طول الموقف والشفاعة لقيام الحساب
بعد أن يطول قيام الناس في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ويشتد كربهم وبلاؤهم في الموقف العظيم، يبحث العباد عن أصحاب المنازل العالية ليشفعوا لهم عند ربهم، لفصل الحساب، وتخليص الناس من كربات الموقف وأهواله.
قال رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم القيامة ماج النّاس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لذرّيّتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم ﵇ فإنّه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى ﵇ فإنّه كليم الله فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى ﵇ فإنّه روح الله وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمّد ﷺ فأوتى فأقول أنا لها فأنطلق فأستأذن على ربّي فيؤذن لي فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله ثمّ أخرّ له ساجدا فيقال لي يا محمّد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفّع ... ) «١» .
стр. 317
الحساب والجزاء
بعد أن يشفع النبي ﷺ لقيام الحساب ويأذن الله تعالى بذلك.
وقد أخبر الله عن مشهد الحساب والجزاء وأنه سيوقف الناس للسؤال عما كانوا يعملون في الحياة الدنيا.
فقال : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) [الصافات: ٢٤] .
وقال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) .
[الحجر: ٩٢- ٩٣] .
وأنه يقضي بينهم بالحق ولا يظلم أحدا.
قال تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) [الزمر: ٦٩] .
وقال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) [آل عمران: ٢٥] .
ومن إعذار الله لخلقه وعدله فيهم أن يعطيهم كتب أعمالهم التي سجلتها الملائكة عليهم في الدنيا فيقرأونها ويقال لهم: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) [الإسراء: ١٤] .
فتمتلئ صدور المجرمين حسرة وندما عند معاينة أعمالهم في كتبهم يوم الحساب. قال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) [الكهف: ٤٩] .
стр. 318
اقتصاص المظالم بين الخلق
يقتص الحكم العدل في يوم القيامة للمظلوم من ظالمه، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، حتى الحيوان يقتص لبعضه من بعض.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتّى يقاد للشّاة الجلحاء من الشّاة القرناء) «١» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «من ضرب بسوط ظلما، اقتص منه يوم القيامة» «٢» .
وقال رسول الله ﷺ : (أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إنّ المفلس من أمّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل ما لهذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار) «٣» .
стр. 319
الميزان
في ختام ذلك اليوم ينصب الميزان لوزن أعمال العباد، فقد روى الحاكم عن سلمان عن النبي ﵌ قال: «يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لو سعت فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟
فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ... » «١» .
وهو ميزان دقيق، لا يزيد، ولا ينقص، تظهر فيه مقادير الأعمال يكون الجزاء بحسبها قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
(٤٧) [الأنبياء: ٤٧] .
فمن ثقلت موازينه يكون في عيشة طيبة راضية، ومن خفت موازينه فهو في جهنم. قال تعالى فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)
[القارعة: ٦- ١١] .
стр. 320
الحوض
يكرم الله عبده ورسوله محمدا ﵌ في الموقف العظيم بإعطائه حوضا ترد عليه أمة المصطفى ﷺ ، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.
فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﵌:
(حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللّبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السّماء من شرب منها فلا يظمأ أبدا) «١» .
стр. 321
سوق الكفار إلى النار
ومن أرض المحشر يسوق الله تعالى الكفار بعد الحساب إلى نار جهنم، قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً [الزمر: ٧١] .
وقال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) [الطور: ١٣] .
كما بينت نصوص أخرى أنهم يحشرون إلى النار على وجوههم، لا كما كانوا يمشون في الدنيا على أرجلهم. قال تعالى: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤) [الفرقان: ٣٤] .
وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أليس الّذي أمشاه على رجليه في الدّنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» قال قتادة: بلى وعزّة ربّنا) «١» .
стр. 322
الصراط
وبعد أن يذهب الله بالكفرة الملحدين والمشركين الضالين إلى دار البوار وبئس القرار يبقى في عرصات القيامة أتباع الرسل الموحدون وفيهم أهل الذنوب والمعاصي وأهل النفاق ويكون في الظلمة دون الجسر ففي الحديث عن أبي الزبير أنه سأل جابرا عن الورود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نحن يوم القيامة على كوم فوق النّاس فيدعى بالأمم وبأوثانها وما كانت تعبد الأوّل فالأوّل ثمّ يأتينا ربّنا بعد ذلك فيقول ما تنتظرون فيقولون ننتظر ربّنا فيقول أنا ربّكم فيقولون حتّى ننظر إليه قال فيتجلّى لهم وهو يضحك ويعطي كلّ إنسان منهم منافق ومؤمن نورا وتغشاه ظلمة ثمّ يتّبعونه معهم المنافقون على جسر جهنّم فيه كلاليب وحسك يأخذون من شاء ثمّ يطفأ نور المنافقين وينجو المؤمنون فتنجو أوّل زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون ثمّ الّذين يلونهم كأضوأ نجم في السّماء ثمّ ذلك حتّى تحلّ الشّفاعة فيشفعون حتّى يخرج من قال لا إله إلا الله ممّن في قلبه ميزان شعيرة فيجعل بفناء الجنّة ويجعل أهل الجنّة يهريقون عليهم من الماء حتّى ينبتون نبات الشّيء في السّيل ويذهب حرقهم ثمّ يسأل الله حتّى يجعل له الدّنيا وعشرة أمثالها» «١» .
وذكر مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه، ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم- قيل:
يا رسول الله وما الجسر؟، قال: (دحض مزلّة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك
стр. 323
تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السّعدان فيمرّ المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالرّيح وكالطّير وكأجاويد الخيل والرّكاب فناج مسلّم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنّم ... ) «١» .
وفي مسلم أيضا (ويضرب الصّراط بين ظهري جهنّم فأكون أنا وأمّتي أوّل من يجيز ولا يتكلّم يومئذ إلا الرّسل ودعوى الرّسل يومئذ اللهمّ سلّم سلّم) «٢» .
стр. 324
الجنة
[١] خلق الجنة:
الجنة مخلوقة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) [النجم: ١٣- ١٥] .
وقد رأى النبي ﷺ الجنة ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك في قصة الإسراء وفي آخره قال: (ثمّ انطلق بي جبريل حتّى نأتي سدرة المنتهى «١» فغشيها ألوان لا أدري ما هي قال ثمّ أدخلت الجنّة فإذا فيها جنابذ «٢» اللّؤلؤ وإذا ترابها المسك) «٣» فالجنة مخلوقة موجودة في السماء عند سدرة المنتهى.
زار النبي ﷺ الجنة، ورآها، ودخلها، ووصف جنابذها وتربتها، وقد بين الرسول ﵌ في موقف آخر أنه رأى كل شيء وعد الناس به في الدار الآخرة، ورأى قطفا من الجنة، فقصرت يده عن تناوله، فدل ذلك على حقيقة وجود الجنة، قال ﷺ : ( ... لقد رأيت في مقامي هذا كلّ شيء وعدته حتّى لقد رأيت أريد أن آخذ قطفا من الجنّة حين رأيتموني جعلت أتقدّم ولقد رأيت جهنّم يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخّرت ورأيت فيها عمرو بن
стр. 325
لحيّ وهو الّذي سيّب السّوائب «١» ) «٢» .
فتأمل يا عبد الله سعة الجنة وعظمها، فقد بين الله تعالى ورسوله ﵌ ذلك، فقال تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) [آل عمران: ١٣٣] .
الشوكاني: ذهب الجمهور إلى أنها تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض فذلك عرض الجنة «٣» .
وقال ﵌ في آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة ( ... إنّ لك مثل الدّنيا عشر مرار) «٤» .
فإذا كان أقلهم منزلة في الجنة من له مثل الدنيا وعشرة أمثالها، فكيف يكون ملك أعلاهم منزلة؟! فتصور سعة الجنة وعظمها!!.
[٢] الجنة دار النعيم:
الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله لعباده المؤمنين، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨) [الكهف: ١٠٧- ١٠٨] .
وقال تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
[مريم: ٦١] .
وقال تعالى في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين
стр. 326
رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرؤا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] «١» ) .
فدخول الجنة والنجاة من النار هو الفلاح العظيم والفوز الكبير، والنجاة العظمى. قال تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ.
[آل عمران: ١٨٥] .
وقال تعالى أيضا: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) [التوبة: ٧٢] .
قال عز من قائل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء: ١٣] .
فنعيم الجنة يفوق الوصف، ويقصر دونه الخيال ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا. قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) [السجدة: ١٧] .
﵌ قال الله تعالى: (أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) «٢» .
[٣] إنها جنان:
قال تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) [الرحمن: ٤٦] .
стр. 327
وقال تعالى: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) [الرحمن: ٦٢] .
وعن أنس بن مالك أنّ أمّ الرّبيّع بنت البراء وهي أمّ حارثة بن سراقة أتت النّبيّ ﵌ فقالت: يا نبيّ الله، ألا تحدّثني عن حارثة وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب «١» فإن كان في الجنّة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت «٢» عليه في البكاء قال: «يا أمّ حارثة إنّها جنان في الجنّة وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى» «٣» .
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (جنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما وجنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدن) «٤» .
[٤] التهيئة لدخول الجنة:
بعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، ثم يهذبون وينقون، وذلك بأن يقتص بعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا.
حتى إذا دخلوا الجنة كانوا أطهارا أبرارا، ليس لأحد عند الآخر مظلمة، ولا يطلب بعضهم بعضا بشيء.
روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله
стр. 328
صلى الله عليه وسلم: (يخلص المؤمنون من النّار فيحبسون على قنطرة بين الجنّة والنّار فيقصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدّنيا حتّى إذا هذّبوا ونقّوا أذن لهم في دخول الجنّة فو الّذي نفس محمّد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنّة منه بمنزله كان في الدّنيا) «١» ، وقال تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) [الحجر: ٤٧] .
[٥] دخول الجنة:
(أ) سوق وفد الرحمن إلى الجنة:
قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [الزمر: ٧٣] .
وقال تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) [مريم: ٨٥] .
قال ابن عباس وفدا: ركبانا «٢» .
ونقل الطبري في تفسيره عن الإمام علي ﵁ أنه قال: (أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم- ولكنهم يأتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال «٣» الذهب وأزمتها الزبرجد ويركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة) «٤» .
(ب) ريح الجنة:
ويسير وفد الرحمن إلى الجنة زمرا، فيجدون رائحة الجنة العبقة الزكية التي تفوح من مسيرة سبعين عاما، فعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ، قال:
( ... وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما) «٥» .
стр. 329
(ج) أبواب الجنة:
ويصل وفد الرحمن إلى أبواب الجنة، فينتهي ما سلف في الأيام الخالية من تعب ومكابدة وصبر ومصابرة وحساب وعرض، فيروا أبواب الجنة الثمانية.
قال تعالى جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) [ص: ٥٠] .
قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) [الرعد: ٢٣- ٢٤] .
وقال ﵌: (في الجنّة ثمانية أبواب فيها باب يسمّى الرّيّان لا يدخله إلا الصّائمون) «١» .
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد يتوضّأ فيبلغ أو فيسبغ «٢» الوضوء ثمّ يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنّة الثّمانية يدخل من أيّها شاء) «٣» .
وأبواب الجنة الثمانية لها مصاريع عظيمة، وقد وصف الرسول ﷺ ما بين مصراعيها بقوله: (والّذي نفس محمّد بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة لكما بين مكّة وهجر «٤» أو كما بين مكّة وبصرى «٥» » «٦» .
стр. 330
وقال ﷺ : ( ... وليأتينّ عليه يوم وإنّه لكظيظ «١» » «٢» .
والباب الأيمن من أبواب الجنة خاص بالذين يدخلون الجنة بغير حساب من أمة محمد ﷺ ، كما قال ﷺ : ( ... فأقول أمّتي يا ربّ أمّتي يا ربّ أمّتي يا ربّ فيقال يا محمّد أدخل من أمّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنّة وهم شركاء النّاس فيما سوى ذلك من الأبواب ... ) «٣» .
[٦] أول من يدخل الجنة:
ويصل وفد الرحمن إلى أبواب الجنة، ويحين دخولهم إليها، فيستفتح سيد الخلائق ﷺ ، ويقرع باب الجنة، كما قال ﵌: (آتي باب الجنّة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت فأقول محمّد فيقول بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك) «٤» .
فتفتح أبواب الجنة لوفد الرحمن، قال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزمر: ٧٣] .
يكون سيدنا محمد ﵌ أول الداخلين إلى الجنة وأمته أول الأمم دخولا، قال ﵌: (نحن الآخرون «٥» الأوّلون يوم القيامة ونحن أوّل من يدخل الجنّة ... ) «٦» .
стр. 331
ويتقدم أمة محمد ﷺ السبعون الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال ﵌: (عرضت عليّ الأمم فأخذ النّبيّ يمرّ معه الأمّة والنّبيّ يمرّ معه النّفر والنّبيّ يمرّ معه العشرة والنّبيّ يمرّ معه الخمسة والنّبيّ يمرّ وحده فنظرت فإذا سواد كثير قلت يا جبريل هؤلاء أمّتي قال لا ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد كثير قال هؤلاء أمّتك وهؤلاء سبعون ألفا قدّامهم لا حساب عليهم ولا عذاب قلت ولم؟، قال كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيّرون وعلى ربّهم يتوكّلون فقام إليه عكّاشة بن محصن فقال ادع الله أن يجعلني منهم قال اللهمّ اجعله منهم ثمّ قام إليه رجل آخر قال ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عكّاشة) «١» .
وبعد ذكر السبعين الألف ذكرت رواية أخرى أن معهم ثلاث حثيات من حثيات ربي
قال ﷺ : ( ... وثلاث حثيات «٢» من حثيات ربّي «٣» أي يدخلون الجنة بغير حساب.
وقد وصف الرسول ﷺ صورة أول زمرة تدخل الجنة بقوله ﷺ : (أوّل زمرة «٤» تلج «٥» الجنّة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوّطون، آنيتهم فيها الذّهب، أمشاطهم من
стр. 332
الذّهب والفضّة ومجامرهم «١» الألوّة «٢» ورشحهم «٣» المسك ولكلّ واحد منهم زوجتان يرى مخّ سوقهما من وراء اللّحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب واحد يسبّحون الله بكرة وعشيّا) «٤» .
[٧] استقبال الملائكة:
تستقبل الملائكة وفد الرحمن بعد أن فتحت الأبواب بالتسليم والتبشير لهم بالحياة الطيبة، والخلود في الجنة، قال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) [الزمر: ٧٣] .
وتتلقاهم الملائكة وتبشرهم وتهنئهم بأنهم قد وجدوا ما كان يعدهم ربهم به في الدنيا من الثواب والنعيم.
قال تعالى: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.
[الأنبياء: ١٠٣] .
[٨] ما يضيفون به عند دخولهم:
ويكرم الله وفده بهدية هي زيادة كبد النون، ثم ينحر لهم ثور الجنة، ويشربون من عين سلسبيل.
قال ﷺ عندما سأله حبر من أحبار اليهود عن تحفة «٥» أهل الجنة إذا
стр. 333
دخلوها فقال: (زيادة كبد النّون «١» قال فما غذاؤهم على إثرها؟ «٢» قال ينحر لهم ثورا الجنّة الّذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه؟ قال من عين فيها تسمّى سلسبيلا) «٣» .
[٩] اهتداؤهم إلى منازلهم:
ويهتدي وفد الرحمن إلى بيوتهم ومساكنهم بعد إتحاف الله لهم بزيادة كبد الحوت فلا يخطئون في الوصول إليها، بل هم أهدى إليها من مساكنهم التي كانت في الدنيا.
قال تعالى: وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) [محمد: ٦] .
قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا «٤» .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: ( ... فو الّذي نفس محمّد بيده لأحدهم بمسكنه في الجنّة أدلّ بمنزله كان في الدّنيا «٥» ) «٦» .
أوصاف الجنة:
ويشاهد أهل الجنة ما أعد الخالق سبحانه لهم مما لم تر أعينهم قبل ذلك،
стр. 334
ولم تسمع آذانهم، ولم يخطر على قلوبهم، فنعيم الجنة يفوق الوصف، ويقصر دونه الخيال ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، قال تعالى فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) [السجدة: ١٧] .
وقال ﵌: قال الله تعالى: (أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرؤا إن شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] «١» .
فهيا بنا لنتأمل مع أهل الجنة في:
[١] درجات الجنة:
فالجنة درجات، بعضها فوق بعض، وأهلها متفاوتون فيها بحسب منازلهم فيها، قال تعالى: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) [طه: ٧٥] .
وينظرون إلى المائة درجة التي وصفها الرسول ﷺ بقوله: ( ... في الجنّة مائة درجة ما بين كلّ درجتين كما بين الأرض والسّماء والفردوس أعلاها درجة ومنها تفجّر أنهار الجنّة الأربعة ومن فوقها يكون العرش فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس) «٢» .
وقال: (إنّ أهل الجنّة يتراؤن أهل الغرف من فوقهم كما يتراؤن الكوكب الدّرّيّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والّذي نفسي بيده
стр. 335
رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين) «١» .
ويمكن لكل أحد أن يرتقي في هذه الدرجات بعمله الصالح وبدعاء واستغفار ولده الصالح له بعد موته، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إنّ الله ليرفع الدّرجة للعبد الصّالح في الجنّة فيقول يا ربّ أنّي لي هذه فيقول باستغفار ولدك لك) وفي رواية: (بدعاء ولدك لك) «٢» .
[٢] أعلى منزلة في الجنة:
هي الوسيلة التي كان يسألها المؤمنون لرسول الله ﷺ فقد قال ﵌: (إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول ثمّ صلّوا عليّ فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا ثمّ سلوا الله لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة) «٣» .
وقد سأل الصحابة الرسول ﷺ قائلين: وما الوسيلة؟ (قال أعلى درجة في الجنّة ... ) «٤» .
стр. 336
[٣] لبنات الجنة:
وينظرون إلى بناء الجنة الذي قال عنه المصطفى ﷺ أنه: (لبنة من فضة ولبنة من ذهب ... ) «١» .
ويشاهدون ملاطها «٢» الذي قال عنه ﷺ : (وملاطها المسك الأذفر) «٣» .
[٤] تربة الجنة وطينتها وحصباؤها:
وإذا نظر أهل الجنة إلى أرض الجنة التي يمشون عليها فإذا هي كما وصفها رسول الله ﷺ ، قال: (أدخلت الجنّة فإذا فيها جنابذ اللّؤلؤ وإذا ترابها المسك) «٤» .
وبين الرسول أن تربتها كالدقيق الخالص البياض، فقال: (درمكة «٥» بيضاء مسك خالص) «٦» .
وقال ﷺ : (وملاطها المسك الأذفر «٧» وحصباؤها اللّؤلؤ والياقوت) «٨» .
стр. 337
[٥] مساكن الجنة:
ويطلع أهل الجنة على ما بني لهم في الجنة من مساكن طيبة حسنة كما قال تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ [التوبة: ٧٢] ، تحيط بها الحدائق الغدقة والبساتين النضرة التي فيها من كل الثمرات، وأشجارها دائمة الثمر والظل يحيط بالمساكن التي تجري من تحتها الأنهار، والتي لا يسمع فيها لغو ولا تأثيم، وليس فيها نصب ولا صخب، فيشاهد أهل الجنة ما وصف الله ورسوله لهم من:
(أ) غرف الجنة:
قال تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) [الزمر: ٢٠] .
وقال تعالى: فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [سبأ: ٣٧] .
وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنّ في الجنّة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها فقام إليه أعرابيّ فقال لمن هي يا رسول الله؟
قال هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطّعام وأدام الصّيام وصلّى لله بالللّيل والنّاس نيام) «١» .
وقال رسول الله ﵌: (إنّ أهل الجنّة يتراؤن أهل الغرف من فوقهم كما يتراؤن الكوكب الدّرّيّ الغابر في الأفق ... ) «٢» .
стр. 338
(ب) بيوت الجنة:
وتتحقق رؤيتهم لما بني لهم من البيوت بما قدموا في الدنيا من الأعمال الصالحة كبناء المساجد، وصلاة النوافل بعد أداء الفرائض، فقد قال تعالى:
رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [التحريم: ١١] .
وقال الرسول ﷺ : (من بنى مسجدا لله بنى الله له في الجنّة مثله) «١» .
وقال أيضا ﵌: (ما من عبد مسلم يصلّي لله كلّ يوم ثنتي عشرة ركعة تطوّعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنّة) «٢» .
(ج) قصور الجنة:
وتظهر قصور الجنة الذهبية التي يذهب رونقها وجمالها كل جمال ورونق لقصور الدنيا التي كان يتباهى بها أهلها.
تلك القصور التي جعلها لمن أطاعه، قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠) [الفرقان: ١٠] .
القصور التي يراها المؤمنون رأي العين بعد أن كانوا يؤمنون بها بالغيب، قال عبد الله بن بريدة قال سمعت أبا بريدة يقول أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالا فقال: (يا بلال بم سبقتني إلى الجنّة ما دخلت الجنّة قطّ إلا سمعت خشخشتك أمامي إنّي دخلت البارحة الجنّة فسمعت خشخشتك فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف ... ) «٣» .
стр. 339
[د] خيام الجنة:
النفس البشرية تشتهي التنويع والتغيير، فتشتهي ألا تبقى على مسكن واحد، بل تريد أن تدخل البيوت والقصور والخيام، والله سبحانه أشبع رغبات المؤمن في الجنة، فجعل له أصناف الماكل والمشارب، وكذلك أصناف البيوت والمساكن، ومن ذلك: الخيام التي وصفها الرسول ﷺ بقوله: (إنّ للمؤمن في الجنّة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوّفة طولها ستّون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا) «١» .
ووصف الرسول ﷺ عرضها، فقال: ( ... عرضها ستّون ميلا ... ) «٢» .
ولزيادة متعة المؤمن في الجنة جعل الله خيام اللؤلؤ على حافتي النهر، قال ﵌: (دخلت الجنّة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللّؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الّذي أعطاكه الله) «٣» .
(هـ) أنهار الجنة:
ولنتجول مع أهل الجنة بين أنهارها، وتمتع النفس بذلك النعيم الدائم المقيم الذي بشر الله به عباده المتقين، فقال سبحانه: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)
[البقرة: ٢٥] .
стр. 340
وقال تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١) [الكهف: ٣١] ، وهذا نهر الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله ﷺ ، فقال سبحانه: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) .
[الكوثر: ١] .
وقد رآه الرسول ﵌، وحدثنا عنه، فقال ﵌: (بينما أنا أسير في الجنّة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدّرّ المجوّف قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الّذي أعطاك ربّك فإذا طينه مسك أذفر) «١» .
وهذه أنهار الجنة الأربعة من الماء واللبن والخمر والعسل المصفى، قال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) [محمد: ١٥] .
وهذه الأنهار تنشق من بحر العسل والخمر والماء واللبن.
ففي سنن الترمذي بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ قال: (إنّ في الجنّة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللّبن وبحر الخمر ثمّ تشقّق الأنهار بعد) «٢» .
(و) عيون الجنة:
وانظر أخي المؤمن إلى عيون الجنة الكثيرة النضاخة المختلفة الطعوم والمشارب
стр. 341
كعين الكافور والتسنيم والسلسبيل التي يشرب منها المقربون.
قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) [الذاريات: ١٥] .
وقال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) [الإنسان: ٥- ٦] .
وقال تعالى: وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) [الإنسان: ١٧- ١٨] .
وقال تعالى: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)
[المطففين: ٢٧: ٢٨] .
(ز) أشجار الجنة وثمارها:
وقد زين الله الجنة بأنواع الأشجار والثمار اليانعة والروضات المتفتحة التي تدخل السرور والحبور، قال تعالى: فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ [الروم: ١٥] وقد أخبرنا الحق أن في الجنة أشجار العنب والنخل والرمان، كما فيها أشجار السدر «١» والطلح «٢» قال تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢)
[النبأ: ٣١: ٣٢] .
وقال تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) [الواقعة: ٢٧- ٢٩] .
وقد بين الرسول ﷺ أن الله يجعل مكان كل شوكة في شجرة الطلح ثمرة،
стр. 342
فيها سبعون لونا من ألوان الطعام «١» .
وفي الجنة من أنواع الثمار والنعيم كل ما تشتهيه النفوس وتلذ العيون، قال تعالى: مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) [ص: ٥١] .
وقال تعالى: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) [الواقعة: ٢٠] .
وقال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) [المرسلات: ٤١] .
وأشجار الجنة دائمة العطاء، قال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)
[الرعد: ٣٥] .
قال تعالى: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)
[الواقعة: ٣٢: ٣٣] .
قال ﷺ : (ما في الجنّة شجرة إلا وساقها من ذهب) «٢» .
وقال ﷺ : (إنّ في الجنّة لشجرة يسير الرّاكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها) «٣» .
وفي مسند احمد عن أبي سعيد الخدري عندما سأل رجل رسول الله ﷺ ،
стр. 343
ما طوبى، قال: (شجرة في الجنّة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنّة تخرج من أكمامها) «١» .
والمؤمن يكثر من غرس أشجار جنته بكثرة التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، فقد قال رسول الله ﷺ : (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمّد أقرئ أمّتك منّي السّلام وأخبرهم أنّ الجنّة طيّبة التّربة عذبة الماء وأنّها قيعان وأنّ غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) «٢» .
وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنّ الرجل إذا نزع ثمرة من الجنّة عادت مكانها أخرى) «٣» .
ومن لطائف ما يجده أهل الجنة عند ما تأتيهم ثمارها أنهم يجدونها تتشابه في المظهر، ولكنها تختلف في المخبر، قال تعالى: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: ٢٥] .
وثمار أشجار الجنة قريبة دانية مذلّله ينالها أهل الجنة بيسر وسهوله، قال تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ [الرحمن: ٥٤] .
وقال تعالى: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا [الإنسان: ١٤] .
стр. 344
وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال:
(فعرضت عليّ الجنّة حتّى لو تناولت منها قطفا أخذته أو قال تناولت منها قطفا فقصرت يدي عنه) «١» .
ومن أشجار الجنة: أشجار الريحان الفائحة التي قال عنها الله ﵎: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) [الواقعة:
٨٨- ٨٩] وأخبرنا الرسول ﷺ أن سيد ريحان الجنّة الحناء.
ففي معجم الطبراني الكبير بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبد الله ابن عمرو عن النبي ﷺ قال: (سيّد ريحان الجنّة الحنّاء) «٢» .
(ح) سوق الجنة:
يخلق الله سوقا يغشاه أهل الجنة إتماما للإنعام في دار النعيم، فهذا الإمام مسلم يخرج لنا حديث السوق عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: (إنّ في الجنّة لسوقا يأتونها كلّ جمعة فتهبّ ريح الشّمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا) «٣» .
стр. 345
سير المؤمن إلى ملكه:
بعد أن طفنا مع أهل الجنة في أوصاف الجنة، آن الأوان أن نسير مع ملك من ملوكها لنرى ما أعده الله له من النعيم الذي قال الله تعالى عنه: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) [الإنسان: ٢٠] .
ويرتقي أهل الجنة في الجنة إلى منازلهم بحسب أعمالهم، ويقال لصاحب القرآن كما قال النبي ﵌: (اقرأ وارتق ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا فإنّ منزلك عند آخر آية تقرؤها) «١» .
استقبال الخدم له:
ويصل أهل الجنة كل واحد إلى مملكته الخاصة به والتي لا يشاركه فيها أحد فتستقبله الولدان.
سعة مملكة المؤمن ونعيمها:
(أ) سعتها:
فيدخل المؤمن مملكته الواسعة وقد وصف الرسول ﵌ سعة مملكة آخر أهل الجنة دخولا، فقال ﵌: (إنّي لأعلم آخر أهل النّار خروجا منها وآخر أهل الجنّة دخولا الجنّة رجل يخرج من النّار حبوا فيقول الله ﵎ له اذهب فادخل الجنّة فيأتيها فيخيّل إليه أنّها ملأى فيرجع فيقول يا ربّ وجدتها ملأى فيقول الله ﵎ له اذهب فادخل الجنّة قال فيأتيها فيخيّل إليه أنّها ملأى فيرجع فيقول يا ربّ وجدتها
стр. 346
ملأى فيقول الله له اذهب فادخل الجنّة فإنّ لك مثل الدّنيا وعشرة أمثالها أو إنّ لك عشرة أمثال الدّنيا قال فيقول أتسخر بي أو أتضحك بي وأنت الملك قال لقد رأيت رسول الله ﵌ ضحك حتّى بدت نواجذه قال فكان يقال ذاك أدنى أهل الجنّة منزلة) «١» .
وذكر مسلم في رواية لأعلى أهل الجنة منزلة عندما سأل موسى ﵇ ربه عن أعلى أهل الجنة منزلة، فقال : أولئك الّذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر قال ومصداقه في كتاب الله : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) [السجدة: ١٧] «٢» .
ب- نعيمها:
[١] صفات أهل الجنة وحليهم ولباسهم:
تتغير هيئة أهل الجنة، ويصبح طول أحدهم ستين ذراعا، قال ﷺ : (خلق الله آدم وطوله ستّون ذراعا ... فكلّ من يدخل الجنّة على صورة آدم) «٣» .
وتكون صورة أول زمرة تدخل الجنة كالقمر ليلة البدر، قال ﷺ : (أوّل زمرة تلج الجنّة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر) «٤» .
وتكون سنهم ثلاثا وثلاثين سنة، لا تزيد أبدا، قال ﷺ : (يدخل أهل
стр. 347
الجنّة الجنّة جردا «١» مردا «٢» بيضا جعادا «٣» مكحّلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم ستّون ذراعا) «٤» .
ويتزين المؤمنون في الجنة بأنواع الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ، قال تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) [الإنسان: ١٢] .
قال تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) [الحج: ٢٣] ومن حليهم أساور الذهب والفضة واللؤلؤ.
قال الله تعالى: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً.
[الإنسان: ٢١] .
ومن ألوان الثياب التي يلبسها المؤمنون في الجنة: الخضر من السندس والإستبرق، قال تعالى: وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف: ٣١] .
وقال تعالى: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ «٥» خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ «٦» وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) [الإنسان: ٢١] وثياب أهل الجنة لا تبلى، قال ﷺ : (من يدخل الجنّة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه) «٧» .
стр. 348
ولباس أهل الجنة أرقى من أي ثياب صنعها الإنسان، فقد أتى الرسول ﷺ بثوب من حرير فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه، فقال ﷺ : ( ... لمناديل سعد ابن معاذ في الجنّة أفضل من هذا) «١» .
ومن حلي أهل الجنة التيجان، فقد ذكر الرسول ﵌ الخصال التي يعطاها الشهيد، فقال: (ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدّنيا وما فيها ... ) «٢» .
ووصف الرسول ﷺ إضاءة أدنى لؤلؤة في التاج، فقال ﷺ : (إنّ عليهم التّيجان إنّ أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب) «٣» .
وأخبر الرسول ﵌: أن لأهل الجنة أمشاطا من الذهب وأنهم يتبخرون بعود الطيب، فقال: (وأمشاطهم الذّهب ووقود مجامرهم «٤» الألوّة «٥» ... ) «٦» .
[٢] نساء أهل الجنة:
الزوجات في الجنة من النعيم الذي تتم به نعمة أهل الجنة، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة المؤمنة في الجنة تتم نعمتها وسعادتها بالزوج، وإذا أدخل المؤمن الجنة ودخلت معه زوجته الصالحة، فإنها تكون زوجته فيها أيضا، قال تعالى:
стр. 349
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) [الرعد: ٢٣] .
ويعيش المؤمن مع أزواجه في الجنة حياة سرور ونعيم، قال تعالى: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) [يس: ٥٦] .
وقال تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) [الزخرف: ٧٠] .
ويزوج الله المؤمن في الجنة بزوجات من الحور العين «١» .
قال تعالى: كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) [الدخان: ٥٤] .
وصف القرآن الكريم زوجات المؤمنين في الجنة، فوصف جمالهن، فقال وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) [الواقعة: ٢٢: ٢٣] .
الْمَكْنُونِ الذي لم يغير صفاء لونه ضوء الشمس، ولا عبث الأيدي، وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان، فقال تعالى: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) [الرحمن: ٥٦- ٥٨] .
ووصف أعمارهن المتساوية، فقال تعالى: وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) .
[النبأ: ٣٣] .
والكواعب جمع كاعبة، وهي المرأة الجميلة التي برز ثديها. والأتراب المتقاربات في السن.
ووصفهن بأنهن قاصرات الطرف على أزواجهن قال تعالى: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) [الرحمن: ٧٢] .
стр. 350
وقال تعالى وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) [الصافات: ٤٨] ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا، فإنهن مطهرات، قال تعالى: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: ٢٥] .
ووصف رسول الله ﷺ جمال نساء أهل الجنة بقوله: (ولكل واحد منهما زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن) «١» .
وقال ﵌: (ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الدنيا، لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحا، ولنصيفها «٢» على رأسها خير من الدنيا وما فيها) «٣» .
وتغني الحور العين لزوجها في الجنة بصوت جميل عذب:
قال ﵌: (إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط ... ) «٤» .
ووصف الله سبحانه الزوجات في الجنة بأنهن أبكار:
قال تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) .
[الواقعة: ٣٥- ٣٦] .
وقال تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) [الرحمن: ٧٤] .
وعن ابن عباس ﵄ قال: قيل يا رسول الله أنفضي إلى نسائنا في الجنة كما
стр. 351
نفضي إليهن في الدنيا قال: (والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء) «١» .
[٣] خدم أهل الجنة:
أكرم الله أهل الجنة بولدان ينشئهم «٢» ليخدموهم وهم في غاية الجمال.
قال تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً
[الإنسان: ١٩] .
وقال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) [الواقعة: ١٧- ١٨] .
قال أبو عبيده والفراء: مخالدون لا يهرمون ولا يتغيرون «٣» .
[٤] طعام أهل الجنة وشرابهم:
في الجنة ما تشتهيه الأنفس من الماكل والمشارب، قال تعالى: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) [الواقعة: ٢٠- ٢١] .
وقال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) [المرسلات: ٤١- ٤٣] .
стр. 352
قد ذكرنا سابقا ثمار الجنة وما فيها من الأنهار والعيون.
وأول طعام أهل الجنة هو زيادة كبد الحوت، كما قال رسول الله ﷺ لما سئل عن أول شيء يأكله أهل الجنة، فقال: (زيادة كبد الحوت) «١» .
[٥] آنية أهل الجنة:
آنية طعام أهل الجنة التي يأكلون ويشربون فيها من الذهب والفضة، قال تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ [الزخرف: ٧١] .
أي وأكواب من ذهب، وقال تعالى أيضا: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) .
[الإنسان: ١٦- ١٥] .
أي اجتمع فيها صفاء القوارير وبياض الفضة.
وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري، قال:
قال رسول الله ﵌: (جنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما وجنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ... ) «٢» .
ومن الآنية التي يشربون بها: الأكواب «٣» والأباريق «٤» والكؤوس «٥» .
стр. 353
قال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ
[الواقعة: ١٧- ١٨] .
[٦] قوة أهل الجنة في الأكل والشرب والشهوة:
عن زيد بن أرقم قال أتى النّبيّ ﵌ رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم، ألست تزعم أنّ أهل الجنّة يأكلون فيها ويشربون وقال لأصحابه إن أقرّ لي بهذه خصمته قال فقال رسول الله ﷺ :
(بلى والّذي نفسي بيده إنّ أحدهم ليعطى قوّة مائة رجل في المطعم والمشرب والشّهوة والجماع قال فقال له اليهوديّ فإنّ الّذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة قال فقال رسول الله ﷺ حاجة أحدهم عرق يفيض من جلودهم مثل ريح المسك فإذا البطن قد ضمر) «١» .
وقال ﵌: (إن أهل الجنة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون فيها، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون) قالوا: فما بال الطعام؟ قال: (جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما تلهمون النّفس) «٢» .
[٧] فرش الجنة:
أعدت قصور الجنة وأماكن الجلوس في حدائقها وبساتينها بألوان فاخرة رائعة من الفرش للجلوس والاتكاء ونحو ذلك، فالسرر كثيرة راقية، والفرش عظيمة القدر بطائنها من الإستبرق، فما بالك بظاهرها. وهناك ترى النمارق
стр. 354
مصفوفة على نحو يسر الخاطر، ويبهج النفس، والزرابي مبثوثة على شكل منسق تكامل، قال تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) [الغاشية: ١٣- ١٦] .
وقال تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) .
[الرحمن: ٥٤] .
وقال تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) .
[الطور: ٢٠] .
وقال تعالى أيضا: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) [الواقعة: ١٣- ١٦] .
وقال تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧)
[الحجر: ٤٦] .
المؤمن في الجنة وذريته:
من فضل الله وكرمه على المؤمنين وذريتهم المؤمنة أن يرفع الذرية إلى درجة الآباء دون أن ينقص من درجة الآباء شيئا؛ لتتم النعمة، وتقر العين.
قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) [الطور: ٢١] .
التزاور في الجنة:
أهل الجنة يزور بعضهم بعضا، ويجتمعون في مجالس طيبة، يتحدثون عما كان منهم في الدنيا وما أنعم الله عليهم من دخول الجنة.
стр. 355
قال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) [الطور: ٢٥- ٢٨] .
وقال تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧)
[الحجر: ٤٧] .
أماني أهل الجنة:
لبعض أهل الجنة أمان لما كانوا يحبونه في الدنيا، مع أنهم فيما تشتهيه أنفسهم في الجنة، وقد حدثنا رسولنا ﷺ عن بعض هذه الأماني وكيفية تحققها، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يحدث وعنده رجل من أهل البادية: (أنّ رجلا من أهل الجنّة استأذن ربّه في الزّرع فقال له أولست فيما شئت «١» قال بلى ولكنّي أحبّ أن أزرع فأسرع وبذر فتبادر الطّرف «٢» نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال فيقول الله تعالى دونك يا ابن آدم فإنّه لا يشبعك شيء فقال الأعرابيّ يا رسول الله لا تجد هذا إلا قرشيّا أو أنصاريّا فإنّهم أصحاب زرع فأمّا نحن فلسنا بأصحاب زرع فضحك رسول الله) «٣» .
ويخبرنا الرسول ﵌: عن مؤمن أخر يشتهي الولد في الجنة فقال ﷺ : (المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنّة كان حمله ووضعه وسنّه في ساعة كما يشتهي) «٤» .