Полный текст (880 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فلما علم بهم النبى ﷺ ندب أصحابه للخروج موريا من نفسه القوة وقال لا يخرجن معنا الامن حضر يومنا بالامس فانتدب منهم سبعون رجلا فهم الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح فلما بلغوا حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة مربهم معبد الخزاعي وكانت خزاعة نصحاء لرسول الله ﵌ مسلمهم وكافرهم فعزى رسول الله ﵌ بمن أصيب من أصحابه ثم جاوزهم فلما انتهى الى قريش أخبرهم بمخرج رسول الله ﵌ فهول بجيوشه قال والله لقد حملنى ما رأيت على ان قلت شعرا
كادت تهد من الاصوات راحلتي ... اذ مالت الارض بالجرد الابابيل
فى أبيات أنشدها فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه على الرجوع ومر عليهم ركب من عبد القيس فجعل لهم أبو سفيان جعلا على أن يخبروا رسول الله ﷺ ومن معه ندموا على انصرافهم وتلاوموا وقالوا لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم قتلتموهم حتى اذا لم يبق الا الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم (موريا) باسكان الواو وبفتحها وتشديد الراء (من حضر يومنا) أي وقعتنا (سبعون رجلا) منهم العشرة وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وخالد بن عبد الله رضى الله عنهم (الذين استجابوا) أي أجابوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ أى نالهم (القرح) الجرح (معبد الخزاعي) أسلم بعد ذلك عده أبو الحسن العسكرى في الصحابة (عزى رسول الله ﷺ فقال يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا ان الله أعفاك فيهم كما في تفسير البغوي وغيره (فلما انتهى الى قريش) وهم حينئذ بالروحاء مجمعين الرجعة الى رسول الله ﷺ وقالوا قد أصبنا أصحابه وقادتهم فلنكر على بقيتهم فلنفرغن منهم فلما رأي أبو سفيان معبدا قال ماوراءك يا معبد قال محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم (وهول بجيوشه) وقال هذا جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم وفيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط قال ويحك ما تقول قال والله ما أراك ترتحل حتى تري نواصى الخيل قال فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال فانى انهاك عن ذلك (فو الله لقد حملني ما رأيت على ان قلت فيهم أبياتا) هذا لفظ البغوي (كادت) أى قربت (تهد) تدك (من) كثرة (الاصوات راحلتي اذ مالت) في تفسير البغوي اذ سالت (الارض بالجرد) جمع أجرد يقال فرس أجرد اذا رقت شعرته وقصرت وهو مدح في الخيل (الابابيل) أى الكثيرة المتفرقة التى يتبع بعضها بعضا قال أبو عبيدة أبابيل جماعات في تفرقة يقال جاءت الخيل الابابيل من هاهنا وهاهنا (فثنى ذلك أبا سفيان) أي أرجعه (ومر عليهم ركب من عبد القيس) زاد البغوي فقالوا اين تريدون قالوا نريد المدينة قالوا ولم قالوا نريد الميرة قال
стр. 212
بأنهم يريدون الكرة عليهم فلما مر الركب على رسول الله ﷺ وأخبروه وأصحابه بمقالة ابى سفيان قالوا كما حكي الله عنهم حسبنا الله ونعم الوكيل وأقام رسول الله ﵌ بحمراء الاسد ثلاثة أيام ثم رجع* وفي هذه الغزوة أخذ رسول الله ﷺ معاوية بن المغيرة الاموي جد عبد الملك بن مروان ابا أمه وأبا عزة الجمحي الشاعر فأما معاوية فتشفع له عثمان فشفع فيه على انه ان وجد بعد ثلاثة قتل فوجد بعدها فقتل واما أبو عزة الجمحى فكان النبي ﵌ اسره ببدر ومن عليه بغير فدى لحاجة شكاها وعيال فأخذ عليه أن لا يعين عليه فنكث فلما وقع الثانية شكا مثلها فقال النبى ﷺ لا والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين ان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وامر بضرب عنقه*
[مطلب فى الكلام على غزوة النضير]
وفيها غزوة بنى النضير بعد أحد وقال الزهري عن عروة كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد وكان من حديثهم انهم كانوا صالحوا النبي ﵌ حين قدم المدينة على أن لا يقاتلوا معه ولا يقاتلوه وهل أنتم مبلغون محمدا عنى رسالة فاحمل لكم إبلكم هذه زبيبا بعكاظ غدا اذا وافيتم قالوا نعم قال اذا جئتموه فاخبروه انا أجمعنا الرجعة اليه والى أصحابه لنستأصل بقيتهم وانصرف أبو سفيان الى مكة (حسبنا الله) أي كافينا (ونعم الوكيل) أى الموكول اليه الامور (فائدة) في صحيح البخاري عن ابن عباس حسبنا الله ونعم الوكيل قالها ابراهيم حين القى في النار وقالها محمد رسول الله ﷺ حين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم وفي مسند الفردوس عن شداد بن أوس قال قال رسول الله ﷺ حسبي الله ونعم الوكيل أمان لكل خائف* وفي هذه الغزوة (الاموى) بضم الهمزة نسبة الى أمية بن عبد شمس (وأبا غزة) بفتح العين المهملة والزاى المعجمة اسمه عمرو بن عبد الله والذي أسره غير ابن عبد الله قال السهيلى كذا ذكر بعضهم واحسبه عبد الله بن عمران أحد بنى حذارة أو عبد الله بن عمير الحطمي اه (فنكث) أي نقض (ان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين) رواه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة ورواه أحمد وابن ماجه عنه وعن ابن عمرو لفظهم لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين زاد مسلم واحد مرتين. قال القاضي يروي يرفع يلدغ على الخبر ومعناه المؤمن الممدوح هو الكيس الحازم الذى لا يستغفل فيخدع مرة بعد أخري ولا يفطن لذلك وقيل ان المراد الخداع في أمور الآخرة دون الدين وروي بالجزم على النهي على أن يؤتى من جهة الغفلة قال أبو عبيد معناه عندنا ينبغي لمن نكب من وجه ان لا يعود الى مثله وعد القاضى في الشفا هذه اللفظة من جملة الفاظه التى لم يسبق اليها ﷺ والجحر بضم الجيم وسكون المهملة كل ثقب مستدير في الارض (فائدة) استنبط بعضهم من هذا الحديث أن المرء اذا أذنب وعوقب عليه في الدنيا أنه لا يعاقب عليه نانيا في الآخرة وهو استنباط حسن* (وفيها غزوة بنى النضير) بفتح النون وكسر المعجمة قبيلة من اليهود (وقال الزهري) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب (على أن لا يقاتلوا معه ولا يقاتلوه)
стр. 213
فنقضوا العهد وركب كعب بن الاشرف في أربعين راكبا الى قريش فخالفهم قيل كان ركوبه بعد بدر وقيل بعد احد وكان النبي ﷺ قصدهم يستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري حين افلت من غزوة بئر معونة فهموا بطرح حجر عليه من فوق الحصن فأخبره جبريل فانصرف راجعا عنهم وأمر بقتل كعب بن الاشرف وأصبح غاديا عليهم بالكتائب وكانوا بقرية يقال لها زهرة فوجدهم ينوحون على كعب فقالوا يا محمد واعية على أثر واعية ثم حشدوا للحرب ودس اليهم اخوانهم من منافقى الانصار ما حكاه الله عنهم لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ فحاصرهم النبي ﵌ احدى وعشرين ليلة وقطع نخيلهم وحرقها وهي البويرة وفيها يقول حسان ابن ثابت يوبخ قريشا ويعيرهم بذلك
وهان على سراة بنى لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
فأجابه ابو سفيان بن الحرث
أدام الله ذلك من صنيع ... وحرق في نواحيها السعير
زاد البغوي وأن يعينوه في الديات (فحالفوهم) وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد فدخل أبو سفيان في أربعين من قومه وكعب بن الاشرف في أربعين من اليهود المسجد وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الاستار والكعبة (قصدهم يستعين الى آخره) زاد البغوى وخرج معه الحلفاء وطلحة وعبد الرحمن بن عوف (أفلت) بالفاء مبنى للمفعول (بئر معونة) بفتح الميم وضم العين المهملة ونون موضع في بلاد هذيل بين مكة وعسفان (فهموا بطرح حجر عليه) كان الذى هم بذلك منهم رجل يقال له عمرو بن جحاش بجيم مفتوحة ومهملة مشددة وفي آخره معجمة. قال الشمنى قتل كافرا ووقع في الشفا ان ذلك كان في خروجه الى بني قريظة وهو خطأ (فانصرف راجعا عنهم) زاد البغوى ثم دعا عليا وقال لا تبرح من مقامك فمن خرج عليك من أصحابي فقل توجه الى المدينة ففعل ذلك حتى تناهوا اليه فتبعوه (بالكتائب) جمع كتيبة وهي الجماعة من الخيل سميت بذلك لاجتماعها (زهرة) بفتح المعجمة وفتح الهاء (واعية اثر واعية) زاد البغوي وباكية على اثر باكية قال نعم قالوا ذرنا نبكي سويعة ثم ائتمر امرك والواعية بالمهملة كالباكية وزنا ومعنى (من منافقى الانصار) عبد الله بن أبى وأصحابه (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ) من المدينة (لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ) منها (وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً) سألنا خذلانكم (أبدا فحاصرهم النبي ﷺ احدي وعشرين ليلة) وذلك بعد أن أرادوا الفتك به في اليوم الاول فارسلت امرأة منهم ناصحة الى أخيها رجل من الانصار مسلم فأخبرته بما أرادوا فاعلم رسول الله ﷺ فأصبح من الغد غاديا عليهم (وهي البويرة) بموحدة مضمومة قال في التوشيح تصغير بورة وهي الحفرة وهي هنا مكان بين المدينة وتيماء (وهان) في نسخة الكشميهنى لهان (سراة) جمع سرى وهو الرئيس الشريف (مستطير)
стр. 214
ستعلم أينا منها بنزه ... وتعلم أى أرضينا تضير
رواه البخارى ولما أمر النبى ﵌ بقطع النخيل واحراقها ترددوا في ذلك فمنهم الفاعل ومنهم الناهي ورأوه من الفساد وعيرهم اليهود بذلك فنزل القرآن العظيم بتصديق من نهى وتحليل من فعل فقال تعالى ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ولما اشتد على أعداء الله الحصار قذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح من رسول الله ﵌ فصالحهم على الجلاء وان لهم ما أقلت الابل الا السلاح فخرجوا الى أذرعات واريحاء من الشام وخرج آخرون الى الحيرة ولحق آل بنى الحقيق وآل حيى بن أخطب بخيبر فكانوا أوّل من أجلى من اليهود كما قال أي مشتعل منتشر (بنزه) بنون مضمومة وزاى ساكنة أي ببعد يقال تنزه عن الشئ أى بعد عنه (أرضينا) بالتثنية (تضير) بفتح المثناة وكسر المعجمة من الضير وهو الضرر (تنبيه) في سيرة ابن سيد الناس عن أبي عمرو الشيبانى ان القائل لهان على سراة بني لؤي أبو سفيان والقائل أدام الله البيتين حسان عكس ما في الصحيح قال وهو الاشبه قال ابن حجر الذى في الصحيح أصح لان قريشا وعدوا بنى النضير بالمساعدة والمظاهرة فلما وقع لبني النضير ما وقع عير حسان بذلك قريشا وهم بنو لؤي فاجابه أبو سفيان بما أجاب إيذانا بقلة المبالاة بهم فان العداوة كانت بينهم وبين أهل الكتاب أيضا وأشار في جوابه الى أن خراب أرض بني النضير انما يضر الارض المجاورة لها وهى المدينة لا مكة (رواه البخاري) ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر زاد مسلم في رواية وفيها نزلت ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فباذن الله (ولما أمر النبي صلي الله عليه وسلم بقطع النخيل واحراقها) خرج أعداء الله عند ذلك وقالوا زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح عقر الشجرة وقطع النخل وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الارض فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فسادا (ما قطعتم من لينة) هي أنواع التمر كلها الا العجوة وقيل كرام النخل وقيل كل النخل وقيل كل الاشجار وقيل ضرب من النخل شديد الصفرة يري نواه من خارج ثمر النخلة منها وهى أحب صنف اليهم منه (الجلاء) بفتح الجيم والمد هو الخروج من الوطن (أقلت الابل) أى ما حملت (الا السلاح) بالنصب وقال ابن عباس على أن يحمل أهل كل اثنين على بعير ما شاؤا من متاعهم وللنبى ﷺ ما بقي وقيل أعطى كل ثلاثة نفر وسقا (أذرعات) بفتح الهمزة واسكان المعجمة وكسر الزاى بعدها مهملة فالف ففوقية (وأريحاء) بفتح الهمزة وكسرا الراء واسكان التحتية ثم مهملة ثم همزة ممدودة مواضع بقرب بلاد طي على ساحل البحر في أوّل طريق الشام من المدينة (الحيرة) بكسر المهملة ثم تحتية ساكنة مدينة معروفة عند الكوفة قال الشمنى وأخرى عند نيسابور (آل أبي الحقيق) بمهملة وقافين بينهما تحتية مصغر (بخيبر) بفتح المعجمة واسكان التحتية وفتح الموحدة على وزن حيدر مدينة على ثمانية برد من المدينة الى جهة
стр. 215
تعالى لاول الحشر والحشر الثاني من خيبر في أيام عمر بن الخطاب فكانت أموال بنى النضير خالصة لرسول الله ﵌ فقسمها بين المهاجرين لحاجتهم وفقرهم ولم يعط الانصار شيأ الاثلاثة نفر كانت لهم حاجة ابو دجانة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة فطابت بذلك أنفس الانصار واثنى عليهم بذلك العزيز الغفار فقال ولا يجدون في صدورهم يعنى الانصار حاجة اى حسدا مما أوتوا يعني المهاجرين ﵃ اجمعين*
[مطلب في الكلام على غزوة بدر الصغرى]
وفي ذى القعدة منها كانت غزوة بدر الثالثة وهي بدر الصغرى ذكرها النووى ورتبها قبل بني النضير وذكرها غير واحد فى الرابعة وهو موافق لما ذكر فيها انهم تواعدوا لها يوم احد العام القابل وكانت احد في الثالثة وسببها ان ابا سفيان حين انصرف من احد واعد رسول الله ﷺ موسم بدر وكانت سوقا من أسواق الجاهلية يجتمعون اليها في كل عام ثمانية أيام فلما كان ذلك خرج أبو سفيان بمن معه حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران وقيل بلغ عسفان وبداله الرجوع وتعلل بمحل العام وعدم المرعي قيل وجعل جعلا لبعض العرب على أن يلقوا رسول الله ﵌ ويثبطوه فلما رجع أبو سفيان عيرهم أهل مكة وسموهم جيش السويق يقولون انما خرجتم لذلك وخرج رسول الله ﷺ بمن معه واستعمل على المدينة الشام سميت باسم رجل نزلها من العماليق (والحشر الثاني من خيبر في أيام عمر رضى الله عنه) وقيل نار تحشرهم من المشرق الى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا (أبو دجانة) بضم المهملة وتخفيف الجيم اسمه سماك كاسم النجم بن أوس بن خرشة بمعجمتين بينهما راء مفتوحات استشهد يوم اليمامة في الاصح وقيل عاش وشهد صفين (ابن حنيف) بالمهملة والنون فالتحتية فالفاء مصغر (ابن الصمة) بكسر المهملة وتشديد الميم كما مر (خاتمة) ذكر ابن عياض في تفسير سورة الحشر انه لم يسلم من بني النضير الارجلين أحدهما أبو سفيان بن عمير والثانى سعد بن وهب أسلما على أموالهما فاحرزاها نقله ابن شاهين في كتاب الصحابة (وفي ذى القعدة) بفتح القاف أشهر من كسرها ذكرها النووى في سير الروضة (مر الظهران) قرية على ستة عشر ميلا من مكة مما يلي الشام سميت بذلك لمرارة مائها قلت ماؤها الآن عذب وهو الموضع ألذى تسميه العامة وادى مر (عسفان) بضم العين واسكان المهملتين بئر قريبة من خليص بينها وبين مكة أربعة برد وسميت به لان السيول تعسفها (وبداله) بغير همز (بمحل العام) أى جدبه وهو بفتح الميم واسكان المهملة (وجعل جعلا) كان الجعل عشرا من الابل (لبعض العرب) هو نعيم بن مسعود الاشجعى الذى أسلم يوم الخندق (أن يلقوا) بفتح القاف (ويثبطوه) بالمثلثة فالموحدة فالمهملة أى يعوقوه ففعل نعيم بن مسعود ما قاله أبو سفيان فكره أصحاب رسول الله ﷺ الخروج فقال رسول الله ﷺ والذي نفسى بيده لاخرجن ولو وحدى فاما الجبان فانه رجع وأما الشجاع فانه تأهب للقتال وقال
стр. 216
عبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول وجعل كفار العرب يلقونهم ويخبرونهم بجمع أبى سفيان فيقول حسبنا الله ونعم الوكيل حتى نزلوا بدرا ووافقوا السوق وأصاب الدرهم در همين وانصرفوا الى المدينة سالمين فذلك قوله تعالى فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ الآية وفي ذلك يقول عبد الله بن رواحة وقيل كعب بن مالك ﵄ وأرضاهما
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لابت ذليلا وافتقدت المواليا
تركنا بها أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه تاويا
عصيتم رسول الله أف لدينكم ... وأمركم السئ الذى كان غاويا
فاني وان عنفتمونى لقائل ... فدى لرسول الله أهلى وماليا
أطعناه لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا
[مطلب في سرية عاصم بن ثابت الأنصاري وخبر ذلك]
وفيها من السرايا سرية عاصم بن ثابت الانصارى قال ابن اسحق كانت بعد احد حسبنا الله ونعم الوكيل كما في تفسير البغوي وغيره (عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول) بتنوين أبى ويكتب ابن سلول بالالف وسلول لا ينصرف وهي أم عبد الله بن أبيّ (فانقلبوا) أى انصرفوا أورجعوا (بنعمة) أى بعافية (من الله وفضل) أى تجارة وربح وما أصابوا في السوق (لم يمسسهم) أى لم يصبهم (سوء) أى اذي ولا مكروه (واتبعوا رضوان الله) أي طاعته وطاعة رسوله لانهم قالوا هل يكون هذا غزوا فاعطاهم الله ثواب الغزو ورضى عنهم (وعدنا) أي واعدنا (وافيتنا) فيه التفات الى الخطاب (لابت) أى رجعت (وافتقدت) أي فقدت (المواليا) بالف الاطلاق وأراد بني العم (عتبة) بن ربيعة (وابنه) الوليد بن عتبة (تاويا) بالفوقية أى هالكا ويجوز بالمثلثة أي مقيما لم يبرح لهلاكه (أف) قال أبو عبيد هى كلمة كراهة وأصل الاف والتف الوسخ على الاصابع اذا فتلتها وقيل الاف ما يكون في المغابن من الوسخ والتف ما يكون في الاصابع وقيل الاف وسخ الاذن والتف وسخ الاظفار وقيل الاف وسخ الظفر والتف ما رفعت بيدك من الارض من شيء حقير ويستعمل جوابا عما يستقذر وعما يتضجر منه وفيها عشر لغات ضم الهمزة مع سكون الفاء وتشديدها بالحركات وبغير تنوين وباشباع الفتحة مع التشديد وبكسر الهمزة مع فتح الفاء المشددة وبفتح الهمزة وتشديد الفاء بعدها هاء منقلبة مفتوحة منونة أيضا (وأمركم السيء) بفتح المهملة ثم همزة أى الشئ حذف احدى يائيه للوزن (غاويا) بالمعجمة أى ضالا (عنفتموني) بالمهملة والنون والفاء أي لمتموني (فدى) بكسر الفاء مقصور (وماليا) بألف الاطلاق (شهابا) هو من أسماء النجم كما سبق* وفيها من السرايا (عاصم بن ثابت) هو ابن أبي الاقلح بالقاف والمهملة والاقلح لقب واسمه قيس بن غنيمة بن النعمان الاوسي عده ابن شاهين
стр. 217
وكان من حديثها ان النبي ﷺ بعثه في عشرة عينا فلما كانوا بالرجيع ماء لهذيل بين عسفان ومر الظهران وعسفان على مرحلتين من مكة ذكروا لبنى لحيان من هذيل فتبعهم منهم نحو من مائة رام فلما احس بهم عاصم واصحابه لجؤا الى مرتفع من الارض وأحاط بهم القوم وأعطوهم العهد ان استسلموا والقوا بأيديهم لا يقتلون منهم أحدا فقال عاصم اما انا فلا انزل في ذمة كافر ابدا اللهم اخبر عنا رسولك فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة ونزل اليهم خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق بالامان فربطوهم بأوتار قسيهم فقال عبد الله بن طارق هذا أوّل الغدر والله لا أصحبكم ابدا فقتلوه فانطلقوا بخبيب وزيد فباعوهما بمكة فاشترى خبيبا بنو الحرث بن عامر بن نوفل وكان قتل أباهم ببدر فمكث عندهم أسيرا أياما فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه صلي ركعتين وقال لولا في الصحابة وتبعه ابن الاثير (في عشرة) سمي منهم عاصم وحبيب بن عدي ومرثد بن أبي مرثد الغنوى وخالد بن بكير وعبد الله بن طارق وزيد بن الدثنة ومعتب بن عبيد بن اياس البلوي (عينا) أي يتجسسون له أخبار قريش وفي تفسير البغوي وغيره ان قريشا بعثوا الى رسول الله ﷺ وهو بالمدينة انا قد أسلمنا فابعث الينا نفرا من علماء أصحابك يعلموننا دينك وكان ذلك مكرا منهم فبعث رسول الله ﷺ أصحاب السرية اليهم (بالرجيع) بالراء والجيم مكبر (لهذيل) بالمعجمة مصغر (فذكروا) ذكرتهم عجوز مرت بموضع نزولهم بالرجيع فابصرت نوى التمر وكانوا أكلوا عجوة فرجعت الى قومها فأخبرتهم ان قوما من أهل يثرب سلكوا الطريق كما في تفسير البغوي وغيره وفي صحيح البخارى فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا هذا تمر يثرب (لبني لحيان) بكسر اللام وقيل بفتحها وسكون الحاء المهملة (من نحو مائة رام) في رواية في البخاري من مائتي رام وفي تفسير البغوى فركب سبعون رجلا منهم معهم الرماح حتى أحاطوا بهم (الى مرتفع) في بعض روايات البخاري الى فدفد بفائين مفتوحتين ومهملتين الاولى ساكنة وهى الرابية المشرفة ولابي داود قردد بقاف وراء ومهملتين الموضع المرتفع (حتى قتلوا عاصما) بعد ان قتل منهم سبعة كما في تفسير البغوى وغيره (في سبعة) منهم مرثد وخالد (خبيب) بضم المعجمة ابن عدى بن مالك بن عامر الاوسي من البدريين (ابن الدثنة) بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة ثم نون قال ابن دريد هو من قولهم دثن الطائر اذا طار حول وكره ولم يسقط عليه (ابن طارق) بالمهملة والقاف آخره (قسيهم) جمع قوس (فباعوهما بمكة) قال ابن هشام بأسيرين كانا من هذيل (بنو الحارث) تولى شراءه منهم حجر بن أبى اهاب التميمي كما في سيرة ابن اسحاق (كان قتل أباهم يوم بدر) تعقبه الدمياطي بأن خبيبا لم يذكره أحد من أهل المغازي فيمن شهد بدرا وانما الذي قتل الحارث خبيب بن اساف وهو غير ابن عدى (صلى ركعتين) زاد البغوي وكان خبيب هو أوّل من سن
стр. 218
ان تروا ان ما بي جزع لزدت ثم قال اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا وأنشد شعرا
فلست أبالى حين أقتل مسلما ... على أى شق كان في الله مصرعى
وذلك في ذات الاله وان يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قتلوه وصلبوه رحمة الله عليه قالت احدى بنات الحارث ما رأيت أسيرا قط خير امن خبيب لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ من ثمرة وانه لموثق في الحديد وما كان هو الا رزق رزقه الله خبيبا خرجه بكثير من ألفاظه البخاري واما زيد فاشتراه صفوان بن أمية فقتله بأبيه لكل مسلم قتل صبرا الصلاة (اللهم احصهم) بقطع الهمزة (بددا) روي بفتح الباء الموحدة أي متفرقين وبكسرها جمع بدة وهي القرحة والقطعة من الشيء المبدد ونصبه على الحال من المدعو عليهم قال السهيلي فان قيل هل أجيبت فيهم دعوة خبيب والدعوة على تلك الحال من مثل ذلك العبد مستجابة قلنا أصابت منهم من سبق في علم الله انه يموت كافرا ومن أسلم منهم فلم يعنه خبيب ولا قصده بدعائه ومن قتل منهم كافرا بعد هذه الدعوة فانما قتلوا بددا غير معسكرين ولا مجتمعين كاجتماعهم في أحد وقبل ذلك في بدر وان كان الخندق بعد قصة خبيب فقد قتل منهم آحاد متبددون ثم لم يكن لهم بعد ذلك جمع ولا معسكر غزوا فيه فنفذت الدعوة على صورتها فيمن أراد خبيب وحاشا له ان يكره ايمانهم واسلامهم (ولست أبالي) في رواية في الصحيحين ما أبالي (على أي جنب) وفي رواية على أى شق (وذلك في ذات الاله) فيه دليل على جواز اطلاق الذات عليه تعالى (على أوصال) أى أعضاء جمع وصل وهو العضو (شلو) بكسر المعجمة الجسد (ممزع) بزاى ثم مهملة أي مقطع وقيل مفرق (ثم قتلوه) وكان قتله بالتنعيم وتولى قتله أبو سروعة عقبة بن الحارث وقيل أخوه قال البغوى ويقال كان رجل من المشركين يقال له سلامان أبو ميسرة معه رمح فوضعه بين ثديي خبيب فقال له خبيب اتق الله فما زاده ذلك الا عتوا فطعنه فأنفذه (وصلبوه) أى بعد قتله كما يدل عليه ما يأتي وفي رواية للبغوي فصلبوه حيا فيحمل على انهم صلبوه حيا ثم قتلوه ثم صلبوه ثانيا (قالت احدى بنات الحارث) اسمها زينب كذا في التوشيح وفي مسند أبي القاسم البغوي انها مارية بالراء أو ماوية بالواو بنت حجر بن أبى اهاب (قطف عنب) بكسر القاف واسكان المهملة العنقود زاد البغوى في مسنده مثل رأس الرجل (أخرجه بكثير من ألفاظه البخاري) وأبو داود عن أبى هريرة وفي الحديث انهم لما أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها أي بحلق عانته فاعارته قالت فغفلت عن صبي لى فدرج اليه حتي أتاه فوضعه على فخذه فلما رأيته فزعت فزعة حتي عرف ذلك منى وفي يده الموسى قال اتخشين ان أقتله ما كنت لافعل ذلك ان شاء الله تعالى والصبي هو أبو الحسين ابن الحارث (واما زيد فاشتراه صفوان بن أمية فقتله بأبيه) أخرجه ابن سعد وفي تفسير البغوي انه بعثه
стр. 219
وروى انهم حين قربوه للقتل قال له أبو سفيان أنشدك الله يا زيد أتحب ان محمدا الآن عندنا بمكانك يضرب عنقه وأنت في أهلك قال والله ما أحب ان محمدا الان في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلى وأرسل أهل مكة لرأس عاصم فحمته الدبر وهي الزنابير من رسلهم فسمى حمى الدبر فلما أمسى من ليلته جاء سيل فاحتمله الى الجنة وكان أعطي الله عهدا ان لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك فأتم الله له ذلك وقال النبي ﷺ لاصحابه ايكم يحمل خبيبا على خشبته وله الجنة فخرج لذلك الزبير والمقداد فحمله الزبير على فرسه فأغار بعدهم الكفار فلما رهقوهم ألقاه الزبير فابتلعته الارض فسمى بليع الارض قال ابن عباس وفيهم نزل قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي
مع مولى له يسمى نسطاس الى التنعيم فقتله (وروى انهم حين قربوه للقتل الى آخره) نقله البغوى في التفسير عن ابن اسحاق (أنشدك الله) بفتح الهمزة وضم الشين أى أسألك بالله (وأنا جالس في أهلى) زاد البغوى فقال أبو سفيان ما رأيت أحدا من الناس يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ثم قتله نسطاس (فائدة) ذكر ابن عقبة ان الذي قيل له أتحب هو خبيب بن عدى حين رفع الى الخشبة والجمع بينهما انهما قالوا لهما معا (وأرسل أهل مكة لرأس عاصم) وكان قتل عظيما من عظمائهم كما في الحديث والعظيم هو عقبة بن أبي معيط وفي تفسير البغوي فلما قتلوه أرادوا جز رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن سهيل وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر (فحمته) بفتح المهملة والميم أي منعته (الدبر) بفتح المهملة وسكون الموحدة (وهي الزنابير) وقيل ذكور النحل وقيل جماعة النحل (جاء سيل فاحتمله الى الجنة) زاد البغوي وحمل خمسين من المشركين الى النار (وكان أعطى الله عهدا ان لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك) وكان عمر يقول حين بلغه ان الدبر منعته عجبا لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر ان لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع حال حياته (ايكم يحمل) وفي التفسير ينزل (خبيبا على خشبته) أي التي صلب عليها (فخرج لذلك الزبير) بن العوام (والمقداد) بن عمرو زاد البغوى فخرجا يمشيان بالليل ويكمنان بالنهار فأتيا التنعيم ليلا فاذا حول الخشبة أربعون رجلا من المشركين نيام نشاوي فأنزلاه فاذا هو رطب يتثني لم يتغير منه شئ بعد أربعين يوما ويده على جراحته وهي تبض دما اللون لون الدم والريح ريح المسك (فأغار بعدهم الكفار) وكانوا سبعين (فلما رهقوهما) بكسر الهاء أى غشوهما ودنوا منهما (فسمي بليع الارض) زاد البغوي فقال الزبير ماجرأكم علينا يا معاشر قريش ثم رفع العمامة عن رأسه فقال أنا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب وصاحبي المقداد بن الاسود أسدان رابضان يدفعان عن شبليهما فان شئتم ناضلتكم وان شئتم نازلتكم وان شئتم انصرفتم فانصرفوا الى مكة (قال ابن عباس) في رواية عنه والضحاك وفيهم نزلت (ومن الناس من يشري)
стр. 220
نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ وبعد مقتل خبيب واصحابه بعث رسول الله ﵌ عمرو بن أمية الضمرى وجبار بن صخر الانصاري ليقتلا أبا سفيان غيلة فقدما مكة لذلك في خفية فشهرا وخرجا هاربين ولم يقعا على ما أراد اذكره ابن هشام دون ابن اسحق*
[مطلب في سيرته بئر معونة وخبر ذلك]
وفيها أو في أوّل الرابعة سرية اصحاب بئر معونة وسببها انه قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر الكلابى العامرى ملاعب الاسنة على رسول الله ﵌ فعرض عليه رسول الله ﵌ الاسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد ابعث رجالا من اصحابك الى أهل نجد يدعوهم الى أمرك وانا لهم جار فبعث رسول الله ﷺ سبعين رجلا من خيار المسلمين قال أنس بن مالك كنا نسميهم القراء أي يبيع (نفسه ابتغاء) أي طلب (مرضاة الله) أي رضاه (والله رؤف بالعباد) وقيل نزلت في صهيب ابن بشار الرومي وقيل نزلت في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وروى عن ابن عباس أيضا (وجبار) بفتح الجيم وتشديد الموحدة (ابن صخر) بفتح المهملة واسكان المعجمة ثم راء ابن أمية السلمي بفتحتين يكني أبا عبد الله شهد العقبة ثم المشاهد (غيلة) بكسر المعجمة أى من حيث لا يشعر (فشهرا) مبني للمفعول وفيها أى الثالثة أو في أوّل الرابعة أى في شهر صفر على رأس أربعة أشهر من أحد كما قاله ابن اسحق (بئر معونة) بفتح الميم وضم المهملة ونون موضع في بلاد هذيل بين مكة وعسفان وقال ابن اسحق أرض بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم (أبو براء) بفتح الموحدة والراء المخففة والمد (ملاعب الاسنة) أى الرماح قال السهيلي سمى بذلك يوم سونان وهو يوم كانت فيه وقعة في أيام جبله وهي أيام حرب كانت بين قيس وتميم وجبلة اسم لهضبة عالية قال وكان سبب تسميته ملاعب الاسنة يومئذ ان أخاه الطفيل فر وأسلمه فقال شاعر
فررت وأسلمت ابن أمك عامرا ... ملاعب أطراف الوشيج المزعزع
فسمى ملاعب الرماح وملاعب الاسنة انتهى (فعرض عليه رسول الله ﷺ قال البغوى أهدي لرسول الله ﷺ هدية فأبى أن يقبلها وقال لا أقبل هدية مشرك فأسلم ان أردت ان أقبل هديتك (وقال يا محمد) ان الذى تدعو اليه حسن جميل (ابعث رجالا) الى آخره (سبعين رجلا من خيار المسلمين) زاد البغوي منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء بن الصلت السلمى ونافع بن بديل ابن ورقاء الخزاعى وعامر بن فهيرة انتهى قلت ومنهم المنذر ابن عمرو الانصارى الساعدي وهو أمير القوم كما ذكره المؤلف أحد النقباء ومالك بن ثابت الانصارى ومسعود بن سعد الزرقى ومسعود بن سعد الزرقي وهو غير الاول والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة الاوسي وعابد بن ماعص الزرقى وقطبة بن عمرو بن مسعود الاشهلي وسعد بن عمرو بن ثقف واسم ثقف كعب بن مالك الانصاري الخزرجي وابنه الطفيل بن سعد وابن أخيه سهل بن عامر وسفيان بن ثابت الانصارى هو وأخوه مالك بن ثابت وسليم بن ملحان أخو
стр. 221
كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل وامر عليهم النبى ﵌ المنذر بن عمرو الانصارى الساعدى أحد النقباء فساروا حتي نزلوا ببئر معونة فلما نزلوها انطلق حرام بن ملحان الى رأس المكان عامر بن الطفيل ليبلغه رسالة رسول الله ﵌ فأتاهم فجعل يحدثهم وأومأ الى رجل فأتاه من خلفه فطعنه بالرمح فقال حرام الله أكبر فزت ورب الكعبة فأخذ من دمه فنضحه على وجهه ورأسه فرحا بالشهادة وفخرا بها ثم استصرخ بني عامر فأبوا عليه وقالوا لن نخفر ابا براء في جواره فاستصرخ عليهم قبائل سليم وعصية ورعلان وذكوان فاجابوه وقتلوا أصحاب السرية عن آخرهم الاكعب بن زيد فانه بقى به رمق فعاش واستشهد يوم الخندق وفي صحيح البخارى قتلوهم كلهم لم يبق غير اعرج كان في رأس جبل وكان في سرحهم عمرو بن أمية الضمري وانصارى فلما راحا وجدا اصحابهما صرعى والخيل التي أصابتهم واقفة فقتلوا الانصارى واطلقوا عمرا حين أخبرهم انه من ضمرة فخرج عمرو حتي اذا كان بقناة أقبل رجلان فنزلا معه في ظل هو فيه حرام وأبو عبيدة بن عمرو الانصارى النجاري وعبيدة الانصارى وأبي بن معاذ بن أنس النجاري وأخوه أنس بن معاذ ذكر هؤلاء ابن عبد البر وغيره (كانوا يحتطبون) بالحاء المهملة (حرام بن ملحان) بالراء وهو أخو أم سليم وأم حرام بنتي ملحان بكسر الميم واسكان اللام ثم حاء مهملة (ليبلغه رسالة رسول الله) ﷺ وكانت تلك الرسالة كتابا دفعه الى عامر بن الطفيل فابي ان ينظر اليه أخزاه الله وأبعده (فجعل يحدثهم) ويقول يا أهل بئر معونة انى رسول رسول الله ﷺ اليكم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله (وأومأ) بالهمز ويجوز تركه أي أشار (فاتاه من خلفه فطعنه بالرمح) فطعنه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر (فنضحه) بالمهملة ويجوز اعجامها أى رشه (لن نخفر) بالضم رباعي أي ننقض خفرته أى جواره (قبائل سليم) بالضم (عصية) بفتح العين وفتح الصاد المهملتين ثم تحتية مشددة بطن من بني سليم (ورعلا) بكسر الراء وسكون المهملة بطن (وذكوان) بالمعجمة بطن منهم أيضا (الا كعب بن زيد) بالنصب (غير أعرج) هو كعب بن زيد المذكور آنفا (وكان في سرحهم عمرو بن أمية الضمري وانصاري) هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح أحد بني عمرو بن عوف زاد البغوي فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما الا الطير تحوم في العسكر فقالا والله ان لهذه الطير لشأنا فاقبلا لينظرا فاذا القوم في دمائهم (فقتلوا الانصاري) وذلك انه قال لعمرو بن أمية ماذا تري قال أري ان نلحق برسول الله ﷺ فنخبره فقال الانصارى لكني ما كنت لارغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ثم قاتل القوم حتى قتل (وأطلقوا عمرا) بعد ان جز عامر بن الطفيل ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم انها كانت على أمه (بقناة) بالقاف
стр. 222
فتحدث معهما واخبراه انهما من بنى عامر فامهلهما حتي ناما فقتلهما وكان معهما عقد وجوار من رسول الله ﵌ لم يعلم به فلما قدم على رسول الله ﵌ وأخبره قال لقد قتلت قتيلين لأدينهما (قال المؤلف) في خبر بئر معونة تنازع واختلاف لمن تأمله من ذلك ان ابن اسحق وتبعه غيره ذكروا ان بئر معونة كانت في صفر سنة أربع وذكر النووي في غيره ان بنى النضير في الثالثة ثم روى اهل التواريخ جميعا ان سبب غزوة بنى النضير خروج النبي ﵌ اليهم يستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى رجوعه من بئر معونة فتعين بذلك ان بئر معونة قبل بني النضير* ومنها ما ذكر اهل السير ان عددهم أربعون والوجه ما رواه البخارى والمحدثون انهم سبعون* ومنها ان البخارى روى عن انس ان رعلا وذكوان وعصية وبنى لحيان استمدوا رسول الله ﵌ وفي رواية أخرى ان النبي ﵌ بعثهم لحاجة والصواب ان خروجهم انما كان بسؤال ابي براء كما تقدم وان القبائل المذكورين انما استصرخهم عامر على أصحاب رسول الله ﷺ حين أبى منه بنو عامر وان بنى لحيان لم يكونوا معهم وانما قتلوا اصحاب سرية الرجيع ولما انتهى الى رسول الله ﷺ خبر مصابهم قال هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارها متخوفا وشق على ابي براء اخفار عامر اياه وقال حسان بن ثابت يحرضه ويؤنبه في الطلب
بني ام البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب اهل نجد
تهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطأ كعمد
الا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... فما أحدثت في الحدثان بعدى
ابوك ابو الحروب ابو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد
ثم ان ربيعة بن أبى براء حمل على عامر بن الطفيل فطعنه طعنة أرداه عن فرسه فقال عامر (لا دينهما) بلام القسم ثم همزة ثم مهملة مكسورة ثم تحتية مفتوحة ثم نون التأكيد أي لاؤدين ديتهما (يحرضه) بالحاء المهملة والضاد المعجمة أي يحثه (بني أم البنين) اسمها ليلة بنت عامر وكنيت باولادها الاربعة قال لبيد (نحن بني أم البنين الاربعة) (ألم يرعكم) بفتح أوله وضم الراء أى لم يفزعكم ويفجعكم (ذوائب) جمع ذؤابة وهى طرف الشيء (تهكم عامر) أي تعييبه (الحدثان) بكسر الحاء واسكان الدال المهملتين أي القرب يقول كنت أعهدك قديما شجاعا فما أدري ما حدث لك في القرب هل أنت كما أعهد أولا (ماجد) أي كريم (أرداه عن فرسه) أي أسقطه عنه
стр. 223
هذا عمل أبى براء ان أمت فدمي لعمي فلا يتبعن به وإن أعش فسأرى رأيى فيما أتي إلي وعاش عامر بعدها حتي قدم على النبي ﵌ هو وأربد بن ربيعة وكانا قد تمالآ على الفتك به فحين منعهما الله من ذلك انصرفا متهددين فدعا عليهما النبى ﵌ فهلك اربد بالصاعقة وعامر بالطاعون قبل أن يصلا الى أهلهما والله أعلم
[فصل في شهداء بئر معونة وفضل الشهداء ومزيتهم]
(فصل) في فضل شهداء بئر معونة وفضل الشهداء ومزيتهم مما أخرجه الشيخان سوى ما تقدم في شهداء أحد قال الله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ الآيات قيل نزلت فيهم وقيل في شهداء أحد وقال أنس دعا رسول الله ﵌ على الذين قتلوا اصحاب بئر معونة ثلاثين غداة وفي رواية أربعين وانزل الله فيهم قرآنا قرأناه ثم نسخ بعد منه بلغوا قومنا ان قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه رواه البخاري* وروي أيضا ان عامر بن الطفيل قال لعمرو بن امية الضمري من هذا واشار الى قتيل فقال هذا عامر بن فهيرة فقال لقد رأيته رفع الى السماء حتى انى لانظر الى السماء بينه وبين الارض ثم وضع فقال النبي ﵌ ما احد يدخل الجنة يحب ان (لعمى) يريد أبا براء (وعاش عامر بعدها) هذا هو الصواب ووقع في تفسير البغوي انه قتله وهو خطأ (حتى قدم على رسول الله ﷺ سيأتى ذكر وفادتهما حيث ذكره المؤلف ان شاء الله تعالى (أربد) بالراء والموحدة والمهملة قال الشمني أخو لبيد بن ربيعة لابيه ولبيد بن ربيعة صحابى ﵁ (تمالآ) أى تواطا (الفتك) أي الاخذ على غرة (فحين منعهما الله من ذلك) وذلك ان عامرا كان يكلم رسول الله ﷺ وأربد يختله بالسيف فاخترط منه شبرا ثم حبسه الله عنه فلم يقدر على سله فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما صنع فقال اللهم اكفنيهما بما شئت وفي الشفا قال والله ما همت ان أضربه الا وجدتك بينى وبينه أفأضربك (متهددين) أي متوعدين (فهلك أربد بالصاعقة) زاد البغوي في يوم صحو قائظ (وعامر بالطاعون) وهو على ظهر فرسه (وقال أنس الى آخره) أخرجه عنه الشيخان وفيه ندب القنوت للنازلة (ونزل فيهم قرآن قرأناه) قال السهيلي ليس عليه رونق الاعجاز فيقال انه لم ينزل بهذا النظم بل بنظم معجز كنظم القرآن (ثم نسخ بعد) لا ينافيه انه خبر والخبر لا ينسخ اذ المنسوخ منه الحكم الثابت للقرآن فقط (وروي أيضا) مبنى للفاعل يعني البخاري (هذا عامر بن فهيرة) قتله جابر بن سلمة ثم أسلم بعد ذلك قال ابن عبد البر فكان يقول ما دعاني الى الاسلام الا اني طعنت رجلا منهم فسمعته يقول فزت والله فقلت في نفسى ما فاز أليس قد قتلته حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا الشهادة فقلت فاز نعم. والله (رفع الى السماء) قال في التوشيح وفي رواية الواقدي ان الملائكة وارته فلم يره المشركون وفي مصنف
стр. 224
يرجع الى الدنيا وله ما على الارض من شيء الا الشهيد يتمنى ان يرجع الى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة متفق عليه وقال ﵌ والذى نفسي بيده لولا ان رجالا من أمتي لا تطيب انفسهم ان يتخلفوا عني ولا اجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله والذى نفسي بيده لوددت انى اقتل في سبيل الله ثم احيا ثم اقتل ثم احيا ثم اقتل ثم احيا ثم اقتل ثم أحيا رواه البخارى ونحوه او اقرب منه في مسلم وقال ﵌ من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منال الشهداء وان مات على فراشه وقال ﵌ من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق رواهما مسلم وقال ﷺ ما تعدون الشهيد فيكم قالوا يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد قال ان شهداء امتى اذا لقليل قالوا فمن هم يا رسول الله قال من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد ومن مات في البطن فهو شهيد والغريق شهيد روياه وعن ابي هريرة ﵁ ان رسول الله ﵌ قال الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغريق عبد الرزاق وغيره ان عامرا التمس يومئذ في القتلى ففقد فيروى ان الملائكة رفعته أو دفنته (متفق عليه) أي اتفق على تخريجه الشيخان وأخرجه أيضا الترمذي والنسائي من حديث أنس (والذي نفسي بيده الى آخره) أول الحديث تضمن الله تعالى لمن يخرج في سبيله لا يخرجه الا جهاد في سبيلي وتصديق برسلي فهو على ضامن ان أدخله الجنة أو أرجعه الى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفسي بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله الا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلمه لونه لون دم وريحه ربح مسك (رواه البخاري ونحوه أو قريب منه في مسلم) وأخرجه مالك والنسائي كلهم عن أبي هريرة (من سأل الله الشهادة بصدق الى آخره) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف (على شعبة من النفاق) أى على خلق من أخلاق المنافقين قال عبد الله بن المبارك فنرى بضم النون أى نظن ان ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ قال النووي هذا الذي قاله يحتمل وقال غيره هو عام والمراد ان من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف وان لم يكن كافرا (ما تعدون الشهيد فيكم) أخرجه مالك ومسلم والترمذى من حديث أبي هريرة (ومن مات في البطن فهو شهيد) قال النووي المراد بالبطن الاسهال وقيل الذي به الاستسقاء وانتفاخ البطن وقيل الذى يشتكي بطنه وقيل الذي يموت بداء بطنه مطلقا قال في الديباج وهذا الآخر هو الذى جزم به القرطبي (والغريق شهيد) أى ان لم يغرق نفسه ولم يهمل الغرر فان فرط حتى غرق فهو عاص قاله القرطبي (الشهداء خمسة) قال في الديباج هم أكثر من ذلك وقد جمعتهم في كراسة فبلغوا ثلثين وأشرت اليهم في
стр. 225
وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله أخرجه البخارى في ترجمة باب الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله وكأنه اشار الى ان الحديث المطابق للترجمة ليس على شرطه وقد خرجه مالك والنسائي بسند جيد فذكر المطعون والمبطون والغريق والحريق وصاحب ذات الجنب والذى يموت تحت الهدم والمرأة تموت بجمع وهى التى تميتها الولادة وقيل التي تموت بكرا والله اعلم*
[مطلب في مشروعية قصر الصلاة وما يلحق ذلك من الأحكام]
السنة الرابعة وما في طيها من الحوادث فيها قصرت الصلاة فنزل قوله تعالى شرح الموطأ انتهى قال القرطبي ولا تناقض ففى وقت أوحى اليه انهم خمسة وفي وقت آخر أوحى اليه اليه انهم أكثر وورد في اثران تعدد أسباب الشهادة خصوصية لهذه الامة ولم يكن في الامم السالفة شهيد الا القتيل في سبيل الله خاصة (أخرجه البخارى) ومالك ومسلم والترمذي (وصاحب الهدم) هو من يموت تحته ومحله ان لم يغرر بنفسه كما في الغريق قاله القرطبي (وقد أخرجه مالك والنسائي) وأحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث جابر بن عتيك (والحريق) هو الذى تحرقه النار ومنه الذي تحرقه الصاعقة ومحله كما مر عن القرطبي (وصاحب ذات الجنب) هى قروح تحدث في باطن الجوف فيكون معها السعال والحما الشديدة (بجمع) بكسر الجيم وضمها (وهى التي تميتها الولادة وقيل التي تموت بكرا) وقيل التى يموت ولدها في بطنها قد تم خلقه وقيل التى تموت قبل ان تحيض (تنبيه) ذكر المصنف من الشهداء ثمانية من مات في سبيل الله والمطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والحريق وذات الجنب والمرأة تموت بجمع واذا جعل المبطون نوعين والمرأة تموت بجمع أربعة أنواع صار العدد اثنى عشر وبقي منهم صاحب السيل خرجه أبو الشيخ من حديث عبادة بن الصامت والطبراني من حديث سليمان وأحمد من حديث راشد بن خنيس ومن قتل دون ماله ومن قتل دون دينه ومن قتل دون أهله ومن قتل دون دمه أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث سعيد بن زيد وقال الترمذى حديث حسن صحيح ومن قتل دون مظلمة أخرجه النسائي والضياء من حديث سويد بن مقرن وأخرجه أحمد من حديث ابن عباس ومن وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو افترسه سبع ومن صرع عن دابته والسريق أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من حديث ابن عباس وعقبة بن مالك ومن مات غريبا أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس وأخرجه الدارقطني وصححه من حديث ابن عمرو أخرجه أبو بكر الخرائطي من حديث أنس وأبي هريرة وأخرجه الصابوني من حديث جابر والطبراني من حديث عنترة وصاحب الحما أخرجه الديلمى في مسند الفردوس من حديث أنس والميت على فراشه في سبيل الله أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة والميت في الحبس وقد حبس ظلما أخرجه ابن منده من حديث على بن أبي طالب والمتردي في نحو بئر أخرجه الطبراني من حديث ابن عنترة وابن مسعود ومن قتل دون جاره أخرجه ابن عساكر من حديث أنس والغيرى على زوجها والآمر بالمعروف والناهى عن المنكر أخرجه ابن عساكر من حديث على ومن قال في مرض موته أربعين مرة لا إله الا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين كتب
стр. 226
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ الآية وظاهرها يدل على ان رخصة القصر مشروطة بالخوف ودلت السنة على الترخيص مطلقا فقيل نزلت الآية على غالب اسفار النبى ﵌ فان أكثرها لم يخل عن خوف ثم لا يبعد ان يبيح الله الشئ في كتابه بشرط ثم يبيحه على لسان نبيه بانحلال ذلك الشرط وهو من باب نسخ القرآن بالسنة وظاهر الآثار يدل على ذلك روينا في صحيح مسلم عن يعلى بن أمية قال قلت لعمر بن الخطاب انما قال الله تعالى أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فقد أمن الناس فقال عمر عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال صدقة تصدق الله بها عليكم له أجر شهيد أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث سعد بن أبى وقاص ومن مات عاشقا بشرط العفة والكتمان أخرجه الديلمى من حديث ابن عباس وأخرجه الخطيب من حديث ابن عباس وعائشة بسند فيه ضعف ومن قال حين يصبح أو حين يمسي ثلث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلث آيات من آخر سورة الحشر فانه اذا مات من يومه أو ليلته مات شهيدا أخرجه الترمذى عن معقل ابن يسار ومن قرأ آخر سورة الحشر في ليلة فمات من ليلته أخرجه الثعالبى عن أنس ومن مات متوضئا خرجه الآجري عن أنس أيضا ومن صلي الضحي وصام ثلاثة أيام من كل شهر ولم يترك الوتر في حضر ولا سفر كتب له أجر شهيد أخرجه أبو نعيم من حديث ابن عمر ومن جاءه الموت وهو يطلب العلم أخرجه أبو نعيم أيضا والبزار من حديث أبي هريرة وأبي ذر ومن يسأل الله الشهادة بصدق أخرجه مسلم عن أنس والمؤذن المحتسب أخرجه الطبراني في الكبير من حديث ابن عمر فهؤلاء نيف وثلاثون* السنة الرابعة (واذا ضربتم في الارض) أي سافرتم (فليس عليكم جناح) أي حرج وإثم (ان تقصروا من الصلاة) من أربع ركعات الى ركعتين (ان خفتم ان يفتنكم) أي يقاتلكم ويقتلكم الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً أي بين العداوة (وقيل نزلت الآية على غالب أسفار النبى ﷺ فلا تكون تعليقية وقيل المراد القصر الى ركعة واحدة في الخوف كما عليه جماعة منهم الحسن والضحاك واسحاق ابن راهويه واستدلوا بالحديث في صحيح مسلم وغيره فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وأكثر أهل العلم على عدم جوازه وتأولوا الحديث على ان المراد ركعة مع الامام وركعة ينفرد بها كما في الاحاديث الصحيحة في صلاته ﷺ وأصحابه في الخوف (وروينا في صحيح مسلم) وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (عن يعلى) بفتح التحتية واللام واسكان المهملة بينهما (ابن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية هو أبوه وأمه اسمها منية بضم الميم واسكان النون هو الخبطى يكني أبا صفوان أسلم يوم الفتح وشهد حنينا والطائف وتبوك (عجبت مما عجبت منه) في بعض نسخ مسلم عجبت ما بحذف من (صدقة) بالرفع خبر هذه مقدر (تصدق الله بها عليكم) فيه جواز قول تصدق الله علينا أو اللهم تصدق علينا قال النووي وقد كرهه بعض السلف وهو غلط ظاهر
стр. 227
فاقبلوا صدقته وروينا في موطأ مالك عن رجل من آل خالد بن أسيد انه سأل عبد الله بن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن انا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر فقال ابن عمر يابن أخي ان الله ﵎ بعث الينا محمدا ولا نعلم شيئا فانا نفعل كما رأيناه يفعل وقال آخرون ثم الكلام عند قوله أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ وقوله إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا متصل بما بعده من صلاة الخوف وروى عن أبى أيوب الانصاري ان بين نزولهما حولا وهذا لا يبعد ان صح به نقل ومثله قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ثم قال تعالى اخبارا عن يوسف ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ وأما مسافات القصر فقال الشافعى ومالك وفقهاء المحدثين هى مرحلتان معتدلتان وذلك ثمانية وأربعون ميلا والميل ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة والأصبع ست شعيرات معترضات وقدر الميل أيضا بأربعة آلاف خطوة أو اثنى عشر ألف قدم والله أعلم* وللقصر شروط احدها أن تكون الصلاة رباعية ومؤداة وان يكون سفره في غير معصية وان ينوي القصر (وفي موطأ مالك) ونحو منه في سنن النسائي (عن رجل من آل خالد) هو عبد الله بن خالد كما في النسائي (ابن أسيد) بفتح الهمزة (انا نجد صلاة الخوف) يعني بها القصر للخوف (وصلاة الحضر) هي في القرآن مفهومة (ولا نجد صلاة السفر) يعني القصر مع الامن (فانا نفعل كما رأيناه يفعل) فيه ما كانوا عليه من اتباعه ﷺ (أبى أيوب) اسمه خالد بن زيد (الآن حصحص الحق) أي ظهر وتبين (ذلك ليعلم) أي العزيز (اني لم أخنه) في امرأته (بالغيب) أى في حال غيبته (قال مالك والشافعي) وأحمد (وفقهاء المحدثين) كاسحق بن راهويه والحسن والزهري (ثمانية وأربعون ميلا) هاشمية تنسب الى بني هاشم (والاصبع ست شعيرات معترضات) والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون (بأربعة آلاف خطوة) والخطوة ثلاثة أقدام فهو اثنى عشر ألف قدم فمسافة القصر بالاقدام خمسمائة ألف وستة وسبعون ألفا وبالاذرع مائتا ألف وثمانية وثمانون ألفا وبالاصابع ستة آلاف ألف وتسعمائة ألف واثني عشر ألفا وبالشعيرات أحد وأربعون ألف ألف وأربعمائة ألف واثنان وسبعون ألفا وبالشعرات مائتا ألف ألف وثمانية وأربعون ألف ألف وثمانمائة ألف واثنان وثلاثون ألفا وللقصر شروط سبعة (أن تكون الصلاة رباعية) قال العلماء انما قصرت الرباعية لان عدد ركعاتها يتشطر واذا تشطر بقى أقل العدد وهو ركعتان وهما أقل الفرائض وهو الصحيح بخلاف المغرب لعدم تشطر ركعاتها والصبح لانها لا يبقى فيها أقل الفرض بعد الشطر (ومؤداة) أو فائتة سفر فيجوز قصرها ولو في سفر آخر لا فائتة حضر فلا تقصر في السفر للزومها تامة ولا فائتة سفر في حضر لانه ليس محل قصر (وان يكون سفره في غير معصية) طاعة كان كحج أو غيرها وان كره كسفر تجارة وسفر منفرد فخرج نحو آبق وناشزة (وان ينوي القصر)
стр. 228
مع الاحرام فاذا كانت مسافته مسافة قصر جاز له ان يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في وقت ايهما شاء والسنة اذا كان سائرا في وقت الاولى أن يؤخرها الى الثانية والا قدم الثانية اليها ويجوز للحاضر ان يجمع في المطر في وقت الاولى منهما
[مطلب في الكلام زواج رسول الله عليه وسلم بأم سلمة]
وفيها تزوج النبى ﷺ أم سلمة هند بنت أبى أمية المخزومية وكانت قبله عند أبى سلمة عبد الله بن عبد الاسد المخزومى روينا فى صحيح مسلم عنهما قالت لما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله ان أبا سلمة قد مات قال قولى اللهم اغفر لي وله واعقبني منه عقبي حسنة فقلت فاعقبنى الله من هو خير لي منه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفيه أيضا عنها من روايات أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما تزوجها اقام عندها ثلاثا فلما أراد ان يخرج أخذت بثوبه فقال انه ليس بك على أهلك هو ان ان شئت سبعت لك وان سبعت لك سبعت لنسائى وان شئت ثلثت ثم درت قالت ثلث وقيل ان ذلك حق للمرأة فيثبت لها ذلك سواء كان عند جازما خلافا لابي حنيفة ومنه ما لو نوي الظهر مثلا ركعتين قاله الامام وما لو قال أؤدي صلاة السفر قال المتولى فان أطلق أتم وجوبا لانه الاصل ومحل نية القصر (مع الاحرام) كنية الصلاة ولا تجب استدامتها بل الانفكاك عما يخالف الجزم وان يعلم جوازه والا كان متلاعبا وان يدوم سفره يقينا حتى يسلم وان لا يقتدي بمتم (فاذا كانت مسافته مسافة قصر) وكان السفر مباحا (جاز له) خلافا لابى حنيفة (الجمع بين الظهر) ومثله الجمعة (والعصر والمغرب والعشاء) لا جمع الصبح مع غيرها ولا العصر مع المغرب لانه لم يرد (في وقت أيهما شاء) أي تقديما وتأخيرا الا الجمعة فلا يتأتي تأخيرها (والسنة اذا كان سائرا في وقت الاولى ان يؤخرها إلى الثانية والاقدم الثانية اليها) لانه ﷺ كان يفعل ذلك أخرجه الشيخان عن أنس والترمذي والبيهقي من حديث ابن عمر وأسامة بن زيد ومعاذ بن جبل وافهم كلام الشيخ انه لو كان واقفا عند الاولى ندب التقديم وان كان واقفا عند الثانية أيضا وكذا لو كان سائرا فيهما فيما يظهر (ويجوز للحاضر ان يجمع في المطر في وقت الاولى منهما) لانه ﷺ صلى بالمدينة الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا من غير خوف ولا سفر أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ الا من غير خوف ولا سفر فلمسلم قال الشافعي كمالك أرى ذلك في المطر قال النووى هذا مردود برواية في مسلم من غير خوف ولا مطر قال وأجاب البيهقى بان الاولى رواية الجمهور فهي أولى وقد روينا عن ابن عباس وابن عمر الجمع بالمطر وهو يؤيد التأويل وأجاب غيره بان المراد ولا مطر كثير ولا مطر مستدام فلعله انقطع أثناء الثانية (فائدة) اختار النووي من حيث الدليل جواز الجمع بالمرض تقديما وتأخيرا وتبعه السبكى والاسنوى والبلقينى وغيرهم ثم للجمع شروط وتتمات مبسوطة في كتب الفقه* وفيها تزوج النبى ﷺ (الاسد) بالمهملة وقيل بالمعجمة كما مر (وفيه أيضا) وفي سنن أبي داود والنسائى (انه ليس بك على أهلك هوان) أى لا يلحقك هوان ولا يضيع من حقك شئ بل
стр. 229
الزوج غيرها أم لا ونقله ابن عبد البر عن الجمهور واختاره النووي وقيل انما يثبت هذا للجديدة اذا كان عنده غيرها أما المنفردة فلا يتصور في حقها ذلك ورجحه القاضي وبه جزم البغوي من أصحابنا وقد تقرر من حديث أم سلمة وغيرها ان الثيب الداخلة على غيرها مخيرة بين ثلاث بلا قضاء وسبع بالقضاء والبكر تستحق سبعا بلا قضاء والله اعلم*
[الكلام على ولادة سيدنا الحسين وخبر ابن ابيرق]
وفيها ولد الحسين بن علي السبط ﵄ قيل حملته أمه بعد موته أخيه الحسن بخمسين ليلة وولد لخمس خلون من شعبان وقيل غير ذلك والله أعلم* وفيها أمر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم زيد بن ثابت ان يتعلم له كتاب يهود ليكتب له كتبهم ويقرأ له كتبهم* وفيها نزل قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً في شأن ابن ابيرق وكان من خبر ذلك ان ابن أبيرق أو بنى ابيرق سرقوا درعا لقتادة بن النعمان او لعمه رفاعة بن زيد وألقوا تهمتها على زيد بن السمين اليهودى فلما وجدت عنده قال دفعها الى طعمة بن ابيرق ففشا ذلك وكبر على قومه بني ظفر وجاؤا الى رسول الله ﵌ فقالوا يا رسول تأخذينه كاملا ثم بين حقها وانها مخيرة بين ثلث بلا قضاء وسبع بالقضاء فاختارت الثلاث لكونها بلا قضاء وليقرب عوده اليها (واختاره النووي) في شرح مسلم وقال انه الاقوى (وبه جزم البغوي من أصحابنا) في فتاويه* وفيها ولد الحسين (لخمس خلون من شعبان) وعليه فجملة حمله تسعة أشهر تحديدا وفيها نزل إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ بالامر والنهى والفصل لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ أي بما علمك الله وأوحى اليك وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ طعمة بن أبيرق (خصيما) أي معينا (ابيرق) بضم الهمزة وفتح الموحدة واسكان التحتية وكسر الراء ثم قاف غير مصروف (أو بني أبيرق) كانوا ثلاثة بشر وبشير ومبشر (سرقوا) بفتح الراء في الماضى وكسرها في المستقبل (درعا) زاد الترمذي عن قتادة بن النعمان وسيفا وطعاما (تهمتها) بفتح الهاء الاولى أفصح من اسكانها (على زيد بن السمين) وذلك ان الدرع والسلاح كان في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى الى الدار ثم خباها عنده كما في تفسير البغوي وغيره وفي سنن الترمذي انهم ألقوا التهمة على لبيد بن سهل رجل منهم له صلاح واسلام فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال أنا أسرق والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبين هذه السرقة فقالوا اليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها (طعمة) مثلث الطاء والكسر أفصح كذا وقع في كتب التفاسير انه طعمة وفي كتب الحديث بشير وقال ابن اسحق هو بشير أو طعمة قال السهيلي فليس طعمة اذا اسم له وانما هو كنيته (ففشا) أي ظهر (وكبر) بضم الموحدة أي عظم (على قومه بني ظفر) بفتح المعجمة والفاء (وجاؤا الى رسول الله ﷺ في سنن الترمذي انهم أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه
стр. 230
الله ذهب هؤلاء الى أهل بيت منا اهل صلاح فرموهم بالسرقه وكرروا عليه ذلك حتى غضب رسول الله ﵌ على قتادة بن النعمان وعمه وهم أن يجادل عن بني أبيرق على ظاهر الامر فأنزل الله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ الآيات فتضمنت التشريف للنبى ﷺ وحفظه عن الهم والتفويض اليه والتقويم له على الجادة في الحكم والتأنيب له فيما هم به قيل ولما افتضح ابن أبيرق هرب الى مكة ثم الى خيبر فنقب بيتا للسرقة فسقط عليه فمات مرتدا* وفيها توفي عبد الله بن عثمان من رقية بنت رسول الله ﵌ وكان بلغ ست سنين ونقره ديك في عينه فكانت سبب موته* وفيها توفيت فاطمة بنت أسد رحمها الله أم علي بن أبي طالب ﵄ وهي أوّل هاشميه ولدت هاشميا ولدت لابي طالب عقيلا وجعفرا وعليا ﵁ وأم هانىء وجمانة وكان بين كل واحد من بنيها الرجال وبين أخيه عشر سنين وكانت محسنة الى النبي ﷺ اذ كان في حجر عمه أبي طالب فلما ماتت تولى دفنها واضطجع في قبرها وأشعرها قميصه وقال اضطجعت في قبرها في ذلك فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار (حتى غضب رسول الله ﷺ على قتادة بن النعمان) زاد الترمذي فقال عمدت الى أهل بيت ذكر منهم اسلام وصلاح ترميهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت قال فرجعت ولوددت اني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك فأتاني عمي فقال ما صنعت يابن أخي فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ فقال الله المستعان فلم يلبث ان نزل القرآن (ان يجادل) أى يخاصم (على الجادة) بالجيم والدال المهملة المشددة أى الطريق (والتأنيب) بالفوقية فالهمزة الساكنة فالنون فالتحتية فالباء الملامة والتوبيخ ولم يكن في ذلك له ﷺ ملامة ولا توبيخ وقد قال بعض المفسرين ان الخطاب معه والمراد به غيره كما في كثير من آيات القرآن (هرب الى مكة) زاد البغوى فنزل على رجل من بنى سليم يقال له الحجاج ابن علاط فنقب بيته فسقط عليه حجر فلم يستطع الدخول ولا الخروج فاخذ ليقتل فقال بعضهم دعوه فانه قد لجأ اليكم فتركوه وأخرجوه من مكة فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام فنزلوا منزلا فسرق بعض متاعهم وهرب فطلبوه وأخذوه فرموه بالحجارة حتى قتلوه فصار قبره بتلك الحجارة وقيل ركب سفينة الى جدة فسرق كيسا فيه دنانير فاخذ فالقي في البحر وقيل عبد صنما بجدة الى ان مات وفي الروض الانف انه نزل بمكة على سلامة بنت سعد بن سهيد فقال فيها حسان بن ثابت بيتا يعرض فيه بها فقالت انما أهديت الى شعر حسان وأخذت رجله وطرحته خارج المنزل فهرب الى خيبر ثم انه نقب بيتا ذات ليلة فسقط الحائط عليه فمات ذكر هذا الحديث بكثير من ألفاظه الترمذي ومن رواية يونس ان الحائط الذي سقط عليه كان بالطائف لا بخيبر وان أهل الطائف قالوا حينئذ ما فارق محمدا من أصحابه من فيه خير (وفيها توفي عبد الله بن عثمان) وكانت ولادته بأرض الحبشة كما أخرجه رزين عن ابن عباس ﵄ (فاطمة بنت أسد) بن هاشم بن عبد مناف (وجمانة) بالجيم وتخفيف الميم وبالنون (في حجر عمه) بفتح الحاء أفصح من كسرها (واشعرها قميصه) أي
стр. 231
لا خفف عنها من ضغضة القبر والبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة*
[مطلب في الكلام على غزوة ذات الرقاع ومشروعية صلاة الخوف]
وفيها كان من الغزوات غزوة ذات الرقاع الى نجد يريد غطفان واختلف في تسميتها بذلك على أقوال أصحها ما ثبت فى صحيح البخارى عن أبى موسى الاشعرى ان أقدامهم نقبت فلفوا عليها الخرق ولهذا قال البخارى انها بعد خيبر لان أبا موسى الاشعرى انما جاء بعد خيبر وانتهى ﵌ صلاة الخوف* وروى ابن عباس وجابر أن المشركين لما رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه قاموا الى صلاة الظهر يصلون جميعا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا دعوهم فان لهم بعدها صلاة هى أحب اليهم من آبائهم وأبنائهم يعني صلاة العصر فاذا قاموا فيها فشدوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبريل بصلاة الخوف رواه البغوي في تفسيره* وجملة القول في صلاة الخوف ان العدوّ اذا كان في غير جهة القبلة فرقهم الامام فرقتين فرقة في وجه العدوّ والاخرى تصلى معه ركعة واذا قام الى الثانية فارقته وأتمت لنفسها وذهبت الى وجه العدوّ ثم جاء الواقفون فاقتدوا به وصلى بهم الثانية فاذا جلس للتشهد قاموا فأتموا ألبسها اياه وجعله شعارا لها وهو الثوب الذى يلى الجسد (ضغطة) بمعجمتين الاولى مفتوحة والثانية ساكنة ثم مهملة أي ضمة (لتلبس) بالبناء للمفعول (وفيها) أى الرابعة وقيل في الخامسة ولم يذكر النووى في شرح مسلم غيره وقال البخاري انها بعد خيبر كما سيأتي (كان من الغزوات غزوة ذات الرقاع) بكسر الراء بعدها قاف مكان من نجد بارض غطفان (لان أرجلهم نقبت فلفوا عليها الخرق) وقيل باسم شجرة هناك وقيل باسم جبل فيه بياض وحمرة وسواد يقال له الرقاع وقيل لانهم رقعوا ثيابهم وقيل الارض التى نزلوها ذات ألوان تشبه الرقاع وقيل لترقيع صلوتهم فيها ويحتمل ان هذه الامور كلها وجدت فيها كما قاله النووي (انها بعد خيبر لان أبا موسى انما جاء) من أرض الحبشة (بعد خيبر) وقد ثبت انه شهد غزوة ذات الرقاع (وصلى بهم النبى ﷺ صلاة الخوف) وشرعت يومئذ وقيل في غزوة بني النضير (الى نخل) بالمعجمة هو مكان من المدينة على يومين (اكبوا) أي أقبلوا عليهم (اذا كان في غير جهة القبلة) أو فيها وثم ساتر يمنع المسلمين من رؤيتهم (فرقهم) بالتخفيف والتشديد (والاخري تصلى معه ركعة) في الصبح وثنتين في غيرها (فاذا قام الي الثانية) في الصبح أو الى الثالثة في غيرها (فارقته) بالنية (وأتمت لنفسها) ركعة في الصبح والمغرب وان لم يجئ لصلاة المغرب كيفية في الحديث كما سيأتي عن ابن حجر وركعتين في غيرهما (وذهبت الى وجه العدو) وينتظر الامام الفرقة الثانية في ثانية الصبح وثالثة غيره (ثم جاء الواقفون فاقتدوا به) ويندب ان يطيل القراءة الى أن يلحقوا (وصلى بهم الثانية) من الصبح والثالثة من المغرب والثالثة والرابعة من غيرهما (فاذا جلس للتشهد فاموا فاتموا ثانيتهم) فى الصبح وثالثتهم في المغرب وثالثتهم
стр. 232
ثانيتهم ولحقوه وسلم بهم أو يصلى بكل فرقة مرة وهاتان الكيفيتان رواهما الشيخان فاذا كان العدوّ في جهة القبلة صلى بهم جميعا فاذا سجد سجد معه صف سجدتيه وحرس الآخر فاذا قاموا سجد من حرس ولحقوه وسجد معه في الثانية من حرس أولا وحرس الآخر فاذا جلس للتشهد سجد من حرس وسلم بهم جميعا رواهما مسلم فالاولى صلاة رسول الله ﵌ بذات الرقاع ببطن نخل والثالثة بعسفان وهذه الثلاث من أصح وأشهر ما روي في صلاة الخوف ووراء ذلك من الكيفيات المتباينات والخلافات المتعددات بحسب اختلاف الروايات ما يطول ذكره ويعز حصره قال الامام أبو بكر بن العربى المالكي روي عن النبى ﵌ انه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة وما ذكرنا من الكيفيات هو فيما اذا كان الخوف متراخيا أما اذا ورابعتهم في غيرهما (ولحقوه) متشهدا (وسلم بهم) لانهم كانوا في حكم القدوة (أو يصلي بكل فرقة مرة) فتكون الثانية له نافلة (وهاتان الكيفيتان رواهما) معا (الشيخان) والنسائي الاولى عن سهل بن أبي حثمة والثانية عن جابر وروي الاولى عن سهل أيضا مالك وأبو داود والترمذي (وان كان العدو في جهة القبلة) ولا حائل يمنع من رؤيتهم وكان في المسلمين كثرة (صلى بهم جميعا) بعد ان يجعلهم صفين فيقرأ ويركع بالجميع (فاذا سجد سجد معه صف) سجدتيه ويسن ان يكون الاول (وحرس الآخر) حتى يقوم الامام من السجود (فاذا قاموا سجد من حرس ولحقوه) فى القيام (وسجد معه في الثانية) صف والافضل ان يكون (من حرس أولا) بعد ان يتقدم الى موضع الصف الاول (وحرس الآخر) بعد ان يتأخر الى موضع الصف الآخر (فاذا جلس) للتشهد سجد من حرس وسلم بهم جميعا (رواه مسلم) وأبو داود والنسائي عن أبي عياش الزرقى (فالاولى صلاة رسول الله ﷺ بذات الرقاع) وفيها كيفية أخرى وهو ان يصلي باحدي الطائفتين ركعة واحدة والطائفة الاخرى مواجهة العدو ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والترمذى والنسائي عن ابن عمر قال العلماء وجاز ذلك مع كثرة الافعال بلا ضرورة لصحة الخبر فيه ولا معارض لان احدي الروايتين كانت في يوم والاخري في يوم آخر قال القاضى زكريا ودعوي النسخ باطلة لاحتياجه لمعرفة التاريخ وتعذر الجمع وليس هنا واحد منهما (والثانية ببطن نخل) مكان من نجد بأرض غطفان وقد مرانه من المدينة على يومين (والثالثة بعسفان) في صلاة العصر كما في حديث أبي عياش الزرقي وفيه انه كان على المشركين يومئذ خالد بن الوليد وقد مر انها بئر بقرب خليص (وهذه الثلاث) مع الرابعة التي رواها ابن عمر (أصح وأشهر) أى في الاستعمال والا فأكثر أنواع صلاة الخوف جاءت من طرق مثل هذه في الصحة (المتباينات) أي المختلفات والتباين الاختلاف (أربعا وعشرين مرة) قال النووى وقد روي أبو داود وغيره وجوها أخر
стр. 233
التحم القتال فيصلي كل منهم على حسب حاله كيف أمكنه رجالا وركبانا مستقبلي القبلة ومستدبريها مع الكر والفر والضرب المتتابع* قال علماؤنا ﵏ وله ذلك في كل قتال مباح للفرار من أمر يخافه على روحه
[تتمة في الكلام علي تارك الصلاة]
(قال المؤلف) غفر الله زلته وأقال عثرته ففى هذا أدل دليل على أن الصلاة لا رخصة في تركها ولا تحويلها عن وقتها الموقت لها إذ لو كان ذلك لكان هؤلاء المجاهدون لعدو الاسلام بين يدي رسول الله ﵌ أحق بذلك وبهذا تميزت عن سائر العبادات اذ كلها تسقط بالاعذار ويترخص فيها بالرخص وتدخلها النيابات ولا يحل القتل في ترك شئ منها وتارك الصلاة كسلا يقتل حدا ولا يحقن دمه اسلامه ثم ان وجوبها منوط بالعقل لا بالقدرة في صلاة الخوف بحيث يبلغ مجموعها ستة عشر وجها وذكر ابن القصاب المالكي ان النبي ﷺ صلاها في عشرة مواطن انتهي قال في التوشيح وقال العراقى أصحها سبعة عشر وقال ابن القيم أصولها ست صفات وبلغها بعضهم أكثر وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجها من فعل النبي ﷺ وانما هو من اختلاف الرواة قال ابن حجر والامر كما قال وقال الخطابي صلاها النبي ﷺ في أيام مختلفة باشكال متباينة يتحرى منها ما هو الاحوط للصلاة والا بلغ للحراسة فهى على اختلاف صورها متفقة المعنى قال ابن حجر ولم يقع في شيء من الاحاديث المروية في صلاة الخوف تعرض لكيفية المغرب (التحم) أي نشب بعضهم في بعض ولم يجدوا مخلصا (فيصلي كل منهم على حسب) أي على قدر (حاله كيف أمكنه رجالا وركبانا) قال تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً (مستقبلي القبلة ومستدبريها) كما قاله ابن عمر في تفسير الآية قال نافع لا أراه الا مرفوعا أخرجه البخاري بل قال الشافعي ان ابن عمر رواه عن النبى ﷺ (فى كل قتال مباح) خرج به العاصي بالقتال كالبغاة فلا يصلونها كذلك لان الرخص لا تناط بالمعاصى (يخافه على روحه) أو غيرها من اعضائه كسيل ونار وسبع وغريم وهو معسر ولم يكن له بينة ولم يصدقه (وتارك الصلاة كسلا يقتل حدا) لقوله تعالى فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وقال ﷺ أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله فاذا فعلوا ذلك فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحق الاسلام وحسابهم على الله أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي والترمذى وابن ماجه من حديث أبي هريرة وقال السيوطي وهو متواتر والدليل على عدم كفره بمجرد الترك قوله ﷺ خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيأ كان له عند الله عهد ان يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ان شاء عذبه وان شاء أدخله الجنة وفي رواية ان شاء الله غفر له وان شاء عذبه أخرجه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان وصححه هو وغيره والحاكم والبيهقي في السنن من حديث عبادة بن الصامت وجه الدلالة انه لو كفر لم يدخل تحت المشيئة (ولا يحقن دمه) مفعول (اسلامه) فاعل (منوط) أي معلق (بالعقل) سمي به لانه يعقل صاحبه
стр. 234
بدليل ما ذكروا ان العاجز عن القيام يصلى قاعدا فان عجز فمضطجعا على جنبه الايمن فان عجز فمستلقيا على قفاه ويوميء بطرفه ولهذا أشبهت الايمان الذي لا يسقط بحال قال رسول الله ﷺ بين العبد وبين الشرك والكفر ترك الصلاة رواه مسلم وقال العهد الذي بيننا وبينهم ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه الترمذي وصححه والاحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة ولو تتبعتها لبلغت كراريس وسأورد منها طرفا ان شاء الله تعالى صالحا في فصل الصلاة من قسم الشمائل قال العلماء لو جاء محرم من شقة بعيدة مكابدا ان يدرك عرفة قبل طلوع الفجر ليلة النحر وكان حينئذ لم يصل العشاء عن القبائح (بدليل ما ذكروا) أي العلماء مستدلين بقوله ﷺ لعمران بن الحصين وكان مبسولا صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنب أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي وزاد فان لم تستطع فمستلقيا لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
أي طاقتها (ان العاجز عن القيام) بأن لحقته منه مشقة كخوف غرق ودوران رأس لراكب سفينة (يصلي قاعدا) والافضل كونه مفترشا ويكره مقعيا للنهي عنه رواه الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري والاقعاء كيفيتان مشهورتان في كتب الفقه احداهما تسن بين السجودين وان كان الافتراش أفضل (فان عجز) عن القعود كما مر (فمضطجعا على جنبه) ويسن ان يكون على (الايمن) فيكره على الايسر بلا عذر (فان عجز) كما مر (فمستلقيا على قفاه) واخمصاه للقبلة ورأسه أرفع ليتوجه به للقبلة (ويوميء) برأسه للركوع والسجود ويكون السجود أخفض فان عجز أومأ (بطرفه) أي بصره فان عجز عن الايماء بطرفه الى أفعال الصلاة أجراها على قلبه وهي صلاة تامة فلا تجب عليه اعادتها ولا تسقط عنه الصلاة ما دام عقله ثابتا لوجود مناط التكليف (أشبهت الايمان) لانهما قول وعمل واعتقاد (بين العبد وبين الشرك والكفر ترك الصلاة رواه مسلم) وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن جابر وأخذ بظاهره أحمد وهو عند غيره محمول على تركها جحدا أو على التغليظ أو المراد به استوجب عقوبة الكافر وهو القتل جمعا بين الادلة (العهد الذي بيننا وبينهم الى آخره) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والترمذى وصححه (كراريس) جمع كراسة قال النحاس وهي الورق الذي ألزق بعضه الى بعض من قولهم رسم مكرس أي الصقت الريح التراب به وقال الخليل من اكراس النعم حيث تقف وهى ان تقف في موضع شيئا بعد شيء حتى يتلبد (في فصل الصلاة) بالمهملة (قسم) بكسر القاف (من شقة) بضم الشين المعجمة أى المسافة البعيدة سميت بذلك لمشقتها على النفس وقيل المشقة الغاية التي تقصد (مكابدا) بالموحدة والمهملة أي متحملا الشدائد والكبد لغة الشدة (عرفة) سمى بذلك لان جبريل كان يرى ابراهيم المناسك ويقول له عرفت فيقول عرفت وسمي ذلك المكان عرفة واليوم عرفة أو لان آدم وحواء تعارفا فيها بعد ان أهبط بالهند وهي بجدة أو لان
стр. 235
وبقى من وقتها مالو اشتغل بادائها فاته الحج قالوا ليس له تركها ولا ان يصليها صلاة شدة الخوف على الاصح لانها أفضل من الحج ووقتها مضيق والحج موسع بالعمر ومن اخلاق العامة عظيم انكارهم على المفطر في رمضان من غير عذر وتركهم النكير على تارك الصلاة وليسا في التغليظ سواء ومن اخلاقهم أيضا انكارهم على تارك الجمعات ولا ينكرون على تارك الجماعات وشأنهما واحد وما أجدر تارك الصلاة بأن يجنب مساجد المسلمين ومحاضرهم الكريمة ويستقذر مواكلته ومناكحته ويبكت ويقرع ويعرف سوء حاله وانه مباح الدم فربما ينزجر عن ذلك الناس يعترفون فيها بذنوبهم أو من العرف وهو الطيب أقوال (قالوا ليس له تركها) بل يصلي وان فاته الحج وهذا ما قال الرافعي في الشرح والمحرر وقرره النووى في المنهاج (ولا ان يصليها صلاة شدة الخوف على الاصح) لانه طالب لافار فلا يقاس عليها وصحح الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد انه يصليها كذلك وبقى في المسئلة وجه ثالث لم يذكره المصنف وهو وجوب تأخير الصلاة ليدرك الحج وهذا الوجه هو الذى رجحه الامام النووي في الروضة وقال انه الصواب وجزم به القاضي حسين في تعليقه وجرى عليه ابن الرفعة والاسنوي وغيره من المتأخرين وهو المعتمد وذلك لان قضاء الحج صعب بخلافها وقد عهد تأخيرها للجمع وتجرى الاوجه كما قال الجزري وغيره في الاشتغال بانقاذ غريق وصلاة على ميت خيف انفجاره (ووقتها مضيق والحج موسع بالعمر) هذا عند النووي وموافقيه منقوضة بأنه اذا فاته الحج يضيق عليه قضاؤه (وليسا في التغليظ سواء) وان كان ترك كل منهما كبيرة بدليل القتل بتركها (الجمعات) بضم الجيم والميم جمع جمعة بضم الميم واسكانها وفتحها وحكي كسرها وكانوا في الجاهلية يسمونها عروبة والسبت شبارا والاحد أوّل والاثنين اهون والثلثاء دبارا والاربعاء جبارا والخميس مؤنسا قال الشاعر
أؤمل ان أعيش وان يومي ... بأول أو بأهون أو دبار
أو الثاني جبار فان أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شبار
(وشأنهما واحد) أى من حيث ان التسامح بالجماعة يدل على قلة المبالاة بالفضائل والا فليس شأنهما واحدا في الاثم بالترك الاعلى القول بان الجماعة فرض عين وذلك عندنا وجه ضعيف أما على القول بانها سنة كما قاله الغزالى والبغوي والرافعى وغيرهم فلا يخفى الحكم وأما على القول بانها فرض كفاية كما هو الاظهر وعليه الاكثرون وصححه النووى في جميع كتبه فلا يتأتى ذلك الا اذا تركت أصلا فان قام بها بعض الناس سقط الحرج عن غيره كما هو شأن فرض الكفاية (وما أجدر) أي ما أحق وأحرى (تارك) بالنصب على التعجب (يجنب) أي يؤمر باجتناب (مساجد المسلمين ومحاضرهم) أى مواضع حضورهم (فيبكت) بالموحدة وآخره فوقية (ويقرع) بالقاف فالراء فالمهملة والتبكيت والتقريع والتوبيخ والتثريب الملامة (التوفيق) خلق قدرة الطاعة في العبد وضده الخذلان والعياذ بالله قال بعض العلماء من عزة التوفيق لم يذكر في القرآن بمعناه الا في موضع واحد وهو قوله تعالى وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ وذكر في موضعين آخرين بغير معناه وهو قوله تعالى إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما وقوله إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً
стр. 236
والله ولي التوفيق*
[استطراد لذكر قصة غوث بن الحارث]
وفي هذه الغزوة كانت قصة غورث بن الحارث وهو ما روينا في صحيح البخارى عن جابر انهم لما قفلوا نزلوا منزلا وتفرقوا في الشجر ونزل رسول الله ﷺ تحت شجرة فعلق بها سيفه قال جابر فنمنا نومة ثم اذا رسول الله ﷺ يدعونا فأجبناه فاذا عنده اعرابى جالس فقال رسول الله ﷺ ان هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال لى من يمنعك منى قلت الله فها هو ذا جالس ثم لم يعاقبه رسول الله ﷺ وروى أن السيف سقط من يده وأخذه رسول الله ﷺ وقال له من يمنعك مني قال كن خير آخذ فتركه وعفي عنه فجاء الي قومه فقال جئتكم من عند خير الناس وأسلم
[الكلام على حديث جابر وشراء النبى ﷺ جمله منه]
وفي هذه الغزوة ذكر ابن هشام بروايته عن ابن اسحق حديث جابر في شراء النبي ﷺ جمله وذلك مخالف لاحدى روايات مسلم عن جابر ان ذلك كان في اقبالهم من مكة الى المدينة قلت وحديث جابر هذا جامع لانواع من الفوائد وقد خرجه الشيخان بألفاظ تتفق وتفترق وقد جمع بينهما الحفاظ وردوا بعضها الى بعض* روينا في صحيحيهما وَتَوْفِيقاً* وفي هذه الغزوة (غورث) بغين معجمة مفتوحة وقد تضم فواو ساكنة فراء مفتوحة فثاء مثلثة وقيل بالكاف بدلها مكبر ورواه الخطابى بالتصغير وبالشك في اعجام الغين واهمالها قال الشمنى أسلم وصحب النبي ﷺ بعد ذلك انتهى وقد ذكر اسلامه البغوى أيضا والمصنف كما سيأتى ولم يذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (فى صحيح البخاري) ورواه مسلم أيضا (لما قفلوا) بالقاف قبل الفاء أي رجعوا ومنه سميت القافلة لكن استعملت توسعا في الذاهبة أيضا (سمرة) بفتح المهملة وضم الميم (فعلق بها سيفه) أى بغصن من أغصانها كما في رواية (اخترط) أى سل (وأنا نائم) في تفسير البغوى فأتى النبي ﷺ والنبي ﷺ متقلد سيفه فقال يا محمد أرني سيفك فأعطاه اياه (صلتا) بفتح المهملة وضمها واسكان اللام وفوقية أى مجردا من غمده (ثم لم يعاقبه رسول الله ﷺ زاد في رواية في الصحيح وكان ملك قومه فانصرف حين عفا عنه وقال والله لا أكون في قوم هم حرب لك (وروي ان السيف سقط من يده) حكاه عياض في الشفاء بهذه الصيغة (وقال من يمنعك مني الى آخره) رواه البغوى في التفسير وفي رواية فيه انه جعل يضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه قال في الشفاء وقد حكيت مثل هذه الحكاية انها جرت له يوم بدر وقد انفرد عن أصحابه لقضاء حاجته فتبعه رجل من المنافقين وذكر مثله وقد روى انه وقع له مثلها في غزوة غطفان بذي أمر مع رجل اسمه دعبور بن الحارث وان الرجل أسلم فلما رجع الى قومه الذين أغروه وكان سيدهم وأشجعهم قالوا له أين ما كنت تقول وقد أمكنت فقال إنى نظرت الى رجل أبيض طويل دفع في صدرى فوقعت لظهرى فسقط السيف فعرفت انه ملك وأسلمت* وفي هذه الغزوة (وقد أخرجه) مالك والشيخان وأبو داود والترمذى
стр. 237
واللفظ للبخاري عن جابر بن عبد الله قال كنت مع النبي ﵌ في غزاة فابطأبى جملي واعيا فأتى علي النبي ﷺ فقال جابر قلت نعم قال ما شأنك قلت أبطأ على جملى واعيا فتخلفت فنزل فحجنه بمحجنه ثم قال اركب فركبت فلقد رأيته اكفه عن رسول الله ﵌ قال تزوجت قلت نعم قال أبكرا ام ثيبا قلت بل ثيبا قال أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك قلت ان لي اخوات فأحببت ان اتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن قال اما انك قادم فاذا قدمت فالكيس الكيس ثم قال أتبيع جملك قلت نعم فاشتراه مني بأوقية ثم قدم رسول الله ﷺ قبلى وقدمت (أبطأ) تأخر (فاعيا) تعب والاعياء التعب (جابر) منادى حدفت أداته (بمحجنه) بكسر الميم وهو عصا معوج الرأس يلتقط بها الراكب ما سقط منه وفي رواية بعنزة وهي بفتح النون عصا نحو نصف الرمح في أسفلها زج وفي رواية في الصحيح فزجره ودعا له (فلقد رأيته أكفه عن رسول الله ﷺ أي لئلا يتقدم بين يديه وفي رواية فما زال بين يدى الابل فقال لى كيف ترى بعيرك فقلت بخير قد أصابته بركتك (أتبيع جملك) زاد في رواية في الصحيح فاستحييت ولم يكن لنا ناضح غيره (قال فقلت نعم) فبعته اياه على ان لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة (بكرا) هي التي لم توطأ (ثيبا) هي التي قد وطئت وزالت بكارتها واسم هذه المرأة التي تزوجها سهيلة بنت مسعود الاوسية (فهلا جارية) بالنصب أى تزوجت جارية (تلاعبها وتلاعبك) في رواية فاين أنت من العذراء ولعابها بكسر اللام ووقع لبعض رواة البخاري بضمها وأما الرواية في كتاب مسلم فبالكسر لا غير قاله عياض وهو من الملاعبة مصدر لاعب وقيل أي على رواية الضم انه من اللعاب وهو الريق وفي رواية فهلا تزوجت بكرا تضاحكك وتضاحكها وتلاعبك وتلاعبها (لى أخوات) كن اخواته تسعا أوستا روايتان جمع بينهما بانهن كن تسعا منهن ثلاث متزوجات فلم يعدهن في رواية لاستغنائهن عنه وعدهن في أخري ولم يسم منهن واحدة (وتمشطهن) بضم المعجمة أي تسرح رؤسهن بالمشط (فالكيس الكيس) بفتح الكاف واسكان التحتية ثم مهملة وهو منصوب على الاغراء أى جامع جماعا كيسا قال بعضهم هذا أصل عظيم في تحسين الهدي في الجماع زاد ابن خزيمة عن جابر فدخلنا حين أمسينا فقلت للمرأة ان رسول الله ﷺ أمرنى ان أعمل عملا كيسا قالت سمعا وطاعة فدونك فبت حتى أصبحت (باوقية) بضم الهمزة واسكان الواو وكسر القاف وتشديد التحتية وفيه لغة أخري صحيحة حذف الهمزة مع فتح الواو (ثم قدم رسول الله ﷺ قبلى في رواية في الصحيح انه استأذن رسول الله ﷺ في التقدم الى المدينة لكونه عروسا فاذن له قال فلما أتيت المدينة لقينى خالى فسألنى عن البعير فاخبرته بما صنعت فيه فلامني وظاهر هذه انه تقدم الناس جميعا الى المدينة الا ان يحمل على ان النبى ﷺ تقدم الناس أيضا فاستأذنه جابر في التقدم معه وأمر غيره بالتخلف لامر اقتضي ذلك فلما قدما
стр. 238
بالغداة فجئنا الى المسجد فوجدته على باب المسجد فقال الآن قدمت قلت نعم قال فدع جملك وادخل وصل ركعتين فدخلت فصليت وامر بلالا ان يزن لي أوقية فوزن لي بلال فأرجح في الميزان فانطلقت حتى وليت فقال ادع لي جابرا فقلت الآن يرد على الجمل ولم يكن شيء أبغض الىّ منه قال خذ جملك ولك ثمنه فهذه احدى روايات البخاري وباقي رواياته ورواية مسلم تزيد وتنقص وها أنا اذكر ما سنح من فوائد مجموع رواياته ان شاء الله تعالى من ذلك اختلافهم في أصل اليمن من أوقية الى ست أواقي زاد البخارى بثمان مائة درهم وفي رواية بعشرين دينارا وأكثر الروايات أوقية كما نقله البخارى عن الشعبي وعليهما حملوا باقي الروايات ومنها ان في احدى رواياته انه اشترط حملانه الى المدينة ففيه حجة لمالك واحمد ومن وافقهم في جواز مثل ذلك ومنعه الشافعي وأبو حنيفة لحديث النهى عن بيع وشرط والنهي عن بيع الثنيا وتأولوا قصة جابر بأنها قصة عين يتطرق اليها احتمالات كثيرة* ومنها ان في وكانا بقرب المدينة دخلها رسول الله ﷺ قبله ولم أر من قاله (قال الآن) بقطع الهمزة للاستفهام (وأدخل وصل ركعتين) فيه ندب صلاتها بالمسجد للقادم من السفر وان صلاة النهار مثنى كصلاة الليل وقد روي أحمد وأبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجه عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ صلاة الليل والنهار مثنى مثني (وأمر بلال) فيه جواز التوكيل في قضاء الدين واداء الحقوق (سنح) بالمهملتين بينهما نون مفتوحات أي عرض (من أوقية) المراد بها من الذهب كما فسره في رواية سالم عن جابر وهى أكثر الروايات كما نقله البخاري عن الشعبي (الى ست أواقى) اي من الفضة وهى بقدر أوقية الذهب في ذلك الوقت قال النووي فيكون الاخبار باوقية الذهب عما وقع به العقد وعن أواقى الفضة عما حصل به الايفاء ولا يتغير الحكم ويحتمل أن يكون هذا زيادة على الاوقية كما قال فما زال يزيدني ورواية أربعة دنانير محمولة على ان أحدهما وقع به البيع والاخري زيادة كما في رواية وزادنى أوقية (وفي رواية بعشرين دينارا) محمولة على دنانير صغار كانت لهم ورواية أربع أواق شك فيها الراوي فلا تعتبر (الشعبي) بفتح المعجمة واسكان المهملة اسمه عامر بن شراحيل وقيل شرحبيل (حملانه) بضم المهملة أي الحمل عليه (ففيه حجة لمالك) في جواز ذلك اذا كانت مسافة الركوب قريبة وحمل الحديث على هذا (وأحمد ومن وافقهما في جواز ذلك) مطلقا (وأبو حنيفة) اسمه النعمان بن ثابت توفي ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة وقد تقدم ذكر الشافعى ومالك وأحمد أوّل الكتاب (النهى عن بيع وشرط) رواه الشيخان وغيرهما (والنهي عن بيع الثنيا) رواه مسلم والترمذى وزاد الا ان تعلم وهي بضم المثلثة واسكان النون ثم تحتية مفتوحة الاستثناء في البيع (يتطرق اليها احتمالات كثيرة) منها انه ﷺ أراد أن يعطيه الثمن ولم يرد حقيقة البيع ومنها انه يحتمل ان الشرط لم يكن في نفس العقد بل كان
стр. 239
رواية ان النبى ﵌ لما ماكسه وطلب منه البيع قال جابر فان لرجل علىّ اوقية ذهب فهو لك بها فقال النبي ﷺ قد أخذته بها ففيه دليل على ان البيع ينعقد بلفظه وبما يؤدي معناه من الكنايات وقد يحتج به من يمنع انعقاده بالمعاطاة ولا حجة فيه فان المختار انعقاد البيع بها وانما يجوز مع حضور العوضين فيعطى ويأخذه* ومنها ان في احدى رواياته امهلوا حتى يدخلوا ليلا أى عشاء كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة ففيه استعمال مكارم الاخلاق والشفقة على المسلمين والنهى عن تتبع العورات وليس فيه معارضة لحديث النهى عن الطرق ليلا لانه فيمن جاء بغتة واما هؤلاء فقد تقدم خبر مجيئهم والكيس كلمة مشتركة لمعان والمراد هنا حثه على طلب الولد وفيه من الفوائد جواز الوكالة فى أداء الدين واستحباب ارجاح الوزن والزيادة في القضاء لأن في رواية انه زاد قيراطا فقال جابر لا تفارقني زيادة رسول الله ﵌ فحفظه حتى أصيب منه يوم الحرة ففيه التبرك بآثار الصالحين وفيه جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته والمماكسة له سابقا فلم يؤثر ثم تبرع ﷺ باركانه (ماكسه) أي ناقصه من ثمنه قال أهل اللغة المماكسة المكالمة في النقص من الثمن وأصلها النقص ومنه مكس الظالم (ففيه دليل على ان البيع الى آخره) موضع الدليل قول جابر هو لك وقول النبى ﷺ قد أخذته بها (وقد يحتج به من يمنع انعقاده بالمعاطاة) وانه لا بد من الايجاب والقبول وهو الذي قاله الجمهور (فان المختار) عند جماعة منهم البغوي والمتولى والنووي (انعقاد البيع بها) في كل ما يعده الناس بيعا وخص الرويانى وابن شريح وغيرهما ذلك بالمحقرات كرطل خبز وعلى ما قاله الجمهور قال الغزالى في الاحياء يتملك البائع الثمن الذي قبضه ان ساوى قيمة ما دفعه هذا كله في الدنيا أما في الآخرة فلا مطالبة لطيب النفس بها واختلاف العلماء (وانما يجوز مع حضور العوضين فيعطي ويأخذ) هذا قاله النووي في شرح مسلم وغيره وظاهره اشتراط حضور العوضين وان يعطي ويأخذ والذي نقلوه عن الذخائر ان صورة المعاطاة ان يتفقا على الثمن والمثمن ثم يعطى المشتري من غير ايجاب ولا قبول وظاهر هذا عدم اشتراط ذلك قال في الايضاح للناشرى والظاهر ان الجميع معاطاة وهو متجه (وتستحد) الاستحداد ازالة الشعر بالحديدة وهى الموسى والمراد هنا ازالته كيف ما كانت (المغيبة) بضم الميم وكسر المعجمة وسكون التحتية أى التى غاب زوجها (والكيس) بفتح الكاف واسكان التحتية كما سبق (والمراد هنا حثه على طلب الولد) كما فسره البخاري وفسره ابن حبان بالجماع وفسره بعضهم بالرفق وحسن التأني (يوم الحرة) كانت سنة ست وثلاثين من الهجرة وكان فيها قتال ونهب من أهل الشام وقتل بها ابنان لعبد الله بن العباس بن عبد المطلب وهما صغيران بين يدي أمهما وهما قثم وعبد الرحمن وسببها ان أهل المدينة خلعوا يزيد بن معاوية لفسقه فارسل جيشا استباحوا المدينة وقتلوا
стр. 240
ففي رواية ان النبي ﵌ قال له أتراني ما كستك لآخذ جملك الجمل والثمن لك وفيه استحباب نكاح الابكار وجواز ملاعبة النساء وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله ﵌ حيث انبعث جمل جابر بعد ان أعيا وكل فصار أنشط الابل وفيه منقبة لجابر حيث ترك حظ نفسه لما يصلح بحال أخواته*
[مطلب في الكلام على غزوة بنى المصطلق وهي غزوة المريسيع]
وفيها كانت غزوة بني المصطلق من خزاعه وهي غزوة المريسيع قال موسى بن عقبة كانت سنة أربع وقال ابن اسحق سنة ست والصواب الاول بدليل ان فيها حديث الافك وجرى فيه ذكر سعد بن معاذ وسعد أصيب يوم الخندق والخندق على الاصح سنة أربع فعلم بهذا ان المريسيع قبلها وكان من خبر بنى المصطلق انهم أجمعوا الحرب لرسول الله ﵌ فحين علم بهم خرج واستعمل على المدينة اباذر الغفاري ﵁ فلقيهم النبي ﷺ بالمريسيع من ناحية قديد فهزم الله بنى المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسول الله ﵌ أبناءهم ونساءهم وأموالهم وكان شعار المسلمين يومئذ يا منصور أمت أمت وأصيب يومئذ هشام بن صبابة من المهاجرين بأيدي المسلمين خطأ فقدم أخوه مقيس من مكة وأظهر الاسلام من وجوه المهاجرين والانصار ألفا وسبعمائة ومن أخلاط الناس عشرة آلاف سوي النساء والصبيان وكان جابر خرج يومئذ يطوف في أزقة المدينة وهو أعمي والبيوت تنهب وهو يعثر في القتلي ويقول تعس من أخاف رسول الله ﷺ فقال له قائل ومن أخاف رسول الله فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من أخاف المدينة فقد أخاف ما بين جنبي فحملوا عليه ليقتلوه فاجاره مروان وأدخله بيته ويقال لهذه الحرة حرة زهرة وقد وقف بها النبى ﷺ وقال ليقتلن بهذا المكان رجال هم خيار أمتي بعد أصحابى ذكر ذلك الزبير بن بكار في أخبار المدينة (منقبة) أى فضيلة* وفيها كانت غزوة (بني المصطلق) بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء المهملة وكسر اللام وقاف لقب خزيمة بن عمرو قال في القاموس سمى به لاجل صوته وكان من أوّل من غني من خزيمة (المريسيع) بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتيتين بينهما مهملة مكسورة وآخره مهملة ويجوز اعجامها ماء بالحجاز لبني خزاعة (قال موسى بن عقبة كانت سنة أربع) كذا نقله البخارى عنه وهو سبق قلم والدى في مغازيه انها سنة خمس (انهم أجمعوا الحرب لرسول الله ﷺ زاد البغوي وكان قائدهم الحرث بن أبى ضرار أبو جويرية زوج النبي ﷺ (أباذر الغفاري) اسمه جندب بن جنادة على الاصح في اسمه واسم أبيه (قديد) بئر عند عقبة خليص (ونفل) بالتشديد (يا) حرف نداء (منصور) منادي (أمت أمت) أمر من الاماتة (تنبيه) غزوة بنى المصطلق رواها الشيخان عن عبد الله بن عمر (ابن صبابة) الاكثرون على انه بمهملة مضمومة وعن ابن أبى الصيف أنه باعجامها ثم موحدة ثم ألف ثم موحدة (مقيس) بضم الميم وكسرها واسكان القاف وفتح التحتية ثم مهملة
стр. 241
فأمر له رسول الله ﵌ بدية أخيه ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ورجع الى مكة مرتدا ففى ذلك يقول
شفى النفس ان قد بات بالقاع مسندا ... يضرج ثوبيه دماء الاخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله ... تلم فتحمينى وطاء المضاجع
حللت به وتري وأدركت ثورتى ... وكنت الى الاوثان أوّل راجع
ثم قتل عام الفتح وهو متعلق بأستار الكعبة ونزل فيه قوله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ الآية*
[الكلام علي سبب نزول سورة المنافقين]
وفي هذه الغزاة سبب نزول سورة المنافقين وذلك أنه اقتتل مهاجرى وأنصاري فتداعى الفريقان فأنف عبد الله بن أبىّ وقال لقومه (فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه) في تفسير البغوي انه وجده قتيلا في بنى النجار فأتي رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فأرسل رسول الله ﷺ معه رجلا من بني فهر الى بني النجار انهم ان علموا قاتل هشام بن صبابة دفعوه الي مقيس فيقتض منه وان لم يعلموه ان يدفعوا اليه ديته فقالوا سمعا وطاعة ما نعلم له قاتلا ولكن نؤدي ديته فأعطوه مائة من الابل ثم انصرفا راجعين الى المدينة فأتي الشيطان مقيسا فوسوس اليه فقال تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة أقتل الذى معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية فتغفل الفهري فرماه بصخرة فشدخه ثم ركعب بعيرا وساق بقيتها راجعا الى مكة كافرا انتهى (ثم عدا على قاتل أخيه فقتله) هذا خلاف ما ذكره ابن مندة وأبو نعيم وابن عبد البر انه انما قتل زهير بن عياض المرسل معه الي بنى النجار وقاتل أخيه خطأ منهم (تلم) بضم أوله (وتري) بكسر أوله وفتحه ثم فوقية يعنى الوجل الذي في قلبه بسبب قتل أخيه والموتور الذي قتل له قتيل لم يدرك بدمه (ثورتى) بفتح المثلثة واسكان الواو وفتح الراء أى ثأرى (ثم قتل عام الفتح) قتله تميلة بالفوقية بن عبد الله ذكره ابن عبد البر عن ابراهيم بن سعد عن ابن اسحاق قال وكان رجلا من قومه (ونزل فيه) أي بسببه (قوله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها الآية) فلا حجة فيه للمعتزلة وغيرهم ممن يقول بتخليد أهل الكبائر في النار لما تقرر انها نزلت في قاتل هو كافر ولا لمن يقول بعدم قبول توبة القاتل لذلك أيضا وقيل ان الآية نزلت في القاتل المستحل لانه حينئذ مرتد وقيل معنى قوله فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ أي اذا جازاه ولكنه تحت المشيئة ودلائل أهل السنة على قبول توبة القاتل وعدم التخليد في النار بالكبائر كثيرة شهيرة وفي هذه الغزوة (اقتتل مهاجرى) اسمه جهجاه بن سعيد أو ابن قيس الغفاري كان أجيرا لعمر رضى الله عنه يقود له فرسه ومات بعد قتل عثمان اخذته الاكلة في ركبته فمات منها قال السهيلى وكان كسر بركبته عصا رسول الله ﷺ التي كان يخطب بها وذلك انه انتزعها من عثمان حين أخرج من المسجد ومنع من الصلاة فيه فكان أحد المعينين عليه حتى كسر العصما على ركبته فيما ذكروا فابتلى بما ابتلى به من الاكلة والعياذ بالله (وانصارى) اسمه سنان بن وبرة الجهني حليف لبنى عوف بن الخزرج وكان اقتتالهم بسبب حوض شربت منه ناقة الانصاري كما في تفسير ابن مردويه (فتداعي الفريقان) فصرخ الجهنى يا معشر الانصار وصرخ الغفاري يا معشر المهاجرين فاعان جهجاها الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال وكان فقيرا (فانف عبد الله بن ابي) زاد البغوى عن ابن اسحاق وغيره وقال قد
стр. 242
لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا يقول انما حملهم على هذا نفقاتكم التى تنفقونها عليهم فلو تركتموهم لاحتاجوا وانفضوا من حوله وقال لئن رجعنا الى المدينة ليخرجنّ الاعز منها الاذل في كلام كثير قاله فحمل زيد بن أرقم الانصارى مقالته الى رسول الله ﵌ فعاتبه النبى ﷺ فحلف ما قال شيأ من ذلك وان زيدا لكاذب وصدقه من حضر من الانصار وكذبوا زيدا ولاموه حتي استحي وندم ووقع الخوض في ذلك فارتحل بهم رسول الله ﵌ وسار بهم يومهم وليلتهم وصدرا من يومهم الثانى ثم نزل بهم فلم يكن الا أن وجدوا مس الارض وقعوا نياما وانما فعل ذلك ليشغلهم عن الحديث الذي كانوا فيه بالامس ولما وافى رسول الله ﷺ المدينة نزلت عليه سورة المنافقين فلما نزلت أخذ رسول الله ﵌ باذن زيد وقال يا زيد ان الله قد صدقك وأوفى باذنك وكان عبد الله بن أبى بقرب المدينة فلما أراد دخولها منعه ابنه عبد الله بن عبد الله وقال والله لا تدخلها الا باذن رسول نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما مثلنا ومثلهم الا كما قال القائل سمن كلبك ياكلك (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتي ينفضوا) قال البغوى أقبل ابن أبي على من حضر من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل طعام لم يركبوا رقابكم ولتحولوا الى غير بلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد (وقال لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل) زاد البغوي يعني بالاعز نفسه وبالاذل رسول الله ﷺ فقال زيد بن ارقم أنت والله الذليل القليل البغيض في قومك ومحمد في عز من الرحمن ومودة من المسلمين فقال عبد الله بن أبي اسكت فانما كنت ألعب (فحمل زيد بن أرقم الى رسول الله ﷺ مقالته) وذلك بعد فراغه من الغزو زاد البغوي وعنده عمر بن الخطاب فقال دعنى أضرب عنقه يا رسول الله فقال فكيف يا عمر اذا يتحدث الناس ان محمدا يقتل أصحابه ولكن آذن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها فارتحل الناس (فعاتبه النبي ﷺ وقال له أنت صاحب الكلام الذى بلغني (فحلف) فقال والذي أنزل عليك الكتاب (ما قلت شيأ من ذلك وان زيدا لكاذب) زاد البغوى وكان عبد الله في قومه شريفا عظيما (فصدقه من حضره من الانصار) وقالوا يا رسول الله عسى ان يكون هذا الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قاله فعذره النبى ﷺ (وكذبوا زيدا ولاموه) زاد البغوى وقال له عمه ما زدت الا أن كذبك رسول الله ﷺ والناس ومقتوك (حتى استحي) بعد ذلك ان يدنو من رسول الله ﷺ (وأوفى باذنك) بفتح الهمزة والذال المعجمة أي صدقك فيما قلت انك سمعته والاذن بالفتح الاستماع (ولتعلمن اليوم من الاعز من الاذل) زاد البغوى فشكا عبد الله الى رسول الله ﷺ ما صنع ابنه فأرسل رسول الله ﷺ ان خل عنه فقال له أما اذ جاء أمر رسول الله ﷺ فنعم (حتى ينفضوا)
стр. 243
الله ﷺ ولتعلمن اليوم من الاعز ومن الاذل فأرسل رسول الله ﵌ ان خل عنه فلم يلبث عبد الله بن أبى بعدها الا قليلا ومات على نفاقه قالوا ولما نزلت السورة قيل لعبد الله بن أبي قد نزل فيك آيات شديدة فاذهب الى رسول الله ﵌ يستغفر لك فألوى برأسه استكبارا فنزل قوله تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ونزل قوله تعالى هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي فلا يعطى أحد احدا شيئا الا باذن الله ولا يمنعه الا بمشيئته قيل لحاتم الاصم من أين تأكل فقال وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقال الجنيد بن محمد البغدادي خزائن السموات الغيوب وخزائن الارض القلوب وكان أبو بكر الشبلي يقول ولله خزائن السموات والارض فأين تذهبون ولكن المنافقين لا يفقهون انه اذا أراد أمرا يسره*
[تتمة في زواج رسول الله بجويرية بنت الحارث من سبايا بنى المطلق واسلامهم]
وكان من سبايا بنى المصطلق ام المؤمنين جويرية بنت الحرث بن أبي ضرار وكان أبوها قائد الجيش يومئذ وصارت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وكاتبته أى يتفرقوا (لحاتم الاصم) هو عبد الرحمن حاتم بن عنوان وقيل حاتم بن يوسف الاصم قال القشيري عبد الكريم بن هوازن كان من أكابر مشايخ خراسان وكان تلميذ شقيق وهو استاذ أحمد بن حضرويه قيل لم يكن به صمم وانما تصامم مرة فسمى به مات سنة ثلاث وسبعين ومائتين ثم روي عن أبي على الدقاق انه قال جاءت امرأة فسألت حاتما عن مسئلة فاتفق انه خرج منها في تلك الحالة صوت فخجلت قال حاتم ارفعي صوتك فأرى من نفسه انه أصم فسرت المرأة بذلك وقالت انه لم يسمع الصوت فغلب عليه اسم الصمم (الجنيد بن محمد البغدادي) قال السبكي في الطبقات هو ابو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الجزار القواريري الزاهد أصله من نهاوند ومنشأه ومولده بالعراق شيخ الطريقة سيد الطائفة تفقه على أبي ثور وكان يفتي بحلقته وله من العمر عشرون سنة انتهى صحب السري والحارث المحاسبي ومحمد بن على القصاب ومن كلامه نفع الله به العارف من نطق عن سرك وأنت ساكت ومنه ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن الجوع وترك الدنيا وترك المألوفات والمستحسنات ومنه لو أقبل صادق على الله بقلبه ألف ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله ومنه من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا تقتدوا به في هذا الامر لان علمنا مقيد بالكتاب والسنة توفي سنة سبع وتسعين ومائتين ودفن بالشونيزية عند خاله السرى نفع الله بهما ورحمهما (أبو بكر الشبلى) اسمه دلف بضم المهملة وفتح اللام ثم فاء ابن جحدر بجيم فمهملة فراء قال القشيري في الرسالة بغدادي المولد والمنشأ أصله من أشر وسنة صحب الجنيد ومن عاصره وكان نسيج وحده حالا وطرقا وعلما مالكى المذهب عاش سبعا وثمانين سنة ومات سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وقبره ببغداد (جويرية) تصغير جارية بالجيم والتحتية كان اسمها قبل ذلك برة فغيره رسول الله كراهية التزكية (ضرار) بكسر المعجمة وتخفيف الراء (وصارت في سهم ثابت بن قيس) الى قوله
стр. 244
وجاءت رسول الله ﵌ تستعينه في كتابتها وكانت ملاحة من رآها أحبها فقال لها رسول الله ﵌ فهل لك في خير من ذلك أقضى كتابتك واتزوجك قالت نعم قال قد فعلت فتزوجها فلما شاع في الناس خبر تزويجه لها ارسلوا ما بأيديهم من سبي بني المصطلق وقالوا أصهار رسول الله ﷺ قالت عائشة فما أعلم امرأة كانت على قومها أعظم بركة منها فلقد أعتق بسببها مائة أهل بيت وبعد ان اسلم بنو المصطلق بعث اليهم النبي ﷺ الوليد بن عقبة بن أبي معيط ليأتى بصدقاتهم فتلقوه بالاكرام فخافهم ورجع وأخبر النبي ﵌ انهم أرادوا قتله فجاؤا خلفه وحلفوا ما أرادوا ذلك ثم بعد ذلك بعث اليهم النبي ﵌ خالد بن الوليد وأمره ان يخفي عنهم عسكره حتى يتبين أمرهم فوجدهم طائعين مؤدين قيل ونزل في الوليد بن عقبة قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الى نادِمِينَ
[الكلام على رخصة التيمم وسببها وأحكامه]
وفي هذه الغزاة نزلت رخصة التيمم وسببها ما رويناه في الصحيحين وغيرهما بألفاظ تختلف وتأتلف عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه (فلقد أعتق بسببها مائة أهل بيت) أخرجه أبو داود عن عائشة وشماس بتشديد الميم (وجاءت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها) فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث وانه كان من أمرى مالا يخفي عليك واني وقعت في سهم ثابت بن قيس وأني كاتبت على نفسي وجئتك تعينني (وكانت ملاحة) بضم الميم وتشديد اللام أي بارعة الجمال وهذا البناء للمبالغة في الملاحة في سنن أبي داود بعد ذلك لها في العين حقا قالت عائشة فلما قامت على الباب ورأيتها كرهت مكانها وعرفت ان رسول الله ﷺ سيري منها مثل الذى رأيت (من ذلك) بكسر الكاف قالت وما هو قال (اقضى) فى رواية أبي داود أؤدي (عنك كتابتك) أي المال الذي كاتبت عليه (وأتزوجك) فيه جواز التصريح بالخطبة للخلية من الزوج وعدة الغير (قالت نعم) لفظ أبى داود قالت قد فعلت (حتى يستبين أمرهم) بفتح الراء وضمها (فوجدهم طائعين مؤدين) في تفسير البغوى وسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء (قيل ونزل في الوليد بن عقبة) جزم به البغوي ولم يذكر غيره (فاسق) يعنى الوليد بن عقبة (بنبأ) بخبر (فتبينوا) قريء من التبين ومن التثبت (ان تصيبوا) كيلا تصيبوا بالقتل والقتال (قوما) برآء بجهالة منكم لبراءتهم (فتصبحوا على ما فعلتم) من اصابتكم اياهم خطأ (نادمين) وفي هذه الغزوة أي غزوة بنى المصطلق كما قاله ابن سعد وابن حبان وابن عبد البر وأغرب الداودي فقال كانت في غزوة الفتح (رخصة) أفاد المصنف ان التيمم رخصة فيقضي العاصى بسفره وقيل عزيمة (التيمم) لغة القصد يقال تيممت فلانا ويممته وياممته أي قصدته ومنه قوله تعالى وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وشرعا ايصال التراب الى الوجه واليدين بشرائط مخصوصة وهو ثابت كتابا
стр. 245
وسلم حتى اذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله ﵌ على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس الى أبى بكر رضى الله عنه فقالوا الا ترى ما صنعت عائشة اقامت برسول الله ﵌ وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذى قد نام فقال حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء فعاتبنى أبو بكر وقال ما شاء الله ان يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي ولا يمنعنى من التحرك الامكان رسول الله ﷺ على فخذى فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا فقال اسيد بن حضير ما هي بأول بركتكم يا آل أبى بكر قالت عائشة فبعثنا البعير الذى كنت عليه فوجدنا العقد تحته: اختلفوا في آية التيمم المذكورة في حديث عائشة فقيل آية المائدة وقيل آية النساء قال ابن العربى هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء يعنى قول عائشة فنزلت آية التيمم قلت والاقرب انها آية النساء وله دلائل كثيرة وسنة واجماعا ومن خصائص هذه الامة (بالبيداء) بفتح الموحدة أوله والمد (أو بذات الجيش) بفتح الجيم وسكون التحتية واعجام الشين موضعان بين المدينة وخيبر كذا جزم به النووى قال ابن حجر واستبعد ذلك بعض شيوخنا أي كما مر ان ذلك وقع في غزوة بنى المصطلق وهي غزوة المريسيع والمريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل قال وما جزم به النووي مخالف لما جزم به ابن التين فانه قال البيداء هى ذو الحليفة وقال أبو عبيد البكري البيداء أدنى الى مكة من ذي الحليفة وهو المشرف الذي قدام ذي الحليفة من طريق مكة قال وذات الجيش من المدينة على بريد وبينها وبين العقيق سبعة أميال والعقيق من طريق مكة لامن طريق خيبر فاستقام ما قال ابن التين انتهى ويؤيده ما في مسند الحميدي ان القلادة سقطت بالابواء والابواء بين مكة والمدينة وفي رواية لجعفر القرناني في كتاب الطهارة انها سقطت بمكان يقال له الصلصل بضم المهملتين بينهما لام ساكنة جبل عند ذى الحليفة قاله البكري فعرف تصويب ما قاله ابن التين (عقد) بكسر العين كلما يعقد ويعلق في العنق (لى) اضافته اليها لكونه في يدها والا فهو ملك اسماء استعارته منها كما في الصحيح (على التماسه) أى على طلبه (فخذي) بكسر المعجمة واسكانها في العضو وباسكانها فقط في القبيلة ويجوز لغة كسر الفاء مع كسر الخاء وسكونها (يطعن) بضم العين في الحسى وفتحها في المعنوى على المشهور فيهما (في خاصرتى) باعجام الحاء واهمال الصاد وهي الجنب أو الوسط (حتى أصبح) هذا لفظ البخاري في الفضائل ولفظه في التيمم فقام حين أصبح قال في التوشيح والمعنى متقارب لان كلا منهما يدل على ان قيامه من نومه كان عند الصبح (فتيمموا) فعل ماض وليس أمرا (أسيد بن حضير) مر انهما مصغران وان حضيرا بالمهملة فالمعجمة (ما هي باول بركتكم) أي بل هي مسبوقة بغيرها من البركات والبركة كثرة الخير (يا آل أبي بكر) أي أهله وعياله ويروي بحذف الهمزة والالف من الآل تخفيفا (معضلة) بالمهملة ثم المعجمة والداء العضال هو الذي لا دواء له (قلت والاقرب انها آية النساء وله دلائل كثيرة) قلت بل هي
стр. 246
والله أعلم ويستفاد من حديث عائشة هذا بعد المقصود الاكبر وهو التيمم جواز عارية الخلي وغيره والمسافرة به باذن المعير في ذلك لان في احدى رواياته ان العقد كان لاسماء اعارته عائشة وفيه الاعتناء بحفظ حقوق الناس وان قلت ولحق مشقة في حفظها وفيه تأديب الرجل ابنته وان كانت كبيرة مزوجة خارجة عن بيته واعلم ان التيمم مما خصت به هذه الامة توسعة عليها وشرفا لها لشرف نبيها قال ﷺ فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الارض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا* اما احكام التيمم فانه يجزى عن كل حدث وشرائطه خمس وجود العذر من سفر أو مرض ودخول الوقت وطلب الماء أو تعذر استعماله
آية المائدة كما في بعض روايات البخارى (فضلنا على الناس بثلث الى آخره) رواه أحمد ومسلم والنسائي من حديث حذيفة (جعلت صفوفنا) في الصلاة وفي الحرب (كصفوف الملائكة) عند ربها (وجعلت لنا الارض كلها مسجدا) نصلي فيه حيث نشاء ولا تتعين علينا المساجد لصحة الصلاة كما كانت على بني اسرائيل (وجعلت تربتها) أى ترابها (لنا طهورا) اذا لم نجد الماء كما في صحيح مسلم قال النووى قال العلماء المذكور هنا خصلتان لان قضية الارض في كونها مسجدا وطهورا خصلة واحدة وأما الثالثة فمحذوفة هنا ذكرها النسائي وأحمد فقال أوتيت الآيات خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطها نبى قبلى (يجزي) بفتح أوله بلا همز من جزي أى كفى وبضم أوله مع الهمز من أجزأ (عن كل حدث) أصغر أو أكبر وعن الاطهار المسنونة أيضا (من سفر) أى من فقد ماء فعبر بالسفر لان الفقد يكون فيه غالبا وشرطه ان لا يكون معصية والا تيمم وقضي والفقد الشرعى كان وجد ماء مسبل للشرب كالحسي (أو مرض) ولو حضرا لقوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أي وخفتم من استعمال الماء محذورا فَتَيَمَّمُوا بقرينة تفسير ابن عباس المرض بالجرح والجدري ونحوهما فيتيمم مريض خاف من استعمال الماء على نفس أو عضو أو منفعته أو خوف مرض مخوف أو زيادة فيه أو في مدته أو حصول شين فاحش في عضو ظاهر ولو باخبار طبيب مقبول الرواية كعبد وامرأة أو عرف ذلك من نفسه والاتيمم وقضى كما جزم به البغوى فى فتاويه وأيد بنص الشافعى ان المضطر اذا خاف من الطعام المحضر اليه انه مسموم جاز له تركه والانتقال الى الميتة فما جزم به النووي في التحقيق ونقله في الروضة عن أبي على السخي وأقره غير معتمد (ودخول الوقت) يقينا للصلاة ولو نافلة فهو قبل دخول الوقت باطل لانه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل دخول الوقت فلا تيمم للصلاة على ميت الا بعد طهره ولا لصلاة الاستسقاء الا بعد تجمع المصلين أو معظمهم ولا لفائتة الا بعد تذكرها لان ذلك وقتها كما رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس (وطلب الماء) لقوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ولا يقال لم يجد الا بعد الطلب ويشترط كون الطلب في الوقت يقينا أيضا وطلب نائبه كطلبه وكيفية الطلب مستوفاة في كتب الفقه (أو تعذر استعماله) بان حال بينه وبينه نحو سبع أو كان
стр. 247
والتراب الطاهر وفرائضه اربع نية الفرض ومسح الوجه واليدين الى المرفقين بضربتين فصاعدا والترتيب وسننه التسمية وتقديم اليمنى على اليسرى والموالاة ويبطله ما يبطل الوضوء ووجود الماء ثم عطشان محترم (والتراب الطاهر) فلا يجوز التيمم بغير التراب ولا به وقد خالطه نحو دقيق وان قل ولا به نجسا لقوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً أى اقصدوا ترابا طاهرا ولا به مستعملا قياسا على الماء ولا بما لا غبار له كرمل أو فيه غبار ولكن الرمل يلصق بالمحل وعده التراب شرطا كما صنعه الرافعى أحسن مما في أصل الروضة من عده ركنا اذلو حسن عد التراب ركنا في التيمم لحسن عد الماء ركنا في الطهر به (وفرائضه) أي أركانه (أربعة) على ما قاله المصنف وذلك لانه حذف النقل وهو معدود من الاركان لان الآية أمرت بالتيمم وهو القصد والنقل طريقه (نية الفرض) لقوله ﷺ انما الاعمال بالنيات الحديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عمر وأبو نعيم والدار قطنى عن أبي سعيد وابن عساكر عن أنس والعطار عن أبى هريرة ويجب قرنها بالنقل لانه أوّل الاركان واستصحابها ذكرا الي مسح شئ من الوجه ولا يجزي الابنية الاستباحة لانية التيمم ولا فرضه أو فرض الطهر أو التيمم المفروض لانه طهارة ضرورة فلا يصلح مقصدا وبهذا فارق الوضوء نعم تكفيه نية التيمم بدلا عن طهر مسنون (ومسح الوجه واليدين الى) أي مع (المرفقين) لقوله تعالى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ويجب كونه (بضربتين) لخبر الحاكم والطبرانى عن ابن عمر التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين الي المرفقين وهذا الحديث وان صح وقفه على ابن عمر فقد روى أبو داود انه ﷺ تيمم بضربتين لكن قال في المجموع ان هذا الحديث فيه راو ليس بالقوى عند أكثر المحدثين ومع هذا صحح وجوبهما وقال انه المعروف من المذهب وصحح الرافعي الاكتفاء بضربة واحدة لحديث عمار لما أجنب وتمرغ في التراب لعدم الماء قال له ﷺ انما كان يكفيك ان تقول بيدك هكذا ثم ضرب بيديه الارض ضربة واحدة ثم نفضهما ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه رواه الشيخان وجواب النووى عنه بان المراد بيان صورة الضرب للتعليم لا بيان جميع ما يحصل به التيمم لا يخفى ضعفه كما قال الزركشى (فصاعدا) منصوب على الحال وظاهره عدم كراهة الزيادة على الضربتين وليس مرادا نعم ان لم تكفيا فالزيادة واجبة (والترتيب) كالوضوء وان كان حدثه أكبر وان تمعك بخلاف الغسل منه لان البدن فيه واحد فهو كعضو في الوضوء وأما الوجه واليدان في التيمم فمختلفان (وسننه التسمية) ولوجنبا (وتقدم اليمنى على اليسري) وأعلى الوجه كالوضوء وان اقتضت عبارة الجمهور انه لا استحباب في البداءة بشيء من الوجه دون شيء (والموالاة) بين المسحين بتقدير التراب ماء وبينه وبين الصلاة خروجا من خلاف من أوجبه ومن السنن الاتيان في مسح اليدين بالكيفية المشهورة وامرار التراب على كل العضو وتخفيف التراب والسواك والذكر المأثور بعده وصلاة ركعتين عقبه وكل سنة من سنن الوضوء تتأتي هنا (ويبطله ما أبطل الوضوء) .
وهو الخارج من السبيلين وزوال العقل واللمس بشرطه والمس بشرطه (ووجود الماء) أو توهمه وان لم
стр. 248
فى غير الصلاة وصاحب الجبائر يمسح عليها ولا يعيد ان كان وضعها على طهر ولا يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة ويتنفل ما شاء والله اعلم وهذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى وسيأتى كيفية تيممه ﵌ وما اختاره المحدثون من ذلك في قسم الشمائل إن شاء الله تعالى والله ولى التوفيق*
[الكلام على حديث الإفك وخبر ذلك]
وفي هذه الغزوة جرى حديث الافك* وقد اتفق على تخريجه الشيخان وألفاظهم فيه متقاربة وقد كفاناها ابو عبد الله الحميدى في الجمع بين الصحيحين له فرواه عنهما من حديث الزهري عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن أبى وقاص الليثي وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من حديث عائشة زوج النبي ﵌ يكف بلا مانع كسبع وعطش محترم (في غير الصلاة) أي قبل الدخول فيها بخلافه بعده كما لو شرع المكفر في الصوم ثم وجد الرقبة نعم يسن قطعها ليتوضأ خروجا من خلاف من أوجبه (ويحرم ان ضاق الوقت) فلا يبطل حتي يسلم وله تسليم الثانية معا نعم ان وجب قضاء فرضها كأن تيمم بمحل يغلب فيه وجود الماء بطل التيمم برؤية الماء أو توهمه بشرط ولو بعد الدخول فيها ومن مبطلات التيمم الردة ودخول الوقت كما في المجموعة (وصاحب الجبائر) جمع جبيرة وهى أخشاب تربط على الكسر والاختلاع ومثلها اللصوق بفتح اللام وهو ما على الجرح من نحو خرقة يجب عليه نزعها الا ان يخاف منه ما مر فحينئذ (يمسح عليها) كلها بالماء أبدا بعد غسل ما تحت أطرافها من صحيح ببل خرقة وعصرها وقت غسل العضو ويتيمم أيضا وقت غسل الوضوء ليكون التيمم بدلا عن غسل العليل ومسح الساتر بدلا عن غسل ما تحت أطرافه من الصحيح ثم ان كان الساتر بمحل التيمم وهو الوجه واليدان وجبت الاعادة مطلقا لنقصان البدل والمبدل وان كان في غيره أعاد إن وضعها على حدث (ولا يعيد ان كان وضعها على طهر) لعدم أمر المستحوج بها (ولا يصلى بتيمم واحد أكثر من فريضة) مكتوبة أو طواف أو منذورة لقوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الى قوله فَتَيَمَّمُوا فاقتضى وجوب الطهر لكل صلاة فخرج الوضوء بدليل فبقى التيمم على مقتضاه ولانه طهارة ضرورة فيتقدر بقدرها (ويتنفل) مع الفريضة وبدونها (ما شاء) لان النفل يكثر فتشتد المشقة باعادة التيمم لها فخفف أمرها (تنبيه) خطبة الجمعة كالفرض لوجوبها واشتراط الطهارة لها وصلاة الجنازة وان تعينت كالنفل لانها كهو في جواز الترك في الجملة وانما وجب القيام فيها لانه قوامها لعدم ركوع وسجود فيها فتركه يمحو صورتها* وفي هذه الغزوة (الافك) بكسر الهمزة واسكان الفاء على المشهور وهو الكذب وقيل أسوأه (وقد اتفق على تخريجه الشيخان) وأبو داود والترمذي والنسائى (الحميدي) مصغر (ابن المسيب) بفتح الياء وكسرها كما مر ومران من عداه بالفتح لا غير (وعلقمة بن أبي وقاص) قال ابن عبد البر وغيره ولد على عهد رسول الله ﷺ وقيل انه شهد الخندق فهو مختلف في صحبته ومات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان (وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) هو الاعمى الفقيه أحد فقهاء المدينة السبعة ومعلم عمر بن عبد العزيز
стр. 249
حين قال لها أهل الافك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا قال الزهري وكلهم حدثنى طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذى حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا قالوا قالت عائشة كان النبى ﵌ اذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه فأيهن خرج سهمها خرج بها معه قالت فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج فيها سهمى فخرجت معه بعد ان أنزل الحجاب فأنا احمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى اذا فرغ رسول الله ﵌ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت من شأنى أقبلت الى الرحل فلمست صدرى فاذا عقد لى من جزع أظفار صغار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدى فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى فاحتملوا هو دجى فرحلوه على بعيرى الذى كنت أركب وهم يحسبون أنى فيه وكان وكان من بحور العلم مات سنة سبع وتسعين (أوعى) أي أحفظ (وأثبت له اقتصاصا) أي أحسن ايرادا (هودجى) بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة آخره جيم محمل عليه قبة تستر بنحو الثياب يركب فيه النساء (آذن) بالمد مع التخفيف وبالقصر مع التشديد أي أعلم (فلمست) بفتح الميم (عقد لى) ولمسلم عقدى وهو القلادة ونحوها (تنبيه) مر سقوط العقد في قصة التيمم ومر عن ابن سعد وابن حبان وابن عبد البر انها في هذه الغزوة أيضا فان صح ذلك حمل على انه سقط منها مرتين في تلك السفرة قاله ابن حجر قال في التوشيح والصواب تأخر قصة التيمم عن قصة الافك لما رواه الطبراني من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت لما كان من أمر عقدي ما كان وقال أهل الافك ما قالوا خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدى حتى حبس الناس على التماسه فقال لى أبو بكر أى بنية في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس فأنزل الله الرخصة في التيمم قال ابن حبيب سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق وقد اختلف في أيهما كانت أوّل (من جزع) بفتح الجيم وسكون الزاى ومهملة خرز فيه سواد وبياض وهو مفرد وقيل جمع جزعة بالفتح (اظفار) بفتح الهمزة واسكان المعجمة كذا للبخارى في التفسير ولمسلم والبخارى في الشهادات عند الكشميهني ظفار بفتح المعجمة وكسر الراء بلا تنوين قال في التوشيح وهو المعروف في اللغة فان ظفار مدينة باليمن ينسب اليها الجزع فان ثبتت رواية اظفار بالالف فلعله كان من الظفر أحد أنواع القسط (وأقبل الرهط) هم الجماعة دون العشرة سمى منهم عند الواقدى أبو موهوبة مولى رسول الله ﷺ وكان رجلا صالحا قال ابن حجر وذكره البلاذرى فقال أبو مويهبة (يرحلون) بالتخفيف فقط في رواية مسلم وبه وبالتشديد في رواية البخارى وكذا قوله فرحلوه أى شدوا عليه الرحل (بي) هكذا في بعض نسخ مسلم وفي أكثرها لى قال النووى
стр. 250
النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ومنهم من قال لم يهبلن ولم يغشهن اللحم انما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم حين رفعوا ثقل الهودج ومنهم من قال خفة الهودج فاحتملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدى بعد ما استمر الجيش فجئت منزلهم وليس فيه أحد ومنهم من قال فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب فتيممت منزلى الذى كنت به وظننت أنهم سيفقدونى ويرجعون الى فبينما أنا جالسة غلبتنى عيناى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد انسان نائم فأتانى فعرفنى حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهى بجلبابى وو الله ما يكلمنى بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه وهوى حتى اناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها فانطلق يقود واللام أجود (لم يثقلن) بمعنى (لم يهبلن) ضبط بضم التحتية وفتح الهاء والموحدة المشددة أي يثقلن باللحم والشحم وبفتح التحتية والباء الموحدة وسكون الهاء وبفتح التحتية وضم الموحدة وسكون الهاء قال النووي ويجوز ضم أوله واسكان الهاء وكسر الموحدة (العلقة) بضم المهملة واسكان اللام وقاف أي القليل وهو البلغة أيضا (فلم يستنكر القوم خفة الهودج وثقل الهودج) الاول ما في صحيح البخارى في التفسير والثاني ما فيه في الشهادات قال في التوشيح وموردهما واحد والذي هنا في التفسير أوضح (حديثة السن) كان لها ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة على الخلاف في غزوة بنى المصطلق هل هي سنة أربع أو خمس من الهجرة (فبعثوا) أثاروا (فتيممت) وللبخارى في رواية فاممت مخفف ومشدد وكلها بمعنى قصدت (ابن المعطل) بفتح الطاء المهملة المشدة بلا خلاف قال النووي كذا ضبطه أبو هلال العسكرى والقاضي في المشارق ابن ربيعة بن خزاعى بن محارب بن مرة بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن نهبة بن سليم (عرس) بتشديد الراء والتعريس النزول آخر الليل في السفر لنوم أو استراحة هذا هو المشهور وقيل التعريس النزول أى وقت كان قال السهيلي وكان صفوان على الساقة يلتقط ما يسقط من متاع الجيش ليرده اليهم قال وقد روي في تخلفه سبب آخر وهو انه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتحل الناس قال ويشهد لصحة هذا حديث أبي داود ان امرأة صفوان اشتكت به الى رسول الله ﷺ وذكرت أشياء منها انه لا يصلى الصبح فقال صفوان يا رسول الله انى امرؤ ثقيل الرأس لا أستيقظ حتى تطلع الشمس فقال النبي ﷺ فاذا استيقظت فصل قال وقد ضعف البزار حديث أبي داود هذا في مسنده انتهي (فادلج) بتشديد الدال مع الوصل والاد لاج سير آخر الليل وبقطعها مع سكون الدال سير أوّل الليل (سواد انسان) أي شخصه (فاستيقظت) أي انتبهت (باسترجاعه) أي بقوله إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (فخمرت وجهي) أي غطيته (ما يكلمني) عبرت بالمستقبل لارادة الاستمرار (حتى أناخ) للكشميهني حين
следующие страницы →