← Сира

Сира · id 9780

شرح بهجة المحافل وبغية الأماثل

الأشخر اليمني

Полный текст (880 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولما تبن منا ومنكم سوالف ... وايد أترت بالقساسية الشهب بمعترك ضنك ترى كسر القنا ... به والنسور الضخم يعكفن كالشرب كان مجال الخيل في حجراته ... ومعمعة الابطال معركة الحرب أليس ابونا هاشم شد أزره ... واوصي بنيه بالطعان وبالضرب ولسنا نمل الحرب حتي تملنا ... ولا نتشكى ما يئوب من النكب ولكننا اهل الحفائظ والنهي ... اذا طار أرواح الكماة من الرعب وقال في أخري اطاعوا ابن المغيرة وابن حرب ... كلا الرجلين متهم مليم (ولما) أي ولم وما زائدة (تبن) أى تنقطع (سوالف) بالمهملة والفاء جمع سالفة وهي صفجة العنق ومنه قوله ﷺ حتي تنفرد سالفتى وكل جمع ثالثه ألف وبعد الالف حرفان فاكثر أو حرف مشدد غير مصروف الا في الشعر للضرورة (وأيد) جمع يد (أترت) بضم الهمزة وكسر الفوقية الاولى وتشديد الراء أي أندرت ورميت (بالقساسية) بضم القاف والاهمال جمع قساسي وهو نوع من السيوف ينسب الي معدن بار مينية اسمه قساس كغراب قاله في القاموس أو الى جبل بديار بني نمير كانت تعمل فيه السيوف (الشهب) أى البيض (بمعترك) بالمهملة والفوقية والراء على وزن مشترك موضع غمرات الحرب (ضنك) بفتح المعجمة وسكون النون أي ضيق (تري) يجوز بناؤه للفاعل مع نصب كسر وما بعده وللمفعول مع ضمه وما بعده (كسر) جمع كسرة كعبر وعبرة (القنا) أي الرماح (والنسور) جمع نسر مثلث النون الطائر المعروف (الضخم) بمعجمتين الاولى مضمومة والثانية ساكنة أى العظام وروي بالطاء المهملة بدل الضاد وهى السود الرؤس (يعكفن) أي يقمن (كالشرب) بالمعجمة والراء على وزن حرب وهو جمع شارب شبه عكوف النسور في المعترك على أكل لحم المقتولين وشرب دمائهم بالجماعة العاكفين على شرب الخمر (مجال) بفتح الميم والجيم موضع جول الفرسان أى نفورهم وزوالهم عن المواقف (في حجراته) بضم الجيم جمع حجرة (معمعة) بالمهملتين هى فى الاصل صوت الحريق في نحو القصب سمى به القتال قال في القاموس والمعا مع الحروب والفتن والعطائم وميل بعض الناس على بعض وتظللهم وتحزبهم احزابا لوقوع العصبية (الابطال) جمع بطل وهو الشجاع (معركة) ومعترك مترادفان (شدازره) بفتح الهمزة وهو عبارة عن الحزم والجد في الحرب (بالطعان) بكسر المهملة مصدر (ولا نتشكي) نتفعل من الشكوي وفي بعض النسخ نشتكى (ما) قد (ينوب) أي يحدث (من النكب) أي الجراح وهو على وزن الحرب (والنهى) جمع نهية وهي العقل (الكماة) بضم الكاف على وزن الرماة جمع كمي بفتح الكاف وكسر الميم وتشديد الياء وهو الشجاع المتكمي في سلاحه أي المستتر فيه كانه جمع كام كقاض وقضاة (ابن المغيرة) هو الوليد (وابن حرب) هو أبو سفيان (مليم) هو الذي يأتي بما

стр. 107

وقالوا خطة حمقا وجورا ... وبعض القول ابلج مستقيم لتخرج هاشم فيصير منها ... بلاقع بظن مكة والحطيم [ذكر خبر نقض الصحيفة المذكورة] ولما أراد الله حل ما عفدوه ونقض ما أبرموه وذلك لقريب من ثلاث سنين من حين كتبت الصحيفة اجتمع خمسة نفر من سادات قريش عند خطيم الحجون بأعلى مكة ليلا وتعاقدوا وتحاشدوا على نقض الصحيفة وهتكها وهم هشام بن عمرو العامرى وهو الذى تولى كبر ذلك وأبلى فيه وسعى الى كل منهم. وزهير بن أمية المخزومي وهو تلوه في العنية وأمه عاتكة بنت عبد المطلب. والمطعم بن عدى النوفلى. وابو البخترى بن هشام. وزمعة بن الاسود الأسدى ولما أصبحوا من ليلتهم جاء زهير فطاف بالبيت ثم قال يا أهل مكة أنأ كل الطعام يلام عليه وهو بضم الميم (خطة) بضم المعجمة وتشديد المهملة أي خصلة كما مر (حمقا) بضم المهملة وسكون الميم لغة في الحمق بفتحهما وهو فعل الشيء القبيح مع العلم بقبحه (وجورا) هو الميل عن الحق (أبلج) بالموحدة والجيم على وزن أحمد أي مشرق نير (لتخرج) مجزوم بلام الامر (هاشم) أراد القبيلة فمن ثم أنث قوله منها (بلاقع) بالموحدة والمهملة جمع بلقع وهي الارض الخالية وهى بالفتح خبر يصير (بطن مكه) بالضم اسمها مؤخر (والحطيم) عطف عليه* تاريخ نقض الصحيفة (ابرموه) بالموحدة والراء والابرام الاحكام (اجتمع خمسة نفر) نظمتهم في ثلاثة أبيات فقلت تمالى على نقض الصحيفة يافتى ... هشام بن عمرو العامري فاحفظ النظما يليه زهير وهو نجل حذيفة ... كذا المطعم التالى الى نوفل ينمى أبو البختري ثم ابن الاسود زمعة ... فهم خمسة ما ان لهم سادس ينمى (خطيم) بمعجمة فمهملة أى طرف (الحجون) بمهملة مفتوحة بعدها جيم موضع بأعلى مكة (وتحاشدوا) باهمال الحاء والدال واعجام السين كما مر (هشام بن عمرو العامري) من بنى عامر بن لؤي. قال ابن مندة وأبو نعيم كان هشام من المؤلفة (كبر ذلك) بكسر الكاف وضئمها والكسر أفصح أي معظمه (ابلى) بالموحدة أي سعى وكد فيه (وزهير) تصغير زهر (ابن أبي أمية المخزومي) هو أخو عبد الله وأم سلمة. قال ابن مندة وأبو نعيم كان من المؤلفة قلوبهم وفي رواية قال له النبي ﷺ ألم تكن شريكى في الجاهلية قال فقلت بلى بابي وأمى فنعم الشريك كنت لا تداري ولا تماري (العنية) مثلث العين اسم من اعتني بالشىء اذا جد فيه ولحقه فيه العناء أي المشقة (عاتكة) بالمهملة والفوقية بوزن فاعلة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ واختلف في اسلامها كما ذكره المصنف حيث عد عمات رسول الله ﷺ (والمطعم بن عدى) هو والد جبير بن مطعم ومات على الشرك (وأبو البخترى) بفتح الموحدة وسكون المعجمة بعدها فوقية فراء فتحتية مشددة قتل أبو البختري يوم بدر كافرا وأصل البختري الحسن المشى والجسم المختال كالمتبختر قاله في القاموس (وزمعة) بفتح الزاي وسكون الميم

стр. 108

ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة فقال له أبو جهل كذبت والله فقال له زمعة بن الاسود وأنت والله أكذب ما رضينا كتابتها حيث كتبت وقال الآخرون مثله فقال أبو جهل هذا أمر قضى بليل تشوّر فيه بغير هذا المكان ثم قام المطعم الى الصحيفة فشقها فوجد الارضة قد أكلت جميعا الا ما كان فيه اسم الله وكان قبل ذلك قد أخبر جبريل النبي ﵌ بفعل الارضة بها وأخبر النبي ﵌ عمه أبا طالب واخبرهم أبو طالب ووجدوه كما ذكر لهم فلم يؤثر ذلك فيهم لقسوتهم. وهنا ذكر ابن هشام إسلام الطفيل بن عمرو الدوسى وخبر الاعشى الشاعر حين اقبل يريد الاسلام وقد امتدح النبى ﷺ بقصيدته المشهورة التي أولها* الم تغتمض عيناك ليلة ارمدا* فاعترضه بعض المشركين بمكة فأخبره ان النبي ﵌ يحرم الخمر فقال أرجع فاتروى منها عامى هذا ثم آتيه فرجع ومات من عامه* [١٠٩- الكلام على وقعة بعاث بين الأوس والخزرج وقدوم سويد بن الصامت الأوسى عليه صلي الله عليه وسلم وأول خبر الأنصار] وفي السابعة ايضا كانت وقد تفتح ثم مهملة (ونلبس) بفتح الموحدة في المستقبل وكسرها ومصدره بضم اللام بخلاف اللبس الذي هو بمعنى الخلط فانه بكسر الموحدة في المستقبل وفتحها في الماضي ومصدره بفتح اللام (تشور فيه) تفوعل من التشاور وهو استخراج ما عند كل واحد من الرأي كما مر (الارضة) بفتح الراء دويبة معروفة (لشقوتهم) بكسر الشين المعجمة أي شقاوتهم* ذكر اسلام الطفيل وهو بالمهملة والفاء مصغر (ابن عمرو) بالواو (الدوسي) نسبة الى دوس بفتح المهملة وسكون الواو ثم مهملة. قال ابن عبد البرانه لما وصل الى رسول الله ﷺ قال له يا محمدان قومك قالوا لي كذا وكذا أي انك ساحر ثم ان الله أبي الا ان أسمع قولك فسمعت قولا حسنا فاعرض علي أمرك قال فعرض علي الاسلام وتلى علي القرآن فو الله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه فأسلمت وقلت يا رسول الله اني أمرؤ مطاع في قومي وأنا راجع اليهم وداعيهم للاسلام فادع الله أن يجعل لى آية تكون لى عونا عليهم فقال اللهم اجعل له آية فاظهر الله فيه نورا كان ساطعا بين عينيه فقال يا رب أخاف ان يقولوا مثلة فتحول الى طرف سوطه وكان يضيء كالقنديل المعلق فسمي ذا النور. واستشهد يوم اليمامة وجرح ابنه عمرو وقيل استشهد يوم اليرموك في زمن عمر بن الخطاب ﵁ (فائدة) خمسة من الصحابة كان كل منهم يسمي ذا النور وهم أسيد بن حضير وعباد بن بشر وحمزة بن عمرو الاسلمي وقتادة بن النعمان والطفيل بن عمرو الدوسى هكذا ذكر ذلك الشمنى وغيره وقد نظمتهم في بيت فقلت وأهل النور عباد أسيد ... وحمزة والطفيل كذا قتاده (وخبر الاعشي) بالنصب عطف على اسلام الطفيل (ليلة أرمدا) بضم الهمزة مع كسر الميم أى أصيبا بالرمد (يحرم الخمر) فيه أشكال من حيث ان تحريم الخمر انما كان بالمدينة بعد الاحزاب فيحتمل ان بعض المشركين سمع من النبي ﷺ بعض التقديم في تحريمها فاطلق عليه التحريم مجازا* ذكر وقعة بعاث (وفي السابعة)

стр. 109

وقعة بعاث وبعاث اسم حصن للاوس كانت به حرب عظيمة بينهم وبين الخزرج وكانت الغلبة فيها للاوس وكان على الاوس يومئذ حضير والد اسيد بن حضير النقيب وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضى فقتلا معا قال ابو اسحاق وغيره من اهل الاخبار كان الاوس والخزرج اخوين لاب وام فوقعت بينهما عداوة بسبب قتيل وتطاولت فتنتهم عشرين ومائة سنة وآخر وقعة بينهم يوم بعاث وهو مما قدمه الله لرسوله صلي الله عليه وآله وسلم في أسباب دخولهم في الاسلام فقدم رسول الله ﵌ وقد افترق ملأهم وقتلت سراتهم وتأسست الاحن والعداوة بينهم فألفهم الله به وعليه حمل المفسرون قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً» مع ما كانوا يسمعون من جيرانهم وخلطائهم من اليهود من صفته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونعته وقرب مبعثه وتخويفهم لهم وانهم سيكونون معه عليهم وهو معنى قوله تعالى في حق اليهود وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى أى قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بأكثر (وقعة بعاث) بموحدة مضمومة فمهملة قيل ويجوز اعجامها وهو شاذ وبعد الالف مثلثة يصرف ويمنع مكان عند بني قريظة على ميلين من المدينة (حضير) باهمال الحاء واعجام الضاد مصغر (والد أسيد) بالمهملتين مصغر أيضا وهو (النقيب) المشهور يكنى أبا يحيى بابنه وقيل أبا عيسى وقيل أبا عتيك وقيل أبا حضير وقيل أبا عمر وكان اسلامه بعد العقبة الاولى وقيل الثانية ووفاته في شعبان سنة عشرين وحمل عمر بن الخطاب سريره حتى وضعه بالبقيع (أخوين لاب وأم) لانهما ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء بن مزيقيا بالضم فزاى مفتوحة فتحتيه ساكنة فقاف مكسورة فتحتية فالف ابن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امريء القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الازد (ملأهم) أى اشرافهم ورؤساؤهم واصله كل متسع من الارض (سراتهم) بفتح المهملة وتخفيف الراء جمع سري وهو السيد (الاحن) أى الحقد والضغن كما مر (قوله تعالى) بالنصب مفعول (وَاعْتَصِمُوا) أى استمسكوا (بِحَبْلِ اللَّهِ) أى بدينه أو بعهده أو بامره وطاعته أو بالقرآن أو بالجماعة أقوال (وَلا تَفَرَّقُوا) أى كما تفرقت اليهود والنصارى (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ) قبل أن تسلموا (أَعْداءً فَأَلَّفَ) بالاسلام (بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ) أى فصرتم (بِنِعْمَتِهِ) أى برحمته ودينه (إِخْواناً) أى في الدين والولاية (وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يعني القرآن (مُصَدِّقٌ) أى موافق (لِما مَعَهُمْ) يعني التوراة (وَكانُوا) أى اليهود (مِنْ قَبْلُ) أي قبل بعث محمد ﷺ (يَسْتَفْتِحُونَ) أى يستنصرون (عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) أى مشركي العرب بقولهم عند دهماء العدو اللهم انصرنا عليهم بالنبى المبعوث في آخر الزمان الذى نجد صفاته في التوراة فكانوا ينصرون وكانوا يقولون لاعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وارم (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا) أي

стр. 110

الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ» فلما بعث ﵌ انعكس الامر عليهم فصار الانصار معه على اليهود وقد كان للنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل ذلك في الانصار نسب وولادة وولاء سابق والاصل في ذلك كله ما أتيح لهم في سابق علم الله من السعادة والسبق الى الاسلام ونصره حتى غلب على أكثرهم الشهادة. ولعظائم الامور مقدمات: فمن مقدمات دخولهم في الإسلام (أولا) مع ما ذكرناه ان النبي ﷺ لما توفي عمه أبو طالب جعل يتصدى في المواسم لاشراف العرب يدعوهم الى الله ونصر دينه فكان ممن قدم سويد بن الصامت الاوسى حاجا او معتمرا وكان سويد يسمونه الكامل لما استجمع من خصال الشرف وهو يقول الارب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفرى مقالته كالشحم ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر يسرك باديه وتحت أديمه ... تميمة عشر تبتري عقب الظهر تبين لك العينان ما هو كاتم ... من الغل والبغضاء بالنظر الشزر فلما قدم سويد جاءه النبى ﵌ فعرض عليه الاسلام فقال فلعل الذى معك مثل الذى معي فقال له النبي ﵌ وما الذى معك فقال مجلة لقمان يعنى حكمته فقال له رسول الله ﵌ ان هذا الكلام حسن والذى معي أفضل منه قرآنا أنزله الله علىّ هدى ونور وتلا عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم القرآن الذي عرفوا نعته وصفته وأراد محمدا ﷺ (كَفَرُوا بِهِ) بغيا وحسدا (ما اتيح) بالفوقية مبنى للمفعول أي ما قدر واتاح الله كذا أي قدره (يتصدى) أي يتعرض (سويد) بالتصغير (ابن الصامت) كضد الناطق (يسمونه الكامل) بالنصب (ساءك) بالمد أي أحزنك (ما يفرى) بالفاء أي ما يقطع ويمزق من عرضك (مقالته كالشحم) أي لينة بيضاء لا يظهر لك فيها خشونة ولا كدر (ما كان) أى ما دام (شاهدا) أي حاضرا (وبالغيب) أي ومتى غاب عنك فهو (مأثور) بالمثلثة والراء من أسماء السيف (يسرك) أي يفرحك (باديه) أى ما يبدو لك منه (وتحت أديمه) أي جلده وأراد في قلبه (غش) بمعجمتين الاولى مكسورة ويجوز ضمها هو ضد النصح (تبترى) بفوقية مكررة مفتوحة بينهما موحدة ساكنة ثم راء أى تقطع (عقب الظهر) بالمعجمة وأراد به الابهر الذى اذا انقطع مات صاحبه والمعنى ان هذا المخادع يظهر لك النصح ويخفى الغش الذي ربما كان سببا لقتلك وانقطاع عقب ظهرك (الغل) بكسر المعجمة (والبغضاء) بالمد وهي البغض (بالنظر الشرر) بفتح المعجمة فزاى فراء وهو نظر العداوة بمؤخر العين (مثل) بالرفع خبر لعل (مجلة لقمان) بفتح الميم واللام المشددة هي الصحيفة التي فيها الحكمة قاله في القاموس (اعرضها على «١» ) بهمز وصل وبكسر الراء وضمها

стр. 111

فلم يبعد وقال ان هذا القول حسن ثم انصرف راجعا الى المدينة فقتله الخزرج قبل يوم بعاث فكانوا يرون انه قتل مسلما ثم قدم بعد ذلك جماعة من الاوس يلتمسون من قريش الحلف على قومهم من الخزرج فعرض لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال لهم هل لكم في خير مما جئتم له فقالوا وما ذاك فقال انا رسول الله بعثنى الله الى العباد ادعوهم الى ان يعبدوا الله وحده وأنزل علىّ الكتاب ودعاهم الى الاسلام فقال اياس بن معاذ وكان شابا حدثا أى قوم هذا والله خير مما جئتم له فأخذ أبو الحيسر انس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه اياس وقال دعنا منك فلعمرى لقد جئنا لغير هذا فصمت اياس وقام عنهم رسول الله ﵌ وانصرفوا راجعين الي المدينة وكانت وقعة بعاث ثم لم يلبث اياس ان هلك ولا يشكون انه مات مسلما لما كانوا يسمعون منه ثم انتشر الخبر في الانصار فلقي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ستة نفر منهم عند العقبة فأسلموا ثم في قابلها اثني عشر رجلا فأسلموا وبايعوا بيعة النساء ثم في قابلها سبعين رجلا وبايعوا على ما سيأتى قريبا ان شاء الله تعالى ثم هاجر ﵌ اليهم فكانوا أهل حروبه وفتوحه ومغازيه وتمهدت لهم بصحبته الفضائل والسبق وكان منهم السادة النقباء والسادات الشهداء والقادة العلماء والكرماء النجباء والشعراء الفصحاء وسماهم الله الانصار حتى غلب عليهم هذا الاسم فلم يعرفوا بعد بغيره لنصرهم نبيه ودينه وورد في فضلهم من الآيات الكريمات والاحاديث النبويات ما لا ينحصر بالتعداد وينفذ دون بلوغ نهايته الاقلام والمداد. فسبحان من خصهم بذلك علي بعدهم وزواه عن غيرهم مع قربهم انه هو الخبير اللطيف الحكم العدل الذي لا يحيف: وفي الثامنة نزلت سورة الروم وسبب نزولها على ما ذكر المفسرون انه كان بين فارس والروم قتال وكان المشركون يحبون ظهور فارس لكونهم وإياهم أميين ولان الفرس كانوا مجوسا وكان المسلمون (قتلته الخزرج) كان الذي تولى ذلك المجذر بن زياد البلوى وكان حليفا للخزرج وأسلم المجذر رضى الله عنه وشهد بدرا واستشهد باحد كما سيأتى وكان الذي قتله الحارث بن سويد بابيه (وكانوا يرون) بالضم أي يظنون (انه قتل مسلما) فمن ثم عده ابن شاهين في الصحابة وكذا أبو الحسن العسكرى ثم قال أنا أشك في اسلامه (اياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية آخره مهملة (أبو الحيسر) بفتح المهملتين بينهما تحتية ساكنة آخره راء (البطحاء) هو الموضع المتسع (ولا يشكون انه مات مسلما) فمن ثم عده ابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر في الصحابة (النقباء) جمع نقيب وهو رئيس القوم (بالتعداد) بفتح الفوقية وكسرها قال في الصحاح ان تفعالا بالفتح مصدر وبالكسر اسم (والمداد) بكسر الميم (لا يحيف) أى لا يظلم* ذكر سبب نزول سورة الروم وهي ستون آية مكية

стр. 112

يحبون غلبة الروم لكونهم وإياهم أهل كتاب وكانت الروم نصارى فالتقوا مرة في أدنى الارض على ما نطق به التنزيل أى أقرب أرض الشام الى فارس وهى أذرعات وكسكر فغلبت الروم فخزن المسلمون وفرح الآخرون وقالوا قد غلب اخواننا فلئن قاتلتمونا لنظهرن عليكم فأنزل الله تعالى الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ فخرج أبو بكر الصديق رضى الله عنه حينئذ وقال لهم لا تفرحوا فو الله لتظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فما راه أبيّ بن خلف في ذلك وراهنه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعلوا الأجل ثلاث سنين ثم أخبر ابو بكر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بذلك فقال ما هكذا ذكرت انما البضع من الثلاث الى التسع فخرج أبو بكر فلقى أبيا فزايده في الخطر والاجل وكان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمره بذلك وذلك قبل تحريم القمار فجعلا الخطر مائة قلوص من كل واحد منهما والاجل في ذلك تسع سنين ولما خشى أبى خروج أبي بكر من مكة طالبه بكفيل فكفل له ابنه عبد الله بن أبى بكر وحين أراد أبي الخروج الى أحد لزمه عبد الله بن أبي بكر فكفل له فلما رجع من أحد ومات من جراحته التي أصابته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حين بارزه وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية على رأس سبع سنين من مناحبتهم وقيل كان ذلك يوم بدر فقهر (فالتقوا مرة) يعني فارس والروم. قال البغوي بعث كسرى جيشا الى الروم وأمر رجلا يقال له شهريار وبعث قيصر جيشا واستعمل عليهم رجلا يقال له نحيس فالتقيا فغلبت فارس الروم (اذرعات) بهمزة مفتوحة فمعجمة ساكنة فراء مكسورة فمهملة فالف ففوقية بلد في أقصى الشام مشهورة مصروفة وقد تمنع قاله في القاموس (وكسكر) بفتح الكافين بينهما مهملة ساكنة وفي آخره راء بوزن جعفر. قال في القاموس كورة قصبتها واسط كان خراجها اثني عشر الف مثقال كاصبهان (ألم) من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه والخلاف فيه منتشر (في أدنى الارض) أي أقرب الشام الى فارس وهي اذرعات وكسكر كما ذكر المصنف وهو قول عكرمة وقيل هي أرض الجزيرة وقيل الاردن وفلسطين (وهم) أى الروم (من بعد غلبهم) أى من بعد غلبة فارس اياهم (سيغلبون) فارس (في بضع سنين) البضع ما بين الثلاث الى التسع أو الى السبع أو هو ما دون العشرة أو من واحد الى أربعة أقوال أصحها الاول (فما راه) أى جادله (أبي بن خلف) قال البغوي قال له كذبت قال فقال انت كذبت باعدو الله فقال اجعل بيننا وبينك اجلا انا حبك عليه (وراهنه) أي خاطره وقامره (على عشر قلائص) جمع قلوص بالقاف والمهملة وهي الناقة الفتية كما مر (فكفل له ابنه) عبد الله هو ابن أبي بكر وكان يومئذ كافرا ثم أسلم بعد ذلك وحسن اسلامه وهو أخو أسماء لابويها مات في شوال سنة إحدي عشرة في أوّل خلافة ابيه وشهد الفتح وحنينا والطائف كما سيأتى (فكفل له) بالتشديد (من مناحبتهم) بالنون والمهملة والموحدة أى مفاخرتهم* ذكر خروجه ﷺ هو وأهله

стр. 113

أبو بكر أبيا وأخذ الخطر من ورثته وجاء به الى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال له تصدق به* وفي التاسعة خرج صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هو وأهله من حصار الشعب ونقضت الصحيفة بتمالئ النفر الخمسة على نقضها حسبما تقدم. [الكلام على وفات عمه أبى طالب والسيدة خديجة وحزنه ﷺ لذلك وما ناله من أذى قريش عقب ذلك] ولثمانية أشهر واحد عشر يوما من العاشرة مات عمه أبو طالب فاشتد حزنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليه ثم ماتت خديجة ﵂ بعده ثلاثة أيام فتضاعف حزنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكان الله له خلفا عنهما وعن كل أحد وثبت في الصحيحين من رواية سعيد بن المسيب عن ابيه من حصار الشعب (بتمالئ) بفتح الفوقية وتخفيف الميم وكسر اللام وهو التعاون بالشيء والتشاور فيه قبل فعله (النفر) هم عدة رجال من ثلاثة الى عشرة كما مر عن الجوهري (حسبما تقدم) بفتح السين أشهر من سكونها أي على قدره كما مر. ذكر موت أبي طالب وخديجة (مات عمه أبو طالب) كان موته في أوّل ذي القعدة أو النصف من شوال قولان وعمر بضعا وثمانين سنة (ثم ماتت خديجة بعده بثلاثة أيام) أو شهر أو شهر وخمسة أيام أو خمسين يوما أقوال. قال ابن الاثير ودفنت بالحجون ولم يصل عليها لان صلاة الجنائز كانت لم تشرع يومئذ وقيل ماتت قبل أبي طالب وكان عمرها خمسا وستين سنة وأقامت مع رسول الله ﷺ بعد ما تزوجها أربعا وعشرين سنة وستة أشهر وكان موتها قبل الهجرة بثلاث سنين وثلاثة أشهر ونصف. وقيل قبل الهجرة بسنة وقال عروة ما ماتت الا بعد الاسراء وبعد ان صلت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم (فاشتد حزنه) بفتح المهملة والزاي وبضم المهملة وسكون الزاي لغتان مشهورتان (سعيد بن المسيب) بفتح التحتية عن العراقيين وهو المشهور وبكسرها عن المدنيين قال ابن قرقول قال الصيدلاني دكر لنا ان سعيدا كان يكره أن يفتح الياء من اسم أبيه وأما غير والد سعيد فبفتح الياء بلا خلاف انتهى وهو سعيد بن المسيب بن حزن بن وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب والده وجده صحابيان أسلما يوم الفتح ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر وقيل لاربع وكان يقال له سيد التابعين. قال بعضهم ان مراسيله حجة مطلقا لانها فتشت فوجدت مسندة. قال البيهقي والخطيب وغيرهما وليس كما قال فانه وجد فيها ما ليس بمسند وعلى الاول فقد نظر ابن الصلاح في القليل بانها فتشت فوجدت مسانيد بانها اذا ظهرت مسندة كان الاحتجاج بالمسند لا بالمرسل قال والتحقيق ان مراسيل سعيد كغيره وانما قال الشافعي ارسال سعيد عندنا حسن ولا يلزم من هذا ان يكون حجة وانما استحسنها لان سعيدا قل ما يرسل الا عن أبي هريرة فانه صهره فانه يرسل عمن لو سماه كان مقبولا. قال واستقراء مذهب الشافعي يدل على انه انما يحتج بما وجد مسندا من أحاديث سعيد مثل حديث بيع اللحم بالحيوان جاء مرسلا وجاء مسندا عن أبي سعيد وعن أبي هريرة وقل ما يرسله سعيد ولا يوجد مسندا انتهى. توفي سعيد سنة أربع وتسعين عن تسع وسبعين سنة وسميت سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها منهم وأراد رسول الله ﷺ أن يغير اسم جده فقال انت سهل فقال لا أغير اسمى فما زالت الحزونة في ولده ففيهم سوء

стр. 114

انه لما احتضر أبو طالب جاءه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعنده ابو جهل وعبد الله ابن أبى أمية فقال له أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله فقالا له يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به هو على ملة عبد المطلب فقال النبى لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى الآية ونزلت انك لا تهدي من أحببت وفي رواية لمسلم قال لولا أن تعيرنى قريش يقولون انما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك وان العباس ابن عبد المطلب قال للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما أغنيت عن عمك فانه كان يحوطك ويغضب لك قال هو في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه تغلي منه أم دماغه* وهذا مطابق لقوله خلق (فائدة) اختلف في الافضل من التابعين هل هو سعيد أم أويس القرني وجمع النووي وغيره بين القولين بان كلا منهما أفضل من الآخر من حيثية فالاول من حيثية العلم والثاني من حيثية الزهد في الدنيا (قلت) وهذا الجمع محتاج الى أن يقال بافضلية أحدهما أو الى استوائهما ويظهران سعيدا أفضل من أويس على الاطلاق لان فضيلة العلم لا توازيها فضيلة الزهد على انا نقول بغلية الظن ان سعيدا شارك أويسا في تلك الفضيلة ولا عكس (احتضر) بالبناء للمفعول أي حضرته الوفاة (كلمة) بالنصب على انه بدل وبالرفع خبر مبتدإ محذوف (أحاج لك) أي أقيم لك بها الحجة عند الله بالشهادة لك على انك قلتها ومنه يؤخذ صحة اسلام الكافر قبيل موته اذا كان قبل الغرغرة وهو كذلك (ما كان) أي ما ينبغى (ولو كانوا) الواو هنا حالية (انك لا تهدى) أي لا توفق وترشد فلا تنافيه الآية الاخرى وانك لتهدي الى صراط مستقيم اذ المراد هنا بالهداية الدلالة (من أحببت) قال النووي يحتمل من أحببته ومن أحببت هدايته (وهو أعلم بالمهتدين) أي بمن قدر له الهدى (الجزع) بفتح الجيم والزاي في جميع الاصول والروايات وذهب جماعة من أهل اللغة الى أنه بفتح المعجمة والراء وهو الضعف والخور وقيل الجزع الدهش واختار ذلك أبو القاسم الزمخشري. قال عياض ونبهنا غير واحد من شيوخنا على انه الصواب (لاقررت بها عينك) قال ثعلب أقر الله عينه معناه بلغه أمنيته حتى ترضى نفسه وتقر عينه أي تسكن فلا تشترف لشئ. وقال عبد الملك بن قريب بالقاف والراء مصغر ابن أصمع الاصمعي معناه أبرد الله دمعه لان دمعة الفرح باردة (يحوطك) أي يصونك ويمنعك من كل من أرادك بسوء (ضحضاح) بفتح المعجمتين بينهما مهملة وهو مارق من الماء على وجه الارض واستعير في النار (تغلى منه أم دغلمه) زاد مسلم وغيره ولولاي لكان في الدرك الاسفل من النار (تنبيه) لا خلاف بين العلماء في ان أبا طالب مات على الكفر ولم يأت في رواية يعتمد عليها فيه ما أتي في أبوي النبي ﷺ ان الله تعالى أحياهما له فآمنا به نعم ذكره القرطبي في التذكرة بلفظ وقد سمعت ان الله تعالى أحياله أبا طالب وآمن به والله أعلم (وهذا مطابق) أي موافق (الذنوب ثلاثة الى آخره) أخرجه الطبراني في الكبير من حديث سلمان بلفظ ذنب لا يغفر وذنب لا يترك وذنب يغفر فاما الذي لا يغفر

стр. 115

صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الذنوب ثلاثة ذنب يغفره الله وذنب لا يغفره الله وذنب لا يتركه الله وفسر الاول بظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين خالقهم والثانى بالشرك واستشهد عليه بقوله تعالى إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ والثالث مظالم العباد فيما بينهم وفي معناه ما ثبت في الصحيح من رواية أنس ان رجلا قال لرسول الله ﷺ يا رسول الله أين أبي قال في النار قال فلما قفا الرجل دعاه فقال ان ابى وأباك في النار ومثله ما روت عائشة قالت قلت يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه قال لا ينفعه انه لم يقل يومارب اغفرلي خطيئتي يوم الدين رواهما مسلم. وروي عن ابن عباس ومقاتل في قوله وَهُمْ يَنْهَوْنَ فالشرك بالله وأما الذي يغفر فذنب العبد بينه وبين الله وأما الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا وأخرجه في الاوسط من حديث أبى هريرة بلفظ ذنب يغفر وذنب لا يغفر وذنب يجازي به فاما الذى لا يغفر فالشرك بالله وأما الذي يغفر ففعلك بينك وبين ربك وأما الذي يجازى به فظلمك أخاك (ان الشرك) أي عبادة غير الله (لظلم عظيم) أي لان الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهو صادق على الشرك لان المشرك وضع العبادة في غير موضعها (ان رجلا) لم يسم (فلما قفا) أي ولي قفاه (ان أبى وأباك في النار) هذا محمول على القول بايمان أبويه على ان المراد عمه كما تقدم أو على انه قال ذلك قبل احياء أبيه فيكون اخباره عن الحالة الراهنة (ابن جدعان) بالجيم ومهملتين بوزن عثمان واسمه عبد الله (في الجاهلية) هي زمن الفترة سموا بذلك لكثرة جهالاتهم (انه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي لم يؤمن فيقول ذلك لانه لا يقوله الا المؤمن المشفق من عذاب يوم القيامة وهذا من جملة دعاء ابراهيم كما في القرآن حكاية عنه (عن ابن عباس) هو عبد الله بن عباس ترجمان القرآن الذي قال فيه النبي ﷺ اللهم علمه الكتاب اللهم فقهه في الدين كان يكنى أبا العباس بابيه أمه لبابة بنت الحارث بن حرب الهلالية وعلمه وفضله أشهر من أن يذكر ومناقبه أكثر من أن تحصر كان له حين توفي النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة أو خمس عشرة سنة قولان توفي سنة ثمان وستين أو تسع وستين بالطائف وهو ابن سبعين أو احدى وسبعين أو ثلاث وسبعين سنة أقوال وكف بصره في آخر عمره فقال في ذلك بيتين كما مر (فائدة) كان للعباس ﵁ من الولد عشرة سبعة منهم ولدتهم أم الفضل بنت الحرث الهلالية أخت ميمونة زوج النبي ﷺ ورضي الله عنهما وهم الفضل وعبد الله وعبيد الله ومعبد وقثم وعبد الرحمن وأم حبيب وعوف قال ابن عبد البر لم أقف على اسم أمه وتمام وكثيرا مهما أم ولد له والحارث أمه من هذيل كان أصغرهم تمام وكان العباس يحمله ويقول تموا بتمام فصاروا عشره ... يا رب فاجعلهم كراما برره واجعل لهم ذكرا وأنم الثمره وكل بني العباس لهم رواية وللفضل وعبد الله وعبيد الله سماع ورواية (ومقاتل) هو ابن سليمان البلخي المفسر

стр. 116

عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ انه أبو طالب كان ينهي الناس عن أذى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وينأى عن الايمان أي يبعد ويمنعهم. وروي في كتب السير ان العباس بن عبد المطلب نظر الى أبى طالب حين الموت وهو يحرك شفتيه فأصغي اليه بأذنه فقال يابن أخى والله لقد قال أخى الكلمة التي أمرته بها أن يقولها فقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم أسمع والله أعلم ولكن لم يقلها العباس رضى الله عنه ولم تؤثر عنه بعد ان أسلم ولا يستقيم ذلك مع ما ثبت من النقل الصحيح الصريح انه مات على الشرك* قال السهيلي ومن باب النظر في حكمة الله تعالى ومشاكلة الجزاء للعمل ان أبا طالب كان مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بجملته متحزبا له الا انه كان مثبتا لقدمه على ملة عبد المطلب فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على ملة آبائه* اللهم ثبت قلوبنا على دينك حتى تميتنا عليه في غير محنة ولا فتنة وذكر في وصيته لقريش عند موته في أمر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والله لا يسلك أحد سبيله الا رشد ولا يأخذ أحد بهديه الاسعد ولو كان لنفسي مدة ولأجلى تأخير لكففت عنه الهزاهز ولدافعت عنه الدواهى واشتهرت الاخبار بتوليه للنبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والمدافعة عنه والذب عنه وتحمل الضر لأجله* ومن أحسن ما روي عنه في ذلك انه قال والله لن يصلوا اليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وعرفت انك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا؟؟؟ صاحب الضحاك. قال الذهبي متروك وأما مقاتل بن حبان البلخي الخراز فقيه عالم صالح (ولم تؤثر) أي لم تنقل (ومشاكلة الجزاء) بالمعجمة كالمماثلة وزنا ومعنى (متحزبا له) بالزاي والموحدة أي ناصرا له فكان من حزبه (الارشد) بفتح الراء وكسر المعجمة أي اهتدى (بهديه) أي بطريقته كما مر (الاسعد) بفتح أوله وضمه كما في القرآن (الهزاهز) الاضطراب والتحرك. قال في القاموس الهزاهز تحريك البلايا والحروب وهزهزه ذلله وحركه انتهى ومعناه لا أدع أحدا يهزه ويزلزله (الدواهي) جمع داهية بالمهملة والتحتية كفاعله وهي كل أمر عظيم مفظع (بتوليه) بفتح الواو وتشديد اللام المكسورة أي بنصرته (والذب عنه) أي الطرد (الاصر) بكسر الهمزة هو العهد الثقيل كما مر (حتى أوسد) أي يجعل لي وسادة من التراب أو نحوه تحت راسي (دفينا) حال (غضاضة) بفتح أو له وبالاعجام أي نقص وازدراء (وابشر) بوصل الهمزة وفتح المعجمة من بشر

стр. 117

لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتنى سمحا بذاك مبينا ومن محاسن قصيدته الكبرى قوله كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن الا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبزا محمدا ... ولما نطاعن حوله ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد اليكم ... نهوض الروايات تحت صل الصلاصل وحتى نرى ذا الضغن يركب ردغه ... من الطعن فعل الانكب المتحامل وانا لعمر الله ان جدما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالانامل بكفي فتى مثل الشهاب سميدع ... أخى ثقة حامي الحقيقة باسل بكذا يبشر بكسر الشين في الماضي وفتحها في المستقبل لغة فصيحة في ابشر يبشر (لولا الملامة) بالرفع أي اللوم ومعناه لولا خوف الملامة (أو حذار) بكسر المهملة مصدر كالحذر (مسبة) أي سب وهو الشتم بما ليس في الشخص (لوجدتنى سمحا) أي سامحا بما تطلبه منى* شرح ما ذكره المصنف من قصيدة أبى طالب المشهورة (الا أمركم) أي لكن أمركم (في بلابل) أي في هموم وأحزان (نبزا محمدا) بضم النون وسكون الموحدة وفتح الزاي أي نغلب عليه ونقهر (ونناضل) بالمعجمة أي نرامي بالسهام (ونسلمه) بضم عطف على نبزا (حتى نصرع) أي نقتل (والحلائل) أي الزوجات والسراري (قوم) أى جماعة من الرجال أو من الناس قولان لا واحد له من لفظه ولا يدخل فيه النساء على الاول (في الحديد) أراد الدروع وغيرها من أداة الحرب (نهوض) بالفتح مصدر (الروايا) بالراء جمع راوية وهي في الاصل البعير الذى يسقى عليه ثم قد يستعمل في غيره من الابل (الصلاصل) جمع صلصلة وهي الصوت المسموع عند ضرب الحديد بعضه بعضا وأراد هنا صوت خضخضة الماء في المرادات التي على الروايا (الضغن) بالمعجمتين الاولى مكسورة الحقد كما مر (ردغه) بفتح الراء وبالمعجمة ويجوز اهمالها أى ما يرشه من الدم (فعل الانكب) هو المتحامل مأخوذ من قولهم بعير انكب اذا كان يمشى في شق وقيل اذا طالت رجلاه وقصرت يداه (لعمر الله) أى وبقاء الله وحياته (ان جد) بجيم ومهملة أى ان مضي الامر بيننا وبينكم على ما هو عليه من الشقاق والمخالفة (لتلتبسن) بنون التوكيد الخفيفة فيكتب بالالف (بالانامل) جمع أنملة بتثليث الهمزة مع تثليث الميم فهذه تسع لغات (بكفي) تثنية كف (فتى) من أسماء الشباب كما مر (مثل) بالكسر (الشهاب) شعلة النار ومن أسماء النجم أيضا (سميدع) بفتح المهملة وكسر الميم وفتح الدال المهملة وهو السيد (أخي) أى ذي (ثقة) أي يوثق بقوله وأمانته (حامي الحقيقة) بالمهملة والقافين بوزن العظيمة. قال أهل اللغة حقيقة الرجل ما لزمه الدفع عنه من أهل بيته* قال عباس بن مرداس السلمي فلم أر مثل الحي حيا مصبحا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا أكر واحمي للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا (باسل) بالموحدة والمهملة

стр. 118

شهورا وأياما وحولا مجرما ... علينا وتأتى حجة بعد قابل وما ترك قوم لا أبالك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل لعمري لقد كلفت وجدا باحمد ... واخوته دأب المحب المواصل كفاعل أى شجاع (لا أبالك) قال في البحر كلمة تقولها العرب للحث على فعل الشيء ومعناه ان الانسان اذا كان له أب ووقع في شدة عاونه أبوه ورفع عنه بعض الكل فلا يحتاج من الجد والاهتمام الى ما يحتاج اليه حالة الانفراد وعدم الاب المعاون فاذا قيل لا أبا لك فمعناه جد في هذا الامر وشمر وتأهب تأهب من ليس له معاون وقد يقال لا أم لك كذلك أيضا (سيدا) مأخوذ من السؤدد وهو الرياسة والزعامة ورفعة القدر ويطلق السيد على الرب والمالك والرئيس الذي يتبع وينتهي الى قوله والمطيع لربه والفقيه والعالم والحليم الذى لا يغضبه شيء والكريم على الله والتقى والبريء من الحسد والفائق قومه في جميع خصال الخير والقانع بما قسم الله والسخي والنسيب (يحوط) أي يمنع (الذمار) بكسر المعجمة الهلاك أو الغضب قولان وفي راء الذمار تزحيف (ذرب) بمعجمة مكسورة فراء ساكنة فموحدة أي غير حديد اللسان فاحشه (مواكل) أى يكل أموره الى غيره غباوة منه وجهلا (وأبيض) بالفتح معطوف على قوله سيدا (يستسقى الغمام) أي السحاب (بوجهه) قال ذلك لما رأى في وجهه من علامات ذلك وان لم يشاهد وقوعه قاله الحافظ ابن حجر. قلت بل شاهد أبو طالب ذلك فقد أخرج ابن عساكر من حديث عرفطة قال قدمت مكة وهم في قحط فقالت قريش يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال فهلم فاستسق فخرج أبو طالب ومعه غلام كانه شمس دجن تجلت عنه سحابة غيم وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب وألصق ظهره بالكعبة ولاذ الغلام باصبعه وما في السماء قزعة فاقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغدودق وأخصب النادي والبادي وفي ذلك يقول أبو طالب وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامي عصمة للرامل انتهى (ثمال اليتامي) بالنصب نعت لما تقدم وهو بكسر المهملة العماد أو الملجأ أو الكافي أو المغيث أو المعين أو مطعم الجائعين أقوال نظمتها فقلت عماد ملجأ كاف مغيث* ... معين مطعم ذاك الثمال (عصمة) أى ملاذ (للارامل) جمع أرملة وهي المرأة الفقيرة التي لا زوج لها (يلوذ به) أي يلجأ اليه (الهلاك) جمع هالك (فى نعمة) بفتح النون وكسرها ومعناه بالفتح المنعة والعيش الرغد وبالكسر واحد النعم (لقد كلفت) كملت وزنا ومعنى وهو مبنى للمفعول (وجدا) بفتح الواو أى حبا شديدا (باحمد) بالصرف لضرورة الشعر (واخوته) أراد بهم أولاد نفسه (دأب) أى عادة (المحب المواصل) اسم فاعل أو مفعول فهو بكسر المهملة

стр. 119

فمن مثله في الناس أى مؤمل ... اذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائش ... بوالى إلها ليس عنه بغافل فو الله لولا أن أجئ بسبة ... تجر على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا ان ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعبا؟؟؟ بقول الاباطل فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عها سورة المتطاول حدبت بنفسى دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذري والكلاكل وقال ابنه طالب بن أبى طالب فما إن جنينا في قريش عظيمة ... سوى ان حمينا خير من وطئ التربا أخا ثقة في النائبات مرزأ ... كريما نثاة لا بخيلا ولا ذربا يطوف به العافون يغشون بابه ... يؤمون نهرا لا نزورا ولا ضربا قال ابن اسحاق فلما مات ابو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله من الاذى مالم تكن تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا ودخل على أحدي بناته فجعلت تغسله وتبكى ورسول الله صلى الله عليه على الاول وفتحها على الثاني (مؤمل) بفتح الميم أى مرجو (حليم) أى لا يعجل بمكافأة ذى الشر (رشيد) أى عاقل مهتد (غير طائش) باهمال الطاء واعجام الشين أى خفيف (بسبة) بضم المهملة أى خصلة أسب بها (في المحافل) جمع محفل بالمهملة والفاء وهو المجمع (جدا) هو نقيض الهزل (التهازل) هو التفاعل من الهزل أى كنا اتبعناه جدا لا هزلا (لقد علموا) أى بالاختبار (ان ابننا) أطلق ذلك عليه مجازا (لا يعنى) أي لا يعتني وروى بالموحدة أى لا يبالي (في أرومة) بفتح الهمزة هى من أسماء الاصل كما مر (سورة المتطاول) بفتح المهملة أى مبالغته في التطاول (حدبت) مر شرحه (بالذري) جمع ذروة بكسر المعجمة وضمها وذروة كل شيء أعلاه (والكلاكل) هي عظام الصدر (وقال ابنه طالب) كاسم فاعل من الطلب وهو أكبر أولاده وبه كان يكنى وسيذكره المصنف فيما بعد (فما) نافية (ان) زائدة (عظيمة) أى جناية عظيمة (التربا) بالف الاطلاق والترب لغة في التراب (مرزأ) أى مسئولا وأصل الرزء النقص ثم استعمل في السؤال لانه ينقص به مال المسئول (يطيف به) بضم أوله رباعي (العافون) جمع عاف وهو الطالب لما يأكل (يغشون) بفتح الشين (يؤمون) أي يقصدون (نهرا) بسكون الهاء وفتحها لكنه في النظم بالسكون وهو مستعار لكثرة خيره ﷺ ويروى عدا أي لا انقطاع له (لا نزورا) بفتح النون والنزور كثير النزر وهو زجر مع الغضب (ولا ضربا) أى

стр. 120

وآله وسلم يقول لها لا تبكي يا بنية فان الله مانع أباك ويقول بين ذلك ما نالت قريش مني ما نالت حتى مات ابو طالب* وذكر أيضا ان النفر الذين كانوا يؤذون رسول الله ﵌ بجوار المنزل لم يسلم منهم أحد الا الحكم بن ابى العاص مع ان إسلامه كان مضطربا فكان أحدهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى ويطرحها في برمته اذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حجرا يستتر به منهم اذا صلى وكان اذا طرحوا عليه ذلك خرج به على عود وقال يا بنى عبد مناف أى جوار هذا ثم يلقيه (قلت) وجميع ذلك انما هو أذى يتأذى به مع قيام العصمة لجملته ليناله حظه من البلاء وليحقق فيه مقام الصبر الذي أمر به كما صبر أولو العزم من الرسل الانبياء ومع ذلك فكل من قومه قد كان حريصا على الفتك به واستئصاله والفراغ منه لو يقدر على ذلك فسبحان من كفاه وقاه وآواه وأظهر دينه على الاديان كلها وأسماه* [مطلب في خروجه ﷺ لثقيف بالطائف وخبر ما لقي من أذاهم وخبر جن نصيبين] ولثلاثة أشهر من موت أبى طالب خرج النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الى ثقيف أهل الطائف وحده وقيل كان معه زيد بن حارثة فأقام بها شهرا يدعوهم فردوا قوله واستهزؤا به وسألهم أن يكتموا عليه اذ لم يقبلوا فلم يفعلوا وعند انصرافه عنهم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون خلفه حتى اجتمع عليه الناس وألجؤه الى جنب حائط لعتبة وشيبة بنى ربيعة وكانا حينئذ هناك فلما اطمأن صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ظله ورجع عنه عامة السفهاء دعا فقال اللهم انى أشكو اليك ضعف قوتى وقلة حيلتي وهوانى على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى الى من ولا يضرب ضربا (ويقول بين ذلك) أى في أثنائه (ما نالت قريش مني ما نالت) ما الاولى نافية والثانية اسم أى الذي نالت (حجرا) بكسر المهملة وسكون الجيم أى شيأ يحتجر به عنهم أى يمتنع (على الفتك به) الفتك أن يأتي الرجل الى آخر ليقتله وهو غافل (واستئصاله) أى اذهابه من أصله* ذكر خروجه ﷺ الى ثقيف وهو جد هوازن. قال في القاموس واسمه قصى بن منبه بن بكر بن هوازن وهو مصروف (أهل) بالكسر على البدل (فردوا عليه) كان الراد عليه ثلاثة اخوة عبد ياليل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير وذلك ان أحدهم قال هو يمرط ثياب الكعبة ان كان الله أرسلك وقال الآخر اما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك كلمة أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول فانت أعظم خطر امن ان أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي ان أكلمك فقام رسول الله ﷺ من عندهم (ان يكتموا) بضم الفوقية (اللهم اني أشكو اليك ضعف قوتي الي آخره) أخرجه الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن جعفر (انت رب المستضعفين) انما خصهم مع انه رب الكل لانهم لا يتشوفون

стр. 121

تكلنى الى بعيد يتجهمنى أو الى عدو ملكته أمري ان لم يكن بك غضب على فلا أبالي ولكن عافيتك هى أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بى غضبك أو يحل عليّ سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة الا بك ولما رأى ابنا ربيعة ما لقى تحركت له رحمهما وبعثا اليه غلاما لهما اسمه عداس بطبق عنب فلما وضعه بين يديه سمى وأكل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم سأل عداسا عن دينه وبلده فقال أنا نصرانى من أهل نينوى فقال رسول الله ﷺ من قرية الرجل الصالح يونس بن متى فقال عداس وما يدريك فقال ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي فاكب عليه عداس يقبل رأسه ويديه ورجليه فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده ولما جاءهم عداس سألاه فقال ما على الارض خير من هذا الرجل فقالا يا عداس لا يصرفنك عن دينك فانه خير من دينه (قال المؤلف كان الله له) وقد تعدد الحديث في صحيح مسلم من رواية عائشة عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ان هذا الموقف بالطائف أشد ما لقى في الى نصرة سواه بخلاف غيرهم (يتجهمني) بالجيم وتشديد الهاء أى يقابلنى بوجه غليظ (أو يحل) قال الجوهري حل العذاب يحل بالكسر أى وجب ويحل بالضم أى ينزل (العتبى) بضم المهملة على وزن العقبي أى لك على ان استرضيك (حتى ترضى) عني والعتبى الرضى واستعتبه أعطاه العتبي كاعتبه قاله في القاموس (عداس) بالمهملات بوزن كتاب قاله في القاموس أو بوزن غراب قاله غيره عده ابن مندة وأبو نعيم في الصحابة (بطبق عنب) بالاضافة (نينوى) بنونين بينهما تحتية ساكنة الاولى منهما مكسورة والثانية مفتوحة ثم واو مفتوحة قرية بالشام (يونس بن متى) بتشديد الفوقية على وزن حتى وهي أمه ولم يشتهر نبى بأمه سوى عيسى ويونس قاله ابن الاثير في الكامل قال الشمني وان قيل قد ورد في الصحيح لا تفضلوني على يونس بن متي ونسبه الى أبيه وهو يقتضي ان متى أبوه. أجيب بأن ابن متى مدرج في الحديث من كلام الصحابي لبيان يونس بما اشتهر به لا من كلام النبي ﷺ ولما كان ذلك موهما ان الصحابي سمع هذه النسبة من النبي ﷺ دفع الصحابى ذلك بقوله ونسبه الى أبيه أى لا كما فعلت أنا من نسبته الى أمه انتهى. وقال عدة من الحفاظ ان متى أبوه وعليه اقتصر في القاموس وهو الصحيح اذ هو مدلول الحديث وتأويله بما مر تعسف لا يجدى (فاكب) أي أهوى (يقبل رأسه ويديه ورجليه) فيه ان ذلك لا بأس به لاهل الفضل كالعلماء والزهاد والعباد وأهل ذي نسب شريف تبركا واقتداء بالسلف (ولما جاء عداس سألاه) في سيرة ابن اسحق قالا له ويلك ما لك تقبل قدمى هذا الرجل قال يا سيداي (ما على الارض خير من هذا الرجل) لقد أخبرني بأمر ما يعلمه الا نبي (فقالا) ويحك يا عداس الى آخره (الموقف) بالنصب (أشد) بالرفع

стр. 122

ذلك والله أعلم بما لحقه من التعيير والتبكيت والاستهزاء وخيفة شماتة قريش وخشية أن ينالوه بمثلها ودعاؤه حينئذ مبين عما وقع في نفسه من الكرب العظيم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفضل الصلاة وأزكى التسليم وقد كان ﵌ يتأذى منهم بالقول أعظم من تأذيه بالفعل ولما عكسوا اسمه الكريم وسموه مذمما بدلا عن محمد قال ألا ترون ما يدفع الله عنى من أذى قريش يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد ﵌ يعني انهم يوقعون سبهم على وصف ولم يكن بذلك الوصف صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم ان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم انصرف من الطائف راجعا مغموما مهموما فلما بلغ قرن الثعالب وهو قرن المنازل أتاه جبريل ﵇ ومعه ملك الجبال واستأذنه أن يطبق على قريش الاخشبين وهما جبلا مكة فكره صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد تقدم الحديث في ذلك مستوفي ثم أخذ راجعا الى مكة حتى اذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر تسعة وقيل سبعة من جن نصيبين وهي مدينة بالشام مباركة وجنها سادات الجن وأكثر عددا وهم أوّل بعث بعثه ابليس حين بعث جنوده ليتعرفوا له الاخبار عن سبب منعهم من استراق السمع فلما سمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولوا الى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا لما سمعوا فقص الله على نبيه خبرهم فقال واذ صرفنا اليك نفرا من الجن الآية. وذكر من أسمائهم منشى وماشى وشاصر وماصر والاحقب وزوبعة وحكى أنهم من نصيبين قرية باليمن غير التي في العراق وقيل انهم من نينوى وان جن نصيبين أتوه بعد ذلك بمكة والصواب انه لم يرهم ليلتئذ (قال المؤلف كان الله له) هكذا ينقل عن ابن اسحق ﵀ وتبعه غيره أن استماع الجن بنخلة كان عند مرجعه ﵌ (من التعيير) مصدر عيره بكذا اذا انتقصه به (والتبكيت) مصدر بكت يبكت بالموحدة وتشديد الكاف وفوقية وهو التوبيخ والملامة (شماتة قريش) بفتح المعجمة مصدر شمت يشمت بكسر الميم في الماضي وفتحها في المستقبل وهي فرح الضد بمصيبة ضده (مبين) مخفف ومثقل (أفضل الصلاة) الخلاف فيه مشهور (وأزكى) أى انمي (الا ترون) بفتح الفوقية (بنخلة) غير مصروف (نصيبين) بنون مفتوحة فمهملة مكسورة فتحتية ساكنة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة فنون بوزن قريبين بلد من بلاد الجزيرة (عن سبب منعهم من استراق السمع) أى برمي الشهب وظاهره انها لم تكن پرمي بها قبل ذلك والتحقيق انها كانت يرمي بها لكن مع قلة ثم كثرت لما بعث ﷺ كما مر (منشي) كاسم المنشي الذي هو بمعنى المبتديء (وماشي) كاسم الماشي الذى هو ضد الراكب (وشاصر) باعجام الشين واهمال الصاد فراء كفاعل (وماصر) بالمهملة بوزن الاول (والاحقب) بالمهملة والقاف

стр. 123

من الطائف وحده وثبت في صحيح البخارى عن ابن عباس ان ذلك كان عند انطلاقه في طائفة من أصحابه عامدين الى سوق عكاظ فسمعوه وهو يصلى بهم صلاة الفجر وما ثبت فيه مقدم على غيره ويدل عليه ما رواه الترمذي عن ابن عباس وصححه أنهم لما رأوه يصلي بأصحابه وهم يصلون بصلاته ويسجدون معه تعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا* وثبت في صحيح مسلم انه أتاه داعى الجن مرة أخرى بمكة وذهب معه وقرأ عليهم القرآن وسألوه الزاد فقال لهم لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوا بكم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فلا تستنجوا بهما فانهما طعام اخوانكم قال عكرمة وكانوا اثنى عشر ألفا من جزيرة الموصل ووردت أحاديث أخر تدل على تكرر اجتماعهم بالنبي ﵌ وكان ابن مسعود معه في احدى المرات والله أعلم. [فصل في الكلام على الجن واختلاف الناس فيهم] (فصل) واختلف في أصل الجن فقيل هم والشياطين ولد ابليس وقيل هم ولد الجان والشياطين ولد ابليس ثم انهم متجسمون محتاجون الى التغذية كالانس خلافا لمن أنكره من كفرة الاطباء والفلاسفة ويتصورون في الصور المختلفة وأكثر ما يتصورون حيات وعقارب وروي في حديث انهم ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات والموحدة على وزن الاغلب (وزوبعة) بالزاي والموحدة والمهملة بوزن صومعة وكان رئيسهم (فائدة) حكى عن أبي حمزة الثمالي انهم من بنى الشيصران بفتح المعجمة والمهملة بينهما تحتية ساكنة واختلف في اطلاق اسم الصحبة على من لقيه ﷺ من الجن والصحيح الاطلاق فقد عد ابن شاهين وغيره جماعة من الجن في أسماء الصحابة (عكاظ) بضم المهملة وآخره معجمة سوق من أسواق الجاهلية وهو مصروف قال الازرقي وراء قرن المنازل بمرحلة على طريق صنعاء في عمل الطائف على بريد منها (طواعية) بفتح المهملة وتخفيف الواو وتشديد التحتية أى طاعة (وانه لما قام عبد الله) أي النبي ﷺ (يدعوه) الهاء ضمير الله أي يعبده (كادوا يكونون عليه لبدا) أصل اللبد الجماعة بعضها فوق بعض أي يركب بعضهم بعضا ويزدحمون حرصا على استماع القرآن وقيل هو من قول النفر لما رجعوا إلى قومهم من الجن أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبى ﷺ واقتدائهم في الصلاة به. وقيل لما قام بالدعوة تلبدت الانس والجن وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذى جاء به ليطفؤا نور الله وأبى الله الا أن يتم نور هذا الامر وينصره على من ناواه (ذكر اسم الله عليه) قيل هذا خاص بمؤمنيهم وأما غيرهم فانما طعامهم فيما لم يذكر اسم الله عليه (الموصل) بفتح الميم وسكون الواو وكسر المهملة من جزائر الشام فصل واختلف في أصل الجن (والفلاسفة) بفاء مكررة وسين مهملة فرقة من الفرق الضالة يحكمون علم الفلك وينسبون القدرة الى النجوم وسموا فلاسفة وعملهم فلسفة اشتقاقا من فيلاسوفا ومعناه محب الحكمة (وورد في حديث انهم ثلاثة أصناف الي آخره) أخرجه الطبراني

стр. 124

وكلاب وصنف يحلون ويظعنون وسموا جنا لاستتارهم عن أعين الناس وجائز رؤيتهم وكان النبي ﷺ مبعوثا اليهم كالانس قيل ولم يكن ذلك لنبي قبله والصواب ان مؤمنهم يدخل الجنة وكافرهم يدخل النار وروى انهم قبائل متكاثرة وأصناف متباينة وأهواء مختلفة حتى قيل ان فيهم قدرية ومرجئة ورافضة والله أعلم. ثم انهم يعمرون الاعمار الطويلة ومن أعجب ما روى في ذلك ما حكاه القاضى عياض عن غير واحد من المصنفين عن عمر بن الخطاب قال بينا نحن جلوس مع النبي ﵌ اذ أقبل شيخ ذو عصا فسلم على النبى والحاكم والبيهقي في الاسماء من حديث أبي ثعلبة الخشنى (قيل ولم يكن ذلك لنبي قبله) قاله مقاتل (والصواب ان مؤمنهم يدخل الجنة وكافر هم يدخل النار) ممن قال به الشافعي ومالك وابن أبي ليلى ورواه جويبر عن الضحاك وذكر النقاش في تفسيره حديثا انهم يدخلون الجنة فقيل هل يصيبون من نعيمها قال يلهمهم الله تسبيحه وذكره ويصيبون من لذته ما يصيب بني آدم من نعيم الجنة واستدل على ذلك بقوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. قال سمرة بن حبيب فالانسيات للانس والجنيات للجن وفي رؤيتهم الباري تعالى في الآخرة خلاف قال بعضهم ويكون الانس يرونهم في الآخرة وهم لا يرون الانس عكس ما كانوا في الدنيا وقيل ليس للجن ثواب سوى النجاة من النار وذهب اليه أبو حنيفة وحكى سفيان عن ليث قال الجن ثوابهم ان يجاروا من النار ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل البهائم وحكي عن أبي الزناد أيضا وقال عمر بن عبد العزيز ان مؤمنهم حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها (فائدة) أخرج أبو يعلى والطبراني في الكبير من حديث غريب أن رسول الله ﷺ قال الجن لا يصل أحدا في بيته عتيق من الخيل (قدرية) بالنصب اسم ان. قال النووي وهم طائفة ينكرون ان الله سبحانه قدر الاشياء في القدم وقد انقرضوا وصار القدرية لقبا للمعتزلة لاسنادهم أفعال العباد الى قدرتهم وانكارهم القدر فيها (ومرجئة) لقبوا بذلك لارجائهم العمل عن النية أي تأخيرهم العمل في الرتبة عنها وعن الاعتقاد من ارجأه أخره وهو مهموز. وقيل لانهم يقولون لا يضر مع الايمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة فهم يعظمون الرجاء وعليه لا يهمز لفظ المرجئة (ورافضة) سموا به لرفضهم زيد بن علي بن زين العابدين بن الحسين ﵃ أي تركهم اياه قيل سببه انهم طلبوا منه أن لايقول بحقية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم فأبى وقد أخبر النبى ﷺ بان هذا الاسم نبزلهم حيث قال لعلي يا أبا الحسن أنت وشيعتك في الجنة وان قوما يزعمون انهم يحبونك يظهرون الاسلام ثم يلفظونه يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية لهم نتن يقال لهم الرافضة فان أدركتبم فقاتلهم فانهم مشركون وفي رواية قالوا يا رسول الله ما العلامة فيهم قال لا يشهدون جمعة ولا جماعة ويطعنون على السلف أخرجه علي بن عمر الدارقطني من حديث على قال وله عنده طرق كثيرة (ما حكاه القاضى) هو عياض بن موسى اليحصبي (بينا نحن) أي بين أوقات جلوسنا كما مر (عصا) مقصورة منون

стр. 125

صلى الله عليه وآله وسلم فرد عليه وقال نغمة الجن من أنت قال أنا هامة بن الهيم بن الاقيس بن ابليس فذكرانه لقى نوحا ومن بعده في حديث طويل (رجعنا الى القصة) ولما بلغ ﵌ في مرجعه من الطائف حراء بعث الى الاخنس بن شريق ليجيره قال أنا حليف والحليف لا يجير فبعث الى سهيل بن عمر وفقال ان بنى عامر لا تجير على بنى كعب فبعث الى المطعم بن عدي فلبس سلاحه هو وأهل بيته وخرجوا الى المسجد وبعث الى رسول الله صلى الله عليه وآله (وقال نغمة الجن) بالمعجمة وهي مرفوعة على الخبر لمبتدأ محذوف أي هذه نغمة الجن أي صوتهم (انا هامة) بالتخفيف كلفظ الهامة الطائر المعروف (ابن الهيم) كاسم الجمع من الابل المهيومة (الاقيس) بقاف مكسورة فتحتية ساكنة وفي بعض النسخ بحذفها فمهملة (ابن ابليس) هذا مما يدل على ان الجن من ذرية ابليس وقد ذكر المصنف الخلاف في ذلك (فائدة) قال الكاشغرى عد أبو موسى الاصبهاني هامة في الصحابة قال ولما انتسب قال له النبي ﷺ لا أرى بينك وبينه الا أبوين قال أجل قال كم أتى عليك قال أكلت عمر الدنيا الا أقلها كنت ليالي قتل قابيل هابيل غلاما وذكر أنه تاب على يد نوح ومن معه وانه لقى شعيبا وابراهيم الخليل ولقى عيسى فقال عيسى ان لقيت محمدا فاقرأه مني السلام فقد بلغت وآمنت بك قال رسول الله ﷺ على عيسى السلام وعليك يا هامة السلام وعلمه رسول الله ﷺ عشر سور من القرآن فقال عمر رضى الله عنه فمات رسول الله ﷺ ولم ينعه لنا ولا أراه الا حيا انتهى. وفي شرح الفقه الاكبر لابى حنيفة تأليف أبي مطيع ما مثاله الشياطين خلقوا للشر الا واحدا منهم وهو هامة وانه أسلم ولقى النبي ﷺ فعلمه سورة الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون واذا الشمس كورت وقل يا أيها الكافرون وسورة الاخلاص والمعوذتين فهو مخصوص بذلك من بين الشياطين انتهى (قلت) وهو شيطان النبي ﷺ الذي أخبر في الصحيح ان الله أعانه عليه فأسلم وقد وقع الخلاف في اسلامه هل هو حقيقي أم مجازي والصحيح الاول ويؤيده هذا الحديث وحديث فضلت على آدم بخصلتين كان شيطاني كافرا فأعاننى الله عليه حتى أسلم وكان أزواجى عونا لي وكان شيطان آدم كافرا وكانت زوجته عونا على خطيئته أخرجه البيهقي في الدلائل من حديث ابن عمر (حراء) مرضبطه (الى الاخنس) اسمه وسمى الاخنس لانه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله ﷺ عده ابن شاهين في الصحابة وظاهر كلام البغوي في التفسير انه لم يسلم وان قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية نزلت فيه والله أعلم (ابن شريق) بالمعجمة والراء والقاف على وزن قتيل (الى سهيل بن عمرو) بن عامر بن عبد شمس بن عبدود ابن النضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي وهو الذي جرى بينه وبين رسول الله ﷺ الصلح يوم الحديبية أسلم يوم الفتح وحسن اسلامه واستشهد يوم اليرموك وقيل يوم مرج الصفر وقيل مات في طاعون عمواس (الى المظعم بن عدي) هو بن نوفل بن عبد مناف كما مر (فلبس) بكسر الموحدة (وبعث الى رسول الله صلى الله عليه

стр. 126

وسلم ان ادخل فدخل ﷺ فطاف وانصرف الى منزله فلذلك قال ﷺ في أسارى بدر وكانوا سبعين لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمنى في هولاء النتني لتركتهم له ولذلك أيضا يقول حسان بن ثابت في المطعم حين رثاه أجرت رسول الله مهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبى مهل وأحرما فلو سئلت عنه معد باسرها ... وقحطان أو باقي بقية جرهما لقالوا هو الموفى بخفرة جاره ... وذمته يوما اذا ما تذمما وفي هذه السنة وهى سنة عشر من المبعث وخمسين من المولد تزوج ﷺ سودة بنت زمعة وبنى بها ثم عائشة بنت أبي بكر وبنى بها بالمدينة وسيأتى خبر تزويجها عند ذكر أزواجه ﵌ [مطلب في عرض نفسه ﷺ على القبائل لحمايته من أذى قريش وليتمكن من نشر دعوته وخبر ذلك] وفي سنة احدى عشرة اجتهد ﷺ في عرض نفسه على القبائل في مجامعهم في المواسم منى وعرفات ومجنة وذى المجاز فكان من خبر وسلم ان ادخل فدخل) وكان دخوله لثلاث وعشرين ليلة خلت من ذي القعدة ذكره ابن الاثير وغيره (قال النبي ﷺ في اساري بدر الى آخره) أخرجه البخاري وغيره (النتني) جمع نتن بفتح النون وكسر الفوقية أراد بهم أسارى بدر وسماهم نتنى أي مستقذرين لكفرهم (لتركتهم له) أي بلا فداء مكافأة لما صنع (حسان) مصروف وممنوع (ابن ثابت) بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي ابن عمرو بن مالك بن النجار وهوتيم اللات بن ثعلبة بن عمرو النجاري يكنى أبا الوليد وأبا عبد الرحمن وأبا الحسام لمناضلته عن رسول الله صلي الله عليه وسلم مات في خلافة علي قبل الاربعين وقيل مات سنة خمس وخمسين وقيل سنة أربع وخمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة عاش ستين في الجاهلية وستين في الاسلام وكذلك أبوه وجده وجد أبيه كل منهم عاش كذلك (فائدة) ممن عاش كذلك من الصحابة سوى حسان حكيم بن حزام وسعد بن يربوع القرشي وحويطب بن عبد العزي ومخرمة بن نوفل والد المسور ونوفل بن معاوية الدئلى وحمير بن عوف أخو عبد الرحمن بن عوف وأما من عاش مائة وعشرين منهم على الاطلاق فجماعة منهم حمل بن النابغة وعبد خير بن يزيد الهمداني وعدي بن حاتم في آخرين (فلو سئلت عنه) فيه التفات من الخطاب الى الغيبة (بخفرة جاره) بضم المعجمة وسكون الفاء أي بذمة* ذكر زواج سودة بنت زمعة احدى أمهات المؤمنين (سودة) بفتح المهملة وسكون الواو (زمعة) بفتح الزاي وسكون الميم وقد يفتح ابن قيس العامرية وأمها الشموس بنت قيس النجارية (بنى بها) أي دخل عليها* ذكر عرضه ﷺ نفسه على القبائل (وعرفات) بالصرف (ومجنة) بفتح الجيم مع فتح الميم وكسرها وبفتح الميم وكسر الجيم والنون مشددة وهي سوق أسفل مكة على بريد منها أرضها من أرض كنانة وهي التي أرادها بلال في شعره الآتي (وذي المجاز) بفتح الميم والجيم وبالزاي وهو سوق لهذيل

стр. 127

ذلك ما ذكره محمد بن اسحق انه لما رجع ﷺ من الطائف وجد قومه اشد ما كانوا عليه فكان ممن عرض عليه كندة فلم تجبه ثم بنو عبد الله بطن من كلب وكان مما قال لهم قد أحسن الله اسم أبيكم فلم يقبلوا منه ثم بنو حنيفة فردوا أقبح رد وكان عمه أبو لهب يقفو أثره فكلما أتى قوما ودعاهم كذبه وحذرهم منه وممن دعا أيضا بنو عامر بن صعصعة فشارطوه على أن يكون لهم الأمر من بعده فقال الأمر لله يضعه حيث يشاء وذكر محمد بن الحسن الكلاعى في سيرته قبائل كثيرة. فممن ذكر زيادة على ما نقل بن هشام بنو كنانة وحين لم يجيبوا انصرف عنهم يتلو انك لا تهدى من أحببت ثم بنو فزارة فلم يجيبوا وانصرف عنهم يتلو انك لا تسمع الموتي ثم بنو تميم وحين أبوا انصرف عنهم يتلو قل يا قوم اعملوا على مكانتكم الآية ثم بنو أسيد فرد عليه رئيسهم طليحة الاسدى ردا قبيحا وانصرف عنهم يتلو فان كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم الآية ثم أتى بكر بن وائل ومعه على وأبو بكر فكان لابى بكر مع دغفل بن حنظلة النسابة أخبار طريفة في الانساب ثم وقف على بنى شيبان فتلا عليهم «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ» الآية ثم استزادوه فتلا قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ الى آخر الثلاث الآيات وكان له ولهم مراجعة حسنة طريفة لطيفة ثم وعدوه أن يمنعوه من جميع الجوانب الا ما يلى انهار كسرى فقال ﷺ انه لا يقوم بأمر الله الا من منعه من جميع جوانبه وما أسأتم في الرد ولا تجهمتم في القول أفرأيتم ان لم يأت عليكم الا يسير حتى تستخدموا رجال القوم وتقسموا أموالهم اتعطون عهدا لتعبدنه ولا تشركن به شيئا فقال النعمان بن شريك وبدرهم الى القول نعم علينا بذلك عهد الله لنعبد ولا نشركن به شيئا فقال النبى ﵌ اللهم انصرهم فقال أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله على يمين عرفة على فرسخ منها (قد أحسن الله اسم أبيكم) أى حيث كان اسمه عبد الله (يقفو) أي يتبع (أثره) بالمثلثة والراء على وزن شجرة أو على وزن إبرة (بنو فزارة) بفتح الفاء وبزاي وراء (وبنو أسيد) بالتصغير (دغفل) بضم المهملة والفاء وبينهما معجمة ساكنة (النسابة) صفة مبالغة للعالم بالانساب كالعلامة والرواية وهو (بن حنظلة) الشيباني ويقال السدوسي بصري اختلف في صحبته ويقال انه عرف يوم دولاب من فارس في قتال الخوارج قال الكاشغري روى عنه قال مات النبى ﷺ وأنا ابن خمس وستين سنة (طريقة) بالمهملة والفاء بوزن عظيمة وهى التى لم يسمع بمثلها (النعمان) بضم النون (بن شريك)

стр. 128

عنه أتينا قوما ذوي حجي يحسنون الجواب فقال النبى ﵌ ان لاهل الجاهلية احلاما ومقدرة على الكلام يتحاجزون بها ويدفع بها بعضهم عن بعض وانصرف عنهم وهو يقول فانما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون* [مطلب في بدء اسلام الأنصار وقصة الإسراء] وفي هذه السنة بدء اسلام الانصار وقد قدمنا عند ذكر وقعة بعاث سبب مقدمات اسلامهم وخبر سويد بن الصامت واياس بن معاذ وحين اراد الله سبحانه اعزاز نبيه وسياقة خير الدنيا والآخرة الى الانصار لقى النفر الستة الخزرجيين عند العقبة فعرض عليهم ما عرض على غيرهم فقالوا فيما بينهم والله انه للنبي الذي تواعدنا به اليهود فلا تسبقنا اليه ثم صدقوه وآمنوا بما جاء به وأخبروه انهم خلفوا قومهم وبينهم العداوة والبغضاء وقالوا ان جمعنا الله بك فلا رجل أعز منك وهم فيما ذكر ابن اسحق وغيره أبو امامة أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء ورافع بن مالك بن عجلان وقطبة ابن عامر وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله بن رئاب ولما قدموا المدينة وأخبروا قومهم بذلك فشافيهم الاسلام فلم يبق دار من دورهم الا وفيها ذكر رسول الله ﵌* ولتسعة أشهر من الثانية عشرة قبل الهجرة بسنة أسرى بالنبي ﵌ من المسجد الحرام من بين زمزم والمقام الى المسجد الاقصى وهو بيت المقدس ثم الى السماوات العلى الى مالا يعلمه الا الله وفارقه بوزن عظيم الشيباني عده بن مندة وأبو نعيم في الصحابة (ذوي حجي) بكسر المهملة وفتح الجيم المخففة مقصور أي عقل (أحلاما) جمع حلم أي عقل (ومقدرة) بضم المهملة أي قدرا رفيعا (يتحاجزون) يتفاعلون من الحجز بالزاي أو الراء وهو المنع أي يمنع بعضهم بعضا* ذكر بدء اسلام الانصار (بدء) بفتح الموحدة وسكون المهملة ثم همزة أى ابتداء (سياقة) بكسر المهملة مصدر ساق يسوق (فلا رجل) بالفتح (أعز) بالضم هذا هو الافصح (أسعد) بالمهملات بوزن أحمد (ابن زرارة) بضم الزاي وتكرير الراء هو النجاري يقال له أسعد الخير مات في السنة الاولى من الهجرة في شوال. قال ابن عبد البر وغيره بمرض يقال له الريحة فكواه النبى ﷺ (وعوف) بفتح المهملة وسكون الواو ثم فاء (ابن الحرث) وسيأتي ذكر تتمة نسبه في غزوة بدر وغيرها (ورافع) بن مالك (بن العجلان) بن عمر الزرقى يكنى أبا مالك وأبا رفاعة شهد العقبتين وبدرا (وقطبة) بضم القاف وسكون المهملة ثم موحدة (ابن عامر) بن حديدة السلمي يكنى أبا بدر شهد العقبتين وبدرا وما بعدها وكانت بيده راية بني سلمة يوم الفتح مات في خلافة عثمان (وعقبة) بوزن قطبة وهو أخوه شهد العقبة الاولى وبدرا واحدا (ابن رئاب) بن النعمان السلمي بفتحتين وهو غير جابر بن عبد الله ابن عمرو بن حرام شهد بدرا واحدا والخندق وسائر المشاهد مع النبى ﷺ ورئاب بكسر الراء بعدها همزة* حديث الاسرا (قبل الهجرة بسنة) قاله مقاتل وغيره وجزم به النووي (الى المسجد الاقصى) سمى بذلك لانه أبعد المساجد الثلاثة (وهو بيت المقدس) ضبطوه على وزن المغرب وعلى وزن المهذب

стр. 129

جبريل وانقطعت عنه الاصوات وسمع صريف الاقلام في اللوح المحفوظ ثم سمع كلام المولى فأوحى اليه ما أوحى واتحفه بأنواع التحف والزلفي ورأى من آيات ربه الكبرى على ما نطق به الكتاب العزيز في قوله تعالى «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى» وأثبت رؤيته لربه ليلتئذ جماهير الصحابة والعلماء من غير إدراك ولا إحاطة ولا تكييف بحد ولا انتهاء ﵌ أفضل ما صلى على احد من عباده الذين اصطفي وقيل كان الاسراء سنة ست أو خمس من المبعث وقيل لسنة وثلاثة أشهر منه والصواب ما قدمناه أولا وجزم النووي في شرح صحيح مسلم انه كان ليلة الاثنين ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الاول وكذلك في فتاويه وفي سيرة الروضة له انه كان في رجب وقال غيره في رمضان واختلف هل كان بروحه وجسده يقظة أو بروحه فقط مناما مع اتفاقهم ان رؤيا الانبياء وحي واختلافهم بحسب اختلاف الروايات في ذلك والصحيح الاول انه بالروح والجسد وطريقة الجمع بينهما أن يقال كان ذلك مرتين أولاهما مناما قبل الوحي كما في حديث شريك ثم اسرى به يقظة بعد الوحي تحقيقا لرؤياه والاشهر الاول (صريف الاقلام) بمهملة مفتوحة فراء مكسورة فتحتية صوت جريانها على اللوح (فأوحي اليه ما أوحي) أوحي جبريل الى رسول الله ﷺ ما أوحي اليه ربه هذا معنى ما روى عن ابن عباس قيل أوحي اليه ألم يجدك يتيما فآوى الى قوله وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ وقيل أوحي اليه ان الجنة محرمة على الانبياء حتى تدخلها انت وعلى الامم حتى تدخلها أمتك (وأتحفه) التحفة ما يهيأ للمسافر عند قدومه (والزلفى) هي القربة (والنجم) أي الثريا (اذا هوى) أي سقطت وغابت هذا ما في رواية عن ابن عباس وروى عكرمة عنه انها الرجوم من النجوم وهى التي ترمى بها الشياطين عند استراقهم السمع وروي عطاء عنه انه القرآن وقيل أراد النجوم كلها وقيل النجم النبت الذى لا ساق له كاليقطين وهويه سقوطه على الارض. وقال جعفر الصادق يعني محمدا ﷺ اذ نزل من السماء ليلة المعراج (وأثبتت) ماض من الاثبات (رؤيته) بالنصب مفعول وفاعله جماهير (ليلتئذ) أى ليلة الاسراء (من غير ادراك ولا احاطة) هما هنا واحد والثانى تفسير للأوّل وفيه اشارة الى الرد على مانع الرؤية بقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وسيأتي ما فيه (عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى) يعني الانبياء والمرسلين (وقيل كان الاسراء) قبل البعثة كما في رواية شريك ابن أبي نمرو قيل (سنة ست أو خمس من المبعث وقيل لسنة) وشهرين وقيل (وثلاثة أشهر) وقيل وخمسة أشهر وقيل لسنة ونصف وقيل لثلاث سنين (انه كان في رجب) أى ليلة سبع وعشرين منه (وقال غيره) كالواقدي (في رمضان) وقال الماوردي في شوال (والصحيح الاول انه بالروح والجسد) أى لتواتر الاخبار الصحيحة بذلك وهو ظاهر القرآن (وطريقة الجمع بينهما ان يقال كان ذلك مرتين) بل ذكر أبو شامة ان مجموع أحاديث الاسراء وما فيها من الاختلاف يقتضي ان الاسراء كان أربع مرات (كما في حديث شريك)

стр. 130

كما رأى ﵌ فتح مكة قبل عام الحديبية سنة ست من الهجرة ثم كان تحقيقه سنة ثمان ونزل في ذلك قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ الآية وتوسط آخرون فقالوا كان الاسراء بجسده الى بيت المقدس ومن هناك الى السموات بروحه. قال النووى في فتاويه ثبت انه ﵌ صلى بالانبياء صلوات الله وسلامه عليهم ليلة الاسراء بيت المقدس ثم يحتمل انها قبل صعوده الى السماء ويحتمل انها بعده واختلف العلماء فيها فقيل هى الصلاة اللغوية وهي الدعاء والذكر وقيل الصلاة المعروفة ورجح الثاني وكانت الصلاة واجبة قبل ليلة الاسراء وكان الواجب منها قيام بعض الليل كما في سورة المزمل ثم نسخ ذلك ليلة الاسراء بافتراض الخمس وقد سبق ذلك ورأى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ربه ليلة الاسراء بعيني رأسه هذا هو الصحيح وعليه أكثر الصحابة والعلماء وليس للمانع دليل ظاهر وانما احتجت عائشة بقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ. وأجاب الجمهور ان الادراك هو الاحاطة والله سبحانه لا يحاط به ويراه المؤمنون في الآخرة بغير احاطة وكذلك رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة الاسراء انتهى ما ذكره مختصرا. قال القاضى عياض ومن خصائصه ﵌ قصة الاسراء وما انطوت عليه من درجات الرفعة مما نبه عليه الكتاب العزيز وشرحته صحاح الاخبار. قال الله سبحانه سبحان بالمعجمة والراء بوزن عظيم هو ابن أبي نمر المزني الراوي عن أنس وابن المسيب قال ابن معين لا بأس به وقال النسائي ليس بالقوي ينسب الى جده واسم أبيه عبد الله (ورأى رسول الله ﷺ ربه ليلة الاسراء بعينى رأسه) كما قاله أكثر العلماء منهم أنس والحسن وعكرمة وابن عباس قال ان الله اصطفى ابراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدا ﷺ بالرؤية (وانما أحتجت عائشة) أى وغيرها من مانعي الرؤية (بقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) وقد ذكر المصنف نقلا عن النووى الجواب عن الآية بقوله ﷺ فيما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر وقد سأله هل رأيت ربك قال نور أنى أراه وفي رواية أخرى رأيت نورا وقد أجاب الماذري بان معناه ان النور منعني عن الرؤية كما جرت العادة باعشاء الانوار الابصار ومنعها من ادراك ما حالت بين الرائي وبينه فليس في ذلك الا منع الادراك المجاب عنه وهو أحسن من قول النووى حجابه نور فكيف أراه والمشهور في ضبطه نورمنون اني بفتح الهمزة وتشديد النون أراه بفتح الهمزة وروى نوراني أراه بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء أى خالق النور المانع من رؤيته فيكون من صفات الافعال قال عياض هذه الرواية لم تقع الينا ومن المستحيل أن يكون ذات الله نورا اذ النور من جملة الاجسام والله تعالى متعال عن ذلك علوا كبيرا (سبحان) تنزيه الله من كل

стр. 131

الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الآية وقال تعالى وَالنَّجْمِ إِذا هَوى الآيات فلا خلاف بين المسلمين في صحة الاسراء به ﵌ اذ هو نص القرآن وجاءت بتفصيله وشرح عجائبه وخواص نبينا محمد ﵌ فيه أحاديث كثيرة منتشرة رأينا أن نقدم أكملها ونشير الى زيادة من غيره يجب ذكرها ثم ذكر حديث ثابت عن أنس من طريق مسلم قلت وقد اخترت ما اختاره القاضى لدرايته وتقدمه في هذا الشأن مع انى قد امتحنت الاحاديث غيره فوجدته من أعدلها متنا وأصحها سندا وها أنا اذا أذكره مقتصرا عليه وأحذف الزيادات من غيره اختصارا وهو ما رويناه بسندنا السابق الى مسلم. قال حدثنا شيبان بن فروخ ثنا حماد بن سلمة ثنا ثابت البنانى عن أنس بن مالك ان رسول الله ﵌ قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهي طرفه قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الانبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءنى جبريل باناء من خمر واناء من لبن فاخترت اللبن فقال اخترت الفطرة ثم عرج بنا الى السماء فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل قيل فمن معك قال محمد قيل وقد بعث اليه قال قد بعث اليه ففتح لنا فاذا أنا بآدم ﷺ فرحب بى ودعا لى بخير ثم عرج بنا الى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد بعث اليه قال سوء ووصف له بالبراءة من كل نقص على المبالغة ويكون بمعنى التعجب الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ يعني محمدا ﷺ واسراؤه به معناه سيره بالليل (ليلا من المسجد الحرام) أي مسجد مكة وقيل من دار أم هانئ (لدرايته) بكسر الدال مصدر درى يدري (امتحنت) أى اختبرت (شيبان) بفتح المعجمة وسكون التحتية (ابن فروخ) بفتح الفاء وتشديد الراء في آخره معجمة هو أبو محمد بن أبى شيبة الحنطي مولاهم الايلي قال عبدان كان عنده خمسون الف حديث وقال أبو زرعة صدوق وقال أبو حاتم أضطر الناس اليه أخيرا (حماد ابن سلمة) بن دينار البصرى أبو سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت (البنانى) بضم الموحدة ونونين مخففين يكنى أبا محمد وبنانة هم بنو سعد بن لؤى (البراق) بضم الموحدة وخفة الراء كذا ضبطه الحافظ ابن حجر وغيره وكثيرا ما يقرأ بكسر الباء وهو خطأ (عند منتهى طرفه) بسكون الراء أي نظره ووقع في بعض الروايات خطوه من باب المجاز لانه مصدر وهو لا يتصف بالوضع (ثم خرجت فجاءني جبريل باناء من خمر واناء من لبن) وفي بعض الروايات واناء من عسل (فاخترت اللبن فقال) القائل جبريل (اخترت الفطرة) وفي رواية هي الفطرة التي انت عليها وأمتك وفي حديث أبى هريرة عند البخارى في الاشربة ولو أخذت الخمر

стр. 132

قد بعث اليه ففتح لنا فاذا أنا بابنى الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صلى الله عليهما وسلم فرحبا بى ودعوا لي يخير ثم عرج بنا الى السماء الثالثة فذكر مثل الاول ففتح لنا فاذا أنا بيوسف ﷺ فاذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لى بخير ثم عرج بنا الى السماء الرابعة وذكر مثله واذا إدريس فرحب بى ودعا لى بخير قال الله تعالى وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ثم عرج بنا الى السماء الخامسة فذكر مثله فاذا أنا بهارون فرحب بى ودعالى بخير ثم عرج بنا الى السماء السادسة فذكر مثله فاذا أنا بموسى فرحب بى ودعالى بخير ثم عرج بنا الى السماء السابعة فذكر مثله فاذا أنا بابراهيم مسندا ظهره الى البيت المعمور واذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون اليه ثم ذهب بى الى سدرة المنتهي فاذا ورقها كآذان الفيلة واذا ثمرها كالقلال قال فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع ان ينعتها من حسنها فأوحى الله الىّ ما أوحى ففرض على خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت الى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة قال ارجع الى ربك فاسئله التخفيف فان أمتك لا يطيقون ذلك فانى قد بلوت بني اسرائيل قبلك وخبرتهم قال فرجعت الى ربى فقلت يا رب خفف عن أمتى فحط عني خمسا فرجعت الى موسى فقلت حط عني خمس صلوات فقال ان أمتك لا يطيقون فارجع الى ربك وأسأله التخفيف فلم أزل ارجع بين ربى وبين موسى حتى قال يا محمد انهن خمس صلوات كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شئ فان عملها كتبت سيئة واحدة قال فنزلت حتي انتهيت الى موسى فأخبرته فقال ارجع الى ربك فأسأله التخفيف فقال رسول الله ﵌ قد رجعت الى ربى حتي استحييت منه انتهى الحديث ولما أصبح ﵌ وأخبر خبر ليلته وما جري له فيها كذبه كفار قريش ومقتوه غوت أمتك وعند البيهقي من حديث أنس ولو شربت الماء غرقت وغرقت أمتك (واذا ثمرها كالقلال) أي الجرة العظيمة وفي القاموس القلة بالضم الحب العظيم أو الجرة العظيمة (ولما أصبح ﷺ وأخبر خبر ليلته وما جرى له فيها كذبه كفار قريش ومقتوه) في السيرة لابن هشام فلما أصبح غدا على قريش فاخبرهم الخبر فقال أكثر الناس هذا والله الإمر البين والله ان العير لتطرد شهرا من مكة الى الشام مدبرة وشهرا مقبلة أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع الى مكة قال فارتد كثير ممن كان أسلم وذهب الناس الى أبي بكر فكان من قوله لهم رضى الله عنه لقد صدق فما يعجبكم من ذلك فو الله انه ليخبرنى ان

стр. 133

واستبعد ذلك كثير من الناس حتى ارتد من ضعف ايمانه ورق دينه ثم استوصفوه بيت المقدس ولم يكن أثبت صفاته فكرب ﵌ كربا عظيما فرفعه الله له فجعل يخبرهم عنه وهو يبصره وفي رواية يونس بن بكير عن ابن اسحق انه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما أخبر قومه بالرفقة والعلامة في عيرهم قالوا متي تجئ قال يوم الاربعاء فلما كان ذلك اليوم وأشرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم تجيء فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس ﵌* [مطلب فى قدوم الأنصار اليه ﷺ وخبر بيعة العقبة الأولى] وفي موسم هذه السنة وافاه من الانصار اثني عشر رجلا وهم أسعد بن زرارة وعوف ومعاذ ابنا عفراء ورافع بن العجلان وذكوان بن عامر وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة الخبر ليأتيه من الله من السماء الى الارض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه فهذا أعجب مما تعجبون منه (ثم استوصفوه بيت المقدس ولم يكن أثبت صفاته) أي لم يكن عرفه حق المعرفة لان الاسراء وقع ليلا (فكرب ﷺ كربا عظيما) فكان من اكرام الله تعالى له (فرفعه الله له) وفي السيرة ان أبا بكر قال يا نبي الله أحدثت هؤلاء القوم انك جئت بيت المقدس هذه الليلة قال نعم قال يا نبي الله فصفه لي فانى قد جئته قال الحسن فقال رسول الله ﷺ فرفع لي حتى نظرت اليه فجعل رسول الله ﷺ يصفه لابي بكر ويقول أبو بكر صدقت أشهد انك رسول الله قال حتى انتهى قال رسول الله ﷺ لابي بكر وانت يا أبا بكر الصديق فيومئذ سماه الصديق (يونس بن بكير) بن واصل الشيباني أبو بكر الجمال الكوفي صدوق يخطئ ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب (يوم الاربعاء) بالمد وهو بتثليث الباء والاجود كسرها وقال ابن هشام فيه لغات فتح الهمزة وكسر الباء وكسر الهمزة وفتح الباء وكسرهما قال وهذه أفصح اللغات (وأشرفت قريش) أي أقبلت (وحبست عليه الشمس) أي ببطء تحركها وقيل توقفت وقيل ردت على ادراجها وحديث يونس هذا في حبس الشمس ذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء في آخر فصل انشقاق القمر وحبس الشمس له ﷺ ونوزع القاضي في هذا الباب والله أعلم بالصواب (وفي موسم هذه السنة) أي السنة العاشرة من البعثة أراد الله اظهار دينه واعزاز نبيه ﷺ وانجاز موعده له (وافاه من الانصار اثني عشر رجلا) فلقوه بالعقبة (وهم أسعد بن زرارة) ابن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار أبو امامة (وعوف ومعاذ) ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن النجار وهما (ابنا عفراء) وهؤلاء الثلاثة من بنى النجار ثم من بني مالك بن النجار (ورافع) بن مالك (بن العجلان) بن عمرو بن عامر بن زريق (وذكوان) بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد (بن عامر) بن زريق وذكوان هذا مهاجري انصارى قاله ابن هشام والسادس (عبادة ابن الصامت) بن قيس بن اصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم (و) السابع أبو عبد الرحمن (يزيد بن ثعلبة) بن

стр. 134

وعياش بن عبادة وعقبة بن عامر وقطبة بن عامر هؤلاء خزرجيون ومن الاوس أبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة فلقوا رسول الله ﵌ بالعقبة وهى العقبة الاولى فبايعوه بيعة النساء أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا الى آخر ما قص الله في آية بيعة المؤمنات وذلك قبل ان تفرض الحرب وبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مصعب بن عمير العبدري يقرئهم القرآن ويعلمهم الاحكام فكانوا يسمونه المقريء وكان منزله عند أسعد بن زرارة ودخل به أسعد بن زرارة يوما حائطا لبني ظفر من الاوس واجتمع اليهما نفر ممن أسلم فقال سعد بن معاذ لا سيد بن حضير انطلق بنا الى هذين الرجلين اللذين أتيا ديارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما فلولا أن أسعد بن زرارة ابن خالتي لكفيتك فأخذ أسيد حربته وأقبل نحوهما وحين رأياه قال أسعد بن زرارة لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه فقال مصعب ان يجلس أكلمه فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا اعتزلا ان كان لكما بأنفسكما حاجة فقال له مصعب أو تجلس فتستمع فان رضيت أمرا قبلته وان كرهت أمرا كف عنك ما تكره قال أنصفت فركز حربته وجلس فتلا عليه القرآن ودعاه الى الاسلام فأسلم ثم قال لهما ان ورائى رجلا ان اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله اليكما فلما أقبل أسيد راجعا الى سعد قال سعد احلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به عنكم فلما وقف عليهم سأله سعد فقال والله ما رأيت بهما بأسا وقد حدثت ان بنى حارثة خرجوا الى أسعد بن زرارة ليقتلوه فقام سعد خزمة بن اصرم بن عمرو بن عمارة من بنى غصينة من بلي حليف لهم (و) الثامن (عياش بن عبادة) كذا في الاصل وفي السيرة لابن هشام قال ابن اسحاق ومن بني سالم بن عوف بن عمرو بن الخزرج ثم من بني العجلان بن زيد بن غنم بن سالم العباس بن عبادة وفي الاصابة للحافظ ابن حجر العباس بن عبادة ابن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف الانصاري الخزرجى (و) التاسع (عقبة بن عامر) بن نابي بن زيد بن حرام (و) العاشر (قطبة بن عامر) بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد (وهؤلاء) جميعهم (خزرجيون و) شهدها (من الأوس أبو الهيثم بن التيهان) قال ابن هشام واسمه مالك والتيهان يخفف ويثقل كقوله ميت وميت قاله ابن حجر (وعويم) بصيغة التصغير ليس في آخره راء (ابن مساعدة) من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس (مصعب بن عمير) بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى بن كلاب (العبدري) أحد السابقين في الاسلام يكنى أبا عبد الله وكان ممن هاجر الى الحبشة الهجرة الاولى ثم رجع الى مكة ثم هاجر الى المدينة هجرته هذه (حائطا) أي بستانا (فركز حربته) الحربة بفتح الحاء آلة للحرب

стр. 135

مغضبا حتى وقف عليهما متشتما وقال لأسعد لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت ذلك منى تغشانا في ديارنا بما نكره فقالا له ما قالا لصاحبه وفعل مثل فعله ولما رجع سعد الى قومه. قال يا بنى عبد الاشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا قال فان كلام نسائكم ورجالكم على حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله فما أمسى في دارهم مشرك ثم فشا الاسلام في دور الانصار كلها الا ما كان من بنى أمية بن زيد وخطمة وواقف فانهم انتظروا باسلامهم اسلام أبى قيس بن الاسلت وكان شاعرا مطاعا فيهم فوقف بهم حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومضي بدر واحد والخندق وقال حين رأى الاسلام أرب الناس أشياء المت ... يلف الصعب منها بالذلول في أبيات له وقد كان أهل مكة قيل اسلام سعد بن معاذ سمعوا هاتفا يقول فان يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف مخالف يعني سعد بن معاذ من الحديد قصيرة محددة الرأس وركزها غرزها (الا ما كان من بني أمية بن زيد) في السيرة لابن هشام الا ما كان من دار بني أمية الخ (وخطمة) بخاء معجمة مفتوحة ومهملة ساكنة بطن من الانصار (وواقف) بكسر القاف المثناة وفاء بطن من الأوس وزاد ابن هشام بينهما ووائل بكسر التحتية بطن من الانصار أيضا (أبي قيس بن الأسلت) قال ابن حجر في الاصابة واسم الاسلت عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس ابن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس الأوسي مختلف في اسمه فقيل صيفي وقيل الحارث وقيل عبد الله وسماه ابن هشام في السيرة صيفي قال ابن حجر وكان يعدل بقيس بن الخطيم في الشجاعة والشعر ومن محاسن شعره قوله في صفة امرأة وتكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتل من اتيانهن فتعذر (يلف) في بعض النسخ بالكاف بدل اللام من الكف وكلاهما بمعنى المنع (الذلول) الدمث الاخلاق (فى أبيات له) ذكرها ابن هشام في السيرة وهي ارب الناس اما ان ضللنا ... فيسرنا لمعروف السبيل فلولا ربنا كنا يهودا ... وما دين اليهود بذي شكول ولولا ربنا كنا نصارى ... مع الرهبان في جبل الخليل ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... حنيفا ديننا في كل جيل نسوق الهدى ترسف مذعنات ... مكشفة المناكب في الجلول (سعد بن معاذ) بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن البنيت بن مالك بن الأوس الانصاري الاشهلي سيد الأوس وأمه كبشة بنت رافع هاصحبة: يكنى أبا عمر وشهد بدرا

стр. 136

وسعد بن عبادة ﵄* [مطلب فى قدوم الأنصار اليه ثانية وبيعة العقبة الثالثة المتفق على صحتها] وفي سنة ثلاث عشرة خرج حجاج الانصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك فلما قدموا مكة واعدوا رسول الله ﵌ العقبة من أوسط أيام التشريق وهي العقبة الثالثة المتفق على صحتها وها أنا أذكرها مختصرة على معنى ما ذكره أهل السير مع مراعاة بعض الالفاظ كما أفعل في غيرها من القصص قالوا فلما كانت ليلة الميعاد باتوا مع قومهم فلما مضى ثلث الليل خرجوا مستخفين ولما اجتمعوا بالشعب عند العقبة جاءهم رسول الله ﵌ ومعه العباس عمه وهو يومئذ مشرك فتكلم العباس وقال يا معشر الخزرج وكانت العرب تسمى الانصار أوسها وخزرجها الخزرج ان محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا فهو في عز ومنعة من قومه في بلده وقد أبى الا الانقطاع اليكم واللحوق بكم فان كنتم ترون أنكم وافون له باتفاق ورمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرا ثم انتقض جرحه فمات أخرج ذلك البخاري وذلك سنة خمس (سعد بن عبادة) بن دليم بن حارثة بن حرام بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة ابن كعب بن الخزرج الانصاري سيد الخزرج يكنى أبا ثابت وأمه عمرة بنت مسعود لها صحبة ماتت في زمن النبي ﷺ وشهد سعد العقبة الثالثة كما سيذكره المصنف قريبا واختلف في شهوده بدرا فأثبته البخاري وكان يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي فكان يقال له الكامل وكان مشهورا بالجود هو وأبوه وجده وولده مات بحوران سنة خمس عشرة وقيل سنة ست عشرة (أيام التشريق) الايام الثلاثة التي بعد يوم النحر (العقبة الثالثة المتفق على صحتها) من أهل السير والحديث (بالشعب) بكسر الشين وسكون المهملة قال الجوهري الطريق في الجبل وقال غيره ما انفرج بين جبلين فهو شعب (عند العقبة) بالتحريك وهو الجبل الطويل قال ياقوت العقبة التى بويع فيها النبي ﷺ بمكة فهى عقبة بين منى ومكة بينها وبين مكة نحو ميلين وعندها مسجد ومنها ترمى جمرة العقبة (العباس بن عبد المطلب) بن هاشم بن عبد مناف كنيته أبو الفضل وأمه نتيلة بنت جناب بن كلب. ولد قبل رسول الله ﷺ بسنتين وضاع وهو صغير فنذرت أمه ان وجدته ان تكسو البيت فوجدته فكست البيت الحرير فهي أوّل من كساه ذلك وكان اليه في الجاهلية السفارة والعمارة (وهو يومئذ على دين قومه) قال ابن حجر في الاصابة حضر بيعة العقبة مع الانصار قبل ان يسلم وشهد بدرا مع المشركين مكرها فاسر فافتدى نفسه وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب ورجع الى مكة فيقال انه اسلم وكتم قومه ذلك وصار يكتب الى النبى ﵌ بالاخبار ثم هاجر قبل الفتح بقليل وشهد الفتح وثبت يوم حنين وقال فيه ﵌ من آذى العباس فقد آذاني فانما عم الرجل صنو أبيه أخرجه الترمذي وقال البغوي كان العباس أعظم الناس عند رسول الله ﵌ والصحابة يعترفون للعباس بفضله ويشاورونه ويأخذون رأيه ومات بالمدينة في رجب أو رمضان سنة اثنتين وثلاثين وكان

стр. 137

بما وعدتموه اليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم وإن كنتم مسلموه وخاذلوه فمن الآن فقالوا تكلم يا رسول الله وخذ لربك ولنفسك ما شئت فتكلم رسول الله ﵌ وتلى عليهم شيئا من القرآن ثم قال أبايعكم على ان تمنعوني بما تمنعون به أنفسكم ونساءكم وأبناءكم فقال البراء بن معرور نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك بما نمنع به أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن أهل الحلقة والسلاح ورثناها كابرا عن كابر فقال أبو الهيثم بن التيهان يا رسول الله ان بيننا وبين الناس حبالا وإنّا قاطعوها فهل عسيت ان فعلنا ذلك ثم أظفرك الله أن ترجع الى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله ﵌ ثم قال بل الأيد الأيد الدم الدم والهدم الهدم وأنتم منى وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم ثم قال لهم رسول الله ﵌ اخرجوا الي منكم اثنى عشر نقيبا كفلاء على قومهم فاخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس ونقب رسول الله ﵌ على النقباء أسعد بن زرارة فقال لهم رسول الله ﵌ أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا الكفيل على قومي قالوا نعم فبايعوه ووعدهم على الوفاء الجنة طويلا جميلا أبيض (بما وعدتموه اليه) كذا في الاصل من الوعد وفي السيرة لابن هشام بما دعوتموه اليه من الدعوة (البراء) بموحدة ومهملة مخففتين (بن معرور) بمهملات بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد ابن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بمثناة فوقية بن جشم بن الخزرج هكذا ساق نسبه ابن هشام وفي الاصابة سابق بدل خنساء ويزيد بدل تزيد الانصاري الخزرجي السلمي ابو بشر أحد النقباء كما سيذكره المؤلف (أزرنا) بضم الهمزة والزاي وفتح ما بعدهما واحده ازار يذكر ويؤنث أي نساءنا وأهلنا (أهل الحلقة) بفتح الحاء المهملة وسكون اللام قال في اللسان قال ابن سيده الحلقة اسم لجملة السلاح والدروع وما أشبهها. وفي السيرة لابن هشام فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر (وبين الناس) المراد بالناس هنا اليهود (حبالا) كناية عن ما بين الحيين من العهود (الايد الايد) بفتح الهمزة واسكان الياء المثناة من تحت أى القوة ولم يذكرها ابن هشام (الدم الدم والهدم والهدم) قال في اللسان بعدان ساق الحديث يروي بسكون الدال وفتحها فالهدم بالتحريك القبر يعنى أقبر حيث تقبرون وقيل هو المنزل أي منزلكم منزلى أي لا افارقكم والهدم بالسكون وبالفتح أيضا هو اهدار دم القتيل يقال دماؤهم بينهم هدم أى مهدرة والمعنى ان طلب دمكم فقد طلب دمى وان اهدر دمكم فقد اهدر دمي لاستحكام الالفة بيننا ثم قال وهو قول معروف والعرب تقول دمي دمك وهدمي هدمك وذلك عند المعاهدة والنصرة ثم قال وكان ابو عبيدة يقول هو الهدم واللدم اللدم أي حرمتي مع حرمتكم وبيتي مع بيتكم وأنشد: - ثم الحقي بهدمي ولدمي- (نقيبا) أي عريفا للقوم والجمع نقباء والعريف شاهد القوم وضمينهم

стр. 138

[مطلب في أسماء النقباء من الأوس والخزرج وطرفا من أحوالهم ومواخذة قريش لهم في ذلك] وأوّل من بايع البراء بن معرور ثم تتابع الناس وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين وقيل سبعين (أسماء النقباء) أبو امامة أسعد بن زرارة عبد الله بن رواحة سعد بن الربيع رافع بن مالك بن العجلان البراء بن معرور سعد بن عبادة عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر وكان اسلامه ليلتئذ والمنذر بن عمرو وعبادة بن الصامت هؤلاء من الخزرج ومن الاوس أسيد بن حضير وسعد بن خيثمة قوله (وامرأتين) هما نسيبة بنت كعب أم عمارة احدى نساء بنى مازن بن النجار واسماء بنت عمرو بن عدي ابن نابي احدى نساء بني سلمة وهي أم منيع (عبد الله بن رواحة) بالتخفيف ابن امرئ القيس بن عمرو بن امريء القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج كذا في السيرة لابن هشام وفي الاصابة ابن امريء القيس الاغر بن ثعلبة الى آخر النسب الانصاري الخزرجي الشاعر المشهور يكني أبا محمد ويقال كنيته ابو رواحة ويقال أبو عمرو أمه كبشة بنت واقد بن عمرو بن الاطنابة خزرجية أيضا وليس له عقب شهد بدرا وما بعدها الى أن استشهد بمؤتة. قال ابن سعد في الطبقات ولما نزلت والشعراء يتبعهم الغاوون قال عبد الله بن رواحة قد علم الله اني منهم فانزل الله الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية (وسعد بن الربيع) بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امريء القيس الى آخر الذي قبله الانصاري الخزرجي استشهد باحد باتفاق وفيه نزل قوله تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ الآية (عبد الله بن عمرو بن حرام) بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم وباقى النسب تقدم في ترجمة البراء بن معرور (والد جابر) بن عبد الله الصحابي المشهور شهد عبد الله بدرا واحدا فاستشهد ﵁ وهو الذي جفر السيل عن قبره بعد ست واربعين سنة فوجد لم يتغير كانه مات بالامس (وكان اسلامه ليلتئذ) وذلك فيما رواه ابن اسحق عن معبد بن كعب أن أخاه عبد الله بن كعب حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه قال كعب ثم خرجنا الى الحج وواعدنا رسول الله ﵌ ايانا العقبة من أوسط أيام التشريق قال فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التى أوعدنا رسول الله ﵌ لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر انك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه الى الاسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله ﵌ ايانا العقبة قال فاسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا اه (المنذر بن عمرو) بن خنيس قال ابن هشام ويقال بن خنبش بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الانصاري الخزرجي الساعدى قال في الاصابة ومنهم من أسقط حارثة من نسبه بدري استشهد يوم بئر معونة (اسيد بن حضير) بن سماك بن عتيك بن رافع ابن امريء القيس بن زيد بن عبد الاشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي الاشهلى قال في الاصابة يكنى ابا يحيى. وأبا عتيك وأبوه الحضير فارس الاوس ورئيسهم يوم بعاث وكان أسيد من السابقين إلي الإسلام أسلم على يد مصعب بن عمير كما تقدم وقيل على يد سعد بن معاذ واختلف في شهوده بدرا أرخ البغوي وفاته سنة عشرين وقال المدائني سنة احدى وعشرين (سعد بن خيثمة)

стр. 139

ورفاعة بن عبد المنذر وعد بعضهم بدل رفاعة أبا الهيثم بن التيهان وعلى ذلك عمل كعب بن مالك حيث يقول في جوابه لأبى بن خلف وأبى سفيان حين كتبا الى الانصار في أمر النبي ﵌: ألا فابلغ أبيا أنه فال رأيه ... وحان غداة الشعب والحين واقع أبا الله ما منتك نفسك انه ... بمرصاد أمر الناس راء وسامع وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا ... باحمد نور من هدى لاح ساطع فلا ترغبن في حشد أمر تريده ... وألب وجمع كل ما أنت جامع ابن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بالنون والمهملة بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امريء القيس ابن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي يكنى أبا خيثمة ذكره ابن اسحاق وغيره فيمن شهد بدرا واستشهد. قال أبو جعفر بن جيب في قول حسان بن ثابت أرونى سعودا كالسعود التى سمت ... بمكة من أولاد عمرو بن عامر أقاموا عماد الدين حتى تمكنت ... قوائمه بالمرهفات البوائر قال أراد بالسعود سبعة أربعة من الاوس وثلاثة من الخزرج فمن الخزرج سعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد بن عثمان أبو عبادة ومن الاوس سعد بن معاذ وسعد بن خيثمة وسعد بن عبيد وسعد بن زيد انتهى (رفاعة بن عبد المنذر) بن زنبر بزاي ونون وباء بموحدة كذا في السيرة لابن هشام ابن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسى ثم قال ابن هشام وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولا يعدون رفاعة وساق أبيات كعب العينية كما سيذكرها المؤلف وقال ابن حجر في الاصابة رفاعة بن عبد المنذر أحد ما قيل في اسم أبي لبابة ثم قال في باب الكنى منه أبو لبابة بن عبد المنذر الانصاري مختلف في اسمه قيل بشير وزن عظيم بمعجمة وقيل بالمهملة أوله ثم التحتانية ثانيه كذا ثم قال وقال ابن اسحاق اسمه رفاعة وكذا قال ابن نمير وغيره ثم قال ذكره ابن عقبة في البدريين وقالوا كان أحد النقباء ليلة العقبة ونسبوه الى عبد المنذر بن زر بن زيد بن أمية الى آخر النسب المتقدم مات في خلافة على رضى الله عنهما ويقال عاش الى بعد الخمسين (ألا فابلغ) كذا في الاصل باثبات اداة الاستفتاح وفي السيرة لابن هشام من روايته عن أبي زيد سعيد بن أوس الانصاري أحد أئمة اللغة بحذفها و (أبيا) هو أبي بن خلف أحد أشداء قريش على رسول الله ﵌ وممن آذوه كثيرا قتل مشركا قتله رسول الله ﵌ كما تقدم (وفال رأيه) أي خاب والرأى معروف (وحان) قرب (والحين) بفتح الحاء المهملة وسكون الياء الهلاك والعرب تقول والنفس قد حان حينها أى قرب هلكها (وأبلغ أبا سفيان) بن حرب بن أمية والد معاوية من مسلمة الفتح سيأتي له ذكر (بدا) ظهر (ساطع) سطع الصبح ارتفع يسطع بفتح العين في الماضى

стр. 140

ودونك فاعلم ان نقض عهودنا ... اباه عليك الرهط حين تبايع اباه البراء وابن عمرو كلاهما ... واسعد يأباه عليك ورافع وسعد اباه الساعدي ومنذر ... لانفك ان حاولت ذلك جادع وما ابن ربيع ان تناولت عهده ... بمسلمه لا يطمعن ثم طامع وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة ... واخفاره من دونه السم ناقع وفاء به والقوقلي ابن صامت ... بمندوحة عما يحاول باقع ابو هيثم أيضا وفيّ بمثلها ... وفاء لما أعطى من العهد خانع وما ابن حضير ان أردت بمطمع ... فهل أنت عن احموقة ألغي نازع وسعد اخو عمرو بن عوف فانه ... ضروح بما حاولت ملأ مر مانع أولاك نجوم لا يغبّك منهم ... عليك بنحس في دجى الليل طالع وأنشدنا فيهم الشيخ الصديق بن محمد المقرى المعروف والده بالمدوّح وكنت سألته ذلك فقال: سألتنى نظم أسامى النقبا ... الفاضلين الماجدين الأدبا رؤس أنصار النبى أحمد ... أهل السماح والحجى والسؤدد أعدادهم اثنى عشر نقيبا ... كالنقباء من بنى يعقوبا تبايعوا بالليل عند العقبه ... منقبة ما مثلها من منقبه والمضارع (الرهط) قوم الرجل وقبيلته والرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة قال الله تعالى وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ فجمع وليس له واحد من لفظه (والقوقلى) الشديد من الرجال (وابن الصامت) هو عبادة بن الصامت وتقدم نسبه وشيء من سيرته (بمندوحة) أى بسعة (باقع) بالموحدة والقاف أى حاذق داهية (وخانع) بالخاء المعجمة والنون أى خاضع ذليل (ضروح) الضروح بالمعجمة والمهملات شديد الدفع كذا في هامش السيرة لابن هشام وفي طرة نسخة من الاصل الضريح بفتح المعجمة البعد وهذا التفسير أشبه بالمعنى وقوله (ملأمر) أصله من الأمر حذفت النون وألف الوصل تخفيفا (لا يغبك) بالمعجمة أى لا يغيب عنك حتى يأتيك عائدا لا يزال طالعا عليك بالنحس دائما والكاف كاف الخطاب لابي سفيان وأبي بن خلف (الحجى) بالكسر والقصر العقل وقوله (كالنقباء من بني يعقوبا) يريد بهم الاسباط الاثني عشر من بني اسرائيل

стр. 141

فتسعة هم من رؤس الخزرج ... كاسعد نعم رجاء المرتجى ومنذر ورافع وسعد ... ابن الربيع والبرا ذى المجد وعد من عبادة أبوه ... سعد وعبد الله فانسبوه ذاك ابو جابر خير ثابت ... فى الحرب مع عبادة بن الصامت وإن تسلني عن شهيد مؤته ... فذاك عبد الله ان نسبته والأوس منهم واحد وثاني ... وثالث فاقت به المعانى فمنهم رفاعة وسعد ... وابن حضير من نماه المجد اسيد من قاموا له قياما ... لانه أبركهم إسلاما هم هؤلاء النقبا الاثنى عشر ... خيرة خلق الله من خير البشر هذا وصلى ربنا وسلما ... ما دامت الارض وما دام السما على النبي وآله وعظما ... ماشن سحب بامزان وما والآل والاصحاب والازواج ... ما غطمط العجاج بالامواج وروي ان جبريل كان الى جنب النبي ﵌ عند مبايعتهم وهو (عبادة) أصله غير مصروف وصرفه هنا لضرورة الشعر (شهيد مؤتة) هو عبد الله بن رواحة رضى الله عنه ومؤتة بالضم ثم واو مهموزة ساكنة وفوقية وبعضهم لا يهمزه قرية من قرى البلقاء في حدود الشام وقيل من مشارف الشام بعث النبى ﵌ اليها جيشا في سنة ثمان وأمر عليهم زيد بن حارثة مولاه وقال ان أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب الامير وان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فساروا حتى اذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو وانحاز المسلمون الى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها فلقيتهم الروم في جمع عظيم فقاتل زيد حتى قتل فأخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل فاخذ الراية عبيد الله بن رواحة فكانت تلك حاله فاجتمع المسلمون الى خالد بن الوليد فانحاز بهم حتى قدم المدينة فجعل الصبيان يحثون عليهم التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله فقال النبي ﷺ ليسوا بالفرار لكنهم الكرار إن شاء الله. وقال حسان بن ثابت: فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر وزيد وعبد الله هم خير عصبة ... تواصوا وأسباب المنية تنظر (غطمط) بمعجمة ومهملتين أى اضطرب وتحرك حتى سمع له صوت كصوت غليان القدر و (العجاج) بتشديد الجيم الذي يسمع له ضجيج أى صوت والمراد به البحر

стр. 142

يشير اليهم واحدا بعد واحد قال مالك وكنت أعجب كيف جاء هذا رجلان من قبيلة ورجل من أخرى ختى حدثت بهذا الحديث وأن جبريل هو الذي ولاهم وأشار بهم فعلمت* ولما تمت البيعة صاح ابليس لعنه الله صيحة منكرة مشبها صوته بصوت منبه بن الحجاج السهمى يا أهل منى هذا محمد وأهل يثرب قد اجتمعوا لحربكم فقال رسول الله ﵌ أي عدوّ الله أما والله لافرغن لك ثم تفرقوا فلما أصبحوا غدت عليهم رؤساء قريش فقالوا يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم الى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وانه والله ما حى من العرب أبغض الينا ان تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم فحلف له مشركو الانصار ما كان من هذا شئ ولا علمناه وصدقوا لم يعلموا هم وداروهم بالقول ثم تفرقوا وتفرق الناس من منى ثم فتشت قريش عن الخبر فوجدوه قد كان فخرجوا في طلب القوم ففاتوهم وأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو باذاخر فاعجزهم المنذر وادركوا سعدا فرجعوا به الى الى مكة أسيرا يضربونه فاستنقذه منهم جبير بن مطعم والحارث بن حرب بن أمية لصنائع وقوله (قال مالك) لعله كعب بن مالك الانصارى فان حديث العقبة مخرج عنه كما في السيرة لابن هشام (منبه بن الحجاج) بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم السهمى أحد صناديد قريش وممن كان يؤلب المشركين على رسول الله ﵌ قتل مشركا يوم بدر قتله أبو اليسر أخو بني سلمة (تنشب) أى تعلق من قولهم نشبت بكسر الشين المعجمة الحرب بينهم نشوبا اذا اشتبكت (ثم فتشت) أى بحثت (اذاخر) بالفتح والخاء المعجمة مكسورة كأنه جمع الجمع موضع بين مكة والمدينة (فاستنقذه منهم) أي فخلصه منهم وقصة ذلك كما ساقها ابن اسحاق. وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه الى عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته وكان ذا شعر كثير قال سعد فو الله أنى لفى أيديهم إذ طلع على نفر من قريش فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال. والشعشاع الطويل الحسن. قال قلت في نفسى ان يك عند أحد من القوم خير فعند هذا قال فلما دنا منى رفع يده فلكمني لكمة شديدة قال قلت في نفسى لا والله ما عندهم بعد هذا من خير قال فو الله اني لفي أيديهم يسحبوننى اذ أوى لي رجل ممن كان معهم فقال ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد قال قلت بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجارة وامنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف قال ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما قال ففعلت وخرج ذلك الرجل اليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما ان رجلا من الخزرج الآن يضرب بالابطح ليهتف بكما ويذكران بينه وبينكما جوارا قالا ومن هو قال سعد بن عبادة قالا صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم ان يظلموا ببلده قال فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم فانطلق وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو أخو بنى عامر بن لؤي وكان الرجل الذى أوي له أبا البختري بن

стр. 143

كانت في رقابهما. وقال ضرار بن الخطاب الفهرى يفتخر بما فعلوا بسعد وهو أوّل شعر قيل بعد الهجرة: تداركت سعدا عنوة فاخذته ... وكان شفاء لو تداركت منذرا ولو نلته طلّت هناك جراحة ... وكان حقيقا أن يهان ويهدرا هشام اه (ضرار بن الخطاب) بن مرداس بن كثير بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشى الفهرى. قال ابن حبان له صحبة وكان فارسا شاعرا وكان أبوه رئيس بنى فهر في زمانه قاله الزبير قال وكان ضرار من الفرسان ولم يكن في قريش أشعر منه وبعده ابن الزبعرى وقال ابن سعد كان يقاتل المسلمين في الوقائع أشد القتال وكان يقول زوجت عشرة من أصحاب النبى ﵌ بالحور العين وله ذكر في أحد والخندق ثم أسلم في الفتح وقتل باليمامة شهيدا وقال الخطيب بل عاش الي ان حضر فتح المدائن ونزل الشام وقال ابن مندة في ترجمته له ذكر وليس له حديث وحكى عنه عمر بن الخطاب وتعقبه أبو نعيم بانه لم يذكره أحد في الصحابة ولا فيمن أسلم وتعقبه ابن عساكر بان الصواب مع ابن مندة وروى الذهلي في الزهريات من حديث الزهري عن السائب بن يزيد قال بينا نحن مع عبد الرحمن بن عوف في طريق مكة اذ قال عبد الرحمن لرياح بن المعترف غننا فقال له عمر فان كنت آخذا فعليك بشعر ضرار ابن الخطاب وقال أبو عبيدة كان الذى شهر وفاء أم جميل الدوسية من رهط أبي هريرة أن هشام بن الوليد بن المغيرة قتل أبا أزيهر الدوسي وكان صهر أبى سفيان فبلغ ذلك قومه فوثبوا على ضرار بن الخطاب ليقتلوه فسعى فدخل بيت أم جميل فعاذبها فرآه رجل فلحقه فضربه فوقع ذباب السيف على الباب وقامت أم جميل في وجوههم ونادت في قومها فمنعوه فلما قام عمر بالخلافة ظنت انه أخوه فاتته فلما انتسبت عرف القصة فقال لست باخيه الا في الاسلام وهو غاز وقد عرفنا منتك عليه فاعطاها على أنها ابنة سبيل فهذا صريح في اسلامه فلا معنى لتعقب أبي نعيم وذكر الزبير بن بكار أن التى أجارت ضرارا أم غيلان الدوسية وفيها يقول ضرار: جزى الله عنى أم غيلان صالحا ... ونسوتها اذ هن شعث عواطل وعوفا جزاه الله خيرا فما وني ... وما بردت منه لدي المفاصل قال وعوف ولدها وأنشد الزبير لضرار بن الخطاب يخاطب النبى ﵌ يوم الفتح: يا نبي الهدى اليك لجا ... حي قريش ولات حين لجاء حين ضاقت عليهم سعة الارض ... وعاداهم اله السماء والتقت حلقتا البطان على القوم ... ونودوا بالصيلم الصلعاء ان سعدا يريد قاصمة الظهر ... باهل الحجون والبطحاء الابيات قال وكان ضرار قال لابي بكر نحن خير لقريش منكم أدخلناهم الجنة وأنتم أدخلتموهم النار (عنوة) بمهملة مفتوحة ونون ساكنة أي قسرا (طلت) بمهملة أي ذهب هدرا فلم تود يقال طل دمه وأطل دمه وطله الله تعالى وأطله أى اهدره (يهان) بتحتية من الهوان ضد الاحترام

стр. 144

فاجابه حسان بن ثابت ﵁ ولست الى سعد ولا المرء منذر ... اذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا فلولا ابو وهب لمرت قصائد ... الى شرف البرقاء يهوين حسرا أتفخر بالكتان لما لبسته ... وقد تلبس الانباط ريطا مقصرا فلا تك كالوسنان يحلم أنه ... بقرية كسرى أو بقرية قيصرا ولا تك كالثكلى وكانت بمعزل ... عن الثكل لو كان الفؤاد تفكرا ولا تك كالشاة التى كان ذبحها ... بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا ولا تك كالعادى فاقبل نحره ... ولم يخشه سهم من النبل مضمرا فانا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا الى أهل خيبرا [الكلام على بدء الهجرة الى المدينة وأول من هاجر من أصحاب رسول الله ﵌] ولما كان ذلك قال رسول الله ﵌ لاصحابه ان الله قد جعل لكم (مطايا القوم) رواحلهم (أبو وهب) كنية جبير بن مطعم وقد ذكرنا نسبه قال البغوي أسلم جبير قبل فتح مكة ومات في خلافة معاوية وكان من أكابر قريش وعلماء النسب في الجاهلية والاسلام قدم على النبي ﷺ في وفد أساري بدر فسمعه أي سمع النبي ﵌ يقرأ والطور قال فكان ذلك أوّل ما دخل الايمان في قلبي روي ذلك البخارى في الصحيح (الى شرف البرقاء) الابرق والبرقاء والبرقة بضم الموحدة في الاخيرة كلها واحد قال الاصمعي الابرق والبرقاء وكذلك البرقة حجارة ورمل مختلطة وقال ابن الاعرابي جبل مخلوط برمل وكل شيء خلط من لونين فقد برق (حسرا) مكشوفات (الانباط) جمع نبطى والنبط اسم جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق ثم استعمل في اخلاط الناس وعوامهم وقال الليث ورجل نبطى ومنعه الاعرابي (والريط) بفتح المهملة واسكان التحتية الثوب الرقيق أو كل ملاءة ليست ذات لفقين (والوسنان) النائم (والحلم) ما يراه النائم في نومه (كسرى) بكسر الكاف قاله أبو عمرو بن العلاء وقيل بالفتح والكسر افصح وهو ملك الفرس (وقيصر) ملك الروم (والثكلي) من مات ولدها بفتح الثاء والاسم بضمها (ولاتك كالعادي) أي الساعي الى حتفه (مضمرا) منصوب على الحال عند من يجوز الحال بعد النكرة ويروي موترا أى مشدودا. ورواية البيت في السيرة لابن هشام ولاتك كالعاوي فاقبل نحره ... ولم يخشه سهم من النبل مضمرا والبيت الاخير من القصيدة ضربه مثلا وقوله فيه (ومستبضع) أي جاعل التمر بضاعة بكسر الباء أى مالا للتجارة من قولهم استبضعت الشئ جعلته بضاعة لنفسى وأبضعته غيري بالالف جعلته له بضاعة

стр. 145

إخوانا ودارا تأمنون فيها فأول من هاجر الى المدينة بعد بيعة العقبة ابو سلمة بن عبد الاسد ثم عامر بن ربيعة ثم عبد الله بن جحش ثم تتابعوا أرسالا آحادا وثلاثا فلقوا من الانصار دارا وجوارا وآثروهم على أنفسهم في أقواتهم وقاسموهم أموالا وأقام رسول الله ﵌ خلفهم ينتظر الاذن في الهجرة ولم يتخلف معه أحد الا من حبس أو فتن الا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأبو بكر الصديق فانهما حبسا أنفسهما على صحبة الرسول ﵌ فاما أبو بكر فصحبه في هجرته وأما أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضى الله عنه فتخلف عنه قليلا بأمره لأمر اقتضى ذلك بأمر ربه تعالى على ما سيأتي خبره ولما رأت قريش ما لقى أصحاب رسول الله ﵌ من طيب الحال وحسن الجوار من الانصار رهبوا ذلك وحذروا خروج رسول الله ﵌ فاجتمعوا في دار (أبو سلمة) اسمه عبد الله (بن عبد الاسد) بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي (بعد بيعة العقبة) لعله أراد بيعة العقبة الاولى فقد حكى ابن هشام انه أوّل من هاجر الى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين من قريش من بني مخزوم أبو سلمة وذلك قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة وكان قدم على رسول الله ﷺ مكة من أرض الحبشة فلما آذته قريش وبلغه اسلام من أسلم من الانصار خرج من المدينة مهاجرا وساق ابن هشام عن ابن اسحق قصة هجرته ﵁ وقال الحافظ ابن حجر بعد ان ساق نسبه من السابقين الاولين الى الاسلام أسلم بعد عشرة أنفس وكان أخا النبي ﷺ من الرضاعة كما ثبت في الصحيحين وأمه برة بنت عبد المطلب فيكون ابن عمته ﷺ مات بالمدينة بعد ان رجعوا من بدر وقال ابن زنجويه توفي أبو سلمة في سنة أربع بعد منصرفه من أحد انتقض به جرح كان أصابه باحد فمات منه وكذا قال ابن سعد انه شهد بدرا واحدا قال ابن حجر وقاله الجمهور وزوجه أم سلمة تزوجها بعده ﷺ (ثم عامر بن ربيعة) حليف بني عدي بن كعب ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة وكان ممن هاجر بامرأته هذه إلي الحبشة. قال ابن حجر كان أحد السابقين الاولين شهد بدرا وما بعدها وكان صاحب عمر لما قدم الجابية واستخلفه عثمان على المدينة لما حج قال الواقدى كان موته بعد قتل عثمان بايام وقيل غير ذلك (ثم عبد الله بن جحش) بن رئاب كذا في ابن هشام بالهمز بعد الراء وفي الاصابة ابن رياب براء وتحتانية وآخره موحدة ابن يعمر الاسدي حليف بني عبد شمس أحد السابقين شهد بدرا واحدا ودعا الله ان يرزقه الشهادة فقتل يوم أحد وكان سيفه انقطع يوم أحد فاعطاه النبي ﵌ عرجونا فصار في يده سيفا ودفن هو وحمزة في قبر واحد وكان له يوم قتل نيف واربعون سنة. وقال ابن هشام احتمل باهله وباخيه عبد بن جحش وهو أبو أحمد الضرير الشاعر وكانت عنده الفرعة ابنة أبي سفيان ابن حرب وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم فغلقت دار بنى جحش هجرة فمر بها عتبة بن
следующие страницы →