الاولى فقد انتعشت على يدي المصطفى وأصحابه النجباء الاتقياء الذين قواه بهم المولى ووصفهم في التوراة بأنهم أشداء على الكفار فيما بينهم رحماء وفي الانجيل كزرع على سوقه استوى وما أحسن قول شرف الدين محمد بن سعيد الابوصيرى ﵀
حتى غدت ملة الاسلام وهى بهم ... من بعد غربتها موصولة الرحم
مكفولة أبدا منهم بخير أب ... وخير بعل فلم تيتم ولم تئم
أوطانهم الي الله (قلت) وأحسن ما يفسر به الغرباء ما أخرجه احمد من حديث عبد الله بن عمرو طوبي للغرباء أناس صالحين في أناس سوء كثير من يبغضهم أكثر ممن يطيعهم وهو قريب المعنى مما أخرجه ابن مندة وأبو نعيم وابن عبد البر في الاستيعاب من حديث عبد الرحمن بن سنة بفتح المهملة وتشديد النون قالوا يا رسول الله ما الغرباء قال الذين يصلحون اذا فسد الناس (انتعشت) أي ارتفعت وقامت (وأصحابه النجباء) جمع نجيب وهو الفاضل الكريم وهو بهذا الاعتبار وصف لجميع أصحاب رسول الله ﷺ وهو الذى أراده المصنف (فائدة) قد عرف بهذا الاسم مضافا الى رسول الله ﷺ أربعة عشر صحابيا وهم أبو بكر وعمر وعلي وحمزة وجعفر والحسن والحسين والمقداد بن عمرو وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي وبلال بن رباح كما في الشفا وغيره من حديث علي لكن ليس فيه الا تسمية أبي بكر وعمر وابن مسعود وعمار وذكر أسماء بقيتهم في الكوكب الدرى وقد نظمتهم فقلت
عتيق وفاروق علي وجعفر ... وحمزة والسلطان مقداد الكندى
حذيفة سلمان بلال وجندب ... وعمار الموعود من فاز بالوعد
كذاك ابن مسعود فهم ضعف سبعة ... كما عن علي القدر ذي الفضل والمجد
فهم نجباء المصطفى ذي الفضائل ال ... عديدة والاحسان والشرف العد
(الاتقياء) جمع تقى وهو ممتثل الاوامر مجتنب النواهي ما استطاع أو هو من لا يرى نفسه خيرا من أحد أو هو من يرى كل أحد خيرا منه أو هو من خزن لسانه عن التمضمض باعراض الخلق أو هو تارك مالا بأس به حذرا مما به بأس أقوال كلها جديرة بالتصحيح (على سوقه) أي أصوله (استوى) أى تم وتلاحق نباته (وما أحسن قول) بالنصب على التعجب (محمد بن سعيد) بن حماد بن محسن بن عبد الله بن صنهاج بكسر المهملة وسكون النون آخره جيم ابن هلال الامام العارف الهمام المتفنن المتقن المحقق البليغ الاديب المدقق إمام الشعراء وأشعر العلماء بليغ الفصحاء وأفصح البلغاء ناظم البردة كان أحد أبويه من بوصير الصعيد والآخر من دلاص فركبت النسبة منهما فقيل الدلاصيري ثم اشتهر بالبوصيرى ويقال (الا بوصيري) بفتح الهمزة وضم الموحدة قيل ولعلها بلد أبيه فغلبت عليه ولد سنة ثمان وستمائة وأخذ عنه العلم الامام أبو حيان وابن سيد الناس والعز بن جماعة وغيرهم وتوفى سنة ست أو سبع وتسعين وستمائة على ما قاله المقريزي لكن صوب الحافظ ابن حجر العسقلاني انه سنة أربع وتسعين (وخير بعل) بالموحدة والمهملة أي. زوج (فلم تيتم) أي لم تكن يتيمة وهي التي لا أب لها (ولم تئم) أي لم تصر ايما وهي المرأة التي لا زوج لها أو
стр. 72
والبلاء كل البلاء عند غربته الاخرى حيث لا تتناهى ولا ينتهى الأمر منها الى مدى ولا يزال في انتكاس مرة بعد أخرى الى انقضاء الدنيا والله المستعان فلا حول ولا قوة الا بالله حسبنا الله ونعم الوكيل اللهم إنا نعوذ بك من الفتن وأن يدركنا البلاء والمحن ونسألك باسمك العظيم ونور وجهك الكريم ان تميتنا على ملة نبينا غير مبدلين ولا محرفين ولا فاتنين ولا مفتونين آمين آمين.
[مطلب في ذكر أول من آمن به صلي الله عليه وسلم]
وممن أسلم اولا خديجة ثم علي ثم زيد بن حارثة ثم ابو بكر والمشهور التي مات عنها زوجها قولان (في انتكاس) افتعال من النكوس والانتكاس ان يخر الشخص على رأسه وان يسقط فيستقل سقطته حتى يسقط أخرى (لا حول ولا قوة الا بالله) أي لا حول عن معصية الله الا بعصمته وحفظه ولا قوة على طاعته الا بتوفيقه ومعونته والحول القوة وقيل الحركة وقد تبدل واوه ياء (وحسبنا) أي يكفينا (ونعم) فعل وضع للمدح كبئس للذم وفيه أربع لغات نعم بوزن حقب ونعم بوزن كبد ونعم بوزن رجل ونعم بوزن حمل (الوكيل) أي المعين والكفيل أو الحفيظ أو الموكول اليه كل أمر أو المفوض اليه أقوال (نعوذ بك) أى نعتصم ونمتنع من الفتن أي مضلاتها (باسمك العظيم) هو الله كما عليه أكثر العلماء فمن ثم كان اسما للذات دون غيره من سائر الاسماء الحسنى وانما لم يستحب بعض الدعاء به لعدم استجماعه شروطه (ونور وجهك الكريم) الوجه صفة من صفاته تعالى عن التجسيم ويعبر به عن ذاته (وممن أسلم أولا خديجة) أي لمامر أولا في ابتداء الوحي من رجوعه ﷺ اليها وقوله لها زملونى وأوّل امرأة أسلمت بعدها أم الفضل لبابة بنت الحارث زوج العباس أو فاطمة بنت عمر بن الخطاب أخت عمر (ثم علي) ابن أبي طالب بن عبد المطلب أي لانه كان كثير الملازمة لرسول الله ﷺ قبل النبوة وسبب ذلك ما ذكره ابن عبد البر وغيره ان قريشا أصابتهم أزمة شديدة أى جوع وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله ﷺ للعباس عمه وكان من أيسر بنى هاشم يا عباس ان أخاك أبا طالب كثير العيال فانطلق بنا فنخفف عنه من عياله فقال نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له انا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى يكشف الله عن الناس ما هم فيه فقال لهم أبو طالب اذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله ﷺ عليا فضمه اليه وأخذ العباس جعفرا فضمه اليه فلم يزل علي مع رسول الله ﷺ حتى ابتعثه الله نبيا وحتى زوجه ابنته فاطمة (ثم زيد بن حارثة) بن شراحيل بن كعب بن عبد العزي ابن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عذرة بن زيد اللات ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن عمر ابن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان هكذا نسبه ابن الكلبي وغيره وسيأتى الكلام على كيفية دخوله في ملك النبي ﷺ في محله ان شاء الله تعالى (فوائد) الاولى أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب عن الليث بن سعد قال بلغنى ان زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلا من الطائف فاشترط عليه المكرى أن ينزله حيث شاء قال فمال به الى خربة فقال له انزل فنزل فاذا في الخربة قتلى كثيرة
стр. 73
أن ترتيب اسلامهم كما ذكرناه قيل وطريق الجمع بين الروايات الاولية أن يقال اول من اسلم من النساء خديجة ومن الصبيان علي ﵇ ومن الرجال البالغين ابو بكر ومن الموالى زيد ابن حارثة وقد تنوزع في إسلام علي ﵁ فقال قوم لم يشرك قط فيستأنف الاسلام قال فلما أراد أن يقتله قال له دعني أصلى ركعتين قال صل فقد صلى هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيأ قال فلما صليت أتانى ليقتلني فقلت يا أرحم الراحمين قال فسمع صوتا لا تقتله قال فهاب ذلك فخرج يطلب فلم ير شيأ فرجع الي فناديت يا أرحم الراحمين ففعل ذلك ثلاثا فاذا أنا بفارس على فرس في يده حربة حديد في رأسه شعلة من نار فطعنه بها فأنفذه من ظهره فوقع ميتا ثم قال لي لما دعوت المرة الاولى يا أرحم الراحمين كنت في السماء السابعة فلما دعوت المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت في السماء الدنيا فلما دعوت الثالثة يا أرحم الراحمين أتيتك وفي ذلك منقبة ظاهرة لزيد بن حارثة وقيل دليل لاثبات كرامات الاولياء الذي أجمع علماء أهل السنة عليه (الثانية) ضابط الكرامة انها أمر خارق للعادة غير مقارن لدعوى النبوة على يد من عرفت ديانته واشتهرت ولايته باتباع نبيه ﷺ في جميع ما جاء به والا كانت استدراجا أو سحرا أو اذلالا كما وقع لمسيلمة الكذاب تفل في بئر قوم سألوه تبركا فملح ماؤها ومسح رأس صبي فقرع قرعا فاحشا ودعا لرجل في ابنين له بالبركة فرجع الى منزله فوجد أحدهما قد سقط في البئر والآخر قد أكله الذئب ومسح على عيني رجل استشفى بمسحه فانتصبت عيناه وجاءه أعور ليدعو له فدعاله فعميت الصحيحة أيضا ذكر ذلك السهيلي وغيره وسمى ذلك اهانة وربما ظهر الخارق على يد عاص تخليصا له من نفسه ويسمى معونة (الثالثة) قال العلماء ضابط الولي انه المداوم على فعل الطاعات واجتناب المعاصي المعرض عن الانهماك في اللذات ويظهر ان هذا ضابط الولي الكامل اما أصل الولاية فتحصل لمن وجدت فيه صفة العدالة الباطنة لاجتماع الشروط المذكورة عند الفقهاء (تنبيه) قال الحافظ زين الدين العراقي ينبغي أن يقال أوّل من أسلم من الرجال ورقة بن نوفل لما في الصحيحين من حديث عائشة في قصة بدء الوحي بان فيه أن الوحي تتابع في حياة ورقة وانه آمن به. وقد ذكر ابن مندة ورقة في الصحابة انتهى ولما نقل الذهبي كلام ابن مندة قال والاظهر انه مات قبل الرسالة وبعد النبوة انتهى (قلت) يكفى ذلك في عده في الصحابة كما هو ظاهر كلامهم حيث عدوا من لقى النبي ﷺ ولو مرة مؤمنا ومات على ذلك صحابيا وقد علم مما مر ايمان ورقة وتمنيه نصرة رسول الله ﷺ (الاولية) بفتح الهمزة والواو المشددة وكسر اللام وتشديد التحتية (ومن الصبيان علي) كانت سنه يوم أسلم اثنتي عشرة سنة قاله ابن الزارع في مواليد أهل البيت وهذا مبني على ما صوبه ان مدة عمره خمس وستون سنة أما على الصحيح وهو ثلاث وستون فيكون سنه يوم أسلم عشر سنين وقد قيل ان سنه يومئذ كانت ثمان سنين وقيل أربع عشرة وشذ من قال خمس عشرة أو ست عشرة (وقد تنوزع) أى اختلف (فيستأنف الاسلام)
стр. 74
وقال قوم بخلاف ذلك وقد ذكرنا كيفية إسلامه والخلاف فيه مستوفى في كتابنا الرياض المستطابه في جملة من روى في الصحيحين من الصحابه. ولما أسلم أبو بكر جعل يدعو الناس الى الاسلام وكان رجلا مألوفا بخلقه ومعروفه فمن قبل منه جاء به الى النبى ﷺ فاسلم على يديه. وممن أسلم بدعائه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وطلحة بن عبيد الله. وفي السنة الرابعة نزل قوله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فامتثل ﷺ ما أمر به وأظهر دعوة الحق وكفاه الله المستهزئين كما وعده وهم خمسة نفر الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي وأبو زمعة الاسود بن المطلب والاسود بن عبد يغوث والحارث بن قيس بن عيطلة قيل وكان بفتح الفاء جواب لم (وقال قوم بخلاف ذلك) أي بخلاف قول من قال انه لم يكن مشركا بحكم التبعية وان لم تعلم له عبادة غير الله وعليه فالجواب عن استشكال صحة اسلامه مع صباه ان أحكام الصحبة انما أنيطت بالبلوغ بعد الهجرة عام الخندق وكانت قبل ذلك منوطة بالتمييز (ومن الرجال البالغين أبو بكر) كان سنه اذ ذاك سبعا وثلاثين سنة واشهرا كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة فسماه رسول الله ﷺ عبد الله قاله الزبير بن بكار (مألوفا لخلقه) أي لحسنها قال عياض الخلق مخالقة الناس باليمين والبشر والتودد لهم والاشفاق عليهم واحتمالهم والحلم عنهم والصبر عليهم في المكاره وترك الكبر والاستطالة عليهم ومجانبة الغلظة والغضب والمؤاخذة وقال الحسن بن أبي الحسن كيسان حسن الخلق بذل المعروف وترك الاذى وطلاقة الوجه واختلف السلف فيه هل هو غريزة أو مكتسب كما سيذكره المصنف (عثمان بن عفان) ابن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف (والزبير بن العوام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي (وعبد الرحمن بن عوف) بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب (وسعد بن أبى وقاص) مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة (وطلحة بن عبيد الله) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة وفي السنة الرابعة (فاصدع بما تؤمر) أصل الصدع الفصل والفرق ومعناه هنا أظهر قاله ابن عباس ويروي عنه امضه أو العن قاله الضحاك أو افرق بين الحق والباطل قاله الاخفش أو اقض قاله سيبويه وروي عن عبد الله بن عبيدة قال كان رسول الله ﷺ مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه ذكر ذلك البغوي وغيره (وأعرض عن المشركين) هذه الآية منسوخة بآية القتال (كما وعده) أي بقوله إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (الوليد بن المغيرة) قال البغوي وكان رأسهم (والعاص بن وائل) بالمد والتحتية بوزن فاعل (وأبو زمعة) بفتح الزاي وسكون الميم ثم مهملة (الاسود بن المطلب) بن حارث ابن أسد بن عبد العزي بن قصي قال المفسرون وكان رسول الله ﷺ قد دعا عليه فقال اللهم اعم بصره وأثكله بولده (والاسود بن عبد يغوث) بن وهب بن عبد مناف بن زهرة (والحارث بن قيس) بن
стр. 75
موتهم في يوم واحد بادواء متنوعة وقيل ان العاص والوليد ماتا بعد الهجرة على ما سيأتي ان شاء الله تعالى قال ابن اسحاق بعد أن عد الذين أسلموا أولا نحو أربعين قال ثم دخل الناس في الاسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا الاسلام بمكة وتحدث به
[الكلام على منابذة قريش له حين أمره الله باظهار الدعوة وان يصدع بما يؤمر]
ثم ان الله أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه وأن ينادي الناس بأمره وأن يدعو اليه وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره واستسر به الى أن أمره الله باظهاره ثلاث سنين فيما بلغني من مبعثه ثم قال له اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين وقال وأنذر عشيرتك الاقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقل إنى أنا النذير المبين وقال وقل إني برىء مما تعملون وكان أصحاب رسول الله ﷺ اذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم فبينا سعد بن أبى وقاص في نفر معه يصلون إذ ظهر عليهم نفر من المشركين فناكروهم حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا من المشركين بلحيي بعير فشجه فكان أوّل دم أهريق في الاسلام. ولما أظهر النبى ﵌ دعوة الحق لم يتفاحش أمرهم حتى ذكر عيب آلهتهم فاشتدوا عليه وأجمعوا الشر له فحدب عليه عمه أبو طالب وعرض نفسه عيطلة بفتح العين والطاء المهملتين بينهما تحتية ساكنة وأصل العيطلة الطويلة العنق في حسن الجسم قاله في القاموس (بادواء) مصروف وهو جمع داء (متنوعة) أى نوع داء كل واحد غير نوع داء الآخر قال الواحدي في التفسير أومأ جبريل بأصبعه الى ساق الوليد والى عين أبي زمعة والى رأس الاسود والى بطن الحارث والى قدم العاص بن وائل وقال للنبي ﷺ كفيت أمرهم فمر الوليد على قين الخزاعة وهو يجر ثيابه فعلقت بثوبه شوكة فمنعه الكبر ان يخفض رأسه فينزعها فجعلت تضرب ساقه فخدشته حتى قطعت كساءه فلم يزل مريضا حتى مات ووطيء العاص على شبرقة فحكت رجله فلم يزل يحكها حتى مات وعمي أبو زمعة وأخذت الاكلة رأس الاسود وأخذ الحارث ألم في بطنه فمات حينا (ارسالا) أي أفواجا (فشا) بالفاء والمعجمة أي ظهر (وتحدث به) مبني للمفعول (وأنذر) أي أعلم مع تخويف (واخفض جناحك) أي ألن جنابك (واستخفوا) من الاستخفاء ضد الاستظهار (فبينا) قال في القاموس هي بين اتسعت فتحتها فجذبت الفا وبين أو بينما من حروف الابتداء والاصمعي يخفض بعد بينا اذا صلح موضعه بين وغيره يرفع ما بعدها على الابتداء والخبر (فناكروهم) أي أنكروا ذلك عليهم (بلحيي) تثنية لحي بفتح اللام أفصح من كسرها (فكان أوّل) بالنصب خبر كان واسمها مضمر فيها أي فكان ذلك الضرب (أهريق) بضم الهمزة وفتح الهاء وسكونها أى صب (فحدب) بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين قال الجوهري حدب عليه يحدب أي يعطف (أبو طالب) اسمه عبد مناف على الصحيح وقيل اسمه كنيته (وعرض نفسه) أي جعل نفسه
стр. 76
للشر دونه
[خبر اشتداد قريش على أبي طالب ووثوب كل قبيلة على من اسلم منها يعذبونه]
فلما رأت قريش ذلك اجتمع أشرافهم ومشوا الي أبى طالب وقالوا له ان ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فاما أن تكفه عنا واما أن تخلى بيننا وبينه فانك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا ومضى رسول الله ﵌ على ما هو عليه فشرى الأمر بينهم وبينه حتى تولدت احن وضغائن ثم مشوا الى أبى طالب مرة أخرى وأعذروا اليه في أمر النبى ﵌ واشتد قولهم في ذلك فعظم على أبي طالب فراق قومه ولم يطب نفسا بخذلانه النبي ﵌ ثم كلم رسول الله ﵌ فظن رسول الله ﵌ أنه قد بدا لعمه تركه والعجز عن نصرته فقال يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يسارى على أن اترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله ﷺ باكيا فقال له يابن أخى قل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشيء أبدا ثم مشوا الى أبى طالب مرة أخرى بعمارة بن الوليد بن المغيرة وكان من أنهد شبانهم وأجملهم وعرضوا عليه أن يتخذه ولدا بدلا عن النبي ﵌ فقال لهم بئسما تسومونني به أتعطونى ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابنى تقتلونه هذا والله ما لا يكون ابدا فتنابذوا وتذامروا للحرب ووثبت كل قبيلة على من اسلم منهم دونه عرضا يقيه بها المكاره (وسفه) أي نسب الى السفاهة (أحلامنا) جمع حلم بكسر الحاء وسكون اللام وهو العقل (وضلل آباءنا) أي نسبهم الى الضلالة (قولا رفيقا) بفاء ثم قاف أي لينا (فشري) بفتح المعجمة وكسر الراء أي ثار وعظم (إحن) جمع إحنة كمحنة وهي الضغن (وضغائن) بمعجمتين جمع ضغن بكسر أوله وهو البغض والعداوة (فعظم) مثلث الظاء والضم أشهر (ولم يطب نفسا) أي لم تطب نفسه (قد بدا) بغير همز (والله لو وضعوا الشمس في يميني الى آخره) علق ترك هذا الامر بأعلى درجات الاستحالة تنبيها على ان ترك ذلك الامر بهذه المثابة وفيه اشارة الى ان الامر الذي أراده أظهر من الشمس والقمر فكانه قال الامر الظاهر لا يحال عليه الا الى ما هو أظهر منه وجعل الشمس في يميني والقمر في يساري تنحط درجته في الظهور عن ذلك الامر (أو أهلك) بكسر اللام (ثم استعبر) أي أظهر العبرة (باكيا) حال (اسلمك) بضم الهمزة وسكون المهملة مخفف (أنهد) أي أقوى كما مر (تسومونني) أي ما تعرضون على من سام السلعة اذا عرضها للبيع (أتعطوني) بهمزة الاستفهام الانكاري وضم أوله رباعي (اغذوه) بالمعجمتين من الغذاء أي اربيه (فتنابذوا) أي تطارحوا العهود التي بينهم وأعلم كل منهم الآخر انه حرب له (وتذامروا للحرب) بالمعجمة تفاعلوا من الذمار وهو الغضب أو الهلاك (ووثبت)
стр. 77
يعذبونه ثم اخذ ابو طالب يحشد بطون قريش خصوصا بني عبد مناف لكونه أخص بهم وهم أربعة بطون بنو هاشم وبنو المطلب وبنو عبد شمس وبنو نوفل فاجابه وقام معه بنو هاشم وبنو المطلب وخذله البطنان الآخران وانسلخ معهم أبو لهب فلذلك يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عايل
وقال في قصيدة أخرى:
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما
ولما ثبّت الله بني المطلب دخلوا مع بنى هاشم في خصائصهم التى اختصوا بها بقرابة النبي ﵌ من الكفاءة وسهم ذوى القربي وتحريم الزكاة فلم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام دليله ما ثبت عن جبير بن مطعم قال لما قسم رسول الله ﵌ سهم ذوي القربى بين بنى هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان فقلنا يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بنى المطلب أعطيتهم وتركتنا أو منعتنا وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة فقال رسول الله ﵌ إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد وشبك بين أصابعه* ولما رأى أبو طالب من قومه ما أعجبه قال فيهم:
اذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فعبد مناف سرها وصميمها
أي قامت بسرعة (يحشد) باهمال الحاء واعجام الشين أى يحرش ويجمع (لكونهم أخص) بالنصب اما خبر واما حال والثاني على ان الكون بمعنى الوقوع (في قصيدته) هى كلمات يقصد بها الشاعر بيان مقصوده فهي فعيلة بمعنى مفعولة أي مقصود ما فيها (عبد شمس ونوفلا) أي بينهما (عاجلا) صفة للعقوبة ذكره على ان المراد بالعقوبة العقاب أو المصدر محذوف أي جزاء عاجلا أو حال لشر على لغة مجيء الحال بعد النكرة (لا يخيس) باعجام الخاء واهمال السين من خاس أي غدر قال الشمني ويقال يخوس (دليله ما ثبت) في صحيح البخاري وسنن أبي داود والنسائي (جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أسلم بعد الحديبية قبل الفتح وقيل أسلم في الفتح مات سنة سبع وخمسين أو ثمان وخمسين أو تسع وخمسين أقوال (أنا وعثمان) بالرفع للعطف والنصب على انه مفعول معه (شيء واحد) روي بالمعجمة مع الهمز وبالمهملة المكسورة وتشديد الياء والسى المثل (اذا اجتمعت يوما قريش لمفخر) أي للتفاخر بآبائها والتبذح بانسابها واحسابها (فعبد مناف سرها) أي خيارها وسر كل شيء خياره (وصميمها)
стр. 78
فان حصلت أشراف عبد منافها ... ففي هاشم أسرارها وقديمها
وإن فخرت يوما فان محمدا ... هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها ... علينا فلم تظفر وطاشت حلومها
وكنا قديما لا نقر ظلامة ... اذا ما ثنوا صعرى الخدود نقيمها
ونحمى حماها كل يوم كريهة ... ونضرب عن أحجارها من يرومها
بنا انتعش العود الذواء وإنما ... باكنافنا تندى وتنمى أرومها
[خبر اجتماع قريش الى الوليد بن المغيرة وتآمرهم فيما يرمونه به صلي الله عليه وسلم]
ثم ان قريشا اجتمعوا الى الوليد بن المغيرة وتآمروا بينهم فيما يرمون به النبي ﵌ في حضور الموسم لتكون كلمتهم فيه واحدة فعرضوا على الوليد الشعر والكهانة والجنون والسحر كل ذلك لا يلوقه لهم وقال والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الانس ولا هو من كلام الجن وان له لحلاوة وان عليه لطلاوة وان أعلاه لمثمر وان أسفله لمغدق بالمهملة والصميم الخالص من كل شيء (فان حصلت) بتشديد المهملة مبني للمفعول أي جمعت (وقديمها) أي الذي له القدم في خصال الشرف (وكريمها) بالضم معطوف على هو المصطفى (غثها) بمعجمة فمثلثة أى هزيلها (وسمينها) ضده واستعار ذلك للفقير والغني والوضيع والشريف (وطاشت) باهمال الطاء واعجام السين أي خفت (حلومها) أي عقولها (لا تقر) بضم أوله رباعي (اذا ماثنوا) أي أمالوا كبرا (صعر الخدود) بصاد مضمومة وعين ساكنة مهملتين وهو من اضافة الصفة الى الموصوف أي الخدود الصعر وهي المائلة (نقيمها) هو جار على رفع الجزاء بعد الشرط الماضي قال ابن مالك
* وبعد ماض رفعك الجزا حسن* (ونحمى حماها) الحما ما يحميه السلطان من الكلا لرعي مواشيه فلا يستطيع رعيه أحد من الناس (كل يوم كريهة) أي حرب عظيمة تكرهها النفوس لشدتها (عن أحجارها) بتقديم المهملة على الجيم أى حصونها وروى عكسه أى بيوتها ومساكنها (من يرومها) يطلبها بسوء (بنا انتعش) أى قام (العود الذوا) بالمعجمة المفتوحة والمد أى الذاوى وهو الذابل اليابس واستعير هنا (باكنافنا) بالنون أى جوانبنا (تندى) بفتح الفوقية وسكون النون أى تترطب ومنه الارض الندية (وتنمى) بوزن الاول أى يكثر (أرومهاء) بضم الهمزة والراء جمع أرومة وهي من أسماء الاصل كما مر (وتآمروا) تشاوروا وزنا ومعنا (في حضور الموسم) بوزن المجلس مشتق من السمة وهي العلامة لانه جعل علامة للاجتماع (والكهانة) بكسر الكاف وفتحها مر ذكرها (لا يلوقه) بضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه بعده قاف أى لا يراه لائقا (آنفا) بمد الهمزة وقصرها أى قريبا وقيل أوّل وقت كنا فيه وقيل الساعة. قال ابن حجر وكله بمعنى وهو من الاستئناف (لحلاوة) بالنصب اسم ان والحلاوة ضد المرارة (لطلاوة) بضم المهملة وفتحها أى حسنا وبهجة وقبولا (وان أسفله لمغدق) ولابن هشام لغدق بفتح
стр. 79
وانه يعلو ولا يعلى وكان قد سمع من النبي ﵌ أوّل حم غافر وكاد الوليد أن يسلم لولا ما سبق عليه من تحتم الشقاء ثم قالوا وكيف نقول ففكر في نفسه ثم قال ان أقرب القول أن تقولوا ساحر يفرق بين الرجل وأهله وزوجته ومواليه فتفرقوا على ذلك وجعلوا يلقونه الى من يقدم عليهم من العرب ونزل في الوليد قوله تعالى ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً الآيات كلها وفيما صنفوه من القول في القرآن الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ
الغين المعجمة وكسر الدال المهملة من الغدق وهو الماء الكثير ولابن اسحق بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة والعذق النخلة بجملتها قال السهيلي وهي أحسن لان بها آخر الكلام يشبه أوله (وكان قد سمع من رسول الله ﷺ الى آخره) أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس وذكره ابن اسحق والمفسرون في كتبهم وابن عبد البر في الاستيعاب من غير اسناد وفي الاحياء في أدب التلاوة ان القصة كانت مع خالد بن عقبة (أول حم غافر) الى قوله الْمَصِيرُ كذا ذكره البغوي وغيره في سورة المدثر وذكر في سورة النحل ان مسموع الوليد ان الله يأمر بالعدل والاحسان الآية فيحمل على تعدد القصتين وقد جرى لعتبة بن ربيعة قريب مما جرى للوليد بن المغيرة وكان مسموعه أوّل حم فصلت الى قوله تعالى فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أخرجه البغوي من حديث جابر (وكاد) أي قرب (ان يسلم) لانه لما سمع الآيات انصرف الى منزله فقالت قريش صبأ والله الوليد والله لتصبون قريش كلها وكان يقال للوليد ريحانة قريش فقال لهم أبو جهل أنا أكفيكموه فانطلق فقعد الى جنب الوليد حزبنا فقال له الوليد مالي أراك حزينا يابن أخى قال وما يمنعني ان لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنك ويزعمون انك زينت كلام محمد وتدخل على ابن أبى كبشة وابن أبى قحافة لتنال من فضل طعامهم فغضب الوليد وقال ألم تعلم قريش إنى من أكثرهم مالا وولدا وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم فضل ثم قام مع أبى جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم أتزعمون ان محمدا مجنون فهل رأيتموه يجن قط قالوا اللهم لا قال تزعمون انه كاهن فهل رأيتموه يكهن قالوا اللهم لا قال تزعمون انه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط قالوا اللهم لا قال تزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيأ من الكذب قالوا لا وكان رسول الله ﷺ سمي الامين قبل النبوة من صدقه فقالت قريش للوليد فما هو ففكر في نفسه ثم نظر أي في طلب ما يدفع به القرآن ويرده ثم عبس وبسر أي كلح وكره وجهه ونظر بكراهية شديدة كالمهتم المتفكر في نفسه (تنبيه) دخول ان على كاد لغة ضعيفة والمشهور حذفها فكان ينبغي ان يقول وكاد الوليد يسلم (يلقونه) بضم أوله رباعي (يقدم) بفتح أوله وثالثه من قدم بمعنا جاء وقدم (ذرني) أي اتركني وهو متضمن للوعيد البليغ والتهديد الشديد (ومن خلقت) أي خلقته في بطن أمه (وحيدا) منفردا لا مال له ولا ولد وكان يسمي الوحيد في قومه (و) نزل (فيما صنفوه) اي نوعوه (من القول في القرآن الذين) بدل من المقتسمين وهم
стр. 80
عِضِينَ* ولما كان ذلك وخشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التى يعوذ فيها بالحرم وبمكانه منه وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم أنه غير مسلم لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حتى يهلك دونه وجملتها أحد وثمانون بيتا تركناها ايثارا للاختصار وعدم الاكثار وانما نشير الى أصول القصص ومقاصدها دون فضولاتها وزوائدها وسنذكر ما استحسنا من القصيدة المذكورة فيما بعد ان شاء الله تعالى* ولما شاع في البلاد تشاجر قريش وبلغ الاوس والخزرج بالمدينة قال في ذلك أبو قيس بن الاسلت الواقفي قصيدة وبعث بها اليهم يذكرهم نعم الله عليهم ويحذرهم شؤم الحرب وعواقبها ووخيم مشاربها وكان أبو قيس صهرا لهم ذامودة وحياطة لهم ومنعنا من ذكرها ما ذكرنا في قصيدة أبي طالب*
[مطلب في مناواة قريش له ﷺ بالذي وذكر طرفا مما آذوه به]
ثم ان قريشا لم ينجع فيهم شئ من ذلك ولم يؤثر لما وقع في قلوبهم من الشنآن والبغض لامر رسول الله ﵌ ولما تحتم لهم في علم الله من دائرة الشقاء المشار اليه بقوله تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى وجعل رسول الله ﵌ لا يألو داعيا الى سبيل ربه مرة بالترغيب ومرة بالترهيب ومرة بالقول اللين وأخرى بالتبكيت والقول ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا عقار مكة وطرقها وقعدوا على انقابها يقولون لمن جاء من الحجاج لا تغتروا بهذا الرجل الخارج الذي يدعى النبوة يقول طائفة منهم انه مجنون وطائفة انه كاهن وطائفة انه شاعر والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه حكما فاذا سئل عنه قال صدق (أولئك) يعنى المقتسمين قاله مقاتل وقيل ان الآية نزلت في اليهود والنصارى حكى عن ابن عباس ومجاهد (عضين) قيل هو جمع عضو مأخوذ من قولهم عضيت الشيء أعضيه اذا فرقته وقيل هي جمع عضه على وزن وجه وقيل عدة وهو الكذب والبهتان (ولما كان ذلك) أي وقع (دهماء العرب) بفتح المهملة وسكون الهاء وبالمد أى غائلتهم (غير مسلم) بالتخفيف (القصص) بالكسر جمع قصة وأما بالفتح فمصدر (مقاصدها) أي المواضع المقصودة منها (فضولاتها) جمع فاضلة (ما استحسنا) بهمز وصل ثم مهملة ساكنة من الاستحسان (فيما بعد) بالبناء على الضم (شاع) أي ظهر (تشاجر قريش) بالمعجمة والجيم أي أي تخالفهم وتنازعهم والشجر بالفتح الامر المختلف (وبلغ الاوس والخزرج) هما القبيلتان المشهورتان من الانصار وسيأتي ذكرهما فيما بعد (ابن الاسلت) بالمهملة والفوقية (الواقفى) نسبة الى واقف كفاعل من الوقوف فخذ من الاوس وهو لقب مالك بن امرئ القيس (شؤم الحرب) بالهمز وهو نقيض اليمن (ووخيم مشاربها) بالمعجمة اي وبيء (وحياطة) بمهملة مكسورة ثم مثناة وبعد الالف مهملة أى نصرة وصيانة (لم ينجع) بفتح التحتية والجيم اي لم يؤثر (من الشنآن والبغض) مترادفان وفي نون الشنآن التحريك والسكون (المشار) بالكسر (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) أي فمن كفر منهم كفر لسابق علم الله فيه (لا يألو) أى لا يقصر ومنه لا يألونكم خبالا (داعيا) حال (بالتبكيت) بفوقية فموحدة وبعد الكاف تحتية ثم فوقية هو والتقريع
стр. 81
الخشن فسبحان من شدد عزائمه وقوى دعائمه وشرح صدره وأعلى قدره وسدده بتسديده وأيده بتأييده وكفاه وحماه حيث نصب وجهه وقام وحده يدعو الى أمر مستغرب لا يعرف الا من جهته ولا يسمع الا منه ولولا كفاية العزيز الوهاب لما أغنى عنه سطته في عشيرته ولا شرف أبي طالب* ومع ذلك فقد نالوه بضروب من الاذى في بعض الاحيان وكان في ذلك سر تحقيق الامتحان الذى هو مدرجة التعبد ومظنة الصبر ومضمار التكليف ورأس التأسى وعنوان الايمان وتحقيق مقام النبوة الذين هم أشد الناس بلاء وبذلك تتبين جواهر الرجال فمن أعظم ما بلغنا في ذلك ما رويناه بسندنا السابق صدر الباب الى أبى عبد الله البخارى ﵀ قال حدثني عياش بن الوليد بن مسلم حدثني الاوزاعى حدثني يحيى بن أبى كثير عن محمد ابن ابراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير قال سألت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت اخبرنى والتوبيخ متقارب (الخشن) ضد اللين (شدد) بالمعجمة أي قوي (وسدده) بالاهمال اي وفقه (وأيده) أي قواه ونصره (حيث) مبنية على الضم (سطة) بكسر السين وفتح الطاء المهملتين اي توسطه (سر) بالرفع (مدرجته) بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الراء وهي الطريق والمذهب (ومظنة) بفتح الميم وكسر المعجمة ومظنة الشيء الموضع الذي يظن حصوله فيه (ومضمار) أي محل جريان (التكليف) والمضمار في الاصل موضع جري الفرس (التأسى) أي الاقتداء (وعنوان) بضم المهملة وكسرها هو ما يكتب على رأس الكتاب من اسم المكتوب اليه (الذين هم أشد الناس بلاء) أخرج أحمد والبخارى والترمذى من حديث سعد ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أشد الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه وان كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الارض وما عليه خطيئة وأخرجه البخاري في التاريخ من حديث أزواج النبى ﷺ بلفظ أشد الناس بلاء في الدنيا نبي أو صفي. وأخرجه الطبراني في الكبير من حديث أخت حذيفة وأخرجه ابن ماجه وأبو يعلى والحاكم من حديث أبي سعيد بلفظ أشد الناس بلاء الانبياء ثم الصالحون لقد كان أحدهم يبتلي بالفقر حتى ما يجد الا العباءة يحويها فيلبسها ويبتلي بالفقر وبالقمل حتى يقتله ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء (عياش بن الوليد) بالتحتية والمعجمة هو الرقام مات سنة ست وعشرين ومائتين (الوليد بن مسلم) هو الحافظ أبو العباس عالم أهل الشام مات سنة مائة وخمس وتسعين (الاوزاعى) اسمه عبد الرحمن بن عمرو امام الشام في عصره. قال الذهبي كان رأسا في العلم والعبادة مات في الحمام في صفر سنة سبع وخمسين ومائة. قال النووي وهو منسوب الى موضع بباب الفراديس يقال له الاوزاع وقيل الى قبيلة وقيل غير ذلك (يحيى بن أبي كثير) هو الامام أبو نصر اليمني الطائي مولاهم قال أيوب ما بقى على وجه الارض مثل يحيى بن أبي كثير وكان عابدا عالما ثبتا مات سنة مائة وتسع وعشرين (محمد بن ابراهيم التيمى) هو المدني أبو عبد الله الفقيه ثقة قال أحمد روي مناكير مات سنة اثنتي عشرة ومائة (عبد الله بن عمرو بن العاص) ابن وائل السهمي يكنى أبا محمد وأبا عبد الرحمن أسلم قبل أبيه
стр. 82
بأشد شئ صنعه المشركون برسول الله ﵌ قال بينما النبي ﵌ يصلى في حجر الكعبة اذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فاقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي ﵌ وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله الآية* وبه قال حدثنا أحمد بن اسحق حدثنا عبد الله بن موسي قال حدثنا اسرائيل عن أبي اسحق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال بينما رسول الله صلى وكان فاضلا عالما قرأ القرآن والكتب المتقدمة. قال أبو هريرة ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله ﷺ مني الا عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب قال سعى بن مانع قال لى عبد الله حفظت عن رسول الله ﷺ ألف مثل توفي بالطائف وقيل بمصر سنة خمس وستين (ابن أبي معيط) بمهملتين مصغر (خنقا) بكسر النون وسكونها (احمد بن اسحاق) هو السلمي السرماري البخاري من يضرب بسخائه المثل. وقال الذهبى وغيره قتل ألفا من الترك توفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين. قال أبو محمد الاصيلي ينسب الى قرية تدعي سرمار بفتح السين ويقال بكسرها (عبيد الله بن موسي) هو ابو محمد العبسي الحفاظ وثقه ابن معين وأبو حاتم والعجلي وعثمان بن أبي شيبة وآخرون. قال ابن سعد كان ثقة صدوقا حسن الهيئة على تشيعه وبدعته. وروى أحاديث في التشيع منكرة فمن ثم ضعفه كثير وعاب عليه أحمد غلوه في التشيع مع تقشفه وعبادته مات في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ومائتين (اسرائيل) هو ابن يونس بن أبى اسحاق الشيعى أحد الاثبات. قال أحمد ثقة وتعجب من حفظه وقال مرة هو وابن معين وأبو داود كان أثبت من شريك وقال أبو حاتم هو من أتقن أصحاب أبي اسحاق وضعفه ابن المدنى توفي سنة اثنتين وستين ومائة (أبي اسحاق) اسمه عمرو بن عبد الله الهمذانى الشيعي أحد الاعلام. قال الذهبي وكان صواما قواما عاش خمسا وتسعين سنة ومات سنة سبع وعشرين ومائة وهو منسوب الى سبيع بوزن سميع. ابن سبيع بطن من العرب قاله في القاموس (عمرو بن ميمون) هو الاودي أبو عبد الله ادرك الجاهلية وأسلم في زمان النبي ﷺ ولم يره فهو معدود من كبار التابعين وكان كثير الحج والعبادة مات سنة أربع وسبعين (عن عبد الله بن مسعود) هو ابن غافلة بالمعجمة والفاء ابن غنم بن سعد بن قريم بن صاهلة بن كاهل بن سعد بن هذيل بن مدركة قديم الاسلام شهد بدرا والمشاهد كلها قال ﷺ لو كنت مؤمرا أحدا على أمتى من غير مشورة لامرت عليهم ابن أم عبد أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث على وأم عبد أمه هى بنت عبد ود من هذيل. أيضا قال الذهبى روي ان عبد الله خلف تسعين ألف دينار سوى الرقيق والمواشى وكانت وفاته بالمدينة كما سبق قال فيه عمر ﵁ كنيف ملئ علما. قال النووى في التهذيب الكنيف تصغير كنف وهو الوعاء الذى يجعل فيه الخياط أداته كانه أشار الى قصر ابن مسعود وكان قصيرا حتى يكاد الجالس يوازيه وهو تصغير تحبب وتعظيم لا تصغير تحقير. ونقل بعضهم عن أهل التواريخ ان طول عبد الله كان ذراعين
стр. 83
الله عليه وآله وسلم قائم يصلى عند باب الكعبة وجمع قريش في مجالسهم اذ قال قائل منهم ألا تنظرون الى هذا المرائى أيكم يقوم الى جزور آل فلان فيعمد الى فرثها ودمها وسلاها فيجئ به ثم يمهله حتى اذا سجد وضعه بين كتفيه فانبعث أشقاهم فلما سجد رسول الله ﵌ وضعه بين كتفيه فثبت النبي ﵌ ساجدا فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك فانطلق منطلق الى فاطمة وهي جويرية فاقبلت تسعى وثبت رسول الله ﵌ ساجدا حتى ألقته عنه وأقبلت عليهم تسبهم فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة قال اللهم عليك بقريش ثلاثا ثم سمى اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبى معيط وعمارة ابن الوليد قال عبد الله والله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا الى القليب قليب بدر ثم قال رسول الله ﵌ وأتبع أهل القليب لعنة. وبه قال حدثنا الحميدى حدثنا سفيان (عند باب الكعبة) لمسلم عند البيت (وجمع قريش في مجالسهم) له وأبو جهل في أصحاب له جلوس وقد نحروا جزورا بالامس (اذ قال قائل منهم) فيه انه أبو جهل (جزور) بفتح الجيم (فيعمد) بفتح الميم في المستقبل وكسرها في الماضي أفصح من عكسه (فرثها) بفتح الفاء وسكون الراء ثم مثلثة أى رجيعها (وسلاها) بفتح المهملة وتخفيف اللام والقصر اللفافة التى يكون فيها الولد في بطن الناقة وسائر الحيوانات وهي من الآدميين المشيمة (فانبعث أشقاهم) في احدي روايات مسلم انه عقبة بن أبي معيط (فوضعه بين كتفيه) قال في الديباج. فان قيل كيف لم يخرج من الصلاة بهذه النجاسة. أجاب النووي بانه لم يعلم ما هي (حتي مال) أي سقط (من) شدة (الضحك) زاد مسلم والبخاري في رواية وانا قائم أنظر لو كانت لى منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ (فانطلق) أى ذهب (جويرية) اي صبية تسعي أي تعدو (اللهم عليك بقريش ثلاثا) زاد مسلم والبخاري في رواية وكان اذا سأل سأل ثلاثا وانه رفع صوته وانهم لما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته ففيه ندب تثليث الدعاء ورفع الصوت به اذا ترتب على ذلك ارهاب للكفار (بعمرو بن هشام) يعنى أبا جهل وبدأ به لانه كان السبب في ذلك كما مر (والوليد بن عتبة) ووقع في مسلم عقبة بالقاف وهو غلط (فو الله لقد رأيتهم) أي معظمهم فان عمارة بن الوليد هلك بالحبشة وعقبة بن أبي معيط حمل من بدر أسيرا وقتل بعرق الظبية كما سيأتي (صرعى) جمع صريع بالاهمال بوزن سميع أي هالك زاد مسلم والبخاري في بعض الروايات قد غيرتهم الشمس وكان يوما حارا (ثم سحبوا) أي ما عدا أمية بن خلف فانه تقطعت أوصاله فلم يلق في البئر (الفليب) بالقاف والموحدة البئر التي لم تطو (الحميدي) مصغر هو عبد الله بن الزبير القرشي الاسدي المكي الفقيه أحد الاعلام. قال الفسوي ما لقيت أنصح للاسلام وأهله منه مات سنة تسع عشرة ومائتين (سفيان) هو ابن عيينة أبو محمد الهلالي مولاهم الكوفي الاعور أحد الاعلام ثقة ثبت حافظ امام
стр. 84
حدثنا بيان واسماعيل قالا سمعنا قيسا يقول سمعت خبابا يقول أتيت النبي ﷺ وهو متوسد برده وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت ألا تدعو الله تعالى فقعد وهو محمر وجهه فقال لقد كان من قبلكم ليمشط بامشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه وليتمنّ الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت ما يخاف الا الله او الذئب على غنمه. وهذا من احسن الاحاديث الدالة على التأسى وهو في ضمن قوله تعالى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ
على تدليس فيه مات في رجب سنة سبع وتسعين ومائة (بيان) بفتح الموحدة والتحتية هو ابن نسر المؤذن يكنى أبا بشر (واسمعيل) هو ابن أبي خالد الكوفي الحافظ الطحان توفي سنة ست وأربعين ومائة (قيسا) هو ابن أبي حازم أبو عبد الله البجلي الاخمسي أسلم في حياة رسول الله ﷺ ولم يره وهو من كبار التابعين روي عن العشرة الا عبد الرحمن بن عوف وثقوه الا يحيى بن سعيد فانه قال هو منكر الحديث ثم ذكر له حديث نباح كلاب الحوأب مات سنة سبع وتسعين (خبابا) هو ابن الارت أبو عبد الله التميمى ويقال الخزاعي حليف بني زهرة قال الكاشغري وهو عربي سبي في الجاهلية فبيع بمكة وهو ممن سبق الى الاسلام سادس ستة وعذب في الله تعالى مات سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة وصلى عليه علي بن أبى طالب (برده) نوع من أكسية اليمن اسود مربع فيه صغر يلبسه الاعراب وجمعه برد قاله الجوهري (فقعد وهو محمز وجهه) قيل من النوم وقيل من الغضب (بامشاط) في رواية للبخاري بمشاط جمع مشط كرمح ورماح وارماح (المنشار) بكسر الميم مع الهمز وقد يترك همزه وقد يبدل نونا (من صنعاء) بالمد قصبة اليمن قيل هي أوّل مدينة بنيت بعد الطوفان بناها سام بن نوح (حضرموت) مدينة باليمن يجوز فيها بناء الاسمين وبناء الاول واعراب الثاني قيل سميت بذلك لان هودا أو صالحا لما دخلها حضره الموت وقيل ان صالحا مات بمكة وبين حضرموت وصنعاء نحو اثنتي عشرة مرحلة والمراد من ذلك بيان انتفاء الخوف عن المسلمين من الكفار فانتفاء ما قيل من عدم المبالغة في الامن لقرب المسافة بينهما ويحتمل ان المراد صنعاء الروم أو صنعاء دمشق (تنبيه) أخرج هذا الحديث أيضا من حديث خباب مسلم وأبو داود والنسائى (ما يخاف الا الله الى آخره) هذا من اعلام النبوة قيل يقع في آخر الزمان وقيل بل وقع (التأسى) هو الاقتداء والاتباع (أم حسبتم) أى حسبتم والميم صلة قاله الفراء أو بل حسبتم قاله الزجاج ومعناه أظننتم أيها المؤمنون (ولما) أي ولم وما صلة (مثل) أي شبه (خلوا) أي مضوا وسلفوا (من قبلكم) أي من النبيين والمرسلين (مستهم) أي أصابتهم (البأساء) أى الفقر والشدة والبلاء (والضراء) أي المرض والزمانة (وزلزلوا) أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا وخوفوا (حتى يقول) أي حتى قال فمن ثم قرأ نافع برفع اللام لان حتى تستعمل في المستقبل الذى بمعنى الماضى على أحد وجهين له (متى نصر الله)
стр. 85
أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ وقوله تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ الآيات الثلاث وقوله تعالى فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ والآيات في هذا المعنى كثيرة مشهورة. ومن ذلك ما رويناه في صحيح مسلم بروايتي له عن شيخي الامام الحافظ المسند تقى الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد القرشى الهاشمى العلوى عرف بابن فهد إجازة مشافهة بالمسجد الحرام سنة خمس وثلاثين وثمانمائة وهو ما سمعته على غيره قال انا الشيخ الامام العلامة زين الدين ابو بكر بن الحسين بن عمر العثماني المراغي ثم المدنى سماعا عليه انا به ابو الفتح عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد المقدسى انا به ابو العباس احمد بن عبد الدائم المقدسي انا به ابو عبد الله محمد بن علي بن صدقة الحراني انا به مسند الآفاق محمد بن الفضل الفراوي ما زال بهم البلاء حتى قالوا ذلك استبطاء للنصر (الا ان نصر الله قريب) لان كل ما سيجيء فهو قريب وكان نزول هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة البرد والخوف وضيق العيش وأنواع الاذى كما قال تعالى وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ قاله قتادة والسدي وقيل بل في شأن الهجرة وما تركوا لله من الاموال والديار بمكة في أيدي المشركين ووقعوا فيه من المحنة باليهود قاله عطاء بن أبي رباح وقيل نزلت في حرب أحد (وقوله) بالجر عطف على الاول (وَكَأَيِّنْ) قرأه الجمهور بوزن كعين وقرأه ابن كثير على وزن فاعل ومعناه وكم (قاتَلَ مَعَهُ) وقاتل قراءتان مشهورتان (رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) أى جموع كثيرة (فَما وَهَنُوا) أى فما جبنوا (أُولُوا الْعَزْمِ) أي ذوو الحزم والجد والصبر (مِنَ الرُّسُلِ) تبعيضية وأولو العزم هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الانعام وهم الذين أمر الله نبيه ﷺ ان يقتدى بهم وقيل هم ستة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى المذكورون على النسق فى سورة الاعراف والشعراء وقال مقاتل هم ستة نوح صبر على أذى قومه وابراهيم صبر على النار واسحاق صبر على الذبح ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره ويوسف صبر على البئر والسجن وأيوب صبر على الضر وقال ابن زيد هم جميع الرسل ما عدا يونس وقال ابن عباس وقتادة وهم نوح وابراهيم وموسى وعيسى أصحاب الشرائع فهم مع محمد ﷺ خمسة وسيأتي ذكرهم في كلام المصنف (المسند) اسم فاعل من الاسناد وهو ان تنسب الحديث الى غيرك (تقي الدين) بالفوقية (عرف) بالتخفيف والتشديد (بابن فهد) على لفظ الفهد المعروف (المقدسي) بكسر الدال نسبة الى بيت المقدس (صدقة) بالمهملتين والقاف بوزن شجرة (الحرانى) بفتح المهملة وتشديد الراء وبعد الالف نون كمامر (الفراوي) بفتح الفاء وتخفيف الراء.
قال النووي منسوب الى فراوة بليدة من ثغر خراسان قال وهو بفتح الفاء وضمها فاما الفتح فهو المشهور المستعمل بين أهل الحديث وغيرهم ونقل عن السمعاني وغيره انه ضبطه بفتح الفاء فقط وكانت وفاته في
стр. 86
انابه أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي انا به ابو احمد الجلودى حدثنا ابو اسحق ابراهيم بن محمد بن سفيان (ح) وكما يرويه شيخنا تقى الدين اعلا من هذه الدرجة عن شيخه المسند ابراهيم بن محمد بن صديق الدمشقى عن ابي النون يونس بن ابراهيم ان ابا الحسن على بن عبد الله انبأه عن الحافظ ابى الفضل محمد بن ناصر ان الحافظ ابا القاسم عبد الرحمن بن محمد بن منده أنبأه عن محمد بن زكرياء النيسابوري ثنا به مكى بن عبدان قال وابن سفيان ثنا به الحافظ ابو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى ﵀. قال وحدثني ابو الطاهر احمد بن عمرو بن سرح وحرملة بن يحيى وعمر بن سواد العامرى والفاظهم متقاربة قالوا انا ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب حدثنى عروة بن الزبير ان عائشة زوج العشر الاواخر من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة (عبد الغافر الفارسي) هو ابن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي الفسوي النيسابورى التاجر كان شيخا ثقة صالحا محفظوظا دينا ودنيا عاش خمسا وتسعين سنة وألحق احفاد الاحفاد بالاجداد. وتوفي يوم الثلاثاء ودفن يوم الاربعاء السادس من شهر شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة على الصحيح (أبو أحمد) هو محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرويه بن منصور النيسابوري (الجلودى) بضم الجيم منسوب الى الجلود المعروفة أو الى حلة الجلوديين بنيسابور الدارسة قولان. وغلط ابن السكيت وابن قتيبة فقالا ان الجلودى بفتح الجيم منسوب الى جلود اسم قرية بافريقية أو بالشام الا أن يريدا من نسب الى هذه القرية فهو مفتوح وقد مر ان الجلودي ليس منسوبا اليها وكان الجلودى شيخا صالحا زاهدا من كبار عباد الصوفية صحب أكابر المشايخ من أهل الحقائق وكان ينسخ الكتب ويأكل من كسب يده وكان متمذهبا بمذهب سفيان الثوري مات يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذى الحجة سنة ثمان وستين وثلثمائة عن ثمانين سنة. قال الحاكم أبو عبد الله وختم بوفاته سماع صحيح مسلم (أبو اسحق ابراهيم بن محمد بن سفيان) النيسابوري الفقيه الزاهد العابد المجتهد المستجاب الدعوة مات فى رجب سنة ثمان وثلاثمائة (صديق) بالتشديد (ابن منده) بفتح الميم والمهملة بينهما نون ساكنة (زكريا) بالمد والقصر (ابن عبدان) بفتح المهملة وكسرها ثم موحدة (قال وابن سفيان) أي قال مكى بن عبدان المذكور في السند الثاني ومحمد بن سفيان المذكور في السند الاول (أحمد بن عمرو) بن عبد الله بن عمرو (ابن سرح) بمهملات هو المصرى مولي بني أمية توفي سنة خمس وعشرين ومائتين (حرملة بن يحيى) ابن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي. قال فيه سفيان كان صندوقا من أوعية العلم. وقال أبو حاتم لا يحتج به مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين عن سبع وسبعين سنة (عمرو بن سواد) بفتح المهملة وتشديد الواو هو العامري كان ثقة مأمونا مات سنة خمس وأربعين ومائتين (ابن وهب) بفتح الواو وسكون الهاء ثم موحدة هو أبو محمد الفهري مولاهم أحد الاعلام. قال يونس بن عبد الاعلى طلب للقضاء فجنن نفسه وانقطع توفي سنة سبع وتسعين ومائة (يونس) بن يزيد الايلي أحد الاثبات توفي سنة تسع وخمسين
стр. 87
النبى ﵌ حدثته أنها قالت لرسول الله ﵌ هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد فقال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة اذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني الى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهى فلم أستفق الا بقرن الثعالب فرفعت رأسى فاذا أنا بسحابة قد اظلتنى فنظرت فاذا فيها جبريل ﵇ فنادانى فقال يا محمد ان الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وقد بعث اليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال فناداني ملك الجبال وسلم على فقال يا محمد ان الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثنى ربك اليك لتأمرنى بما شئت إن شئت ان اطبق عليهم الاخشبين فقال رسول الله ﵌ بل ارجو ان يخرج الله من اصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيأ وابن عبد ياليل هذا وإخوته رؤساء أهل الطائف وكان هذا حين قدم عليهم النبي ﵌ يدعوهم الى الله تعالى فأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون خلفه حتي اجتمع عليه الناس وسيأتى خبرهم فيما بعد ان شاء الله تعالى عند ذكر عرض نفسه على القبائل ﵌.
ومائة (وكان أشد) بالضم والفتح (ياليل) بالتحتية بوزن هابيل (كلال) بضم الكاف وتخفيف اللام واسم ابن عبد ياليل هذا كنانة أسلم وحسن اسلامه على الصحيح وقيل لم يسلم ومات بأرض الروم (مهموم) أي قد غشينى الهم (فلم أستفق) أى لم أتفطن لنفسى (بقرن الثعالب) هو قرن المنازل ميقات أهل نجد على مرحلتين من مكة أضيف الى الثعالب لكثرتها به (أظلتني) بالمعجمة فقط (ملك الجبال) أي الموكل بها.
قال ابن حجر ولم يسم (الاخشبين) تثنية أخشب بمعجمتين وموحدة بوزن أحمد والاخشبان جبلا مكة أبو قبيس ومقابله المشرف على قعيقعان سمى الجنحتان أو الخط بضم المعجمة بعدها مهملة. وقال أبو وهب الاخشبان الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى تحت المسجد (ارجوان يخرج الله من أصلابهم الى آخره) فيه مع صبره وحلمه وشفقته ورأفته ورحمته وحرصه على هداية أمته ﷺ معجزة له فقد وقع الامر كما رجا أسلم كثير ممن خرج من أصلابهم وهذا الحديث في صحيح البخاري وغيره أيضا (الطائف) بلد على مرحلتين أو ثلاث من مكة من جهة المشرق. قال في التوشح قيل ان أصلها ان جبريل اقتلع الجنة التي كانت لاصحاب الصريم فسار بها الى مكة فطاف بها حول البيت ثم أنزلها حول الطائف فسمى الموضع بها وكانت أولا بنواحي صنعاء انتهى. قال السهيلي وكانت تلك الجنة بحوران على فراسخ من صنعاء فمن ثم كان الماء والشجر بالطائف دون ما حولها من الارضين انتهى وقيل سميت بذلك لان رجلا من كندة من حضرموت أصاب دما من قومه فلحق بثقيف فأقام فيهم وقال لهم ألا أبني لكم حائطا يطيف ببلدكم فبناه فسمى به الطائف ذكره البكري وغيره وفي تفسير البغوى وغيره ان جبريل اقتلع أرض الطائف من الاردن وفلسبطين والله أعلم (فأغروا) من الاغراء وهو التحريش (يسبونه) السب هو ذكر الشخص بما ليس فيه
стр. 88
ولما نزل قوله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد ﵌ على الصفا فجعل ينادى يا بنى فهر يا بنى عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل اذا لم يستطع ان يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال رسول الله ﵌ أرأيتكم لو أخبرتكم ان خيلا بالوادي تريد ان تغير عليكم أكنتم مصدقي قالوا نعم ما جربنا عليك الا صدقا قال فانى نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت تبت يدا ابى لهب وتب ما اغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا الآية رواه البخارى وفي رواية فيه قال يا معشر قريش او كلمة نحوها اشتروا انفسكم لا أغنى عنكم من الله شيأ يا بنى عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيأ يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيأ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ زاد البخارى ومسلم وغيرهما في بعض الروايات ورهطك منهم المخلصين وكان ذلك قرآنا ثم نسخ (صعد) بكسر العين في الماضى وفتحها في المستقبل (فجعل ينادي يا بني عدي الى آخره) للبغوي وغيره انه نادى يا صباحاه (أبو لهب) اسمه عبد العزى وكني بذلك لان وجهه كان يتلهب جمالا.
قال بعضهم وذلك لما علم الله انه من أهل النار ذات اللهب (أرأيتكم) أي ارأيتم والكاف للتأكيد معناه الاستخبار أى أخبرونى وفوقيته مفتوحة في الواحد والمثنى والجمع ويقال للمؤنث بكسر الفوقية والكاف وفي الجمع كجمع المذكر لكن بنون بدل الميم (لو اخبرتكم الى آخره) فان قلت لم قدم النبي ﷺ ذلك قبل الابلاغ (قلت) جعله توطئة له وليعلم بذلك أنهم لا يتهمونه بالكذب وان كفرهم مجرد جحود (خيلا) اسم جنس لا واحد له من لفظه (بالوادي) فيه الاشارة الى قرب العذاب الذى جعل هذا مثلا له (ان تغير) بضم أوله رباعى وفي رواية صحيحة لو أخبرتكم ان العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني قالوا بلى (مصدقى) بتشديد الياء مكسورة أو مفتوحة (نعم) بفتح العين وكسرها قرئ بهما في القرآن والرواية بالفتح (تبت) أى خابت وخسرت والتباب الهلاك والخسار (يدا أبي لهب) أى هو واليدان صلة (وتب) قرئ شاذا وقد تب الاول دعاء والثاني خبر كما يقال أهلكه الله وقد فعل (رواه) من حديث ابن عباس (البخارى) ومسلم والترمذي (يا معشر قريش) المعشر الجماعة (أو) قال (كلمة) شك من الراوى اشتروا أنفسكم أى آمنوا فاشتروا بالايمان نفوسكم لا أغنى عنكم من الله شيأ معنى ذلك اني لا أنفع بمحض القرابة من لم يؤمن منكم كابى طالب وأبى لهب والتخفيف من العذاب عنهما في النار ليس هو لمحض القرابة بل لامر آخر مذكور في نص الحديث وهذا يوافق معنى قوله ﷺ من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه أخرجه مسلم وغيره ولا ينافيه قوله ﷺ أوّل من أشفع له يوم القيامة من أمتي أهل بيتي ثم الاقرب فالاقرب من قريش ثم الانصار ثم من آمن بي واتبعنى من اليمن ثم من سائر العرب ثم الاعاجم ومن أشفع له أولا أفضل أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من حديث ابن عمرو لان هذا فيمن تتأتى فيه الشفاعة وأما من لم يؤمن ولو كان في أعلا درجات القرب منه ﷺ فليس بهذه المثابة
стр. 89
ويا صفية عمة رسول الله ﵌ لا أغنى عنك من الله شيأ ويا فاطمة بنت محمد سلينى ما شئت من مالى لا أغنى عنك من الله شيأ
[تتمة لهذا المطلب في العوارض البشرية التى لحقته صلى الله عليه من جراء ذلك]
(قال المؤلف) كان الله له جميع ما ذكرناه مما اصابه ﵌ من الامتحان على تبليغ الرسالة قال في معناه القاضى عياض ﵀ وفيما أصابه أيضا من الاوجاع والاسقام قال وهذا كله ليس بنقيصة فيه لان الشىء انما يسمى ناقصا بالاضافة الى ما هو أتم منه وأكمل من نوعه وقد كتب الله على أهل هذه الدار فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون وخلق جميع البشر بمدرجة الغير فقد مرض رسول الله ﵌ واشتكي وأصابه الحر والقر وأدركه الجوع والعطش ولحقه الغضب والضجر وناله الاعياء والتعب ومسه الضعف والكبر وسقط فجحش شقه وشجه الكفار وكسروا رباعيته وسقي السم وسحر وتداوى واحتجم وتنشر وتعوذ ثم قضى نحبه ولحق بالرفيق الاعلى وتخلص من دار الامتحان والبلوى وهذه سمات البشر التي لا محيص عنها وأصاب غيره من الانبياء ما هو أعظم منها فقتلوا قتلا ورموا في النار ونشروا ولا ينافي الحديث الآخر قوله ﷺ كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة الا نسبي وصهرى أخرجه ابن عساكر من حديث ابن عمر لان معناه عدم ظهور آثار النسب يومئذ الا اليه ﷺ فان أثره يظهر في شفاعته لقرابته قبل باقى الامة كما مر (يا بني عبد) بالجر بالاضافة (يا عباس ابن) بنصب ابن وفي الاول الرفع والنصب وكذا يا صفية عمة ويا فاطمة بنت (وخلق البشر) هو من أسماء بنى آدم (بمدرجة) بالدال المهملة والراء بوزن ترجمة هى المذهب والمسلك والطريق كما مر (الغير) بكسر المعجمة وفتح التحتية. قال الشمنى هو الاسم من قولك غيرت الشيء فتغير (والقر) بضم القاف هو البرد (فجحش) بضم الجيم وكسر المهملة ثم معجمة أي خدش (وسقى السم) بتثليث السين والفتح والضم أفصح (وتنشر) من النشرة وهي الرقية والتعويذ وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها أى تجلي عنه. قال ابن الانصارى وفي كتب وهب بن منبه ان النشرة ان يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي وذوات قل أى قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد والمعوذتين ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به فانه يذهب كل عاهة ان شاء الله وهو جيد للرجل اذا حبس عن أهله. وذكر النووى خلافا للسلف في جوازها وان الصحيح الجواز. قال السهيلي وذكر البخاري عن سعيد بن المسيب انه سئل عن النشرة للذى يؤخذ عن أهله فقال لا بأس لم ينه عن الصلاح انما نهي عن الفساد ومن استطاع ان ينفع أخاه فلينفع انتهى وأخرج أبو داود حديثا مرفوعا ان النشرة من عمل الشيطان وذلك محمول على نشرة فيها شئ من الاسماء العجمية والطلاسم التي لا برهان عليها فقد صرح العلماء بتحريم استعمال ما كان من الاسماء بهذه المثابة (وتعوذ) أى استرقى (بالرفيق الاعلى) قال ابن الاثير هم الانبياء والصديقون والشهداء والصالحون وقيل هو مرتفق الجنة وقيل الرفيق الاعلى الله لانه رفيق بعباده. وقال ابن قرقول أهل اللغة لا يعرفون هذا ولعله تصحيف من الرفيع (سمات البشر) علاماتهم جمع سمة وهى العلامة (فقتلوا قتلا) أى كزكريا ويحيى (ونشروا)
стр. 90
بالمناشير ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الاوقات ومهم من عصمه الله كما عصم نبينا صلي الله عليه وآله وسلم بعد نزول قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فلئن لم يكف نبينا ربه يد ابن قميئة يوم أحد ولا حجبه عن عيون عداه عند دعوته أهل الطائف فلقد أخذ على عيون قريش عند خروجه الى ثور وأمسك عنه سيف غورث بن الحارث وحجر أبى جهل وفرس سراقة* ولئن لم يقه من سحر ابن الاعصم فلقد وقاه الله ما هو أعظم منه من سم اليهودية وهكذا سائر أنبيائه صلوات الله عليهم وسلامه مبتلى ومعافي وذلك من تمام حكمته ليظهر شرفهم في هذه المقامات ويبين أمرهم وتتم كلمته فيهم وليحقق بامتحانهم بشريتهم ويرفع الالتباس (بالمناشير) أي ككالب بن نوفيا ولفظ الشفا ونشروا بالمناشير وقد تقدم ان المناشير بالهمز وتركه وبالنون (ومنهم من وقاه الله ذلك) أي كابراهيم وموسى وقاهم الله شر عدويهما نمروذ وفرعون مع حرص كل منهما على قتل كل منهما من يوم ولادته الى بلوغ أمد رسالته (والله يعصمك) اى يحفظك ويمنعك (من الناس) أي ممن أرادك منهم بسوء وقيل معناه والله يخصك بالعصمة من بين الناس نزلت بعد أحد بل سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن فلا يحتاج الى الجواب عما أصابه قبل ذلك وأخرج الترمذي وغيره من حديث عائشة انه ﷺ كان يحرس حتى نزلت هذه الآية والله يعصمك من الناس فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة فقال لهم يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله (نبيا) مفعول (يد) فاعله (ابن قميئة) بفتح القاف وكسر الميم ثم همزة ممدودة على وزن فعيلة وسيأتي ذكره في غزوة أحد (عداه) بكسر العين والقصر أي أعدائه (الى ثور) كاسم الثور المعروف جبل من أسفل مكة مكث فيه النبي ﷺ وأبو بكر يوم الهجرة كما سيأتي (غورث بن الحرث) بمعجمة مفتوحة وقد تضم فواو ساكنة فراء مفتوحة فمثلثة. قال البغوي والشمني وغيرهما أسلم وصحب النبي ﷺ بعد ذلك ولم يذكره ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم في الصحابة وستأتي قصته (وحجر أبي جهل) أي الذي أراد ان يرمي به رسول الله ﷺ اذ رآه يصلي كما في سيرة ابن اسحاق وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قالوا نعم قال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لاطأن على رقبته أولا عفرن وجهه في التراب فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته فما فجئه منه الا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فقيل له مالك قال ان بيني وبينه لخندقا من النار وهولا وأجنحة فقال رسول الله ﷺ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا (وفرس سراقة) الفرس يقع على الذكر والانثى وكانت فرس سراقة أنثى كما يدل عليه لفظ الحديث وسيأتى خبره في حديث الهجرة (سحر ابن الاعصم) هو لبيد بن الاعصم من يهود بني زريق بالتصغير وتقديم الزاي وقصته مشهورة في الصحيحين وغيرهما وكان ذلك في منصرف رسول الله ﷺ من الحديبية (اليهودية) هي زينب بنت الحرث امرأة سلام بن مشكم وسيأتي ذكرها في كلام المصنف (بشريتهم)
стр. 91
على أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم ضلال النصارى بعيسى بن مريم ولتكون في محنتهم تسلية لاممهم ووفور لاجورهم عند ربهم تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ اليهم
[مطلب في الكلام على تعذيب قريش للمستضعفين من المؤمنين]
قال أهل السير ولما امتنع ﵌ بوقاية الله له ثم بعمه أبي طالب وامتنع ذوو الاقدار بعشائرهم وحلفهم وجوارهم وبقى قوم من الضعفاء والموالى في أيدى المشركين يعذبونهم أنواع العذاب فكانوا يأخذون عمار بن ياسر وأباه وأمه وأخته فيقلبونهم فى الرمضاء ظهرا لبطن فيمر عليهم رسول الله ﷺ وهم يعذبون فيقول صبرا آل ياسر فان موعدكم الجنة وماتت سمية أم عمار بذلك فكانت أوّل قتيل في الاسلام في ذات الله ومات ياسر وابنته بعدها وكان أمية بن خلف يخرج بلالا أي كونهم بشرا (ضلال النصارى) سموا به لقول الحواريين نحن أنصار الله أو لانهم نزلوا قرية تسمى ناصره أو لاغرابهم الى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى (بعيسى بن مريم) وكان سبب ضلالهم به ما ظهر على يديه من الخوارق ولكونه خلق من غير أب فقالوا هو ابن الله كما أخبر الله عنهم قال أهل التاريخ حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة وقيل عشر سنين وولدته ببيت لحم من أرض أورشليم لمضي خمس وستين سنة من غلبة الاسكندر على أرض بابل فأوحى الله اليه على رأس ثلاثين سنة ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر في شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين وعاشت أمه مريم بعد ان رفع ست سنين (فائدة) بيت لحم بالعبرانية هو بيت المقدس وهو بكسر اللام وسكون المهملة وأما أورشليم فقال ابن الاثير في النهاية هو بيت المقدس أيضا ومثله في القاموس ورواه بعضهم بالمهملة وكسر اللام كانه عربه بالعبرانية السلام وروى عن كعب ان الجنة في السماء السابعة بازاء بيت المقدس والصخرة لو وقع حجر منها لوقع على الصخرة فمن ثم دعيت أورشليم ودعيت الجنة دار السلام (تسلية) بالرفع اسم يكون (بوقاية الله) هي بكسر الواو مصدر (ثم بعمه) أتي بثم لدفع الشريك المنهي عنه في المشيئة وهو قوله ﷺ لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان ولكن ما شاء الله ثم ما شاء فلان أخرجه أبو داود من حديث حذيفة والنهي للتنزيه في حق سليم العقيدة والا فللتحريم بل قد يفضي الى الكفر والعياذ بالله (وحلفهم) بكسر المهملة أى أهل حلفهم (أنواع) منصوب بنزع الخافض (ابن ياسر) بالتحتية والمهملة والراء بوزن فاعل وهو مصروف (وأمه) اسمها سمية بنت خياط وكانت سابع سبعة في الاسلام (وأخته) لم أقف على اسمها (في الرمضاء) بفتح الراء وسكون الميم مع المد هي الارض الشديدة الحر (صبرا) مصدر أي اصبروا صبرا (آل ياسر) بالنصب لانه منادى حذفت أداته (سمية) بالمهملة وتشديد التحتية مصغر (أمية بن خلف) بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى والد صفوان ﵁ قتل يوم بدر كافرا وأخو أبي الذى قتله رسول الله ﷺ يوم أحد (يخرج بلالا) هو ابن رباح بفتح الراء والموحدة واسم أمه حمامة هو المؤذن كان صادق الاسلام طاهر القلب شهد له رسول الله ﷺ بالجنة حيث قال يا بلال أخبرني
стр. 92
فيضع الصخور على صدره ويتركها كذلك حتى يخشى أن يموت فيرفعها وبلال يقول أحد أحد وكان ورقة بن نوفل يمر عليه فيقولى أحد أحد والله يا بلال ثم يقول ورقة والله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانا فاشتراه أبو بكر منه فأعتقه وأعتق أبو بكر على مثل ذلك ست رقاب سابعهم عامر بن فهيرة فقال له أبوه يا بني لو أعتقت رجالا جلداء يمنعونك فقال يا أبت انما أريد ما أريد فيقال ان هذه الآية نزلت فيه فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى الى قوله وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى
بأرجى عمل عملته في الاسلام فاني سمعت دق نعليك قبلي في الجنة أخرجه الشيخان وغيرهما وأخرج ابن عساكر عن الاوزاعي مفصلا خبر السودان أربعة طهمان وبلال والنجاشى ومهجع وأخرجه ابن ماجه بدون ذكر النجاشي وذكر ابن حزم انه لا يكمل حسن الحور العين في الجنة الا بسواد بلال فانه يعرف سواده بشامتين في خدودهن شهد ﵁ بدرا والمشاهد كلها وتوفى بدمشق ودفن بباب الصغير سنة عشرين وهو ابن بضع وستين سنة وقيل مات سنة سبع عشرة وقيل ثماني عشرة وقيل مات بحلب ودفن على باب الاربعين (فيضع الصخور) في سيرة ابن اسحاق كان أمية يطرح بلالا على ظهره ببطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع (على صدره) ثم يقول لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد (فكان يمر عليه ورقة بن نوفل) هذا وهم تبع فيه ابن هشام وابن اسحاق وغيرهما لان ورقة يومئذ لم يكن حيا (أحد أحد) خبر مبتدأ محذوف أي الله أحد وكرره تأكيدا (حنانا) بفتح المهملة ثم نونين بينهما ألف هو العطف قاله الجوهرى أو الرحمة قاله ابن الاثير. وفي سيرة ابن سيد الناس أى لأتمسحن به وهو هنا أليق (فاشتراه أبو بكر) قيل ببردة وعشر أواق وقيل بغلام له كما سيأتى قريبا وفي سيرة ابن اسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال مر به أبو بكر يوما وهم يصنعون به ذلك فقال لامية الاتتقى الله في هذا المسكين قال أنت أفسدته فانقذه مما تري قال أبو بكر أفعل عندي غلام اسود أجلد منه وأقوى وهو على دينك أعطيكه قال قد فعلت فاعطاه أبو بكر غلامه واسمه سبطاس وأخذ بلالا فاعتقه (ست رقاب) وهم بلال وأم عميس وزبيرة وهي التي ذهب بصرها ثم رده الله اليها والنهدية وابنتها وريحانة بني المؤمل (سابعهم عامر بن فهيرة) بالف وراء مصغر هو البدرى الاحدى يكنى أبا عمرو وكان من مولدى الازد ومن السابقين الى الاسلام كان قبل أبي بكر للطفيل بن عبد الله واستشهد يوم بئر معونة كما سيأتي (يا بنى) بالتصغير وفي يائه الكسر والفتح (جلداء) بضم الجيم وفتح اللام فمهملة فمد جمع جليد وهو القوى الشديد ويقال في جمعه جلاد وأجلاد (يا أبت) بكسر آخره وفتحه (انما أريد) بعتقي هؤلاء (ما أريد) أي الذي أريده وهو طلب رضي الله تعالى والدار الآخرة (فيقال ان هذه الآية نزلت فيه) وقيل في قصة أبي الدحداح وهى قصة مشهورة ذكرها أهل التفسير والنووي في شرح مسلم على قول النبي ﷺ كم من عذق في الجنة معلق لابي الدحداح أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث جابر بن سمرة (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى) أى أنفق ماله في سبيل الله (وَاتَّقى) ربه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) أي بلااله الا الله أو بالجنة أو بموعود الله أقوال (وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ) أي يد (تُجْزى) أي يجازيه
стр. 93
إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى * قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﵌ ما يعذرون به في ترك دينهم قال نعم والله ان كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من الضر حتى يقولوا له اللات والعزى إلهك من دون الله فيقول نعم وكذلك فعل معهم عمار حين غطوه في بئر ميمون وقالوا له اكفر بمحمد فاعطاهم ذلك فاخبر رسول الله ﵌ فقال كلا ان عمارا ملئ إيمانا من قرنه الى قدمه واختلط الايمان بلحمه ودمه ثم أتي رسول الله ﵌ فاخبره فقال كيف وجدت قبلك قال مطمئنا بالايمان فجعل رسول الله ﵌ يمسح دمعه وقال ان عادوا لك فعد لهم بما قلت ونزل فيه وفي أمثاله قوله تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ الآية.
[مطلب في الكلام على الهجرة الأولى الى الحبشة وبيان من هاجر إليها من الأصحاب]
وفي رجب في الخامسة من المبعث كانت هجرة الحبشة. وقد ذكر ابن اسحق وغيره فيها أخبارا عجيبة عليها نزلت حين قال المشركون ما فعل ذلك أبو بكر لبلال الاليد كانت له عنده (الا) أى لكن فعل ذلك (ابتغاء) أي طلب (وجه ربه الاعلى) وطلب رضاه (ولسوف يرضي) في الآخرة بما يعطيه الله من الجنة والكرامة جزاء على ما فعل. واذا كانت الآية في أبي بكر كان فيه معنى لطيف وهو مشاكلة موعوده وهو ولسوف يرضي بموعود رسول الله ﷺ وهو ولسوف يعطيك ربك فترضى ويكون فيه اشارة الى مقام الشفاعة وان أبا بكر يكون له فيها أثرة على الصديقين كما لرسول الله ﷺ فيها أثرة على سائر المرسلين والله أعلم (قال سعيد بن جبير) هو الوائلى مولاهم يكني أبا محمد وأبا عبد الله أحد اعلام الدين قتل بشعبان شهيدا سنة خمس وتسعين (من الضر) بضم الضاد وفتحها (كلا) هو نفى وابعاد (ملئ ايمانا من قرنه الى قدمه) للنسائي من حديث عمرو بن شرحبيل عن رجل من أصحاب النبى ملئ عمار ايمانا من قرنه الى مشاشه وهو بضم الميم ثم بمعجمتين بينهما ألف ساكنة جمع مشاشة وهي رؤس العظام وهذا للمبالغة في وصف قوة ايمان عمار أي لو كان الايمان جسما لملأ ما ذكر وخالط لحمه ودمه (ثم انى رسول الله صلي الله عليه وسلم) في تفسير البغوي وغيره قال له النبي ﷺ ما وراءك قال شر يا رسول الله نلت منك وذكره (فجعل رسول الله ﷺ يمسح دمعه) فيه ما كان عليه صلي الله عليه وسلم من شدة الرحمة والشفقة (ان عادوا لك) أي بالاكراه على الكفر (فعدلهم) بمقالتك فإنها لا تضرك مع كون قلبك مطمئنا بالايمان والامر فيه للاباحة والا فمن اكره على الكفر فالترك في حقه أولى (فائدة) أخرج الترمذي والحاكم من حديث عائشة ما خير عمار بين شيئين الا اختار أيسرهما فلعل الاشارة منه الى الواقع له في هذه القصة وفيه منقبة له فان ذلك من وصف رسول الله ﷺ كما سيأتي في شمائله (ونزلت فيه وفي أمثاله) أي كصهيب وبلال وخباب وسالم (من كفر بالله من بعد ايمانه) جوابه فعليهم غضب والاستثناء متوسط بينهما وعدم كفر المكره بالاجماع. حديث هجرة
стр. 94
والملخص مما قالوه ان رسول الله ﵌ لما رأى ما بأصحابه من البلاء ولم يكن أمر بالجهاد حينئذ أمرهم بالمهاجرة الى الحبشة وقال لهم ان بها معايش وسعة وملكا عادلا لا يسلم جاره فخرج اليها أولا سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله ﵌ والزبير وعبد الله بن مسعود وعبد الرحمن ابن عوف وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الاسد وامرأته أم سلمة التي صارت أم المؤمنين آخرا وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبى حثمة وحاطب بن عمرو وسهيل بن بيضاء وكان عليهم عثمان بن مظعون واستأجروا سفينة بنصف دينار ثم خرج جعفر بن أبى طالب ﵁ وتتابع المسلمون حتى بلغوا اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان وهي أوّل الحبشة (عادلا) للبغوي في التفسير صالحا (لا يسلم جاره) أى لا يخذله وللبغوي لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا اليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا (أبو حذيفة) اسمه كنيته (سهلة بنت سهيل) بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى احدى المستحاضات في زمنه ﷺ وكن احدي عشرة سودة بنت زمعة وزينب بنت جحش واختاها حمنة وأم حبيبة بنتا جحش وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة وأسماء بنت عميس وأسماء بنت مرثد وفاطمة بنت قيس وبادية بنت غيلان وسهلة المذكورة (ومصعب بن عمير) بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى (وأبو سلمة) بن عبد الاسد مضى ذكر نسبه وان الاسد بالمهملة والمعجمة (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب (وعثمان بن مظعون) باعجام الظاء واهمال العين الجمحي أبو السائب الصائم القائم أوّل ميت بالمدينة من المسلمين سنة اثنتين من الهجرة (بنت أبي حثمة) بمهملة مفتوحة فمثلثة ساكنة اسمها ليلى وهى أم عبد الله بن عامر أخرج ابن منده وأبو نعيم من حديث عبد الله هذا قال دعتنى أمي يوما ورسول الله ﷺ عندنا فقالت تعال أعطك فقال لها رسول الله ﷺ ما أردت أن تعطيه قالت تمرا فقال لها اما انك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة (سهيل) بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن مالك بن منبه بن الحارث بن فهر القرشى الفهري توفي سهل بالمدينة سنة تسع من الهجرة وصلى عليه رسول الله ﷺ في المسجد أخواه سهل وصفوان توفي سهل بالمدينة أيضا وصلى عليه رسول الله ﷺ في المسجد أيضا كما في صحيح مسلم وغيره من حديث عائشة ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل وأخيه ابني (بيضاء) الا في المسجد وسيأتى ان صفوان استشهد ببدر وأمهم بيضاء من بنى الحارث بن فهر واسمها دعد لقبت البيضاء لشدة جمالها ذكرها ابن شاهين فيمن له صحبة من النساء
стр. 95
هجرة في الاسلام ولما وصلوا الحبشة واستقرت بهم الدار وأحسن لهم النجاشي الجوار
[مطلب في تعقب قريش لمهاجرى الحبشة وعودتهم بالخيبة]
ونمت بذلك الاخبار اجتمع رأي من بمكة من المشركين الاغمار ان يوجهوا خلفهم من يردهم عليهم ليفتنوهم فبعثوا عبد الله بن ابى ربيعة المخزومي وعمرو بن العاصي السهمي ووجهوا معهم هدايا للنجاشي وخواصه فقدما على النجاشى وقدما له ما عندهما من الهدايا وكلماه في شأنهم وصدقهما وزراؤه لما أصابوا من الهدايا فعصم الله النجاشى وثبته وردهم خائبين بهداياهم* ولما علم ابو طالب بما أجمعوا عليه من البعث الى النجاشى قال أبياتا وبعث بها الى النجاشى يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم قال
الا ليت شعري كيف في النأي جعفر ... وعمرو وأعداء العدو الاقارب
وهل نالت افعال النجاشي جعفرا ... واصحابه او عاق ذلك شاغب
(النجاشي) بفتح النون وكسرها وآخره مشدد ومخفف كما مر (ونمت) بالنون مخفف ومشدد (الاغمار) بالمعجمة جمع غمر بالضم وهو الجاهل (الهدايا) كانت من أدم وغيره (وخواصه) هو من يختصه لقربه ومشورته. وللبغوي وبطارقته بفتح الموحدة جمع بطريق بكسر الباء. قال الشمنى نقلا عن ابن الجواليقي هو بلغة الروم القائد أي مقدم الجيوش وأميرها (وزراؤه) بضم الواو وفتح الزاي ممدود جمع وزير وهو في الاصل المعين والموازر ثم استعمل في كل من كان مقربا عند السلطان (فعصم الله) أي فحفظ (النجاشى) من الكفر قال البغوي وذلك ان كلا من الفريقين عرض عليه دينه فقال لجعفر تكلمت بامر عظيم فعلى رسلك ثم أمر بجمع كل قسيس وراهب فأنشدهم بالله هل تجدون بين عيسى وبين القيامة نبيا مرسلا فقالوا اللهم نعم فسأل النجاشى جعفرا عن قول رسول الله ﷺ وأمره ونهيه فاخبره بانه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقرأ عليهم كتاب الله فقال اقرأ على مما يقرأ عليكم فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم وقيل سورة مريم ففاضت عينا النجاشي وأصحابه من الدمع فاستزاده فقرأ سورة الكهف فقال عمرو انهم يشتمون عيسى وأمه فسأل النجاشي عن ذلك فقرأ عليه سورة مريم فلما أتى ذكرهما رفع النجاشي نفثة من سواكه وأقسم ما زاد المسيح على ما يقولون هذا ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال اذهبوا فانتم سيوم بارضي بضم المهملة أى آمنون ثم بشرهم وقال ابشروا ولا تخافوا فلا دهورة اليوم على حزب ابراهيم فقال عمرو ومن حزب ابراهيم قال هؤلاء وصاحبهم ومن اتبعهم فانكر ذلك المشركون ثم رد النجاشى عليهما المال الذى حملوه وقال انه رشوة وقال ان الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة قال جعفر وانصرفنا فكنا في خير دار واكرام جوار وأنزل الله ذلك اليوم في خصومتهم في ابراهيم ان أولى الناس بابراهيم الآية (يحضه) باهمال الحاء واعجام الضاد يحثه وزنا ومعنى (ألا) هي كلمة تنبيه (ليت) تمن (شعرى) أى علمي (في النأي) أى في البعد مصدر نأى ينأى اذا بعد (نالت أفعال) بكسر التاء من نالت وبوصل الهمزة ليتزن البيت وان كانت التاء في الاصل ساكنة والهمزة مفصولة (أو عاق) بالمهملة والقاف أي منع (ذلك شاغب) بالمعجمتين فالموحدة صائح بأعلى صوته
стр. 96
تعلم أبيت اللعن انك ماجد ... كريم ولا يشقى لديك المجانب
تعلم بان الله زادك بسطة ... واسباب خير كلها بك لازب
وانك فيض ذو سجال غزيرة ... ينال الاعادي نفعها والاقارب
(قال المؤلف كان الله له) هكذا ذكره ابن هشام رواية عن ابن اسحق ان المرسل مع عمرو هو عبد الله بن ابي ربيعة. وذكر في تفسير البغوى نقلا عن ابن اسحق ايضا ان المرسل معه عمارة بن الوليد ولعل ذلك من رواية غير ابن هشام عنه وكان عمارة معهما او في رسالة اخرى لكن في سياق القصتين إيهام من حيث اتحاد جنس الهدية واشتباه اللفظ من جعفر والنجاشى وهما في القصتين واحسن ما يقال تعدد الرسالتين فالاولى عقيب هجرتهم والثانية بعد بدر لطلب الثأر بمن اصيب منهم بها كما هو مصرح به في القصة وفيها ان عمرا وعمارة تخلونا في سفرهما ثم تكايدا عند النجاشى فكاد عمرو عمارة عنده حتى اتهمه ببعض نسائه فتحاشا النجاشي من قتله وأمر السواحر فسحرنه فتوحش من الانس وهام على وجهه مع الوحش حتى هلك هناك والله أعلم ثم ان مهاجرة (تعلم) بمعنى اعلم (أبيت اللعن) أي الذم. قال ابن السكيت أي أبيت ان تأتي من الامور بما تلعن عليه وهي تحية الملوك التي عناها من قال
ولكل ما نال الفتي ... قد نلته الا التحيه
(ماجد كريم) مترادفان (فلا يشقى) أي لا يخيب ولا يتعب (لديك) أي عندك (المجانب) أى الذى جانبك (بسطة) أى فضلة وسعة في الملك (لازب) أى لازمة لك لاصقة بك والباء والميم يتعاقبان (فيض) أى ذو فيض وهو الماء الكثير استعاره لكثرة جوده وعطائه (ذو سجال) بكسر المهملة بعدها جيم جمع سجل بالفتح وهو الدلو المملوءة ماء واستعير أيضا لما مر (غزيرة) بتقديم الزاى على الراء والغزير الكثير من كل شيء (ينال الاعادي) فاعل (نفعها) مفعول (والاقارب) عطف على الاعادى (وذكر في تفسير) الامام الحافظ محيى الدين حسين بن مسعود الفراء (البغوى) قال النووى منسوب الى بغ مدينة بين هراة ومرو. وفي القاموس ان اسمها بغشوب بفتح الموحدة قال وهي بلد بين هراة وسمرقند النسبة اليها بغوى على غير قياس معرب كرسور أى الحفرة المالحة (نقلا عن ابن اسحاق) عن ابن شهاب باسناده ورواه أيضا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (في سياق) بكسر المهملة فتحتية خفيفة مصدر ساق يسوق (ايهام) مصدر أوهم يوهم (الثار) بالمثلثة والراء مهموز (اتهمه) الضمير للنجاشى (فتحاشا من قتله) أى قال حاشا ما أقتله (فأمر السواحر) جمع ساحرة وهو المتعاطي عمل السحر (مهاجرة) جمع مهاجر كمقاتلة (بلغهم ان أهل مكة قد أسلموا) كان سبب ذلك سجودهم مع النبى ﷺ لما قرأ سورة
стр. 97
الحبشة بلغهم ان أهل مكة أسلموا فاستخف ذلك الخبر منهم ثلاثة وثلاثين رجلا فأقبلوا راجعين حتى اذا دنوا من مكة بان لهم فساد ذلك الخبر فلم يدخل احد منهم مكة الا بجوار أو مستخفيا فمنهم من أقام بها حتى هاجر الى المدينة وشهد بدرا ومنهم من حبس حتى فاتته ومنهم من مات بها وكان عثمان بن مظعون دخل في جوار الوليد بن المغيرة فانفذت قريش جواره ودخل أبو سلمة بن عبد الاسد في جوار أبى طالب لكونه ابن أخته برة بنت عبد المطلب فتعرضت له بنو مخزوم وأبت ان تنفذ جواره وقالوا لابى طالب هذا منعت ابن اخيك محمدا فما لك ولصاحبنا فقال انه استجار بى وأنا ان لم أمنع ابن اختى لم امنع ابن اخى فقام أبو لهب فقال يا معشر قريش والله لقد اكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون توثبون عليه في جواره من بين قومه والله لتنتهن عنه او لنقو من معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما اراد فتركوه مراعاة لابي لهب فطمع ابو طالب حينئذ بابى لهب وقال يحرضه على نصرته ونصرة رسول الله ﵌
وان امرأ لابو عتيبة عمه ... لفى روضة ما ان يسام المظالما
والنجم وكانت أوّل سجدة نزلت في القرآن على ما قيل وكان سبب سجود المشركين ليعارضو المسلمين بالسجود لمعبودهم أو كان ذلك منهم بلا قصد أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم أقوال وقيل سبب ذلك ما ألقى الشيطان في أثناء قراءة النبي ﷺ من قوله تلك الغرانيق العلى وان شفاعتها لترتجي قال البرماوى وغيره ولا صحة لهذا الخبر عقلا ولا نقلا انتهى (قلت) وتبع القائل بذلك عياضا والفخر الرازى والبيهقى فانهم أنكروها أشد انكار وقالوا هي من وضع الزنادقة وقد رد ذلك الحافظ ابن حجر بان طرقها كثيرة فقد أخرجها ابن أبى حاتم والطبري وابن المنذر وابن مردويه والبزار وابن اسحاق في السيرة وموسى بن عقبة في المغازى وأبو معشر. قال وثبت من طرق رجالها رجال الصحيح وباقيها إما ضعيف وإما منقطع وبعضها تفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور فزعم عياض ومن مر أن رواياتها كلها لا أصل لها مندفع اذ من حفظ حجة على من لم يحفظ فحينئذ يتعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر بمالا يخفى على ذي بصر نافذ وأحسن ما يقال إن ابليس لعنه الله لما قال ﷺ أفرأيتم اللات والعزي ومناة الثالثة الاخرى قال بلسان نفسه تلك الغرانيق العلي الى آخره مشبها صوته بصوت رسول الله ﷺ فسمع ذلك من سمعه من المشركين فظن انه ﷺ تلفظ به ولا مانع يمنع هذا من قبل العقل لا سيما وقد صح به النقل والله أعلم (فاستخف ذلك الخبر) فاعل (ثلاثة وثلاثين) مفعول (فأنفذت) بالفاء والمعجمة أى أجازت (ان ينفذ) بضم أوله رباعي (استجاربي) بموحدة أو نون (توثبون) بفوقية فواو فمثلثة مشددة مفتوحات أي تتوثبون (يحرضه) بالمهملة فالراء فالمعجمة أي يحضه (ان امرأ) مثلث الراء مطلقا لكن الاولى اتباعها الهمزة ضما وفتحا وكسرا (لابو) يزحف قليلا ليتزن البيت (عتيبة) بالفوقية والموحدة مصغر هو أحد أولاد أبي لهب (لفي روضة) هي في الاصل البستان في غاية النضارة والحسن واستعير للدعة والرفاهية (ما) هي نافية (وان) زائدة (يسام) مبنى للمفعول أي ما ان يكلف ان يتحمل (المظالما)
стр. 98
أقول له وأين منه نصيحتي ... أبا معتب ثبت سوادك قائما
ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة ... تسب بها إما هبطت المواسما
وول سبيل العجز غيرك منهم ... فانك لم تخلق على العجز لازما
وحارب فان الحرب نصف ولن ترى ... اخا الحرب يعطى الخسف حتى يسالما
وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة ... ولم يخذلوك غانما او مغارما
جزي الله عنا عبد شمس ونوفلا ... وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما
قال اهل السير ثم اقام بقية المهاجرين بارض الحبشة في خير دار واحسن جوار الى ان هاجر رسول الله ﵌ وعلا امره وانتشر صيته
[مطلب في مكاتبته ﷺ للنجاشى ليزوجه ام حبيبة بنت أبي سفيان وخبر ذلك]
فلما كان سنة ست من الهجرة كتب رسول الله ﵌ الي النجاشى على يد عمرو بن امية الضمرى ليزوجه ام حبيبة بنت ابى سفيان وكانت قد هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش فتنصر هناك ومات وسيأتي خبر تزويجها لرسول الله ﵌ عند ذكر ازواجه ﵌ وكتب اليه ايضا ليبعث من عنده من المهاجرين قالت ام حبيبة رضى الله عنها قدمنا المدينة ورسول الله ﵌ بخيبر حين افتتحها فخرج من خرج اليه فأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله ﵌ المدينة فدخلت عليه وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر واصحابه الى رسول الله ﵌ ابنه ارها بألف الاطلاق جمع مظلمة بفتح أوله وكسر ثالثه (وأين منه نصيحتى) أي هل تنجع وتؤثر فيه أم لا وفي أين تزحيف أيضا (أبا) بحذف حرف النداء (معتب) بسكون العين وكسر الفوقية ثم موحدة (ثبت) أمر من التثبيت (سوادك) أي شخصك (الدهر) منصوب على الظرف (خطة) بضم المعجمة بعدها مهملة أي أمرا وخصلة (هبطت) أي وردت والهبوط في الاصل النزول من أعلى الى أسفل (المواسما) بألف الاطلاق وهي جمع موسم كمجلس وأصله من السمة وهي العلامة سمى الموسم بذلك لانه جعل علامة للاجتماع (نصف) بفتح النون وسكون المهملة أي انصاف (ويعطي الخسف) بفتح المعجمة وسكون المهملة بعدها فاء أى الدناءة (حتى يسالما) بكسر اللام أي حتى يصالح وألفه للاطلاق أيضا (عظيمة) بالنصب صفة لجناية مقدر (ولم يخذلوك) في الكاف تزحيف أيضا (وانتشر صيته) بكسر المهملة وسكون التحتية بعدها فوقية وهو الذكر والثناء الجميل (عمرو بن أمية) هو ابن خويلد الضمري الصحابى ابن الصحابى كان ممن هاجر الهجرتين وأوّل مشاهده بئر معونة توفي آخر أيام معاوية (أم حبيبة) اسمها رملة بفتح الراء وسكون الميم وقيل اسمها هند بنت أبى سفيان بن حرب الاموية (ليبعث) هي لام كى لا لام الامر (بخيبر) على وزن جعفر مذينة على ثمانية برد من المدينة الى جهة الشام سميت باسم رجل من العماليق نزل بها (ارها)
стр. 99
ابن أصحمة بن أبجر في ستين رجلا من الحبشة وافدين الى رسول الله ﵌ باسلامهم واسلام النجاشي فغرقوا في البحر وكان قدم منهم مع جعفر واصحابه سبعون رجلا وفيهم نزل قوله تعالى وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى وما بعدها.
ولما مات النجاشى قال النبي ﵌ لاصحابه مات اليوم رجل صالح فقوموا وصلوا على اخيكم اصحمة قالت عائشة لمامات النجاشى كان يتحدث انه لا يزال يرى على قبره نور وقد ذكرنا خبر هجرة الحبشة الى آخره وان كان في ازمان متفرقة حرصا على تمام الفائدة واجتماعها
[فصل وكان ﷺ يكرم مهاجرة الحبشة ويلاطفهم ويذكر من فضلهم]
(فصل) وكان رسول الله ﵌ يكرم مهاجرة الحبشة ويلاطفهم ويداعب صغارهم برطانة الحبشة ولمافجئه خبر قدوم جعفر وأصحابه خرج مسرعا فرحا يجر ثوبه وارتاح له وعانقه وقال ما أدرى بأيهما أسر أكثر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر وأسهم لهم من خيبر كمن شهدها ولم يسهم لأحد غاب عنها غيرهم* والجامع في فضلهم ما روينا في صحيح البخاري عن أبى موسى الأشعري قال بلغنا مخرج النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين اليه أنا واخوان لي بفتح الهمزة وسكون الراء مقصور (ابن أصحمة) بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الحاء المهملتين ومعناه بالعربية عطية كما سيذكره المصنف (ابن أبجر) بالموحدة والجيم والراء بوزن أحمد (في ستين رجلا من الحبشة) زاد البغوي وكتب النجاشي الى رسول الله أشهد انك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله رب العالمين وقد بعثت اليك ابني أرها فان شئت ان آتيك بنفسى فعلت والسلام عليك يا رسول الله (سبعون رجلا) زاد البغوى عليهم ثياب الصوف ومنهم اثنان وستون من أهل الحبشة وثمانية من أهل الشام فقرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة يس الى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فأنزل الله هذه الآية ولتجدن أقربهم مودة.
الى آخر الآيات (ولما مات النجاشي) أخرجه الشيخان وابن ماجه كما سيأتي (رجل صالح) هو القائم بحقوق الله وحقوق العباد ما استطاع المتلافي ما بدر منه من هفوة في ذلك (قوموا فصلوا على أخيكم أصحمة) زاد ابن ماجه فخرج بهم الى البقيع (قالت عائشة الى آخره) أخرجه عنها أبو داود
(فصل) وكان رسول الله ﷺ (ويداعب) بالمهملتين والموحدة يمازح وزنا ومعنا (برطانة الحبشة) بفتح الراء وكسرها واهمال الطاء هي الكلام غير العربى (فجئه) بكسر الجيم ثم همزة مفتوحة أى بغته (وارتاح له) بالراء والفوقية أي هش له (لاحد غيرهم) بالكسر والفتح (في صحيح البخاري) وصحيح مسلم وغيرهما (عن أبي موسى) اسمه عبد الله بن قيس كما مر (الاشعري) نسبة الى الاشعر
стр. 100
أنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والآخر ابو رهم إما قال بضع وإما قال في ثلاثة وخمسين أو في اثنين وخمسين رجلا من قومنا فركبنا سفينة فألقتنا الى النجاشى بالحبشة فوافينا جعفر بن أبى طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافينا النبي ﵌ حين افتتح خيبر وكان أناس من الناس يقولون لنا أعني لاهل السفينة سبقناكم بالهجرة ودخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم زائرة وقد كانت هاجرت الى النجاشي فيمن هاجر فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال عمر حين رأى أسماء من هذه قالت أسماء بنت عميس قال عمر آلحبشية هذه آلبحرية هذه قالت أسماء نعم قال سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم منكم فغضبت وقالت كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار أو في أرض البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله وفي رسوله وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت للنبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكنا نؤذي أو نخاف وسأذكر ذلك للنبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأسأله والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه فلما جاء النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قالت يا نبي الله ان عمر قال كذا وكذا قال فما قلت له قالت قلت كذا وكذا قال ليس بأحق بى منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان قالت فلقد رأيت ابا موسى وأصحاب السفينة يأتونى أرسالا يسألونى عن هذا الحديث مامن الدنيا قال في القاموس لقب بنت ادد لانه ولد وعليه شعر (انا أصغرهم) لمسلم انا أصغرهما. قال النووي وهكذا هو في النسخ والوجه أصغر منهما (أبو بردة) اسمه عامر بن قيس وأخرج ابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر من حديثه قال قال رسول الله ﷺ اللهم اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن والطاعون (أبو رهم) بضم الراء وسكون الهاء. قال ابن عبد البر قيل اسمه مجدي على وزن نجدي وقيل ان مجديا أخ لهم آخر (أسماء بنت عميس) بالمهملتين ابن عميس (هاجرت الى النجاشى فيمن هاجر) أي مع زوجها جعفر بن أبي طالب (آلحبشية آلبحرية) بالاستفهام فيهما (وقالت كلا والله) لمسلم كذبت كلا والله. قال النووي قولها كذبت معناه أخطأت وقد استعملوا كذب بمعنى أخطأ (البعداء) جمع بعيد أى البعداء في النسب (البغضاء) أى في الدين لانهم كفار الا النجاشي وكان يستخفى باسلامه عن قومه ويوري عليهم (وأيم الله) بضم الميم وكسرها ووصل الهمزة ويجوز قطعها ويقال أم يحذف الياء مع فتح الهمزة وكسرها و (أيم كذلك) وأوم بالواو بدل الياء مع تثليث أوله ومعناها القسم (أهل السفينة) بالنصب على الاختصاص ويجوز الرفع (ارسالا) أي أفواجا فوجا بعد فوج. قال النووى يقال أورد الله ارسالا أى متقطعة متتابعة وأوردها عراكا
стр. 101
شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال أبو بردة قالت لي أسماء فلقد رأيت أبا موسى وانه ليستعيد هذا الحديث منى
[فصل في حكم الفرار بالدين والعجز عن مقاومة المشركين]
(فصل) كانت هجرة الحبشة أوّل هجرة في الاسلام* وبعدها الهجرة الكبرى الى المدينة ثم حكم الهجرة باق الى الآن متى وجد معناها وهو الفرار بالدين والعجز عن مقاومة المشركين أو الملحدين. ونقل القرطبى عن ابن العربي المالكي ﵁ في تفسير قوله تعالى وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً فائدة حسنة وأنا أوردها على معنى ما ذكر متحريا لبعض اللفظ قال رحمه الله تعالى قسم العلماء رضى الله عنهم الذهاب في الارض قسمين هربا وطلبا فالاول ينقسم الى ستة أقسام. الاول الخروج من دار الحرب وهي باقية مفروضة الى يوم القيامة فان بقى في دار الحرب عصى ويختلف في حاله.
الثانى الخروج من أرض البدعة الذي يعجز عن تغييرها. الثالث الخروج من أرض غلب عليها الحرام فان طلب الحلال فرض على كل مسلم الرابع الفرار من الأذى في البدن رخصة من الله تعالى قال الله تعالى مخبرا عن موسى فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ. الخامس الخروج من البلاد الوخيمة وقد أذن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم للعرنيين حين استوخموا المدينة ان يخرجوا وقد استثنى من ذلك الخروج من الطاعون لقيام الدليل عليه. السادس أى مجتمعة (قال أبو بردة) هو ابن أبي موسى واسمه عامر على الصحيح (ليستعيد) بالاهمال أى سألني اعادة ذلك الحديث سرورا به
(فصل) كانت هجرة الحبشة (أول) بالنصب خبر كان (أو الملحدين) أى المائلين عن الحق (ونقل القرطبى) هو شارح مسلم وهو غير مصنف التذكرة وكلاهما منسوب الى قرطبة بضم القاف والمهملة بينهما راء ساكنة وبعد الطاء موحدة تشدد وتخفف بلد عظيم بالمغرب (ابن العربي) هو الامام الجليل أبو بكر شارح الترمذي الآلة ملازمة له وهي الفرق بينه وبين ابن عربي الصوفي المشهور (مُراغَماً) أي متحولا يتحول اليه وقيل متزحزحا عما يكره (متحريا) أى قاصدا ويرادفه التوخي والاجتهاد (الخروج من دار البدعة) أي المحرمة (طلب الحلال فريضة على كل مسلم) هو حديث أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس. وللقضاعي من حديث ابن عباس ولابى نعيم في الحلية من حديث ابن عمر طلب الحلال جهاد (للعرنيين) بضم العين وفتح الراء سيأتي ذكرهم بعد في كلام المصنف (لقيام الدليل عليه) أي على النهى عن الخروج فرارا منه وهو قوله ﷺ واذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه
стр. 102
خوف الاذى في المال فان حرمة مال المسلم كحرمة دمه والاهل آكد منه. وأما قسم الطلب فينقسم. قسمين طلب دين ودنيا وطلب الدين تتعدد أنواعه الى تسعة أقسام. الاول سفر العبرة بدليل قوله تعالى أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. الثانى سفر الحج عند الاستطاعة فهو فرض والأوّل ندب. الثالث سفر الجهاد وله احكامه. الرابع سفر المعاش فقد يتعذر مع الاقامة فيطلب كفايته بصيد أو احتطاب او احتشاش وهو فرض.
الخامس سفر التجارة لطلب زائد على القوت وذلك جائز فضلا من الله تعالى. السادس طلب العلم وفضله مشهور. السابع قصد البقاع قال رسول الله ﵌ لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد. الثامن الثغور للرباط بها وثوابه عظيم. التاسع زيارة الاخوان ونفعها حاصل وثوابها واصل والله اعلم.
[مطلب في إسلام سيدنا حمزة عمه ﷺ وسبب ذلك]
وفي السنة السادسة وقيل في الخامسة أسلم سيدنا أبو عمارة حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه وكان شديدا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره ولا يطمع طامع عند المخاشنة بكسره فاستوثقت باسلامه عرى الدين وذل لوطأته عتاة المشركين وانما كان ابتداء اسلامه حمية أفضت به الى السعادة وختمت له بنيل الشهادة واكسبته حسن المنقلب لا كحمية أبي لهب التى ذكرناها آنفا وذلك انه رجع يوما من قنصه فلقيته مولاة لابن جدعان فأخبرته ان أبا جهل نال من رسول الله ﷺ وآذاه وسبه كل ذلك لا يجيبه رسول الله ﵌ ولا يرد عليه شيئا فغضب عند ذلك عمه حمزة رضى الله عنه (حرمة مال المسلم كحرمة دمه) هو حديث أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود وهو تشببه لاصل الحرمة ولا شك ان حرمة الدم أغلظ من حرمة المال (لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد) أخرجه الشيخان وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة وأخرجه أحمد والشيخان والترمذى وابن ماجه من حديث أبي سعيد وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر وسيأتى الكلام عليه حيث ذكره المصنف بتمامه (الثغور) جمع ثغر بفتح المثلثة وسكون المعجمة هو الموضع الذي يلي دار العدو* ذكر اسلام حمزة (أبو عمارة) بضم المهملة وتخفيف الميم كنى بابنة له اسمها عمارة كذا قاله الواقدي. قال الخطيب وسماها غيره امامة وذكر غير واحد من العلماء ان حمزة كان له ابن اسمه عمارة وبه كني قال وهو الصواب (ذا شكيمة) بالمعجمة بوزن عظيمة قال الجوهري يقال فلان شديد الشكيمة اذا كان شديد النفس أنفا أبيا وفلان ذو شكيمة اذا كان لا ينقاد (المخاشنة) بالمعجمتين والنون المقابلة بالكلام الخشن وهو ضد اللين (عرى الدين) جمع عروة وهو العقد الوثيق (لوطأته) أي لبأسه (عتاة) جمع عات وهو الشديد في الشر (من قنصه) بفتح القاف والنون ثم مهملة أي صيده والقناص الصياد (نال منه) بالنون أي سبه* ذكر
стр. 103
لما أراد الله به من الكرامة وأقبل يسعى حتى وقف على أبى جهل جالسا في القوم فضربه بقوسه فشجه شجة منكرة ثم قال أتسبه وأنا علىّ دينه فاردد ذلك على ان استطعت فقامت رجل من بنى مخزوم الى حمزة فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فاني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا وأتم حمزة ﵁ اسلامه*
[مطلب في إسلام سيدنا عمر بن الخطاب وتعزيز الله به ضعفة المسلمين]
وفيها وقيل في الخامسة أسلم عمر بن الخطاب فعزز الله به ضعفة المسلمين وكان اسلامه متمما لاربعين وبقدر شدته التي كانت على المسلمين صار باضعاف ذلك على المشركين. قال ابن مسعود كان اسلام عمر فتحا وهجرته نصرا وإمارته رحمة ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه وعنه قال ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر قال سعيد بن جبير أسلم مع النبي ﵌ ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ثم أسلم عمر فتم به الاربعون فنزل قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وسبب اسلامه انه كان شديدا على من أسلم فلما علم أن اخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد اسلما جاء اليها وعندهما خباب يقرئهما فاختبأ خباب فبطش بختنه واقبلت أخته لتكفه عن زوجها فشجها فأدماها ثم ندم فقال اعطني هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرؤن آنفا فقالت له انك نجس مشرك وانه لا يمسها الا الطاهر فقام فاغتسل ثم قرأ منها سطرا واحدا وقال ما احسن هذا الكلام وأكرمه يقال هى سورة طه ولما قال ذلك خرج اليه خباب ووعظه وقال له سمعت رسول الله ﵌ أمس يقول اللهم أيد الاسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر فقال له دلنى على محمد فقال له هو في بيت عند الصفا مع نفر من أصحابه فجاء فاستأذن فارتاع من هناك لاستئذانه فقال حمزة رضى الله عنه نأذن له فان كان يريد خيرا بذلناه له وان كان يريد شرا اسلام عمر (ما زلنا أعزة) جمع عزيز (منذ أسلم عمر) أى لما كان فيه من الجلد والقوة في دين الله (خباب) هو ابن الارت (فبطش بختنه) أى صهره قال الجوهري الختن أبو الزوجة وأخوها قال وعند العامة اصهار الرجل مطلقا واستعمله المصنف (سورة طه) هي مكية ومن فضائلها ما أخرجه البغوي من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال أعطيت السورة التي ذكرت فيها البقرة من الذكر الاول وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى وأعطيت فواتح القرآن وخواتم السورة التي ذكرت فيها البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة وأخرجه الحاكم والبيهقى من حديث معقل بن يسار (أمس) مبني على الكسر (اللهم أيد الاسلام الى آخره) أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر (بأبي الحكم) هو أبو جهل اللعين (الله الله) بالنصب على التحذير (فارتاع) أى رهقته روعة وهي الفزع
стр. 104
قتلناه بسيفه ولما دخل لقيه رسول الله ﵌ وجبذه بحجزته جبذة شديدة وقال ما جاء بك يابن الخطاب فو الله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة فقال جئتك لأومن بالله فكبر رسول الله ﷺ فرحا. وفي صحيح البخارى عن عبد الله بن عمر قال لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره وقالوا صبأ عمر وأنا غلام فوق ظهر بيتي فجاء رجل عليه قباء من ديباج فقال صبأ عمر فما ذاك فأنا له جار قال فرأيت الناس قد انصدعوا عنه فقلت من هذا فقالوا العاص بن وائل. وروى عن عبد الله بن عمر انه قال لابيه بعد الهجرة يا أبت من الذى زجر عنك القوم وهم يقاتلونك جزاه الله خيرا قال يا بنى ذاك العاص بن وائل لا جزاه الله خيرا وكان للعاص بن وائل في آل الخطاب حلف وولاء.
[مطلب في اجتماع بطون قريش على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب وكتبهم بذلك الصحيفة ودخول أبي طالب ومن انحاذ معه الشعب محاصرين من قريش]
وفي ليلة هلال المحرم من السنة السابعة من المبعث اجتمعت قريش وتعاهدوا على قطيعة بنى هاشم وبنى المطلب ومقاطعتهم في البيع والشراء والنكاح وغير ذلك فكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة توكيدا لامرها ويحكى ان كاتبها شلت يده قيل هو منصور بن عكرمة وقيل النضر بن الحرث وقيل بغيض بن عامر ولما تم ذلك انحاز البطنان المذكوران الى أبي طالب ودخلوا معه في شعبه وبقوا هناك محصورين مدة وخرج عنهم أبو لهب وتضور المسلمون بذلك جوعا وعريا ولحقتهم (ما أرى) بالضم والفتح (قارعة) بالقاف والراء أى عذاب يقرع القلب لشدته (فكبر رسول الله ﷺ فيه ندب التكبير لحدوث الامر الذى يسر (فرحا) يجوز فيه كسر الراء حالا وفتحها مصدرا (لما أسلم عمر اجتمع الناس) أى بعد ان فشا اسلامه وكان الذي أفشاه جميل بن معمر الجمحي الذي نزل فيه ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وذلك بعد ان ذكر له عمر اسلامه وهو يريد ان يفشيه ذكره ابن اسحاق وغيره (صبأ) أي خرج من دين الى دين وهو بالهمز وتركه فعلى الاول جمعه كقتلة وعلى الثاني كرماة (غلام) كان سنة اذ ذاك خمس سنين (قباء) بفتح القاف والمد (ديباج) بكسر الدال وفتحها عجمي معرب نوع من الحرير (زجر عنك) قال في الصحاح الزجر المنع والنهى وزجر البعير ساقه (فائدة) أخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس ان عمر لما أسلم نزل جبريل على النبى ﷺ فقال يا محمد لقد استبشر أهل السماء باسلام عمر وأخرج الطبراني في الكبير من حديث أبي قال قال رسول الله ﷺ قال لي جبريل ليبك الاسلام على موت عمر* ذكر كتب الصحيفة (وكتبوا بذلك صحيفة) كان كتبها أوّل يوم من المحرم (شلت) بفتح المعجمة أي يبست (بغيض) بالموحدة والمعجمتين بوزن عظيم (انحاز) بهمز وصل فنون ساكنة فمهملة آخره زاي أى انضم (وبقوا) بضم القاف وأصله بقيو فترك لاستثقاله (قال السهيلي) هو الامام الحافظ عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمى مات سنة ثمانين وخمسمائة وهو منسوب الى السهيلية قرية بالاندلس سميت باسم الكوكب لانه لا يرى في جميع بلاد الاندلس الامن
стр. 105
مشقة عظيمة قال السهيلى وهى احدى الشدائد الثالث التي دل عليها تأويل الغطات الثلاث من جبريل حين ابتدأ الوحى قال وان كان ذلك في اليقظة ولكن مع ذلك له في مقتضى الحكمة تأويل وإيماء والله أعلم وفي الصحيحين ان رسول الله ﵌ قال عام حجة الوداع مرجعه من منى منزلنا ان شاء الله غدا بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر وهو المحصب والابطح وهو شعب أبي طالب المذكور وفي نزوله ﷺ حينئذ فيه وذكره لما جرى به إشارة الى الظهور بعد الخمول وامتثال لما أمر به من التحدث بالنعم وفي ذلك الشكر لمنعمها ولما رأى أبو طالب ما اجمعوا عليه من القطع والقطيعة قال في ذلك
ألا ابلغا عنى على ذات بيننا ... لؤيا وخصا من لؤي بني كعب
ألم تعلموا انا وجدنا محمدا ... نبيا كموسى خط في اللوح والكتب
وان عليه في العباد محبة ... ولا خير فيمن خصه الله بالخب
وان الذى لصّقتم من كتابكم ... لكم كائن نحسا كراغية السقب
أفيقوا أفيقوا قبل ان يحفر الثرا ... ويصبح من لم يجن ذنبا كذى الذنب
ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا ... أو اصرنا بعد المودة والقرب
وتستحلبوا حربا عوانا وربما ... أمر على من ذاقه حلب الحرب
فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا ... لعزاء من عض الزمان ولا كرب
جبل مشرف عليها (وهي احدي الشدائد الثلاث) والثانية يوم أحد والثالثة يوم الخندق (بخيف) بفتح المعجمة وسكون التحتية ثم فاء هو الوادى المنهبط (وهو المحصب) بالمهملتين والموحدة بوزن مكرم (والابطح) بالموحدة والمهملتين ويسمى البطحاء وقيل ان الابطح واد بجانب المحصب (الخمول) بالمعجمة ضد الظهور والخمول السقوط أيضا* شعر أبى طالب (ذات بيننا) أي فراقنا والبين الفراق ويسمي به الوصل أيضا فهو من الاضداد (محبة) بالنصب اسم ان (لصقتم) بتشديد الصاد المهملة وسكون القاف وضم الفوقية والتزحيف ليتزن البيت (لكم كائن) أي سيكون (نحسا) ضد السعد (السقب) بفتح المهملة واسكان القاف الفصيل وهو الصغير من أولاد الابل والمراد به هنا فصيل ناقة صالح دعا اذ عقرت فهلكت ثمود فضرب به المثل لكل مهلكة (الوشاة) جمع واش وهو المحرش بالكذب (أو اصرنا) جمع أصر وهو العهد الثقيل أو جمع آصار فيكون جمع جمع (ويستحلبوا) بالمهملة أي يستدروا بالتسبب الي الحرب (عوانا) بفتح المهملة أى شديدة (لعزاء) بفتح المهملة وضمها فزاي مشددة ممدودة الداهية العزيزة (عض الزمان) بمهملة فمعجمة شبه نوائب الزمان وما يحدث فيها من الكرب بالعض (ولا كرب) أي هم شديد يأخذ بالنفس
стр. 106
ولما تبن منا ومنكم سوالف ... وايد أترت بالقساسية الشهب
بمعترك ضنك ترى كسر القنا ... به والنسور الضخم يعكفن كالشرب
كان مجال الخيل في حجراته ... ومعمعة الابطال معركة الحرب
أليس ابونا هاشم شد أزره ... واوصي بنيه بالطعان وبالضرب
ولسنا نمل الحرب حتي تملنا ... ولا نتشكى ما يئوب من النكب
ولكننا اهل الحفائظ والنهي ... اذا طار أرواح الكماة من الرعب
وقال في أخري
اطاعوا ابن المغيرة وابن حرب ... كلا الرجلين متهم مليم
(ولما) أي ولم وما زائدة (تبن) أى تنقطع (سوالف) بالمهملة والفاء جمع سالفة وهي صفجة العنق ومنه قوله ﷺ حتي تنفرد سالفتى وكل جمع ثالثه ألف وبعد الالف حرفان فاكثر أو حرف مشدد غير مصروف الا في الشعر للضرورة (وأيد) جمع يد (أترت) بضم الهمزة وكسر الفوقية الاولى وتشديد الراء أي أندرت ورميت (بالقساسية) بضم القاف والاهمال جمع قساسي وهو نوع من السيوف ينسب الي معدن بار مينية اسمه قساس كغراب قاله في القاموس أو الى جبل بديار بني نمير كانت تعمل فيه السيوف (الشهب) أى البيض (بمعترك) بالمهملة والفوقية والراء على وزن مشترك موضع غمرات الحرب (ضنك) بفتح المعجمة وسكون النون أي ضيق (تري) يجوز بناؤه للفاعل مع نصب كسر وما بعده وللمفعول مع ضمه وما بعده (كسر) جمع كسرة كعبر وعبرة (القنا) أي الرماح (والنسور) جمع نسر مثلث النون الطائر المعروف (الضخم) بمعجمتين الاولى مضمومة والثانية ساكنة أى العظام وروي بالطاء المهملة بدل الضاد وهى السود الرؤس (يعكفن) أي يقمن (كالشرب) بالمعجمة والراء على وزن حرب وهو جمع شارب شبه عكوف النسور في المعترك على أكل لحم المقتولين وشرب دمائهم بالجماعة العاكفين على شرب الخمر (مجال) بفتح الميم والجيم موضع جول الفرسان أى نفورهم وزوالهم عن المواقف (في حجراته) بضم الجيم جمع حجرة (معمعة) بالمهملتين هى فى الاصل صوت الحريق في نحو القصب سمى به القتال قال في القاموس والمعا مع الحروب والفتن والعطائم وميل بعض الناس على بعض وتظللهم وتحزبهم احزابا لوقوع العصبية (الابطال) جمع بطل وهو الشجاع (معركة) ومعترك مترادفان (شدازره) بفتح الهمزة وهو عبارة عن الحزم والجد في الحرب (بالطعان) بكسر المهملة مصدر (ولا نتشكي) نتفعل من الشكوي وفي بعض النسخ نشتكى (ما) قد (ينوب) أي يحدث (من النكب) أي الجراح وهو على وزن الحرب (والنهى) جمع نهية وهي العقل (الكماة) بضم الكاف على وزن الرماة جمع كمي بفتح الكاف وكسر الميم وتشديد الياء وهو الشجاع المتكمي في سلاحه أي المستتر فيه كانه جمع كام كقاض وقضاة (ابن المغيرة) هو الوليد (وابن حرب) هو أبو سفيان (مليم) هو الذي يأتي بما
стр. 107
وقالوا خطة حمقا وجورا ... وبعض القول ابلج مستقيم
لتخرج هاشم فيصير منها ... بلاقع بظن مكة والحطيم
[ذكر خبر نقض الصحيفة المذكورة]
ولما أراد الله حل ما عفدوه ونقض ما أبرموه وذلك لقريب من ثلاث سنين من حين كتبت الصحيفة اجتمع خمسة نفر من سادات قريش عند خطيم الحجون بأعلى مكة ليلا وتعاقدوا وتحاشدوا على نقض الصحيفة وهتكها وهم هشام بن عمرو العامرى وهو الذى تولى كبر ذلك وأبلى فيه وسعى الى كل منهم. وزهير بن أمية المخزومي وهو تلوه في العنية وأمه عاتكة بنت عبد المطلب. والمطعم بن عدى النوفلى. وابو البخترى بن هشام. وزمعة بن الاسود الأسدى ولما أصبحوا من ليلتهم جاء زهير فطاف بالبيت ثم قال يا أهل مكة أنأ كل الطعام يلام عليه وهو بضم الميم (خطة) بضم المعجمة وتشديد المهملة أي خصلة كما مر (حمقا) بضم المهملة وسكون الميم لغة في الحمق بفتحهما وهو فعل الشيء القبيح مع العلم بقبحه (وجورا) هو الميل عن الحق (أبلج) بالموحدة والجيم على وزن أحمد أي مشرق نير (لتخرج) مجزوم بلام الامر (هاشم) أراد القبيلة فمن ثم أنث قوله منها (بلاقع) بالموحدة والمهملة جمع بلقع وهي الارض الخالية وهى بالفتح خبر يصير (بطن مكه) بالضم اسمها مؤخر (والحطيم) عطف عليه* تاريخ نقض الصحيفة (ابرموه) بالموحدة والراء والابرام الاحكام (اجتمع خمسة نفر) نظمتهم في ثلاثة أبيات فقلت
تمالى على نقض الصحيفة يافتى ... هشام بن عمرو العامري فاحفظ النظما
يليه زهير وهو نجل حذيفة ... كذا المطعم التالى الى نوفل ينمى
أبو البختري ثم ابن الاسود زمعة ... فهم خمسة ما ان لهم سادس ينمى
(خطيم) بمعجمة فمهملة أى طرف (الحجون) بمهملة مفتوحة بعدها جيم موضع بأعلى مكة (وتحاشدوا) باهمال الحاء والدال واعجام السين كما مر (هشام بن عمرو العامري) من بنى عامر بن لؤي. قال ابن مندة وأبو نعيم كان هشام من المؤلفة (كبر ذلك) بكسر الكاف وضئمها والكسر أفصح أي معظمه (ابلى) بالموحدة أي سعى وكد فيه (وزهير) تصغير زهر (ابن أبي أمية المخزومي) هو أخو عبد الله وأم سلمة. قال ابن مندة وأبو نعيم كان من المؤلفة قلوبهم وفي رواية قال له النبي ﷺ ألم تكن شريكى في الجاهلية قال فقلت بلى بابي وأمى فنعم الشريك كنت لا تداري ولا تماري (العنية) مثلث العين اسم من اعتني بالشىء اذا جد فيه ولحقه فيه العناء أي المشقة (عاتكة) بالمهملة والفوقية بوزن فاعلة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ واختلف في اسلامها كما ذكره المصنف حيث عد عمات رسول الله ﷺ (والمطعم بن عدى) هو والد جبير بن مطعم ومات على الشرك (وأبو البخترى) بفتح الموحدة وسكون المعجمة بعدها فوقية فراء فتحتية مشددة قتل أبو البختري يوم بدر كافرا وأصل البختري الحسن المشى والجسم المختال كالمتبختر قاله في القاموس (وزمعة) بفتح الزاي وسكون الميم
стр. 108
ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة فقال له أبو جهل كذبت والله فقال له زمعة بن الاسود وأنت والله أكذب ما رضينا كتابتها حيث كتبت وقال الآخرون مثله فقال أبو جهل هذا أمر قضى بليل تشوّر فيه بغير هذا المكان ثم قام المطعم الى الصحيفة فشقها فوجد الارضة قد أكلت جميعا الا ما كان فيه اسم الله وكان قبل ذلك قد أخبر جبريل النبي ﵌ بفعل الارضة بها وأخبر النبي ﵌ عمه أبا طالب واخبرهم أبو طالب ووجدوه كما ذكر لهم فلم يؤثر ذلك فيهم لقسوتهم. وهنا ذكر ابن هشام إسلام الطفيل بن عمرو الدوسى وخبر الاعشى الشاعر حين اقبل يريد الاسلام وقد امتدح النبى ﷺ بقصيدته المشهورة التي أولها* الم تغتمض عيناك ليلة ارمدا* فاعترضه بعض المشركين بمكة فأخبره ان النبي ﵌ يحرم الخمر فقال أرجع فاتروى منها عامى هذا ثم آتيه فرجع ومات من عامه*
[١٠٩- الكلام على وقعة بعاث بين الأوس والخزرج وقدوم سويد بن الصامت الأوسى عليه صلي الله عليه وسلم وأول خبر الأنصار]
وفي السابعة ايضا كانت وقد تفتح ثم مهملة (ونلبس) بفتح الموحدة في المستقبل وكسرها ومصدره بضم اللام بخلاف اللبس الذي هو بمعنى الخلط فانه بكسر الموحدة في المستقبل وفتحها في الماضي ومصدره بفتح اللام (تشور فيه) تفوعل من التشاور وهو استخراج ما عند كل واحد من الرأي كما مر (الارضة) بفتح الراء دويبة معروفة (لشقوتهم) بكسر الشين المعجمة أي شقاوتهم* ذكر اسلام الطفيل وهو بالمهملة والفاء مصغر (ابن عمرو) بالواو (الدوسي) نسبة الى دوس بفتح المهملة وسكون الواو ثم مهملة. قال ابن عبد البرانه لما وصل الى رسول الله ﷺ قال له يا محمدان قومك قالوا لي كذا وكذا أي انك ساحر ثم ان الله أبي الا ان أسمع قولك فسمعت قولا حسنا فاعرض علي أمرك قال فعرض علي الاسلام وتلى علي القرآن فو الله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه فأسلمت وقلت يا رسول الله اني أمرؤ مطاع في قومي وأنا راجع اليهم وداعيهم للاسلام فادع الله أن يجعل لى آية تكون لى عونا عليهم فقال اللهم اجعل له آية فاظهر الله فيه نورا كان ساطعا بين عينيه فقال يا رب أخاف ان يقولوا مثلة فتحول الى طرف سوطه وكان يضيء كالقنديل المعلق فسمي ذا النور. واستشهد يوم اليمامة وجرح ابنه عمرو وقيل استشهد يوم اليرموك في زمن عمر بن الخطاب ﵁ (فائدة) خمسة من الصحابة كان كل منهم يسمي ذا النور وهم أسيد بن حضير وعباد بن بشر وحمزة بن عمرو الاسلمي وقتادة بن النعمان والطفيل بن عمرو الدوسى هكذا ذكر ذلك الشمنى وغيره وقد نظمتهم في بيت فقلت
وأهل النور عباد أسيد ... وحمزة والطفيل كذا قتاده
(وخبر الاعشي) بالنصب عطف على اسلام الطفيل (ليلة أرمدا) بضم الهمزة مع كسر الميم أى أصيبا بالرمد (يحرم الخمر) فيه أشكال من حيث ان تحريم الخمر انما كان بالمدينة بعد الاحزاب فيحتمل ان بعض المشركين سمع من النبي ﷺ بعض التقديم في تحريمها فاطلق عليه التحريم مجازا* ذكر وقعة بعاث (وفي السابعة)
стр. 109
وقعة بعاث وبعاث اسم حصن للاوس كانت به حرب عظيمة بينهم وبين الخزرج وكانت الغلبة فيها للاوس وكان على الاوس يومئذ حضير والد اسيد بن حضير النقيب وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضى فقتلا معا قال ابو اسحاق وغيره من اهل الاخبار كان الاوس والخزرج اخوين لاب وام فوقعت بينهما عداوة بسبب قتيل وتطاولت فتنتهم عشرين ومائة سنة وآخر وقعة بينهم يوم بعاث وهو مما قدمه الله لرسوله صلي الله عليه وآله وسلم في أسباب دخولهم في الاسلام فقدم رسول الله ﵌ وقد افترق ملأهم وقتلت سراتهم وتأسست الاحن والعداوة بينهم فألفهم الله به وعليه حمل المفسرون قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً» مع ما كانوا يسمعون من جيرانهم وخلطائهم من اليهود من صفته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونعته وقرب مبعثه وتخويفهم لهم وانهم سيكونون معه عليهم وهو معنى قوله تعالى في حق اليهود وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى
أى قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بأكثر (وقعة بعاث) بموحدة مضمومة فمهملة قيل ويجوز اعجامها وهو شاذ وبعد الالف مثلثة يصرف ويمنع مكان عند بني قريظة على ميلين من المدينة (حضير) باهمال الحاء واعجام الضاد مصغر (والد أسيد) بالمهملتين مصغر أيضا وهو (النقيب) المشهور يكنى أبا يحيى بابنه وقيل أبا عيسى وقيل أبا عتيك وقيل أبا حضير وقيل أبا عمر وكان اسلامه بعد العقبة الاولى وقيل الثانية ووفاته في شعبان سنة عشرين وحمل عمر بن الخطاب سريره حتى وضعه بالبقيع (أخوين لاب وأم) لانهما ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء بن مزيقيا بالضم فزاى مفتوحة فتحتيه ساكنة فقاف مكسورة فتحتية فالف ابن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امريء القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الازد (ملأهم) أى اشرافهم ورؤساؤهم واصله كل متسع من الارض (سراتهم) بفتح المهملة وتخفيف الراء جمع سري وهو السيد (الاحن) أى الحقد والضغن كما مر (قوله تعالى) بالنصب مفعول (وَاعْتَصِمُوا) أى استمسكوا (بِحَبْلِ اللَّهِ) أى بدينه أو بعهده أو بامره وطاعته أو بالقرآن أو بالجماعة أقوال (وَلا تَفَرَّقُوا) أى كما تفرقت اليهود والنصارى (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ) قبل أن تسلموا (أَعْداءً فَأَلَّفَ) بالاسلام (بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ) أى فصرتم (بِنِعْمَتِهِ) أى برحمته ودينه (إِخْواناً) أى في الدين والولاية (وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يعني القرآن (مُصَدِّقٌ) أى موافق (لِما مَعَهُمْ) يعني التوراة (وَكانُوا) أى اليهود (مِنْ قَبْلُ) أي قبل بعث محمد ﷺ (يَسْتَفْتِحُونَ) أى يستنصرون (عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) أى مشركي العرب بقولهم عند دهماء العدو اللهم انصرنا عليهم بالنبى المبعوث في آخر الزمان الذى نجد صفاته في التوراة فكانوا ينصرون وكانوا يقولون لاعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وارم (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا) أي
стр. 110
الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ» فلما بعث ﵌ انعكس الامر عليهم فصار الانصار معه على اليهود وقد كان للنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل ذلك في الانصار نسب وولادة وولاء سابق والاصل في ذلك كله ما أتيح لهم في سابق علم الله من السعادة والسبق الى الاسلام ونصره حتى غلب على أكثرهم الشهادة.
ولعظائم الامور مقدمات: فمن مقدمات دخولهم في الإسلام (أولا) مع ما ذكرناه ان النبي ﷺ لما توفي عمه أبو طالب جعل يتصدى في المواسم لاشراف العرب يدعوهم الى الله ونصر دينه فكان ممن قدم سويد بن الصامت الاوسى حاجا او معتمرا وكان سويد يسمونه الكامل لما استجمع من خصال الشرف وهو يقول
الارب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفرى
مقالته كالشحم ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
يسرك باديه وتحت أديمه ... تميمة عشر تبتري عقب الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتم ... من الغل والبغضاء بالنظر الشزر
فلما قدم سويد جاءه النبى ﵌ فعرض عليه الاسلام فقال فلعل الذى معك مثل الذى معي فقال له النبي ﵌ وما الذى معك فقال مجلة لقمان يعنى حكمته فقال له رسول الله ﵌ ان هذا الكلام حسن والذى معي أفضل منه قرآنا أنزله الله علىّ هدى ونور وتلا عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم القرآن الذي عرفوا نعته وصفته وأراد محمدا ﷺ (كَفَرُوا بِهِ) بغيا وحسدا (ما اتيح) بالفوقية مبنى للمفعول أي ما قدر واتاح الله كذا أي قدره (يتصدى) أي يتعرض (سويد) بالتصغير (ابن الصامت) كضد الناطق (يسمونه الكامل) بالنصب (ساءك) بالمد أي أحزنك (ما يفرى) بالفاء أي ما يقطع ويمزق من عرضك (مقالته كالشحم) أي لينة بيضاء لا يظهر لك فيها خشونة ولا كدر (ما كان) أى ما دام (شاهدا) أي حاضرا (وبالغيب) أي ومتى غاب عنك فهو (مأثور) بالمثلثة والراء من أسماء السيف (يسرك) أي يفرحك (باديه) أى ما يبدو لك منه (وتحت أديمه) أي جلده وأراد في قلبه (غش) بمعجمتين الاولى مكسورة ويجوز ضمها هو ضد النصح (تبترى) بفوقية مكررة مفتوحة بينهما موحدة ساكنة ثم راء أى تقطع (عقب الظهر) بالمعجمة وأراد به الابهر الذى اذا انقطع مات صاحبه والمعنى ان هذا المخادع يظهر لك النصح ويخفى الغش الذي ربما كان سببا لقتلك وانقطاع عقب ظهرك (الغل) بكسر المعجمة (والبغضاء) بالمد وهي البغض (بالنظر الشرر) بفتح المعجمة فزاى فراء وهو نظر العداوة بمؤخر العين (مثل) بالرفع خبر لعل (مجلة لقمان) بفتح الميم واللام المشددة هي الصحيفة التي فيها الحكمة قاله في القاموس (اعرضها على «١» ) بهمز وصل وبكسر الراء وضمها