[١/ ٣١٢] بالنية على الصحيح من المذهب، وإلا فلا تكون التضحية تطوعًا أصلًا (١) اهـ فتنبه.
(٢) قوله: "لزمه" أي ذبحها.
وقوله: "وتفريقها على الفقراء": ظاهره أنه لا يجوز له الأكل منها حينئذ، مع أنه يأتي أن له الأكل من أضحيته ولو واجبة بنذر أو تعيين، إلا أن يحمل ما هنا على ما إذا أوجب ذبحها على نفسه من غير أن يقصد أضحيةً بل نذرها مطلقًا، بخلاف ما لو نذرها أضحية، فإنه يجوز له الأكل والهدية والصدقة كالتطوع، لأن هذا حكم الأضحية، فلم يتغير.
(٣) قوله: "ولو أوجبها ناقصة الخ": أي بأن كانت عوراء أو عرجاء ونحوها. وانظر هل يلزمه ذبحها في أيام النحر، أو في أي وقت شاء. وكلامهم يشمل ما لو أوجبها وهي في سن لا يجزئ. وهل إذا جاء العيد ولم يكن سنها حدّ الإجزاء يلزمه ذبحها، أو يجوز تأخيرها إلى العام القابل، أو يلزمه ذلك؟ وهل إذا أوجب ما في بطن [٣٠ب] بقرته مثلاً، بأن قال: ما في بطن بقرتي هذه أضحية، ثم ولدته وكمل عمره سنتين ودخل في الثالثة يلزمه ذبحه أضحية، أو لا يلزمه؟ وهذه الأخيرة حادثة الفتوى، وقد سئلت عنها فظهر لي في الجواب أنه يلزمه، لأنه لو نذر الصدقة به وهو في بطن أمه لزمه الوفاء، فكذا إذا أوجبه أضحية. لكن لم أو من صرّح به، وربما دل عليه قولهم: وإن أوجبها ناقصةً الخ.
وهل مثله لو قال: ما تحمله شاتي أو بقرتي أضحية، فحملت وولدت؟ ينبغي أن يحرر. والذي يظهر لي فيما إذا أوجب ما لا يبلغ حدَّ الإجزاء أنه إذا أوجبه في عامه يلزمه ذبحه، ولا يجزيه عن الشرعية. وإذا أوجبه وأطلق، فيلزمه إبقاؤه إلى العام القابل. لكن لم أره. فتدبر.
(٤) قوله: "وعن أهل بيته الخ": أي مثل امرأته وأولاده ومماليكه، لا نحو أخٍ، فأخوان مشتركان في عائلةٍ واحدة، واشترى أحدهما أضحية، ونواها لهما،
стр. 177
وذبحها، فلا تجزئ أضحية. وإنما لحمٌ يأكلانه. وغالب الناس واقع في ذلك. [١/ ٣١٣]
(٥) قوله: "لأنه قبل ذلك لا يلقح": أي بخلاف الضأن، فإنه ينزو ويلقح بعد ستة أشهر.
فائدة: وإن عيَّنَ أضحية أو هديًا فسرق بعد الذبح فلا شيء عليه. وكذا إن عيّنه عن واجبٍ في الذمة، ولو بالنذر. فإن تلفت ولو قبل الذبح أو سرقت أو ضلت قبله فلا بدل عليه إن لم يفرط.
وإن عيَّن عن واجبٍ في الذمة وتعيّب أو تلف أو ضل أو عطب أو سرق ونحوه لم يجزئه، ولزمه بدله، ويكون أفضل مما في الذمة.
وإن ذبحها ذابح في وقتها بغير إذنٍ، ونواها عن ربها أو أطلق، أجزأت ولا ضمان على الذابح. وإن نواها عن نفسه، مع علمه بأنها أضحية الغير، لم "تجزئ مالكها، وإلا أجزأت إن لم يفرق لحمها الذابح.
وإن أتلفها صاحبها ضمنها بقيمتها يوم التلف، تُصْرَفُ في مثلها، كإتلاف أجنبي.
وإن فضل من القيمة شيء عن شراء المثل اشترى به شاةً إن اتسع، وإلاّ اشترى به لحمًا، فتصدق به، أو يتصدق بالفضل.
وإن فقأ عينه تصدّق بالأرش.
ويقدّم واجبٌ في الذبح على تطوّع. قاله في الإقناع. قال م ص ولعل المراد: استحبابًا مع سعة الوقت. وقد تقدم: لمن عليه زكاةٌ الصدقةُ تطوعًا قبل إخراجها. ولا يكاد يتحقق الفرق اهـ.
مسألة: وإن اشترى أضحية واستثنى البائع جلدها، فهل تصح التضحية بها ويلزمه أن يتصدق بقيمة الجلد لأن ذلك بمنزلة بيعه، أو لا تصح التضحية بها لنقصها؟ لم أره في كلامهم. والذي يتجه عندي عدم صحة ذلك، ولا يحتمل أن يصح. ينبغي أن يحرر.
ومن أوجب أضحية فله إبدالها بخير منها، وكذا بيعها وشراء خير منها، لا مثلها. أو في ونها. وقيل يجوز مثلها، اختاره جماعة.
стр. 178
[١/ ٣١٣] (٦) قوله: "بيِّنةُ العَوَر الخ": أي وأما لو كان غير ظاهر، كما لو ذهب نورها وهي صحيحة، فتجزئ.
(٧) قوله: "قاله في المستوعب والتلخيص" أي والترغيب والرعاية الكبرى والزركشي (١).
(٨) قوله: "ولا خصي مجبوب" يفهم من هنا ومن قوله سابقًا: "ويجزئ الخصي" أن المجبوب فقط يجزئ، وهو كذلك.
وقوله: "ولا عضباء الخ" هذا الصحيح من المذهب، وهو من المفردات.
وقال في الفروع: ويتوجه احتمالٌ: يجوز أَعْضَبُ، الأذن والقرن مطلقًا، لأن في صحة الخبر نظرًا (٢)، والمعنى يقتضي ذلك، لأن القرن لا يؤكل والأذن لا يقصد أكلها غالبًا. ثم هي كقطع الذنب، وأولى بالإجزاء اهـ. قال في الإنصاف: قلت: هذا الاحتمال هو الصواب اهـ. أقول: ويتجه في العصماء مثله، بل أولى فليحرر.
(٩) قوله: "ويُسَنُ نحر الإبل": أي ويجوز ذبحها. وقوله: "والبقر والغنم": أي ويجوز نحرها.
وقوله: "ويسن نحر الإبل الخ": وإن نحر الأضحيةَ أو ذبحها كتابي جاز على الصحيح. ويسن أن يكون مسلمًا.
(١٠) قوله: "ويأتي حكم ما إذا نسيَ في الذكاة": أي وذلك لا يضر، بخلاف من تَرَكَها عمدًا أو جهلاً.
(١١) قوله: "اللهم هذا منك ولك": أي من فضلك ونعمتك، لا من حولي وقوَّتي، ولك التقرّب به لا إلى شيء سواك، ولا رياء ولا سمعة.
стр. 179
(١٢) قوله: "فلا تجزئ قبل ذلك" ظاهرٌ أنه لو ذبح قرب الزوال، وكان قبل [١/ ٣١٤] الصلاة، لا تجزئ إذا كان في بلدٍ يصلى فيه. نعم، إذا دخل وقت الزوال ولم يصلوا لعذرٍ أو غيره، جاز ذبح الأضحية، لفوات [٣١أ] التبعية بخروج وقت الصلاة. كذا في حاشية ابن عوض.
(١٣) قوله: "ويجب أن يتصدق الخ": أي ما لم تكن أضحية يتيم، وإلا فلا يجوز الصدقة منها بشيء (١).
وهل إذا تصدق من الأضحية على كافر يجوز أو لا؟ ذكروا أنه يجوز من غير واجبة.
وقوله: "بأقل ما يقع عليه اسم اللحم": قال بعضهم قدر أوقية، ولم يبيّنوا ما المراد بالأوقية، هل هي عراقية أو دمشقية أو قدسية. ينبغي أن يحرر (٢).
وقولهم: (يتصدق بهذا القدر لحمًا فلا يكفي إطعام الفقير" هل مرادهم نيئًا أو يكفي مطبوخًا أو مشويًّا إذا مُلَّك للفقير؟ لم أر من صرح به ولا من أشار إليه، فليحرر. ثم رأيته مصرَّحًا به في الإقناع وغيره أنه يكون نيئًا. والله أعلم.
وهل يجوز ادّخار لحم الأَضاحي إلى أكثر من ثلاثة أيام؟ نعم يجوز إلى ما شاء، لأنه نُسِخَ تحريم ادّخاره. قال بعضهم: ما لم يكن زمن مجاعة اهـ.
(١٤) قوله: "ومن مات بعد ذبحها": وفي نسخة قبل ذبحها.
(١٥) قوله: "فالقانع السائل": أي فيكون من "قنع" من باب "ضَرَبَ" (٣) إذا سأل وطمع.
стр. 180
[١/ ٣١٥] وقوله: "وقال إبراهيم وقتادة: القانع الجالس في بيته المتعفف الخ" أي فيكون من قنعَ كفَرِحَ إذا تعفَّف.
فائدة: يجوز للمرأة أن تضحّي من مال زوجها بدون إذنه عن أهل بيته. قاله الشيخ تقي الدين.
فصل في العقيقه
(١) قوله: "وهي سنة الخ": وهل إذا مات المولود قبل أن يُعَقَّ عنه تُسَنُ أيضًا أو لا؟ لم أو من صرّح به. وقد كنت سمعت من بعض أقاربي أهل العلم أنها لا تشرع حينئذ، لأنها في مقابلة نعمة المولود، وقد زالت بموته. ولم أدر أنه رأى في ذلك نصًّا أو لا. فقلت: عموم كلامهم يشمل الحيّ والميت. ولم أزل من ذلك الوقت أبحث عن هذا الحكم، إلى أن رأيت في حاشية ابن عوض على هذا الكتاب ما نصه "قوله: والسنة ذبحها، أي العقيقة، في سابع يوم من ولادته. ولو مات الولد قبله، ويتوجه: أو الأب اهـ" وعزاها إلى ع ن. فهو نصّ فيما قلته. وعموم كلامهم يدل عليه. وهو مقتضى عموم الحديث.
(٢) قوله: "ولا تجزئ بَدَنةٌ ولا بقرة إلاّ كاملة": أي فإذا أراد أن يشترك اثنان فأكثر، إلى سبعة، في بدنة أو بقرة عقيقةً فلا تجزئ عنهم. وانظر لو كان لرجل سبعة أولاد فما دون، وأراد أن يعق عنهم ببدنةٍ أو بقرة، هل يجزئه ذلك عنهم أو لا؟ لم أو من تعرض له، وعموم نصوصهم يدل على أنه لا يجزئ، إلا أن يقال: مرادهم فلا يجزئ فيها شرك لغير ذلك. فتنبه.
(٣) قوله: "فإن فات ففي أربعة عشر": أي ففي اليوم المتمم لأربعة عشر.
وقوله: "ففي إحدى وعشرين": صوابه ففي أحدٍ وعشرين، لأن المعدود مذكر ولعله من النّساخ، وكان الأولى أن يقول ففي رابع عَشْرِهِ، فإن فات ففي الحادي وعشريه، أو: ففي حادي عشريه. وهو ظاهر.
(٤) قوله: "كالأضحية": أي الواجبة، فإنها إذا لم تذبح في أيام النحر تذبح بعدها في أي وقت شاء، وتكون قضاء، وأما التطوع فقد فات محلّه.
стр. 181
(٥) قوله: "ويسمى فيه": أي يوم السابع، وفي الرعاية: يسمى يوم الولادة. [١/ ٣١٨]
(٦) قوله: "وتجوز التسمية باكثر من اسم": أي كما يوضع اسم وكنية ولقب.
(٧) قوله: "وتحرم التسمية بعبد غير الله كعبد النبي، وعبد المسيح": وكذا تحرم التسمية بسيد ولد آدم، أو سيد الناس، ونحو ذلك. وبعضهم تورع عن إطلاق "قاضي القضاة".
(٨) قوله: "فإن اتفق وقت عقيقته الخ": أي إن اتفق يوم سابع ولادة المولود، أو يوم الأسبوع الثاني، أو الثالث، هو ويوم النحر، أو ثانيهِ أو ثالثهِ، هذا ما قرره لنا شيوخنا. وهو معنى كلام العلامة البهوتي في شرح المنتهى.
وظاهره أن ما قبل الأسبوع لا يعتبر في موافقته لأحد أيام النحر، وكذا ما بين الأسابيع وبعدها. وعندي فيه نظر، لأن وقت العقيقة من الولادة إلى ما لا نهاية له، وإنما الأسابيع وقت فضيلة. سلمنا أنه وقت مشروعية، وبعدها تكون قضاء، ما المانع من إجزائها، فإنه لو صلَّى مكتوبةً قضاء أو راتبة أجزأت عن تحية المسجد، وكذا عن ستة الطواف مع إحدى الصلاتين قضاءً. وعبارة الإقناع لا يفهم منها غير ذلك، وكذا عبارة المصنف لا تاباه.
***
стр. 182
[١/ ٣١٩]
كتاب الجهاد
(١) قوله: "الكفار": أي خاصة.
(٢) قوله: "ومعنى فرض الكفاية الخ": أي ومن ذلك دفع ضرر المسلمين، كستر العاري وإشباع الجائع، على القادرين. وكالصنائع المباحة المحتاج إليها غالبًا لمصالح الناس الدينية والدنيوية، كالزرع والغرس ونحوهما، وإقامة الدعوة، ودفع الشبه بالحجة والسيف، وحفر الآبار والأنهار، وتنظيفهما، وعمل القناطر والجسور والأسوار، وإصلاحها، وإصلاح الطرق والمساجد، والفتوى وتعليم العلوم الشرعية، وما تحتاج إليه من نحو حسابٍ ولغة ونحوٍ وتصريفٍ وقراءة.
وكذا علم الطب.
وأما غير ذلك من العلوم فهو إما حرام، كعلم الكلام، أي المخلوط بالفلسفة، وكعلم الفلسفة، والشعبذة والتنجيم والضرب بالرمل والحصى والكيمياء وعلوم الطبائعيين، إلا الطب. ومن المحرَّم السحر والطِّلَّسْمات، وعلم اختلاج الأعضاء. ونسبته إلى جعفر كذب. وكذا حساب اسم الشخص واسم أمه بالجُمَّل، وأن طالعه كذا، ونحوه. والحكم على ذلك بفقرٍ أو غنى.
وإما مكروه كالمنطق.
وإما مباح كعلم الهيئة والهندسة والعروض والمعاني والبيان.
ومن فروض الكفاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اهـ. ملخصًا من الإقناع (١).
وقوله: "أثم الناس كلهم": الذي يظهر أن المراد بالناس من يجب عليهم، دون غيرهم من النساء والأرقاء ونحوهم، لأنهم غير مخاطبين به. فتدبر وحرر.
(٣) قوله: "للآية الشريفة": أي قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧] أو قوله تعالى ﴿ليسَ على
стр. 183
الضعفاءِ ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾ الآية [التوبة: [١/ ٣٢٠] ٩١].
(٤) قوله: ﴿ولا على الذين﴾ الآية. أي وهم سبعة من الأنصار. وقيل بنو مُقَرِّن، كما في [تفسير] الجلالين.
(٥) قوله: "تكفر كل ذنب حتى الدين". أي وهذا في متهاوِنٍ في قضائه، وإلا فالله يقضيه عنه، سواء مات حتف أنفه، أو قتل، حيث أنفقه في غير سرف ولا تبذير. قاله الآجرّي اهـ. غاية.
(٦) قوله: "الصغائر فقط": أي وأما الكبائر فلا يكفِّرها إلا التوبة. وقال بعضهم: ظاهر الحديث يدل على غفران الصغائر والكبائر. وفضل الله تعالى أعم وأوسع اهـ ونقل المَرُّوذِي (١): برّ الوالدين كفارة للكبائر.
(٧) قوله: "ويسنّ الرباط الخ" أي لا نقل أهله وذراريه إليه إن كان مخوفًا، فيكره إن كان من غير أهل الثغر.
(٨) قوله: "وتمامه أربعون يومًا": فإن زاد فله أجره اهـ إقناع.
(٩) قوله: "إلا متحرّفين الخ": معنى التحرف أن يفرّوا إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينتقلوا من ضيقٍ إلى سعة، أو من معطشة إلى ماء، أو من نزولٍ إلى علوّ، أو من استقبال شمسٍ أو ريح إلى استدبارهما، أو يفرّوا من بين أيديهم لينتقض صفهم، أو تنفرد خيلهم من رجّالتهم، أو ليجدوا فيهم فرصة، ونحو ذلك. ومعنى التحيُّز الانضمام إلى فئة ناصرة تقاتل معهم ولو بعدت كثيرًا.
(١٠) قوله: "جاز": أي لكن إن ظنوا الظفر بالعدو حينئذ فالثبات أولى، بل يستحب. وكذلك لو ظنوا الهلاك بقتالهم وإن لم يقاتلوهم أُخِذُوا أُسارى، فالأولى أن يقاتلوا. قال الإمام أحمد: ما يعجبني أن يستأسروا. وقال: القتال أحبُّ إليّ،
стр. 184
[١/ ٣٢١] فإن الأسر شديد، ولا بد من الموت. وقال: يقاتل ولو أعطوه الأمان، قد لا يفون. ولو ظن هلاك الفئتين فالقتال أولى.
مسألة: ومن أسر أسيرًا لم يجز له قتله، بل يأتي به الإمام، فإن امتنع من المسير معه، ولو بضربٍ ونحوه، جاز له قتله. فإن قتله لغير الك، وكان المقتول رجلاَ أثم، ولا شيء عليه، وإن كان امرأة أو صغيرًا عاقبه الإمام، وغرَّمه قيمته غنيمةً، لأنه صار رقيقًا بمجرد السبْي.
فصل في الأسرى
(١) قوله: "المقاتلون": أي بخلاف غيرهم من زمنٍ وأعمى وشيخٍ فانٍ وراهبٍ بصومعة. ويكونون أرقاء بمجرد السبي، كما يفهم من الإقناع والمنتهى.
(٢) قوله: "مخيَّرٌ الخ": أي ما لم يسلموا بعد الأسر، فإن أسلموا تعين [٣٢أ] رقُّهم في الحال، وصار حكمهم حكم النساء. وعنه يخير فيهم بين رقٍّ ومنٍّ وفداءٍ. صححه الموفق. فالفداء ليتخلص من الرق. وأما من أسلم قبل أسرٍ لخوفٍ أو غيره فكمسلم أصليٍّ.
وقوله: "تخيير مصلحة الخ": فلو تردَّد في الأصلح فالقتل أولى. وعندي أن ذلك يتعتن حينئذ. والله أعلم.
وقوله: "قتل": أي بالسيف في العنق. فلا يجوز التمثيل به ولا تعذيبه.
ويفدى الأسير المسلم من بيت المال. فإن تعذّر فمن المسلمين. ولا يفدى بخيلٍ ولا سلاحِ، بل بثيابِ ونحوها.
(٣) قوله: "من السبي": ليس بقيدٍ، بل المراد العموم.
(٤) قوله: "كزنا ذمّيّة الخ" ومثله لو مات أبواه أو أحدهما بدارنا، فيحكم بإسلامه.
فصل السلب للقاتل
(١) قوله: "فله سَلَبُه" أي قَتَله وهو مبارزٌ له، أو كان مُغِرًّا بنفسه. وأما إن قتله وهو مشتغل بأكل ونحوه، أو هاربٌ، فلا يستحق سلبه. وكذا لو قتل شيخًا
стр. 185
فانيًا أو امرأةً ونحوهما ممن لا يقتل. [١/ ٣٢٤]
(٢) قوله: "وتُقسَم الغنيمة الخ": أي بعد دفع الأسلاب إلى أهلها.
(٣) قوله: "ابنا عبد مناف": الأولى "ابنَيْ عبد مناف" لأنه صفة لهاشم والمطلب، وهما مجروران.
وقوله: "دون غيرهم من بني عبد مناف": أي كبني عبد شمس ونوفل.
(٤) قوله: "لفقراء اليتامى": فيه تخصيص لعموم الآية. وإن اجتمع أسباب في واحد، بأن كان هاشميًا مسكينًا يتيمًا ابن سبيل، استحق بكل واحد منها، لكن لو أعطي ليتمه فزال فقره لم يعط لفقره لزواله. قلت: وكذا لو أعطي لفقره فزال لم يعط ليتمه، أو أعطي لكونه هاشميًا فصار غنيًا لم يعط لفقره ولا ليتمه.
ويعطى الفقير والمسكين وابن السبيل ما يكفيهم، كالزكاة.
فصل يذكر فيه أموال الفيء مصارفها
(١) قوله: "بين أحرار المسلمين": أي لا عبيدهم، فلا يعطون منفردين، بل تزاد ساداتهم عن غيرهم.
(٢) قوله: "للآية": أي قوله تعالى ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى﴾ إلى قوله ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ [الحشر: ٧، ٨] قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "استوعبت المسلمين عامّة، ما من أحدٍ إلاّ وله في هذا المال نصيب، إلا العبيد اهـ " (١).
باب
عقد الذمة
(١) قوله: "ويجب الخ": سيأتي التصريح به في المتن.
стр. 186
[١/ ٣٢٧] (٢) قوله: "لأهل الكتاب": أي التوراة والإنجيل، بخلاف غيرهما من صحف إبراهيم وشيث وزبور داود، فمن تديّن بها لا تقبل منه الجزية، ولا تحل مناكحته ولا ذبيحته. وفيه وجه: بلى.
وقوله: "اليهود والنصارى الخ" فيدخل في اليهود كل من تديَّن بدين موسى الكليم ﵇، كالسامرة، ويدخل في النصارى كل من تديّن بدين عيسى ﵇، كما لإفرنج والأرمن والروم وغيرهم.
(٣) قوله: "فصار لهم بذلك شبهة كتاب": وهذه الشبهة أوجبت حقن دمائهم بأخذ الجزية منهم. وقد روي أن عمر لم يرض بأخذها منهم حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف "أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر" (١). ولكن هذه الشبهة لم تنهض في إباحة نسائهم وحل ذبائحهم.
(٤) قوله: "يمتهنون": الصواب حذف النون.
فائدة: لا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب ولو بذلوها، لأن عمر عقد الذمة لهم على أن يدفعوا زكاة أموالهم ضعف ما يدفعه المسلمون، وذلك بطلبهم، فإنهم لم يقبلوا الدفع باسم الجزية، وقالوا ندفع باسم الزكاة أو الصدقة من جميع الأموال الزكوية ضعف ما يدفعه المسلمون (٢).
ومن المعلوم أن عقد الذمة مؤبد، فلا يجوز نقضه.
(٥) قوله: "كالزنا": أي والسرقة.
(٦) قوله: "وراهبٍ بصومعة": يؤخذ منه أنه لو كان الراهب يخالط الناس، ويبيع ويشتري ويكتسب، يؤخذ منه الجزية. وهو كذلك. صرح به ابن نصرالله.
(٧) قوله: "بعد الحول سقطت" قال حفيد المنتهي: فلو مضى سنون ولم
стр. 187
يكن دَفَعها فهل تسقط كلها؟ ظاهره تعليل (١) "في الحول" السقوط في أكثر منه، [١/ ٣٢٨] ولأن في السقوط ترغيبًا في الإسلام، بخلاف عدمه. ولو دفعها بعد الحول، ثم أسلم، فهل يرجع بها؟ الظاهر: نعم، لأنها لم تجب عليه (٢).
فصل في أحكام أهل الذمة
(١) قوله: "من المسلمين" أي ومن غيرهم.
(٢) قوله: "ويمنعون من تعلية البناء الخ": ومثله بل أولى [٣٢ب]: يمنعون من سكنى محل مرتفع تحته مسلم، كما أفتى به الشيخ عبد الرحمن البهوتي. ويتجه: وتحرم إجارته لهم. وهو ظاهر لا غبار عليه.
(٣) قوله: "وبكيف أصبحت الخ": وقال الشيخ: يجوز هذا ونحوه، و "أطال الله بقاءك، وأكثر الله مالك" ونحوه.
فصل فيما ينتقض به عهد الذمي
(١) قوله:"أو زنى بمسلمة الخ": أي ولا يشترط لذلك ثبوته بشهوده المعتبرة، بل يكفي اشتهاره واستفاضته.
(٢) قوله: "ولو كان سب الخ": أي بغير قذف. وأما إن قذفه فيقتل مطلقًا.
وقيل يقتل سابُّ النبي ﷺ بكل حال. اختاره جمع. قال الشيخ: وهو الصحيح من المذهب اهـ.
...
стр. 188
[١/ ٣٣٢]
كتاب البيع
(١) قوله:"عين ماليةٌ": وهي كل جسم أبيح نفعه واقتناؤه مطلقًا. فخرج الخمر والخنزير ونحو ذلك.
وقوله: "أو منفعة مباحة مطلقًا": أي بأن لا تختص إباحتها بحالة دون حالة.
فخرج ما لو باع منفعة جلد ميتة طاهرةٍ في الحياة مدبوغٍ، فإنه لا يصحّ، لأنه لا ينتفع به إلا في اليابسات فقط.
وقوله: "بإحداهما": يشمل أربع صور: عين بعينِ كثوب بثوب، وعين بمنفعة كثوب بممّر دار، ومنفعة بعين كممر دار بثوب، ومنفعة بمنفعة كممر بممر آخر.
وقوله: "أو بمالٍ في الذمة": أي من نقد أو غيره. وهو ما يباح نفعه في جميع الأحوال، وذلك يشمل ست صور: عين بمالٍ في الذمة، منفعة بمالٍ في الذمة، وعكسهما، ومال في الذمة بمال في الذمة، وعكسه. فصور البيع تسع.
وقوله: "للملك": خرج ما لو أعار فرسه على أن يعيره الآخر فرسه.
وقوله: "على التأبيد": أي بأن لم يقيّد بمدّة، فخرجت الإجارة. ولما كان هذا الحدّ شاملاً للرّبا والقرض أخرجهما بقوله "غير ربا وقرض".
(٢) قوله: "بل هي كل ما أدّى معنى البيع": أي نحو: بعتك، وملّكتك، وولّيتك، ووهبتك بكذا، أو أعطيتك بكذا. والقبول بنحو اشتريت وتملكت وأخذت.
(٣) قوله: "وبالمعاطاة": أي ويعتبر في المعاطاة معاقبة القبض أو الإقباض للطلب كما في الإقناع.
(٤) قوله: "بأن يظهرا الخ": هذا بيع التلجئة، وأما بيع الأمانة فقال شيخ الإسلام: مضمونه اتفاقهما على أن البائع إذا جاءه بالثمن أعاد عليه ملكه. قال: وهو عقد باطل بكل حال. ومقصودهما الربا بإعطاء دراهم بدراهم إلى أجل، والمنفعة هي الربح اهـ. قلت: وهذا البيع هو الذي يسمَّى بنابلس ونواحيها ببيع
стр. 189
"الوفاء". وغالب الناس واقع فيه. وهو صحيح عند الحنفية كما هو مصرح به في [١/ ٣٣٣] كتبهم (١). تأمل.
(٥) قوله: "والمال يصحّ منهما قبول هبة ووصية": واختار جمعٌ صحته منهما ومن قنٍّ. وهو الذي تميل وتطمئن إليه النفس.
(٦) قوله: "والمال ما يباح نفعه في جميع الأحوال": أي واقتناؤه بلا حاجة. فخرج ما لا نفع فيه أصلاً كالحشرات، وما فيه منفعة محرمة كالخمر، وما فيه منفعة لا تباح إلا في حال الاضطرار، كالميتة، وما لا يباح اقتناؤه إلا لحاجة كالكلب. وظاهره صحة بيع طيرٍ لقصد صوته، ودود قزّ وبزره ونحلٍ وهزٍّ وقيل وبغل وحمار وسباع بهائم وطير تصلح للصيد، إلاَّ الكلب. ويصح بيع قرد لحفظٍ، ولبنِ آدميةٍ، وعَلَقٍ لمصِّ دَمٍ.
(٧) [قوله]: "الميتة" أي ولو طاهرةً كميتة الآدمي، إلا ما استثني.
(٨) قوله: "فلا يصح بيع الفضولي الخ" إلا أن يشتري في ذمته ونواه لشخص لم يسمِّه، فيصح، ثم إن أجازه من اشتري له مَلَكَهُ من حين اشتُرِي. وإلا وقع لمشتر ولزمه.
(٩) قوله: "ولو لقادر على تحصيلهما": وهذا بخلاف المغصوب، فإنه يصح بيعه لقادر على تحصيله، ثم إن عجز عن تحصيله فله الفسخ. وانظر ما الفرق بين المغصوب والآبق والشارد. وحرر وتأمل.
فائدة: لا يصح بيع فجل وجزر ونحوهما مما هو مستور في الأرض، كبصل، قبل قلعه، نصًّا. ويصح بيع ما ماكوله في جوفه، كبيض وجوز ولوز وفستق وبندق في قشره.
مسألة: فلو أسرّ المتعاقدان ثمنًا بلا عقد، [٣٣أ] ثم عقداه بآخر، فالثمن الأول. وإن عقداه سرًّا بثمن وعلانية بآخر، أخذ بالأول أيضًا. وقال الحلواني:
стр. 190
[١/ ٣٣٤] كنكاح اهـ. ويتجه في الأولى: ما لم يرجعا عن الذي أسرَّاه. فتدبر.
(١٠) قوله: "ومن باع معلومًا ومجهولًا الخ": وذلك كبعتك هذه الفرس والفرس التي في محل كذا بألفٍ مثلاً، فيصح البيع في الفرس المعلوم بقسطه من الثمن، وذلك كأن يقال والله أعلم: قيمة المعلومة تساوي أربعمائة مثلاً، وقيمة المجهولة تساوي ثمانمائة، فمجموعهما ألف ومائتان، ونسبة قيمة المعلومة إلى ذلك ثلث، فيكون ثمنها ثلث، الألف في المثال المذكور.
(١١) قوله: "وما في بطن هذه الفرس الأخرى": أي وهذا بخلاف ما لو قال: بعتك هذه الفرس وما في بطنها، فإنه لا يصح ولو بيَّن كل منهما (١)، لأن دخوله بالتبعية لا يتأتى بعد مقابلته بثمن. وإبطال البيع فيه دون أمه كاستثنائه، وهو مبطل للبيع اهـ. بهوتي في شرح "الإقناع". قلت: وقد صرح في الغاية بصحة البيع في قوله: بعتك هذه البهيمة وحملها. فتأمل.
فصل في موانع صحة البيع
(١) قوله: "بحيث إنه يدركها" (٢): يعني أن من منزله بعيد عن الجمعة لا يصح منه بيع ولا شراء قبل ندائها الذي عند المنبر إذا كان ذلك في وقت بحيث إنه يدرك الجمعة بعد النداء الذي عند المنبر إذا غدا إليها في ذلك الوقت. وهذا على الأصح. ومعنى ذلك في المستوعب، وعبارته: "ولا يصح البيع في وقت لزوم السعي إلى الجمعة" اهـ فتوحي في شرح المنتهى.
(٢) قوله:"كمضطر إلى طعام أو شراب": أي وجده يباع.
وقوله: "وعريان وجد سترة": أي تباع.
وقوله: "ومركوبٍ لعاجز": أي ويجوز شراء مركوب لعاجز عن المشي أو ضريرٍ عدم قائدًا.
стр. 191
وقوله: "ونحوه": أي كما لو وجد ماءً يباع واشتراه ليتطهر به. [١/ ٣٣٥]
(٣) قوله: "ويصح إمضاء بيع الخ" قال في الغاية: ويتجه: ويحرم اهـ. قال في شرحها: وهو متجه اهـ. وقال شيخ مشايخنا الشطي: وفي غاية المطلب التصريح بعدم الحرمة على الأصح. قال: فتوجيه شيخنا منتقد اهـ.
(٤) قوله: "ولا بيع قن الخ": حل الشرح بقيد تنوين "قن"، وجعل "مسلم" صفةً له، ويدل لذلك كلامه الآتي. ومفهومه أن القن الكافر، ولو لمسلم، يصح بيعه لكافر. وهو يخالف ما تقدم في الجهاد من قولهم "ولا يصح بيع مسترقٍّ منهم لكافرٍ، ولا فداؤه بمال، ويصحّ بأسير مسلم". بل عبارة المصنف في الغاية: "ولا يصح بيع رقيقنا، ولو كافرًا، لكافر" اهـ. وحينئذ فالأولى جعل "قن" في عبارة المتن بدون تنوين، مضافًا إلى "مسلم"، ويصير المعنى: ولا يصح بيع قن المسلم لكافر، فيشمل القنَّ الكافر والمسلم.
فائدة: وإن باعه صبرةً من طعام أو غيره جزافًا صح، علماً قدرها أوْ لا، ومع علم أحدهما فقط يحرم عليه، وللثاني الخيار. وإن باعه قفيزًا منها صح إن تساوت أجزاؤها وكانت أكثر من قفيز. وكذا يصح بيع جزءٍ مشاع منها. وإن باعه حيوانًا مأكولاً إلا رأسه وجلده وأطرافه صح، سفرًا وحضرًا. وإن باع لك منفردًا لم يصح. قال في الإقناع: والذي يظهر أن المراد بعدم الصحة إذا لم تكن الشاة للمشتري، فإن كانت له صح، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها لمن الأصل له. فإن امتنع مشترٍ من ذبحه لم يجبر إذا أطلق العقد، ولزمته قيمة المستثنى تقريبًا. فإن شرط البائع الذبح ليأخذ المستثنا لزم المشتري الذبح، ودفع المستثنى. قاله في شرح المحرر اهـ.
أقول: فلو دلت قرينة على أنه اشتراه ليذبحه، كقصاب ونحوه، فلم يشترط البائع ذبحه، ثم إن المشتري اتخذه للقنية وامتنع عن ذبحه، فهل يجبر على ذبحه ودفع المستثنى؟ الظاهر: نعم، لأن عدم اشتراطه للقرينة الدالة عليه. فليحرر.
(٥) قوله: "كمغصوب": أي فيضمن بمثل مثلئ وقيمة متقوِّم، ما لم يدخل في ملك قابضٍ. فإن دخل، بأن أخذ معلومًا بكيل أو وزن أو حوائج من بقال
стр. 192
[١/ ٣٣٧] ونحوه، في أيام، ثم يحاسبه بعده، فإنه يعطيه بسعر يوم أخذه، لتراضيهما على ذلك. هذا [٣٣ب] توضيح كلام الشارح رحمه الله تعالى.
(٦) قوله: "ما لم يدخل في ملك القابض، كالمقبوض على وجه السوم": لم يظهر لي معنى هذه العبارة، فإن المقبوض على وجه السوم، سواء قطع ثمنه أو لا، مضمونٌ مطلقًا، كما يأتي في باب الضمان. بخلاف ما لو أخذ السلعة من غير مساومة ليريها أهله إن رضوا بها أخذها وإلا ردّها، فإنه لا يضمنها إلا بتعدٍّ أو تفريط. والظاهر والله أعلم أنه أراد أن يقول: "لأنه لم يدخل في ملك القابض" فسبق قلمه إلى ما ترى، أي فالمقبوض على وجه السَّوم إن بيّن ثمنه ثم تلف فمن ضمان المشتري، أي يضمنه بالثمن الذي وقعت عليه المساومة فقط، بخلاف المقبوض بعقد فاسدٍ فإنه يضمن بقيمته، لا بما وقع عليه العقد. وكذا تضمن زيادته، لأنه لم يدخل في ملك القابض. فهو كمغصوب في جميع الأحكام. فيكون قوله "كالمقبوض الخ" تمثيلاً للمنفيِّ في قوله "لم يدخل"، لا للنفي، أي فالمقبوض على وجه السوم يدخل في ملك قابضه إن قلنا بصحة بيع المعاطاة، وهو المذهب، فيكون مضمونًا بثمنه دون زيادته. وبالجملة فالعبارة لا تخلو من تسمّح. والله أعلم.
أقول: معنى عبارة الشارح: أن المقبوض بعقد فاسدٍ إنما يكون ضمانُه كمغصوب، أي بمثلِ مثلىٍّ وقيمة متقوّم، إذا لم يدخل في ملكِ قابض، فإن دخل كالمقبوض على وجه السوم ونحوه فإنه يكون ضمانه بالقيمة لا غير، ولو كان مثليًا، وهو أوضح.
(٧) قوله: "شراءً فاسدًا": وكذا لو كان صحيحًا، فلا فرق.
وقوله: "شجرة" أي وتلفت الثمرة.
وقوله: "لم يضمنه" أي الثمر (١).
وقوله: "بذلك" أي بهذا الشراء الفاسد.
стр. 193
[١/ ٣٣٨] باب
الشروط في البيع
(١) قوله: "وتعتبر مقارنته للعقد": أي وفي زمن خيار مجلس أو خيار شرط، فإن حكمه حكم صلب العقد. ذكره الشيخ مرعي اتّجاهًا. وصرّح به غيره أيضاً.
فائدة: لو أخبر بائع مشتريًا بضفة في المبيع، فصدقه المشتري، ولم يشترطها عليه، فبان فَقْد تلك الصفة، فلا خيار على المذهب.
(٢) قوله: "أو أرش فقد الصفة": أي وهو قسط ما بين قيمته بالصفة، وعاريًا عنها، من الثمن. فلو اشترى عبدًا على أنه كاتب بألفٍ، فتبيَّن غير كاتبٍ، خُير مشترٍ بين فسخ البيع وأخذ الثمن و [بين] إمساكه وأخذ أرش فقد الصفة، بأن يقوّم العبد في المثال فيقال: وهو كاتب يساوي ألفًا وخمسمائة، وبدون الكتابة يساوي سبعمائة وخمسين، مثلاً، فقد نقص نصف القيمة، فيأخذه بنصف الثمن، وهو خمسمائة في المثال. وعلى ذلك فقس.
(٢) قوله: "أي فسخ البيع الخ": هذا بيان لقوله في المتن: "ولمشتر الفسخ" أي ما لم توجد فيه صفة أعلى من الصفة المشروطة، كما لو اشترى أمة واشترط كونها كافرةً أو ثيبًا أو سَبْطة أو حاملاً أو قصيرة أو حمقاء أو تبول في الفراش ونحو ذلك، فبانت مسلمة أو بكرًا أو جعدة أو حائلاً أو طويلة أو غير حمقاء أو لا تبول في الفراش، فإنه لا خيار له في ذلك، لأن البائع زاده خيرًا. ومثل ذلك لو اشترط كونها يهودية فبانت نصرانية، لأن اليهودية لا يتمكن من الانتفاع بها يوم السبت. لكن لو شرطها ثيِّبًا لغرض صحيح، مثل الذي لا يقدر على فض البكارة، فبانت بكرًا، فالظاهر أن له الخيار، وإن كان عموم كلامهم يخالفه.
(٣) قوله: "وحملان الدابة الخ": قال م ص: ونفقة المبيع المستثنى نفعُه مدةَ الاستثناء: الذي يظهر أنها على البائع، لأنه مالك المنفعة، لا من جهة المشتري، كالعين الموصى بنفعها، لا كالمؤجرة والمعارة.
стр. 194
[١/ ٣٤٠] فائدة: لو باع المشتري العين المستثنى نفعُها في مدة الاستثناء، صح بيعها، وتكون في يد المشتري مستثناة أيضًا، فإن كان عالمًا بذلك فلا خيار له، وإلا فله الفسخ، كمن اشترى أمةً مزوّجة أو دارًا مؤجرة.
(٤) قوله: "فيثبت له": أي للمشتري.
(٥) قوله: "أو تكسيره أو خياطته الخ": فلو شرط عليه شرطين ولو صحيحين بطل البيع، وذلك كما لو شرط على البائع حمل ما باعه [٣٤أ]، وتكسيره، أو تفصيله وخياطته ونحو ذلك، ما لم يكونا من مقتضاه أو مصلحته (١).
(٦) قوله: "قبله": أي العمل.
وقوله: "عليه": أي على البائع.
فصل في الشروط الفاسدة
(١) قوله: "كشرط بيع آخر الخ": وهل مثله لو قال: بعتك على أن ترهنني كذا؟ الظاهر نعم، وصرح به في الغاية. لكن يخالفه ما ذكروه من أن شرط رهنٍ أو ضمينٍ صحيحٌ، إلا أن يحمل ما هناك على الرهن على ثمن المبيع فقط.
(٢) قوله: "المنهي عنه": أي فقد صحّ عنه ﷺ أنه "نهى عن بيعتين في بيعة" (٢). وقد فسّره الإمام أحمد بما ذكر، تارةً، وبنحو: بعتك كذا بعشرة نقذًا وهو
стр. 195
بعشرين نسيئة، تارةً أخرى. [١/ ٣٤١]
(٣) قوله: "قال أحمد": لعله: "قاله".
(٤) قوله: "صفقتَان في صفقة ربا": أي حكمه حكم الربا من حيث كونه باطلاً ولا يجوز تعاطيه.
(٥) قوله: "فالشرط باطل والبيع صحيح": ومثله لو قال لغريمه: بعني هذا على أن أقضيك منه دينك، فباعه، صح البيع لا الشرط، أو قال رب الحق: اقضنيه على أن أبيعك كذا، فكذلك.
(٦) قوله: "صح": وعنه أنه باطل.
(٧) قوله: "بعوض": أي عن الزائد.
(٨) قوله:"أَقْفِزَة": جمع قفيز، وهو مكيال معروف، وقدره ثلاثون رطلاً عراقية، وقيل ستة عشر، وقيل ثمانية أرطال مكّيّة، وهو مكُّوكان.
باب الخيار
(١) قوله: "في بيع": أي غير كتابة، وتولّي طرفي عقد، وشراء من يعتق عليه. المنقِّح. أو يعترف بحريته قبل الشراء، لعتقه بالملك.
(٢) وقوله: "في بيعٍ وصلحٍ بمعنى البيع": أي وذلك كما لو صالحه على غير العين المدّعى بها مع الإقرار، فإن هذا الصلح حكمه حكم البيع. وأمّا نحو المساقاة والمزارعة والحوالة والجعالة والشركة فلا خيار فيها.
قوله: "وصلح بمعنى بيع": وكذا قسمةٌ وهبة بمعنى بيع.
(٣) قوله: "عرفًا": أي ويختلف العرف باختلاف مواضع بيعٍ، فبفضاء واسع أو سوقٍ بمشيِ أحدهما مستدبرًا لصاحبه بحيث لا يسمع كلامه المعتاد. ويتجه: لو تبايعا بمكاتبة فبمفارقة مجلس قبول، أو بمناداةٍ من بُعدٍ فبمفارقةِ أحدهما مكَانَه بحيث لو كان معه عُدَّ تفرّقًا. وأنه يصدق منكِرُ عدمِ تفرّقٍ بيمينه اهـ. غاية.
(٤) قوله: "من غير إكراه": أي ومعه: حتى يتفرقا من مجلس زال فيه الإكراه، ونحوه.
стр. 196
[١/ ٣٤٣] (٥) قوله: "وإن أسقطه أحدهما الخ": وكذا لو قال لصاحبه: اختر.
(٦) قوله: "ولا يثبت الخيار لوليه": أي المجنون. وفي الإقناع أن من جُنّ، أو خرس ولم تفهم إشارته، قام وليه مقامه. فالشارح تبع المنتهى. وقد جمع بعضهم بينهما بأن كلام صاحب المنتهى محمول على غير المُطْبِق، وكلام الإقناع على المطبق. وهو جمع وجيه. فتأمل.
(٧) قوله: "وتحرم الفرقة من المجلس الخ": أي لما ورد في ذلك من النهي. وأما ما روي عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئًا يحبه مشى خطوات، فمحمول على أنه لم يبلغه الحديث. ولو بلغه لما خالفه، أو مخافة أن تلحق نفسه المبيع إذا رآه فائقًا، فيحبّ لزوم البيع، قطعًا للطمع.
(٨) قوله: "خيار الشرط": أي ويصح في بيع ونحوه إلاّ فيما قبْضه شرط لصحته كالسلم والصرف وبيع ربويٍّ بجنسه.
(٩) قوله: "أو بعده في المجلس": أي أو في مدة خيار الشرط إذا شرطا خيارًا آخر.
(١٠) قوله: "وإن طالت": أي فلا تقيّد بثلاثةِ أيام. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز أكثر من ثلاثٍ. وقال مالك: يجوز فوق ثلاثٍ، ولكن بقدر الحاجة، مثل قريةٍ لا يصل إليها في أقل من أربعة أيام، فقول الشارح: "وبهذا قال أبو يوسف ومحمد الخ" كان الصواب تأخيره بعد قول المتن: "وإن طالت" لأنه يوهم أن الخلاف في ثبوت خيار الشرط من أصله، وليس كذلك، بل في تقدير مدته كما رأيت. فتأمل.
(١١) قوله: "حيلةً ليربح في قرض": أي وذلك كما لو اشترى فرسًا بألفٍ، وشَرَط الخيار إلى سنة، فحملت وولدت في مدة الخيار، فإن الولد له. فإذا قصد هذا الربح في مقابلة قرض الثمن، بطل البيع من أصله.
(١٢) قوله: "وينتقل الملك من حين العقد": فعلى هذا لو اشترى نصاب ماشيةٍ بشرط الخيار حولاً، تكون زكاته على المشتري.
(١٣) قولى: "ولا إلى رضا" أقول. فإن فسخ المشتري، [٣٤ب] أو البائع
стр. 197
ولم يقبض الثمن، فواضح أن له لك. وأما إن فسخ البائع وقد قبض الثمن فلا [١/ ٣٤٥] يملك الفسخ إلا برّد الثمن، كما جزم به الشيخ، وإن كان ظاهر إطلاقهم خلافه. فالواجب حمل إطلاقهم على ما جزم به الشيخ، وهو مرادهم قطعًا، فتنبّه له.
(١٤) قوله: "خيار الغبن الخ": أي فيثبت في ثلاث صور: إحداها: لقادمٍ من سفرٍ، تلقّاه مشترٍ وهو لا يعرف سعر السوق. الثانية: لمسترسل، وهو من جهل القيمة ولا يحسن يماكس من بائعٍ ومشتر. الثالثة: في نَجَشٍ، بأن يزايده من لا يريد شراء ولو بلا مواطأة، ومنه: أُعطيت كذا، وهو كاذب. ويحرم على البائع أن يسوم المشتري كثيرًا ليبذل له قريبَهُ، ذكره الشيخ تقي الدين. وهو أي الغبن حرام.
وقوله: "الخارج عن العادة": أي لأنه لم يرد بتحديده الشرع، فرجع فيه إلى العرف. وقيل مقدر بنصفٍ، وقيل بثلث، وقيل بسدس. وعلى كلٍّ فاليسير لا خيار فيه.
(١٥) قوله: "وإن لم يكن عيبًا": أي فالتدليس إما أن يكون بكتم عيبٍ، فيخيّر فيه بين ردٍّ وإمساك بأرش كما يأتي. وإن كان غير ذلك، كتصرية اللبن، فيخير بين الإمساك بلا أرش أو الردّ. فتأمل.
فائدة: يردّ مع المصرّاة صاع تمرٍ سليم وجوبًا، فإن لم يجده فقيمَتَهُ موضع العقد. وهذا إن كان قد حلَبها، وإلّا ردها بلا شيء. ولو ردّها بعيبٍ غير التصرية فالحكم كذلك.
(١٦) قوله: "ويثبت للمشتري الخيار الخ" أي وهو على التراخي، لا يسقط إلا بما يدل على الرضا، كخيار غبن وعيبٍ، إلا المُصَرَّاة فيخير فيها إلى ثلاثة أيام بعد علمه بالتصرية. فإن اختار فيها وإلا بطل خياره، كما في الإقناع وغيره.
(١٧) قوله: "خيار العيب وما بمعناه": أما العيب فهو إما نقص عين المبيع ولو لم تنقص به القيمة، وإما نقص القيمة عادةً في عرف التجار، كمرض، وذهاب سنٍّ من كبير، أو زيادتها، أو زيادة إصبع، أو نقصها، وحَوَلٍ وطرشِ وقَرَعٍ وعَثْرةِ مركوبٍ ورفسه وقوة رأسه وحرَنه وشموصه، ونحو ذلك.
وأما ما بمعنى العيب فكبقٍّ في الدار، أو كونها ينزلها الجند، أو فيها حيّة،
стр. 198
[١/ ٣٤٧] وكون ماءٍ استعمل في رفع حدثٍ ونحوه، ولو لشرب، وأما عدم حيض الأمة أو كفرها فليس بعيبٍ، وكذا صدل وحُمَّى يسيران، وسقوط آياتٍ يسيرة في مصحف ونحوه.
(١٨) قوله: "في ملكه": أي الردّ، أي في كونه يملكه.
(١٩) قوله: "كثمرة شجرة": أي بعد جدادها، وإلا فمتصلة، أُبِّرتْ أو لم تؤبّر على الصحيح من المذهب. والظاهر: وكونها ظهرت بعد عقد.
وقوله: "وولد بهيمة": أي وأما ولد الأمة فيردّ مع أُمِّه، لتحريم التفريق بينهما، وللمشتري قيمته على بائع.
(٢٠) قوله: "وعليه أجرة الردّ": قال في الغاية: ويتجه: إلا إن دلّس بائع اهـ. أي فتكون حينئذ الأجرة على البائع، لأنه غازٌ بتدليسه، وهو متجه اهـ من شرحها. وهو مصادم لصريح الإقناع، فإنه صرّح بوجوب أجرة الردّ على المشتري ولو دلس البائع عليه اهـ. شطّي.
(٢١) قوله: "ويرجع بالثمن كاملاً": فلو أبرأ البائع المشتري من الثمن، ووهبه له، ثم تبيّن بالمبيع عيب، فللمشتري رده وأخذ بدل ثمنه من البائع، كزوجٍ طلّق قبل دخول، وقد وهبته الصّداق، فإنه يرجع بنصفه، أو يمسك ويأخذ الأرش.
(٢٢) قوله: "فيرجع بخمس الثمن الخ ": فإن قلت: لم لم يرجع بما نقص من القيمة؟ قلت: لأن ذلك قد يفضي إلى أن يرجع بالثمن كله فيما إذا اشتراه بعشرةٍ، ووجد به عيبًا فقُوِّم مع العيبِ بعشرةٍ، ومع عدمه بعشرين، فقد نقصت قيمته عشرة وهي الثمن كله فافهم.
(٢٣) قوله: "بجميع ما دفعهه: أي وبِبَدلِ ما أبرأه منه، أو وهبه له.
(٢٤) قوله: "واستعماله لغير تجربةٍ": محل هذا في خيار الشرط.
(٢٥) قوله: "ولا يفتقر الفسخ الخ": أطلقه الأصحاب. وعنه: يردّ الثمن إن فسخ البائع. وجزم به الشيخ، كالشفيع. وقال: وكذا التملُّكات القهرية، كأخذ الغراس والبناء من المستعير والمستأجر، والزرع من الغاصب. قاله في
стр. 199
الإنصاف (١). وهذا الصواب الذي لا يعدل عنه، خصوصًا في زمننا هذا، وقد كثرت [١/ ٣٤٨]
[٣٥أ] الحيل. ويحتمل أن يحمل كلام من أطلق على ذلك اهـ.
فائدة: لو اشترى ما ماكوله في جوفه، فكسره فوجده فاسدًا ولا قيمة لمكسوره كبيض دجاجٍ، وبطيخ لا نفع فيه، رجع بالثمن كاملاً. وليس عليه رد المبيع، لأنه لا فائدة فيه. وإن كان الفاسد بعضه رجع فيه بقسطِهِ؛ وإن كان لمكسوره قيمة كبيضِ نعام وجوز هند خُيِّر بين إمساك وأرش، وبين ردٍّ ودفع أرش كسرٍ. وإن اشترى ثوبًا مطويًّا فنشره فوجده معيبًا، فإن كان مما لا ينقصه النشر رده وأخذ الثمن، وإن كان ينقصه فكبيض نعامٍ وجوزِ هندٍ، وتقدّم.
(٢٦) قوله: "فقول المشتري الخ": وفي روايةٍ: يقبل قول البائع. قال في الإنصاف: وهي أَنَصُّهما. واختارها القاضي وأبو الخطاب وابن عبدوس، وجزم به في المنوّر ومنتخب الآدمي، وقدمه في المحرر اهـ. أي فيحلف على البتّ أنه باعه وليس به هذا العيب. وهذا عندي هو الصواب، لأن المشتري لو علم العيب به حين البيع لما ثبت له الخيار، فمن أين علم أنه كان به إذن حتى يجوز له الحلف؟ فتنبه. ثم ظهر لي أنه إذا ظهر له، وغلب على ظنه، أن العيب كان بالمبيع قبل بيعه بقرينةٍ ونحوها، كما لو أخبره بذلك من يثق به، ونحو ذلك، يجوز له الحلف على ذلك، لما له من النظائر. والله أعلم.
(٢٧) قوله: "فإن خرج عن يده لم يجز له الحلف على البت": أي فلو حلف لا يقبل منه، لا على البتّ ولا على نفي العلم. ثم إن وجد بينة على وجود العيب عند البائع رده، وإلا فلا، خلافًا لما توهم عبارة الشيخ مرعي في الغاية. فراجع وتأمل.
(٢٨) قوله:"قول المشتري الخ" لو قال: "قول المنتقل إليه" لكان أولى، لأن العيب قد يكون في الثمن، فيقبل قول البائع بيمينه أن العيب كان عند المشتري، أو: ما حدث عنده، كما هو ظاهر.
стр. 200
[١/ ٣٤٩] فائدة: لو اشترى جاريةً على أنها بكر، ووطئها، وقال: لم أصبها بكرًا، فقوله مع يمينه. وإن اختلفا قبل وطئه أريت النساء. ويقبل قول امرأة ثقةٍ اهـ إقناع.
فائدة: وإن تصرف المشتري بالمبيع بما يدل على الرضا، من وطء وسومٍ وإيجار، واستعمال لغير تجربة، عالمًا العيب، ولم يختر الإمساك قبل تصرفه، فلا أرش له، كرٍ. وعنه: له الأرش، كإمساكٍ. قال في الرعاية الكبرى والفروع: وهو أظهر. وقال في القاعدة العاشرة بعد المائة (١): هذا قول ابن عقيل. وقال عن القول الأول: فيه بُعْد. قال الموفق: قياس المذهب أنّ له الأرش بكل حال. وصوّبه في الإنصاف اهـ. إقناع. فقوله: "ولم يختر الإمساك" أي مجانًا، وإلا فالظاهر إن اختار الإمساك ليأخذ الأرش ثم تصرف فيه أن له الأرش، وأنه يقبل قوله بيمينه أنه أمسك ليأخذ الأرش. والله أعلم.
(٢٩) قوله: "ويقبل قول البائع الخ": أي وكذا المشتري إن وجد البائع عيبًا بالثمن، وأراد ردّه، فيقبل قوله بيمينه أنه ليس هو المردود. وهذا إن كان معيّنًا بعقد.
(٣٠) قوله: "حلف البائع الخ": أي وهذا إذا كان قبل قبض ثمن، وأما إن كان بعده، وفسخ عقد بإقالة أو عيب، فإنه يقبل قول بائع في قدر الثمن بيمينه.
(٣١) قوله: "بل نكل أحدهما وحلف الآخر": ظاهره: ولو نكل بائع لا يقضى عليه حتى يحلف مشترٍ، وهو ظاهر الإقناع أيضاً. لكنه مخالف لصريح كلام ابن نصرالله. فتأمل.
(٣٢) قوله: "ويتفاسخان الخ": ظاهره: لا ينفسخ بنفس التحالف، بل لا بد
стр. 201
من فسخه، وهو كذلك. [١/ ٣٥٠]
(٣٣) قوله: "ظاهرًا وباطنًا": أي سواء كان الفاسخ ظالمًا أو مظلومًا، على الصحيح.
(٣٤) قوله: "فإن نكلا الخ": قال ابن نصرالله: "إن قيل ابتداء البائع باليمين واجب، فالقضاء بالنكول يكون عليه، وإن قيل: بداءة البائع لا تتعين، فأيهما يقضى عليه بالنكول؟ " فيه نظر، ويحتمل أن يقرع بينهما، فمن قرعَ فَنكل قضي عليه اهـ. يوسف. فعلى كلام ابن نصرالله: يقضى على البائع بالنكول قبل عرض اليمين على المشتري، لأن وجوب ابتداء البائع باليمين هو المذهب، [٣٥ب] وعليه فلا يتصور نكولهما معًا. فحرر وتدبر.
فصل في التصرف في المبيع قبل قبضه
(١) قوله: "إن لم يكن فيه خيار": إما غلط من النّساخ، أو سبق قلم من الشارح رحمه الله تعالى، فإن الخيار لا يمنع من انتقال الملك في المبيع، وتقدّم.
فالأولى تأخير هذه العبارة بعد قوله: "ويصحّ تصرفه".
(٢) قوله: "فمن ضمان بائعه الخ": لفٌّ ونشر مشوّش، ومقتضى الترتيب أن يقول: "إلا المبيع بكيل الخ فلا يصح تصرفه فيه قبل قبضه، ويكون من ضمان بائعه الخ".
(٣) قوله: "الذي ليس في الذمة": أي وأما الذي في الذمة إذا تلف يؤخذ بدله مطلقًا. وكذا يصح بيعه لمن هو في ذمته غيرَ سَلَمٍ.
فصل فيما يحصل به القبض
(١) قوله: "شرط حضور الخ": أي ووعاؤه كيده، فلو أرسل ظرفًا لمن له بذمته زيت، أو عِدْلاً لمن بذمته حنطة مثلاً، فكيل له حقه في وعائه، فهو قبض صحيح، فإذا تلف بعد ذلك من غير تعَدٍّ من باذلٍ له ولا تفريطٍ، فلا ضمان عليه.
ويؤخذ من كلامه أيضًا أنه لو قبض مكيلاً بقولِ باذلٍ أنه قدر حقِّه، ولم
стр. 202
[١/ ٣٥٢] يحضر كيله لا هو ولا نائبه، يكون القبض غير صحيح، فلا يصح تصرفه فيه قبل اختباره. ثم إن وُجِدَ ناقصًا، فإن كان القابض صدَّق الباذل في قدره لم يقبل قوله إنه ناقص، وإلا قبل بيمينه. وصرّح بذلك في المنتهى وغيره.
(٢) قوله: "والنّقّاد الخ": أي إذا لم يكن المنقود مقبوضًا، وإلا فعلى القابض.
(٣) قوله: "ومن مضارب وشريك الخ": أي لا من وكيلٍ في بيع أو شراء إلاّ بإذن موكل، كما في الحاشية عن الصوالحي.
باب الربا
(١) قوله: "مكيل": أقول: والذي يظهر أن من المكيل حبَّ القهوة والفلفل والبهار ونحو ذلك، ومن الموزون التتن والتنباك والدارَصيني، أي القِرْفَة، وأن ذلك يجري فيه الربا، لعموم عباراتهم. وهل مثله الخرنوب رطبًا ويابسًا؟ تدبّر وحرر.
(٢) قوله: "لعدم تموّله عادة" قال بعضهم: وفيه نظر، لأن العلة عندنا ليست هي الماليّة. وقال م خ: وقد يقال سَلَّمنا ذلك، لكن مرادهم أن ما ذكر من إباحة الأصل، وعدم التموّل عادة، ضعَّفَ العلّة التي هي الكيل، فلم تؤثّر. اهـ.
وقال الزركشيّ: الأظهَرُ جَرَيَان الربا في الماء. وقولهم إنه مباح الأصل ينتقض بلحم الطير، والطينِ الأرمني، ونحوهما. وقولهم: لا يتموّل عادة، ينتقض بان العلة عندنا ليست المالية.
(٣) قوله: "وكلّ فاكهة رطبة الخ " هذا يشمل بعمومه التين الرطب، فإنه فاكهة، كما في الأيْمان. فظاهره أنه لا ربا فيه. ولكن لم أو من صرّح به لا إثباتًا ولا نفيًا. لكنهم صرحوا بان العنب ربوي، مع أنه فاكهة رطبة، فكان اللائق أن يقال في هذه العبارة: "إلا العنب، وهل التين مثله أو لا؟ ينبغي أن يحرر".
(٤) قوله: "والفلوس" أي فلا يجري فيها الربا إذا كان يتعامل بها عددًا، ولو ناقصةً، لخروجها عن الوزن، وعدم النصّ، فيصح بيع فلس بفلسين ولو اختلفا
стр. 203
وزنًا. وأما إذا كانت المعاملة بها وزنًا فإنه يجري فيها الربا. قاله ح ف. [١/ ٣٥٤]
(٥) قوله: "بجنسه" المراد بالجنس ما يشمل أشياء مختلفة بالنوع، كالبّر مثلاً، فإنه يشتمل على القصري والحوراني والفاشية وغيرها. والنوع ما اشتمل على أشياء مختلفة بالشخص، كأحد لهذه الثلاثة. فيكون النوع داخلاً في الجنس، فإذا كان لا يصح بيع الجنس بمثله إلا بشرطين، فالنوع بمثله من باب أولى.
وشمل كلامه ما لو باع تمرةً بتمرة، أنه لا يصح، لعدم العلم بالمماثلة كيلاً. وإذا بيع صُبْرةٌ بصبرة من جنسها صح إن علم كيلهما وتساويهما، وإلا فلا.
وقوله: "أي بمكيل" الأولى أن يقول: "أي المكيل" تفسيرًا للضمير، وأما تفسير الجنس بالمكيل فلا يصح، لأن المكيل يعمّ أجناسًا. وعليه يصير المعنى: فإذا بيع المكيل بمكيلٍ أو الموزون بموزون، صح بشرطين إلخ، وفيه قصور.
(٦) قوله: "وبرٌّ ببرٍّ وشعير بشعير". الأولى ذكر هذا عند قوله "كتمرٍ بتمر" لأنه مكيل.
(٧) قوله: "في معياره الشرعيّ الخ" أي فلو باع ما أصله الكيل بمثله وزنًا متساويًا، كرطل بُرٍّ برطل بُرٍّ، أو ما أصله الوزن بمثله كيلاً (١) متساويًا، كصاعِ رصاصٍ بصاع رصاص، لا يصح، لعدم العلم بالمماثلة في معياره الشرعي الذي هو الكيل في المكيل، والوزن في الموزون، وأما إذا علم التماثل بذلك فيصح.
قلت: ومحل ذلك فيما يظهر لي أن المكيل لا يصح بيعُه بمثله وزنًا إذا كان يمكن كيله، وإلا بأن كان جامدًا، كالسمن الجامد، والعسل والدبس الجامدين، ونحوهما كالعجوة، فيصح بيع أحد هذه الأشياء بمثله وزنًا [٣٦أ]، لأنه لا يباع إلا كذلك.
والسمن وإن تمكن إذابته ففيها مشقة، بل صرحوا بجواز هذا. فتخصيص إطلاقهم هنا بما قلنا أولى من جعله مناقضًا، بل [هو] متعيّن.
(٨) قوله: "من غير جنسه" أي وأما إن كان من جنسه، كرطل لحم معزٍ بشاةٍ، فلا يصح. قال م ص: لحديث: "نهى عن بيع الحي
стр. 204
[١/ ٣٥٥] بالميت" (١) ذكره أحمد، واحتج به، ولأنه بيع بأصله الذي فيه منه، فلم يجز، كبيع الشيرج بالسمسم. اهـ. قلت: الحديث الذي احتج به الإمام يشمل ما إذا بيع بحيوان من غير جنسه أيضًا، فليحرر.
(٩) قوله: "كالعنب بالعنب والرطب بالرطب" تمثيله، كغيره، بهما فقط يدل على أن غيرهما من الفواكه الرطبة ليس بربوي، كالتين والمشمش الرطبين ونحوهما. ويؤيّده ما تقدم من قولهم "وكل فاكهة رطبة" أي فلا يجري فيها الربا.
نعم كان الواجب أن يستثنوا الرطب والعنب من عموم هذه العبارة. وعلى كل فعباراتهم تحتاج إلى تنقيح. والله أعلم.
فائدة: ولا يصح بيع حبٍّ بدقيقه ولا بِسَوِيقِهِ، ولا دقيق حب بسويقه، ولا
خبز ولا زلابية وهريسة وفالوذج ونشا ونحوهما بحبه ولا دقيقِهِ، كيلاً ولا وزنًا اهـ
من الإقناع.
أقول: وذكر في الإنصاف روايةً بجواز بيع الحب بدقيقه وزنًا. قال واختارها في الفائق اهـ.
باب
بيع الأصول والثمار
(١) قوله: "من باع الخ": "من" اسم شرط مبتدأ، وقوله: "تناول" جواب الشرط، والجملة خبر المبتدأ. والضمير الذي فيه راجع للبيع والهبة والرهن والوقف والإقرار والوصية، ماخوذًا ذلك من "باع" وما عطف عليه. وحينئذ خَلَتْ جملة الخبر عن رابط يربطها بالمبتدأ، إلا أن يقال: معناه: تناول بيعه إيّاها أو هبته الخ فيكون الرابط ضميرًا مقدّرًا، نحو "السمن منوان بدرهم" أي منه.
(٢) قوله: "وإن كان بقاؤه أنفع له": أي لا يُبقَّى الزرع الذي لا يحصد إلا
стр. 205
مرة في الأرض المبيعة إلا لأول وقت أخذها، فليس له تأخيره عن أول وقت [١/ ٣٥٨] أخذه، وإن كان بقاؤه أنفع له.
وقوله: "كالثمرة": أي كما أن الثمرة إذا بيع شجرها بعد ظهورها، فَتُبقَّى إلى أول وقت أخذها فقط، ولو كان بقاؤها أنفع.
فصل في بيع الشجر عليه ثمر
(١) قوله: "وإذا بيع": أي أو صولح به أو رُهِنَ أو وهب أو جُعل صداقًا أو عوض خلع أو أجرةً أو أُخِذ بشفعةٍ، بخلاف وقفٍ ووصيةٍ، فإن الثمرة تدخل فيهما مطلقًا، كفسخٍ في عيب ومقايلة في بيعٍ، ورجوعِ أبٍ في هبة. قال في المفردات (١): ويتجه: "وإقرارٌ مثل الوقف والوصية" قال في شرحها: "لكن الذي يفهم من شرح الإقناع في باب الإقرار: أن الثمرة في الإقرار كالبيع، على التفصيل المذكور، وهو أظهر من اتجاه المصنف" اهـ.
أقول: مقتضى قولهم إن الإقرار ليس بإنشاء تمليكٍ، بل هو إخبار عن الواقع: دخول الثمرة مطلقًا. وأيضًا في الفروع: وليس لربّ الأرض قلعها، وثمرتها للمقرّ له. وفي الانتصار (٢) احتمال، كالبيع. فعلى هذا فاتجاه المصنف أظهر.
فائدة: إذا اختلف البائع والمشتري ونحوهما في المبيع ونحوه: هل كان
стр. 206
[١/ ٣٦٠] وقت العقد الثمر باديًا أو لا؟ فيقبل قول البائع ونحوه بيمينه، كما في المنتهى وغيره.
(٢) قوله: "وإن تشقق الخ": أي ما لم يكن التشقق ونحوه في بعض ثمرة شجرة، وإلا فالكل للبائع، لأن بعض الشيء الواحد يتبع بعضه.
(٣) قوله: "مكانه" قلت: مفهوم كلامهم أنه إذا بقي شيء من أصلها، فطلع له غصن أنه يُتقى. فليحرر.
فائذة: يصح بيع الأصول التي تتكرر ثمرتها، كالقثّاء ونحوه، مطلقًا صغارًا كانت أو كبارًا، مثمرةً أو لا، فهي كالشجرة، وثمرها كثمرةٍ في جميع الأحكام، فلا يصح بيعُها إلا لقطة لقطة، ما لم تبع مع أصلها. وقال الشيخ: يجوز بيع ثمرتها إلى أن تيْبسَ، كما في الإنصاف. ورجحّ صاحب التلخيص أن المقاثي ونحوها لا يجوز بيعها إلا بشرط القطع، ما لم تبع مع الأرض، فهي عنده كالزرع [٣٦ب] الذي لا يحصد إلاّ مرّة.
فصل في بيع الثمر على الشجر
(١) قوله: "فصلاح البلح أن يحمرّ الخ" قال جماعة: صلاح اللوز ونحوه إذا انعقد لبّه، والزيتون: جريان الدهن فيه، فإن لم يكن له زيت فبأن يصلح للكبس اهـ فروع.
(٢) قوله:. "وما تلف من الثمرة الخ": مفهومُهُ أن الزرع (١) إذا تلف قبل أخذه يكون من ضمان المشتري، فتختص الجائحة بالثمر. وهو كذلك على الصحيح من المذهب، كما في الإنصاف.
(٣) قوله: "ما لم تُبَعْ مع أصلها": أي فلا ضمان على بائع. فعلى هذا لا ضمان على بائع حالمقاثي ونحوها إن تلفت باَفيما سصاوية، لأنها تباع بأصولها. لكن ينظر فيما لو كان تلفها بسبب حرثها في الوحل، فإنها إذا كانت تحرث كذلك تنمو
стр. 207
نموًا زائدًا، بحيث تُرْغَبُ كثيزا لقوّتها، لكن بعد نحو لقطاتٍ تيبس سريعًا. فهل [١/ ٣٦٢] يكون هذا عيبًا وللمشتري ردّها ورد ما أكل منها، ويرجع بالثمن كاملاً؟ الظاهر نعم. فليحرر.
باب السلم
(١) قوله: "واللحوم النيئة الخ": مفهومه أنه لا يصحّ في مطبوخ ومشويّ، ولا في لحمٍ بعظم إن لم يعيّن محل قطعه، لاختلافه، وأنه يصح بدون عظم ولو لم يعيّن محل قطعه، لأن القيد راجع لقوله: "ولو مع عظمها" كما يفهم من كلامهم.
(٢) قوله: "إلا في أمة وولدها"، أي أو أخيها ونحوه، لندرة ذلك. وظاهر كلامهم أنه يصح في شاة وولدها ونحو ذلك. ولكن تعليلهم يأباه.
وقوله: "أو في حامل" ظاهر إطلاقهم هنا أنه لا فرف بين الأمة وغيرها، فليحرر.
مسألة: وإن أسلم في جنس واحد إلى أجلين، أو في جنسين إلى أجل، صح إن بيَّن قِسْطَ كلِّ أجل، وثمن كل جنس، وإلا فلا. وإن أسلم جنسين في جنس واحد لم يصح حتى يبيِّن حصة كل جنس من المسلم فيه. فعلى هذا: لو أسلم مائة قرش مثلاً من ذهب وفضة في قَدْرٍ معلوم من زيت أو نحوه، ولم يذكر أن الذهب بكذا والفضة بكذا، لا يصح السلم. وغالب الناس لا يتنبه لذلك. ونادرٌ من يعقد عقد سلم بوجه شرعي، مع أنه أكثر المعاملات في ديارنا، بل وغير السلم كذلك، فهذه مصيبة عامّة ورزيّة طامّة. عافانا الله تعالى من مخالفة ما شرع، وموافقة أهل الأهواء والبدع.
(٣) قوله: "فلا يصح في مكيل وزنًا الخ" أي وتقدم بيان المكيل والموزون في باب الربا، وذكر المكيل أيضاً في باب زكاة الخارج من الأرض. ولا عبرة بما يستعمله الناس الآن من كيل ووزن، بل ما كان على عهد النبي ﷺ في المدينة ومكة، كما ذكروه في الرّبا. وجَوْزُ القطن موزون، كما يفهم من حاشية ابن عوض
стр. 208
[١/ ٣٦٤] على هذا الكتاب، نقلاً عن ح ف. وبه يعلم بطلان السلم فيه بالكيل، كما عليه بعض أهل قرى نابلس. قال في الإقناع: وعنه يصحّ، أي السلم في المكيل وزنًا، وفي الموزون كيلاً. اختاره الموفق وجمع.
(٤) قوله: "وفي الكافي: أو نصفه" هكذا عبارة الإقناع. وفي الإنصاف: قال في الكافي: كالشهر ونصفه. ونحوَه قال الزركشي. وكثير من الأصحاب يمثل بالشهر والشهرين. فمن ثمَّ قال بعضهم: أقله شهر اهـ. قال في الفروع: وليس هذا في كلام أحمد، وظاهر كلامه اشتراط الأجل، ولو كان أجلأ قريبًا، ومال إليه، وقال: وهو أظهر. اهـ كلام الإنصاف. فما فيه عن الكافي مخالف لما نقله هنا وصاحب الإقناع، فليحرر.
(٥) قوله: "ربيع أو جمادى الخ" ومثله: إلى العيد، وذلك لجهالته. فإن عيَّن بان قال: ربيع الأول، أو الثاني، أو جمادى الأول، أو الثانية، أو النَّفْرِ الأول، وهو ثاني أيام التشريق، أو الثاني وهو ثالثها، أو عيد الفطر، أو الأضحى، صح، لأنه معلوم.
مسألة: ولا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه. هذا المذهب، وعليه الأصحاب. وفي المبهج (١) وغيره رواية بأن بيعه يصح، واختاره الشيخ تقي الدين.
لكن يكون بقدر القيمة فقط، لئلا يربح فيما لم يضمن. اهـ من الإنصاف. ولا يجوز أخذ عوض عن المسلم فيه من غير جنسه مطلقًا، على الصحيح من المذهب. وذكر في الإنصاف رواية بجواز أخذ الشعير عن البرّ، وجَعَل بعض الأصحاب ذلك [٣٧أ] عامًّا في جواز أخذ الأدنى عن الأعلى. قال في التلخيص: وليس عندي الأمر كذلك، وإنما هذا يختص بالحنطة والشعير، بناء على أنهما جنس واحد، ويكمّل بأحدهما نصاب الآخر في الزكاة. اهـ. قلت: وهذا يدلّ على جواز أخذ البر عن الشعير. وظاهر كلامهم خلافه. ينبغي أن يحرر. والله سبحانه
стр. 209
وتعالى أعلم. [١/ ٣٦٥]
(٦) قوله: "ولا يشترط ذكر مكان الوفاء": أي خلافًا للحنفية. وقوله: "لعدم ذكره في الحديث": أي قوله ﷺ "من اسْلَفَ فليسلف في كيلٍ معلوم أو وزنٍ معلوم إلى أجل معلوم" (١).
(٧) قوله: "ولا يصح أخذ رهنٍ أو كفيلٍ بمُسْلَمٍ فيه": هذا المذهب. وفي الإنصاف رواية بصحته. قال: نقلها حنبل. وصححه فى التصحيح (٢) والرعاية والنظم، وجزم به في الوجيز، واختاره المصنف يعني الموفقن وحكاه القاضي عن أبي بكر (٣). قال الزركشي: وهو الصواب. قال: وفي تعليلهم على المذهب نظر.
قال الناظم: هذا أولى. انتهى كلام الإنصاف. قلت: والحاجة تدعو لصحة ذلك، فلا وجه لمنعه، والله أعلم.
باب القرض
بفتح القاف، وحُكِي بكسرها، اسم مصدر بمعنى الاقتراض. وهو من المرافق المندوب إليها للمقرض. وفيه ثواب عظيم لمافيه من قضاءالحاجة لأخيه المسلم، وتفريج كربه.
(١) قوله: "والصدقة أفضل منه": أي لحديث: " ما من مسلم يقرض مسلماً قرضًا مرتين إلاّ كان كصدق مرة" رواه ابن ماجه (٤).
وقوله: "أفضل منه": هل لا يصادم قوله ﷺ "رايت لية اسري بي مكتوباً على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر" إلى آخر الحديث
стр. 210
[١/ ٣٦٧] الشريف (١). فإن ظاهره أن مضاعفة ثواب القرض أكثر. فحرر وتدبر. ثم رأيت الفتوحي قال في شرح المنتهى: معناه (٢)، والله أعلم، أي أكثر تضعيفًا، ولا يلزم من ذلك تفضيل أصل القرض على أصل الصدقة اهـ. والحاصل أن الجمهور على أن الصدقة أفضل من القرض، للأحاديث الواردة فيها، والله أعلم.
(٢) قوله: "بكل عين الخ": مفهومه أنه لا يصح قرض المنافع. وهو كذلك على الصحيح من المذهب. وجوزه الشيخ تقي الدين، كأن يحصد معه يومًا على أن يحصد معه يومًا بدله؛ أو يسكنه داره على أن يسكنه الآخر داره؛ ونحو ذلك.
(٣) قوله: "فلا يملك القرض الخ": أي إلا إذا حجر عليه لفلسٍ فله استرجاعه.
(٤) قوله: "فقيمته وقت القرض": أي إن كان المُقْرَض مما يصح السلم فيه، وإلا فجوهرٌ ونحوه مما لا يصح السلم فيه، فتردُّ قيمته يوم قبضهِ أي طلبه، كما في المنتهى. وصرح المصنف في الغاية، بأن المتقوّم تجب فيه قيمته يوم القبض مطلقا، خلافًا للمنتهى. فعبارة المتن لا تخلو من تسمّح.
(٥) قوله: "ما لم يكن معيبًا الخ": في العبارة -والله أعلم- حذف، والتقدير "وإن رد المقترض القرض بعينه، لزم المقرض قبوله، ما لم يكن معيبًا، أي ما لم يكن تعيب عند المقترض، أو ما لم يكن فلوسًا فيحرمها السلطان، فلا يلزم المقترض قبوله، بل له قيمته وقت قرض". لكن إن كان المقرَضُ ربويًّا أخذت قيمته من غير جنسه. فتأمل.
(٦) قوله: "بعد الوفاء": مفهومه أنه لو أهدى له هدية قبل وفاء القرض حرم قبولها. وهو كذلك، إلاَّ إن كان من عادته مهاداته قبل القرض، فلا يحرم. ومحله ما لم يحسب الهدية من أصل القرض، وإلا فلا يحرم مطلقًا.
مسألة: لو اقترض شخص من آخر حنطة ونحوهما مما لحمله مؤنة، ثم طلب
стр. 211
ذلك المُقْرِضُ بغير بلد القرض، لم يلزمه دفعه له، إلا إذا كانت القيمة ببلد القرض [١/ ٣٧٠] ومحل الطلب واحدة، كما صرّحوا به، ويتجه: لو شَرَط عليه وفاءه في غير بلد القرض لا يصح، لأنه يجر نفعًا.
باب الرهن
(١) قوله: "الثبوت والدوام": أي فيقال ماء راهن، أي ثابت وراكد، ونعمةٌ راهنة، أي دائمة.
(٢) قوله: "دين": أي غير سلم وكتابة.
وقوله: "أخذه": أي الدين كله.
وقوله: "منها": أي من العين بأن [٣٧ب] كانت من جنس الدين.
وقوله: "ثمنها" أي إن كانت من غير جنس الدين.
مسألة: لو قال الراهن: رهنتك عبدي بألف، فقال المرتهن: بألفين، أو قال المرتهن: رهنتني عبدين، فقال الراهن: عبدًا واحدًا، أو قال الراهن: رهنتك بالمؤجل، فقال المرتهن: بل بالحالّ، أو قال: رهنتك هذا، فقال المرتهن: بل هذا، فإنه يقبل قول الراهن بيمينه. قلت: فعلى هذا إذا حلف الراهن خرج كلا المعنيين (١) من الرهن. مثاله: لو قال الراهن: رهنتك هذا الفرس، فقال المرتهن: بل هذا البغل، حلف الراهن أنه ما رهنه هذا البغل، وخرج البغل من الرهن أيضًا، كالفرس. ثم رأيته في الإقناع صرّح بذلك. أقول: فلو مات الراهن، فقال وارثه: لا أعلم قدر الدين، وإنما أعلم أن هذا العين رهن على دين فقط، ولا بينة للمرتهن في قدر الدين، وحلف الوارث أنه لا يعلم قدره، فهل يصدق المرتهن بيمينه في قدر دينه، أو كيف الحكم؟ لم أر من ذكره، والظاهر أنهما يصطلحان على شيء معلوم، وإلا فلا تطلب اليمين من المدعي. ينبغي أن يحرر.
أقول: ثم رأيت العلامة المحقق ابن القيم رجّح أن القول قول المرتهن
стр. 212
[١/ ٣٧٢] مطلقًا. قال: وهو اختيار شيخنا، وذكر أنه مذهب مالك، وأطال في الاستدلال له. والله أعلم.
(٣) قوله: "الثاني أن يقوَّم غير المرهون الخ": هذه عبارة ابن النجار في شرح المنتهى، ومفهومه أنه لا يقوّم المرهون وحده في هذا الوجه. وليس كذلك، فإن عبارة الإنصاف: الوجه الثاني: أن يقوّم الولد أيضًا (١) منفردًا، فيقال: كم قيمته بدون أمه؟ فيقال: عشرون، فيكون للمرتهن خمسة أسداس. اهـ بحروفه.
فقوله: "أيضًا": أي كما أن الأم تقوّم مفردة في المثال. وهو واضح لا غبار عليه. مسألة: لو قال رهنتك عبدي الذي بيدك بألف، فقال: بل بعتنيه بها، أو قال: بعتكَهُ بألف، فقال: بل رهنتنيه بها، ولا بينة، أو لكل منهما بينة، حلف كل منهما على نفي ما ادعاه صاحبه، وسقط، ويأخذ الراهن رهنه، ويبقى الألف بدون رهن. ويتجه مثله لو قال أحدهما: بعتكه بذلك بيعًا وفائيًا (٢) على مذهب من يرى صحته، وقال الآخر: بيعًا باتًّا، أو عكسه.
(٤) قوله: "قوّمت ولها ولد الخ": فيقال: كم قيمتها ولها ولد؟ فيقال مثلاً: خمسون، ثم يقال: كم قيمة الولد مع أمه؟ فيقال: خمسة وعشرون، فله ثلثا ثمنهما، بالغًا ما بلغ.
(٥) قوله: "إذا كان المرتهن يعلم أن لها ولدًا": أي وأما إذا لم يعلم أن لها ولدًا عند الرهن، ثم علم، فيخيَّر بين الإمساك ولا شيء له غيرها، وبين الرد وفسخ البيع إن كانت مشروطة فيه، كما في الإقناع. اهـ. التلخيص للشيخ فخر الدين بن تيمية. الرعاية الكبرى والصغرى لابن حمدان.
(٦) قوله: "ومثله مكاتب الخ": أي مثل اليتيم في كونه لا يصح رهن ماله لفاسق. وكذا سفيه ومجنون، كما صرح به م ص. تأمل.
стр. 213
(٧) قوله: "فإن قبضه الخ": أي وصفة قبضه كمبيع: فإن كان منقولاً فبنقله، [١/ ٣٧٢] أو تناوله، وإن كان مكيلاً فبكيله، أو موزونًا فبوزنه، أو مذروعًا فبذرعِهِ، أو معدودًا فبعدّه. وقبض نحو أرض وشجر بالتخلية بينه وبين مرتهنه بغير حائل.
(٨) قوله:"لزم": أي في حق الراهن. واستدامة قبضه شرط للزومه. فيزيله أخذ راهن له بإذن مرتهن، ولو بنحو إجارة أو إعارة أو إيدل له. لكن يعود رهنًا بردّه إلى المرتهن بحكم العقد السابق. قال الإمام في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارًا ثم أكراها صاحبَها خرجت من الرهن، فإذا رجعت إليه صارت رهنًا. وكذا لو تخمّر عصير، وكان رهنًا، فإنه يعود بتخلله إلى كونه رهنًا. تأمل.
(٩) قوله: "أو معسرًا": وعنه لا ينفذ عتق المعسر، كما في شرح المنتهى لمصنفه.
(١٠) قوله: "وإلا فالرهن له": الأولى إسقاط "وإلا"، أو يقول: "إن أتاه بحقه عند الحلول وإلا فالرهن له" هذا حاصل ما قرره لنا شيخنا الشيخ يوسف البرقاوي. وهو إنما يتوجه على جعل "فالرهن الخ" جوابَ إن المدغمة في لا في قولها "وإلا"، وهو غير متعين، إذ يصح جعله جوابًا لإن في قوله "إن لم" ويكون جواب الشرط الثاني محذوفًا، أي: "وإلا فليس الرهن له"، كما يؤخذ من جواب الباجوري عن قول البوصيري في البردة (١):
"إن لم " تكن في معادي آخذًا بيدي [٣٨أ] فضلاً وإلاّ فقل يا زَلَّة القدمِ فإنه كعبارة المتن سواء بسواء (٢).
стр. 214
[١/ ٣٧٤]
فصل فيهه انتفاع المرتهن بالرهن
مسألة: قولهم "وللمرتهن الانتفاع بالمرهون مجانًا بإذن راهن ما لم يكن الدين قرضًا": يشمل السكن، والركوب، والحرث، والزرع، وأكل الثمرة، ونحو ذلك من الانتفاعات، لكن للراهن الرجوع في الإذن قبل استيفاء المنفعة وقبل قبض الثمن. وهل إذا ادّعى أنه رجع عن الإذن قبل ذلك، وأنكر المرتهن، يقبل قول الراهن بيمينه، أو لا بد من بينة؟ الظاهر أنه لا بد من بينة، كما لو وكله في بيع شيء مثلاً، فباعه، ثم ادعى الموكل أنه عزل الوكيل قبل البيع، وأن البيع غير صحيح لوقوعه بعد العزل. فإن ذلك لا يقبل إلا ببينة، كما في الإقناع وغيره. والله أعلم.
(١) قوله: "به": أي الحديث. قوله: "لأنه": أي القول بأن المراد به الخ. و"قولِهِ" بالجرّ عطفًا على ما في قوله: "بما روي" فهو دليل ثانٍ.
(٢) قوله: "متحريًا للعدل": أي لا ينتفع به إلا بقدر نفقته، ولا ينهكه، وحينئذ فلا يضمنه إذا تلف بذلك، لأنه مأذون فيه شرعًا. ذكره في الغاية اتجاهًا.
(٣) قوله: "ويرجع مرتهن بفضل نفقته": ظاهره: ولو لم يستأذن مع قدرته عليه، حيث نوى الرجوع. والظاهر أنه قد يفرق بينه وبين ما يأتي في قوله: "وإن أنفق المرتهن على الرهن الخ " بأن ما هنا مأذون في أصل النفقة عليه من جهة الشارع، بخلاف المسألة الآتية. والله أعلم. فتأمل وحرر.
(٤) قوله: "الرهن بعد أن الخ": أي المنتفع به مجانًا. م ص في شرح المنتهى.
(٥) قوله: "بِجُعْلٍ،: في كلامه الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، أي وكذا مودعَ بجعل، ووكيل بجعل، ووصيّ بجعل، ودَلاّل بجعل. ففي حل الشارح نظر، إذ لا فرق بين الدلاّل والمودع ونحوه. ويأتي بيان ذلك في الوكالة والوديعة ونحوهما من أبواب الأمانات موضَّحًا. فتأمل.
стр. 215
باب
الضمان والكفالة [ ١/ ٣٧٧]
(١) قوله: "وتوقيتًا": أما الكفالة فتصح توقيتًا، كأن كفل ببدنه شهرًا ونحوه، فليس للمكفول له مطالبةُ الكفيل بعد الشهر ونحوه، وأما الضمان فقال م ص وغيره: الظاهر أنه لا يصح توقيتًا. وقول الشارح: كإذا جاء رأس الشهر الخ: فيه نظر؛ فإن هذا تعليقٌ لا توقيتٌ، كما هو ظاهر. فتدبر وحرر.
(٢) قوله: "ممن يصح تبرّعه": أي أو مفلس ولو بعد الحجر عليه، لأنه ممنوع من التصرف في ماله، لا في ذمته.
وقوله: "دون التمييز": أي قولاًواحدًا. وكذا المميز على الصحيح من المذهب كما في الإنصاف. فتقييده بدون التمييز نظرٌ لقوله "بلا خلاف".
(٣) قوله: لاولا من سفيه": أي محجور عليه. وأما إذا لم يحجر عليه فلا مانع، كما ذكره العلامة (١) في الغاية.
(٤) قوله: " أو أيهما شاء" أي ما لم يكن أحدهما معسرًا، فليس له مطالبته، ضامنًا أو مضمونًا، كما في الغاية.
(٥) قوله: "لكن لو ضمن الخ": قال ابن عوض في الحاشية: استدراكٌ على قوله "يصحان توقيتًا". اهـ. وفيه نظر، بل هو استدراك على قوله: "ولرب الحق مطالبة الضامن والمضمون معًا" فإنه ربما يتوهم أن له ذلك في جميع الأحوال، فقال: "لكن لو ضمن الخ" أي ففي هذه الصورة ليس له مطالبة الضامن إلى أجلٍ قبل مجيئه. وله أن يطلب المضمون في أي وقت شاء. أي فليس له مطالبتهما معًا قبل الأجل، ولا مطالبة أيهما شاء، بل مطالبة المضمون فقط فتأمل.
(٦) قوله: "بدليل ما لو مات المضمون عنه الخ": هذه العبارة كلها لابن النجار في شرح المنتهى. ومفهومه أنه إذا مات المضمون عنه، والدين لم يبلغ