم راجحة" (٥). التوفيق بين الرأيين: قد يبدو أنَّ هناك تناقضا بين ما ذهب إليه هذان الفريقان إلاّ أنَّ الناظر المتعمق في البحث يرى أن الذي نفاه الفريق الأول ليس هو الذي أثبتة الفريق الثاني. الفريق الأول ينكر أن تكون المباحات عبادات وقربات في صورتها، وهذا حق لا يجوز أن يخالف فيه أحد، ومن ظَنَّ أنّه يعبد الله بالمشي والوقوف واللباس الأسود أو الأخضر، أو ببناء الدور والعمارات للسكنى فهو مخطىء، لأن هذه ليست عبادات في ذاتها.

стр. 466

ويجب أن نحمل مثل قول الحارث المحاسبي: "النية فيما ليس فيه ثواب لا تحضر، ولا نية في ذلك، ومن أراد الله في ذلك فمغرور غالط، كالرجل بنى البنيان الفاخر يريد بذلك -زعم- الله، ويأكل الأطعمة الطيبة ويتكلفها لغير ضعف وجده به ولا قوة على طاعة الله لا يقوى على تلك الطاعة إلاّ بها، فلا يجوز النية في ذلك" (١)، يجب أن نحمله على ذلك. والذين أرادوا أن يعبدوا الله بأمثال هذه الأمور تعبوا وأتعبوا، لأنَّ استحضار النية في هذا متعسر، وقد ذكر كثير من المؤلفين (في السلوك) أنَّه: "ينبغي للمريد أن تكون له في كل شيء نية لله تعالى، حتى في أكله وشربه وملبوسه، فلا يلبس إلا لله، ولا يأكل إلَّا لله، ولا يشرب إلاّ لله، ولا ينام إلاّ لله .... " (٢). وذكروا عن بعض العباد أنَّه كان ينوي عند كل لقمة، ويقول بلسانه: آكل هذه اللقمة لله تعالى (٣). ويذكرون عن آخر أنَّه نادى امرأته فقال: هاتي المدري ليفرق شعره، فقالت له امرأته: أجيء بالمدري والمرآة؟ فسكت، ثم قال: نعم. فقال له من سمعه: سكت، وتوقفت عن المرآة، ثم قلت: نعم؟ فيقال: إنَّي قلت لها: هاتي المدري بنية، فلما قالت: المرآة، لم تكن لي في المرآة نية، فتوقفت، حتى هيّأ الله لي نِية، فقلت نعم (٤). وانظر إلى الحالة التي وصل إليها الذين اتجهوا هذا الاتجاه الخاطىء، فقد ذكروا عن أحد الصالحين أنه لبس القميص مقلوبا، ولم يعلم بذلك، حتى ارتفع النهار، ونبهه على ذلك بعض الناس، فهمّ أن يخلع ويغير، ثم أمسك، وقال: لبسته بنية لله، فلا أغيره فألبسه بنية الناس (٥).

стр. 467

إن العلماء الأعلام من أصحاب الفريق الأول كان مرادهم أن المباحات لا يقصد التقرب بذواتها كما يتقرب بالصلاة وقراءة القرآن والزكاة. أما القائلون بأنَّ المباح يتقرب به فمرادهم مخالف لمراد الأولين. وهم يفهمون ذلك بصورة أو أكثر من الصور التالية: ١ - المباح وسيلة للعبادات: يرى بعضهم أن يقصد المسلم جعل المباح وسيلة للعبادات المشروعة، يقول ابن تيمية: "ينبغي ألّا يفعل من المباحات إلا ما يستعين به على الطاعة، ويقصد الاستعانة بها على الطاعة" (١). ويقول ابن الشاط: "إذا قصد بالمباحات التقوي على الطاعات، أو التوصل إليها كانت عبادة؛ كالأكل والنوم واكتساب المال ... " (٢). فالمسلم إذا قصد بنومه وأكله وشربه أن يتقوى بها على طاعة الله، كي يتمكن من قيام الليل والجهاد في سبيل الله، فهذا مثاب على هذه الأعمال بهذه النية (٣). وقد صحَّ عن الرسول ﷺ أنه قال لسعد بن أبي وقاص: "إنَّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلاّ أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك" (٤). قال النووي ﵀ معلقًا على الحديث: "وضع اللقمة في في الزوجة يقع غالبًا في حال المداعبة، ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر، ومع ذلك إذا وجه القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله" (٥). وقال صاحب دليل الفالحين: "وفيه أن الإنفاق على العيال يثاب عليه إذا قصد وجه الله -تعالى- به، وفيه أنَّ المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة، ويثاب عليه،

стр. 468

إذ وضع اللقمة في فم امرأته إنّما يكون في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع ذلك فقد أخبر الشارع بأن ذلك يؤجر عليه بالقصد الجميل فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا قصد به وجه الله. ويؤخذ من ذلك: أنَّ الإِنسان إذا فعل مباحا من أكل أو شرب وقصد به وجه الله كالاستعانة بذلك على الطاعة وبالنوم على قيام الليل يثاب عليه" (١). وأوضح من هذا الحديث قوله ﷺ : "ما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة، وما أطعمت نفسك فهو لك صدقة" (٢). ويقول السيوطي: "ومن أحسن ما استدلوا به على أنَّ العبد ينال أجرا بالنية الصالحة في المباحات والعادات قوله ﷺ : "ولكل امرىء ما نوى" فهذه يثاب فاعلها إذا قصد بها التقرب إلى الله، فإن لم يقصد ذلك فلا ثواب له ... " (٣). ٢ - الأخذ بالمباح على أنه تشريع إلهي: المسلم الملتزم بالدّين الإسلامي يجري تحت قانون متكامل من التكاليف الشرعية في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته، فلا يكون كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها، بل يلجم نفسه دائما بلجام الشرع، ويسوسها به، فإذا نظر إلى المباح هذه النظرة بأن يأتيه معتقدا أنَّ الله أباحه، فالذي يأتي زوجته -مثلا- يقصد أن يعدل عما حرمه الله تعالى إلى ما أباحه، والله يحب أن يؤتى ما أباح لعباده وما رخص لهم به، ويبغض التشدد والترهبن بتحريم الطيبات، ومما يشهد لهذا قوله ﷺ :

стр. 469

"وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أليس كان يكون عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال له أجر" (١). ٣ - المباح بالجزء مطلوب بالكل على جهة الندب أو الوجوب (٢): قد يكون الأمر مباحا بالجزء ولكنه مطلوب بالكلّ، فالعبد إذا جاز له أن يترك الطعام والشراب، ويجهد نفسه في بعض الأحيان، إلا أنّه لا يجوز له أن يتمادى في ذلك حتى يهلك نفسه بسبب ذلك، ولذلك أوجب جماهير العلماء على المضطر أن يأكل من الميتة، وعدّوه مستوجبا للوعيد إذا هو امتنع عن الأكل حتى هلك. وكذلك هو مأمور بالوطء عند حاجته إليه، ومأمور بنفس عقد الزواج إذا احتاج إليه وقدر عليه. ولو قدر أن امتنع الناس عن الزواج والمتاجرة والصناعة فإنَّهم يعدون آثمين، فإذا تصرف المكلف بالمباح في ضوء هذا الفهم فإنّه يكون مثابا مأجورا إن شاء الله تعالى. استحضار النية عند المباح: الأفعال والأقوال المباحة كثيرة جدّا، وإذا لم يقصد بها العبد النية الخيّرة، فإنها لن تعود علينا بالنفع الأخروي، فإذا أحسن المكلف القصد والتوجه حين القيام بها فإنَّ هذه الأعمال من المطعم والمشرب والنوم والمتاجرة والصناعة تصبح ثروات عظيمة تنفعنا عندما نقدم على ربنا في يوم القيامة. لذلك حث العلماء ورغبوا في "استحضار النية عند المباحات والعاديات،

стр. 470

ليثاب عليها ثواب العبادات مع أنَّه لا مشقة عليا في القيام بها، بل هي مألوفة لنفسه مستلذة، وهذا من عظيم سعة رحمة الله، وكبير منته، أن أباح لعباده الطيبات التي يشتهيها، ثم مع ذلك يثيبه عليها بحسن نيته (١). وقد وضَّح لنا أهل العلم كيف تكون نياتنا في المباح، فقد ذكر الغزالي ما يمكن أن ينوي بالطِّيب، فمن الممكن أن ينوي به اتباع سنة رسول الله ﷺ في يوم الجمعة، وينوي بذلك أيضا تعظيم المسجد عند مجاورته بروائحه، وأن يقصد به رفع الروائح الكريهة عن نفسه التي تؤدي إلى إيذاء مخالطيه، وأن يقصد حسم باب الغيبة عن المغتابين إذا اغتابوه بالروائح الكريهة، فيعصون الله بسببه (٢).

стр. 471

تأثير النيّة في الأفعال المحرّمة الذين يقصدون التقرب بالحرام ثلاث فرق: الفرقة الأولى: عدَّت بعض الذنوب والمعاصي قربات، كالذين يستحبّون النظر في وجوه الحسان والمردان، ويزعمون أنَّ مثل هذا النظر مأمور به شرعا، وأنّه قربة يتقربون بها إلى الله تعالى (١). وقد جاؤوا بنوعين من الشبه: الأولى: نقول صحيحة لا حجة لهم فيها كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢)، قالوا: هذا يعمّ جميع ما خلق الله، فما الذي أخرج من عمومه الوجه المليح؟ وهو من أحسن ما خلق الله، وموضع الاستدلال به والاعتبار أقوى. وهؤلاء حمَّلوا هذه الآية معنى غير مراد لله تعالى، فالنظر الذي أمرنا به هو النظر المؤدّي إلى معرفته، والإيمان به، ومحبته، والاستدلال على صدق رسله فيما أخبروا عنه من أسمائه وصفاته وأفعاله وعقابه وثوابه، أما النظر إلى الحسان من النساء والولدان الذي يعلق الناظر بصورة المنظور فهذا منهي عنه، والآية التي احتجّوا بها مخصوصة بمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمؤْمنينَ يغضوا مِنْ أبْصَارِهِم﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "فزنى العينين النظر" (٤).

стр. 472

ومِمَّا احتجّوا به أمره ﷺ للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، وهذا الاستدلال أوهى من استدلالهم بالآيات السابقة فهذا المأمور به هنا لم يقصد به التفكر والاعتبار، وإنَّما يقصد التعرف على من يريد الزواج منها، كي يعلم مدى رضاه عنها ورغبته فيها، وهذا شيء آخر غير الذي زعموه، لأن هذا ليس من المحرمات. والشبهة الثانية: نقول كاذبة نسبوها إلى الرسول ﷺ وإلى أئمة الهدى وهم منها براء. كالحديث الموضوع الذي احتجّوا به في هذا "النظر إلى الوجه المليح عبادة" (١) والحديث الآخر "اطلبوا الخير عند حسان الوجوه" (٢). ونقلوا عن أئمة الهدى أمثال الشافعي ومالك وسفيان بن عيينة وغيرهم نقولا زعموا فيها أنهم أقروا مثل هذا، وهي نقول مكذوبة ملفقة لا تصح عنهم (٣). وقد بلغ الأمر ببعض هؤلاء أن يغلفوا الأفعال المحرمة بغلاف الصلاح والعبادة، فيزعمون أنَّ حبهم للأمرد والمرأة الأجنبية لله تعالى، لا للفاحشة، ويزعمون أن التعاون على الفاحشة تعاون على الخير والبر فيسعى هؤلاء المفتونون في أن يجلب أحدهم المعشوق لعاشقه، ويعدّ ذلك في حسناته، لأنَّه فرّج كرب العشق عن المعشوق و"من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" (٤) (٥)!!

стр. 473

ومما يظنه بعض الناس قربة الغناء الذي يسمونه السماع، يقول ابن الجوزي: "وقد ادعى قوم أن هذا السماع قربة إلى الله ". ونقل عن بعضهم أنَّه يزعم "أن رحمة الله تتنزل عند السماع، ونقل عن ابن عقيل قوله: قد سمعنا من بعض العباد أن الدعاء عند حدوّ الحادي وعند حضور المخدّة (١) مجاب، وذلك أنَّهم يعتمدون أنه قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، قال: وهذا كفر، لأنّ من اعتقد الحرام أو المكروه قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا، قال: والنّاس بن تحريمه وكراهيته" (٢). الفرقة الثانية: لم تعد الحرام في ذاته قربة، بل جعلت الحرام وسيلة إلى الأمور التي يتقرب بها، وظنوا أن هذا يشفع لهم في ارتكاب المحذورات، فمن هؤلاء من يطلب المال بالطرق الحرام كالربا والظلم والخيانة والرشوة والتجارة فيما لا يحل كالمتاجرة بالخنزير والخمر وصناعة الأشياء التي تكره، كعمل الآنية من الذهب والفضة لمن يأكل فيها أو يشرب فيها، ويزعم هؤلاء أنهم "يريدون بأعمالهم هذه التطوع ويحتجون على ذلك بأنهم يعيلون عيالا صغارا، وقرابة مساكين، وبأنَّهم يوجهون ذلك في سبيل الله " (٣). يقول الغزالي ﵀ في هذا الموضوع: "المعاصي لا تتغير عن موضعها بالنية، فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيّات"، فيظنُّ أنَّ المعصية تنقلب طاعة. ومثل لهذا بالذي "يغتاب إنسانا مراعاة لقلب غيره، أو يطعم فقيرا مال غيره، أو يبني مدرسة أو مسجدا، أو رباطا بمال حرام، وقصده الخير" (٤).

стр. 474

وعقب على هذا قائلا: "فهذا كله جهل، والنيّة لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلما وعدوانا ومعصية، بل قصده الخير بالشر -على خلاف مقتضى الشرع- شر آخر، فإن عرفه فهو معاند للشرع، وإن جهله فهو عاص بجهله، إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم" (١). الفرقة الثالثة: هم الذين يظنّون أن: من الحرام ما يصبح قربة في حق طائفة معينة أو فرد معين. وقد تكلم العز بن عبد السلام عن طائفة من الناس يرون أنَّ المعصية الصغيرة مباحة للوليّ، ويزعمون أنَّ الله أحلّ له ما لم يحل لغيره، قال: "وأشرّ من هؤلاء من يعتقد أن ذلك الذنب قربة لصدوره عن ذلك الولي" (٢). ونقل ابن الجوزي عن بعض الصوفية قوله: "السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم، مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم، مستحبّ لأصحابنا لحياة قلوبهم" (٣). وهذا خطأ فإن الله حرم ما حرم تحريما كليا عاما، ولا يستثنى من هذا إلاّ ما استثناه الله لحاجة أو ضرورة، كالمضطر لأكل الميتة، أما الزعم بأنَّ الحرام يحلّ لبعض الناس دون بعض، ويصحّ قربة من بعض آخر فهذا مخالف للأدلة، ولما كان عليه سلف الأمة. وخلاصة القول: أن الحرام لا يكون قربة بحال من الأحوال. يقول الحارث المحاسبي: "ولا إخلاص في محرم ولا مكروه، كمن ينظر إلى ما لا يحلّ له النظر إليه، ويزعم أنه ينظر إليه ليتفكر في صنع الله تعالى، كالنظر إلى

стр. 475

الأمرد، وهذا لا إخلاص فيه، بل لا قربة البتَّة" (١). ويقول ابن الحاج: "الأفعال الشرعية ثلاثة: واجب، ومندوب، ومباح. والحرام والمكروه لا يتقرب بهما إلى الله تعالى" (٢).

стр. 476

التقرب إلى الله بالعبادات المبتدعة العبادة التي يتقرب بها إلى الله -تعالى- لا يمكن أن تعرف إلا بوحي الله المنزل، فنحن نتقرب إلى الله بالأفعال التي يحبها الله -تعالى- ويرضاها، ومحبوبات الله ومرضياته غيب محجوب عنا، ولا نستطيع معرفته إلا إذا أعلمنا بذلك. من هنا كانت العبادات التي تقربنا إلى ربنا مبينة مفصلة، ولم يترك الله لأحد فيها قولا، ولم يدع فيها نقصا يحتاج إلى إكمال ولو ترك شيء منها بغير إيضاح لكان مدعاة إلى الاختلاف والتنازع، ومن زعم أن في الدين بدعة (١) حسنة فإنه يزعم أنَّ الله لم يكمل دينه، ولم يتم نعمته على رسوله ﷺ وعلى أمته، والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢)، فالدين الذي رضي الله أن نتقرب به إليه هو الدّين الذي كان عليه الرسول ﷺ ، فما لم يكن في عهده ﷺ عبادة وقربة فلن يكون بعد ذلك عبادة ولا قربة. والذي يزعم أنه يمكن أن يتقرب بعبادة مستحدثة لم يفعلها الرسول -صلى الله

стр. 477

عليه وسلم- هو بين أمرين أحلاهما مر: إما أن يزعم أنَّ الرسول ﷺ علم هذه العبادة ولكنه لم يخبر بها، وهذا اتهام للرسول ﷺ بالخيانة في التبليغ. وإما أن يزعم أن الرسول ﷺ لم يعلم أن هذه عبادة وقربة، وأن هذا المسكين علم شيئًا لم يعلمه المصطفى ﷺ وهذا اتهام للرسول ﷺ بالجهالة والضلالة. ومن المعلوم المقطوع به أنَّ الرسول ﷺ أعلم الخلق بربه، وأنه بلغ ما أنزل إليه من ربّه، وقد شهد له بذلك أصحابه في الجمع الحاشد في حجة الوداع، فما دام الأمر كذلك فإنه لم يبق إلاّ أنَّ العادات المبتدعة المستحدثة ضلالة تهلك صاحبها وتوبقه، وقد كان الرسول ﷺ يستفتح خطبته بالحمد والثناء على الله، ثم يقول: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة" (١). وفي رواية: "وكل محدثة بدعة، وكلْ بدعة في النار" (٢). وفي حديث آخر "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة" (٣). والعبادات المبتدعة لا تقبل من صاحبها، بل هي مردودة وصاحبها موزور غير مأجور، فقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ" (٤). وفي رواية لمسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".

стр. 478

والنصوص في ذم البدع في الكتاب والسنة كثيرة، وقد بالغ علماء السلف في ردّ البدع وذمّ أصحابها، ومما حفظه العلماء وتناقلوه بالتقدير والإجلال قول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (١): سنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها فهو مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاّه الله ما تولّى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا" (٢). لقد أدرك العلماء منذ البداية أن الإخلاص ركن العمل المقبول عند الله، ولكنَّهم لم يغفلوا الركن الثاني، وهو أن يكون العمل مشروعا للتعبد به، وقد فسر العلماء قوله تعالى: ﴿الذِي خَلَقَ الْمَوْت وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكمْ أَيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٣) بهذا، ومن هؤلاء الفضيل بن عياض (٤) قال: "هو أخلص العلم وأصوبه، فسئل عن معنى ذلك، فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا وكان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة" (٥). فما عدَّه بعض العباد عبادة وقربة مما لم يفعله الرسول ﷺ كتحريم الطيبات من اللحم والفاكهة، ومن ترك الكلام والصمت الدائم فلا يكلمون أحدا، وتعبّدهم الله بحلق شعر الرأس، واستحداث صلوات وأوراد

стр. 479

وطرق معينة في الذكر لم يصح أن الرسول ﷺ فعلها، كل ذلك من الابتداع في دين الله، ولا يشفع لصاحبه أنّ نيته حسنة، ومراده إرضاء الله تعالى، وقد قال ابن مسعود لبعض المبتدعة عندما قالوا: يا أبا عبد الرحمن والله ما أردنا إلاّ الخير، قال: وكم من مريد للخير لم يدركه.

стр. 480

خاتمة القول في ختام هذه الرسالة أتوجه إلى الله العلي القدير بالحمد والثناء والتمجيد، فقد أمدّني بعونه وتأييده، ولولا ذلك لما كانت هذه الرّسالة، وأسأله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه جل وعلا، وأن ينفع به عباده، وأن يكتب لي الأجر والثواب، إنه نعم المولى ونعم النصير. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 481

مُلحَق إيضاحات مهمة تتعلق بحديث "إنمّا الأعمال بالنيّات "

стр. 482

محتوى الملحق - الألفاظ التي وردت بها روايات الحديث. - سبب الحديث. - إشكال يرد على الحديث باعتبار سببه. - كتب السنة التي أخرجته. - طرق الحديث. - مخطط يوضح طرق الحديث في كتب السنة. - إشكالات أوردت على الحديث: ١ - تضعيف الحديث لكونه غريبا. ٢ - أنّه حديث شاذ. ٣ - أن فيه انقطاعا. ٤ - أنّه ليس حديثا فردا. ٥ - أنه حديث متواتر. *****

стр. 483

تمهيد: لما كان هذا الحديث هو العمدة في مباحث النيّات وكان اعتمادنا عليه واستشهادنا به كثيرا، فيما هو الحال بالنسبة لجميع من كتب أو ألّف في هذا الموضوع، أحببنا أن نثبت في هذا الملحق مباحث مهمة تتعلّق بهذا الحديث، بحيث يستغني الناظر فيها عمّا عداها من المؤلفات في هذا الجانب. الألفاظ التي وردت بها روايات الحديث معظم الروايات "إنما الأعمال بالنيّة" بجمع الأعمال وإفراد النية، وفي رواية عند البخاري في بدء الوحي (إنما الأعمال بالنيات) بجمع النيّات أيضا. وفي رواية عنده في الإيمان والعتق والهجرة: "الأعمال بالنية" بالإفراد وحذف "إنّما". وفي رواية في النكاح: "العمل بالنية" بإفرادهما. وفي صحيح ابن حبان "الأعمال بالنيّات" بجمعهما وحذف "إنما" وكذا وقع في الشهاب للقضاعي ومسنده، وأنكره أبو موسى المديني في ما نقله النووي وأقره، قال ابن حجر: وهو رواية ابن حبان. وقد جزم العيني في شرحه على البخاري بأن رواية: "الأعمال بالنيّات"، موجودة في صحيح البخاري (١) وهذا وهم منه. والثابت منها في صحيح البخاري أربع روايات: "إنما الأعمال بالنيّات"،"الأعمال بالنية" "العمل بالنية"، "إنما الأعمال بالنية". وجميع روايات مسلم السبعة: "إنما الأعمال بالنيّات". وفي رواية سفيان بن عيينة عند البخاري ومسلم زيادة فائدة، وهي تصريح علقمة بأنه سمع عمر بن الخطاب على المنبر يقول. ورواية "الأعمال بالنيات" موجودة في صحيح ابن حبان بإسناد صحيح. سبب الحديث قال ابن دقيق العيد: "نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك

стр. 484

فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس" (١). وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور، قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله، هو ابن مسعود، قال: من هاجر يطلب شيئا فإنما له ذلك، هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها: أمّ قيس، فكان يقال له: مهاجر أم قيس. ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أمّ قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس". قال ابن حجر: "وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين" (٢). وقال القسطلاني في الإسناد الذي عند الطبراني: "رجاله ثقات" (٣). وأنكر ابن رجب أن يكون للحديث سبب صحيح (٤)، واعتذر له القسطلاني بأنه "لم يقف على من خرجه" (٥). إلاّ أنه على القول بصحة الرواية التي رواها الطبراني فإنه لم يذكر فيها أن الحديث قيل بسببها، ولم يرد في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك هكذا قرر الحافظ ابن حجر (٦). لكن السيوطي يذكر أنَّه وجد للحديث طريقا مصرحا بأن هجرة الرجل للزواج من المرأة المهاجرة هو السبب الذي قال الرسول ﷺ الحديث من أجله، وهذه الرواية أوردها الزبير بن بكار في أخبار المدينة.

стр. 485

يقول الزبير هذا: حدثني محمد بن الحسن، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك فيها أصحابه، وتقدم رجل فتزوج امرأة كانت مهاجرة، فجلس رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: يا أيها الناس: إنما الأعمال بالنية ثلاثا، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته في دنيا يطلبها إو امرأة يخطبها فهجرته إلى ما هاجر إليه"، ثم رفع يديه فقال: "اللهم انقل عنا الوباء"، فلما أصبح قال: "أتيت هذه الليلة بالحمى، فإذا بعجوز سوداء مليئة في يدي الذي جاء بها، فقال: هذه الحمى، فما ترى فيها؟ فقلت: اجعلوها يجم" (١). ويبقى النظر في صحة الرواية، فإن علماء الحديث مجمعون على أن حديث "إنما الأعمال بالنيّات" لم تصح روايته عن أحد من الصحابة إلاّ عن عمر بن الخطاب. إشكال يرد على الحديث باعتبار سببه في الحديث ذمٌّ لمن أراد بهجرته الدنيا، أو الرغبة في الزواج ولكن يقال: كيف تزوج أبو طلحة من أم سليم، وقد اشترطت عليه الإِسلام، فإن أسلم رضيت بإسلامه مهرا، يقول العيني: "فإن قيل ذكر أبو عمر في الاستيعاب في ترجمة أمّ سليم أن أبا طلحة الأنصاري خطبها مشركا، فلما علم أنّه لا سبيل له إليها إلاّ بالإسلام أسلم، وتزوجها وحسن إسلامه، وهكذا روى النسائي من حديث أنس ﵁ فقال: "تزوج أبو طلحة، فخطبها، فقالت: إني قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم، فكان الإسلام صداق ما بينهما"، وقد بوَّب عليه النسائي: التزويج على الإسلام، وروى النسائي أيضا من حديثه قال: "خطب أبو

стр. 486

طلحة أمَّ سليم. فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يردّ، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها، قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم: الِإسلام، فدخل بها ... الحديث، أخرجه ابن حبان في صحيحه من هذا الوجه، فظاهر هذا أن إسلامه كان ليتزوج بها، فكيف الجمع بينه وبين حديث الهجرة المذكور مع كون الإسلام أشرف الأعمال ... ؟ " (١). قال ابن حجر في الحديث: "أخرجه النسائي بسند صحيح" (٢). وفي اعتقادي أنّنا لا نحتاج إلى تلك التأويلات التي أوردها شراح الحديث، ليوفقوا بين الحديثين، فإن ما قامت به أم سليم أمر لا غبار عليه، فإن ترغيب الكفار في الِإسلام أمر مشروع، وقد شرع الله إعطاء الزكاة لأقوام نتألف قلوبهم بها على الِإسلام، وقد أعطى الرسول -صلى الله عليه رسلم- غنائم حنين للطلقاء الذين كانوا بالأمس يعدون السلاح والرجال للفتك به، يتألفهم بها على الِإسلام. أما أبو طلحة فلا ندري: هل كان الدافع الأول له على الإسلام هو رغبته في الزواج أو أنَّ هذا الطلب وافق رغبة لديه كانت تراوده؟ ولعل طلبها هذا جعله يتعرف على الإسلام فيوقن به ويسلم، ولكننا نعلم أنَّ أبا طلحة حسن إسلامه بعد ذلك، وأنّه كان من الصحابة الأخيار، فلا يضيره أن اشترطت عليه أم سليم الإسلام مهرا للزواج، وهل ضر حمزة بن عند المطلب أن كان بداية إسلامه حمية أخذته في مواجهته لأبي جهل عندما آذى الرسول ﷺ ، فقال له حمزة: أتؤذيه وأنا على دينه، ما قالها إلا حمية، فلما استمع إلى الرسول ﷺ ، وتلا عليه القرآن آمن إيمانا صادقا، لا يحتاج صدقه إلى دليل.

стр. 487

كتب السنة التي أخرجته ١ - أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الوحي، الحديث الأول (١/ ٩)، وفي كتابه الإيمان حديث (٥٤ جـ ١/ ١٣٥)، وفي كتاب العتق، حديث رقم (٢٥٢٩ جـ ٥/ ١٦٠)، وفي كتاب مناقب الأنصار ورقمه (٢٨٩٩ جـ ٧/ ٢٢٦)، وفي كتاب النكاح ورقمه (٥٠٧٠ جـ٩/ ١١٥)، وفي كتاب الإيمان والنذور ورقمه: (٦٦٨٩ جـ ١١/ ٥٧٢)، وفي كتاب الحيل ورقمه (٦٩٥٣ جـ ١٢/ ٣٢٧). (الصفحات والأرقام لفتح الباري). ٢ - وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإِمارة (١٣/ ٥٣) (مسلم بشرح النووي). ٣ - وأخرجه أبو داود في سننه في كتاب الطلاق (٢/ ٣٥٢). ٤ - وأخرجه الترمذي في سننه في كتاب الحدود في باب من يقاتل رياء وللدنيا (١/ ١٩٨). ٥ - وأخرجه النسائي في سننه في كتاب الطهارة، باب النية في الوضوء (١/ ٨٥)، وفي كتاب الإيمان، باب النية في اليمين (٧/ ١٣)، وفي كتاب الطلاق في باب الكلام إذا قصد به فيما يحتمله معناه (٦/ ١٥٨). ٦ - وأخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب الزهد، باب النية، رقم الحديث (٤٢٢٧ جـ ٢/ ١٤١). ٧ - ورواه أحمد في مسنده (١/ ٢٥، ٤٣). ٨ - والطحاوي في شرح معاني الآثار في كتاب الصيام. ٩ - والدارقطني في سننه في كتاب غرائب مالك بن أنس الأصبحي (ص ١٩). ١٠ - ورواه ابن خزيمة في صحيحه في كتاب الطهارة.

стр. 488

١١ - وابن حبان في صحيحه. ١٢ - وعزاه السيوطي وغيره إلى ابن عساكر في أماليه الحديثية، والرشيد ابن العطار في جزء من تخريجه، وابن الجارود والبيهقي في سننه، وأبي عوانه، وأبي نعيم في الحلية. هل أخرجه مالك في الموطأ: روى البخاري ومسلم هذا الحديث في صحيحيهما من طريق الإمام مالك، ولكن بالرجوع إلى موطأ مالك لم نجد فيه هذا الحديث، وقد رجعنا إلى فهارس الحديث أيضًا فلم نجدها تعزوه إلى موطأ مالك، لذا فإن السيوطي تعجب من هذا في الأشباه والنظائر قائلا: "والعجب أنَّ مالكا لم يخرجه في الموطأ" (١). إلا أننا نجد عالما هو ابن دِحْيَة ينسب الحديث إلى الموطأ، فهل كان مخطئا في هذه النسبة؟ لقد جزم الحفاظ بتخطئة ابن دحية في ذلك، منهم العيني يقول: "ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك، فإنه لم يخرجه في موطئه، ووهم ابن دحية الحافظ، فقال في إملائه على هذا الحديث: أخرجه مالك في الموطّأ، ورواه الشافعي عنه، وهذا عجيب منه" (٢). وممن خطّأ ابن دحية الحافظ ابن حجر العسقلاني (٣)، والقلقشندي (٤) وغيرهم.

стр. 489

وقد تبين لي أن الحافظ ابن دحية لم يكن واهما عندما عزا هذا الحديث إلى الموطأ، فقد وقع لي أثناء مراجعة كنز العمال ما يكشف الحقيقة ويجليها، ذلك أن ابن دحية رأى نسخة من الموطأ يبدو أنها فقدت، أو لم تقع لهؤلاء الأئمة الأعلام الذين وهموا ابن دحية، وهي النسخة التي من رواية محمد بن الحسن، يقول صاحب كنز العمال: "قال مالك في الموطأ -رواية محمد بن الحسن وسفيان بن عيينة- أنبأنا يحيى بن سعيد أخبرني محمد بن إبراهيم" (١). ثم وضح الأمر تماما بعد أن اطلعت على كتاب مخطوط للسيوطي هو كتاب منتهى الآمال بشرح حديث "إنّما الأعمال بالنيّات". ففي هذا الكتاب وفي سطوره الأولى يقول: "قال مالك في الموطأ رواية محمد ابن الحسن، قال أخبرني يحيى بن سعيد، .... ". وبعد قليل زاد الأمر بيانا عندما قال: "قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: هذا الحديث أخرجه الأئمة المشهورون إلاّ الموطأ، ووهم من زعم أنه في الموطأ مغترا بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك". ثم قال السيوطي: "قلت: لم يهمّ، فإنه وإن لم يكن في الروايات الشهيرة فإنه في رواية محمد بن الحسن". وحدّد الأمر تحديدا يدلّ على أنه اطلع على النسخة التي من رواية محمد بن الحسن، فقال: "أورده كما سقته منه في آخر باب النوادر. وقبل آخر الكتاب بثلاث ورقات، وتاريخ النسخة التي وقفت عليها مكتوبة في شهر صفر سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وقد رأيت فيها أحاديث يسيرة زائدة على الروايات المشهورة" (٢).

стр. 490

طرق الحديث لم يصل إلينا هذا الحديث بإسناد صحيح إلاّ من طريق عمر بن الخطاب، ولم يروه عنه إلاّ علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة إلاّ محمد بن إبراهيم، ولم يروه عن محمد هذا إلا يحيى بن سعيد، ثم اشتهر عن يحيى بن سعيد، فرواه عنه خلق كثير، ونحن نذكر صرق الحديث في كتب السنة إلى يحيى بن سعيد: (١) فقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما والنسائي في سننه عن عبد الله ابن مسلمة القعنبي. (٢) وأخرجه البخاري من طريق يحيى بن قزعة. والنسائي في سننه من طريق أبو القاسم. وفي حديث مالك من طريق وهب. هؤلاء الأربعة رووه عن مالك عن يحيى بن سعيد به. (٣) وأخرجه البخاري عن الحميدي عبد الله بن الزبير، وسلم عن ابن أبي عمر. كلاهما عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد به. (٤) وأخرجه البخاري عن مسدد. ومسلم عن أبي الربيع العتكي. كلاهما عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد به. (٥) وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد به. (٦) وأخرجه البخاري عن قتيبة بن سعيد. وأخرجه مسلم والترمذي عن محمد بن المثنى.

стр. 491

كلاهما عن عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد به. (٧) وأخرجه مسلم والنسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي خالد الأحمر: سليمان بن حيّان، عن يحيى بن سعيد به. (٨) وأخرجه مسلم عن محمد بن العلاء الهمداني، والنسائي عن سليمان بن منصور، كلاهما عن ابن المبارك عن يحيى بن سعيد به. (٩) وأخرجه مسلم وابن ماجه عن محمد بن رمح بن المهاجر عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد به. (١٠) وأخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير. وابن ماجه عن أبي بكر. كلاهما عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد به. (١١) وأخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير عن حفص بن غياث عن يحيى بن سعيد به.

стр. 492

مخطط يوضح طرق الحديث في كتب السنة حفص ابن غياث محمد بن عبد الله بن نمير (مسلم والنسائي). يزيد بن هارون محمد بن عبد الله بن نمير (مسلم). الليث بن سعد محمد بن رمح بن المهاجر (مسلم وابن ماجه). ابن المبارك محمد بن العلاء الهمداني (مسلم). سليمان بن منصور (النسائي). إسحاق بن إبراهيم (مسلم والنسائي). قتيبة بن سعيد (البخاري). محمد بن المثنى (مسلم والترمذي). محمد بن كثير (البخاري ومسلم وأبي داود). محمد بن الفضل (البخاري). أبو الربيع العتكي (مسلم). مسدد (البخاري). يحيى بن حبيب (النسائي). ابن أبي عمر (مسلم). الحميدي عبد الله بن الزبير (البخاري). يحيى بن قزعة (البخاري). ابن القاسم (النسائي). عبد الله بن مسلمة القعنبي (البخاري ومسلم والنسائي).

стр. 493

إشكالات أوردت على الحديث ١ - تضعيف الحديث لكونه غريبًا: والحديث الغريب ما تفرد به واحد في إحدى طبقات السند. وهذا الحديث تفرد به يحيى بن سعيد فمن فوقه. وبعض الناس يحكمون على مثل هذا الحديث بالضعف، يقول أبو جعفر الطبري في تهذيب الآثار في هذا الحديث: "وهذا الحديث قد يكون على طريقة بعض الناس مردودا لكونه فردا" (١). والجواب: أننا لا نسلم أنَّ كل حديث فرد ضعيف، فمن الأفراد ما هو ضعيف ومنه ما هو صحيح، وكان كان الغالب عليها الضعف، يقول الإِمام أحمد: "اتقوا هذه الغرائب فإن عامتها عن الكذابين" (٢). وهذا الحديث كما يقول ابن تيمية: "متفق على صحته قد تلقته الأمة بالقبول والتصديق" (٣). هذا الحديث له نظائر: (٤) وهذا الحديث له نظائر من غرائب الصحيح مثل حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ "أنّه نهى عن بيع الولاء وهبته" أخرجاه في الصحيحين، وقد تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر.

стр. 494

ومثل حديث أنس. "أن النبيّ ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فقيل: "إنَّ ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه" تفرد به الزهري عن أنس، وقيل تفرد به مالك عن الزهري. ٢ - أنّه حديث شاذ: عرض بعضهم إشكالا آخر على الحديث، فقالوا: هذا حديث شاذ، بناء على تعريف الحاكم للشاذ: "هو الذي تفرد به الثقة وليس له متابع" (١). والجواب أن هذا التعريف ليس مرضيا، والتعريف السديد للشاذ هو تعريف الِإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: "الشاذّ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس، وليس عن ذلك أن يروي ما لم يرو غيره" (٢). فالشاذ هو الذي يخالف الثقة رواية غيره ممن هم أكثر ثقة منه أو أوفر عددا، لا أن ينفرد الثقة بحديث لم يروه غيره. ولذا جزم العيني في شرحه على البخاري بأن هذا الحديث "لا يدخل في حدّ الشاذ" (٣). ٣ - أن فيه انقطاعا: وأورد "ابن ماكولا" في "تهذيب مستمر الأوهام" إشكالا آخر، فقد ذكر أن بعض العلماء زعم أن يحيى بن سعيد لم يسمعه من التيمي، وأن التيمي لم يسمعه من علقمة. ويرد قول هؤلاء الروايات الكثيرة في الصحيحين وفي غيرهما المصرحة بالسماع، ففي إحدى روايات البخاري "عن يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن

стр. 495

إبراهيم التيمي: أنه سمع علقمة قال .... "، وحسبنا هذا دليلا في ردّ هذا الزعم (١). ٤ - أنه ليس حديثا فردًا: ينقل الحافظ ابن حجر عن ابن مندة أنّه رواه عن الرسول ﷺ عشرون صحابيا غير عمر بن الخطاب (٢). وعدّد هؤلاء الصحابة ومنهم سعد بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس، وابن عباس، ومعاوية، وعتبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، وأبو ذر، وعتبة بن المنذر، وعقبة بن مسلم (٣). وفي رواية أنّه رواه ثلاثة وثلاثون صحابيا (٤) وذكر أبن مندة للحديث متابعات، فقد ذكر أنّه رواه عن عمر غير علقمة ابنه عبد الله وجابر وأبو جحيفة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة. ورواه عن علقمة غير التيمي: سعيد بن المسبب، ونافع مولى ابن عمر. ورواه عن التيمي غير يحيى بن سعيد: محمد بن محمد بن علقمة أبو الحسن الليثي، وداود بن أبي الفرات، ومحمد بن إسحق، وحجاج بن أرطاة، وعبد الله ابن قيس الأنصاري. وهذا الذي ذكره ابن مندة غير صحيح خالفه فيه حفاظ الحديث، فقد جزم ابن حجر والترمذي والنسائي والبزار وابن السكن بتفرد يحيى بن سعيد فمن فوقه به، وأطلق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يعرف إلاّ بهذا الإِسناد ولكن بقيدين:
следующие страницы →