وقد سجل القرآن ذلك في قوله: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) [التوبة: ٢٥- ٢٦] .
سد عكرمة بالطائف حيث حارب الرسول ﷺ عنده قبيلة ثقيف
стр. 282
غزوة حنين
стр. 283
شهادة الشجر برسالة النبي ﷺ :
حيث شهد الشجر له بصدق الرسالة، وتحرك الشجر يشق الأرض شقا، ونزل عذق النخلة امتثالا لأمره ﷺ ، وسمع الصحابة حنين جذع النخلة حين فارقه حتى رجع فسكّنه كما يسكن الصبي، وهذه من الخوارق التي لا تجري إلا على يد رسول صادق مؤيد من الله سبحانه.
[١] نزول العذق:
«١» عن ابن عباس ﵄: أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: بم أعرف أنك نبي؟!، قال: إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة تشهد أني رسول الله؟
فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﵌ ثم قال:
ارجع، فعاد فأسلم الأعرابي «٢» .
[٢] السلمة التي مشت:
«٣» عن ابن عمر ﵄ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر فأقبل أعرابيّ فلمّا دنا منه قال له رسول الله ﷺ : أين تريد؟، قال: إلى أهلي، قال هل لك في خير؟ قال: وما هو؟، قال تشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله، قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال هذه السّلمة!
стр. 284
فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي- فأقبلت تخذّ الأرض خدّا «١» حتّى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت ثلاثا أنّه كما قال ثمّ رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابيّ إلى قومه، وقال: إن اتّبعوني أتيتك بهم، وإلّا رجعت فكنت معك «٢» .
[٣] انقياد شجرتين له ﷺ :
عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصّامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار ... فذكر حديثا عن جابر ﵁ إلى قوله: سرنا مع رسول الله ﷺ حتّى نزلنا واديا أفيح «٣» فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فاتّبعته بإداوة «٤» من ماء، فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي عليّ بإذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش «٥» الّذي يصانع قائده حتّى أتى الشّجرة الآخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي عليّ بإذن الله فانقادت معه كذلك حتّى إذا كان بالمنصف ممّا بينهما لأم بينهما- يعني جمعهما- فقال: التئما عليّ بإذن الله، فالتأمتا، قال جابر:
فخرجت أحضر «٦» مخافة أن يحسّ رسول الله ﷺ بقربي فيبتعد، فجلست
стр. 285
أحدّث نفسي فحانت منّي لفتة فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلا، وإذا الشّجرتان قد افترقتا، فقامت كلّ واحدة منهما على ساق «١» . أي كما كانت.
[٤] حنين الجذع شوقا إليه ﷺ :
عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا؟
قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دفع «٢» إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي ﷺ فضمها إليه تئن أنين الصبي الذي يسكّن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها «٣» .
قال الحافظ ابن كثير: وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة بطرق متعددة تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن «٤» .
стр. 286
معجزات خارقة في شهادة الحيوان وانقياده
[١] شهادة الذئب بنبوته ﷺ :
عن أبي سعيد الخدريّ ﵁: قال: عدا الذّئب على شاة فأخذها، فطلبه الرّاعي فانتزعها منه، فأقعى «١» الذّئب على ذنبه، قال: ألا تتّقي الله تنزع منّي رزقا ساقه الله إليّ! فقال يا عجبي! ذئب مقع على ذنبه يكلّمني كلام الإنس!! فقال الذّئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمّد ﵌ بيثرب يخبر النّاس بأنباء ما قد سبق! قال: فأقبل الرّاعي يسوق غنمه حتّى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثمّ أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي الصّلاة جامعة، ثمّ خرج فقال للرّاعي: أخبرهم، فأخبرهم فقال رسول الله ﷺ : صدق، والّذي نفسي بيده لا تقوم السّاعة حتّى يكلّم السّباع الإنس ويكلّم الرّجل عذبة «٢» سوطه وشراك نعله «٣» ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده «٤» .
وذكر الحافظ ابن عدي عن ابن أبي داود أن ذرية هذا الراعي في مدينة مرو، وأنّه يقال لهم: بنو مكلم الذئب «٥» ، واستدل البيهقي بذلك على اشتهار
стр. 287
القصة وقوة الحديث «١» .
[٢] شكوى جمل له من صاحبه:
عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﵌ خلفه ذات يوم ... فدخل حائطا لرجل من الأنصار، فإذا جمل فلمّا رأى النّبيّ ﷺ حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النّبيّ ﵌ فمسح ذفراه «٢» فسكت، فقال: من ربّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله فقال: أفلا تتّقي الله في هذه البهيمة الّتي ملّكك الله إيّاها، فإنّه شكا إليّ أنّك تجيعه وتدئبه «٣» .
[٣] استجابة جمل استصعب على أهله:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون «٤» عليه، وإنّ الجمل استصعب عليهم فمنعهم ظهره، وإنّ الأنصار جاؤا إلى رسول الله ﵌ فقالوا: إنّه كان لنا جمل نسني عليه وإنّه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش الزّرع والنّخل، فقال رسول الله ﵌ لأصحابه: قوموا، فقاموا، فدخل الحائط- والجمل في ناحية-
стр. 288
فمشى النّبيّ ﷺ نحوه، فقالت الأنصار: يا نبيّ الله إنّه قد صار مثل الكلب الكلب «١» وإنّا نخاف عليك صولته، فقال: ليس عليّ منه بأس، فلمّا نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه حتّى خرّ ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته أذلّ ما كانت قطّ حتّى أدخله في العمل، فقال له أصحابه:
يا رسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك، ونحن نعقل، فنحن أحقّ أن نسجد لك، فقال: لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقّه عليها «٢» .
قال أبو نعيم في ما تضمنته هذه الحادثة وأمثالها: إما أن يكون النبي ﷺ أعطي علما بمنطق هذه البهائم، فذلك له آية كما كان لسليمان ﵇ آية بعلم منطق الطير، أو أنه علم ذلك بالوحي، وأيّ ذلك كان ففيه أعجوبة وآية معجزة «٣» .
[٤] تأدب الوحش معه ﷺ :
قالت عائشة ﵂: كان لآل رسول الله ﷺ وحش «٤» فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتدّ وأقبل وأدبر، فإذا أحسّ برسول الله ﷺ قد دخل ربض فلم يترمرم «٥»
стр. 289
ما دام رسول الله ﷺ في البيت كراهية أن يؤذيه «١» .
[٥] ظهور البركة في فرس أبي طلحة:
عن أنس بن مالك ﵁، أنّ أهل المدينة فزعوا مرّة فركب النّبيّ ﵌ فرسا لأبي طلحة كان يقطف أو كان فيه قطاف «٢» فلمّا رجع قال وجدنا فرسكم هذا بحرا «٣» فكان بعد ذلك لا يجارى «٤» .
[٦] ظهور أثر البركة في بعير جابر ﵁:
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت مع النّبيّ ﵌ في غزاة فأبطأ بي جملي وأعيا، فأتى عليّ النّبيّ ﷺ فقال: جابر! فقلت: نعم، قال: ما شأنك؟ قلت: أبطأ عليّ جملي وأعيا، فتخلّفت، فنزل يحجنه بمحجنه «٥» ثمّ قال: اركب فركبت، فلقد رأيته أكفّه عن رسول الله ﷺ «٦» .
стр. 290
معجزات خارقة متفرقة
[١] تسبيح الطعام:
قال عبد الله بن مسعود- ﵁ وهو يتكلم عن المعجزات في عهد ﷺ :
ولقد كنّا نسمع تسبيح الطّعام وهو يؤكل «١» .
[٢] معرفته بلحم شاة أخذت بغير إذن أهلها:
عن جابر أنّ رسول الله ﷺ وأصحابه مرّوا بامرأة فذبحت لهم شاة واتّخذت لهم طعاما، فلمّا رجع قالت: يا رسول الله: إنّا اتّخذنا لكم طعاما فادخلوا فكلوا، فدخل رسول الله ﵌ وأصحابه، وكانوا لا يبدؤن حتّى يبتدئ النّبيّ ﵌ وآله فأخذ النّبيّ ﵌ لقمة فلم يستطع أن يسيغها، فقال النّبيّ ﵌: هذه شاة ذبحت بغير إذن أهلها، فقالت المرأة يا رسول الله إنّا لا نحتشم «٢» من آل سعد بن معاذ ولا يحتشمون منّا، نأخذ منهم، ويأخذون منّا «٣» .
стр. 291
[٣] تكثير المال ببركته ﷺ :
كان على سلمان الفارسي ﵁ مال، فأعطاه النبي ﷺ (قطعة من الذهب) فاستقلّها سلمان وقال: وأين تقع هذه من الّذي عليّ يا رسول الله، قال: خذها، فإن الله سيؤدي بها عنك، فأخذتها فوزنت لهم منها- والذي نفس سلمان بيده- أربعين أوقية «١» .
[٤] حصول الضوء في العصا لبعض أصحابه:
عن أنس بن مالك ﵁: أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله ﵌ في ليلة ظلماء حندس «٢» فكان مع كل واحد منهما عصا فأضاءت عصا أحدهما كأشد شيء، فلما تفرقا أضاءت عصا كل واحد منهما، حتى وصل إلى أهله «٣» .
[٥] الذاكرة الخارقة لأبي هريرة ﵁:
كان أبو هريرة ﵁ يشتكي أنه ينسى كثيرا من أحاديث النبي ﷺ ، ثم إن النبي ﷺ قال ذات يوم: من يبسط رداءه حتى اقضي مقالتي ثم يقبضه فلن ينسى شيئا سمعه مني! قال أبو هريرة: فبسطت بردة كانت علىّ، فوالذي بعثه
стр. 292
بالحق ما نسيت شيئا سمعته منه «١» .
وهذا الحديث من علامات النبوة؛ لأن أبا هريرة كان أحفظ الناس بعد ذلك للأحاديث النبوية في عصره، وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثا.
قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، قال أبو الزعيزعة كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة فجعل يحدثه- وكان أجلسني خلف السرير أكتب ما يحدث به- حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله، وأمرني أن انظر فما غير حرفا عن حرف «٢» .
[٦] إسماع الله الصحابة صوت النبي ﷺ وهم في منازلهم:
قال عبد الرحمن بن معاذ التيمي ﵁: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم ... الحديث «٣» .
[٧] عاقبة النصراني المستهزئ:
روى أنس ﵁ قال: كان رجل نصرانيّا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران فكان يكتب للنّبيّ ﷺ ، فعاد نصرانيّا ولحق بأهل الكتاب، فأعجبوا به ورفعوه، فكان يقول: ما يدري محمّد إلّا ما كتبت له!! فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته
стр. 293
الأرض، فقالوا: هذا فعل محمّد وأصحابه لّما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه! فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا: هذا فعل محمّد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لّما هرب منهم فألقوه!! فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنّه ليس من النّاس فألقوه، وتركوه منبوذا «١» .
[٨] خاتم النبوة:
ويلحق بالخوارق ما وجد من علامة على ظهره الشريف ﷺ تدل على نبوته، وقد كان أهل الكتاب يعلمون هذه العلامة، وذكر أحد علمائهم ذلك لسلمان الفارسي ﵁ ليعرف بها رسول الله ﷺ ، ولما ذهب سلمان إلى المدينة النبوية تحقق من ذلك فرأى الخاتم، ورأى الخاتم أيضا جماعة من الصحابة. فعن السّائب ابن يزيد يقول ذهبت بي خالتي إلى النّبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إنّ ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثمّ توضّأ فشربت من وضوئه، ثمّ قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه مثل زرّ الحجلة «٢» .
وقد رأى خاتم النبوة من الصحابة أيضا:
جابر بن سمرة «٣» ، وأبو زيد الأنصاري «٤» ، وعبد الله بن سرجس «٥»
стр. 294
وغيرهم «١» ﵃ أجمعين.
ووجود هذه العلامة الخلقية المطابقة لما ورد في كتب أهل الكتاب أمر لا يقدر عليه إلا الخلاق سبحانه.
استجابة الله لدعائه ﷺ :
ومن علامات تصديق الله لنبيه أن يجيب دعاءه إذا دعاه في عظيم المطالب ومادونها، وقد كان هذا ظاهرا في علاقة الرسول ﷺ بربه فما كان يخيّب دعوته وما كان الله ليستجيب دعاء من يدعي النبوة كذبا وزورا، بل لقد أكرم الله أتباعه ﷺ بإجابة دعائهم، وإن كانت دعوات غيره منها ما يستجاب له ومنها ما لا يستجاب له.
وكرامات أتباعه شهادة من الله له بصدق رسالته، وإن كان فضل الله وكرمه يشمل جميع المضطرين من عباده كما قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [النمل: ٦٢] لأن المضطر قد علم أن لا ملجأ له إلا إلى الله فيجيبه بعظيم كرمه، لكن ذلك لا يكون بصفة متكررة للكافرين ولا بصفة دائمة للمؤمنين.
(أ) استجابة دعائه في الاستسقاء:
عن أنس بن مالك ﵁: أنّ رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﵌ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما فقال: يا رسول الله! هلكت المواشي وانقطعت السّبل فادع الله يغيثنا، قال فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهمّ اسقنا، اللهمّ اسقنا، اللهمّ اسقنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السّماء من سحاب ولا قزعة «٢» ولا شيئا وما بيننا
стр. 295
وبين سلع «١» من بيت ولا دار، قال فطلعت من ورائه سحابة مثل التّرس فلمّا توسّطت السّماء انتشرت ثمّ أمطرت، قال: والله ما رأينا الشّمس ستّا، ثمّ دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السّبل فادع الله يمسكها قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثمّ قال: اللهمّ حوالينا ولا علينا اللهمّ على الآكام «٢» والجبال والآجام «٣» والظّراب «٤» والأودية ومنابت الشّجر، قال:
فانقطعت وخرجنا نمشي في الشّمس «٥» .
ومن يملك تكوين المطر في الجو الجاف وإنزاله إلا الله وعلى إثر دعاء رسوله عطاء وإمساكا، وتلك الاستجابة الإلهية لا تكون لمن يدعي النبوة ويفتري على الله الكذب.
وفي رواية أخرى عن أنس بن مالك ﵁ أيضا: أن النبي ﷺ لم ينزل عن منبره حتى وقعت قطرات من المطر على لحيته، وأنه عند ما دعا الله أن يمسك المطر بقيت المدينة محاطة بالسحاب في مثل الإكليل، ولم يأت أحد من جهة من الجهات إلا حدث بالمطر الغزير وسال وادي قناة «٦» شهرا «٧» .
وقال عمر ﵁: خرجنا إلى تبوك في قيظ «٨» شديد فنزلنا منزلا أصابنا
стр. 296
فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا، فقال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع يده فلم يرجعهما حتى قالت السماء «١» فأظلمت ثم سكبت فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر «٢» .
(ب) استجابة دعائه ﷺ فيما دعا فيه:
لقد كان رسول الله ﵌ مستجاب الدعوة فيما يدعو فيه ربه من قضاء الحوائج وتفريج الكرب وشفاء المرض وتحقيق المطالب وحلول البركة، حتى تواتر هذا الأمر عنه، فكان ذلك شاهدا من حاله بتصديق الله له بإجابة دعائه: وحوادث إجابة دعائه ﵌ كثيرة:
* منها: أنه لما قدم المدينة كانت من أوبأ أرض الله كما قالت عائشة ﵂ فدعا الله أن ينقل حمى المدينة إلى الجحفة «٣» وأن يجعل المدينة صحيحة فكان ذلك «٤» .
ودعا الله لأم أبي هريرة أن تسلم، فلما رجع أبو هريرة إلى البيت أعلنت إسلامها «٥» .
ودعا لعبد الله بن عباس بالفقه في الدين «٦» ، فأصبح أحد علماء الأمة،
стр. 297
حتى لقب بحبر الأمة وترجمان القرآن.
* ودعا لأنس بن مالك بالمال والولد والبركة في ذلك، فكان من أكثر الأنصار مالا وولدا «١» .
* ودعا للسائب بن يزيد بالبركة، فبلغ أربعا وتسعين سنة وهو جلد معتدل يتمتع بسمعه وبصره «٢» .
* ودعا لقبيلة دوس بالهداية «٣» ، فهداهم الله بعد أن أبوا الإسلام «٤» .
* ودعا لأم خالد بنت خالد بن سعيد بطول العمر وهي صبية، فبقيت حتى ذكر من بقائها «٥» .
* ودعا لأبي زيد بن أخطب ومسح على وجهه، فعاش مائة وعشرين سنة وليس في رأسه إلا شعرات بيض «٦» .
стр. 298
* ودعا لعروة البارقي بالبركة في صفقة يمينه، فكان كثير الربح «١» وكذلك عبد الله بن جعفر «٢» .
* واشتكى إليه جرير بن عبد الله أنه لا يثبت على فرسه، فدعا الله له فلم يسقط عن فرس بعد ذلك «٣» .
* واشتكى إليه علي بن أبي طالب ضعف الخبرة في القضاء، فدعا له بالبصيرة في القضاء، قال علي: فما شككت في قضاء بعد هذا «٤» .
* ودعا له أيضا بالشفاء من مرض ألمّ به، قال علي: فما اشتكيت ذلك الوجع بعد «٥» .
واستأذنه شاب في الزنا فصرفه عن ذلك بأسلوب حكيم «٦» ثم دعا له بتحصين فرجه فكان ذلك الفتى لا يلتفت إلى شيء «٧» .
стр. 299
* ودعا لطفل صغير بالهداية عندما خير بين أبيه المسلم وأمه الكافرة فاختار أباه المسلم «١» .
* ودعا الله أن يعز الإسلام إما بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام فاستجاب الله له وهدى عمر بن الخطاب في اليوم الثاني «٢» .
* ودعا لقبيلة ثقيف بالهداية «٣» ، فأقبلوا مهتدين بعد أن حاربوا المسلمين «٤» .
* ودعا لأصحابه يوم بدر بالرزق ففتح الله عليهم بعد ذلك «٥» .
* ودعا لجعيل الأشجعي بالبركة في فرسه وكانت عجفاء ضعيفة، فأصبحت تسابق الناس وباع مما أنتجته بمال كثير «٦» .
* ودعا لأم المؤمنين أم سلمة بأن يذهب الله غيرتها «٧» ، فاستجاب الله سبحانه له «٨» .
* ودعا الله أن يعين أصحابه الذين توجهوا لقتل كعب بن الاشرف الذي آذى المسلمين فنجحوا في مهمتهم، رغم تحصنه وصعوبة النيل منه «٩» .
стр. 300
إلى غير ذلك من أنواع الدعوات لمن دعا لهم «١» .
قصر كعب ابن الأشرف
(ج) استجابة دعائه ﷺ على من دعا عليهم:
وقد حصل ذلك في حوادث متعددة، فمن ذلك أنه دعا على الكفار حين رأى منهم إدبارا عن الحق، فقال: اللهم سبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع «٢» .
стр. 301
* ودعا على سبعة من قريش كانوا يهزؤن به وبالإسلام، فقال عبد الله بن مسعود إنه رآهم صرعى في قليب بدر «١» .
* ودعا على عامر بن الطفيل «٢» عندما هدد بغزو المدينة، فأصابته غدة «٣» ومات على ظهر فرسه «٤» .
* ودعا على رجل تكبر وأبى أن يأكل بيمينه زاعما أنه لا يستطيع، فقال:
لا استطعت!! فما رفعها إلى فيه «٥» .
وكان ابن أبي لهب يسب النبي ﷺ فدعا عليه النبي ﷺ قائلا: اللهم سلط عليه كلبك، فخرج إلى الشام تاجرا فنزل منزلا فقال: إني أخاف دعوة محمد، فطمأنه رفاقه وناموا حوله وجعلوه وسطهم، فجاء الأسد ودخل إليه قاصدا إياه فافترسه «٦» .
إلى غير ذلك من دعواته ﷺ على من دعا عليهم «٧» ، وإجابة دعواته على من كفر به شهادة من الله على صدق رسالته، وعلى أن الكفر به جريمة يستحق صاحبها العقوبة.
стр. 302
ولقد شهد المؤمنون والكافرون إجابة الله لدعاء الرسول ﵌ في خرق السنن المعتادة له، وفي إكرام من دعا لهم، وفي الانتقام ممن دعا عليهم، وكان ذلك سببا في قوة إيمان المؤمنين وفي إقناع المتشككين والكافرين برسالته، وحفظ جيل الصحابة تلك الوقائع بأسماء أصحابها وأماكنها وظروفها وأبلغوها إلى التابعين، وحملها التابعون عنهم إلى من بعدهم بتوثيق دقيق كما سبق بيانه.
ويستحيل أن يتحقق ذلك التأييد من الله لمن يدعي الكذب عليه ويفتري دعوى الرسالة وليس بمرسل.
خاتمة:
وهكذا تشهد الخوارق للعادات والسنن الكونية التي جاء ذكرها في كتاب الله بأن محمدا هو رسول الله المصدق من الله بخرق السنن تأييدا له، كانشقاق القمر وحادثة الإسراء، ونصره له أثناء الهجرة، وفي غزوة بدر بإنزال المطر وإلقاء النعاس على أتباعه، وإنزال الملائكة للقتال معهم، وإرسال الريح على أعدائه والجنود التي لا ترى كما في غزوة الأحزاب، وغيرها من الحوادث.
ولقد استفاضت الأخبار في زمن الصحابة بوقائع تأييد الله لرسوله بخرق العادات والسنن الكونية بما يعد شهادة من الله له وتصديقا لرسالته، وقد حفظ المسلمون هذه الوقائع في كتب الحديث بأدق مقاييس الحفظ والتوثيق التي لا تعرف البشرية لها مثيلا، مما جاء مفصلا لما ذكره القرآن من المعجزات أو التي انفردت بها السّنّة من الحوادث الكثيرة التي وقعت للرسول وأصحابه كحوادث تكثير الطعام القليل حتى يكفي حاجة المجموعات أو المئات أو الآلاف من أصحاب رسول الله في إقامتهم أو أثناء رحلاتهم وغزواتهم أو تعرض بعضهم لقلة الطعام.
стр. 303
وكحوادث نبع الماء من إناء صغير من بين أصابعه حين يضع يده فيه حتى يسقي منه جيش بأكمله، أو مباركة الماء في أوعيته أو منابعه.
وكحوادث حفظ الله له من المتامرين عليه لقتله أو تسميمه، وشفاء الله لمن يدعو له من المرضى أو المصابين.
وكحوادث استجابة الشجر لأمره، وحنين الجذع حزنا على فراقه. وشهادة الحيوان بنبوته، وتخاطب الحيوانات معه، وتسبيح الطعام بين يديه، وإضاءة العصا لبعض أصحابه، واستجابة الله لدعائه دون أن يخيبه، وتغيير الكثير من السنن له إجابة لدعوته ولمن دعا لهم أو دعا عليهم.
وهذه الدلائل وأمثالها هي التي كانت سببا لزيادة الإيمان واليقين عند المسلمين كما كانت سببا في تحول الكفار من العداء الشديد والكراهية المستحكمة لرسول الله ﵌ إلى الإيمان به والحبّ له أكثر من حب الآباء والأبناء، وحملتهم على تقديم الأرواح والمهج للذبّ عنه ونشر دينه الذي بعث به.
стр. 304
الفصل الخامس الوعد الحق
* تمهيد.
* الموت.
* الحياة البرزخية.
* فناء شامل.
* البعث والنشور.
* الحشر إلى الموقف.
* طول الموقف والشفاعة لقيام الحساب.
* الحساب والجزاء.
* اقتصاص المظالم بين الخلق.
* الميزان.
* الحوض.
* سوق الكفار إلى النار.
* الصراط.
* الجنة.
* النار.
стр. 305
تمهيد:
لقد أيد الله رسوله ﵌ بكثير من البينات والمعجزات التي تثبت صدق رسالته ﵌ حتى يطمئن الناس أنه لا ينطق عن الهوى وإنما يبلغ وحيا يوحى، وها نحن قد رأينا آيات الله ، وعرفناها وعلمناها كما وعدنا ربنا بقوله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها [النمل: ٩٣] .
قوله سبحانه: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) [الأنعام: ٦٧] .
وكما أخبرنا الله سبحانه عن هذه الآيات ورأيناها، فقد أخبر سبحانه عن المكان الذي سينتقل إليه الناس، والذي اطلع الله رسوله ﵊ عليه في رحلة الإسراء والمعراج حيث رأى من آيات ربه الكبرى، قال تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) [النجم: ١٨] حيث رأى الجنة وأهلها والنار وأهلها، وعندما كذبه قومه في رحلة الإسراء والمعراج، أقام الله الدليل له «١» فجاءنا الرسول ﵌ مبشرا بما أخبره الله به من رضاه ونعيم جنته، ومنذرا عن غضبه والعذاب في ناره، وهذه من أهم وظائف الرسل، كما قال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) [النساء: ١٦٥] هيا بنا لنستمع خبر الخالق عن أحداث اليوم الآخر، وانقسام الناس في ذلك اليوم إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
فكما رأينا تحقق البينات والمعجزات في الحياة الدنيا فسنرى تحقق ما وعد الله به من النعيم والعقاب، كما قال تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ
стр. 306
قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) [الأعراف: ٤٤] .
ولنستمع خبر الرسول الذي رأى الجنة والنار، فنقل إلينا خبرهما، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ.
[النساء: ١٧٠] .
стр. 307
الموت
قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ* [الأنبياء: ٣٥] .
وقال تعالى: إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:
٤٩] فالموت لا يرده عنك مال ولا بنون، ولا يرده علم ولا جاه، يقهر الملوك في قصورهم، ويأخذ الأطباء من مستشفياتهم، وينتزع الأغنياء والتجار من بين كنوزهم، ويأخذ أرواح الشباب والأطفال إذا جاءت آجالهم، ولكن المؤمن يستسلم لهذا القدر، ويعد نفسه لما بعده حتى يحيا الحياة الأبدية منعما في جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
إن الله قد حدد للإنسان أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد، وقد كان هذا التحديد يوم أن نفخ فيه الروح وهو في بطن أمه، كما جاء في الحديث الشريف « ... ثمّ يبعث إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيّ أم سعيد، ثمّ ينفخ فيه الرّوح» «١» .
فالحياة الدنيا اختبار وابتلاء، وينتهي هذا الاختبار بخروج الروح من الجسد حيث ينتقل الإنسان من مرحلة الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية.
تعريف الموت:
الموت هو: مفارقة الروح للبدن، وانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة.
стр. 308
قال القرطبي: " قال العلماء: الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعانق الروح بالبدن، ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار" «١» .
حال المؤمن وحال الكافر عند الموت:
لقد أخبرنا الله عن حال المؤمن وقت موته بقوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) [فصلت: ٣٠] .
وأما حال الكافر فكما قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) [الأنعام: ٩٣] .
عن البراء ابن عازب قال خرجنا مع النّبيّ ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولّما يلحد فجلس رسول الله ﵌ وجلسنا حوله وكأنّ على رؤسنا الطّير وفي يده عود ينكت «٢» في الأرض فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرّتين أو ثلاثا ثمّ قال إنّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدّنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السّماء بيض الوجوه كأنّ وجوههم الشّمس معهم كفن من أكفان الجنّة وحنوط «٣» من حنوط الجنّة حتّى يجلسوا منه مدّ البصر ثمّ يجيء ملك الموت ﵇ حتّى يجلس عند رأسه فيقول أيّتها النّفس الطّيّبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج
стр. 309
تسيل كما تسيل القطرة من في السّقاء «١» فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتّى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرّون يعني بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الرّوح الطّيّب فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه الّتي كانوا يسمّونه بها في الدّنيا حتّى ينتهوا بها إلى السّماء الدّنيا فيستفتحون له فيفتح لهم فيشيّعه من كلّ سماء مقرّبوها إلى السّماء الّتي تليها حتّى ينتهى به إلى السّماء السّابعة فيقول الله اكتبوا كتاب عبدي في علّيّين وأعيدوه إلى الأرض فإنّي منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ... قال وإنّ العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدّنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السّماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح «٢» فيجلسون منه مدّ البصر ثمّ يجيء ملك الموت حتّى يجلس عند رأسه فيقول أيّتها النّفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال فتفرّق في جسده فينتزعها كما ينتزع السّفّود «٣» من الصّوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتّى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرّون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الرّوح الخبيث فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه الّتي كان يسمّى بها في الدّنيا حتّى ينتهى به إلى السّماء الدّنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثمّ قرأ رسول الله ﷺ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض
الحياة البرزخية
إن الإنسان إذا توفي يكون بذلك قد انتقل إلى مرحلة أخرى من مراحل الحياة هي: مرحلة الحياة البرزخية وهي: الحياة التي يقضيها بعد الموت إلى قيام الساعة حين يبعث الله الناس لتوفية الحساب.
قال تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)
[المؤمنون: ٩٩- ١٠٠] .
فالقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، قال رسول الله ﷺ : «فيجلس الرّجل الصّالح في قبره غير فزع ولا مشعوف ... ويجلس الرّجل السّوء في قبره فزعا مشعوفا ... » «١» .
وقال رسول الله ﷺ : «فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربّك فيقول ربّي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرّجل الّذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله ﵌ فيقولان له وما علمك فيقول قرأت كتاب الله فامنت به وصدّقت فينادي مناد في السّماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنّة وألبسوه من الجنّة وافتحوا له بابا إلى الجنّة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مدّ بصره قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثّياب طيّب الرّيح فيقول أبشر بالّذي يسرّك هذا يومك الّذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير
стр. 312
فيقول أنا عملك الصّالح فيقول: ربّ أقم السّاعة حتّى أرجع إلى أهلي ومالي ...
فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربّك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما هذا الرّجل الّذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السّماء أن كذب فافرشوا له من النّار وافتحوا له بابا إلى النّار فيأتيه من حرّها وسمومها ويضيّق عليه قبره حتّى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثّياب منتن الرّيح فيقول أبشر بالّذي يسوؤك هذا يومك الّذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشّرّ، فيقول أنا عملك الخبيث فيقول ربّ لا تقم السّاعة» «١» .
стр. 313
فناء شامل
هذا الكون المألوف لدينا والمأهول بالحياة والأحياء ممن نشاهدهم وممن لا نشاهدهم سيبقى منتظما إلى أن يأتي اليوم الذي يختل فيه نظامه، ويفنى جميع ما فيه ولا يبقى إلا الله مالك الكون الجبار القاهر سبحانه.
قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ.
[الرحمن: ٢٦- ٢٧] .
فعند النفخ في الصور تنتهي الحياة في الأرض والسماء، قال تعالى:
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨] .
وهذه النفخة شديدة مدمرة يسمعها المرء فلا يستطيع أن يوصي بشيء، ولا يقدر على العودة إلى أهله، قال تعالى: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) .
[يس: ٤٩- ٥٠] .
стр. 314
البعث والنشور
بعد أن يفني الله جميع المخلوقات ولا يبقى إلا وجهه الكريم، يبعث الله العباد للحساب والبعث هو المعاد الجسماني، وإحياء العباد في يوم المعاد والنشور، وقد حدثنا الحق ﵎ عن مشهد البعث، فقال سبحانه وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) [يس: ٥١- ٥٣] .
ويركب الإنسان في اليوم الآخر من عجب الذنب عند ما ينزل الله مطرا، فينمو كالبقل، فقد قال الرسول ﵌: ( ... ثمّ ينزل الله من السّماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظاما واحدا وهو عجب الذّنب ومنه يركّب الخلق يوم القيامة) «١» . «٢» .
стр. 315
الحشر إلى الموقف
يجمع الله العباد جميعا يوم الحشر، قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) [الواقعة: ٤٩- ٥٠] .
وقال تعالى: وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف: ٤٧] .
ويحشر الله العباد حفاة عراة غرلا أي غير مختونين فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ قال: (إنّكم محشورون حفاة عراة غرلا) «١» ثم قرأ: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) .
[الأنبياء: ١٠٤] .
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : (يحشر النّاس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النّقيّ ليس فيها علم «٢» لأحد) «٣» .
стр. 316
طول الموقف والشفاعة لقيام الحساب
بعد أن يطول قيام الناس في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ويشتد كربهم وبلاؤهم في الموقف العظيم، يبحث العباد عن أصحاب المنازل العالية ليشفعوا لهم عند ربهم، لفصل الحساب، وتخليص الناس من كربات الموقف وأهواله.
قال رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم القيامة ماج النّاس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لذرّيّتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم ﵇ فإنّه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى ﵇ فإنّه كليم الله فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى ﵇ فإنّه روح الله وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمّد ﷺ فأوتى فأقول أنا لها فأنطلق فأستأذن على ربّي فيؤذن لي فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله ثمّ أخرّ له ساجدا فيقال لي يا محمّد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفّع ... ) «١» .
стр. 317
الحساب والجزاء
بعد أن يشفع النبي ﷺ لقيام الحساب ويأذن الله تعالى بذلك.
وقد أخبر الله عن مشهد الحساب والجزاء وأنه سيوقف الناس للسؤال عما كانوا يعملون في الحياة الدنيا.
فقال : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) [الصافات: ٢٤] .
وقال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) .
[الحجر: ٩٢- ٩٣] .
وأنه يقضي بينهم بالحق ولا يظلم أحدا.
قال تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) [الزمر: ٦٩] .
وقال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) [آل عمران: ٢٥] .
ومن إعذار الله لخلقه وعدله فيهم أن يعطيهم كتب أعمالهم التي سجلتها الملائكة عليهم في الدنيا فيقرأونها ويقال لهم: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) [الإسراء: ١٤] .
فتمتلئ صدور المجرمين حسرة وندما عند معاينة أعمالهم في كتبهم يوم الحساب. قال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) [الكهف: ٤٩] .
стр. 318
اقتصاص المظالم بين الخلق
يقتص الحكم العدل في يوم القيامة للمظلوم من ظالمه، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، حتى الحيوان يقتص لبعضه من بعض.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتّى يقاد للشّاة الجلحاء من الشّاة القرناء) «١» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «من ضرب بسوط ظلما، اقتص منه يوم القيامة» «٢» .
وقال رسول الله ﷺ : (أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إنّ المفلس من أمّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل ما لهذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار) «٣» .
стр. 319
الميزان
في ختام ذلك اليوم ينصب الميزان لوزن أعمال العباد، فقد روى الحاكم عن سلمان عن النبي ﵌ قال: «يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لو سعت فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟
فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ... » «١» .
وهو ميزان دقيق، لا يزيد، ولا ينقص، تظهر فيه مقادير الأعمال يكون الجزاء بحسبها قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
(٤٧) [الأنبياء: ٤٧] .
فمن ثقلت موازينه يكون في عيشة طيبة راضية، ومن خفت موازينه فهو في جهنم. قال تعالى فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)
[القارعة: ٦- ١١] .
стр. 320
الحوض
يكرم الله عبده ورسوله محمدا ﵌ في الموقف العظيم بإعطائه حوضا ترد عليه أمة المصطفى ﷺ ، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.
فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﵌:
(حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللّبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السّماء من شرب منها فلا يظمأ أبدا) «١» .