Полный текст (880 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فتسعة هم من رؤس الخزرج ... كاسعد نعم رجاء المرتجى
ومنذر ورافع وسعد ... ابن الربيع والبرا ذى المجد
وعد من عبادة أبوه ... سعد وعبد الله فانسبوه
ذاك ابو جابر خير ثابت ... فى الحرب مع عبادة بن الصامت
وإن تسلني عن شهيد مؤته ... فذاك عبد الله ان نسبته
والأوس منهم واحد وثاني ... وثالث فاقت به المعانى
فمنهم رفاعة وسعد ... وابن حضير من نماه المجد
اسيد من قاموا له قياما ... لانه أبركهم إسلاما
هم هؤلاء النقبا الاثنى عشر ... خيرة خلق الله من خير البشر
هذا وصلى ربنا وسلما ... ما دامت الارض وما دام السما
على النبي وآله وعظما ... ماشن سحب بامزان وما
والآل والاصحاب والازواج ... ما غطمط العجاج بالامواج
وروي ان جبريل كان الى جنب النبي ﵌ عند مبايعتهم وهو (عبادة) أصله غير مصروف وصرفه هنا لضرورة الشعر (شهيد مؤتة) هو عبد الله بن رواحة رضى الله عنه ومؤتة بالضم ثم واو مهموزة ساكنة وفوقية وبعضهم لا يهمزه قرية من قرى البلقاء في حدود الشام وقيل من مشارف الشام بعث النبى ﵌ اليها جيشا في سنة ثمان وأمر عليهم زيد بن حارثة مولاه وقال ان أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب الامير وان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فساروا حتى اذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو وانحاز المسلمون الى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها فلقيتهم الروم في جمع عظيم فقاتل زيد حتى قتل فأخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل فاخذ الراية عبيد الله بن رواحة فكانت تلك حاله فاجتمع المسلمون الى خالد بن الوليد فانحاز بهم حتى قدم المدينة فجعل الصبيان يحثون عليهم التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله فقال النبي ﷺ ليسوا بالفرار لكنهم الكرار إن شاء الله. وقال حسان بن ثابت:
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبد الله هم خير عصبة ... تواصوا وأسباب المنية تنظر
(غطمط) بمعجمة ومهملتين أى اضطرب وتحرك حتى سمع له صوت كصوت غليان القدر و (العجاج) بتشديد الجيم الذي يسمع له ضجيج أى صوت والمراد به البحر
стр. 142
يشير اليهم واحدا بعد واحد قال مالك وكنت أعجب كيف جاء هذا رجلان من قبيلة ورجل من أخرى ختى حدثت بهذا الحديث وأن جبريل هو الذي ولاهم وأشار بهم فعلمت* ولما تمت البيعة صاح ابليس لعنه الله صيحة منكرة مشبها صوته بصوت منبه بن الحجاج السهمى يا أهل منى هذا محمد وأهل يثرب قد اجتمعوا لحربكم فقال رسول الله ﵌ أي عدوّ الله أما والله لافرغن لك ثم تفرقوا فلما أصبحوا غدت عليهم رؤساء قريش فقالوا يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم الى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وانه والله ما حى من العرب أبغض الينا ان تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم فحلف له مشركو الانصار ما كان من هذا شئ ولا علمناه وصدقوا لم يعلموا هم وداروهم بالقول ثم تفرقوا وتفرق الناس من منى ثم فتشت قريش عن الخبر فوجدوه قد كان فخرجوا في طلب القوم ففاتوهم وأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو باذاخر فاعجزهم المنذر وادركوا سعدا فرجعوا به الى الى مكة أسيرا يضربونه فاستنقذه منهم جبير بن مطعم والحارث بن حرب بن أمية لصنائع وقوله (قال مالك) لعله كعب بن مالك الانصارى فان حديث العقبة مخرج عنه كما في السيرة لابن هشام (منبه بن الحجاج) بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم السهمى أحد صناديد قريش وممن كان يؤلب المشركين على رسول الله ﵌ قتل مشركا يوم بدر قتله أبو اليسر أخو بني سلمة (تنشب) أى تعلق من قولهم نشبت بكسر الشين المعجمة الحرب بينهم نشوبا اذا اشتبكت (ثم فتشت) أى بحثت (اذاخر) بالفتح والخاء المعجمة مكسورة كأنه جمع الجمع موضع بين مكة والمدينة (فاستنقذه منهم) أي فخلصه منهم وقصة ذلك كما ساقها ابن اسحاق. وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه الى عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته وكان ذا شعر كثير قال سعد فو الله أنى لفى أيديهم إذ طلع على نفر من قريش فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال. والشعشاع الطويل الحسن. قال قلت في نفسى ان يك عند أحد من القوم خير فعند هذا قال فلما دنا منى رفع يده فلكمني لكمة شديدة قال قلت في نفسى لا والله ما عندهم بعد هذا من خير قال فو الله اني لفي أيديهم يسحبوننى اذ أوى لي رجل ممن كان معهم فقال ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد قال قلت بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجارة وامنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف قال ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما قال ففعلت وخرج ذلك الرجل اليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما ان رجلا من الخزرج الآن يضرب بالابطح ليهتف بكما ويذكران بينه وبينكما جوارا قالا ومن هو قال سعد بن عبادة قالا صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم ان يظلموا ببلده قال فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم فانطلق وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو أخو بنى عامر بن لؤي وكان الرجل الذى أوي له أبا البختري بن
стр. 143
كانت في رقابهما. وقال ضرار بن الخطاب الفهرى يفتخر بما فعلوا بسعد وهو أوّل شعر قيل بعد الهجرة:
تداركت سعدا عنوة فاخذته ... وكان شفاء لو تداركت منذرا
ولو نلته طلّت هناك جراحة ... وكان حقيقا أن يهان ويهدرا
هشام اه (ضرار بن الخطاب) بن مرداس بن كثير بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشى الفهرى.
قال ابن حبان له صحبة وكان فارسا شاعرا وكان أبوه رئيس بنى فهر في زمانه قاله الزبير قال وكان ضرار من الفرسان ولم يكن في قريش أشعر منه وبعده ابن الزبعرى وقال ابن سعد كان يقاتل المسلمين في الوقائع أشد القتال وكان يقول زوجت عشرة من أصحاب النبى ﵌ بالحور العين وله ذكر في أحد والخندق ثم أسلم في الفتح وقتل باليمامة شهيدا وقال الخطيب بل عاش الي ان حضر فتح المدائن ونزل الشام وقال ابن مندة في ترجمته له ذكر وليس له حديث وحكى عنه عمر بن الخطاب وتعقبه أبو نعيم بانه لم يذكره أحد في الصحابة ولا فيمن أسلم وتعقبه ابن عساكر بان الصواب مع ابن مندة وروى الذهلي في الزهريات من حديث الزهري عن السائب بن يزيد قال بينا نحن مع عبد الرحمن بن عوف في طريق مكة اذ قال عبد الرحمن لرياح بن المعترف غننا فقال له عمر فان كنت آخذا فعليك بشعر ضرار ابن الخطاب وقال أبو عبيدة كان الذى شهر وفاء أم جميل الدوسية من رهط أبي هريرة أن هشام بن الوليد بن المغيرة قتل أبا أزيهر الدوسي وكان صهر أبى سفيان فبلغ ذلك قومه فوثبوا على ضرار بن الخطاب ليقتلوه فسعى فدخل بيت أم جميل فعاذبها فرآه رجل فلحقه فضربه فوقع ذباب السيف على الباب وقامت أم جميل في وجوههم ونادت في قومها فمنعوه فلما قام عمر بالخلافة ظنت انه أخوه فاتته فلما انتسبت عرف القصة فقال لست باخيه الا في الاسلام وهو غاز وقد عرفنا منتك عليه فاعطاها على أنها ابنة سبيل فهذا صريح في اسلامه فلا معنى لتعقب أبي نعيم وذكر الزبير بن بكار أن التى أجارت ضرارا أم غيلان الدوسية وفيها يقول ضرار:
جزى الله عنى أم غيلان صالحا ... ونسوتها اذ هن شعث عواطل
وعوفا جزاه الله خيرا فما وني ... وما بردت منه لدي المفاصل
قال وعوف ولدها وأنشد الزبير لضرار بن الخطاب يخاطب النبى ﵌ يوم الفتح:
يا نبي الهدى اليك لجا ... حي قريش ولات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الارض ... وعاداهم اله السماء
والتقت حلقتا البطان على القوم ... ونودوا بالصيلم الصلعاء
ان سعدا يريد قاصمة الظهر ... باهل الحجون والبطحاء
الابيات قال وكان ضرار قال لابي بكر نحن خير لقريش منكم أدخلناهم الجنة وأنتم أدخلتموهم النار
(عنوة) بمهملة مفتوحة ونون ساكنة أي قسرا (طلت) بمهملة أي ذهب هدرا فلم تود يقال طل دمه وأطل دمه وطله الله تعالى وأطله أى اهدره (يهان) بتحتية من الهوان ضد الاحترام
стр. 144
فاجابه حسان بن ثابت ﵁
ولست الى سعد ولا المرء منذر ... اذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا
فلولا ابو وهب لمرت قصائد ... الى شرف البرقاء يهوين حسرا
أتفخر بالكتان لما لبسته ... وقد تلبس الانباط ريطا مقصرا
فلا تك كالوسنان يحلم أنه ... بقرية كسرى أو بقرية قيصرا
ولا تك كالثكلى وكانت بمعزل ... عن الثكل لو كان الفؤاد تفكرا
ولا تك كالشاة التى كان ذبحها ... بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا
ولا تك كالعادى فاقبل نحره ... ولم يخشه سهم من النبل مضمرا
فانا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا الى أهل خيبرا
[الكلام على بدء الهجرة الى المدينة وأول من هاجر من أصحاب رسول الله ﵌]
ولما كان ذلك قال رسول الله ﵌ لاصحابه ان الله قد جعل لكم (مطايا القوم) رواحلهم (أبو وهب) كنية جبير بن مطعم وقد ذكرنا نسبه قال البغوي أسلم جبير قبل فتح مكة ومات في خلافة معاوية وكان من أكابر قريش وعلماء النسب في الجاهلية والاسلام قدم على النبي ﷺ في وفد أساري بدر فسمعه أي سمع النبي ﵌ يقرأ والطور قال فكان ذلك أوّل ما دخل الايمان في قلبي روي ذلك البخارى في الصحيح (الى شرف البرقاء) الابرق والبرقاء والبرقة بضم الموحدة في الاخيرة كلها واحد قال الاصمعي الابرق والبرقاء وكذلك البرقة حجارة ورمل مختلطة وقال ابن الاعرابي جبل مخلوط برمل وكل شيء خلط من لونين فقد برق (حسرا) مكشوفات (الانباط) جمع نبطى والنبط اسم جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق ثم استعمل في اخلاط الناس وعوامهم وقال الليث ورجل نبطى ومنعه الاعرابي (والريط) بفتح المهملة واسكان التحتية الثوب الرقيق أو كل ملاءة ليست ذات لفقين (والوسنان) النائم (والحلم) ما يراه النائم في نومه (كسرى) بكسر الكاف قاله أبو عمرو بن العلاء وقيل بالفتح والكسر افصح وهو ملك الفرس (وقيصر) ملك الروم (والثكلي) من مات ولدها بفتح الثاء والاسم بضمها (ولاتك كالعادي) أي الساعي الى حتفه (مضمرا) منصوب على الحال عند من يجوز الحال بعد النكرة ويروي موترا أى مشدودا. ورواية البيت في السيرة لابن هشام
ولاتك كالعاوي فاقبل نحره ... ولم يخشه سهم من النبل مضمرا
والبيت الاخير من القصيدة ضربه مثلا وقوله فيه (ومستبضع) أي جاعل التمر بضاعة بكسر الباء أى مالا للتجارة من قولهم استبضعت الشئ جعلته بضاعة لنفسى وأبضعته غيري بالالف جعلته له بضاعة
стр. 145
إخوانا ودارا تأمنون فيها فأول من هاجر الى المدينة بعد بيعة العقبة ابو سلمة بن عبد الاسد ثم عامر بن ربيعة ثم عبد الله بن جحش ثم تتابعوا أرسالا آحادا وثلاثا فلقوا من الانصار دارا وجوارا وآثروهم على أنفسهم في أقواتهم وقاسموهم أموالا وأقام رسول الله ﵌ خلفهم ينتظر الاذن في الهجرة ولم يتخلف معه أحد الا من حبس أو فتن الا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأبو بكر الصديق فانهما حبسا أنفسهما على صحبة الرسول ﵌ فاما أبو بكر فصحبه في هجرته وأما أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضى الله عنه فتخلف عنه قليلا بأمره لأمر اقتضى ذلك بأمر ربه تعالى على ما سيأتي خبره ولما رأت قريش ما لقى أصحاب رسول الله ﵌ من طيب الحال وحسن الجوار من الانصار رهبوا ذلك وحذروا خروج رسول الله ﵌ فاجتمعوا في دار (أبو سلمة) اسمه عبد الله (بن عبد الاسد) بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي (بعد بيعة العقبة) لعله أراد بيعة العقبة الاولى فقد حكى ابن هشام انه أوّل من هاجر الى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين من قريش من بني مخزوم أبو سلمة وذلك قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة وكان قدم على رسول الله ﷺ مكة من أرض الحبشة فلما آذته قريش وبلغه اسلام من أسلم من الانصار خرج من المدينة مهاجرا وساق ابن هشام عن ابن اسحق قصة هجرته ﵁ وقال الحافظ ابن حجر بعد ان ساق نسبه من السابقين الاولين الى الاسلام أسلم بعد عشرة أنفس وكان أخا النبي ﷺ من الرضاعة كما ثبت في الصحيحين وأمه برة بنت عبد المطلب فيكون ابن عمته ﷺ مات بالمدينة بعد ان رجعوا من بدر وقال ابن زنجويه توفي أبو سلمة في سنة أربع بعد منصرفه من أحد انتقض به جرح كان أصابه باحد فمات منه وكذا قال ابن سعد انه شهد بدرا واحدا قال ابن حجر وقاله الجمهور وزوجه أم سلمة تزوجها بعده ﷺ (ثم عامر بن ربيعة) حليف بني عدي بن كعب ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة وكان ممن هاجر بامرأته هذه إلي الحبشة. قال ابن حجر كان أحد السابقين الاولين شهد بدرا وما بعدها وكان صاحب عمر لما قدم الجابية واستخلفه عثمان على المدينة لما حج قال الواقدى كان موته بعد قتل عثمان بايام وقيل غير ذلك (ثم عبد الله بن جحش) بن رئاب كذا في ابن هشام بالهمز بعد الراء وفي الاصابة ابن رياب براء وتحتانية وآخره موحدة ابن يعمر الاسدي حليف بني عبد شمس أحد السابقين شهد بدرا واحدا ودعا الله ان يرزقه الشهادة فقتل يوم أحد وكان سيفه انقطع يوم أحد فاعطاه النبي ﵌ عرجونا فصار في يده سيفا ودفن هو وحمزة في قبر واحد وكان له يوم قتل نيف واربعون سنة. وقال ابن هشام احتمل باهله وباخيه عبد بن جحش وهو أبو أحمد الضرير الشاعر وكانت عنده الفرعة ابنة أبي سفيان ابن حرب وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم فغلقت دار بنى جحش هجرة فمر بها عتبة بن
стр. 146
الندوة وتشاوروا في أمره فتصور لهم ابليس لعنه الله في صورة شيخ نجدى مشاركا لهم في الرأي فتحدثوا أن يربطوه في الحديد ويغلقوا دونه الابواب حتى يموت أو ان يخرجوه من بين أظهرهم فيستريحوا منه او ان يجمعوا من كل قبيلة رجلا فيقتلونه دفعة واحدة فيفترق دمه بين القبائل حتى يعجز قومه عن طلب الثأر وهو رأى أبى جهل فحسنه لهم الشيخ النجدى وتفرقوا على ذلك ولما قصدوا لذلك أخبر جبريل النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأمره أن يغير فراشه فقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعلي نعم على فراشى وتسج ببردى هذا الحضرمي الاخضر فنم فيه فانه لن يخلص اليك شيء تكرهه ولما قعدوا على بابه لذلك خرج عليهم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وبيده حفنة من التراب فجعل ينثره على رؤسهم وهو يتلو صدر سورة يس فأتاهم آت فقال لهم ما تنتظرون قالوا محمدا قال لهم خيبكم الله قد خرج والله عليكم محمد ثم ما ترك رجلا منكم الا وقد وضع على رأسه ترابا فتفقدوا ذلك فوجدوه كما قال ثم نظروا الى الفراش فوجدوا عليا ﵇ مسجي بالبرد فبقوا حينئذ متحيرين حتى أصبحوا فقام على ﵇ فحين رأوه قالوا والله لقد صدقنا الذى حدثنا فنزل في ذلك قوله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ وقوله تعالى أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام بن المغيرة فنظر اليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس فيها ساكن فلما رآها كذلك تنفس الصعداء ثم قال:
وكل دار وان طالت سلامتها ... يوما ستدركها النكباء والحوب
(دار الندوه) هي دار قصى بن كلاب التى كانت قريش لا تقضي أمرا الا فيها (فتصور لهم ابليس في صورة شيخ نجدي) قال ابن اسحاق فيما يرويه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال لما أجمعوا لذلك واتعدوا ان يدخلوا في باب الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله ﷺ غدوا في اليوم الذي اتعدوا فيه وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة فاعترضهم ابليس لعنه الله في هيئة شيخ جليل عليه بت له فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى ان لا يعدمكم منه رأيا ونصحا قالوا أجل فادخل فدخل معهم لعنه الله وقد اجتمع فيها أشراف قريش ثم عدهم واحدا واحدا (تسج) أي تغط (ببردي هذا الحضرمي) بالفتح ثم السكون وفتح الراء نسبة إلي حضرموت بفتح الميم ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر وحولها رمال كثيرة تعرف بالاحقاف وقال أبو عبيدة حضرموت ابن قحطان نزل هذا المكان فسمي به فهو اسم موضع واسم قبيلة
стр. 147
[الباب الرابع في هجرته ﷺ وما بعدها الى وفاته]
الباب الرابع (في هجرته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وما بعدها الى وفاته) قال المؤلف زكى عمله وختم بخيرا جله اعلم رحمك الله واياى ان هذا الباب اوسع تاريخا من الابواب قبله لحلول الجهاد فيه وترادف الغزوات وانتشار اعلام النبوة وارتفاع صيتها وتوالى الفتوحات وخمول اهل البغي والعناد والجهالات ووفود العرب من الآفاق المتباينات وختام ذلك بوفاته ﷺ * قال أهل التواريخ أمر الله رسوله بالهجرة وفرض عليه الجهاد وذلك في سنة احدى من سني الهجرة وهى سنة أربع عشرة من النبوة واربعا وخمسين من المولد ومنها ابتداء التاريخ الاسلامي ففي ربيع الاول منها يوم الاثنين هاجر رسول الله ﷺ * وها أنا ان شاء الله اذكر حديث الهجرة مختصرا من الصحيحين مع زيادات من غيرهما معبرا عن تلك الزيادات بصيغة من صيغ التمريض كروي وحكي ونحوهما مع احتمال ان يكون بعضها لاحقا بدرجة الصحيحين والله المسدد فأول ذلك انه ﷺ لما عقد البيعة مع الانصار ليلة العقبة أقام ينتظر أمر الله بالهجرة وبقوا منتظرين لوروده عليهم في كل حين وكان ابو بكر قد خرج قبل ذلك مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى اذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فحكى له ما لقى من قومه فقال له ابن الدغنة ان مثلك لا يخرج ولا يخرج ارجع فانا لك جار فرجع وارتحل معه حتي قدما مكة (الباب الرابع في هجرته ﵌ وما بعدها) أي بعد الهجرة (اعلام النبوة) الاعلام جمع علامة واعلام النبوة ما يدل على صدق النبى من الحوادث وقد ألف العلماء في ذلك كتبا كثيرة (صيت) بمهملة مكسورة وتحتية ساكنة الذكر الحسن كالصات والصوت والصيتة (الخمول) بمعجمة مضمومة بوزن حمول وهو السقوط يقال فلان خامل اذا كان ساقطا لا نباهة له (الوفود) جمع وافد القادم يقال وفد اليه وعليه يفد وفدا ووفودا ووفادة وافادة كذا في القاموس (التاريخ الاسلامي) أول ما بدأ التاريخ بالهجرة في خلافة عمر رضى الله عنه وقد بسط المؤرخون سبب ذلك (برك الغماد) بموحدة مكسورة وراء ساكنة ثم معجمة مكسورة وقد تضم الاخيرة والكسر أشهر موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر وقيل بلد باليمن والاول الصحيح وفي حديث عمار لو ضربونا حتى بلغوا بنا برك الغماد لعلمنا اننا على الحق وانهم على الباطل (ابن الدغنة) بفتح الدال المشددة وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون وعليه عامة الرواة وأهل السير يقولون الدغنة بضم المهملة والمعجمة والنون مشددة وهو بفتح الدال وسكون الغين تقييد أهل اللغة واسمه ربيعة بن رفيع والدغنة أمه وهو من القارة سيد الاحابيش والدغنة الدجنة يقال دغن يومنا أي دجن (القارة) بقاف ممدودة فراء مخففة قبيلة وهم رماة وفي المثل انصف القارة من راماها (حتى قدما مكة) في رواية فارتحل ابن الدغنة ورجع مع أبي بكر فطاف ابن الدغنة في كفار قريش
стр. 148
فأنفذت له قريش جواره بشرط أن لا يعلن بقراءته ولا صلاته فعمل بشرطهم أياما ثم بدا له أن يعلن فأعلن فأخبرت قريش ابن الدغنة فقدم عليه ولازمه على شرطه الاول أو يرد عليه جواره فرد عليه أبو بكر ذمته ورضي بجوار الله وتجهز أبو بكر قبل المدينة. فقال رسول الله ﵌ على رسلك وانى أرجو أن يؤذن لى فأحتبس أبو بكر لذلك وعلف را حلتين كانتا عنده الخبط أربعة أشهر. قالت عائشة فبينما نحن يوما جلوس في نحر الظهيرة قال قائل لابى بكر هذا رسول الله ﵌ متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فدا له أبى وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة الا أمر. فلما دخل رسول الله ﵌. قال لأبى بكر اخرج من عندك فقال انما هم أهلك قال فانى قد أذن لى في الخروج قيل بكى أبو بكر حينئذ فرحا. وقال بأبى أنت وأمى يا رسول الله فخذ احدى راحلتى هاتين. فقال رسول الله ﵌ بالثمن قالت عائشة فجهزنا هما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت بها على فم الجراب فبذلك سميت- ذات النطاقين- واستأجرا رجلا فقال ان أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله اتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فانفذت قريش جواره وأمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ويصل مهما شاء وليقرأ مهما شاء ولا يؤذينا ولا يشنغلن بالصلاة والقراءة في غير داره ففعل ثم بدا لابي بكر فابتنى مسجدا في فناء داره فكان يصلي ويقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون اليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دموعه حين يقرأ القرآن فافزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا الى ابن الدغنة فأتاهم ورد عليه أبو بكر جواره (على رسلك) الرسل بكسر الراء الرفق والتؤدة كالرسلة والترسل (الخبط) بمعجمة وموحدة مفتوحتين ورق السمر (نحر الظهيرة) وقت زوال الشمس (متقنعا) منصوبه على الحال وفي القرآن الكريم وهذا بعلي شيخا ومتقنع ومقنع مغط وجهه ورأسه (الا أمر) أي الا أمر عظيم جليل فالتنوين للتعظيم كما في قولهم شر أهر ذا ناب أي شر عظيم جعله يهر (احث جهاز) أي أسرعه والجهاز بمعجمة مكسورة ما يحتاج اليه المسافر في طريقه من طعام وغيره (سفرة) بمهملة مضمومة والسفرة طعام المسافر وقد يراد بها الجلد الذى يجعل عليه الطعام (نطاقها) النطاق ككتاب شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها فترسل الاعلى على الاسفل الى الارض والاسفل ينجر على الارض ليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان (فبذلك سميت ذات النطاقين) في غير هذا الكتاب وذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر لانها شقت نطاقها ليلة خروج النبي ﷺ الى الغار فجعلت واحدة لسفرة رسول الله ﷺ والاخرى عصاما
стр. 149
من بنى الدئل دليلا ماهرا قيل اسمه عبد الله بن أريقط وهو يومئذ كافر ولا يعرف له فيما بعد اسلام فأمناه ودفعا اليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ثم لحقا بالغار فمكثا فيه ثلاثا يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتي يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة من غنم فيريخها عليهما عشا وينعق بها من عندهم بغلس. قيل وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام اذا أمست بما يصلحهما وطلبهم المشركون بجميع وجوه الطلب ومروا على غارهما فلم يأبنوه بشئ ففى لقربته (الدئل) بمهملة مضمومة وهمزة مكسورة قبيلة معروفة والنسبة اليها دؤلي ودولى بفتح عينيهما (واستأجرا رجلا من بني الدئل دليلا ماهرا قيل اسمه عبد الله بن اريقط) تصغير أرقط والرقطة سواد يشوبه نقط بيض وجزم ابن هشام في السيرة بان اسمه عبد الله بن أرقط رجل من بني الدئل بن بكر وقال كانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو. وفي اللسان في رقط والارقيط دليل النبي ﷺ . وفي الاصابة عبد الله بن أريقط ويقال أريقد بالدال بدل الطاء المهملتين الليثي ثم الدئلى دليل النبى ﵌ وأبي بكر لما هاجرا الى المدينة ثبت ذكره في الصحيح فانه كان على دين قومه ولم أر من ذكره في الصحابة الا الذهبي في التجريد وقد جزم عبد الغنى المقدسي في السيرة له بانه لم يعرف له اسلاما وتبعه النووي في تهذيب الاسماء (غار ثور) الغار آخره راء مغارة في الجبل كأنه سرب وثور بلفظ الثور فحل البقر اسم جبل بمكة فيه الغار المذكور (عبد الله بن أبي بكر) شقيق أسماء بنت أبي بكر ذكره ابن حبان في الصحابة وقال مات قبل أبيه وثبت ذكره في البخاري في قصة الهجرة هذه قال ابن عبد البر لم أسمع له بمشهد الا في الفتح وحنين والطائف فان أصحاب المغازي ذكروا انه رمي بسهم فجرح ثم اندمل ثم انتقض عليه فمات في خلافة أبيه في شوال سنة احدى عشرة وذكره المرزباني في معجم الشعراء وقال أصابه حجر في حصار الطائف فمات شهيدا وذكر له شعرا في عاتكة وكان قد تزوجها وشغف بها (ثقف) بفتح المثلثة وكسر القاف الذي يفهم الحديث بسرعة (لقن) بوزن الذي قبله ومرادف له (يدلج) بالتشديد اذا خرج آخر الليل وأدلج وزان أكرم اذا سار الليل كله (كبائت) أي مثل البائت يظنه من لا يعرف حقيقة أمره انه بات بمكة لشدة تغليسه في رجوعه (يكادان به) أي يطلب لهما فيه المكروه من الكيد والاصل فيه كاده كيدا خدعه ومكر به (الاوعاه) أي حفظه وتدبره (عامر بن فهيرة) بالتصغير التيمى مولى أبي بكر الصديق قال ابن حجر أحد السابقين وكان ممن يعذب في الله له ذكر في الصحيح وقال ابن اسحاق كان عامر بن فهيرة مولدا من الأزد وكان للطفيل بن عبد الله بن سخبرة فاشتراه أبو بكر منه فاعتقه وكان حسن الاسلام استشهد ببئر معونة (منحة) المنحة بكسر أوله الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها رجلا يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطع اللبن هذا في الاصل ثم كثر استعماله حتى اطلق على كل عطاء (فلم يأبنوه)
стр. 150
البخارى عن أبي بكر قال رفعت رأسى فاذا أنا باقدام القوم فقلت يا رسول الله لو ان بعضهم طأطأ بصره رآنا قال اسكت يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما وبعد الثلاث جاءهم الدليل بالراحلتين فارتحلوا فكانوا ثلاثة ركب رسول الله ﵌ وأبو بكر والدليل واردف أبو بكر خلفه عامر بن فهيرة ليخدمهما فأخذ بهم طريق السواحل وأخذت قريش عليهم بالرصد والطلب وجعلوا دية كل واحد منهما لمن أسره أو قتله قال أبو بكر أخذ علينا بالرصد فخرجنا ليلا فأحيينا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة ثم رفعت لنا صخرة فآتيناها ولها شئ من ظل قال ففرشت لرسول الله ﵌ فروة كانت معى ثم اضطجع ثم انطلقت أنقض ما حوله فاذا أنا براع قد أقبل في غنيمة يريد من الصخرة مثل الذى أردنا فسألته لمن أنت يا غلام فقال أنا لفلان فقلت له فهل في غنمك من لبن قال نعم قلت هل أنت حالب لي قال نعم فأخذ شاة من غنمه فقلت له انفض الضرع قال فحلب كثبة من لبن ومعى اداوة من ماء عليها خرقة قد روّأتها لرسول الله ﵌ فصببت على اللبن حتى برد أسفله ثم أتيت به النبى ﵌ فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ثم ارتحلنا بعد ما زالت الشمس والطب في أثرنا فاتبعنا سراقة بن مالك بن جعشم ونحن في جلد من الارض فقلت يا رسول الله آتينا قال لا تحزن إن الله معنا فدعا عليه رسول الله فارتطمت به فرسه الى بطنها فقال انى قد علمت انكما قد دعوتما على فادعوا لي والله لكما ان أرد عنكما الطلب فدعا الله فنجا فرجع لا يلقى أحدا الا قال قد كفيتم ما هاهنا فلا يلقى أحد الا رده قال ووفى لنا. وروي أنهم مروا على خيمتى بتقديم الباء الموحدة على النون أي لم يظنوا أحد فيه (طريق السواحل) قال ابن هشام في السيرة قال ابن اسحاق فلما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل. قال ياقوت الساحل بعد الالف حاء مهملة وآخره لام موضع من أرض العرب بعينه كذا قال الازدي فيكون تعبير المؤلف بالسواحل جمع ساحل المراد به ساحل البحر غلطا وقد استوفي ابن هشام الطريق مكانا مكانا الى المدينة فانظره (كثبة) بضم الكاف قال أبو زيد الكثبة ملء القدح من اللبن (سراقة) بضم المهملة (بن مالك بن جعشم) بضم الجيم بن مالك بن عمرو بن تيم بن مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة المدلجي الكناني وقد ينسب الى جده يكنى أبا سفيان ذكر البخاري قصته هذه أسلم يوم الفتح ومات في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين (جلد من الارض) قال في اللسان أرض جلد صلبة مستوية المتن غليظة (فارتطمت به فرسه)
стр. 151
أم معبد الخزاعية ثم الكعبية فسألوها الزاد فلم يصيبوا عندها شيئا وكانوا مسنتين فنظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الى شاة في خيمتهم وسألها هل بها من لبن قالت هى أجهد من ذلك انما خلفها عن الغنم الجهد فدعا بها رسول الله ﵌ فمسخ بيده ضرعها وسمى الله فدعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت ودعا باناء يربط الرهط فحلب وسقاها وسقى أصحابه وشرب آخرهم ثم ملأه وغادزه عندها وبايعها وارتحلوا عنها وأصبح صوت بمكة عال يسمعونه ولا يدرون من صاحبه قيل هو من الجن وهو يقول
جزى الله رب العرش خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى فاهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما زوى الله عنكم ... به من فخار لا يجارى وسؤدد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فانكم ان تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد
قيل ولما هبطوا العرج أبطأ عليهم بعض ظهرهم فحمل رسول الله ﵌ بالطاء المهملة أي غاصت قوائمها في الارض (أم معبد) كنيتها واسمها عاتكة بنت خالد (فمسخ) بالخاء المعجمة مثل مسح بالحاء المهملة (باناء يربط الرهط) أي يرويهم (وبايعها) هذا يدل على أن اسلامها كان عند نزولهم بها وحكى الحافظ ابن حجر في ترجمتها عن الواقدي انها قدمت بعد ذلك على رسول الله ﵌ وأسلمت وبايعت (قيل هو من الجن) عند ابن هشام ونصه حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بابيات من شعر غناء العرب وان الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول الابيات وقوله (قالا) من القيلولة وهى نومة الضحي ويروى حلا أي نزلا ورواية البيت الثاني عند ابن هشام
هما نزلا بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
(فيال قصي) يريد فيا آل قصى يعني بهم قريشا (ما زوى الله عنكم) زوي الشئ يزويه زيا وزويا فانزوي نحاه فتنحى يريد ما أبعد الله عنكم من الفخار الذي لا يجارى والسؤدد الذى لا يباري (سلوا اختكم) يريد بها أم معبد وقصة أم معبد أخرجها أصحاب المغازي جميعهم وهى احدى معجزاته ﵌ التى تناقلتها الرواة (الصريح) الخالص (والضرة) لحمة الضرع ورواه بعضهم بالصاد المهملة والاول اليق بالمعنى (العرج) بفتح العين المهملة واسكان الراء قال ياقوت قرية جامعة في واد من نواحي الطائف وهي أوّل
стр. 152
رجل يقال له أوس بن حجر على حمل له اسمه الرداح أو الرداء وبعث معه غلاما يقال له مسعود ابن هنيدة ثم سلكوا من العرج ثنية الغاير عن يمين ركوبة وهبطوا بطن ريم ثم قدموا قباء على بنى عمرو بن عوف.
[مطلب في الكلام على وصوله ﷺ المدينة]
وفي صحيح البخارى انه لما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﵌ من مكة فكانوا يغدون كل غداة الى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة وانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا الى بيوتهم أو في رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر اليه فبصر برسول الله ﵌ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يتمالك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون الى السلاح فتلقوا رسول الله ﵌ بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بنى عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الاول قيل لثنتي عشرة منه وقيل لثمان وذلك في شهر أيلول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ﵌ صامتا فطفق من جاء من الانصار ممن لم يكن ير رسول الله ﵌ يحيى أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﵌ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله ﵌ عند ذلك فلبث فيهم رسول الله ﵌ أربع عشر ليلة وقيل ثلاثا وقيل خمسا وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله ﵌ قيل وكان مربدا تهامة وبينها وبين المدينة ثمانية وسبعون ميلا (أوس بن حجر) بضم المهملة واسكان المعجمة (على حمل له اسمه الرداح أو الرداء) الذي في السيرة لابن هشام على جمل له يقال له ابن الرداء (ثنية الغائر) بالغين المعجمة ويروى بالمهملة الثنية في الاصل كل عقبة في الجبل مسلوكة والغائر جبل بالمدينة وأورده ياقوت بالعين المهملة والمعجمة روايتان (ركوبة) بفتح أوله وبعد الواو باء موحدة وهى ثنية بين مكة والمدينة عند العرج صعبة. قال ياقوت سلكها النبى ﵌ عند مهاجرته الى المدينة قرب جبل ورقان (بطن ريم) بكسر الراء قال ياقوت وهمز ثانيه وسكونه وقيل بالياء مهموزة واد قرب المدينة يصب فيه ورقان ثم قال وقيل بطن ريم على ثلاثين ميلا من المدينة (ثم قدموا قباء) بالضم وهي مساكن بنى عمرو بن عوف من الانصار وألفه واو يمد ويقصر ويصرف ولا يصرف وأنكر البكري فيه القصر ولم يحك فيه القالى سوي المد وكذا في ابن هشام وأهل قباء يقولون ان مسجدهم هو الذي أسس على التقوى كما سيذكره الؤلف قريبا (يزول بهم السراب) السراب ما تراه نصف النهار في المفازة كأنه ماء وليس بماء ويزول يتحرك (مربدا) المربد بكسر الميم موضع تجعل فيه الابل والغنم وموضع للتمر ينشف فيه
стр. 153
لكلثوم بن الهدم وورد في فضله أحاديث كثيرة وكان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يأتيه في كل اثنين وخميس راكبا وماشيا ويصلى فيه وأثنى الله عليه وعلى أهله بالطهارة وهو أوّل مسجد بني في الاسلام قيل وكان نزوله بقباء على كلثوم بن الهدم وقيل على سعد بن خيثمة وسار من قباء يوم الخميس وقيل يوم الجمعة فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف فصلاها في بطن وادى رانوناء وكانت أوّل جمعة صلاها بالمدينة. قلت واتخذ موضع مصلاه مسجدا وسمى مسجد الجمعة وهو مسجد عتبان بن مالك الذى شكى الى رسول الله ﵌ انه يحول بينه وبينه السيل ولما ركب رسول الله ﷺ من قباء كان كلما حاذى أومر على دار من دون الانصار اعترضوه ولزموا بزمام ناقته يقولون هلم يا رسول الله ﷺ الى القوة والمنعة فيقول لهم خلوا سبيلها فانها مأمورة وقد أرخى لها زمامها وما يحركها وهى تنظر يمينا وشمالا والناس كنفتيها حتى بركت حيث بركت على باب مسجده ثم ثارت وهو عليها فسارت حتى بركت على باب أبى أيوب الانصاري ثم التفتت يمينا وشمالا ثم ثارت وبركت في مبركها الاول والقت جرانها بالارض وأرزمت فنزل عنها وقال هذا المنزل ان شاء الله تعالى فاحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته فاختار الله له (كلثوم بن الهدم) بكسر الهاء وسكون الدال بن امريء القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن مالك بن الاوس الأوسي الانصاري أوّل من مات من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة ثم مات بعده أسعد بن زرارة (سعد بن خيثمة) بن الحارث تقدم نسبه وذكره واختلف أصحاب المغازي على أيهما نزل ﷺ قال ابن اسحاق نزل رسول الله ﵌ بقباء على كلثوم بن الهدم وكان اذا خرج منه جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة وكان يقال له بيت العزاب (عبان) بكسر أوله وقيل بالضم (ابن مالك) ابن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الانصاري الخزرجي السالمى قال ابن حجر بدرى عند الجمهور ولم يذكره ابن اسحاق فيهم وحديثه في الصحيحين وانه كان امام قومه بنى سالم وذكر ابن سعد ان النبي ﷺ آخي بينه وبين عمر ابن الخطاب مات في خلافة معاوية وقد كبر (كنفتيها) الكنف بفتحتين الجانب واكتنفه القوم كانوا منه يمنة ويسرة (جرانها) بكسر الجيم مقدم عنق البعير من مذبحه الى منحره فاذا برك البعير ومد عنقه على الارض قيل القى جرانه بالارض (أبو ايوب) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار أبو أيوب الانصاري النجاري معروف باسمه وكنيته وامه هند بنت سعيد بن عمرو من بنى الحارث بن الخزرج وأبو أيوب هذا من السابقين شهد العقبة وبدرا وما بعدهما قال ابن حجر نزل عليه النبى
стр. 154
ما كان يختاره. فقد كان يحب النزول على بني النجار لنسبه فيهم وقد صح عنه ﷺ انه قال خير دور الانصار دار بني النجار فهم أوسط دور الانصار وأخوال عبد المطلب ولم يزل ﵌ في منزل أبى أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه قيل كانت اقامته عنده شهرا ولما اطمأن صلى الله تعالى عليه وآله وسلم اشتد سرور الانصار به وأظهروا الاسف على ما فاتهم من نصره ففي ذلك يقول أبو قيس صرمة بن أبى أنس احد بنى عدي بن النجار
ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقي صديقا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم يلق من يؤوى ولم يرداعيا
فلما أتانا أظهر الله دينه ... فأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وألفى صديقا واطمأن به الثوى ... وكان له عونا من الله باديا
يقص لنا ما قال نوح لقومه ... وما قال موسى اذ أجاب المناديا
فأصبح لا يخشى من الناس واحدا ... قريبا ولا يخشى من الناس نائيا
بذلنا له الاموال من جل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
ونعلم ان الله لا شئ غيره ... ونعلم ان الله أفضل هاديا
نعادي الذى عادى من الناس كلهم ... جميعا وان كان الحبيب المصافيا
فو الله ما ندرى الفتى كيف يتقى ... اذا هو لم يجعل له الله واقيا
﵌ لما قدم المدينة فاقام عنده حتى بني بيوته ومسجده وآخى بينه وبين مصعب بن عمير وشهد الفتوح وداوم الغزو واستخلفه علي المدينة لما خرج الي العراق ثم لحق به بعد وشهد معه قتال الخوارج ولزم الجهاد إلى ان توفي في غزاة القسطنطينية سنة خمسين وقيل احدي وخمسين وقيل غير ذلك وكان أمير الجيش يزيد بن معاوية ودفن أبو أيوب خارج القسطنطينية في قرية معروفة به وعليه جامع مكلف وللاتراك فيه عناية وقد أفردت مناقبه وسيرته بالتأليف (صرمة) بكسر الصاد المهملة (ابن أبي أنس) وقيل ابن أنس ويقال ابن قيس بن مالك بن عدى بن عامر بن غانم بن عدى بن النجار أبو قيس الأوسى مشهور بكنيته أنشد أبياته الآتية ابن اسحاق في المغازي لما قدم رسول الله ﵌ المدينة وأمن بها هو وأصحابه قال المرزباني في معجم الشعراء عاش أبو قيس عشرين ومائة سنة وقال ابن اسحاق وهو الذي نزلت فيه وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر وقوله (ثوي) أي مكث (بضع عشرة حجة) الحجة العام أخرج الحاكم من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال قلت لعروة كم لبث النبي ﷺ بمكة قال عشر سنين قلت فابن عباس يقول لبث بضع عشرة
стр. 155
ولا تحمل النخل المقيمة ربها ... اذا أصبحت ريا وأصبح ثاويا
وكان أبو قيس هذا قد ترهب في الجاهلية وهم بالنصرانية واعتزل من الجاهلية ودخل بيتا له واتخذه مسجدا وقال أعبد رب ابراهيم وقدم النبي ﷺ وهو شيخ كبير فأسلم وحسن اسلامه وله أشعار حسان من محاسنها قوله.
يقول أبو قيس وأصبح غاديا ... ألا ما استطعتم من وصاتي فافعلوا
وأوصيكم بالله والبر والتقى ... واعراضكم والبر بالله أوّل
وان قومكم سادوا فلا تحسدونهم ... وان كنتم أهل الرياسة فاعدلوا
وان نزلت احدى الدواهي بقومكم ... فأنفسكم دور العشيرة فاجعلوا
وان ناب غرم فادح فارفدوهم ... وما حملوكم في الملمات فاحملوا
وان انتم أمعرتم فتعففوا ... وان كان فضل الخير فيكم فافضلوا
[فصل: في المسجد الشريف النبوى وعمارته]
«فصل» اعلم ان المسجد الشريف في دار بنى غنم بن مالك بن النجار وهو حيث مبرك الراحلة وكان كما ورد في الصحيح مربدا للتمر لسهل وسهيل بني رافع بن عمرو غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة وكان يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين وأرسل رسول الله ﷺ الى بنى النجار فقال ثامنونى بحائطكم هذا فقالوا لا والله ما نطلب ثمنه الا الى الله ولما كان لليتيمين لم يقبله الا بالثمن قيل اشتراه بعشرة دنانير ذهبا دفعها عنه أبو بكر ثم ابتدأ ﷺ حجة قال انما أخذه من قول الشاعر وذكر البيت (ثاويا) أي هالكا (غاديا) بمعجمة ممدودة من الغدو وهو الذهاب بكرة وقد يراد به مطلق الخروج أي وقت كان ويريد هنا بقوله غاديا الغدو الى القبر (وصاتي) الوصاة الوصية (فلا تحسدونهم) باثبات النون في تحسدونهم وكان حقها أن تسقط بلا الناهية الا انها قد تهمل حملا على أختها ما (فانفسكم) منصوب على انه مفعول لقوله فاجعلوا (غرم) بغين معجمة مضمومة فراء ساكنة هو ما يجب أداؤه كالدين ونحوه (فادح) ما يفدح حمله أي يشق حمله ومنه قولهم خطب فادح أي لا تطيقه النفوس ويشق عليها احتماله (أرفدوهم) من الرفد بكسر الراء العطاء (الملمات) جمع ملمة وهي الحادثة التى تلم بالانسان أي تنزل به (أمعرتم) بعين مهملة فراء أي افتقرتم يقال أمعر الرجل اذا خلت يده من المال (فضل) بالضاد المعجمة الفضل الزيادة يقول اذا افتقرتم فكونوا اعفة واذا كان عندكم في أموالكم فضل فتفضلوا بها على غيركم.
(فصل) واعلم ان المسجد الشريف (حيث مبرك الراحلة) كما تقدم ذكره (ثامنونى) بمثلثة ممدودة أى اتفقوا معي على ثمنه في السيرة فقال له معاذ بن عفراء هو يا رسول الله لسهل وسهيل بني عمرو وهما
стр. 156
في بنائه واعانه عليه المسلمون وكان ينقل معهم اللبن ويقول
هذا الحمال لاحمال خيبر ... هذا أبر ربنا واطهر
فقال قائل من المسلمين
لئن قعدنا والنبى يعمل ... لذاك منا العمل المضلل
وأرتجز أمير المؤمنين على كرم الله وجهه في الجنة شعرا فقال
لا يستوى من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا
ومن يرى عن الغبار حائدا
قيل دخل عمار بن ياسر وقد اثقلوه باللبن فقال يا رسول الله قتلونى يحملون علىّ مالا يحملون فجعل رسول الله ﷺ ينفض عنه التراب ويقول ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك إنما تقتلك الفئة الباغية وبناه رسول الله ﷺ مربعا وجعل قبلته الى بيت المقدس وطوله سبعين ذراعا في ستين أو يزيد وجعل له ثلاثة أبواب ولم يسطحوه فشكوا الحر فجعلوا خشبه وسواريه جذوعا وظللوا بالجريد ثم بالخصف فلما وكف طينوه بالطين وجعلوا وسطه رحبة وكان جداره قبل أن يظلل قامة وأشبرا وبقي كذلك الى خلافة عمر فزاد فيه وقال بعضهم بناه حينئذ أقل من مائة في مائة فلما فتح خيبر زاد عليه مثله والله أعلم. وأما دار أبي أيوب الانصارى التي نزلها رسول الله ﷺ فقال المطرى في تاريخه هي اليوم مدرسة للمذاهب الاربعة اشترى عرصتها الملك المظفر احد بنى أيوب بن شادي وبناها ووقفها على أهل المذاهب الاربعة من أهل السنة والجماعة ووقف عليها أوقافا بميافارقين.
يتيمان لى وسأرضيهما فدفعها عنه أبو بكر (هذا الحمال) بكسر الحاء أي المحمول وهو اللبن وقوله (لاحمال خيبر) أى ما يحمل منها من تمر وزبيب وغير ذلك (يدأب) أي يستمر في عمله لا ينقطع عنه (حائدا) بمهملة ممدودة من حاد عن الشىء اذا ابتعد عنه ولم يتعرض له (انما تقتلك الفئة الباغية) الفئة الجماعة من الناس تقل وتكثر والباغية الخارجة عن سنن الاستقامة وقد قتلته فئة معاوية يوم صفين ويقال ان عليا رضى الله عنه كتب الى معاوية يحتج عليه بقتل عمار فكتب اليه انما قتله من أخرجه (الملك المظفر) هو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي بالشين المعجمة والدال المهملة وفي هامش نسخة من الاصل بالشين والذال المعجمتين والاول حكاه السبكي في طبقات الشافعية ابن مروان الدويني الاصل التكريتى المولد المشهور بالسلطان صلاح الدين ولد سنة ٥٣٢ وأقام في السلطنة ٢٤ سنة يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله وكان ملكا عظيما عادلا شجاعا مظفرا صنف في سيرته القاضى ابن شداد وابن واصل وآخرون عدة مؤلفات (ميافارقين) بفتح أوله وتشديد ثانيه ثم فاء وبعد الالف راء وقاف مكسورة وياء ونون كذا ضبطه ياقوت في المعجم وقال هي أشهر مدينة بديار بكر
стр. 157
[فصل: في ذكر منازل المهاجرين على الأنصار ومواساتهم لهم]
(فصل) قد قدمنا قبلا عن أصحاب السير ان أوّل من هاجر ابو سلمة بن عبد الاسد وعبد الله بن جحش وعامر بن ربيعة وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب رضى الله عنهما قال أوّل من قدم علينا مصعب بن عمير وابن ام مكتوم وكانوا يقرءون الناس فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين ثم قدم رسول الله ﵌ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشىء فرحهم برسول الله ﵌ ونقل البخارى أولى قيل وحين قدومه ﵌ صعد الرجال والنساء فوق البيوت وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون جاء محمد جاء رسول الله ﵌ اما منازلهم في الانصار فنزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت أخى حسان بن ثابت فلذلك كان حسان يحب عثمان ويرثيه حين قتل ونزل العزاب على سعد بن خيثمة وكان سعد رجلا عزبا فنزل عليه العزاب من أصحاب رسول الله ﵌ وكان رسول الله ﵌ حين نزل قباء يخرج الى بيته فيتحدث فيه مع أصحابه ونزل بنو جحش على عاصم بن ثابت ونزل الزبير وزوجته أسماء بنت أبى بكر على سفيان بن الحارث وولد لهما عبد الله بن الزبير في تلك السنة بقباء فكان أوّل مولود للمهاجرين بالمدينة وأوّل شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وفرح المسلمون به لأنهم قيل لهم ان اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم ونزل مصعب بن عمير على أسعد بن زرارة وقيل على خبيب بن عدي وعبد الرحمن ابن عوف على سعد بن الربيع وسعد بن أبى وقاص على سعد اليمانى وطلحة بن عبيد الله على عمير ابن معبد وأبو سلمة وزوجته أم سلمة على عبادة رجل من بنى عبيد بن زيد وعياش بن أبى ربيعة (فصل) حكاية المؤلف ﵀ في صحيح البخاري لا مناقضة بينها وبين ما حكاه قبلا عن أصحاب السير فان مقدم مصعب بن عمير المدينة كان بعد البيعة الاولى كما تقدم وحكاية أصحاب السير لاول من هاجر يريدون بذلك بعد بيعة العقبة الثالثة وبذلك يندفع التعارض (في عشرين) أي انسانا ممن لحق به من أهله وقومه وهم كما في السيرة لابن هشام أخوه زيد بن الخطاب وعمرو وعبد الله بنا سراقة بن المعتمر وخنيس بن حذافة السهمى وكان صهره على ابنته حفصة فخلف عليها رسول الله ﷺ بعده وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وواقد بن عبد الله التميمى حليف لهم وخولى بن أبي خولى ومالك بن أبي خولى حليفان لهم وبنو البكير أربعتهم إياس وعاقل وعامر وخالد حلفاؤهم من بنى سعد بن ليث (فكان أوّل مولود للمهاجرين بالمدينة) وأما أوّل مولود من الانصار بعد الهجرة فسلمة بنت مخلد وقيل اليعمر بن بشير (خبيب) بالتصغير بخاء معجمة ثم باء موحدة تليها تحتية وآخره باء موحدة
стр. 158
على أبي لبابة وعثمان بن مظعون وزوجته على خوات بن جبير وعمر بن الخطاب وأخوه زيد ومن معه من أصهاره وعشيرته على رفاعة بن عبد المنذر وحمزة وزيد بن حارثة ومن تبعهم على كلثوم بن الهدم ونزل أبو بكر على خارجة بن زيد ونزل على على عويم بن ساعدة وكان أمره النبي ﵌ حين هاجر أن يتخلف بعده ليؤدى عنه الامانات والودائع التي كانت عنده فتخلف ثلاثا ثم هاجر فأدرك النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقباء ونزل عتبة بن غزوان على عباد بن بشر ونزل عبيدة بن الحارث بن المطلب وأخواه طفيل وحصين ومسطح ابن أثاثة في آخرين على عبد الله بن سلمة أخى بنى العجان فهؤلاء من سمى لنا من مشاهير المهاجرين وفي بعضهم خلاف وكان نزولهم عليهم بالقرعة كما في حديث أم العلاء الانصارية وهي من افراد البخارى ففيه ان عثمان بن مظعون طار لهم في السكنى حين أقرعت الانصار على سكنى المهاجرين ونزل كثير منهم الصفة وهو مظلل الى جانب المسجد كالسقيفة نزلها من كان خفيف الحال من لا يأوى الى أهل ولا مال فكانوا مرة تسعين ومرة أكثر من ذلك ولما نزل هؤلاء لفقرهم وغربتهم على هؤلاء مع قرارهم وثروتهم آخي النبى ﵌ (غزوان) بفتح المعجمة وسكون الزاى ابن جابر بن وهب المازني حليف بني عبد شمس أو بنى نوفل من السابقين الاولين هاجر الى الحبشة ثم رجع مهاجرا الى المدينة شهد بدرا وما بعدها وولاه عمر في الفتوح فاختط البصرة وفتح فتوحا وقدم على عمر يستعفيه من الامرة فابى فرجع في الطريق فمات وذلك سنة ١٨ وقيل سنة عشرين وقيل قبل ذلك (مسطح بن اثاثة) بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصى المطلبي. قال في الاصابة كان اسمه عوفا وأما مسطح فلقبه وهو ممن خاض مع أهل الافك مات سنة ٣٤ في خلافة عثمان ويقال عاش الى خلافة علي وشهد معه صفين ومات في تلك السنة سنة سبع وثلاثين (أم العلاء الانصارية) قال ابن حجر قال أبو عمر هي من المبايعات حديثها عند أهل المدينة ثم قال ابن حجر ونسبها غيره فقال بنت الحارث بن ثابت الخزرجي يقال انها والدة خارجة بن زيد بن ثابت الراوي عنها روي حديثها الشيخان من رواية الزهرى عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء الانصارية
(تتمة) نذكرها هنا لتعلقها بهذا الباب بذكر من آخي رسول الله ﵌ بينهم من أصحابه من المهاجرين والانصار. قال ابن اسحاق فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل تآخوا في الله أخوين أخوين ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال هذا أخي فكان رسول الله ﷺ سيد المرسلين وامام المتقين ورسول رب العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد وعلي بن أبي طالب ﵁ أخوين* وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ﷺ وعم رسول الله ﷺ وزيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ أخوين واليه
стр. 159
بينهم فآووهم في منازلهم وقاسموهم في أموالهم وآثروهم بأقواتهم وتلقوا المكاره دونهم وصار أحدهم أرأف وأرحم بنزيله وأخيه في الدين من أخيه في النسب واتخذوا ذلك الإخاء والحلف والولاء لحمة وسببا أعلى من كل سبب لذلك ما أثنى الله سبحانه على الفريقين في مواضع متعددة في كتابه العزيز وجماع ذلك في الآيات المعمّة لهم ولجميع السابقين واللاحقين من أوصى حمزة يوم احد حين حضر القتال ان حدث به حادث الموت* وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيار في الجنة ومعاذ بن جبل أخو بني سلمة أخوين (قال ابن هشام) وكان جعفر بن أبي طالب يومئذ غائبا بارض الحبشة* قال ابن اسحق وكان أبو بكر الصديق ﵁ ابن أبي قحافة وخارجة بن زيد بن أبي زهير أخو بلحارث بن الخزرج أخوين* وعمر بن الخطاب ﵁ وعتبان بن مالك أخو بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج أخوين* وأبو عبيدة بن عبد الله بن الجراح واسمه عامر بن عبد الله وسعد بن معاذ بن النعمان أخو بني عبد الاشهل أخوين* وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخو بلحارث بن الخزرج أخوين* والزبير بن العوام وسلامة بن سلامة بن وقش أخو بنى عبد الاشهل أخوين ويقال بل الزبير وعبد الله بن مسعود حليف بنى زهرة أخوين* وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر أخو بنى النجار أخوين* وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك أخو بني سلمة أخوين* وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبي بن كعب أخو بنى النجار أخوين* ومصعب بن عمير بن هاشم وأبو أيوب خالد بن زيد أخو بنى النجار أخوين* وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وعباد بن بشر بن وقش أخو بنى عبد الاشهل أخوين* وعمار بن ياسر حليف بنى مخزوم وحذيفة بن اليمان أخو بنى عبد عبس حليف بنى عبد الاشهل أخوين ويقال بل ثابت بن قيس بن الشماس أخو بالحارث بن الخزرج خطيب رسول الله ﷺ وعمار بن ياسر أخوين* وأبو ذر وهو برير بن جنادة الغفارى والمنذر بن عمرو المعنق ليموت أخو بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج أخوين (قال ابن هشام) وسمعت غير واحد من العلماء يقول أبو ذر جندب بن جنادة* قال ابن اسحق وكان حاطب بن أبي بلتعة حليف بنى أسد بن عبد العزى وعويم بن ساعدة أخو بني عمرو بن عوف أخوين* وسلمان الفارسي وأبو الدرداء عويمر بن ثعلبة أخو بلحارث بن الخزرج أخوين (قال ابن هشام) عويمر بن عامر ويقال عويمر بن زيد* قال ابن اسحق وبلال مولى أبي بكر ﵄ مؤذن رسول الله ﷺ وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي ثم أحد الفزع أخوين فهؤلاء من سمى لنا ممن كان رسول الله ﷺ آخي بينهم من أصحابه فلما دون عمر ابن الخطاب الدواوين بالشام وكان بلال قد خرج الى الشام فأقام بها مجاهدا فقال عمر لبلال الى من نجعل ديوانك يا بلال قال مع أبي رويحة لا أفارقه أبدا للاخوة التى كان رسول الله ﷺ عقد بينه وبيني فضم اليه وضم ديوان الحبشة الي خثعم لمكان بلال منهم فهو في خثعم الى هذا اليوم بالشام
стр. 160
مؤمنى هذه الامة فقال تعالى في بيان من له الحق في الفىء لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ثم قال في حق الانصار وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ثم قال في حق من تبعهم باحسان الى يوم القيامة وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ الآية.
[فصل: في ان الله تعالى أوعد الوعيد العظيم على من أسلم قبل الهجرة ولم يهاجر والكلام على ذلك]
«فصل» واعلم انه ما قبل الله اسلام أحد بعد هجرة النبى ﵌ الا بالهجرة واللحوق به وعاب على من أمكنه ذلك ولم يهاجر وأوعد عليه الوعيد العظيم فقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ الآية ثم استثنى وعذر من لم يمكنه فقال إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قال ابن عباس ﵄ كنت انا وأمى من المستضعفين وكان النبي ﵌ يدعو لهؤلاء فى قنوته فيقول اللهم انج عياش بن أبى ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام اللهم انج المستضعفين من المؤمنين ولما فتحت مكة وصارت دار اسلام نسخت الهجرة الى المدينة فقال ﵌ لا هجرة بعد الفتح وأما حكم الهجرة من غير مكة فقد قدمنا ذكره وما يتعلق به عند ذكر هجرة الحبشة ثم بعد الفتح لم يرخص النبي ﵌ لاحد من مهاجرة مكة في الرجوع اليها للاستيطان بل كره لغيرهم من مهاجرة الآفاق الرجوع الى أوطانهم وقال اللهم امض لاصحابى هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم وشكى ورثي لمن مات منهم بمكة كسعد بن خولة ورخص لهم في حجهم وعمرتهم في إفاضة ثلاثة أيام بعد قضاء نسكهم وبهذا استدرك أصحابنا ان المسافر اذا نوى ببلد إقامة ثلاثة أيام غير يومى دخوله وخروجه لا يعد مقيما ولا ينقطع ترخصه في القصر وغيره ولم يطيب لهم أيضا الرجوع في دورهم التى اغتصبها المشركون وباعوها بعد مخرجهم حتى قال له أسامة عام الفتح يا رسول الله أين ننزل غدا انشاء الله تعالى قال وهل ترك لنا عقيل من منزل وكان عقيل تخلف عنهم في الاسلام والهجرة وباع دورهم فلم يرجع النبى ﵌ في شيء منها* وروى انه لما هاجر بنو جحش بأجمعهم باع أبو سفيان دارهم فذكر ذلك عبد الله بن جحش للنبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أما ترضى أن يعطيك الله
стр. 161
بها دارا خيرا منها في الجنة قال بلى قال فذلك لك ثم كلمه فيها ابو أحمد بن جحش عام الفتح فلم يرد عليه شيئا فقال الناس له ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يكره لكم ان ترجعوا في شيء من أموالكم أصيب منكم في الله فأمسك عن كلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقال
أبلغ أبا سفيان عن ... أمر عواقبه ندامه
دار ابن عمك بعتها ... تقضي بها عنك الغرامه
وحليفكم بالله رب ال ... ناس مجتهد القسامه
اذهب بها اذهب بها ... طوقتها طوق الحمامه
ولما دخل صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مكة عام الفتح عنوة ورفع عن قريش القتل وقد كانت الانصار ظنوا انه مستأصلهم قتلا لسالف اساءتهم فتوهموا رجوعه مكة واستيطانها فأخذهم من الغيرة (أبو أحمد بن جحش) الاسدي أخو أم المؤمنين زينب بنت جحش تقدم شىء من ذكره في ترجمة أخيه وان اسمه عبد بن جحش بغير اضافة كان من السابقين الاولين وقيل انه ممن هاجر الي الحبشة وأنكر البلاذري هجرته الى الحبشة. قال ابن اسحاق كان أبو أحمد ضريرا يطوف بمكة أعلاها وأسفلها بغير قائد وفي ذلك يقول
حبذا مكة من واد ... بها أهلى وعوادي
بها ترسخ أوتادي ... بها أمشى بلا هاد
اختلف في موته فجزم ابن الاثير بانه مات بعد أخته زينب قال ابن حجر وفيه نظر وحكى ما يؤيد خلافه وحكي المرزباني في معجم الشعراء عنه انه أنشد النبي ﵌
لقد حلفت على الصفا أم أحمد ... ومروة بالله وبرّت يمينها
لنحن الألى كنابها ثم لم نزل ... بمكة حتى كاد عنا سمينها
الى الله نعود بين مثني وموحد ... ودين رسول الله والحق دينها
(أبلغ أبا سفيان) هذه كنيته بهااشتهر واسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس والد معاوية ويكني أيضا أبا حنظلة (الغرامة) الدين والغريم الذى عليه الدين قال كثير:
قضى كل ذى دين فوفي غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
(القسامة) بالفتح مصدر قسم الشئ فانقسم وبالكسر الحظ والنصيب والاسم منه القسمة وهي مؤنثة والقسم بفتحتين اليمين وهو المراد هنا (وطوق الحمامة) الطوق وأحد الاطواق معروف وطوقته فتطوق أى ألبسته الطوق والمطوقة الحمامة التى في عنقها الطوق وذلك ما يكون شبه الطوق في عنقها مخالفا للونها وهذا مثل فقوله طوقتها طوق الحمامة يعني البست هذه الغرامة وستوفيها ولا محالة كما ان الحمامة
стр. 162
والوجد ما يأخذ مثلهم على مثله وقالوا أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته فأخبره جبريل بمقالتهم وحين قررهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بذلك اعترفوا فقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كلا انى عبد الله ورسوله وفي رواية قال ألا فما اسمي اذا ثلاث مرات أنا محمد عبد الله ورسوله هاجرت الى الله واليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم قالوا والله ما قلنا إلا ضنا بالله وبرسوله قال فان الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم رواه مسلم.
[فصل: فى مناواة يهود المدينة الاذي للنبى صلي الله عليه وسلم بعد ما قدم اليها]
(فصل) ولما تخلص رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه من اذى المشركين بمكة وصاروا بالمدينة وقعوا في محنة أخرى من اليهود ومنافقى الانصار بالشنآن والبغض والمقت والغيبة والسم والسحر والغوائل لكن من غير مجاهرة ولا مكابرة تتميما لامتحانهم ووفورا لاجورهم وتحقيقا لقوله تعالى وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً فكانت الغلبة لهم وكان أعداؤهم مكبوتين مقهورين يرون طوقت هذا الطوق ولا ينفك عنها (ضنا) بكسر الضاد أي شحا بك ان نفارقك ويختص بك غيرنا
(فصل) (ولما تخلص رسول الله وأصحابه من أذى المشركين بمكة) أي ما وقع لهم من المعاداة والمناواة لاظهار دين الله ودين رسوله قبل الهجرة الى الفتح (في محنة أخرى) بكسر الميم واحدة المحن وهي ما يمتحن به الانسان من البلايا (الشنآن) بالشين المعجمة والمد مهموز والنون تفتح وتسكن من شنأه اذا أبغضه (والمقت) البغض أيضا (السم) الاسم منه مثلث السين معروف وقد سم ﷺ وسيحكى المؤلف ذلك وما لاقاه من سمهم له ﷺ وسحرهم إياه (الغوائل) الدواهى (من غير مجاهرة) أى كانوا يأتون ذلك سرا مبطنين ذلك غير مجاهرين به (مكبوتين) من كبته اذا أخزاه وصرفه فانه ﷺ كان في كنف الله وحفظه بدليل قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فكان اليهود ومنافقو المدينة مخزيين في جميع ما ناووه فيه وكادوه به. ويجمل ان نذكر هنا أسماء أعدائه من رؤساء اليهود ومن انضاف اليهم من رجال الاوس والخزرج على ما حكاه ابن هشام عن ابن اسحاق قال ابن اسحق ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول الله ﷺ العداوة بغيا وحسدا وضغنا لما خص الله تعالى به العرب من أخذه رسوله منهم وأضاف اليهم رجال من الاوس والخزرج ممن كان عسى على جاهليته فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث الا أن الاسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه فظهروا بالاسلام واتخذوه جنة من القتل ونافقوا في السر وكان هواهم مع يهود لتكذيبهم النبي ﷺ وجحودهم الاسلام وكانت أحبار يهودهم الذين يسئلون رسول الله ﷺ ويتعنتونه ويأتونه باللبس ليلبسوا الحق بالباطل فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسئلونه غنه الا قليلا من المسائل في الحلال والحرام وكان المسلمون يسئلون عنها منهم حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر
стр. 163
في طى الايام والليالى أنواع المكاره من ارتفاع شأن الاسلام والمسلمين وتجدد فتوحهم وعلو كلمتهم وظهور دينهم فمن ذلك قول عبد الله بن أبىّ رأس المنافقين وقد رد عليه بعض قومه بعض الاذى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ورأى منهم ما يكره فقال شعرا: ابن أخطب وجدى بن أخطب وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع الاعور وهو الذي قتله أصحاب رسول الله ﷺ بخيبر والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق وعمرو بن جحاش وكعب بن الاشرف وهو من طيء ثم أحد بنى نبهان وأمه من بني النضير والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الاشرف وكردم بن قيس حليف كعب بن الاشرف فهؤلاء من بنى النضير* ومن بني ثعلبة بن الفطيون عبد الله بن صوريا الاعور ولم يكن بالحجاز في زمانه أحد أعلم بالتوراة منه وابن صلوبا ومخيريق وكان حبرهم* ومن بنى قينقاع زيد بن اللصيت ويقال ابن اللصيت فيما قال ابن هشام وسعد بن حنيف ومحمود بن سيحان وعزيز بن أبي عزيز وعبد الله بن صيف (قال ابن هشام) ويقال ابن ضيف* قال ابن اسحق وسويد بن الحرث ورفاعة بن قيس وفنحاص وأشيع ونعمان بن أضا وبحري ابن عمرو وشاس بن عدي وشاس بن قيس وزيد بن الحرث ونعمان بن عمرو وسكين بن أبي سكين وعدى ابن زيد ونعمان بن أبى أوفي أبو أنس ومحمود بن دحية ومالك بن الصيف (قال ابن هشام) ويقال ابن الضيف* قال ابن اسحق وكعب بن راشد وعازر ورافع بن أبي رافع وخالد وأزار بن أبي أزار (قال ابن هشام) ويقال آزر بن آزر* قال ابن اسحق ورافع بن حارثة ورافع بن حريملة ورافع بن خارجة ومالك بن عوف ورفاعة بن زيد بن التابوت وعبد الله بن سلام بن الحرث وكان حبرهم وأعلمهم وكان اسمه الحصين فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عبد الله فهؤلاء من بنى قينقاع* ومن بني قريظة الزبير بن باطا بن وهب وعزال بن سموأل وكعب بن أسد وهو صاحب عقد بني قريظة الذى نقض عام الاحزاب وسمويل بن زيد وجبل بن عمرو بن سكينة والنحام بن زيد وقردم بن كعب ووهب بن زيد ونافع بن أبى نافع وأبو نافع وعدي بن زيد والحرث بن عوف وكردم بن زيد واسامة ابن حبيب ورافع بن زميلة وجبل بن أبى قشير ووهب بن يهوذا فهؤلاء من بني قريظة* ومن يهود بنى زريق لبيد بن أعصم وهو الذى أخذ رسول الله ﷺ عن نسائه* ومن يهود بنى حارثة كنانة بن صوريا* ومن يهود بنى عمرو بن عوف قردم بن عمرو* ومن يهود بني النجار سلسلة بن برهام فهؤلاء أحبار اليهود وأهل العداوة لرسول الله ﷺ وأصحابه وأصحاب المسئلة والنصب لامر الاسلام الشرور ليطفؤه الا ما كان من عبد الله بن سلام ومخبريق (وقد رد عليه بعض قومه) هو عبد الله بن رواحة ﵁ وهو ان رسول الله ﷺ جاءه ذات يوم وهو في قومه والنبي ﷺ على حمار فقال اليك عني والله لقد آذانى نتن حمارك فقال عبد الله بن رواحة والله لنتن حمار رسول الله ﵌ أطيب ريحا منك (ورأى منهم
стр. 164
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل ... تذل ويصرعك الذى لا تضارع
وهل ينهض البازي بغير جناحه ... وان جز يوما ريشه فهو واقع
وقال سعد بن عبادة وقد شكى اليه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يوما بعض أذاه فقال يا رسول الله اعف عنه واصفح فو الذى أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذى أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة فلما أتى الله بالحق الذى أعطاك الله شرق بذلك فلذلك فعل به ما رأيت ولما غزا رسول الله ﵌ بدرا وأظفره الله قال ابن أبىّ ومن معه من المشركين هذا أمر قد توجه فاسلموا ظاهرا وبقى ناس على النفاق حتى ماتوا منهم عبد الله بن أبى.
[فصل: فى ذكر ما أصاب المهاجرين من حمي المدينة ودعائه ﷺ بان يصح هواءها ويجببها اليهم]
(فصل) وقدم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه المدينة وهى أوبأ أرض الله تعالى فمرض منهم كثير فكان أبو بكر ومولياه عامر بن فهيرة وبلال مرضى في بيت واحد فكان أبو بكر اذا أصابته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدني من شراك نعله
وكان عامر بن فهيرة يقول:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... ان الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه ... كالثور يحمى جلده بروقه
وكان بلال يقول:
ألا ليت شعري هل ابيتن ليلة ... بواد وحولى إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لى شامة وطفيل
ما يكره) أى عبد الله بن أبي (مولاك) يريد به ابن عمك قاله غير واحد من أهل السير (ويصرعك) من الصرع بفتح الصاد المهملة ويكسر الطرح على الارض (البازي) من سباع الطير معروف (وجز ريشه) الجز بالزاي المعجمة القطع المستأصل (البحيرة) المدينة قاله صاحب القاموس (شرق) بفتح المعجمة وكسر الراء أى غص وهو كناية عن الحسد (مصبح) بالرفع خبر كل (وشراك) بكسر المعجمة وتخفيف الراء والمعنى ان الموت أقرب الى الشخص من شراك نعله الذى برجله (ذوقه) بفتح الذال المعجمة معلوم (والحتف) الموت ومات فلان حتف أنفه أى من غير قتل ولا ضرب (وطوقه) طاقته (وروق) الثور قرنه (الوادى) مكة (إذخر وجليل) نبتان (ومجنة وشامة وطفيل) اسماء أماكن باعيانها بمكة وما
стр. 165
ثم يقول اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا الى أرض الوباء قالت عائشة فذكرت ما سمعت منهم لرسول الله ﵌ وقلت له انهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى قالت فقال رسول الله ﵌ اللهم حبب الينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها لنا وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها فاجعلها بالجحفة فبعد دعوته ﵌ طاب لهم الحال وانصرف عنهم البؤس والوباء والاقتار والاقلال وتم لهم موعد ربهم فاستخلفهم في الارض ومكن لهم في الدين الذي ارتضى لهم وأبدلهم من الخوف أمنا ومن الوحشة أنسا وكره اليهم وحظر عليهم الرجوع الى مكة فصاروا لا يأتونها الا حجاجا أو معتمرين أو مسافرين على قدم مستوفزين
[فصل ولما اطمأن برسول الله الدار وأعز الله جنده أذن له بقتال قريش ومن ناواه من غيرهم]
(فصل) ولما اطمأن رسول الله ﵌ بالمدينة واستقر به القرار واقر الله عينه بالفة المهاجرين والانصار وأعز الله جنده باجتماع الكلمة والدار أذن الله له في الانتقام من أعدائه والانتصار فعقد ﵌ الألوية للامراء وجهز السرايا وشن الغارات على من داناه من مشركي العرب وحين فرغ منهم تطاول الى تخوم الشام وبلاد العجم مرة بنفسه كغزوة تبوك ومرة سراياه وبعوثه كغزوة مؤتة وحتى كتب آخرا الى ملوك الاقاليم يخوفهم ويتهددهم ويدعوهم الى طاعته فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشى وملوك اليمن وملك عمان ومنهم من هادنه واتحفه بالهدايا كهرقل وملك ايلة والمقوقس صاحب مصر ومنهم من يعصي فأظفره الله به ووفدت الوفود من حولها (يهذون) بالذال المعجمة من هذى يهذي تكلم بغير معقول (الجحفة) بالضم ثم السكون والفاء قرية كبيرة على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل وهى ميقات أهل مصر والشام ان لم يروا على المدينة ذكر ذلك ياقوت وقال روي ان النبي ﵌ نعس ليلة في بعض أسفاره إذ استيقظ فايقظ أصحابه وقال مرت بي الحمى في صورة امرأة ثائرة الرأس منطلقة الى الجحفة (الاقتار) الضيق في النفقة (مستوفزين) غير مطمئنين من قولهم استوفز في قعدته اذا قعد قعودا منتصبا غير مطمئن فيه وهو كناية عن العجلة (الالوية) جمع لواء وهو العلم (السرايا) جمع سرية بمهملة فراء الطائفة من الجيش تكون من خمسة أنفس الى ثلثمائة أو اربعمائة كذا في القاموس (شن) بمعجمة فنون أي صبها عليهم من كل وجه (داناه) قرب اليه (تطاول) أي امتد نظره (تخوم) جمع تخم بتاء فوقية مضمومة فخاء معجمة ساكنة الفصل بين الارض من المعالم والحدود (هادنه) من المهادنة وهى المصالحة
стр. 166
جميع الجهات وقال زويت لي الارض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لى منها وقال أتيت بمفاتيح خزائن الارض فوضعت في يدى فكان تمام ذلك على أيدى أصحابه الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين رضى الله عنهم أجمعين وها نحن نذكراهم حوادث ما بعد هجرته مرتبا على السنين كما سبق وبالله التوفيق*
[مطلب في كتبه صلي الله عليه وسلم الكتاب بين المهاجرين والأنصار ومواخاته بينهما وموادعته يهود المدينة]
ففي السنة الاولى بني صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مسجده ومساكنه وكتب الكتاب بين المهاجرين والانصار وفيه انهم أمة واحدة (زويت) طويت أي ان الله طوى لى الارض فاطلعنى منها على ما سيبلغه ملك أمتى (وكتب الكتاب) قال ابن اسحاق وكتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والانصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبى ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم انهم أمة واحدة من دون الناس المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولي وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو الحرث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولي وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو الاوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وان المؤمنين لا يتركون مفرجا بينهم ان يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل (قال ابن هشام) المفرج المثقل من الدين الكثير والعيال قال الشاعر
اذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ... وتحمل أخرى أفرجتك الودائع
ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن من دونه وان المؤمنين المتقين على من بغي منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو اثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وان أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافر على مؤمن وان ذمة الله واحدة يحير عليهم أدناهم وان المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس وانه من تبعنا من يهود فان له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم وان سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله الا على سواء وعدل بينهم وان كل غازية غزت معنا تعقب بعضها بعضا وان المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله وان المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه وان لا يجير مشرك ما لا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن وانه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود به الى ان يرضى ولى المقتول وان المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم الا قيام عليه
стр. 167
من دون الناس وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وما كان بينهم من حدث أو شجار يخاف فساده فان مرده الى الله والى محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم* وفيها وادع يهود وشرط عليهم ولهم والحق كل قبيلة منهم بحلفائهم من الانصار ثم آخى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بين المهاجرين فقال لهم تآخوا في الله أخوين أخوين ثم أخذ بيد أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ فقال هذا أخى ثم آخى أيضا بينهم وبين الانصار وجملة من تآخى من الفريقين تسعون رجلا وخمسة واربعون من المهاجرين ومثلهم من الانصار وانه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر ان ينصر محدثا ولا يؤويه وان من نصره أو آواه فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فان مرده الى الله والى محمد ﷺ وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاريين وان يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم الا من ظلم وأثم فانه لا يوتغ الا نفسه وأهل بيته وان ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف وان ليهود بني الحرث مثل ما ليهود بنى عوف وان ليهود بنى ساعدة مثل ما ليهود بني عوف وان ليهود بني جشم مثل ما ليهود بنى عوف وان ليهود بنى الاوس مثل ما ليهود بني عوف وان ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف الا من ظلم وأثم فانه لا يوتغ الا نفسه وأهل بيته وان جفنة بطن من ثعلبة كانفسهم وان لبنى الشنطة مثل ما ليهود بني عوف وان البردون الاثم وان موالى ثعلبة كانفسهم وان بطانة يهود كانفسهم وانه لا يخرج منهم أحد الا باذن محمد ﷺ وانه لا ينحجز على ثار جرح وانه من فتك فبنفسه فتك أهل بيته الا من ظلم وان الله على أبر هذا وان على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وان بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وان بينهم النصح والنصيحة والبردون الاثم وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه وان النصر للمظلوم وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وان يثرب حرام جوفها لاهل هذه الصحيفة وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وانه لا تجار حرمة الا باذن أهلها وانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث واشتجار يخاف فساده فان مرده الى الله والى محمد رسول الله ﷺ وان الله على أتقي ما في هذه الصحيفة وأبره وانه لا تجار قريش ولا من نصرها وان بينهم النصر على من دهم يثرب واذا دعوا الى صلح يصالحونه ويلبسونه فانهم يصالحونه ويلبسونه وانهم اذا دعوا الى مثل ذلك فان لهم على المؤمنين الا من حارب في الدين على كل أناس حصتهم من جانبهم الذى قبلهم وان يهود الاوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لاهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة (قال ابن هشام) ويقال مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة* قال ابن اسحق وان البردون الاثم لا يكسب كاسب الا على نفسه وان الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وابره وانه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم وانه من خرج أمن ومن قعد أمن بالمدينة الا من ظلم أو اثم وان الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 168
وقيل جملتهم ثلاثمائة والله أعلم. وفيها بعث ﵌ زيد بن حارثة وأبا رافع مولييه الى مكة ليأتيا بيناته وزوجته سودة وبعث معهم أبو بكر عبد الله بن أريقط لعائشة وأمها وجاؤوا بهم وصحبهم طلحة بن عبد الله وفي سيرة ابن هشام ان زينب انما لحقت بأبيها بعد وقعة بدر وذلك ان زوجها أبا العاص بن الربيع استؤسر ببدر فأطلقه النبي ﵌ بغير فداء وأخذ عليه ان يخلى سبيل زينب اليه وبعث ﵌ زيد ابن حارثة ورجلا من الانصار وقال لهما كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فلما قدم أبو العاص مكة بعث بها مع أخيه كنانة بن الربيع فالحقها بهما وسيأتى خبرهما ان شاء الله تعالى في ترجمتهما في فصل بناته ﷺ * وفيها صام رسول الله ﷺ عاشوراء وأمر بصومه وكانت اليهود في الجاهلية يصومونه فأمر ﷺ بصومه وحض عليه وأكد (أبا رافع) القبطي مولى رسول الله ﵌ يقال اسمه ابراهيم ويقال أسلم وقيل سنان وقيل يسار وقيل صالح وقيل عبد الرحمن وقيل قرمان وقيل يزيد وقيل ثابت وقيل هرمز قال ابن حجر قال ابن عبد البر اشهر ما قيل في اسمه أسلم قيل كان مولى العباس بن عبد المطلب فوهبه للنبى ﷺ فاعتقه لما بشره باسلام العباس بن عبد المطلب والمحفوظ انه أسلم لما بشر العباس بان النبى ﷺ انتصر على أهل خيبر وذلك في قصة جرت وكان اسلامه قبل بدر ولم يشهدها وشهد أحدا وما بعدها قال الواقدى مات أبو رافع بالمدينة قبل عثمان بيسير أو بعده وقال ابن حبان مات في خلاف على ﵃ قوله (وفي سيرة ابن هشام) قلت وكذلك حكاه الواقدى ونقله عنه ابن حجر في الاصابة من ان أبا العاص شهد مع المشركين بدرا فاسر فقدم أخوه عمرو في فدائه وارسلت معه زينب قلادة من جزع كانت خديجة أدخلتها بها علي أبى العاص فلما رآها رسول الله ﵌ عرفها ورق لها وذكر خديجة فترحم عليها وكلم الناس فاطلقوه ورد عليها القلادة واخذ على أبى العاص ان يخلى سبيلها ففعل قال الواقدى هذا أثبت عندنا. وزينب ﵂ أكبر بناته ﵌ وأوّل من تزوج منهن ولدت قبل البعثة بمدة قيل انها عشر سنين وزوجها أبو العاص هذا ابن خالتها أمه هالة بنت خويلد قال ابن سعد في الطبقات ان زينب هاجرت مع أبيها يعنى عقب هجرته ﷺ كما ذكره المؤلف وأبي زوجها ان يسلم فلم يفرق النبى ﵌ بينهما الى ان اسر فاجارته زوجه ﵂ فامضي رسول الله ﷺ والمسلمون جوارها وسألته زينب ان يرد عليه ما أخذ منه ففعل وامره ان لا يقربها ومضي أبو العاص الى مكة فادى الحقوق لاهلها ورجع فاسلم فرد عليه زينب بالنكاح الاول اه وسيذكر المصنف ما هو أبسط من ذلك (وحض عليه وأكد) أى حث على صيامه وندب اليه قلت وما يروي فى فضائله مما يتخذ عبادة خلا صومه فانه غير وارد قال الشيرازى في خاتمة كتابه سفر السعادة فضائل
стр. 169
فلما فرض رمضان خف ذلك التأكيد وبقى مسنونا وقيل كان واجبا ثم نسخ برمضان*
[مطلب في مشروعية في الأذان]
وفيها شرع الأذان وكان أوّل مشروعيته أنهم لما قدموا المدينة تشاوروا فيما يجمعهم للصلاة فتوامروا ان يتخذوا ناقوسا أو قرنا أو بوقا أو يوروا نارا فقال عمر أولا تبعثون رجلا ينادى عاشوراء واستحباب صيامه وسائر الاحاديث في فضله وفضل الصلاة فيه والانفاق والخضاب والادهان والا كتحال وطبخ الحبوب وغير ذلك مجموعه موضوع ومفتري قال أئمة الحديث الاكتحال فيه بدعة ابتدعها قتلة الحسين ثم قال غير انه ﷺ صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه وقال انه صومه تكفير سنة (وفيها شرع الاذان) قال ابن اسحق فلما اطمأن رسول الله ﷺ بالمدينة واجتمع اليه اخوانه من المهاجرين واجتمع أمر الانصار واستحكم أمر الاسلام فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام وتبوّأ الاسلام بين أظهرهم وكان هذا الحى من الانصار هم الذين تبوّؤا الدار والايمان وقد كان رسول الله ﷺ حين قدمها انما يجتمع الناس اليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة فهم رسول الله ﷺ حين قدمها أن يجعل بوقا كبوق يهود الذى يدعون به لصلاتهم ثم كرهه ثم أمر بالناقوس فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة فبينا هم على ذلك إذ رأي عبد الله بن زيد ابن ثعلبة بن عبد ربه أخو بلحارث بن الخزرج النداء فأتى رسول الله ﷺ فقال له يا رسول انه طاف بي هذه الليلة طائف مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده فقلت له يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس قال وما تصنع به قلت ندعو به الى الصلاة قال أفلا أدلك على خير من ذلك قال قلت وما هو قال تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله الا الله فلما أخبر بها رسول الله ﷺ قال انها لرؤيا حق ان شاء الله فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها فانه أندى صوتا منك فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج الى رسول الله ﷺ وهو يجر رداءه وهو يقول يا نبى الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأي فقال رسول الله ﷺ فلله الحمد على ذلك* قال ابن اسحق حدثنى بهذا الحديث محمد بن ابراهيم بن الحارث عن محمد بن عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه عن أبيه (قال ابن هشام) وذكر ابن جريج قال قال لى عطاء سمعت عبيد بن عمير الليثى يقول ائتمر النبي ﷺ وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة فبينما عمر بن الخطاب يريد ان يشتري خشبتين للناقوس اذ رأى عمر بن الخطاب في المنام لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا للصلاة فذهب عمر الى النبى ﷺ ليخبره بالذي رأى وقد جاء النبى ﷺ الوحي بذلك فما راع عمر إلا بلال يؤذن فقال رسول الله ﷺ حين أخبره بذلك قد سبقك بذلك الوحي* قال ابن اسحق وحدثني محمد ابن جعفر بن الزبير عن امرأة من بنى النجار قالت كان بيتى من أطول بيت حول المسجد فكان بلال يؤذن عليه للفجر كل غداة فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينتظر الفجر فاذا رآه تمطي ثم قال اللهم انى
стр. 170
فقال رسول الله ﵌ قم يا بلال فناد بالصلاة وظاهر هذه انه مجرد اعلام ليس على صفة الاذان المشروع ثم رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه في منامه شخصا يؤذن بالاذان المشروع ويقيم فاخبر النبى ﷺ فأمره النبى ﷺ ان يلقيه على بلال فقال عمر والذي بعثك بالحق نبيا لقد رأيت مثل الذي رأى قال النووى فشرعه النبى ﵌ إما بوحى واما باجتهاد منه ﷺ على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له ﵌ وليس هو عملا بمجرد المنام هذا ما لا شك فيه بلا خلاف وورد في حديث مسندا ان النبي ﵌ كان قد أريه ليلة الاسراء واستمعه مشاهدة ولذلك قال في رؤيا عبد الله بن زيد انه رؤيا حق والله أعلم*
[مطلب في إسلام عبد الله بن سلام وخبر ذلك]
وفيها أسلم عبد الله بن سلام الاسرائيلى وسلمان الفارسى وفيها مات من رؤساء الانصار أسعد بن زرارة أحمدك وأستعينك على قريش ان يقيموا على دينك قالت ثم يؤذن قالت والله ما علمته كان يتركها ليلة واحدة (عبد الله بن سلام) قال ابن اسحق وكان من حديثه كما حدثني بعض أهله عنه وعن اسلامه حين أسلم وكان حبرا عالما قال لما سمعت برسول الله ﷺ عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له فكنت مسرا لذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لى أعمل فيها وعمتى خالدة ابنة الحارث تحتي جالسة فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبرت فقالت لي عمتى حين سمعت تكبيرى خيبك الله والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت قال فقلت لها أي عمة هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به قال فقالت أي ابن أخي أهو النبي الذى كنا نخبر انه يبعث مع نفس الساعة قال فقلت لها نعم قال فقالت فذاك إذ قال ثم خرجت الى رسول الله ﷺ فاسلمت ثم رجعت الى أهل بيتى فأمرتهم فأسلموا قال وكتمت اسلامي عن يهود ثم جئت رسول الله ﷺ فقلت له يا رسول الله ان يهود قوم بهت واني أحب ان تدخلنى في بعض بيوتك وتغيبني عنهم ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا باسلامي فانهم ان علموا به بهتوني وعابونى قال فادخلنى رسول الله ﷺ في بعض بيوته ودخلوا عليه فكلموه وسألوه ثم قال لهم أي رجل الحصين بن سلام فيكم قالوا سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا قال فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم يا معشر يهود اتقوا الله وأقبلوا ما جاءكم به فو الله انكم لتعلمون إنه لرسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته فاني أشهد أنه رسول الله وأومن به وأصدقه واعرفه فقالوا كذبت ثم وقعوا بى فقلت لرسول الله ﷺ ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت أهل غدر وكذب وفجور قال وأظهرت اسلامى واسلام أهل بيتى وأسلمت عمتى خالدة بنت الحارث فحسن اسلامها (سلمان) أبو عبد الله الفارسي ويقال له سلمان بن الاسلام وسلمان الخير وقال ابن حبان من زعم أن
стр. 171
والبراء بن معرور نقيبان وكلثوم بن الهدم ومن صناديد المشركين من قريش العاص بن وائل والوليد بن المغيرة.
[مطلب في غزوة ودان وتحويل القبلة]
«السنة الثانية» قال ابن اسحاق وفي صفر على رأس اثنى عشر شهرا من الهجرة غزا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم غزوة ودّان يريد قريشا وبنى ضمرة من كنانة فوادعه سلمان الخير آخر فقد وهم أصله من رام هرمز وقيل من أصبهان وكان قد سمع بان النبى ﵌ سيبعث فخرج في طلب ذلك فأسر وبيع بالمدينة فاشتغل بالرق حتى كان أوّل مشاهده الخندق وشهد بقية المشاهد وفتوح العراق وولى المدائن وقال ابن عبد البر يقال انه شهد بدرا وكان عالما زاهدا روى عنه أنس وكعب بن عجرة وابن عباس وأبو سعيد وغيرهم من الصحابة ومن التابعين أبو عثمان النهدي وطارق بن شهاب وسعيد بن وهب وآخرون بعدهم قيل كان اسمه ما به بكسر الموحدة ابن بود قاله ابن مندة بسنده وساق له نسبا وقيل اسمه بهبود ويقال انه أدرك عيسى بن مريم وقيل بل أدرك وصي عيسي ورويت قصته من طرق كثيرة من أصحها ما أخرجه أحمد من حديثه نفسه واخرجها الحاكم من وجه آخر عنه أيضا واخرجه الحاكم من حديث بريدة وعلق البخارى طرفا منها وفي سياق قصته في اسلامه اختلاف يتعسر الجمع فيه وروي البخاري في صحيحه عن سلمان أنه تناوله بضعة عشر سيدا قال الذهبى وجدت الاقوال في سنه كلها دالة على أنه جاوز المائتين وخمسين والاختلاف انما هو في الزائد قال ثم رجعت عن ذلك وظهر لى أنه ما زاد على الثمانين* قلت لم يذكر مستنده في ذلك واظنه أخذه من شهود سلمان الفتوح بعد النبي ﵌ وتزوجه امرأة من كندة وغير ذلك مما يدل علي بقاء بعض النشاط لكن ان ثبت ما ذكروه يكون ذلك من خوارق العادات في حقه وما المانع من ذلك فقد روى أبو الشيخ في طبقات الاصبهانيين من طريق العباس بن يزيد قال أهل العلم يقولون عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة فاما مائتان وخمسون فلا يشكون فيها قال أبو ربيعة الايادي عن أبى بريدة عن أبيه ان النبي ﵌ قال ان الله يحب من أصحابى أربعة فذكره فيهم وقال سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال آخي النبى ﵌ بين أبي الدرداء وسلمان ونحوه في البخاري من حديث أبى جحيفة في قصته ووقع في هذه القصة فقال النبي ﵌ لابى الدرداء سلمان أفقه منك مات سنة ست وثلاثين في قول أبى عبيد أو سبع في قول خليفة وروى عبد الرزاق عن جعفر ابن سليمان عن ثابت عن أنس دخل ابن مسعود على سلمان عند الموت فهذا يدل على أنه مات قبل ابن مسعود ومات ابن مسعود قبل سنة أربع وثلاثين فكأنه مات سنة ثلاث أو سنة ثنتين وكان سلمان اذا خرج عطاؤه تصدق به وينسج الخوص ويأكل من كسب يده (ودان) قال ياقوت بالفتح كانه فعلان قرية جامعة من نواحي الفرع بينها وبين هرشي ستة أميال وبينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال قرية من الجحفة وهي لضمرة وغفار وكنانة (وبنى ضمرة) بفتح الضاد المعجمة واسكان الميم بن بكر بن عبد مناة بن كنانة
стр. 172
مخشى بن عمرو الضمري ورجع وهى أوّل غزوة غزاها صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واستعمل على المدينة سعد بن عبادة وتسمى غزوة الأبواء وقال المحب الطبرى في خلاصة السير كانت لسنة من الهجرة وشهرين وعشرة أيام والله أعلم* وفيها حولت القبلة وكان تحويلها في صلاة الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان وقيل في رجب على رأس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا من الهجرة وكان ذلك فى منازل بنى سلمة وذلك ان النبى ﵌ زار امرأة منهم يقال لها أم بشر قال ابن اسحاق فوادعته فيها بنو ضمرة وكان الذي وادعه تاركه وصالحه قال في المواهب وكانت نسخة الموادعة فيما ذكر ابن اسحاق بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لبنى ضمزة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم وان لهم النصر على من رامهم ان لا يحاربوا في دين الله ما بلّ بحر صوفة وان النبي اذا دعاهم لنصر أجابوه عليهم بذلك ذمة الله ورسوله (مخشى) بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الشين المعجمتين ثم ياء مشددة (ابن عمر والضمري) قال ابن سحاق وكان سيدهم في زمانه (الابواء) بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة قال قوم سمى بذلك لما فيه من الوباء قال ياقوت ولو كان كذلك لقيل الاوباء الا ان يكون مقلوبا. وقال غيره الابواء فعلاء من الابرة أو أفعال كانه جمع بوّ وهو الجلد الذى يحشى ترأمه الناقة فتدر عليه اذا مات ولدها أو جمع بوي وهو السواء والابواء قرية من أعمال الفرع من المدينة وقال السكرى جبل شامخ مرتفع ليس عليه شئ من النبات غير الخزام والبشام وهو لخزاعة وضمرة وبالابواء قبر آمنة بنت وهب أم النبى ﷺ كما تقدم وسيأتي (وفيها حولت القبلة) أى الاستقبال لا ما يستقبله المصلى اذ لا يتعلق به تحويل (في صلاة الظهر) وذلك على ما رواه النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى وفي البخاري انها كانت صلاة العصر كذا حكاه القسطلاني في المواهب اللدنية (يوم الثلاثاء نصف شعبان) قاله محمد بن حبيب وجزم به النووي في الروضة (وقيل في رجب) في المواهب وقيل يوم الاثنين نصف رجب رواه الامام أحمد عن ابن عباس باسناد صحيح قال الواقدي وهذا أثبت قال الحافظ وهو الصحيح وبه جزم الجمهور (على رأس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا) هذه رواية البخاري والترمذي عن البراء بن عازب ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا بالشك وروى مسلم والنسائي عن البراء ستة عشر شهرا رواه البزار والطبراني من حديث ابن عباس وقيل ثمانية عشر شهرا رواه ابن ماجه عن البراء قال الحافظ وهذا الاخير شاذ وأما الروايات الاول فسهل الجمع بينها فان من جزم بستة عشر لفق من شهري القدوم والتحويل شهرا والغى الزائد ومن جزم بسبعة عدهما معا ومن شك تردد في ذلك وذلك ان القدوم كان في شهر ربيع الاول بلا خلاف وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح (بنى سلمة) بكسر اللام والنسبة اليها بالفتح على المشهور (أم بشر) بنت البراء بن معرور وتقدم ذكر البراء ونسبه. قال ابن حجر قيل اسمها خليدة وقيل السلاف والذي ظهر لى بعد البحث ان خليدة والدة بشر بن البراء ثم ذكر اختلافا في ذلك
стр. 173
فصنعت له طعاما فحانت صلاة الظهر فصلى بهم وأنزل عليه وهو راكع في الثانية قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ الآية فاستدار صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واستدارت الصفوف خلفه وتحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال ثم صلى ما بقي من صلاته الى الكعبة ولم يستأنف فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين وأخبر أهل مسجد قباء بذلك وهم في صلاة الصبح فاستداروا كما هم الى الكعبة وبهذا استدل أصحابنا في جواز الصلاة الواحدة الى جهات متعددة بالاجتهاد وكان أمر القبلة اول منسوخ من أمور الشرع وذلك ان رسول الله ﵌ كان قبل الهجرة يصلي الى الكعبة فلما هاجر استقبل صخرة بيت المقدس ليكون أقرب الى تصديق اليهود واختلف العلماء هل كان ذلك بوحي أم اجتهاد ونقل القاضي عياض عن الاكثرين انه كان بسنة لا بقرآن ففيه دليل لمن يقول ان القرآن ينسخ السنة قلت بل الصواب والله أعلم ان توجهه الى بيت المقدس تلك الاشهر كان بوحي من الله بدليل قوله تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها مع ما ورد انه ﷺ حين كان يصلي الي بيت المقدس كان يقول لجبريل ﵇ وددت لو حولنى ربي الى الكعبة فانها قبلة ابي ابراهيم فقال له جبريل ﵇ انما انا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فسل أنت ربك فانك عند الله بمكان وعرج جبريل الى السماء وجعل ﵌ يقلب طرفه الى السماء منتظرا فنزل في ذلك قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ الآية وكل هذا يدل على انه لم يكن باجتهاد ويحتمل ان يكون أوّل ذلك اجتهاد الموافقة اليهود رجاء اسلامهم ثم نزل الوحي بتقريره والله أعلم. وحين عدل ﷺ قبلة مسجده اماط جبريل ﵇ كل جبل بينه وبين الكعبة فعدلها وهو ينظر الى الكعبة وصارت قبلته الى الميزان ولما حولت القبلة وقع في ذلك القالة من اليهود وارتد من رق ايمانه وقالوا رجع محمد الى دين آبائه ونزل في ذلك قوله تعالى (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ) اى التحويلة (لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) وكان (وهم في صلاة الصبح) أي من اليوم الثاني وذلك الي ان وصلهم الخبر لانهم خارج المدينة. قال في المواهب وفي هذا ان الناسخ لا يلزم حكمه الا بعد العلم به وان تقدم نزوله لانهم لم يؤمروا باعادة العصر والمغرب والعشاء (وقع في ذلك القالة) أى القيل والقال كناية عن الارتياب والشك (من اليهود) وقالوا ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها (وارتد) عن دينه (من رق إيمانه) من المنافقين فانزل الله في جوابهم قل لله المشرق
стр. 174
قد مات على القبلة الأولى ناس من المسلمين فسألوا رسول الله ﵌ عن حالهم فى صلاتهم تلك فنزل قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ اى في صلاتكم ان الله بالناس لرؤف رحيم*
[مطلب في مشروعية صيام رمضان]
وفي شعبان منها أيضا فرض الله رمضان قيل كان الواجب قبله صيام ثلاثة أيام في كل شهر وصوم عاشوراء ثم نسخ ذلك برمضان فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ الى قوله فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ثم نزلت العزيمة في الصوم بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فأوجبه الله على الصحيح المقيم وثبتت الرخصة في الاطعام للكبير العاجز وكان في ابتداء الأمر اذا أفطروا عند المغرب حل لهم كل شئ ما لم يصلوا العشاء أو يرقدوا قبلها فاذا صلوا أو رقدوا قبلها حرم عليهم كل شئ الى الليلة القابلة فشق ذلك عليهم ووقع جماعة منهم في المحظور منهم عمر بن الخطاب فنزل الترخيص في ذلك بقوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ الآية فأحل الله لهم ما كان حرم عليهم وتاب عليهم وعفى عما سلف منهم قال ابن عباس رضى الله عنهما أوّل ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة والصوم وقال الشيخ أبو القاسم هبة الله بن سلامة في كتابه الناسخ والمنسوخ اعلم ان اول النسخ في الشريعة أمر الصلاة ثم أمر القبلة ثم الصيام ثم الزكاة ثم الاعراض عن المشركين ثم الأمر بجهادهم ثم اعلام الله نبيه ما يفعل به ثم أمره تعالى بقتال المشركين ثم امره بقتال اهل الكتاب حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ثم ما كان عليه اهل العقود من الموارثة فنسخ بقوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ثم هدم منازل الجاهلية وان لا يخالطوا المسلمين في حجهم ثم نسخت المعاهدة التي كانت بينه وبينهم بالاربعة الاشهر بعد يوم النحر قال فهذا أكمل الترتيب ونزول المنسوخ بمكة كثير وأكثر الناسخ مدني والله أعلم*
[مطلب في بنائه ﷺ بعائشة وتزويج علي بفاطمة رضى الله عنهم ومشروعية صدقة الفطر]
وفي شوال منها دخل صلى الله عليه الآية (وفي) شهر (شعبان) أي على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدمة المدينة ﵊ (فرض الله) صوم (رمضان) روى الواقدي عن عائشة وابن عمر وأبى سعيد الخدري قالوا نزل فرض شهر رمضان بعد ما حولت القبلة الى الكعبة بشهر في شعبان (في المحظور) أي من مباشرة النساء (أبو القاسم هبة الله بن سلامة) أحد أعلام المائة الخامسة المفسر الفقيه الشافعى وكتابه هذا من أجمع الكتب على اختصاره مشهور متداول (وأكثر الناسخ مدني) لانها دار قرار الاسلام وبها استجمع للنبي ﵌ أمره فاقتضت الحكمة الالهية أن ينسخ ما ينسح ويثبت ما يثبت (وفي شوال منها)
стр. 175
وآله وسلم بعائشة وهي بنت تسع سنين وكان عقد بها بمكة قبل ذلك وهي بنت ست وقيل سبع وعنها قالت تزوجت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في شوال وبنى بى في شوال وأي نساء رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كانت احظى عنده مني وكانت عائشة تستحب ان تدخل نساؤها في شوال رواه مسلم* وفي صفر منها تزوج أمير المؤمنين علي فاطمة رضى الله عنهما ولها خمس عشر سنة وخمسة أشهر ونصف وقيل ثمانية عشر سنة والله أعلم ولعلي يومئذ احدى وعشرون سنة ودخل بها في ذى الحجة بعد وقعة احد وسيأتي خبر تزويج فاطمة وعائشة في موضعه من هذا الكتاب* وفيها فرضت صدقة الفطر قيل والاصل في وجوبها من كتاب الله تعالى قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ذهب كثير من المفسرين الى ان المراد بذلك صدقة الفطر وصلاة العيد بعدها قلت وفيه حديث مرفوع خرجه الدار قطنى والله اعلم واعترض بعضهم على هذا بأن السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر قال الامام الحسين بن مسعود البغوي يحتمل ان يكون النزول سابقا على الحكم كما في غيره والله اعلم واما من السنة فما ثبت في الصحيحين وغيرهما من رواية ابن عمر قال فرض رسول الله ﵌ زكاة الفطر صاعا من تمر أوصاعا من شعير على العبد والحر والذكر والانثى والكبير والصغير من المسلمين وأمر بها ان تؤدى أي من السنة الثانية والذي في الاصابة وكان دخوله بها في شوال في السنة الاولى كما أخرجه ابن سعد عن الواقدي عن أبي الرجال عن أبيه عن أمه عمرة عنها رضى الله عنها قالت اعرس بى على رأس ثمانية أشهر ثم حكى ما ذكره المصنف وسيأتى تفصيل ذلك عن المؤلف (ان تدخل نساؤها) كذا بالبناء للمجهول فيكون المعنى نساء ذويها وأقاربها (وفي) شهر (صفر منها) أى من السنة الثانية (تزوج) أى عقد عليها وفي الاصابة في أوائل المحرم وفي تاريخ الخميس عقد عليها في رجب على الاصح وقيل في رمضان (ودخل في ذى الحجة بعد وقعة أحد) حكى ذلك ابن عبد البر ووقعة أحد كانت في شوال سنة ثلاث اتفاقا ورده في الاصابة وسيأتى تفصيل ذلك كما وعد به المؤلف (وفيها) أي في هذه السنة (صدقة الفطر) في المواهب قبل العيد بيومين (ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب واذا أطلق لا يراد الا هو (صاعا) الخ وعند أبي داود وأحمد والترمذي وحسنه صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من زبيب أو صاع من برأي فمح وذكر أبو داود أن عمر بن الخطاب جعل نصف صاع من بر مكان هذه الاشياء وفي الصحيحين ان معاوية هو الذي قوم ذلك وعند الدارقطني عن عمر أمر ﷺ عمرو بن حزم بنصف صاع من حنطة ورواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس مرفوعا وفيه فقال علي اما اذا وسع الله فاوسعوا اجعلوه صاعا من بر وغيره
стр. 176
قبل خروج الناس الى الصلاة*
[مطلب في إسلام سيدنا العباس والكلام على أول راية عقدها رسول الله]
وفيها أسلم العباس رضى الله عنه وكان أسر ببدر وفادى نفسه وابنى اخوته عقيل بن أبى طالب ونوفل بن الحارث ثم أسلم عقيب ذلك وقد ذكرناه مستوفى فى ترجمته في كتابنا الرياض المستطابة والله أعلم* وفيها كان من الغزوات والسرايا سرية عبيدة ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف وهى أوّل راية عقدها رسول الله ﷺ لم يعقد قبلها لاحد قيل بعثه ﷺ مرجعه من غزوة الأبواء قبل أن يصل الى المدينة وكان عددهم ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ليس فيهم انصارى ولقوا جمعا من قريش بالحجاز فلم يكن بينهم قتال الا أن سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه رمى بسهم فكان أوّل سهم رمي به فى سبيل الله ثم انصرفوا وللمسلمين حامية وفرّ الى المسلمين يومئذ المقداد بن عمرو البهرانى وعتبة بن غزوان المازنى وكانا من المستضعفين بمكة وكان على المشركين يومئذ عكرمة بن أبي جهل وقيل مكرز بن حفص. ثم سرية حمزة بن عبد المطلب الى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين فلقى أبا جهل بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى وكان موادعا للفريقين ثم غزوة بواط من ناحية رضوى قال البكرى واليها انتهى النبى ﵌ في غزوته الثانية ولم يلق كيدا وذلك في شهر ربيع الأوّل واستعمل على المدينة السائب بن مظعون وروينا في صحيح مسلم عن جابر قال سرنا مع رسول الله ﵌ وهو يطلب في غزوة بواط مجدي بن عمرو الجهنى وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة والسبعة ثم ساق فيها الحديث الطويل المشتمل (وفيها) أي في هذه السنة (كان من الغزوات) جمع غزوة (والسرايا) مثل عطايا جمع (سرية) بتشديد الياء مثل عطية القطعة من الجيش (عبيدة) بضم العين وفتح الموحدة واسكان التحية فدال مهملة فهاء وهذه السرية بهذا التاريخ ذكرها ابن هشام في السيرة وأبو الربيع في كتاب الاكتفاء وقال في المواهب في شوال على رأس ثمانية أشهر (وهي أوّل راية عقدها) هذا مختلف فيه فان بعض الناس يقول راية حمزة أوّل راية لانها كانت على رأس سبعة أشهر في رمضان خلافا للمصنف (بسيف البحر) بكسر المهملة وسكون التحتية وبالفاء ساحل البحر من ناحية العيص قاله في المواهب وجزم بأن هذه السرية قبل سرية عبيدة ثم قال فلما تصافوا حجز (بينهم مجدي) بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الدال المهملة وياء كياء النسب (بواط) بالضم وآخره طاء مهملة ورواه العذري والمستملى بفتح أوله والاول أشهر وقالوا هو جبل من جبال جهينة بناحية رضوى (السائب بن مظعون) هو أخو عثمان بن مظعون (الناضح) البعير
стр. 177
على معجزات ظاهرة باهرة لرسول الله ﵌ فلما رجع منها أقام بالمدينة بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الاولى ثم غزا العشيرة وقال ابن سعد غزا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ذا العشيرة في جمادى الأخرى على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره في خمسين ومائة وقيل مائتين من المهاجرين على ثلاثين بعيرا يعتقبونها وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب واستخلف على المدينة أبا سلمة المخزومى يطلب عيرا لقريش التي كانت وقعة بدر بسببها حين رجعت من الشام فبلغ ذا العشيرة من بطن ينبع وبين المدينة وينبع سبعة برد فوجد العير قد مضت الى الشام قبل ذلك بأيام فوادع بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة ثم رجع ولم يلق كيدا وفي صحيح البخارى عن زيد بن أرقم انها أوّل الغزوات وهو خلاف المشهور عن أهل النقل وجمع بينهم بأن زيدا زاد أوّل ما غزوت أنا معه ويضعفه رواية مسلم قلت فما أوّل غزوة غزاها قال ذات العشيرا أو العشيرة والله اعلم قال ابن اسحق وقد كان بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيما بين ذلك من غزوة سعد بن ابى وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز ثم رجع ولم يلق كيدا. ثم خرج صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في طلب كرز بن جابر الفهري وكان اغار على سرح المدينة وانتهى فيها الى واد يقال له سفوان من ناحية بدر وفاته كرز بن جابر وتسمى بدرا الاولى وفي مرجعه منها بعث ابن (العشيرة) بالتصغير واعجام الشين ووقع في رواية الصحيحين بحذف الهاء قال السهيلى والصواب بالهاء (برد) جمع يريد في الاصل البريد الرسول ثم استعمل في المسافة التى يقطعها وهى اثني عشر ميلا (أبا سلمة المخزومى) اسمه عبد الله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي أحد السابقين الي الاسلام (عيرا) بالكسر الاصل الابل تحمل الميرة ثم غلب استعماله فاطلق على كل قافلة (الخرار) بمعجمة مضمومة على ما في القاموس ومفتوحة على ما في المعجم والنهاية فراء آخره قال ياقوت موضع بالحجاز قرب الجحفة وقيل واد من أودية المدينة (ثم خرج ﷺ أي ولم يقم بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة الا ليالى قلائل لا تبلغ العشر قاله ابن اسحاق واستعمل على المدينة زيد بن حارثة فيما قال ابن هشام (في طلب كرز) بضم الكاف وسكون الراء وبالزاي (ابن جابر الفهري) نسبة الي جده الاعلى فهر بن مالك بن النضر كان من رؤساء المشركين ثم أسلم وصحب وامر على سرية واستشهد في غزوة فتح مكة (سرح المدينة) بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات الابل والمواشى التى تسرح للرعي بالغداة (سفوان) بفتح المهملة والفاء (وتسمى بدرا الاولى) وسماها ابن اسحاق غزوة سفوان باسم المكان الذي انتهى اليه ﵌ (وفي مرجعه منها) أى من سفوان في رجب فيما حكاه ابن
стр. 178
عمته عبد الله بن جحش الاسدي في ثمانية رهط من المهاجرين وكتب له كتابا أمره فيه أن ينزل ببطن نخلة بين مكة والطائف فيرصد بها عير قريش ولا يستكرهن أحدا من أصحابه وقال له لا تفتح الكتاب حتى تسير يومين فمضى عبد الله ومعه أصحابه لم يتخلف أحد منهم الا ان سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان تخلفا فوق الفرع في طلب بعير لهما أضلاه ولما نزلوا بنخلة مرت بهم عير لقريش تحمل تجارة وفيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه فقتلوا ابن الحضرمي وأسروا اثنين وفروا حدو ذلك آخر يوم من جمادى وكانوا يرون انه من جمادى وهو من رجب وكان ذلك أوّل قتل وأسر في المشركين وأوّل غنيمة في الاسلام فقال المشركون قد استحل محمد الشهر الحرام وعيروا المسلمين بذلك فشق ذلك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ووقف العير والاسيرين حتى نزل قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ الآية فقسم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الغنيمة ووقف الاسيرين حتى قدم سعد وصاحبه وفاداهم. ثم غزا اسحاق وقيل في جمادى الآخرة على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجره (في ثمانية رهط) وهم أبو حذيفة بن عتبة العبشمى. وعكاشة بن محصن الاسدي. وعتبه بن غزوان. وسعد بن أبي وقاص. وعامر بن ربيعة. وواقد بن عبد الله. وخالد بن البكير. وسهل بن البيضاء. وجميعهم (من المهاجرين) وقيل اثنا عشر رجلا حكاه في المواهب ليس فيهم من الانصار أحد يعتقب كل اثنين منهم بعيرا (تخلفا فوق الفرع) وفي السيرة حتي اذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران (تحمل تجارة) في السيرة والمواهب تحمل زبيبا وادما وزاد ابن هشام وتجارة (ابن الحضرمى) بمهملة ومعجمة ساكنة قال ابن هشام واسم الحضرمى عبد الله بن عباد (وثلاثة معه) وهم عثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة (فقتلوا ابن الحضرمى) رماه واقد بن عبد الله التميمى بسهم فقتله (وأسروا اثنين) عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان (وفرواحد) وهو نوفل بن عبد الله (آخر يوم من جمادى) الآخرة وفي السيرة وذلك في آخر يوم من رجب ويقال أوّل يوم من شعبان (فشق ذلك على رسول الله ﷺ لان القتال وقع في الشهر الحرام قال ابن اسحاق فلما قدموا على رسول الله ﷺ المدينة قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام (ووقف العير والاسيرين) ليتبين له الحكم في ذلك من ربه (فقسم صلي الله عليه وآله وسلم الغيمة) أى بعد نزول الآية (وقف الاسيرين) قال ابن هشام وبعثت اليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فقال رسول الله ﷺ لانفديكموهما حتي يقدم صاحبانا يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان فانا نخشاكم عليهما فان قتلتموهما فقتل صاحبيكم فقدم سعد وعتبة ففداهما رسول الله ﷺ منهم فاما الحكم فاسلم فحسن اسلامه وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرا
стр. 179
النبي ﵌.
[مطلب فى غزوة بدر الكبري والكلام عليها تفصيلا]
غزوة بدر الكبرى وهي الرابعة من غزواته وكانت وقعتها يوم الجمعة السابع عشر من رمضان وذلك على رأس سنة من الهجرة وثمانية أشهر وسبع عشرة ليلة وثبت في عدد المسلمين فيها ما رواه المحدثون في كتبهم واللفظ للبخاري عن البراء بن عازب قال كنا أصحاب محمد نتحدث ان عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه ولم يجاوز معه مؤمن الا بضع عشرة وثلاثمائة فسر البضع هنا بأربعة فمن المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا وبقيتهم من الانصار فمن سائر بطون الاوس ابن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر احد وستون ومن سائر بطون الخزرج بن حارثة مائة وسبعون وعد منهم من ضرب له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بسهمه وأجره ولم يحضرها فجعله كمن حضرها وكان معهم ثمانون بعيرا يعتقبونها وفرس واحد للمقداد بن الاسود قيل وآخران للزبير وابي مرثد الغنوي وعدد المشركين ما بين التسع المائة والالف (غزوة بدر الكبرى) وتسمى العظمى وبدر الثانية وبدر القتال لوقوعه فيها دون الاولى والثانية وتسمى أيضا بدر الفرقان وهى قرية مشهورة بين مكة والمدينة على نحو أربع مراحل من المدينة قاله النووى في تهذيب الاسماء واللغات وفي معجم ما استعجم للبكرى على ثمانية وعشرين فرسخا من المدينة يذكر ولا يؤنث جعلوه اسم ماء وفي المعجم لياقوت بدر بالفتح ثم السكون ماء مشهور بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء (وهى الرابعة من غزواته) التي غزاها ﵌ بنفسه. قال في المواهب وكان خروجهم يوم السبت وعند ابن سعد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان على رأس تسعة عشر شهرا ويقال لثمان خلون منه قاله ابن هشام واستخلف أبا لبابة وقيل رفاعة بن عبد المنذر الاوسى رده من الروحاء واليا على المدينة قاله ابن اسحاق وقال الحاكم لم يتابع على ذلك وقال ابن هشام واستعمل على الصلاة ابن أم مكتوم وقال ابن القيم استخلفه على المدينة والصلاة معا حتى رد أبا لبابة من الروحاء (وكانت وقعتها يوم الجمعة) أي القتال (بضع عشرة وثلاثمائة) هذا هو المشهور عند ابن اسحاق ورواه أحمد والبزار والطبرانى عن ابن عباس وللطبرانى والبيهقي عن أبي أيوب قال خرج رسول الله ﷺ الى بدر فقال لاصحابه تعادوا فوجدهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا ثم قال لهم تعادوا فتعادوا مرتين فأقبل رجل على بكر له ضعيف وهم يتعادون فتمت العدة ثلاثمائة وخمسة عشر وفي حديث عمر عند مسلم ثلاثمائة وتسعة عشر فمن المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا ذكرهم ابن اسحاق بأسمائهم وحلفائهم ومواليهم فبلغوا ذلك وزاد ابن هشام ثلاثة وسردهم وعند الواقدي خمسة وثمانين رجلا ولاحمد والبزار والطبراني عن ابن عباس ان المهاجرين ببدر كانوا سبعة وسبعين قال من تعقب ذلك فلعله لم يذكر من ضرب له بسهم ممن لم يشهدها حسا وقال الداودي كانوا على التحرير أربعة وثمانين ومعهم ثلاثة أفراس (وبقيتهم من الانصار) قال في المواهب وخرجت معه
стр. 180
قيل تسعمائة وخمسون وكان معهم ثمانون فرسا وجملة من استشهد بها من المسلمين أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الانصار وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون وتلخيص خبرها على ما ذكر ابن اسحق وغيره ان النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سمع بأبى سفيان صخر بن حرب خرج في تجارة الى الشام معه ثلاثون او أربعون رجلا فلما فاتته فى ذهابها طمع بها في إيابها وجعل العيون عليها فحين جاءه عينه بسيسة بن عمرو الجهنى بخبرها خرج بمن خف معه من المسلمين واستعمل على الصلاة ابن أم مكتوم وعلى المدينة أبا لبابة ودفع لواءه وكان أبيض الى مصعب بن عمير العبدري وكان له رايتان سوداوان إحداهما مع علي رضى الله عنه والأخرى بيد رجل من الانصار ثم ان أبا سفيان لما قارب الحجاز اشتد خوفه وجعل يتجسس الاخبار فلما أخبر بمخرج النبى ﵌ بعث الى قريش يستنفرهم فأوعبت قريش في الخروج فلم يتخلف من بطونها أحد الا بنو عدى ولا من أشرافها الا ان أبا لهب استأجر مكانه العاص بن هشام بن المغيرة فقتل العاص فيمن قتل ولم تمتد حياة أبى لهب بعده رماه الله بالعدسة بعد مصاب أهل بدر بليال ولما كان النبى ﷺ ببعض الطريق وصح له نفير قريش استشار أصحابه في طلب العير وحرب النفير وكانت العير أحب اليهم كما قال الله تعالى وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم عمر فأعرض كذلك ثم المقداد فأحسن القول وأجاده وهو في كل ذلك يقول أشيروا وانما يريد الانصار لانهم العدد الكثير وأيضا فكان يتخوف منهم انهم لا يرون نصرته الا على من دهمه بالمدينة كما هو في أصل بيعتهم ليلة العقبة وكان اذ ذاك الايمان قد تمكن في قلوبهم وتحققوا وجوب طاعته فلو أمرهم بقتل آبائهم وأبنائهم لفعلوا فقام سعد بن عبادة وقال ايانا تريد يا رسول الانصار ولم تكن قبل ذلك خرجت معه (بسيسة) بضم الموحدة وبمهملتين بينهما تحتية ساكنة (يستنفرهم) الاستنفار طلب النصرة من الناس لينفروا معه الى مقصده ويساعدوه فيما ندبهم اليه (بالعدسة) بعين مهملة هي بثرة تشبه العدسة قل ان يسلم من يصاب بها يقال انها تشبه الطاعون والصحيح انها الجدري (وتودون أن غير ذات الشوكة) أي ترغبون ان تصادفوا العير لا الخيل التى خرجت لتدفع عنه كما مر (كما هو في أصل بيعتهم ليلة العقبة) قال أهل السير قالوا يا رسول الله انا نبرأ من ذمامك حتى تصل الى ديارنا فاذا وصلت الينا فانت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فلما استشهارهم أجابوه أحسن جواب بالموافقة التامة رضى الله عنهم قال النووي ففيه استشارة الاصحاب وأهل الرأي والخبرة (فقام سعد بن عبادة وقال الى آخره) للبغوي وغيره سعد بن معاذ وجمع بينهما بانهما قالا ذلك يومئذ (ايانا)
следующие страницы →