الصوم ولو نفلًا بنيةٍ من النهار حيث لم يأت بمنافٍ، فإذا صام يومًا تبينَّا أنه [٢/ ٤٢٩] حنث منذ شرع، فلو كان حلفه بطلاقٍ، وولدتْ بعد الشروع في الصوم، وقبل تمام اليوم، انقضت عدتها، وإن كان الطلاق بائنًا وماتت في أثناء ذلك اليوم لم يرثها.
قال م ص: قلت: فإن مات هو أو بطل الصَّوم فلا حنث، لتبيُّن أن لا صوم.
فإن كان حالة حلفه لا يحج أوْ لا يصوم حاجًّا أو صائمًا، فاستدامَهُ، حنث، خلافًا لما في الإقناع اهـ.
ومن حلف "لا يصلي" حنث بتكبيرة إحرام، ولو على جنازة، لأنها صلاة، بخلاف الطواف. وإن حلف "لا يصلي صلاةً" لم يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة. وكذا "لا يصوم صومًالا لم يحنث حتى يصوم يومًا، ظاهره ولو بنية في أثناء النهار في نفلٍ، مع أن أول النهار عريٌّ عن النية والثواب. والله أعلم.
(١٤) قوله: "والصلح على مالٍ شراء": أي فيما إذا ادعى عليه شخص عينًا فأقرَّ بها، ثم صالحه على عينٍ غير المدعى بها، فيكون قد اشترى العين المدَّعى بها بذلك. وإما إن صالحه على بعض العين المدعاة فهو هبة، وتقدم.
(١٥) قوله: "والحلف على الماضي والمستقبل سواء": أي لا فرق بين قوله: "لا أبيع" فباع بيعًا صحيحًا، فيحنث، وفاسدًا لا، وبين قوله: "ما بعت" وكان قد باع بيعًا صحيحًا فيحنث، وفاسدًا لا، وذلك لما ذكره الشارح.
(١٦) قوله: "فالأيمان مبناها العرف" أي دون الحقيقة، لأنها صارت مهجورة لا يعرفها أكثر الناس. فمن حلف "لا يشتري راوية" حنث بشراء مزادة، لا بشراء جمل؛ "ولا يطأ ظعينة" حنث بوطء المرأة لا الناقة، "ولا ينظر إلى غائط" حنث بالرّوث الخارج دون المكان المنخفض من الأرض. ولا يحنث إذا قصد معناه الحقيقي. وكذا كل ما في معناه فتدبر.
(١٧) قوله: "لأن ظاهر حلفه إرادة الامتناع" أي ما لم ينو حقيقة ذلك، أو اقتضاه السبب، فإنه لا يحنث إلا بها.
(١٨) قوله: "وبيت الشعر" ظاهره سواء كان الحالف بدويًا أو لا، وهو
стр. 457
[٢/ ٤٣١]
كذلك، صرح به في الإقناع. والأَدَم بفتح الهمزة والدال الجلد.
(١٩) قوله: "ولا يضرب فلانة، فخنقها إلخ لا أي ما لم ينو حقيقة الضرب، فإنه لا يحنث بذلك. وقوله: "وإن ضربها بعد موتها لم يبَرّ" يؤخذ منه أنه لو حلف لا يضربها، فضربها بعد موتها، لا يحنث أيضاً. فتدبر.
(٢٠) قوله: "من حلف [٨٣أ]، لا يشم الريحان فشم وردًا إلخ" وقال القاضي: يختص يمينه بالريحان الفارسي، لأنه مسماه عرفًا، وقدمه في المقنع، وجزم به في الوجيز اهـ. م ص.
(٢١) قوله: "فإن عدم العرف": أي بان اشتهرت حقيقته دون مجازه، أو لم يكن له مجاز، فيرجع إلى الحقيقة اللغوية.
(٢٢) وقوله: "لا بما لا يسمى لحمًا، كالشحم ونحوه": أي ومحل ذلك ما لم يقصد اجتناب الدسَم، فإن قصد ذلك حنث بأكل الشحم ونحوه، لأن فيه دَسَمًا. وكذا لو اقتضاه سبب اليمين وما هيّجها، وهو معلوم مما تقدم، فليتنبه له.
ومن حلف لا يأكل شحمًا، فأكل شحم الظهر أو الجنب، أو سمينهما، أو الألية، أو السنام، حنث، لأن الشحم ما يذوب من الحيوان بالنار.
أقول: لكن لا يطلق الشحم على الألية عرفًا (١). ينبغي أن يحرر، والله أعلم.
(٢٣) قوله: "يسمى رأاسًا لا لحّامًا": وعبارة م ص على المنتهى: وبائع الرؤوس يسمّى روّاسًا لا لحّامًا، فتأمله.
(٢٤) قوله: "ولو من لبن آدمية": أي أو من لبن محرم، كما ذكره م ص بحثًا منه قياسًا على اللحم اهـ.
(٢٥) قوله: "لا إن أكل زبدًا إلخ": أي لا يحنث من حلف لا يأكل لبنًا بأكل
стр. 458
زبد إلخ، لأنه لا يدخل في مسمّى اللبن. [٢/ ٤٣٢]
(٢٦) قوله: "ما سأل من الأقطِ": بكسر القاف، وهو اللبن المجفف. وكذا من حلف "لا يأكل زبدًا" فأكل سمنًا لا يحنث، كعكسه، ما لم يظهر في أحدهما طعم الآخر. فإن ظهر فيه طعمه حنث اهـ. م ص.
(٢٧) قوله: "كبلح وعنب ورمان": فإن قيل: قوله تعالى ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨] يقتضي أن البلح والرمان ليسا من الفاكهة؟ فالجواب أن العطف هنا للتشريف، لا للمغايرة، فهي كقوله تعالى ﴿من كان عدوًّا لِلهِ وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨] الآية.
(٢٨) قوله: "كثمر القيقب والعفص": قال م ص: بخلاف الخرنوب.
فظاهره أنه من الفاكهة. اهـ.
(٢٩) قوله: "لا يتغدى فأكل بعد الزوال": ظاهره ولو كان الغداء في عرف الحالف هو الأكل بعد الزوال، كما هو في عرف أهل بلادنا، مع أنه تقدم أن المعتبر بعد النية والسبب العرف، وهو قد يختلف باختلاف الناس.
والذي يتجه عندي أنه لا يحكم على كل الناس بعرف بعضهم، بل يعتبر عرف كل ناحية لحدتها، والله أعلم.
والغداء والعشاء أن يأكل أكثر من نصف شِبَعِهِ، والأكلة ما يعده الناس أكلةً، وبالفم اللقمة. اهـ. م ص.
ومن حلف "لا يأكل سمنًا" فأكله في خبيصٍ، أو: "لا يأكل بيضًا" فأكل ناطفًا، أو "لا يأكل شعيرًا" فأكل حنطة فيها حبات شعير، لم يحنث إلا إذا ظَهَرَ طعم شيء من محلوف عليه. اهـ. منتهى.
(٣٠) قوله: "فإنه لا يحنث" أي ما لم ينو الشرب من مائه، أو يقتضيه السبب، كما يعلم مما تقدم.
(٣١) قوله:"حنث بما جعله لعبده من دارٍ إلخ" أي ما لم ينو مسكنه، أو ما اختص به من ذلك، فإنه لا يحنث.
(٣٢) قوله: "أو بما استأجره فلان" وكذا يحنث بدخوله الدار الموصى له
стр. 459
[٢/ ٤٣٤] بمنفعتها، والموقوفة على عينه. أما الموقوفة على الجنس فهي أقوى من المعارة، لأن المنفعة مستحقة للجنس. اهـ. ح ف.
أقول: وكذا يحنث بدخوله داره الموصى بنفعها لغيره، لأنها كالمؤجرة. والله أعلم.
(٣٣) قوله: "لا بما استعاره" أي ما لم ينو مسكنه، أو كان السبب المهيّج لليمين يقتضيه، كما علم مما تقدم.
(٣٤) قوله: "لا بمِلْكِهِ الذي يسكنه" أي لا يحنث بدخوله دارًا لزيد غير مسكونة له.
(٣٥) قوله: "حنث بكلامِ كل إنسان" أي ما لم ينو إنسانًا بعينه، أو كان سبب اليمين يقتضيه.
(٣٦) وقوله: "حتى بقوله: تنحَّ، أو: اسكُتْ" أي إلا أن ينوي كلامًا غير هذا.
(٣٧) وقوله: "ولا كلمت فلانًا، فكاتبه أو راسله" أي أرسل له رسولاً. وكذا إن أشار إليه حنث. قاله القاضي. وإن سلّم على قومِ هو فيهم ولم يعلم فكناس.
وإن علم به ولم ينوه ولم يستثنه بقلبه ولا بلسانه كان يقول: "السلام عليكمَ إلا فلانًا"، حنث.
(٣٨) وقوله: "ولا بدأت فلانًا بكلامٍ" فتكلما معًا، لم يحنث، أي بخلاف قوله: "لا كلمته حتى يكلمني أو يبدأني بكلامٍ" فيحنث بكلامهما معًا.
(٣٩) قوله: "وبمالٍ غير زكويّ": لو قال "وبمال ولو غير زكوي" [٨٣ب] لكان أوضح، لأنه يحنث بالزكوي من باب أولى.
(٤٠) قوله: "وليضربن فلانًا بمائة إلخ": قال ع ن: لعل الفرق بينها وبين التي بعدها أن ما دخلت عليه الباء صادق على الآلة، فُرِّقَتْ أو جمعت، وما لم تدخل عليه الباء صادق في الفعلات، وهي لا تكون من شخصٍ إلا مرتّبة. اهـ.
أقول: وقوله تعالى ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾ [ص: ٤٤]
стр. 460
لسيدنا أيوب ﵇، وكان قد حلف ليضربن زوجته مائة ضربة، لعله [٢/ ٤٣٦] خصوصية (١). والله أعلم.
(٤١) قوله: "لزمه الخروج بنفسه وأهله ومتاعه المقصود": المراد بأهله زوجته أو عائلته، وبمتاعه المقصود ما لا يستغني عنه الساكن، فإن انتقل بدون ذلك [حنث] (٢).
(٤٢) قوله: "ولا يمكنه إجبارها، فخرج وحده". وكذا إذا لم يخرج وكان لا يمكنه النقلة بدونها، لكن بنية النقلة متى قدر عليها. ومثل الزوجة عائلته.
(٤٣) قوله: "فخرج وحده": أي بمتاعه المقصود له، وإلا حنث، كما ذكره ح ف.
(٤٤) قوله: "إلا أنه يبرّ بخروجه وحده": إذا حلف ليخرجن منه. علم منه أنه لو حلف ليرحلنّ من البلد لا يَبَرُّ بخروجه وحده، بل بأهله ومتاعه المقصود، كالدار.
(٤٥) قوله: "ولا يحنث في الجميع بالعود إلخ": أي ولهذا بخلاف ما لو حلف لا يسكنها، فإنه إن خرج ثم عاد إليها وسكنها يحنث، لا إن دخلها زائرًا ولو أقام أيلمًا، فإن الزيارة ليست بسكن (٣) اتفاقًا.
(٤٦) قوله: "فخدمه وهو ساكت": أي لم ينهه. ومفهومه أنه إذا نهاه فلم ينته لا يحنث. اهـ. ح ف.
(٤٧) قوله: "فوكل فيه من يفعله حنث": وفي المستوعب أنه إذا قصد بيمينه أنه لا يتولى هو فعله فلا يحنث إذا أمر غيره بفعله ففعله. ذكره ابن أبي موسى.
стр. 461
[٢/ ٤٣٧] ولعله مراد من أطلق. اهـ. ح ف. وهو كما قال. والله أعلم.
(٤٨) قوله: "وإنما الحالق غيرهما": الصواب غيرهم. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿قال يا هامان ابن لي صرحًا] [غافر: ٣٦] ونحوه مما تدخله النيابة. وكذا لو حلف لا يبيع، فتوكل عن غيره في بيعٍ فباع، لا يحنث، لإضافة فعله لموكله.
قال م ص: قلت: إلاّ أن يكون نيتُهُ أو سبب اليمين الامتناع من فعل ذلك لنفسه وغيره، فيحنث إذن بذلك. اهـ.
باب النذر
(١) قوله: "هو لغة الإيجاب": وشرعًا إلزام مكلفٍ مختارٍ نفسه لله تعالى شيئًا غير لازمٍ بأصل الشرع بالقول، كعليَّ لله، أو نذرت لله، ونحوه. فلا تعتبر له صيغة خاصة. ويصح من كافر بعبادةٍ، لقول عمر: "إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً. فقال النبي ﷺ أوف بنذرك" (١) ولأن نذر العبادة ليس بعبادة.
(٢) قوله: "وهو مكروه": قال م ص: وحرَّمه طائفة من أهل الحديث.
(٣) قوله:"ولو عبادة": ظاهره أنه يصلي النفل كما هو، لا ينذره ثم يصليه، كما يفعله بعض الناس المتعبدين.
(٤) قوله: "لا يأتي بخير": أي لا يجلب نعمة ولا يردّ قضاء، أي لا يدفع نقمة (٢).
(٥) قوله: "ولا يضر قوله: على مذهب من يُلزِم بذلك": أي بالمنذور أي كمالك، لأن ذلك توكيد، والشرع لا يتغير بالتوكيد. قاله الشيخ.
(٦) قوله: "فيخيَّر أيضًا": أي كما لو حلف عليه. وقد روى أبو داود: "أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدفّ. فقال لها
стр. 462
رسول الله ﷺ : أوفي بنذرك" (١). اهـ. م ص. [٢/ ٤٤٠]
(٧) قوله: "كشرب خمر إلخ": ومن ذلك إسراج القبر، والشجرة، والنذر لها، أو المغارة، أو القبر، إذا نذر لذلك أو نذر لسكّانه، أو المضافين إلى ذلك المكان. قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى.
(٨) قوله: "فيحرم الوفاء": أي لقوله ﷺ : "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (٢).
(٩) قوله: "غير صوم يوم حيض": أي فلا يقضي، لأن الحيض منافٍ للصوم لمعنى فيه، فلا ينعقد نذره، كنذر صوم ليلةٍ، لأنها ليست محل صوم.
(١٠) قوله: "ولو واجبين": هذا على القول بانعقاد النذر في الواجب، كلله عليَّ صوم رمضان ونحوه، فيكفِّر إن لم يصم، كحلفه عليه، وهو الذي قدمه في المنتهى والإقناع. ثم قالا: وعند الأكثر: لا. [٨٤أ] أي لا ينعقد النذر في الواجب. والله أعلم.
فائدة: ومن نَذْرِ التبرُّرِ لو حلف بقصد التقرب. فقال: والله إن سلم مالي لأتصدقن بكذا، فوجد الشرط، لزمه.
ومن نَذَرَ الصدقة بكلِّ ماله نذر قربةٍ، لا نذرَ لجاجٍ وغضبٍ، أجزأه ثلثه. ولا كفارة. وثلث المال معتبر يوم نذره. وإن نذر بعضًا مسمًّى من ماله، كنصفه أو ألْفٍ وهو بعض ماله، لزمه.
أقول: وظاهر هذا: لو نذر الصدقة بتسعة أعشار ماله، أو بتسعةٍ وتسعين جزأً من مائة جزءٍ من ماله، أنه يلزمه ذلك ولا يجزيه الثلث كنذر الصدقة بجميع ماله. والله أعلم.
(١١) قوله: "قال الشيخ تقي الدين إلخ": أي لا يشترط ذكر النذر، ولا قوله "لله علي" لأن دلالة الحال تدل على إرادة النذر. فمتى وجد شرطه انعقد نذره
стр. 463
[٢/ ٤٤٠] ولزمه فعله. ونص عليه الإمام في: "إن قدم فلان تصدقت بكذا" وقال الشيخ: من قال عنه ليس بنذر فقد أخطأ. وقال: قول القائل: لئن ابتلاني الله لأصبرن، ولئن لقيت العدو لأجاهدنه، ولو علمت أيُّ العمل أحب إلى الله لعملتُه، نذر معلق بشرط، كقول آخر ﴿لئن آتانا من فضله لنصَّدَّقَنَّ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]. ونظير ابتداءِ الإيجاب تمنّي لقاء العدو. ويشبهه سؤال الإمارة. فإيجاب المؤمن على نفسه إيجابًا لم يحتج إليه، بنذرٍ وعهد وطلب وسؤالٍ، جهل منه وظلم.
(١٢) قوله: "قال الشيخ: النذر للقبور إلخ": أي ومحل ذلك إن قال الناذر: للنبي فلان، أو الوليّ فلان، عليَّ كذا. وأما إن قال: "لله عليَّ أن أذبح ذبيحةً وأطبخ كذا من الأرز ونحوه في محل النبيِّ فلانٍ، أو الوليّ فلانٍ"، وأطعمه لفقراء ذلك المحل فهذا يجب الوفاء به، لكن لا على ما يفعله أهل زماننا هذا من أخذهم تلك النذور، وصحبتهم النساء الشوابَّ الحسان، ومرد الشبان، ويركبون الهوادج، ويضربون البارود، مع ترنُّم النساء بالغناء والأصوات المُفْتنة (١). فهذا لا يشك عاقل في عدم جوازه. وإذا كان هذا مقصود الناذر فهو نذر معصية لا يجوز الوفاء به.
والله أعلم (٢).
(١٣) قوله: "وإن تصدق بما نَذَرهُ إلخ": ظاهره إن ذلك ليس بواجب عليه، مع أنه تقدم: من نَذَرَ صوم يوم عيد ونحوه لا يجوز الوفاء به، ويلزمه أن يصوم يومًا مكانه ويكفّر. فمقتضاه أن هذا أيضًا يلزمه أن يتصدق بما نذره على الفقراء (٣).
стр. 464
والله أعلم. [٢/ ٤٤١]
(١٤) قوله: "من نذر إسراج بئر إلخ": أي وأما من نذر للمساجد ما تنوّر به أو يصرف في مصالحها فهذا نذرُ بِرٍّ فيوفى به. قاله الشيخ.
(١٥) قوله: "ويكفر لفوات التتابع،: أي ولفوات المحل. فانه يقضي ما أفطره في غير الشهر المنذور. ويلزمه تتابع القضاء.
١٦١) قوله: "مما نذره": وظاهره: ولا كفارة. اهـ. م ص.
فائدة: ولا يلزم الوفاء بالوعد.
...
стр. 465
[٢/ ٤٤٣]
كتاب القضاء والفتيا
(١) زاد الشارح في الترجمة الفتيا مع أنه لم يذكر أحكامها.
(٢) قوله: "وهي": أي الفتيا.
(٣) قوله: "ولا يلزم جواب ما لم يقع": لما روي من النهي عن ذلك.
واحتج الشافعي على كراهة السؤال قبل وقوعه بقوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تُبْد لكم تسؤكم﴾ [الأنعام: ١٠١].
(٤) قوله: "ولا ما لا يحتمله سائل": أي لما ذكر البخاري، قال: "قال عليٌّ: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟ " وفي مقدمة مسلم عن ابن مسعود: "ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنةً".
(٥) قوله: "ولا ما لا نفع فيه": أي لقول ابن عباس لعكرمة "من سألك عما لا يعنيه فلا تُفْتِه". قال في الإقناع: كان السلف يهابون الفتيا ويشدِّدون فيها ويتدافعونها. وأنكر أحمد وغيره على من يهجم على الجواب. وقال: لا ينبغي أن يجيب في كل ما يستفتى فيه. وقال: إذا هاب (١) الرجل شيئًا لا ينبغي أن يحمل على أن يقول. وقال: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا (٢) حتى يكون فيه خمس خصال:
أولها: أن تكون له نيّة، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه [نور] (٣) ولا على كلامه نور.
الثانية: أن يكون له [٨٤ب] حلم ووقار وسكينة.
стр. 466
الثالثة: أن يكون قويًا على ما هو فيه وعلى معرفته. [٢/ ٤٤٣]
الرابعة: الكفاية، وإلا أبغضه الناس (١) لاحتياجه لما في أيديهم.
الخامسة: معرفة الناس، بان يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم. ولا ينبغي أن يحسّن الظن بهم، بل يكون حذرًا فطنًا مما يصوّرون في سؤالاتهم.
ويحرم أن يفتي في حالٍ لا يحكم فيها، كغضب ونحوه. فإن أفتى وأصاب صح وكره. اهـ. باختصار.
(٦) قوله: "وهو" أي القضاء "فرض كفاية": أي وهو رتبة دينية ونصبة شرعية. وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به وأداء الحق فيه. قال الشيخ: والواجب اتخاذها دينًا وقربةً، فمانها من أفضل القربات. وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرياسة والمال بها. اهـ.
وفيه خطر كبير ووزر عظيم لمن لم يؤدِّ الحق فيه، فمن عرف الحق ولم يقض به، أو قضى على جهل، ففي النار، ومن عرف الحق وقضى به ففي الجنة.
وهذا معنى قوله ﷺ "قاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار" أو كما قال.
ويجب على من يصلح للقضاء ولم يوجد غيره ممن يوثق به الدخول فيه إن لم يشغله عما هو أهم منه. ومن لا يحسنه، ولم يجتمع فيه شروطه، حرم عليه الدخول فيه. ومن كان من أهله ووجد غيره فلا يجب عليه. والأولى أن لا يجيب إذا طلب له. فطريقة السلف الامتناع. وإن لم يمكنه القيام بالواجب، لظلم السلطان أو غيره، حرم، وتأكد الامتناع. ويحرم بذل المال في لك. ويحرم أخذه. اهـ. ملخصًا من الإقناع.
(٧) قوله: "ويختار لذلك أفضل من يجد إلخ": أي وإن لم يعرف من اتصف بذلك سأل عمن يصلح، فإن ذكر له من لا يعرفه أحضره وسأله. فإن عرف عدالته وإلا بحث عنها. فإذا عرفها ولّاه وكتب له بذلك عهدًا.
(٨) قوله: "ومعلقة": أي لحديث: "أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل
стр. 467
[٢/ ٤٤٤]
فعبد الله بن رواحة" (١) والقضاء كالإمارة، بجامع أن كلاً منهما نيابةٌ في عمل مخصوص، ولأنه لا محظور في ذلك.
(٩) قوله: "كونها من إمام": فلو خلا البلد من قاض، فاجتمع أهل البلد وقلدوا قاضيًا عليهم، فإن كان الإمام مفقودًا صح ونفذت أحكامه عليهم، وإن كان موجودًا لم يصح. فإن لم يكن فتجدّد بعد ذلك لم يستدم هذا القاضي النظر إلا بعد إذنه. ولا ينقض ما تقدم من حكمه.
ويستثنى من اشتراط تولية الإمام أو نائبه تولية المحكَّم، فإنها تصح من غير توليتهما. اهـ. خ ف.
(١٠) قوله: "أو نائبه فيه": أي في القضاة، بأن يفوض الإمام إلى إنسان تولية القضاة، فيكون نائبًا عن الإمام في توليته القضاء، لأن الإمام له تولي ذلك، فجاز له التوكيل فيه، كالبيع. فإن فوَّض له اختيار قاضٍ جاز، وليس له أن يختار نفسه أو ولده أو والده. اهـ. ح ف. بتصرف.
(١١) قوله: "فلا تجوز توليته مع العلم بعدم صلاحيته: ظاهره أنه تجوز توليته مع الجهل، وليس كذلك، وهو مناقض لما قبله. فالصواب أن يقول: "فلا تجوز توليته مع عدم العلم بصلاحيته"، فالعلم بالصلاحية شرط، لأن الجهل بها كالعلم بعدمها، لأنه الأصل. فإن لم يعرفه سأل عنه من له معرفة به، فإن وجده صالحًا ولاّه، وإلا فلا.
(١٢) قوله: "ومشافهته بها": أي إن كان حاضرًا بالمجلس، "أو مكاتبته" أي إن كان غائبًا، "وإشهاد عدلين عليها" أي التولية، بأن يكتب العهد، ويقرأه على العدلين، ويشهدهما على ما فيه، ويأخذاه إلى الموَلَّى ليشهدا له هناك إذا كان محله فوق خمسة أيام من بلده.
(١٣) قوله: "أو استفاضتها": أي فيكفي استفاضة الولاية إذا كان محل
стр. 468
الولاية خمسة أيام فما دون. لأن الاستفاضة آكد من الشهادة. وليذا يثبت بها [٢/ ٤٤٦] النسب والموت، فلا حاجة معها إلى الشهادة كما ذكره م ص.
فصل فيما تفيده ولاية القضاء
(١) قوله: "ولا يستفيد إلاحتساب إلخ": أي بسبب [عدم] توفية الكيل أو الوزن ونحوهما، لأن العادة [٨٥أ] لم تجر بتولّي القضاة لذلك، لكن إن تخاصموا [إليه] في صحة البيع أو فساده أو قبض ثمنِ أو مثمنٍ فله النظر فيه. وقال في التبصرة (١): ويستفيد منه أيضاً الاحتساب على الباعة والمشترين، وإلزامهم بالشرع.
ذكره في الإقناع وأقره، وقال: قال الشيخ: ما يستفيده بالولاية لا حدّ له.
(٢) قوله: "وله طلب رزقٍ من بيت المال": أي لحاجة الناس إلى القضاء، فلو لم يجز الفرض للقضاة لتعطل القضاء وضاعت الحقوق، ولأن أبا بكر لما ولي الخلافة فرضوا له رزقًا في كل يوم درهمين. اهـ. م ص.
(٣) قوله: "وخلفائه": أي نوابه في الحكم. فإن لم يجعل له شيء من بيت المال، وليس له ما يكفيه ويكفي عياله، ولو من غلةِ وقفٍ ونحوه، وقال للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بجعلٍ، جاز له أخذ الجعل، لا الأجرة. وإن كان له ما يكفيه لم يجز أخذالجعل أيضًا.
وكذا من تعيّن أن يفتي، وله كفاية، لا يجوز له أخذ الجعل على فتياه، ولا يأخذ أيضًا أجرة خطِّه إن كان له رزق من بيت المال، وإلا جاز.
وأمَّا من لم يتعين للفتوى بأن كان بالبلد عالم يقوم مقامه، أو لم يكن له كفاية، جاز له أخذ الجعل على الإفتاء.
وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس العلم والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن الكسب. وله قبول هدية لا ليفتيه بما يريد، وإلا حرمت.
стр. 469
[٢/ ٤٤٦]
(٤) قوله: "ولا ينفذ حكمه في غير محل عمله": أي وهو محل نفوذ حكمه. لكن له أن يحكم في أي محل شاء منه، فلو شرط عليه في عقد الولاية موضعًا مخصوصًا، إما في داره أو في المسجد ونحوهما، بطلت الولاية، لأن الولاية عامّة فلا يجوز الحجر عليه في موضع جلوسه. وإن قال له: وليتك الحكم بين من ورد دارك والمسجد الفلاني ونحو ذلك، صح ولم يجز أن يحكم في غير داره أو المسجد المسمى له، لأنه جعل ولايته مقصورة على من ورد إلى داره أو مسجده، وهم لا يتعيّنون إلا في ورودهم إلى ذلك. اهـ. ح ف. ببعض تصرف.
فصل في شروط القاضي
(١) قوله: "ويشترط في القاضي عشر خصال": أي ولا يشترط غيرها.
والشاب المتصف بالصفات المذكورة كغيره، لكن الأسن أولى مع التساوي.
ويرجّح أيضًا بحسن الخلق، وكذا كل من كان أكمل في الصفات. اهـ. ح ف. ولا يشترط ذلك في المفتي، فتصح فتوى عبدٍ وامرأة وقريبٍ وأمي وأخرس مفهوم الإشارة أو الكتابة. وتصح مع جر النفع ودفع الضرر، ومن العدوّ، وأن يفتي أباه وابنه وشريكه، ومن لا تقبل شهادته له. لكن لا تصح من فاسق لغيره، ولو مجتهدًا. وكذا مستور الحال. ولهما إفتاء أنفسهما.
(٢) قوله: "مجتهدًا": المجتهد من يعرف من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمستثنى والمستثنى منه. ويعرف من السنة صحيحها من سقيمها، وتواترها من آحادها، ومرسلها ومتصلها، ومسندها ومنقطعها، مما له تعلق بالأحكام خاصة. ويعرف ما أجمع عليه مما اختلف فيه، والقياسَ وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه، والعربيَّة المتداولة بالحجاز والشام والعراق وما يواليهم. فمن عرف ذلك أو أكثره، ورزق فهمه، صلح للفتيا والقضاء. لكن قال الشيخ: لو ولَّاه في المواريث لم يجب أن يعرف إلا الفرائض والوصايا وما يتعلق بذلك. وإن ولَّاه عقد الأنكحة وفسخها لم
стр. 470
يجب أن يعرف إلا ذلك. وعلى هذا فقضاة الأطراف يجوز أن لا يقضوا في الأمور [٢/ ٤٤٨] الكبار، كالدماء والقضايا المشكلة. وعلى هذا لو قال: اقض فيما تعلم، جاز، ويبقى ما لا يعلم خارجًا عن ولايته. اهـ. قاله في الإقناع [٨٥ب].
(٣) قوله: "ولا تشترط العشر صفات" أي لا تشترط كلها، وانظر ما المراد بالصفة التي لا تشترط من هذه الصفات العشر، وهو يحتاج لنظر. فتأمل (١).
فصل في آداب القضاء
(١) قوله: "بلا عنف": بضم العين على المشهور، وحكى بعضهم ضمها وفتحها وكسرها (٢).
(٢) قوله: "في لحظِهِ": أي فلا يجوز له أن ينظر لأحدهما في الحكومة كثر من الآخر، أو ينْهَر أحدهما، أو يرفع صوته عليه ما لا يرفعه على الآخر، إلا إذا فعل ما يقتضيه، كأن يفتات عليه، ولا أن يُجْلس أحدهما ويوقف الآخر، ولا يجلس أحدهما بجانبه والآخر بين يديه، إلا أن يأذن أحد الخصمين في رفع الآخر عليه في المجلس، ولا أن يُدخل أحدهما قبل الآخر.
(٣) قوله: "إلا المسلم إلخ": أي لما روي "أن عليًّا وجد درعه مع يهودي، فاختصما إلى شريح، فلما رأى عليّا قام شريح من مجلِسِهِ وأجلسه في موضعه، وجلس هو مع اليهودي بين يديه. فقال علي: لو كان خصمي مسلمًا لجلست بين يديك" (٣)، ولما في ذلك من إظهار شرف الإسلام.
(٤) قوله: "ويحرم عليه أخذ الرشوة": أي لحديث ابن عمر: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي" زاد بعضهم "والرائش"
стр. 471
[٢/ ٤٤٩]
وهو (١) السفير بينهما.
(٥) وقوله: "وكذا هديّة": أي لقوله ﵇ "هدايا العمال غلول" لكن إن كانت الهدية ممن كان يهاديه قبل ولايته، وليس له حكومةٌ، جاز قبولها.
والأولى ردّها. وقال ابن نصر الله: ولا يبعد أن ذلك بشرط أن تكون هديته بعد ولايته كما كانت قبلها، فإن كثَّرها، أو كرَّرها فالظاهر أنه كغيره اهـ. ح ف. حاشية.
(٦) قوله:"أو يقوم له دون الآخر": أما لو قام لهما فلا كراهية، كما في المنتهى.
ويستحب القيامُ للإمام العادل، والوالدين، وأهل الدين والورع، وكرام الناس، وأهل الحسب، ولا يستحب القيام لغير هؤلاء. ويكره القيام لأهل المعاصي والفجور. والذي يقام له ينبغي أن لا تستشرف نفسه إليه، ولا يتعاظم به، فيكون هو وعدمه عنده على حد سواء. ولا يستحب القيام لمن يتكرر مجيئه. والله أعلم.
(٧) قوله: "وهو حاقن": أي حابس البول. وكذا وهو حاقب، أي حابس الغائط. وقوله "أو شدة جوع إلخ" ظاهره أنه لا يحرم مع الجوع اليسير ونحوه، ومثل ذلك تَوَقَانُ جماعٍ، وفرحٌ غالب، أو خوف، ونحوه من كل ما يشغل الفكر، لأنه يمنع فهم الحكم.
فائدة: لا يجوز للقاضي منع الفقهاء من عقد العقود وكتابة الحجج وما يتعلق بأمور الشرع مما أباحه الله ورسوله، إذا كان الكاتب فقيهًا عالمًا بأمور الشرع وشروطه، ولا سيما إذا كان الكاتب مرتزقًا بذلك. وإذا منع القاضي من ذلك ليصير إليه منافع هذه الأمور كان هذا من المكس، وإن كان مَنَع الجاهلين لئلا يعقدوا عقلًا فاسدًا فالطريق أن يعزّر من يعقد نكاحًا فاسدًا، كما فعل عثمان ﵁ فيمن تزوج بغير ولي، ونحوه.
стр. 472
(٨) قوله: "وإن إمكنه الكتابة بنفسه جاز له اتخاذ الكاتب": مقتضى سياق [٢/ ٤٥٠] العبارة أن يقول "جاز له أن يتولى الكتابة إلخ".
(٩) وقوله: "جيد الخط": أي لا يشتبه فيه سبعة بتسعة، ونحو ذلك، ويكون صحيح الضبط.
باب طريق الحكم وصفته
(١) قوله: "كون الدعوى معلومة": أي وكونها محرَّرة. فإن كانت بدينٍ على ميتٍ ذى موته، وحرّر الدين، فإن كان أثمانًا ذكر جنسه ونوعه وقدره؛ وحرَّر التركة. ولا بد من ذكر الدعوى صريحًا، فلا يكفي قوله: لي عنده كذا، حتى يقول: وأنا مطالب به. ولا يشترط ذكر سبب الاستحقاق لعين أو دين، لكثرة سببه، وقد يخفى على المدعي.
(٢) قوله: "اشترط كونه حالًّا": أي فلا تسمع بمؤجل، لأنه لا يملك طلبه قبل أجله. وقال في الترغيب: الصحيح: تسْمع، إلى آخر ما ذكره الشارح. وهذا توضيح عبارته رحمه الله تعالى.
(٣) وقوله: "كدعوى تدبير": أي كما أنه تسمع الدعوى بالتدبير، أي وكذا الكتابة والاستيلاد قبل موت السيد، أو أداء مال الكتابة، لصحة الحكم بها، وإن تأخر أثرها.
(٤) قوله: "وصفها كصفات السلم": فإن كانت عقارًا اشترط مشاهدتها أو ذكر اسمها وحدودها بما تتميز به عن غيرها. وتكفي شهرة العقار عند المتداعيين وعند الحاكم عن تحديده، لحديث الحضرمي والكندي.
ومن ادعى عقدًا، ولو غير نكاح، ذَكَرَ شروطه، للاختلاف فيها، فقد لا يكون صحيحًا عند القاضي [٨٦أ]، إلا أن ادَّعى استدامة الزوجية، لأنه لم يدع عقدًا وإنما يدعي خروجها عن طاعته. ويجزي عن تعيين المرأة إن غابت ذكر اسمها ونسبها. وإن ادعى قتل مورّث ذكر القتل، وكونه عمدًا أو شبه عمدٍ أو
стр. 473
[٢/ ٤٥٣]
خطأ. ويصفه، وأن القاتل انفرد بقتله أو لا. وإن ادعى إرْثًا ذكر سببه.
(٥) قوله: "ويلزمه بالحق بعد أن يسأله المدعي الحكم": وليس له أن يحكم عليه بمجرد إقراره، أو ثبوت الحق عليه ببينة، حتى يسأل المدعي، لأن الحق له، فلا يستوفيه إلا بمسألته. وكذا تحليفه، كما يأتي.
(٦) قوله: "فيصرفه الحاكم": ويحكم له بالبراءة إن سأله الحكم.
(٧) قوله: "أو قال: لا يستحق عليَّ شيئًا مما ادعاه": أي وهذا بخلاف ما لو قال: لا يستحقُّ عليَّ ما ادّعاه، فلا يصح هذا الجواب حتى يقول: ولا شيئًا منه، ولا بعضه. وهذا ما لم يعترف بسبب الحق، فلو ادَّعت امرأة مهرها على معترفٍ بزوجيتها، فقال: لا تستحق علي شيئًا، لم يصحّ الجواب، ولزمه المهر إذا لم يقم بيّنةً بإسقاطه أو أدائه. وكذا لو ادَّعت عليه نفقةً أو كسوة، وكذا لو ادعى عليه قرضًا فاعترف به، وقال: لا يستحق علي شيئًا، فلا يكفي، لثبوت سبب الحق.
(٨) قوله: "فإذا أحضرها وشهدت سمعها": أي وجوبًا، وحَكَمَ إن سأله المدعي الحكم. ولا يلزم البينة أن تقول: "والدين باق بذمته إلى الآن" بل يحكم إذا ثبت سبب الحق استصحابًا للأصل، إجماعًا.
(٩) قوله: "ترديدها": أي طلب إعادة الشهادة ثانيًا وثالثًا.
فصل في تعديل الشهود وجرحهم
(١) قوله: "فلا بد من العلم بها": فإن رضي أن يحكم له بشهادة فاسق لم يجز، لأن التزكية حق للشرع.
(٢) قوله: "فيما أقرّ به في مجلس حكمه": مفهومه أن لا يعمل بعلمه فيما أقر به في غير مجلس حكم، لكن إن استند إلى علمه، معتمدًا على استفاضته، جاز له الحكم، كما ذكر في "الطرق الحكمية" (١).
стр. 474
(٣) قوله: "ولا يحكم بعلمه في غير ما ذكر": أي إلا على روايةٍ مرجوحة. [٢/ ٤٥٤] قال المنقّح: وقريب منها، أي مسألة القضاء بعلمه: العمل بطريق مشروع، بان يولَّى الشاهد الباقي من شاهدين بعد موت رفيقه القضاء للعذر، فيقضي بما شهد عليه. وقد عمل به كثير من حكامنا، وأعظمهم الشارح، أي شارح المقنع.
اهـ. توضيح.
(٤) قوله: "فلا بد من المزكين لها": أي للبيّنة. ولا بد مع المزكّين من معرفة حاكمٍ خبرة باطنهما بصحبةٍ أو معاملةٍ (١) ونحوهما ككونه جارًا لهما.
(٥) قوله: "ويكفي في تزكية الشاهد إلخ": أي لا يشترط أن يقول المزكي: "أرضاهُ لي وعليَّ" لكن لا بد من المشافهة في التعديل والجرح، فلا يكفي كتابته أنه عدل أو ضده. ومتى ارتاب الحاكم من عدلين لم يختبر قوة ضبطهما وقوة دينهما لَزِمَهُ البحث عما شهدا به بسؤال كل واحد منهما منفردًا (٢) عن كيفية تحمله، ومتى وأين، وهل تحمَّل وحده أو مع صاحبه، فإن اتفقا وعظهما وخوَّفهما، فإن ثبتا حكم، وإلا لم يقبلهما.
ولا يكفي قول مزكٍّ: لا أعلم إلا خيرًا وإن شهد عليَّ أقبله، ونحوه، بل لا بد من الشهادة بأنه عدل.
(٦) قوله: "لئلا يجب عليه الحدّ": أي حد القذف. فعلى هذا إذا كان الجارح والدًا للمجروح [له] أن يصرح بالزنا، لأنه لا يحد بقذف ابنه، بل ولا يعزر، كما تقدم.
(٧) قوله: "ولا بد في اليمين من سؤال المدعي": أي فلو حلف قبل سؤاله فله إعادته. وكذا بلا إذن حاكم. ويحرم تحليف البريء لأنه ظلم، ولا يقبل توريةٌ ولا تأويل إلا لِمظلومٍ. ولا يحلف في مختلفٍ فيه لا يعتقده، نصًّا، وحمله الموفق على الورع. وقال [أحمد] أيضًا: لا يعجبني. وتوقف فيها فيمن عَامَل بحيلةٍ،
стр. 475
[٢/ ٤٥٦] كعينةٍ، إذا أنكر الآخذ الزيادة وأراد الحلف عليها.
(٨) قوله: "فله أن يقيمها بعد ذلك": أي إذا قال: "لا أعلم لي بيّنة"، لا إذا قال "ليس لي بينة" لأنه يكون حينئذ مكذَّبًا لها. وكذا لو قال: كذب شهودي، أو كل بينةٍ أقمتها فهي زور، ونحوه. وحينئذ فكلام المصنف مُنْتَقَدٌ كما لا يخفى.
والله أعلم.
(٩) قوله: "إن لم تحلف وإلا قضيت إلخ" (١) قضيت جواب الشرط الأول، وجواب الثاني محذوف. وتقدم تظير ذلك في هامش باب الرهن، فليراجع.
فصل هل ينفذ حكم القاضي باطنا
(١) قوله: "ولو كان ذلك في عقدٍ إلخ" أي خلافًا لأبي حنيفة، فعنده: لو أقام بينة زورٍ بزوجية امرأة، وحكم له بها، حلّتْ له. وكذا لو أقام [٨٦ب] بينة زور على رجل بأنه طلق زوجته ثلاثًا، جاز لأحد الشهود أن يتزوجها.
(٢) قوله: "ويصح أن تتزوج غيره ... إلخ" وقال الموفق: لا يصح، لئلا يلزم عليه أن يطأها اثنان أحدهما جهرًا والآخر سرًا.
فصل في القضاء على الغائب
(١) قوله: "ولو في غير عمله إلخ" وفاقًا لما قاله في الإقناع وغيره، وخلافًا لما في المنتهى. فليتأمل.
فائدة: ولا يجب على المحكوم له على الغائب ونحوه يمين على بقاء حقه في ذمة غائب ونحوه، إلا على رواية: قال المنقح: وعليها العمل في هذه الأزمنة.
اهـ، لفساد أحوال غالب الناس، ولاحتمال أن يكون استوفى ما شهدت له به البينة ة ولا يلزم القاضي أن ينصب من ينكر أو يجيب بغيره عن الغائب.
стр. 476
(٢) قوله: "في غير مال" أي كنكاح وطلاق ونحوهما. والتوكيل في المال [٢/ ٤٥٨] من باب أولى. فلو قال: "ولو في غير مال" لكان أولى.
وأجمعوا على قبول كتاب القاضي إلى القاضي، لدعاء الحاجة إليه، فإن من له حق في غير بلده لا يمكنه إثباته والطلب به بغير ذلك، إذ يتعذر عليه السفر بالشهود، وربما كانوا غير معروفين به، فيتعذر الإثبات به عند حاكم. اهـ. م ص.
(٣) قوله: "ويدفعه لهما": أي فإذا وصلا بالكتاب إلى المكتوب إليه دَفَعاهُ له وقالا: "نشهد أن هذا الكتاب كتاب القاضي فلان، كتبه بعمله، وأشهدَنَا عليه" والاحتياط ختمه بعد أن يقرأ عليهما.
(٤) قوله: "يقع به إشكال": أي وأما إن كان الميت لا يقع به إشكال (١) ولا التباس بالمدعى عليه المذكور فلا يعتبر قوله.
(٥) قوله: "فيتوقف حتى يعلم الخصم": أي فيحضر القاضي المساوي له إن أمكن، ويسأله، فإن اعترف بالحق لزمه وتخلص الأول، وإن أنكر وقف الحكم، وكتب إلى القاضي الكاتب يعلمه بما حصل من اللبس، حتى يرسل الشاهدين، فيشهدا عنده على أحدهما بعينه، فيلزمه الحق. اهـ. م ص.
باب القسمة
(١) قوله: "وكانت بيعًا إلخ": فعلى هذا يشترط لها شروط البيع، من الرضا والرشد ونحوهما. قال ح ف: ومقتضاه أنه لا تصح القسمة فيها إن كانت مرهونة أو موقوفة، أو بعضها. اهـ.
(٢) قوله: "يثبت فيها ما يثبت فيه من الأحكام": أي من رد بعيب، وخيار مجلس، وخيار شرط وغبن، وغير ذلك. اهـ. م ص.
(٣) قوله: "أجبر إلخ": أي إذا دعاه لبيعه من غيرهما، وأما إن طلب منه أن
стр. 477
[٢/ ٤٦٠] يبيعه منه حقه فلا يجبر. وكذا شراؤه أو إجارته أو استئجاره منه، بل يباع أو يؤجر لغيرهما. وهذا كالصريح في كلامهم. فلو اقتسما لبن الحيوان ليحتلبه هذا يومًا ولهذا يومًا، أو ثمرة الشجرة لتكون هذا عامًا ولهذا عامًا لم يصح، لما فيه من التفاوت الظاهر. لكن طريقه أن يبيح كل واحد منهما نصيبه لصاحبه في المدة.
اهـ. ح ف.
(٤) قوله: "غرم ما انفرد به": ومثله لو استوفى أحدهما نوبته، ثم تلفت المنافع في مدة الآخر، فإنه يرجع على الأول ببدل حصته من تلك المدة التي استوفاها، ما لم يكن قد رضي بمنفعة الزمن المتأخر على أي حال كان. قاله الشيخ تقي الدين. اهـ. ح ف.
قلت: فعلى هذا فالرّحى التي يديرها الماء بوادي نابلس، وهي لا تدور إلا بعض فصلي الشتاء والربيع لضعف الماء، وبعض السنين لا تدور أصلاً لعدم خروج الماء فإنها إذا قسمت مهايأة على السنين، ورضي كل منهما بسنته على أي حال كانت، ليس لمن تعطل نفعها في سنَتِهِ الرجوع على الآخر، وإلا فله الرجوع. والله أعلم.
وها هنا مسألة أيضًا، وهي أنه إذا تهايأ الشريكان أرضًا، كل واحد منهما يزرعهما عامًا أو أكثر، ومضى لذلك مدة طويلة، حتى جهل من زرعها أولاً، ثم أرادا أن يقتسماها، فقال أحدهما لصاحبه: أنت زرعتها في العام الماضي فأريد أن أزرعها في هذا العام بمقابلة ما زرعت، فقال له الآخر: أنت زرعت العام الذي قبله، وأنا زرعتها بمقابلة ذلك، فتساوينا، ونريد أن نقسمها، وأبى الآخر حتى يستوفي نوبته على زعمه، فهل يتحالفان ويقتسمانها ولا رجوع لأحدهما على الآخر، وإذا نكل أحدهما لزمه ما قال صاحبه؟ الظاهر: نعم. فتأمل.
فائدة: لا تصح قسمة الدين في ذمم الغرماء، ولو بالرضاء. واضطرب كلام صاحب الإقناع، فذكر في الشركة أنها لا تصح، وذكر في باب القسمة أنها تصح.
فالظاهر أنه مشى في كل موضع على قول، لكن بعد ذكره في القسمة أنها تصح قال "وتقدم في الشركة" فهذا يدل على أنه سهو [٨٧أ].
стр. 478
فصل في قسمة الإجبار [ ٢/ ٤٦١]
(١) قوله: "ولو لم تتساو أجزاء هذه إلخ": أي بان كانت الأرض الواسعة مثلاً بين ثلاثة أثلاثًا، وهي ثلاثون ذراعًا، لكن بعضها جيد وبعضها رديء وبعضها متوسط، فأخذ أحدهم خمسة أذرع، والثاني عشرة، والثالث خمسة عشر، ولكن قيمة ذلك متساوية، فهذه قسمة إجبار.
(٢) قوله: "ويدخل الشجر تبعًا": يعني إذا قسم البستان أرضًا وشجرًا معًا فهي قسمة إجبار، كقسمة أرضه دون الشجر. وأما قسمة الشجر دون الأرض فقسمة تراضٍ، وتقدم.
(٣) قوله: "فيجبر الحاكم إلخ": هذا مفرع على قوله "ليس بيعًا" أي فلو كانت بيعًا لم يجبر الحاكم إلخ. أي ولهذا امتنع الأخذ بالشفعة فيها ولزمت بالقرعة.
وصحّ قَسْمُ لحم هدي وأضاحٍ ونحوه مما لا يصح بيعه، لا رطب من ربوي ويابس منه، بأن يأخذ أحدهما الرطب والآخر اليابس.
ويصح قسم وقف. قال في المنتهى: "ولو على جهة" أي واحدة. وذكر في الفروع أنه ظاهر كلام الأصحاب. وقال: وهو أظهر. وقال الشيخ: إذا كان الوقف على جهة واحدة فلا تقسم عينُهُ قسمةً لازمة اتفاقًا، لتعلق حق الطبقة الثانية والثالثة، لكن تجوز المهاياة بلا مناقلة (١).
قال م ص: قلت: بل ما ذكره الشيخ تقي الدين أظهر، وجزَم به في الإقناع. والله أعلم.
(٤) قوله: "أن يثبت عند الحاكم ملك الشركاء إلخ": أي فإذا سألوا الحاكم قسمة عقار لم يثبت عنده أنه لهم لم يجب عليه قَسْمُهُ، بل يجوز برضاهم، فإن قسمه ذكر في كتاب القسمة أنه قسمه بمجرد دعواهم بملكه، لا عن بينة شهدت
стр. 479
[٢/ ٤٦٤]
لهم به. وإن ثبت عنده ببينة قسمه بطلب بعضهم ولو لم يتفقوا، لجواز جبر الممتنع.
(٥) قوله: "وإن خير أحدهما الآخر إلخ" هذا مقابل لقوله: "وإن تقاسما بالقرعة إلخ" يعني إذا كانت القسمة بالقرعة فليس فيها خيار مجلس ولو تقاسما بأنفسهما، وإن كانت بالتخيير والرضا ثبت فيها خيار المجلس، ولو كان القاسم غيرهما. هذا ما ظهر لي، خلافًا لما ذكره م ص في شرح المنتهى.
(٦) قوله: "بين فسخ أو إمساك": أو بمعنى الواو على حد قول الشاعر:
قومٌ إذا سمعوا الصَّرِيخَ رأيتَهُمْ ... ما بين ملجم مُهْرِه أو سافِعِ
ولهذا مما أولع به الفقهاء، والصواب ذكره بالواو لأن التخيير بين الشيئين، لا بين شيء أو شيءٍ، كما هو واضح، ولذلك قال الشارح: فيخير بين الفسخ والإرث.
(٧) قوله: "قال في المنتهى إلخ" ليس هذا مباينًا لعبارة المصنف، بل مبيِّن لها. وتوضيح ذلك أنه إن ادعى أحد المتقاسمين غلطًا، ولم يصدقه المدعى عليه، فإن كانا تقاسما بأنفسهما وأشهدا على رضاهما، لم يلتفت لهذه الدعوى ولو مع بينة. ولا يحلف غريمه إلا أن يكون مسترسلاً فيغبن بما لا يتسامح به عادة، فتسمع بينته. وإن كان بقاسم نصباه، أو نصبه حاكم، حلف منكر الغلط إن لم تكن بينة.
(٨) قوله: "تحالفا إلخ": فإن نكل أحدهما فهو، أي المدعى به، للحالف، وإن نكلا فالظاهر أنها تنقض القسمة أيضًا. والله أعلم.
(٩) قوله: "وإن حصلت الطريق إلخ": ظاهر هذا أنه لا يجبر من يلي الباب على الاستطراق من حصته كما هي قبل القسمة، مع أن مسيل الدماء يبقى بعد القسمة على ما هو عليه قبلها إلا باشتراط منعه، فهل بينهما فرق؟
(١٠) وقوله: "بطلت" أي ما لم يكن راضيًا عالمًا بأن لا طريق له، كما ذكره ح ف عن ابن قندس. وهو واضح.
стр. 480
باب [٢/ ٤٦٥] الدعاوى والبينات
(١) الدعاوى بكسر الواو وفتحها، كما في الحاشية.
(٢) قوله: "جائز التصرف": وهو الحر المكلف الرشيد.
(٣) قوله: "أن لا تكون بيد أحد": أي كما لو تنازعا مسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر، فيحلف كل منهما أن نصفها له، ويتناصفانها، كجدارٍ بين ملكيهما، ولا يقدح إن حلف أن كله له أحدهما أو كلاهما. قاله في المنتهى.
قلت: ومن هنا يؤخذ حكم ما يوجد بين أرضين إحداهما أعلى من الأخرى، ويسمونه "الحَبَلَة" فهو جدار ممسك للعليا لاصق بالسفلى، ومنه ما يكون قائمًا منتصبًا ومنه ما يكون فيه ميل، ويتفاوت. وعل كل فالظاهر أنهما يتحالفان ويتناصفانها. لكن يتوجّه أنه ليس لرب السفلى أن يحرث أو يحفر [٨٧ب] فيها إذا كان ذلك سببًا لسقوط شيء من العليا. والله أعلم.
(٤) قوله: "بيد أحدهما": أي ولا بينة للآخر، فهي له بيمينه. لكن لو ادّعى كفنًا على ميتٍ ولا بينة له، فهو للميت، ولا يمين على واحد. اهـ. ح ف.
(٥) قوله: "ولو أقام بينة": أي لأنه داخل، ولا تسمع بينة داخلٍ مع عدم بينة خارج، كما صرح به في المنتهى؛ ولأنه مدعًى عليه. وقد قال في الانتصار (١): لا تسمع إلا بينة مدّعٍ باتفاقنا. فقوله "ولو أقام بينة" غاية لقوله "فإن لم يحلف قضي عليه بالنكول" وحينئذ فقول الشارح: قال في المنتهى إلخ غير مصادمٍ لعبارة المصنف، لأن عبارة المنتهى: "الثاني أن تكون بيد أحدهما، فهي له، ويحلف إن لم تكن بينة" اهـ. أي إن لم تكن لمن العين بغير يده، وهو المدعي، فإن كان له بينة حكم له بها. وعبارة الإقناع بمعناها. فعبارة الشارح تشعر بالاعتراض على عبارة المصنف، وقد علمت ما فيه.
стр. 481
[٢/ ٤٦٦]
(٦) قوله: "وإن تنازع صانعان إلخ": ومثله لو تنازع زوجان، أو ورثتهما، أو أحدهما وورثة الآخر، ولو مع رِقِّ أحدهما، في قماش البيت ونحوه، فما يصلح لرجل فهو له، وما يصلح لها فهو لها، وما يصلح لهما فهو لهما. وكل من قلنا هو له فهو له (١) كما صرحوا به في غير موضع.
(٧) قوله: "من طريق الحكم أو من طريق المشاهدة": أي عملاً بالظاهر، فإن لم تكن يَدٌ حُكميةٌ، كرجل وامرأة تنازعا شيئًا ليس بدارهما، أو صانعان تنازعا آلة ليست بدكانهما، فلا يرجَّح أحدهما بشيء مما ذكر، بل إن كان بيد أحدهما فله، أو بيديهما فلهما، أو في يد غيرهما ولم ينازع أُقرع بينهما. اهـ. م ص.
(٨) قوله: "فالعين له إلخ": أي سواء كان المدعي أو المدعى عليه، قاله م ص في شرح المنتهى. ثم قال: وقد ذكرت ما فيه في الحاشية. اهـ. فالظاهر أن الذي ذكره في الحاشية يرد عليه قوله فيما سبق: "ولا تسمع بينة داخل مع بينة خارج " إلا أن يقال: كل واحد منهما واضع يده، فليس داخلاً محضًا. والله أعلم.
(٩) قوله:"وتساوتا من كل وجه": أي بأن تشهد كل منهما باليد والملك.
فلو شهدت إحداهما بالملك، والأخرى باليد، قدمت الأولى. ذكره ح ف. لكن لو وقتت إحداهما دون الأخرى، أو شهدت بينةٌ بالملك وسببه، كنتاج أو غيره، وبينة بالملك وحده، أو بينة أحدهما بالملك له منذ سنة، وبينة الآخر بالملك له منذ شهر، ولم تقل اشتراه منه، فهما سواء، ولا تقدم إحداهما بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة، ولا الرجلان على الرجل والمرأتين، ولا الشاهدان على الشاهد واليمين.
(١٠) قوله: "فهي له بيمينه": أي فمن قَرَعَ صاحبه حلف وأخذه، كما لو لم يكن لواحد منهما بينة. روي عن ابن عمر وإبن الزبير. قاله م ص. ثم قال: وفيه ما نبّهت عليه في الحاشية. اهـ. والذي يظهر لي أن الذي نبّه عليه في الحاشية كون هذا معارضًا لما تقدم أوَّل الباب، من أنهما يتحالفان ويتناصفان، مع أن عبارة
стр. 482
المنتهى والإقناع كذلك. فليحرر. [٢/ ٤٦٧]
(١١) قوله: "وبينة الخارج مقدَّمة على بينة الداخل": أي سواء أقيمت بينة الداخل بعد رفع يده أوْ لا، وسواء شهدت بنتاجه في ملكه أوْ لا. وتسمع بينته وهو منكر لادِّعائه الملك لما بيده. وكذا من ادعى عليه تعدّيًا ببلد ووقت معينين، وقامت به بينة، وهو منكر، فادعى كذبها، أو أقام بينةً أنه كان بذلك الوقت بمحلٍّ بعيد من البلد، فتسمع ويعمل بها.
(١٢) قوله: "عن اليمين": أي لكل واحد منهما إن نكل عن اليمينَيْن. أما إن نكل عن إحداهما فإنه يحكم بها كلها لمن نكل عن الحلف له، ويحلف من يأخذها لصاحبه أيضًا، كما صرح به ع ن. وظاهر كلامهم أنه لو حلف لهما يمينًا واحدة، وذكرهما فيها معًا، لا يكفي، بل لا بد من يمينين، ما لم يرضيا بواحدة، والله أعلم.
(١٣) قوله: "وحلف كل واحد لصاحبه": فإن أقام أحدهما بينة أنها له بعد حلف صاحبه فالظاهر أنه يحكم له بها، ويرجع من انتزع منه النصف على المقر بذلك. اهـ. ع ن. وكذا لو أقر لأحدهما بالعين، فأقام الآخر بيّنة أنها ملكه، أخذها من المقر له. قال في الروضة (١): وللمقرّ له قيمتها على المقِرِّ. قال الفتوحي: ولم يعرف ذلك لغير صاحب الروضة اهـ. قال م ص: وهو بعيد. اهـ. مع أنه جزم به في المنتهى والإقناع، لكن قواعد المذهب تأباه.
(١٤) قوله: "أي وإن لم يصدّقاه": أي بأن يكذباه أو يكذبه أحدهما.
(١٥) قوله: "وإلّا حلف يمينًا [٨٨أ] واحدة ويقرع إلخ": لم يقل: ثم يقرع، إشارة إلى أن القرعة لا تتوقف على الحلف، بل تصح قبله، فإن نكل عن اليمين أخذ العين من خرجت له القرعة، ويحلف للمقروع إن كذَّبه في عدم العلم. فإن نكل أخذ منه بدلها. وإن أنكرها ولم ينازع أقرع بينهما. فلو علم أنها للمقروع فقد
стр. 483
[٢/ ٤٦٩] مضى الحكم، فإنها لمن خرجت له القرعة. وإن كان لأحدهما بينة حكم له بها، وإن كان لكلٍّ بينة تعارضتا، سواء أقر لهما أو لأحدهما لا بعينه، أو ليست بيد أحد. وإن أنكرهما فأقاما بيّنتين، ثم أقر لأحدهما بعينه، لم ترجح بينة المقر له بذلك، وحكم التعارض بحاله، وإقراره صحيح. وإن كان إقراره قبل إقامتهما البينتين فالمقَرُّ له كداخلٍ والآخر كخارج، وإن لم يدّعها لنفسه ولم يقرّ بها لغيره ولا بينة لواحد فهي لأحدهما بقرعة.
***
стр. 484
كتاب الشهادات [ ٢/ ٤٧٠]
(١) قوله: "ولا توجبه": أي بل القاضي يوجبه بها (١).
فائدة: قال في الفروع "ولا يقيمها" أي الشهادة، على مسلم بقتل كافر. قال م ص: فظاهره: يحرم. ولعل المراد عند من يقتله به. اهـ.
أقول: يؤخذ منه أن الشاهد على شيءٍ مختلف فيه، كمسائل العينة ونحوها ممّا زاد على أصل المال، لا يشهد به عند من يلزمه به. ويتجّه أن هذا يجوز فيه الأداء وتركه. والله أعلم.
(٢) قوله: "في حقوق الآدميين": وأما في حقوق الله تعالى كزنا وشرب خمر فيُخيَّر بين أدائها وعدمه، لأن حقوق الله مبنيّة على المسامحة. بل استحب القاضي وأصحابه وأبو الفرج والموفّق ترك الأداء، ترغيبًا في الستر. وللحاكم أن يُعَرِّض للشهود بالتوقف عن الشهادة فيها.
(٣) قوله: "وغيرها": أي كحدّ قذف.
(٤) قوله: "وأداؤها فرض عين": هذا نص الإمام، على ما في الفروع. وهو ظاهر الخرقى. وقال عنه في الإنصاف: إنه المذهب. وقدّم الموفق أنه فرض كفاية أيضًا، وجزم به جمع. قلت: ولعل الخلاف لفظي، فمن قال إنه فرض عين أراد أنه إذا دُعيَ أحد الشهود لأدائها تعيّن عليه، ولا يجوز له التخلف بدون عذر، ومن قال: فرض كفاية، أراد أنه إذا تحمل الشهادة جمع، فشهد منهم من يكفي في إثبات الدعوى، سقط أداؤها عن الباقين، وكلا ذين لا خلاف فيه. والله أعلم.
(٥) قوله: "ويحرم كتم الشهادة": أي للآية. واعلم أن تحمُّل الشهادة وأداءها إنما يجبان على من يدعى لهما ممن تقبل شهادته، ويقدر عليهما، بلا ضرر يلحقه في بدنه أو ماله أو أهله أو عرضه، أو يحتاج إلى تبذُّلٍ في التزكية، ونحو
стр. 485
[٢/ ٤٧١] ذلك.
(٦) قوله: "ولا ضمان": أي على كاتم الشهادة إذا تعذّر الحق بدونها، وإنما يأثم بذلك. هذا ما ظهر لي من هذه العبارة. وفي الحاشية: قوله "ولا ضمان" أي لا يضمن من بان فسقه من الشهود. اهـ. وفيه نظر، لأنه لم يتقدم لمن بان فسقه ذكر، فتنبه.
(٧) قوله: "بدليل قوله تعالى إلخ": أي ولقول ابن عباس:"سئل النبي ﷺ عن الشهادة، قال: ترى الشمس؟ قال: على مثلها فاشهد أو دَعْ". رواه الخلال في جامعه (١). والمراد العلم بأصول المُدْرَك لا بدوامه، ولذلك يشهد بالدَّيْنِ مع جواز دفع المدين له، وبالإجارة والبيع مع جواز الإقالة ونحوها. أشار إليه القرافي. اهـ. م ص.
(٨) قوله: "كمعاينة السبب من بيع وإرثٍ": أي لأنه يحتمل أن يكون البائع والمورث غير مالك، كما أنه يحتمل أن من بيده شيء يتصرف فيه مدة طويلة غاصب له، ونحوه. فكما جازت الشهادة بالملك في الأولى جازت في الثانية، إذ لا فرق بينهما.
فصل
(١) قوله: "وهذا فيما إذا أطلق الشهادة": أي الاثنان أو أحدهما فقط، كما لو شهد أحدهما بألفٍ وأطلق، وشهد الثاني بخمسمائة ثمن مبيع، فإنها تكمل البينة بخمسمائة، ويحلف على الباقي. وأما إن قيّد كل واحد منهما، فإن اتفقا كملت البينة، وإن اختلفا فقال أحدهما ثمن مبيع، وقال الآخر: قرضًا، فلا.
(٢) قوله: "لأن ذلك رجوع عن الشهادة إلخ": هذه إشارة للذي قال: قضاه بعضه، في المسألة الأولى. وقوله: "هذا لا يقول إلخ" إشارة لمن قال: قضاه نصفه، في الثانية.
стр. 486
(٣) قوله: "والمنصوص عن أحمد أن شهادته تقبل إلخ": أي في المسألة [٢/ ٤٧٣] الأولى. وقوله: "وللمشهود له ما اجتمعا عليه إلخ" أي ويحلف [٨٨ب] على الباقي مع الشاهد الثاني، ويستحقه، قياسًا على ما تقدم.
(٤) قوله: "لم يقبل منه": أي لأنه ينافي شهادته أولاً. وهذا -والله أعلم- فيما إذا شهد بأن له عليه ألفًا، وأما إن شهد بأنه أقرضه ألفًا، ثم بعد الحكم به شهد بقضاء خمسمائة، فلا مانع من قبول شهادته، إلا أنه لا يكفي وحده، بل لا بد من شاهد آخر، أو يمين. فليحرر. والله أعلم.
(٥) قوله: "ولو شهد اثنان في جمع من الناس إلخ": قال في المنتهى: ولا يعارضه قول الأصحاب: إذا انفرد واحد فيما تتوفر الدواعي على نقله مع مشاركة خلق كثيرين رُدَّ قوله. قال في شرحه: للفرق بين ما إذا شهد واحد وبين ما إذا شهد اثنان، وبين التقييد يكون الشيء مما تتوفر الدواعي على نقله وبين عدم ذلك القيد اهـ.
باب شروط من تقبل شهادته
(١) قوله:"لصغير": أي دون البلوغ، ولو على صغير مثله. وقيل تقبل من ابن عشر فأكثر إذا كان متصفًا بما يتصف به المكلف العدل، بأن كان صدوقًا غير متهم بالكذب. كما في الشرح الكبير.
(٢) قوله: "والصبي لا يسمى رجلاً": فيه أنه قد ذكر أهل اللغة أن الرجل اسم للذكر البالغ من بني آدم، أو هو [رجل] ساعةَ يولد. ولذلك قال ﷺ "ما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر" وألحق برجل لفظ "ذكر" خوفًا من توهم أن الرجل لا يطلق إلا على البالغ، فيكون التعصيب له دون غيره. إلا أن يقال: لا يطلق الرجل على الصغير إلا بقرينة، كما في الحديث. والله أعلم.
(٣) قوله: "وهو نوع من العلوم الضرورية": أي غريزة ينشأ عنها ذلك، وليس مكتسبًا، بل خلقه الله تعالى للفرق بين الإنسان والبهيمة. والعلم الضروري
стр. 487
[٢/ ٤٧٥]
هو الذي لا يمكن ورود الشك عليه. فالعقل قوة تدرك ذلك، لا نفس الإدراك.
ومحله القلب، وله اتصاله بالدماغ.
(٤) قوله: "الضروري وغيره": أي غير الضروري، وهو النظري.
اعلم أن الواجب عقلاً هو الذي لا يدرك في العقل عدمه، إما ابتداءً بلا احتياج إلى سبق نظرٍ، ويسمى الضروري، كالتحيّز للجرم، فإن العقل يدرك ابتداء أنه لا بد للجرم من الحيِّز، أي أخذه قدرًا من الفراغ. وإما بعد سبق نظر، ويسمى "نظريًا"، كالقِدَم لمولانا ، فإن العقل إنما يدرك وجوبه له إذا فكَر العاقل وعرف ما يترتب على ثبوت الحدوث له من الدور والتسلسل الواضحي الاستحالة.
والحاصل أن الواجب عقلاً هو ما لا يتصور في العقل عدمه.
والممكن هو ما يتصور في العقل وجوده وعدمه. وهو إما ضروري أو نظري، فالأول كاتصاف الجرم بخصوص الحركة، والثاني كتعذيب المطيع الذي لم يعص الله طرفة عين.
والممتنع، أي المستحيل، هو ما لا يتصور في العقل وجوده. وهو ضروري ونظري، فالأول كتجرد الجرم عن الحركة والسكون معًا، والثاني ككون الذات العلية جرمًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، لأنه لو كان جرمًا لوجب له الحدوث (١).
(٥) قوله: "كوجود الباري": هذا مثال للواجب النظري، وقوله "وكون الجسم الواحد ليس إلخ" مثال للواجب الضروري. وكذا قوله "وكون الواحد إلخ" وقوله "واستحالة اجتماع الضدين" الصواب أن يقول "واجتماع الضدين" فيكون
стр. 488
تمثيلًا للممتنع، ولم يمثل للممكن، وهو كوجود العالم. ولا يخفى ما في هذه [٢/ ٤٧٦] العبارة من التسمّح.
فائدة: وما اتخذه أرباب الدنيا من العادة والنزاهة عن أمور لا يقبحها السّلف، ولا اجتنبها أصحاب رسول الله ﷺ ،كتقذرهم من حمل الحوائج والأقوات للعيال، ولبس الصوف، وركوب الحمار، وحمل الماء على الظهر، والرزمة إلى السوق، فلا يعتبر في المروعة الشرعية، لفعل الصحابة ﵃ وعنَّا بهم.
(٦) قوله: "وهو أداء الفرائض": أي الصلوات الخمس والجمعة وصوم رمضان والزكاة والحج ونحو ذلك مما يجب شرعًا.
(٧) قوله:"برواتبها": أي رواتب فرائض الصلاة، ومنها الوتر، بل هو آكدها، للخلاف في وجوبه.
(٨) وقوله: "رجل سوء": أي لأن تهاونه بالسنن يدل على عدم اعتنائه بالدين، ولأنه ربما أدى إلى تهاونه بالفرائض.
(٩) قوله: ولا يُدْمِنَ على صغيرة": أي لا يداوم عليها. وفي الترغيب: بأن لا يكثر منها، ولا يصرّ على واحدة منها. قال في الفروع: وظاهر الكافي [٨٩أ]: العدل من رَجَحَ خيره ولم يأت كبيرةً، لأن الصغائر تقع مكفَّرةً أوّلاً فاوّلًا، فلا تجتمع. اهـ. م ص.
(١٠) قوله: "والكذب إلخ": ومن الكذب إذا جاءه طعام فقال: لا آكله، ثم أكله، ومن كتب لغيره كتابًا، فأملى عليه كذبًا لم يكتبه. نقله الأثرم اهـ. م ص.
(١١) قوله: "وترك ما يدنسه وبشينه": ظاهر عطفه بالواو أن المروعة فعل ما يجمِّل ويزين، وترك ما يدنس ويشين، معًا. فلو كان سخيًّا حسن الخلق والجوار، يبذل جاهه لمن استوجهه، ومع ذلك يحكي المضحكات، أو يلعب بالشطرنج، ونحوهما، فإنه لا تقبل شهاداته. وكذا لو كان بخيلاً سيّئ الخلق والجوار فلا تقبل شهادته ولو غير متصف بلعب وَنحوه، لأن ذلك أيضًا مخل بالمروءة، كما يعلم من
عباراتهم.
стр. 489
[٢/ ٤٧٧]
وهل لا بد من اتصاف من تقبل شهادته بجميع الأوصاف المذكورة، وهي حسن الخلق والمجاورة والسخاء وبذل الجاه، أو يكفي واحدة منها؟ وقد يقال: هي متلازمة غالبًا قلَّ من يوجد سخيًا إلا وهو متصف بجميع ذلك.
(١٢) قوله: "وتاب الفاسق": فتوبة القاذف بتكذيب نفسه ولو صادقًا (١)؛ وتوبة غيره ندم وإقلاع، وعزم على أن لا يعود. وتوبة من ترك واجبًا بفعله، ومن قصاصٍ وحد قذفٍ ببذلِ نفسه للمستحق. ويعتبر ردُّ مظلمةٍ فُسِّق بترك ردّها كمغصوب ونحوه، أو يستحلّه، والتوبة من الباع الرجوع عنها.
ولا يشترط لصحة التوبة من قذفٍ وغيبةٍ ونحوها إعلام المقذوف أو المغتاب ونحوهما. وأذا استحلّه يأتي بلفظٍ مبهم، لصحة البراءة من المجهول.
ومن أخذ بالرخص، أي تتبَّعها من المذاهب فعمل بها، فُسِّق، نصًّا. وذكره ابن عبد البر إجماعًا. وذكر القاضي: غير متأول ولا مقلد.
والأشهر عدم وجوب التمذهب بمذهب، والامتناع من الانتقال إلى غيره.
ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. وإن قال: ينبغي، كان جاهلاً ضالاًّ. قاله الشيخ. ومن أتى قرعًا فقهيًّا مختلفًا فيه، فإن اعتقد تحريمه ردت شهادته، وإن تأول أو قلّد من يقول بحلِّه فلا ترد. وأدخل القاضي وغيره الفقهاء في أهل الأهواء وأخرجهم ابن عقيل وغيوه. وهو المعروف عند العلماء.
ذكره ابن مفلح في أصوله. نقله عنه في الإقناع.
(١٣) قوله: "قبلت الشهادة بمجرد ذلك". لكن لو شهد الفاسق فردت شهادته، ثم تاب وأعاد تلك الشهادة بعينها، لم تقبل، للتهمة. وظاهر هذا أنه إن تاب بالمجلسى قبل أدائها، ثم أداها، تقبل. فليحرر.
(١٤) قوله: "فتقبل شهادة حجّام إلخ": أي لحاجة الناس إلى هذه الصنائع، لأن كل أحد لا يليها بنفسه، فلو ردت بها الشهادة أفضى إلى ترك الناس لها، فيشق ذلك عليهم.
стр. 490
أقول: ويتجه: إن وَلِيَ هذه الصنائع من لا تليق يه، كأهل العلم ونحوهم، [٢/ ٤٧٩] فلا تقبل شهادته لأنها دنيئة في حقهم. والله أعلم.
باب موانع الشهادة
(١) قوله: "وهي ستة": وكذا في الإقناع. وعدها في المنتهى سبعة، فزاد من الموانع: الحرص على أدائها قبل استشهاد من يعلم بها، قبل الدعوى أو بعدها. قال م ص: وهل يصير مجروحًا بذلك؟ يحتمل وجهين، ذكره في الترغيب.
(٢) قوله: "ولو في الماضي": ظاهره أنه سواء كانت ردت شهادته حال الزوجية ثم أداها بعد الفراق، أوْ لا، خلافًا لما في الإقناع. واستغرب صاحب الإقناع في حاشيته على التنقيح إطلاق عدم قبولها بعد الفراق، مع أن المنقِّح لم ينفرد بذلك، بل سبقه إليه في المبدع. فظاهر كلامهما عدمه مطلقًا. ويؤيده تعليل م ص. بقوله: "لتمكنه من بينونتها ثم يعيدها" اهـ. قال ح ف: ولذلك نظائر، وهي عدم قبول شهادة الوكيل بعد العزل، والأجير بعد فراغ العمل، والشريك بعد ألانفصال، فيما يتعلق بذلك. اهـ.
قلت: وفيه شيء، والمتجه عندي: إذا ظهرت قرينةٌ أو إمارةٌ على إرادة بينونتها لذلك فلا تقبل الشهادة، وإلا، كان أبانها منذ سنين متعددة، فلا مانع من قبول الشهادة. وبهذا يحصل التوفيق بين كلامهم. والله أعلم.
(٣) قوله: "وكل من لا تُقْبَلُ له فإنها تقبل عليه": قال ع ن: إلا على زوجته بالزنا، فلا تقبل، لأنه يقرّ على نفسه بعداوته لها، لافسادها فراشه. اهـ. ولا حاجة إلى استثنائه، لأنهم ذكروا ذلك في مانع العداوة. والمعنى: فإنها تقبل عليه مع عدم مانع [٨٩ب]، والعداوة مانع.
(٤) قوله: "شهود قتل الخطأ": أي أو شبه العمد، لا إن شهدت بجرح شهود قتل العمد، فتقبل، لأنهم غير متهمين، إلا أن يكونوا من أصول المشهود
стр. 491
[٢/ ٤٨١]
عليه أو فروعه ونحوهم، كما تقدم. ويأتي.
(٥) قوله: "على مفلس": ومثله ميت تضيق تركته عن ديونه، فلا تقبل شهادة غرمائه بجرح شهود دين عليه للعلة المذكورة في الشرح. اهـ. م ص.
(٦) قوله: "العداوة": أي سواء كانت موروثة، بان كانت بين الآباء والأجداد، أو مكتسبة. أما المخاصمة في الأموال بدون عداوة ظاهرة فإنها لا تمنع قبول الشهادة، لأنها لو لم تقبل لاتخذ الناس ذلك وسيلة إلى إبطال الشهادة والحقوق.
(٧) قوله: "الغير الله": احترز به عن العداوة التي لله، وهي العداوة في الدين، كالمسلم يشهد على الكافر، والمحق من أهل السنة يشهد على المبتدع، فإنها تقبل، لأن الدين يمنعه من ارتكاب محظور في دينه. وتقبل شهادة العدو لعدوه لعدم التهمة. اهـ. إقناع وشرحه.
(٨) قوله: "أن عليه": أي الحاسد "أن يستعمل معه" أي الحسد "التقوى" بان لا يقع منه أذى للمحسود، لا بيده ولا بلسانه، "والصبر، بأن" يحبس نفسه ويجاهدها على دفع أذى المحسود، "فيكره ذلك من نفسه" أي كما يكرهه من غيره "ويستعمل معه الصبر والتقوى" فيه تكرار "لا يضرُّ" أي الحسد "ما لم تَعْدُ بِهِ يدًا أو لسانًا" أي ما لم تؤذِ بِهِ بيدك أو لسانك "لا يعين من ظلمه" أي المحسود، أي وكثير من الحاسدين لشخص لا يعين من ظلم ذلك الشخص المحسود على ظلمه له، وذلك لأن دينه يمنعه من ذلك، ولكن لا يقوم بما يجب عليه في حقه" أي المحسود، من دفع الظلم عنه بما أمكنه لما عنده من الحسد له، فهو لا يؤذيه ولا يدفع الأذى عنه، "بل إذا ذمّه أحد لم يوافقه" أي على ذمه له "ولا يذكر محامده" لمن يذمه فيكون معارضًا له في ذمِّه له. "وكذا لو مدحه أحد لسكت" أي وكذا لا يوافق من مدحه على مدحه له، "وهذا" أي من فعل ذلك "مذنب" أي آثم "في ترك المأمور" به لأنه مأمور بالمعروف والنهي عن المنكر "لا متعدِّ" أي لا ظالم للمحسود لأنه لم يحصل له منه ضرر.
(٩) قوله: "إذاحسدت فلا تبغ": أي فلا تظلم بان تؤذي المحسود بقولك أو
стр. 492
فعلك، "وإذا ظننت بأحد سوءًا فلا تحقِّق أي فلا تتيقن ما ظننت به وتجزم بصدقه [٢/ ٤٨٣] منه بل كذِّب نفسك في ذلك. "وإذا تطيَّرْتَ" أي تشاءمت من فعل شيء، بأن رأيت ما تكره، فتطيرت به من فعل ما تريد فعله أو ترك ما تريد تركه، فامض لما تريده، ولا تنظر لما تطيرت به، فإنه لا أثر له في جلب نفع أو دفع ضرر.
(١٠) قوله: "فلا تقبل في الجميع": قال م ص في حاشيته على المنتهى: هذا أحد الوجهين، وقطع به في التنقيح، وذكر الدليل الذي ذكره الشارح، ثم قال: والوجه الثاني: تقبل، قال في الإنصاف: وهو المذهب. وصححه المصنف والشارح وابن منجا في شرحه وصاحب التصحيح وغيرهم. وجزم به في الوجيز ومنتخب الآدمي (١). ورد في المغني الدليل السابق، أي وهو ما ذكره الشارح، بأن قياس هذا الشاهد على مردود الشهادة للفسق لا يصح، لوجود التهمة في حق الفاسق، وانتفائها هنا.
وأما نقض الاجتهاد بالاجتهاد فهو جائز بالنسبة إلى المستقبل، غير جائز بالنسبة إلى ما مضى. ولذلك لمّا قضى عمر في قضية بقضايا مختلفة، قال: ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي (٢). وقبول الشهادة هنا من النقض في المستقبل اهـ.
هذا وعندي توقف في قولهم: لأن ردّها كان باجتهاد الحاكم. فليحرر.
باب أقسام المشهود به
(١) قوله: "والخلع": أي إذا ادّعته الزوجة. وأما إن ادّعاه الزوج فكالمال، كما صرحوا به.
(٢) قوله: "والطلاق": أي بلا مال، وكذا به إذا ادعته الزوجة.
стр. 493
[٢/ ٤٨٣]
وقوله: "والتوكيل في غير المال" أي في النكاح والطلاق ونحوه.
وقوله: "وتعديل شهود وجرحهم" أي في غير مالٍ.
(٣) قوله: "وإيصاء في غير مال": أي كنكاح.
(٤) قوله: "والعتق": لأن الشارع يتشوف إليه.
وفي قبول شاهد ويمين العبد، أو رجل ويمين، توسعة في ثبوته، ولأنه إتلاف مالٍ فكان كباقي الإتلافات. اهـ. خ ف.
(٥) قوله: "والوقف،: أي على معيّن، كما قيَّد به في المنتهى والإقناع، وكذا الوصية، لأن الوقف والوصية إذا كانا لغير معين لا يتصور فيهما اليمين، فلا بد فيهما من رجلين أو رجل وامرأتين، فإن كانا على معين ثبتا برجل ويمين.
(٦) قوله:"وجناية الخطأ": أي وكذا شبه العمد (١)، وكذا عمد لا يوجب [٩٠أ] قودًا كما هو ظاهر.
(٧) قوله: "أو رجل ويمين": أي ويجب تقديم الشهادة على اليمين، فلو نكل عن اليمين من أقام شاهدًا حلف مدعًى عليه وسقط الحق، فإن نكل مدعى عليه حكم عليه بالنكول، نصًّا. ولا ترد اليمين على المدعي، كما لو نكل عنها مع عدم بينة مدع.
(٨) قول الشارح: "ويمين": معطوف على امرأتين، لا على رجل، كما هو ظاهر. وظاهر كلامهم: لا تقبل شهادة النساء في هذا القسم منفردات ولو كثرن.
(٩) قوله: "وموضحة" عطف على دابة، أي وداء موضحة تسبب عنها، لا نفس الموضحة، لئلا يخالف ما سبق. اهـ. م خ. وزيادة.
(١٠) قوله: "ويقبل قول طبيب إلخ": أي شهادته في ذلك، لا إخباره كما قد يتوهم. اهـ. ح ف.
(١١) قوله: "قُدم قول المثبت": ظاهره ولو كان النافي أحذق من المثبت.
تدبر.
стр. 494
(١٢) قوله: "تحت الثياب": أي في الوجه والكفين والقدمين (١). [٢/ ٤٨٥]
(١٣) قوله: "والاستهلال": أي صراخ المولود عند الولادة.
(١٤) قوله: "وكذا جراحة وغيرها": أي من نحو عارية ووديعة وقرض وكسر عظم وموجِبِ تعزيرٍ. فإذا وجدت لهذه الأشياء في نحو حمّامٍ وعرسٍ مما لا يدخله الرجال، يكفي فيه امرأة عدل إلخ.
(١٥) قوله: "كان أولى، لكماله": أي لأنه أكمل من المرأة. اهـ. م ص.
فصل
(١) قوله: "فلو شهد إلخ": قال في الحاشية: لا يصح أن تكون الفاء للتفريع، ولا بمنزلة الاستدراك، ولعلها تكون الفصيحة، أو أنه محترز قوله "القسم الثالث القود إلخ" اهـ. باختصار.
(٢) قوله: "ثبت المال": وكذا يثبت المال دون القطع فيما لو نكل المدعى عليه عن اليمين إذا تَوَجّهتْ عليه، إذ لا يقضى بالنكول إلا في الأموال.
(٣) قوله: "ومن حلف بالطلاق": وفي الإقناع: "والعتاق"، ثم قال: "ولم يثبت طلاق ولا عتق". وفيه نظر، فإن العتق يثبت بشاهد وامرأتين، أو يمين كما تقدم، ولهذا اقتصر في المنتهى على الطلاق، وتبعه المصنف، وهو الصواب.
(٤) قوله: "إن فلانة أمّ ولده إلخ": توضيحه أنه إذا ادعاها على من هي بيده، فانكرها، فأقام شاهدًا وامرأتين، أو ويمينًا، ثبتت الجارية أنها أم ولد للمدَّعي، ويقرّ ولدها في يد المنكر مملوكًا له. قال في الإقناع: وإن ادّعى أنها كانت ملكه فأعتقها، وشهد بذلك رجل وامرأتان، لم يثبت ملك ولا عتق.
(٥) قوله: "لو وجد على دابة مكتوب: حبيس في سبيل الله إلخ": وكذا لو وجد على كتب علم في خزانةٍ مدة طويلة، حُكِمَ به، والّا عُمِلَ بالقرائن.
стр. 495
[٢/ ٤٧٨]
باب الشهادة على الشهادة وصفة أدائها
(١) قوله: "أن يقول إلخ": أي فيشترط في قبول شهادة الفرع أن يسترعيه الأصل، بأن يقول له: "اشهد إلخ" وكذا إن استرعى غيره وهو يسمع، فإن لم يسترعه، أو لم يسمعه يسترعي غيره، لم يشهد، إلا إن سمعه يشهد عند حاكم، أو سمعه يعزو شهادته إلى سبب، كبيعٍ وقرض، فيشهد ولو لم يسترعه. ولا بد أن يؤديها الفرع بصفة تحمله. ولا بدّ من تعيين فرع لأصله. وهذا كله يعلم من عبارة المصنف. فلا يقال: كيف عد المصنف الشروط هنا أربعة، مع أن صاحب المنتهى عدها ثمانية، وهو أصل هذا المؤلّف؟ وإنما حمله على ذلك الاختصار.
(٢) قوله: "أي في المال": لو ذكر هذا قبل قوله: "وامرأة على امرأة إلخ" وقال هنا: "أي فيما لا يطلع عليه الرجال غالبًا" كما فعل [٩٠ب] غيره، لكان أولى.
(٣) قوله: "بموتٍ أو مرض إلخ": قال ابن عبد القوي: وفي معناه الجهل بمكانه، ولو بالمصر. والمرأة المخدّرة كالمريض اهـ. إقناع.
(٤) قوله: "أو غيبة مسافة القصر": أي عن عمل القاضي، و [من كان] دون ذلك كحاضر. اهـ. ح ف.
(٥) قوله: "ويدوم تعذّرهم إلخ": هذا هو الشرط الثاني في المنتهى، وبقية الشروط تعلم مما تقدم.
(٦) قوله: "كما لو كانا حاضرين أصحاء": هذا التركيب من حيث العربية فاسد، فإن "أصحاء" جمع "صحيح" وموصوفه مثنى كما يدل عليه "كانا"، فلو قال: "كما لو كان أي الأصل حاضرًا صحيحًا" لكان أوجه.
(٧) قوله: "ثبوت عدالة الجميع": انظر هل هذا يحتاج إليه بعد اشتراطهم دوام العدالة؟
(٨) قوله: "لا تعديل شاهد لرفيقه": أي إن عدَّله بعد شهادته، أمَّا إن زكّاة