Полный текст (6 431 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
وقله الميرة، فوافى بغداد يوم الأربعاء لثلاث خلون من شهر رمضان.
وفيها استامن الحسن بن على كوره عامل رافع على الري الى على بن المعتضد في زهاء الف رجل، فوجهه الى ابيه المعتضد.
وفيها دخل الاعراب سامرا فأسروا ابن سيما انف في ذي القعده منها وانتهبوا.
ذكر خبر الوقعه بين الأكراد والاعراب
ولست ليال بقين من ذي القعده خرج المعتضد الخرجه الثانيه الى الموصل عامدا لحمدان بن حمدون، وذلك انه بلغه انه مايل هارون الشاري الوازقى، ودعا له فورد كتاب المعتضد من كرخ جدان على نجاح الحرمي الخادم بالوقعه بينه وبين الاعراب والأكراد، وكانت يوم الجمعه سلخ ذي القعده:
بسم الله الرحمن الرحيم كتابي هذا وقت العتمه ليله الجمعه، وقد نصر الله- وله الحمد- على الأكراد والاعراب، واظفرنا بعالم منهم وبعيالاتهم، ولقد رايتنا ونحن نسوق البقر والغنم كما كنا نسوقها عاما أولا، ولم تزل الأسنة والسيوف تأخذهم، وحال بيننا وبينهم الليل، واوقدت النيران على رءوس الجبال، ومن غد يومنا، فيقع الاستقصاء، وعسكرى يتبعني الى الكرخ وكان وقاعنا بهم وقتلنا إياهم خمسين ميلا، فلم يبق منهم مخبر والحمد لله كثيرا، فقد وجب الشكر لله علينا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم كثيرا.
وكانت الاعراب والأكراد لما بلغهم خروج المعتضد، تحالفوا انهم يقتلون على دم واحد، واجتمعوا، وعبوا عسكرهم ثلاثة كراديس، كردوسا دون كردوس، وجعلوا عيالاتهم وأولادهم في آخر كردوس، وتقدم المعتضد عسكره في خيل جريدة، فاوقع بهم، وقتل منهم، وغرق في الزاب منهم
стр. 5707
خلق كثير، ثم خرج الى الموصل عامدا لقلعه ماردين، وكانت في يد حمدان ابن حمدون، فلما بلغه مجيء المعتضد هرب وخلف ابنه بها، فنزل عسكر المعتضد على القلعة، فحاربهم من كان فيها يومهم ذلك، فلما كان من الغد ركب المعتضد، فصعد القلعة حتى وصل الى الباب، ثم صاح: يا بن حمدون، فأجابه: لبيك! فقال له: افتح الباب، ويلك! ففتحه، فقعد المعتضد في الباب، وامر من دخل فنقل ما في القلعة من المال والأثاث، ثم امر بهدمها فهدمت، ثم وجه خلف حمدان بن حمدون، فطلب أشد الطلب، وأخذت اموال كانت له مودعه، وجيء بالمال الى المعتضد، ثم ظفر به ثم مضى المعتضد الى مدينه يقال لها الحسنيه، وفيها رجل يقال له شداد، في جيش كثيف، ذكر انهم عشره آلاف رجل، وكان له قلعه في المدينة فظفر به المعتضد، فأخذه فهدم قلعته.
وفيها ورد الخبر من طريق مكة انه أصاب الناس في المصعد برد شديد ومطر جود وبرد اصيب فيه اكثر من خمسمائة انسان وفي شوال منها غزا المسلمون الروم، فكانت بينهم الحرب اثنى عشر يوما، فظفر المسلمون وغنموا غنيمه كثيره وانصرفوا.
стр. 5708
ثم دخلت
سنه اثنتين وثمانين ومائتين
(ذكر الاحداث التي كانت فيها)
ذكر امر النيروز المعتضدي
فمن ذلك ما كان من امر المعتضد في المحرم منها بإنشاء الكتب الى جميع العمال في النواحي والأمصار بترك افتتاح الخراج في النيروز الذى هو نيروز العجم، وتاخير ذلك الى اليوم الحادي عشر من حزيران، وسمى ذلك النيروز المعتضدي، فانشئت الكتب بذلك من الموصل والمعتضد بها، وورد كتابه بذلك على يوسف بن يعقوب يعلمه انه اراد بذلك الترفيه على الناس، والرفق بهم، وامر ان يقرا كتابه على الناس، ففعل.
وفيها قدم ابن الجصاص من مصر بابنه ابى الجيش خمارويه بن احمد بن طولون التي تزوجها المعتضد، ومعها احد عمومتها، فكان دخولهم بغداد يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرم، وادخلت للحرم ليله الأحد، ونزلت في دار صاعد ابن مخلد، وكان المعتضد غائبا بالموصل.
وفيها منع الناس من عمل ما كانوا يعملون في نيروز العجم من صب الماء ورفع النيران وغير ذلك.
ذكر امر المعتضد مع حمدان بن حمدون
وفيها كتب المعتضد من الموصل الى إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون بالمصير اليه، فاما إسحاق بن أيوب فسارع الى ذلك، واما حمدان بن حمدون فتحصن في قلاعه، وغيب أمواله وحرمه فوجه اليه المعتضد الجيوش مع وصيف موشكير ونصر القشورى وغيرهما، فصادفوا الحسن بن على كوره واصحابه منيخين على قلعه لحمدان، بموضع يعرف بدير الزعفران من ارض الموصل، وفيها الحسين بن حمدان، فلما راى الحسين اوائل العسكر مقبلين طلب الامان فأومن وصار الحسين الى المعتضد، وسلم القلعة، فامر بهدمها،
стр. 5709
واغذ وصيف موشكير السير في طلب حمدان، وكان قد صار بموضع يعرف بباسورين بين دجلة ونهر عظيم، وكان الماء زائدا، فعبر اصحاب وصيف اليه ونذر بهم، فركب واصحابه ودافعوا عن انفسهم، حتى قتل اكثرهم، فالقى حمدان نفسه في زورق كان معدا له في دجلة، ومعه كاتب له نصرانى يسمى زكرياء بن يحيى، وحمل معه مالا، وعبر الى الجانب الغربي من دجلة من ارض ديار ربيعه، وقدر اللحاق بالاعراب لما حيل بينه وبين اكراده الذين في الجانب الشرقى، وعبر في اثره نفر يسير من الجند فاقتصوا اثره، حتى أشرفوا على دير كان قد نزله، فلما بصر بهم خرج من الدير هاربا ومعه كاتبه، فألقيا أنفسهما في زورق، وخلفا المال في الدير، فحمل الى المعتضد، وانحدر اصحاب السلطان في طلبه على الظهر وفي الماء، فلحقوه، فخرج عن الزورق خاسرا الى ضيعه له بشرقى دجلة، فركب دابه لوكيله، وسار ليله اجمع الى ان وافى مضرب إسحاق بن أيوب في عسكر المعتضد، مستجيرا به، فاحضره إسحاق مضرب المعتضد، وامر بالاحتفاظ به، وبث الخيل في طلب أسبابه، فظفر بكاتبه وعده من قراباته وغلمانه، وتتابع رؤساء الأكراد وغيرهم في الدخول في الامان، وذلك في آخر المحرم من هذه السنه.
[أخبار متفرقة]
وفي شهر ربيع الاول منها قبض على بكتمر بن طاشتمر، وقيد وحبس، وقبض ماله وضياعه ودوره.
وفيها نقلت ابنه خمارويه بن احمد الى المعتضد لاربع خلون من شهر ربيع الآخر، ونودى في جانبي بغداد الا يعبر احد في دجلة يوم الأحد، وغلقت أبواب الدروب التي تلى الشط، ومد على الشوارع النافذة الى دجلة شراع، ووكل بحافتى دجلة من يمنع ان يظهروا في دورهم على الشط.
فلما صليت العتمه وافت الشذا من دار المعتضد، وفيها خدم معهم الشمع، فوقفوا بإزاء دار صاعد، وكانت اعدت اربع حراقات شدت مع دار صاعد، فلما جاءت الشذا احدرت الحراقات، وصارت الشذا بين ايديهم، واقامت الحره يوم الاثنين في دار المعتضد، وجليت عليه يوم الثلاثاء لخمس خلون
стр. 5710
من شهر ربيع الاول.
وفيها شخص المعتضد الى الجبل، فبلغ الكرج، وأخذ اموالا لابن ابى دلف وكتب الى عمر بن عبد العزيز بن ابى دلف يطلب منه جوهرا كان عنده، فوجه به اليه، وتنحى من بين يديه.
وفيها اطلق لؤلؤ غلام ابن طولون بعد خروج المعتضد، وحمل على دواب وبغال.
وفيها وجه يوسف بن ابى الساج الى الصيمرة مددا لفتح القلانسي، فهرب يوسف بن ابى الساج بمن أطاعه الى أخيه محمد بالمراغة، ولقى مالا للسلطان طريقه فأخذه، فقال في ذلك عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
امام الهدى انصاركم آل طاهر ... بلا سبب يجفون والدهر يذهب
وقد خلطوا صبرا بشكر ورابطوا ... وغيرهم يعطى ويحبى ويهرب
وفيها وجه المعتضد الوزير عبيد الله بن سليمان الى الري الى ابى محمد ابنه.
وفيها وجه محمد بن زيد العلوي من طبرستان الى محمد بن ورد العطار باثنين وثلاثين الف دينار، ليفرقها على اهله ببغداد والكوفه، ومكة والمدينة، فسعى به، فاحضر دار بدر، وسئل عن ذلك، فذكر ان يوجه اليه في كل بمثل هذا المال، فيفرقه على من يأمره بالتفرقه عليه من اهله فاعلم بدر المعتضد ذلك، واعلمه ان الرجل في يديه والمال، واستطلع رايه وما يأمر به.
فذكر عن ابى عبد الله الحسنى ان المعتضد قال لبدر: يا بدر، اما تذكر الرؤيا التي خبرتك بها؟ فقال: لا يا امير المؤمنين، فقال: الا تذكر انى حدثتك ان الناصر دعانى، فقال لي: اعلم ان هذا الأمر سيصير إليك، فانظر كيف تكون مع آل على بن ابى طالب! ثم قال: رايت في النوم كأني خارج من بغداد اريد ناحيه النهروان في جيشي، وقد تشوف الناس الى، إذ مررت برجل واقف على تل يصلى، لا يلتفت الى، فعجبت منه ومن قله اكتراثه بعسكرى، مع تشوف الناس الى العسكر، فاقبلت اليه حتى
стр. 5711
وقفت بين يديه، فلما فرغ من صلاته قال لي: اقبل، فاقبلت اليه، فقال:
اتعرفنى؟ قلت: لا، قال: انا على بن ابى طالب، خذ هذه المسحاة، فاضرب بها الارض- لمسحاه بين يديه- فأخذتها فضربت بها ضربات، فقال لي: انه سيلي من ولدك هذا الأمر بقدر ما ضربت بها، فاوصهم بولدي خيرا قال بدر: فقلت: بلى يا امير المؤمنين، قد ذكرت قال: فاطلق المال، واطلق الرجل وتقدم اليه ان يكتب الى صاحبه بطبرستان ان يوجه ما يوجه به اليه ظاهرا، وان يفرق محمد بن ورد ما يفرقه ظاهرا، وتقدم بمعونة محمد على ما يريد من ذلك.
وفي شعبان لإحدى عشره بقيت منها، توفى ابو طلحه منصور بن مسلم في حبس المعتضد وفيها لثمان خلون من شهر رمضان منها، وافى عبيد الله بن سليمان الوزير بغداد قادما من الري، فخلع عليه المعتضد.
ولثمان بقين من شهر رمضان منها، ولدت ناعم جاريه أم القاسم بنت محمد ابن عبد الله للمعتضد ابنا سماه جعفرا، فسمى المعتضد هذه الجاريه شغب.
وفيها قدم ابراهيم ابن احمد الماذرائى لاثنتى عشره بقيت من ذي الحجه من دمشق على طريق البر، فوافى بغداد في احد عشر يوما، فاخبر المعتضد ان خمارويه بن احمد ذبح على فراشه، ذبحه بعض خدمه من لخاصة، وقيل:
ان قتله كان لثلاث خلون من ذي الحجه وقيل ان ابراهيم وافى بغداد من دمشق في سبعه ايام، وقتل من خدمه الذين اتهموا بقتله نيف وعشرون خادما.
وكان المعتضد بعث مع ابن الجصاص الى خمارويه بهدايا، واودعه اليه رساله، فشخص ابن الجصاص لما وجه له، فلما بلغ سامرا بلغ المعتضد مهلك خمارويه، فكتب اليه يأمره بالرجوع اليه فرجع، ودخل بغداد لسبع بقين من ذي الحجه.
стр. 5712
ثم دخلت
سنه ثلاث وثمانين ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)
خبر هارون الشاري والظفر به
فمن ذلك ما كان من شخوص المعتضد لثلاث عشره بقيت من المحرم منها- بسبب الشاري هارون- الى ناحيه الموصل، فظفر به، وورد كتاب المعتضد بظفره به الى مدينه السلام يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الاول وكان سبب ظفره به انه وجه الحسين بن حمدان بن حمدون في جماعه من الفرسان والرجاله من اهل بيته وغيرهم من اصحابه اليه، وذكر ان الحسين بن حمدان قال للمعتضد: ان انا جئت به الى امير المؤمنين فلي ثلاث حوائج الى امير المؤمنين، فقال: اذكرها، قال: أولها اطلاق ابى، وحاجتان اساله إياهما بعد مجيئي به اليه فقال له المعتضد: لك ذلك فامض، فقال الحسين: احتاج الى ثلاثمائه فارس انتخبهم، فوجه المعتضد معه ثلاثمائه فارس مع موشكير، فقال: اريد ان يأمره امير المؤمنين الا يخالفني فيما آمره به، فامر المعتضد موشكير بذلك.
فمضى الحسين حتى انتهى الى مخاضه دجلة، فتقدم الى وصيف ومن معه بالوقوف على المخاضة، وقال له: ليس لهارون طريق ان هرب غير هذا، فلا تبرحن من هذا الموضع حتى يمر بك هارون، فتمنعه العبور، وأجيئك انا، او يبلغك انى قد قتلت ومضى حسين في طلب هارون فلقيه وواقعه، وكانت بينهما قتلى، وانهزم الشاري هارون، واقام وصيف على المخاضة ثلاثة ايام، فقال له اصحابه: قد طال مقامنا بهذا المكان القفر، وقد أضر ذلك بنا، ولسنا نامن ان يأخذ حسين الشاري فيكون الفتح له دوننا، والصواب ان نمضي في آثارهم، فاطاعهم ومضى وجاء هارون الشاري منهزما الى موضع المخاضة، فعبر، وجاء حسين في اثره، فلم ير وصيفا واصحابه بالموضع الذى تركهم فيه، ولا عرف لهارون خبرا، ولا راى له أثرا، وجعل يسال عن
стр. 5713
خبر هارون حتى وقف على عبوره، فعبر في اثره، وجاء الى حي من احياء العرب، فسألهم عنه فكتموه امره، فاراد ان يوقع بهم، واعلمهم ان المعتضد في اثره، فاعلموه انه اجتاز بهم، فاخذ بعض دوابهم، وترك دوابه عندهم- وكانت قد كلت واعيت- واتبع اثره، فلحقه بعد ايام والشاري في نحو من مائه، فناشده الشاري، وتوعده، فأبى الا محاربته، فحاربه، فذكر ان حسين ابن حمدان رمى بنفسه عليه، فابتدره اصحاب حسين فاخذوه، وجاء به الى المعتضد سلما بغير عقد ولا عهد، فامر المعتضد بحل قيود حمدان بن حمدون، والتوسعه عليه والاحسان اليه ان يقدم فيطلقه ويخلع عليه، فلما اسر الشاري، وصار في يد المعتضد، انصرف راجعا الى مدينه السلام، فوافاها لثمان بقين من شهر ربيع الاول، فنزل باب الشماسيه، وعبا الجيش هنالك، وخلع المعتضد على الحسين بن حمدان، وطوقه بطوق من ذهب، وخلع على جماعه من رؤساء اهله، وزين الفيل بثياب الديباج، واتخذ للشارى على الفيل كالمحفة، واقعد فيها، والبس دراعه ديباج، وجعل على راسه برنس حرير طويل.
ولعشر بقين من جمادى الاولى منها، امر المعتضد بالكتاب الى جميع النواحي برد الفاضل من سهام المواريث على ذوى الارحام، وابطال ديوان المواريث، وصرف عمالها، فنفذت الكتب بذلك، وقرئت على المنابر وفيها خرج عمرو بن الليث الصفار من نيسابور، فخالفه رافع بن هرثمة إليها، فدخلها وخطب بها لمحمد بن زيد الطالبي وابيه، فقال: اللهم اصلح الداعي الى الحق، فرجع عمرو الى نيسابور، فعسكر خارج المدينة، وخندق على عسكره لعشر خلون من شهر ربيع الآخر، فأقام محاصرا اهل نيسابور.
وفي يوم الاثنين لاربع خلون من جمادى الآخرة منها، وافى بغداد محمد ابن إسحاق بن كنداجيق وخاقان المفلحى ومحمد بن كمشجور المعروف ببندقه وبدر بن جف أخو طغج وابن حسنج في جماعه من القواد من مصر في الامان.
وذكر ان سبب مجيئهم الى المعتضد في الامان كان انهم أرادوا ان يفتكوا
стр. 5714
بجيش بن خمارويه بن احمد بن طولون، فسعى بهم اليه، وكان راكبا، وكانوا في موكبه، وعلموا انه قد وقف على امرهم، فخرجوا من يومهم وسلكوا البريه، وتركوا أموالهم وأهاليهم، فتاهوا أياما، ومات منهم جماعه من العطش، وخرجوا على طريق مكة فوق الكوفه بمرحلتين او ثلاثة ووجه السلطان محمد بن سليمان صاحب الجيش الى الكوفه حتى كتب اسماءهم، وأقيمت لهم الوظائف من الكوفه، فلما قربوا من بغداد، خرجت اليهم الوظائف والخيم والطعام، ووصلوا الى المعتضد يوم دخلوا، فخلع عليهم، وحمل كل قائد منهم على دابه بسرجه ولجامه، وخلع على الباقين، وكان عددهم ستين رجلا.
وفي يوم السبت لاربع عشره بقيت منها شخص الوزير عبيد الله بن سليمان الى الجبل لحرب ابن ابى دلف بأصبهان.
خبر حصر الصقالبه القسطنطينية
وفيها- فيما ذكر- ورد كتاب من طرسوس ان الصقالبه غزت الروم في خلق كثير، فقتلوا منهم وخربوا لهم قرى كثيره حتى وصلوا الى قسطنطينيه والجئوا الروم إليها، واغلقت أبواب مدينتهم، ثم وجه طاغيه الروم الى ملك الصقالبه ان ديننا ودينكم واحد، فعلام نقتل الرجال بيننا! فأجابه ملك الصقالبه ان هذا ملك آبائى، ولست منصرفا عنك الا بغلبه أحدنا صاحبه، فلما لم بحد ملك الروم خلاصا من صاحب الصقالبه، جمع من عنده من المسلمين، فأعطاهم السلاح، وسألهم معونته على الصقالبه، ففعلوا، وكشفوا الصقالبه، فلما راى ذلك ملك الروم خافهم على نفسه، فبعث اليهم فردهم، وأخذ منهم السلاح، وفرقهم في البلدان، حذرا من ان يجنوا عليه.
خلاف جند جيش بن خمارويه عليه
وللنصف من رجب من هذه السنه ورد الخبر من مصر ان الجند من المغاربه والبربر وثبوا على جيش بن خمارويه، وقالوا: لا نرضى بك أميرا علنيا فتنح عنا حتى نولي عمك، فكلمهم كاتبه على بن احمد الماذرائى، وسألهم ان ينصرفوا عنه يومهم ذلك، فانصرفوا وعادوا من غد، فعدا جيش على عمه الذى ذكروا انهم يؤمرونه، فضرب عنقه وعنق عم له آخر، ورمى بارؤسهما
стр. 5715
اليهم، فهجم الجند على جيش بن خمارويه، فقتلوه وقتلوا أمه وانتهبوا داره، وانتهبوا مصر وأحرقوها، واقعدوا هارون بن خمارويه مكان أخيه.
وفي رجب منها امر المعتضد بكرى دجيل والاستقصاء عليه، وقلع صخر في فوهته كان يمنع الماء، فجبى لذلك من ارباب الضياع والاقطاعات اربعه آلاف دينار، وكسر- فيما ذكر- وانفق عليه، وولى ذلك كاتب زيرك وخادم من خدم المعتضد.
ذكر الفداء بين المسلمين والروم
وفي شعبان منها، كان الفداء بين المسلمين والروم على يدي احمد بن طغان، وذكر ان الكتاب الوارد بذلك من طرسوس كان فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم:
اعلمك ان احمد بن طغان نادى في الناس يحضرون الفداء يوم الخميس لاربع خلون من شعبان سنه ثلاث وثمانين ومائتين، وانه قد خرج الى لامس- وهو معسكر المسلمين- يوم الجمعه لخمس خلون من شعبان، وامر الناس بالخروج معه في هذا اليوم، فصلى الجمعه، وركب من مسجد الجامع ومعه راغب ومواليه، وخرج معه وجوه البلد والموالي والقواد والمطوعة باحسن زي، فلم يزل الناس خارجين الى لامس الى يوم الاثنين لثمان خلون من شعبان، فجرى الفداء بين الفريقين اثنى عشر يوما، وكانت جمله من فودى به من المسلمين من الرجال والنساء والصبيان الفين وخمسمائة واربعه انفس، واطلق المسلمون يوم الثلاثاء لسبع بقين من شعبان سميون رسول ملك الروم، واطلق الروم فيه يحيى بن عبد الباقى رسول المسلمين المتوجه في الفداء، وانصرف الأمير ومن معه.
وخرج- فيما ذكر- احمد بن طغان بعد انصرافه من هذا الفداء في هذا الشهر في البحر، او خلف دميانه على عمله على طرسوس، ثم وجه بعده يوسف ابن الباغمردى على طرسوس ولم يرجع هو إليها
. ذكر امر المعتضد مع عمر بن عبد العزيز بن ابى دلف وأخيه بكر
وفي يوم الجمعه لعشر خلون من شهر رمضان من هذه السنه قرئ كتاب
стр. 5716
على المنبر بمدينه السلام في مسجد جامعها، بان عمر بن عبد العزيز بن ابى دلف صار الى بدر وعبيد الله بن سليمان في الامان يوم السبت لثلاث بقين من شعبان سامعا مطيعا منقادا لأمير المؤمنين، مذعنا بالطاعة والمصير معهما الى بابه، وان عبيد الله بن سليمان خرج اليه فتلقاه، وصار به الى مضرب بدر، فاخذ عليه وعلى اهل بيته واصحابه البيعه لأمير المؤمنين، وخلع عليه بدر وعلى الرؤساء من اهل بيته، وانصرفوا الى مضرب قد اعد لهم، وكان قبل ذلك قد دخل بكر بن عبد العزيز في الامان على بدر وعبيد الله بن سليمان، فولياه عمل أخيه عمر، على ان يخرج اليه ويحاربه، فلما دخل عمر في الامان قالا لبكر: ان اخاك قد دخل في طاعه السلطان، وانما كنا وليناك عمله على انه عاص، والان فأمير المؤمنين اعلى عينا فيما يرى من أمركما، فامضيا الى بابه.
وولى عيسى النوشرى أصبهان، واظهر انه من قبل عمر بن عبد العزيز، فهرب بكر بن عبد العزيز في اصحابه، فكتب بذلك الى المعتضد، فكتب الى بدر يأمره بالمقام بموضعه الى ان يعرف خبر بكر وما اليه يصير امره، فأقام وخرج الوزير عبيد الله بن سليمان الى ابى محمد على بن المعتضد بالري، ولحق بكر بن عبد العزيز بن ابى دلف بالاهواز، فوجه المعتضد في طلبه وصيفا موشكير، فخرج من بغداد في طلبه حتى بلغ حدود فارس، وقد كان لحقه- فيما ذكر- ولم يواقعه، وباتا، كل واحد منهما قريب من صاحبه، فارتحل بكر بالليل فلم يتبعه وصيف، ومضى بكر الى أصبهان، ورجع وصيف الى بغداد، فكتب المعتضد الى بدر يأمره بطلب بكر وعربه، فتقدم بدر الى عيسى النوشرى بذلك، فقال بكر بن عبد العزيز:
عنى ملامك ليس حين ملام ... هيهات احدث زائدا للوام
طارت غيايات الصبا عن مفرفى ... ومضى أوان شراستى وعرامى
стр. 5717
القى الأحبة بالعراق عصيهم ... وبقيت نصب حوادث الأيام
وتقاذفت بأخي النوى ورمت به ... مرمى البعيد قطيعه الارحام
وتشعب العرب الذين تصدعوا ... فذببت عن احسابهم بحسامى
فيه تماسك ما وهى من امرهم ... والسمر عند تصادم الأقوام
فلاقرعن صفاه دهر نابهم ... قرعا يهد رواسى الاعلام
ولاضربن الهام دون حريمهم ... ضرب القدار نقيعه القدام
ولاتركن الواردين حياضهم ... بقراره لمواطئ الاقدام
يا بدر انك لو شهدت مواقفى ... والموت يلحظ والصفاح دوامي
لذممت رأيك في اضاعه حرمتي ... ولضاق ذرعك في اطراح ذمامي
حركتنى بعد السكون وانما ... حركت من حصني جبال تهام
وعجمتنى فعجمت منى مرجما ... خشن المناكب كل يوم زحام
قل للأمير ابى محمد الذى ... يجلو بغرته دجى الاظلام
اسكنتنى ظل العلا فسكنته ... في عيشه رغد وعز نامى
حتى إذا حلئت عنه نابني ... ما نابني وتنكرت ايامى
فلأشكرن جميل ما أوليتني ... ما غردت في الأيك ورق حمام
هذا ابو حفص يدي وذخيرتي ... للنائبات وعدتى وسنامى
ناديته فأجابني، وهززته ... فهززت حد الصارم الصمصام
من رام ان يغضى الجفون على القذى ... او يستكين يروم غير مرام
ويخيم حين يرى الأسنة شرعا ... والبيض مصلته لضرب الهام
وقال بكر بن عبد العزيز يذكر هرب النوشرى من بين يديه ويعير وصيفا
стр. 5718
بالاحجام عنه ويتهدد بدرا:
قالت البيض قد تغير بكر ... وبدا بعد وصله منه هجر
ليس كالسيف مونس حين يعرو ... حادث معضل ويفدح امر
أوقدوا الحرب بيننا فاصطلوها ... ثم حاصوا، فأين منها المفر!
وبغوا شرنا فهذا أوان ... قد بدا شره ويتلوه شر
قد راى النوشرى لما التقينا ... من إذا اشرع الرماح يفر
جاء في قسطل لهام فصلنا ... صوله دونها الكماة تهر
ولواء الموشجير افضى إلينا ... رويت عند ذاك بيض وسمر
غر بدرا حلمي وفضل اناتى ... واحتمالي، وذاك مما يغر
سوف يأتينه شواذب قب ... لاحقات البطون جون وشقر
يتبارين كالسعالى عليها ... من بنى وائل اسود تكر
لست بكرا ان لم ادعهم حديثا ... ما سرى كوكب وماكر دهر.
[أخبار متفرقة]
وفي يوم الجمعه لسبع خلون من شوال من هذه السنه مات على بن محمد ابن ابى الشوارب، فحمل الى سامرا من يومه في تابوت، وكانت ولايته للقضاء على مدينه ابى جعفر سته اشهر.
وفي يوم الاثنين لاربع بقين من شوال منها دخل بغداد عمر بن عبد العزيز بن ابى دلف قادما من أصبهان، فامر المعتضد- فيما ذكر- القواد باستقباله، فاستقبله القاسم بن عبيد الله والقواد، وقعد له المعتضد، فوصل اليه، وخلع عليه، وحمله على دابه بسرج ولجام محلى بذهب، وخلع معه على ابنين له وعلى ابن أخيه احمد بن عبد العزيز وعلى نفسين من قواده، وانزل في الدار التي كانت لعبيد الله بن عبد الله عند راس الجسر، وكانت قد فرشت له.
وفي هذه السنه قرئ على القواد في دار المعتضد كتاب ورد من عمرو بن
стр. 5719
الليث الصفار، بانه واقع رافع بن هرثمة وهزمه، وانه مر هاربا، وانه على ان يتبعه.
وكانت الوقعه لخمس بقين من شهر رمضان، وقرئ الكتاب يوم الثلاثاء لاثنتى عشره خلت من ذي القعده.
وفي يوم الأحد لثلاث عشره بقيت من ذي القعده، وردت خريطة- فيما ذكر- من عمرو بن الليث على المعتضد، وهو في الحلبه، فانصرف الى دار العامه، وقرئ الكتاب على القواد من عمرو بن الليث يخبر فيه انه وجه في اثر رافع بعد الهزيمة محمد بن عمرو البلخى مع قائد آخر من قواده، وقد كان رافع صار الى طوس فواقعوه، فانهزم واتبعوا اثره، فلحق بخوارزم، فقتل بخوارزم فأرسل بخاتمه مع الكتاب، وذكر انه قد حمل الرسول في امر الراس ما يخبر به السلطان.
وفي يوم الجمعه لثمان بقين من ذي القعده منها قرئت الكتب على المنابر بقتل رافع بن هرثمة.
стр. 5720
ثم دخلت
سنه اربع وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث الجليلة
فمن ذلك ما كان من قدوم رسول عمرو بن الليث الصفار برأس رافع بن هرثمة في يوم الخميس لاربع خلون من المحرم على المعتضد، فامر بنصبه في المجلس بالجانب الشرقى الى الظهر، ثم تحويله الى الجانب الغربي، ونصبه هنالك الى الليل، ثم رده الى دار السلطان وخلع على الرسول وقت وصوله الى المعتضد بالراس.
وفي يوم الخميس لسبع خلون من صفر كانت ملحمه بين راغب ودميانه بطرسوس، وكان سبب ذلك- فيما ذكر- ان راغبا مولى الموفق ترك الدعاء لخمارويه بن احمد، ودعا لبدر مولى المعتضد، فوقع بينه وبين احمد بن طغان الخلاف، فلما انصرف ابن طغان من الفداء الذى كان في سنه ثلاث وثمانين ومائتين ركب البحر ولم يدخل طرسوس، ومضى وخلف دميانه للقيام بأمر طرسوس، فلما كان في صفر من هذه السنه، وجه يوسف بن الباغمردى ليخلفه على طرسوس، فلما دخلها وقوى به دميانه، كرهوا ما يفعله راغب من الدعاء لبدر، فوقعت بينهم الفتنة، وظفر بهم راغب، فحمل دميانه وابن الباغمردى وابن اليتيم مقيدين الى المعتضد.
ولعشر بقين من صفر في يوم الاثنين من هذه السنه وردت خريطة من الجبل، بان عيسى النوشرى اوقع ببكر بن عبد العزيز بن ابى دلف في حدود أصبهان، فقتل رجاله، واستباح عسكره، وافلت في نفر يسير.
وفي يوم الخميس لاربع عشره خلت من شهر ربيع الاول منها، خلع على ابى عمر يوسف بن يعقوب، وقلد قضاء مدينه ابى جعفر المنصور مكان على ابن محمد بن ابى الشوارب، وقضاء قطر بل ومسكن وبزرجسابور
стр. 5721
والرذانين وقعد للخصوم في هذا اليوم في المسجد الجامع، ومكثت مدينه ابى جعفر من لدن مات ابن ابى الشوارب الى ان وليها ابو عمر بغير قاض، وذلك خمسه اشهر واربعه ايام.
وفي يوم الأربعاء لثلاث عشره خلت منه في هذه السنه، أخذ خادم نصرانى لغالب النصراني متطبب السلطان يقال له وصيف، فرفع الى الحبس، وشهد عليه انه شتم النبي ص فحبس، ثم اجتمع من غد هذا اليوم ناس من العامه بسبب هذا الخادم، فصاحوا بالقاسم بن عبيد الله، وطالبوه باقامه الحد عليه بسبب ما شهد عليه، فلما كان يوم الأحد لثلاث عشره بقيت منه اجتمع اهل باب الطاق الى قنطره البردان وما يليها من الاسواق، وتداعوا، ومضوا الى باب السلطان، فلقيهم ابو الحسين ابن الوزير، فصاحوا به، فاعلمهم انه قد انهى خبره الى المعتضد، فكذبوه واسمعوه ما كره، ووثبوا باعوانه ورجاله حتى هربوا منهم، ومضوا الى دار المعتضد بالثريا، فدخلوا من الباب الاول والثانى فمنعوا من الدخول، فوثبوا على من منعهم، فخرج اليهم من سألهم عن خبرهم، فاخبروه فكتب به الى المعتضد، فادخل اليه منهم جماعه، وسألهم عن الخبر فذكروه له، فأرسل معهم خفيفا السمرقندي الى يوسف القاضى، وتقدم الى خفيف ان يأمر يوسف بالنظر في امر الخادم، وان ينهى اليه ما يقف عليه من امره، فمضى معهم خفيف الى يوسف، فكادوا يقتلونه ويقتلون يوسف لما دخلوا عليه مما ازدحموا، حتى افلت يوسف منهم، ودخل بابا واغلقه دونهم، ولم يكن بعد ذلك للخادم ذكر، ولا كان للعامه في امره اجتماع.
[أخبار متفرقة]
وفي هذا الشهر من هذه السنه قدم- فيما ذكر- قوم من اهل طرسوس على السلطان يسالونه ان يولى عليهم وال، ويذكرون ان بلدهم بغير وال، وكانت طرسوس قبل في يدي ابن طولون، فأساء اليهم، فاخرجوا عامله عن البلد، وراسلهم في ذلك، ووعدهم الاحسان، فأبوا ان يتركوا له
стр. 5722
غلاما يدخل بلدهم، وقالوا: من جاءنا من قبلك حاربناه، فكف عنهم.
وفي يوم الخميس لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة- فيما ذكر- ظهرت ظلمه بمصر، وحمره في السماء شديده، حتى كان الرجل ينظر الى وجه الآخر، فيراه احمر، وكذلك الحيطان وغير ذلك، ومكثوا كذلك من العصر الى العشاء الآخرة، وخرج الناس من منازلهم يدعون الله ويتضرعون اليه.
وفي يوم الأربعاء لثلاث خلون من جمادى الاولى، ولإحدى عشره ليله خلت من حزيران، نودى في الارباع والاسواق ببغداد بالنهى عن وقود النيران ليله النيروز، وعن صب الماء في يومه، ونودى بمثل ذلك في يوم الخميس، فلما كان عشيه يوم الجمعه نودى على باب سعيد بن يكسين صاحب الشرطه بالجانب الشرقى من مدينه السلام، بان امير المؤمنين قد اطلق للناس في وقود النيران وصب الماء، ففعلت العامه من ذلك ما جاوز الحد، حتى صبوا الماء على اصحاب الشرطه في مجلس الجسر- فيما ذكر.
وفيها اغريت العامه بالصياح بمن رأوا من الخدم السود: يا عقيق، فكانوا يغضبون من ذلك، فوجه المعتضد خادما اسود عشيه الجمعه برقعة الى ابن حمدون النديم، فلما بلغ الخادم راس الجسر من الجانب الشرقى صاح به صائح من العامه: يا عقيق! فشتم الخادم الصائح، وقنعه، فاجتمعت جماعه من العامه على الخادم فنكسوه وضربوه، وضاعت الرقعة التي كانت معه فرجع الى السلطان فاخبره بما صنع به، فامر المعتضد طريفا المخلدي الخادم بالركوب والقبض على كل من تولع بالخدم وضربه بالسياط فركب طريف يوم السبت لثلاث عشره خلت من جمادى الاولى في جماعه من الفرسان والرجاله، وقدم بين يديه خادما اسود، فصار الى باب الطاق لما امر به من القبض على من صاح بالخادم: يا عقيق، فقبض فيما ذكر بباب الطابق على سبعه انفس، ذكر ان بعضهم كان بزيا، فضربوا بالسياط في مجلس الشرطه
стр. 5723
بالجانب الشرقى وعبر طريف فمضى الى الكرخ، ففعل مثل ذلك، وأخذ خمسه انفس فضربهم في مجلس الشرطه بالشرقيه، وحمل الجميع على جمال، ونودى عليهم: هذا جزاء من اولع بخدم السلطان، وصاح بهم: يا عقيق، وحبسوا يومهم، وأطلقوا بالليل.
وفي هذه السنه عزم المعتضد بالله على لعن معاويه بن ابى سفيان على المنابر، وامر بإنشاء كتاب بذلك يقرا على الناس، فخوفه عبيد الله بن سليمان بن وهب اضطراب العامه، وانه لا يامن ان تكون فتنه، فلم يلتفت الى ذلك من قوله.
وذكر ان أول شيء بدا به المعتضد حين اراد ذلك الأمر بالتقدم الى العامه بلزوم اعمالهم، وترك الاجتماع والقضية والشهادات عند السلطان، الا ان يسألوا عن شهاده ان كانت عندهم، وبمنع القصاص من القعود على الطرقات، وعملت بذلك نسخ قرئت بالجانبين بمدينه السلام في الارباع والمحال والاسواق، فقرئت يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الاولى من هذه السنه، ثم منع يوم الجمعه لاربع بقين منها القصاص من القعود في الجامعين، ومنع اهل الحلق في الفتيا او غيرهم من القعود في المسجدين، ومنع الباعه من القعود في رحابهما.
وفي جمادى الآخرة نودى في المسجد الجامع بنهي الناس عن الاجتماع على قاص او غيره، ومنع القصاص واهل الحلق من القعود.
وفي يوم الحادي عشر- وذلك يوم الجمعه- نودى في الجامعين بان الذمة بريه ممن اجتمع من الناس على مناظره او جدل، وان من فعل ذلك أحل بنفسه الضرب، وتقدم الى الشراب والذين يسقون الماء في الجامعين الا يترحموا على معاويه، ولا يذكروه بخير.
ذكر كتاب المعتضد في شان بنى اميه
وتحدث الناس ان الكتاب الذى امر المعتضد بانشائه بلعن معاويه يقرا بعد صلاه الجمعه على المنبر، فلما صلى الناس الجمعه بادروا الى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب فلم يقرا.
فذكر ان المعتضد امر باخراج الكتاب الذى كان المأمون امر بانشائه بلعن
стр. 5724
معاويه، فاخرج له من الديوان، فاخذ من جوامعه نسخه هذا الكتاب، وذكر انها نسخه الكتاب الذى أنشئ للمعتضد بالله:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العلى العظيم، الحليم الحكيم، العزيز الرحيم، المنفرد بالوحدانية، الباهر بقدرته، الخالق بمشيئته وحكمته، الذى يعلم سوابق الصدور، وضمائر القلوب، لا يخفى عليه خافية، ولا يغرب عنه مثقال ذره في السموات العلا، ولا في الارضين السفلى، قد احاط بكل شيء علما، واحصى كل شيء عددا، وضرب لكل شيء أمدا، وهو العليم الخبير والحمد لله الذى برا خلقه لعبادته، وخلق عباده لمعرفته، على سابق علمه في طاعه مطيعهم، وماضى امره في عصيان عاصيهم، فبين لهم ما يأتون وما يتقون، ونهج لهم سبل النجاة، وحذرهم مسالك الهلكة، وظاهر عليهم الحجه، وقدم اليهم المعذرة، واختار لهم دينه الذى ارتضى لهم، واكرمهم به، وجعل المعتصمين بحبله والمتمسكين بعروته أولياءه واهل طاعته، والعاندين عنه والمخالفين له اعداءه واهل معصيته، ليهلك من هلك عن بينه، ويحيا من حي عن بينه، وان الله لسميع عليم والحمد لله الذى اصطفى محمدا رسوله من جميع بريته، واختاره لرسالته، وابتعثه بالهدى والدين المرتضى الى عباده اجمعين، وانزل عليه الكتاب المبين المستبين، وتاذن له بالنصر والتمكين، وايده بالعز والبرهان المتين، فاهتدى به من اهتدى، واستنقذ به من استجاب له من العمى، وأضل من ادبر وتولى، حتى اظهر الله امره، وأعز نصره، وقهر من خالفه، وانجز له وعده، وختم به رسله، وقبضه مؤديا لأمره، مبلغا لرسالته، ناصحا لامته، مرضيا مهتديا الى اكرم مآب المنقلبين، واعلى منازل انبيائه المرسلين، وعباده الفائزين، فصلى الله عليه افضل صلاه وأتمها، وأجلها وأعظمها، وأزكاها وأطهرها، وعلى آله الطيبين.
والحمد لله الذى جعل امير المؤمنين وسلفه الراشدين المهتدين ورثه
стр. 5725
خاتم النبيين وسيد المرسلين والقائمين بالدين، والمقومين لعباده المؤمنين، والمستحفظين ودائع الحكمه، ومواريث النبوه، والمستخلفين في الامه، والمنصورين بالعز والمنعه، والتأييد والغلبه، حتى «يظهر الله دينه عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.» *
وقد انتهى الى امير المؤمنين ما عليه جماعه من العامه من شبهه قد دخلتهم في اديانهم، وفساد قد لحقهم في معتقدهم، وعصبية قد غلبت عليها اهواؤهم، ونطقت بها السنتهم، على غير معرفه ولا رويه، وقلدوا فيها قاده الضلالة بلا بينه ولا بصيره، وخالفوا السنن المتبعه، الى الأهواء المبتدعه، قال قَالَ الله : «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ، خروجا عن الجماعه، ومسارعه الى الفتنة وإيثارا للفرقة، وتشتيتا للكلمة وإظهارا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة، وبتر منه العصمة، واخرجه من الملة، واوجب عليه اللعنه، وتعظيما لمن صغر الله حقه، واوهن امره، واضعف ركنه، من بنى اميه الشجرة الملعونه، ومخالفه لمن استنقذهم الله به من الهلكة، واسبغ عليهم به النعمه، من اهل بيت البركه والرحمه، قال الله : «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ*» فأعظم امير المؤمنين ما انتهى اليه من ذلك، وراى في ترك إنكاره حرجا عليه في الدين، وفسادا لمن قلده الله امره من المسلمين، وإهمالا لما أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين وتبصير الجاهلين، واقامه الحجه على الشاكين، وبسط اليد على العاندين.
وامير المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس بان الله لما ابتعث محمدا بدينه، وامره ان يصدع بامره، بدا باهله وعشيرته، فدعاهم الى ربه، وانذرهم وبشرهم، ونصح لهم وارشدهم، فكان من استجاب له وصدق قوله واتبع امره نفر يسير من بنى ابيه، من بين مؤمن بما اتى به من ربه، وبين ناصر له وان لم يتبع دينه، إعزازا له، وإشفاقا عليه، لماضى علم الله
стр. 5726
فيمن اختار منهم، ونفذت مشيئته فيما يستودعه اياه من خلافته وارث نبيه، فمؤمنهم مجاهد بنصرته وحميته، يدفعون من نابذه، وينهرون من عاره وعانده، ويتوثقون له ممن كانفه وعاضده، ويبايعون له من سمح بنصرته، ويتجسسون له اخبار اعدائه، ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له براى العين، حتى بلغ المدى، وحان وقت الاهتداء، فدخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله، والايمان به، باثبت بصيره، واحسن هدى ورغبه، فجعلهم الله اهل بيت الرحمه، واهل بيت الدين- «اذهب عنهم الرجس وطهرهم تَطْهِيراً» - ومعدن الحكمه، وورثه النبوه وموضع الخلافه، واوجب لهم الفضيلة، والزم العباد لهم الطاعة.
وكان ممن عانده ونابذه، وكذبه وحاربه من عشيرته، العدد الأكثر، والسواد الأعظم، يتلقونه بالتكذيب والتثريب، ويقصدونه بالأذية والتخويف، ويبادونه بالعداوة، وينصبون له المحاربة، ويصدون عنه من قصده، وينالون بالتعذيب من اتبعه واشدهم في ذلك عداوة واعظمهم له مخالفه، واولهم في كل حرب ومناصبه، لا يرفع على الاسلام رايه الا كان صاحبها وقائدها ورئيسها، في كل مواطن الحرب، من بدر واحد والخندق والفتح ابو سفيان بن حرب واشياعه من بنى اميه، الملعونين في كتاب الله، ثم الملعونين على لسان رسول الله في عده مواطن، وعده مواضع، لماضى علم الله فيهم وفي امرهم، ونفاقهم وكفر أحلامهم، فحارب مجاهدا، ودافع مكابدا، واقام منابذا حتى قهره السيف، وعلا امر الله وهم كارهون، فتقول بالإسلام غير منطو عليه، واسر الكفر غير مقلع عنه، فعرفه بذلك رسول اللَّه ﷺ والمسلمون، وميز له المؤلفه قلوبهم، فقبله وولده على علم منه، فمما لعنهم الله به على لسان نبيه ص، وانزل به كتابا قوله:
стр. 5727
«وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً» ولا اختلاف بين احد انه اراد بها بنى اميه.
[ومنه قول الرسول ع وقد رآه مقبلا على حمار ومعاويه يقود به ويزيد ابنه يسوق به: لعن الله القائد والراكب والسائق] ومنه ما يرويه الرواه من قوله:
يا بنى عبد مناف تلقفوها تلقف الكره، فما هناك جنه ولا نار وهذا كفر صراح يلحقه به اللعنه من الله كما لحقت «الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ» ومنه ما يروون من وقوفه على ثنية احد بعد ذهاب بصره، وقوله لقائده: هاهنا ذببنا محمدا واصحابه ومنه الرؤيا التي رآها النبي ص فوجم لها، فما رئى ضاحكا بعدها، فانزل الله: «وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ» ، فذكروا انه راى نفرا من بنى اميه ينزون على منبره ومنه طرد رسول الله ﷺ الحكم بن ابى العاص لحكايته اياه، والحقه الله بدعوه رسوله آيه باقيه حين رآه يتخلج، فقال له: كن كما أنت، فبقى على ذلك سائر عمره، الى ما كان من مروان في افتتاحه أول فتنه كانت في الاسلام، واحتقابه لكل دم حرام سفك فيها او أريق بعدها.
ومنه ما انزل الله على نبيه في سوره القدر: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» ، من ملك بنى اميه [ومنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دعا بمعاويه ليكتب بامره بين يديه، فدافع بامره، واعتل بطعامه، فقال النبي: لا اشبع الله بطنه، فبقى لا يشبع،] ويقول: والله ما اترك الطعام شبعا، ولكن اعياء [ومنه ان رسول الله ص قال: يطلع من هذا الفج رجل من امتى يحشر على غير ملتي، فطلع معاويه] [ومنه ان رسول الله ص، قال: إذا رايتم معاويه على منبري فاقتلوه] [ومنه الحديث المرفوع المشهور انه قال: ان معاويه في تابوت من نار في اسفل
стр. 5728
درك منها ينادى: يا حنان يا منان، الان وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين.
] ومنه انبراؤه بالمحاربة لافضل المسلمين في الاسلام مكانا، واقدمهم اليه سبقا، واحسنهم فيه أثرا وذكرا، على بن ابى طالب، ينازعه حقه بباطله، ويجاهد انصاره بضلاله وغواته، ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه، من إطفاء نور الله وجحود دينه، و «يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ المشركون» .
يستهوى اهل الغباوة، ويموه على اهل الجهاله بمكره وبغيه، [الذين قدم رسول الله ص الخبر عنهما، فقال لعمار: تقتلك الفئة الباغيه تدعوهم الى الجنه ويدعونك الى النار،] مؤثرا للعاجلة، كافرا بالآجلة، خارجا من ربقه الاسلام، مستحلا للدم الحرام، حتى سفك في فتنته، وعلى سبيل ضلالته ما لا يحصى عدده من خيار المسلمين الذابين عن دين الله والناصرين لحقه، مجاهدا لله، مجتهدا في ان يعصى الله فلا يطاع، وتبطل احكامه فلا تقام، ويخالف دينه فلا يدان وان تعلو كلمه الضلالة، وترتفع دعوه الباطل، وكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، ودينه المنصور، وحكمه المتبع النافذ، وامره الغالب، وكيد من حاده المغلوب الداحض، حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما اتبعها، وتطوق تلك الدماء وما سفك بعدها، وسن سنن الفساد التي عليه إثمها واثم من عمل بها الى يوم القيامه، وأباح المحارم لمن ارتكبها، ومنع الحقوق أهلها، واغتره الاملاء، واستدرجه الامهال، «والله له بالمرصاد» .
ثم مما اوجب الله له به اللعنه، قتله من قتل صبرا من خيار الصحابه والتابعين واهل الفضل والديانه، مثل عمرو بن الحمق وحجر بن عدى، فيمن قتل من أمثالهم، في ان تكون له العزه والملك والغلبه، ولله العزه والملك والقدره، والله يقول: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً.»
ومما استحق به اللعنه من الله ورسوله ادعاؤه زياد بن سميه، جراه على الله، والله يقول: «ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ» [وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 5729
عليه وسلم، يقول: ملعون من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى الى غير مواليه،] [ويقول: الولد للفراش وللعاهر الحجر،] فخالف حكم الله وسنه نبيه ص جهارا، وجعل الولد لغير الفراش، والعاهر لا يضره عهره، فادخل بهذه الدعوة من محارم الله ومحارم رسوله في أم حبيبه زوجه النبي ص وفي غيرها من سفور وجوه ما قد حرمه الله، واثبت بها قربى قد باعدها الله، وأباح بها ما قد حظره الله، مما لم يدخل على الاسلام خلل مثله، ولم ينل الدين تبديل شبهه.
ومنه إيثاره بدين الله، ودعاؤه عباد الله الى ابنه يزيد المتكبر الخمير، صاحب الديوك والفهود والقرود، واخذه البيعه له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهدد والرهبه، وهو يعلم سفهه ويطلع على خبثه ورهقه، ويعاين سكرانه وفجوره وكفره فلما تمكن منه ما مكنه منه، ووطأة له، وعصى الله ورسوله فيه، طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين، فاوقع باهل الحره الوقيعه التي لم يكن في الاسلام اشنع منها ولا افحش، مما ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عبد نفسه وغليله، وظن ان قد انتقم من أولياء الله، وبلغ النوى لأعداء الله، فقال مجاهرا بكفره ومظهرا لشركه:
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا القوم من ساداتكم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل
فأهلوا واستهلوا فرحا ... ثم قالوا: يا يزيد لا تسل
لست من خندف ان لم انتقم ... من بنى احمد ما كان فعل
ولعت هاشم بالملك فلا ... خبر جاء، ولا وحى نزل
هذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع الى الله ولا الى دينه ولا الى كتابه ولا الى رسوله، ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عند الله ثم من اغلظ ما انتهك، واعظم ما اخترم سفكه دم الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ
стр. 5730
وابن فاطمه بنت رسول الله.
ص مع موقعه من رسول الله ﷺ ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل، وشهاده رسول الله ص له ولأخيه بسيادة شباب اهل الجنه، اجتراء على الله، وكفرا بدينه، وعداوة لرسوله، ومجاهده لعترته، واستهانة بحرمته، فكأنما يقتل به وباهل بيته قوما من كفار اهل الترك والديلم، لا يخاف من الله نقمه، ولا يرقب منه سطوه، فبتر الله عمره، واجتث اصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، واعد له من عذابه وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته.
هذا الى ما كان من بنى مروان من تبديل كتاب الله وتعطيل احكامه، واتخاذ مال الله دولا بينهم، وهدم بيته، واستحلال حرامه، ونصبهم المجانيق عليه، ورميهم اياه بالنيران، لا يألون له إحراقا وإخرابا، ولما حرم الله منه استباحه وانتهاكا، ولمن لجأ اليه قتلا وتنكيلا، ولمن امنه الله به اخافه وتشريدا، حتى إذا حقت عليهم كلمه العذاب، واستحقوا من الله الانتقام، وملئوا الارض بالجور والعدوان، وعموا عباد الله بالظلم والاقتسار، وحلت عليهم السخطه، ونزلت بهم من الله السطوة، اتاح الله لهم من عتره نبيه، واهل وراثته من استخلصهم منهم بخلافته، مثل ما اتاح الله من أسلافهم المؤمنين وآبائهم المجاهدين لاوائلهم الكافرين، فسفك الله بهم دماءهم مرتدين، كما سفك بابائهم دماء آباء الكفره المشركين، وقطع الله دابر القوم الظالمين، والحمد لله رب العالمين ومكن الله المستضعفين، ورد الله الحق الى اهله المستحقين، كما قال جل شانه: «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.
» واعلموا ايها الناس، ان الله انما امر ليطاع، ومثل ليتمثل، وحكم ليقبل، والزم الأخذ بسنه نبيه ص ليتبع، وان كثيرا ممن ضل فالتوى، وانتقل من اهل الجهاله والسفاه ممن اتخذوا احبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وقد قال الله : «فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ»
стр. 5731
فانتهوا معاشر الناس عما يسخط الله عليكم، وراجعوا ما يرضيه عنكم، وارضوا من الله بما اختار لكم، والزموا ما امركم به، وجانبوا ما نهاكم عنه، واتبعوا الصراط المستقيم، والحجه البينه، والسبل الواضحه، واهل بيت الرحمه، الذين هداكم الله بهم بديئا، واستنقذكم بهم من الجور والعدوان أخيرا، واصاركم الى الخفض والأمن والعز بدولتهم، وشملكم الصلاح في اديانكم ومعايشكم في ايامهم، والعنوا من لعنه الله ورسوله، وفارقوا من لا تنالون القربه من الله الا بمفارقته.
اللهم العن أبا سفيان بن حرب، ومعاويه ابنه، ويزيد بن معاويه، ومروان بن الحكم وولده، اللهم العن ائمه الكفر، وقاده الضلالة، وأعداء الدين، ومجاهدى الرسول، ومغيرى الأحكام، ومبدلي الكتاب، وسفاكى الدم الحرام.
اللهم انا نتبرأ إليك من موالاه اعدائك، ومن الاغماض لأهل معصيتك، كما قلت: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
» يايها الناس، اعرفوا الحق تعرفوا اهله، وتأملوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها، فانه انما يبين عن الناس اعمالهم، ويلحقهم بالضلال والصلاح آباؤهم، فلا يأخذكم في الله لومه لائم، ولا يميلن بكم عن دين الله استهواء من يستهويكم وكيد من يكيدكم، وطاعه من تخرجكم طاعته الى معصية ربكم.
ايها الناس، بنا هداكم الله، ونحن المستحفظون فيكم، امر الله ونحن ورثه رسول الله والقائمون بدين الله، فقفوا عند ما نقفكم عليه، وانفذوا لما نأمركم به، فإنكم ما أطعتم خلفاء الله وائمه الهدى على سبيل الايمان والتقوى، وامير المؤمنين يستعصم الله لكم، ويسأله توفيقكم، ويرغب الى الله في هدايتكم لرشدكم، وفي حفظ دينه عليكم، حتى تلقوه به مستحقين طاعته، مستحقبين لرحمته، والله حسب امير المؤمنين فيكم، وعليه توكله، وبالله على ما قلده من أموركم استعانته، ولا حول لأمير المؤمنين ولا قوه الا بالله والسلام عليكم.
وكتب ابو القاسم عبيد الله بن سليمان في سنه اربع وثمانين ومائتين
стр. 5732
وذكر ان عبيد الله بن سليمان احضر يوسف بن يعقوب القاضى، وامره ان يعمل الحيله في ابطال ما عزم عليه المعتضد، فمضى يوسف بن يعقوب، فكلم المعتضد في ذلك، وقال له: يا امير المؤمنين، انى اخاف ان تضطرب العامه، ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركه فقال: ان تحركت العامه او نطقت وضعت سيفي فيها، فقال: يا امير المؤمنين، فما تصنع بالطالبين الذين هم في كل ناحيه يخرجون، ويميل اليهم كثير من الناس لقرابتهم من الرسول وماثرهم، وفي هذا الكتاب اطراؤهم، او كما قال، وإذا سمع الناس هذا كانوا اليهم اميل، وكانوا هم ابسط السنه، واثبت حجه منهم اليوم فامسك المعتضد فلم يرد عليه جوابا، ولم يأمر في الكتاب بعده بشيء.
[أخبار متفرقة]
وفي يوم الجمعه لاربع عشره بقيت من رجب منها شخص جعفر بن بغلاغز الى عمرو بن الليث الصفار وهو بنيسابور بخلع ولواء لولايته على الري وهدايا من قبل المعتضد.
وفي هذه السنه لحق بكر بن عبد العزيز بن ابى دلف بمحمد بن زيد العلوي بطبرستان، فأقام بدر وعبيد الله بن سليمان ينتظران امر بكر الام يؤول وعلى اصلاح الجبل.
وفيها- فيما ذكر- فتحت من بلاد الروم قره، على يد راغب مولى الموفق وابن كلوب، وذلك في يوم الجمعه من رجب.
وفي ليله الأربعاء لاثنتى عشره خلت من شعبان- او ليله الخميس فيما ذكر- ظهر شخص انسان في يده سيف في دار المعتضد بالثريا، فمضى اليه بعض الخدم لينظر ما هو، فضربه الشخص بالسيف ضربه قطع بها منطقته، ووصل السيف الى بدن الخادم، ورجع الخادم منصرفا عنه هاربا، ودخل الشخص في زرع في البستان، فتوارى فيه، فطلب باقى ليلته ومن غد، فلم يوقف له على اثر، فاستوحش المعتضد لذلك، وكثر الناس في امره رجما
стр. 5733
بالظنون، حتى قالوا: انه من الجن، ثم عاد هذا الشخص للظهور بعد ذلك مرارا كثيره، حتى وكل المعتضد بسور داره، واحكم السور وراسه، وجعل عليه كالبرابخ، لئلا يقع عليه الكلاب ان رمى به، وجيء باللصوص من الحبس ونوظروا في ذلك، وهل يمكن احد الدخول اليه بنقب او تسلق.
وفي يوم السبت لثمان بقين من شعبان من هذه السنه، وجه كرامة بن مر من الكوفه بقوم مقيدين، ذكر انهم من القرامطة، فأقروا على ابى هاشم بن صدقه الكاتب انه كان يكاتبهم، وانه احد رؤسائهم، فقبض على ابى هاشم، وقيد وحبس في المطامير.
وفي يوم السبت لسبع خلون من شهر رمضان من هذه السنه جمع المجانين والمعزمون، ومضى بهم الى دار المعتضد في الثريا بسبب الشخص الذى كان يظهر له، فادخلوا الدار، وصعد المعتضد عليه له، فأشرف عليهم، فلما رآهم صرعت امراه كانت معهم من المجانين واضطربت، وتكشفت، فضجر وانصرف عنهم، ووهب لكل واحد منهم خمسه دراهم- فيما ذكر- وصرفوا.
وقد كان وجه الى المعزمين قبل ان يشرف عليهم من يسألهم عن خبر الشخص الذى ظهر له: هل يمكنهم ان يعلموا علمه؟ فذكر قوم منهم انهم يعزمون على بعض المجانين، فإذا سقط سال الجنى عن خبر ذلك الشخص وما هو، فلما راى المرأة التي صرعت امر بصرفهم وفي ذي القعده منها ورد الخبر من أصبهان، بوثوب الحارث بن عبد العزيز ابن ابى دلف المعروف بابى ليلى بشفيع الخادم الموكل كان به فقتله، وكان اخوه عمر بن عبد العزيز بن ابى دلف اخذه فقيده، وحمله الى قلعه لال ابى دلف بالزز، فحبسه فيها، وكان كل ما لال ابى دلف من مال ومتاع نفيس وجوهر في القلعة، وشفيع مولاهم موكل بحفظ ذلك وحفظ القلعة، ومعه جماعه من غلمان عمر وخاصته، فلما استامن عمر الى السلطان، وهرب بكر عاصيا للسلطان بقيت القلعة بما فيها في يد شفيع، فكلمه ابو ليلى في اطلاقه فأبى، وقال: لا افعل فيك وفيما في يدي الا بما يأمرني به عمر.
فذكر عن جاريه لأبي ليلى انها قالت: كان مع ابى ليلى في الحبس غلام
стр. 5734
صغير يخدمه، وآخر يخرج ويدخل في حوائجه ولا يبيت عنده، ويبيت عنده الغلام الصغير، فقال ابو ليلى لغلامه الذى يخرج في حوائجه: احتل لي في مبرد تدخله الى، ففعل وادخله في شيء من طعامه وكان شفيع الخادم يجيء في كل ليله إذا اراد ان ينام الى البيت الذى فيه ابو ليلى حتى يراه، ثم يقفل عليه باب البيت هو بيده ويمضى فينام، وتحت فراشه سيف مسلول وكان ابو ليلى قد سال ان تدخل اليه جاريه، فادخلت اليه جاريه حدثه السن، فذكر عن ذلفاء جاريه ابى ليلى عن هذه الجاريه انها قالت: برد ابو ليلى المسمار الذى في القيد، حتى كان يخرجه من رجله إذا شاء قالت: وجاء شفيع الخادم عشيه من العشايا الى ابى ليلى، فقعد معه يحدثه، فسأله ابو ليلى ان يشرب معه اقداحا، ففعل، ثم قام الخادم لحاجته قالت: فأمرني ابو ليلى، ففرشت فراشه، فجعل عليه ثيابا في موضع الإنسان من الفراش، وغطى على الثياب باللحاف، وأمرني ان اقعد عند رجل الفراش، وقال لي: إذا جاء شفيع لينظر الى ويقفل الباب، فسألك عنى فقولي: هو نائم وخرج ابو ليلى من البيت، فاختفى في جوف فرش ومتاع في صفه فيها باب هذا البيت، وجاء شفيع فنظر الى الفراش، وسال الجاريه فاخبرته انه قد نام، فاقفل الباب، فلما نام الخادم ومن معه في الدار التي في القلعة خرج ابو ليلى، فاخذ السيف من تحت فراش شفيع، وشد عليه فقتله، فوثب الغلمان الذين كانوا ينامون حوله فزعين، فاعتزلهم ابو ليلى والسيف في يده، وقال لهم: انا ابو ليلى قد قتلت شفيعا، ولئن تقدم الى منكم احد لاقتلنه وأنتم آمنون، فاخرجوا من الدار حتى أكلمكم بما اريد، ففتحوا باب القلعة، وخرجوا، وجاء حتى قعد على باب القلعة، واجتمع الناس ممن كان في القلعة، فكلمهم ووعدهم الاحسان، وأخذ عليهم الايمان فلما اصبح نزل من القلعة، ووجه الى الأكراد واهل الزموم، فجمعهم واعطاهم، وخرج مخالفا على السلطان وقيل ان قتله الخادم كان في ليله السبت لاثنتى عشره بقيت من ذي القعده من هذه السنه، وقيل: انه ذبح الخادم ذبحا
стр. 5735
بسكين كان أدخلها اليه غلامه، ثم أخذ السيف من تحت فراش الخادم وقام به الى الغلمان.
وفي هذه السنه- وهي سنه اربع وثمانين ومائتين- كان المنجمون يوعدون الناس بغرق اكثر الأقاليم، وان إقليم بابل لا يسلم منه الا اليسير، وان ذلك يكون بكثرة الامطار وزياده المياه في الانهار والعيون والابار، فقحط الناس فيها فلم يروا فيها من المطر الا اليسير، وغارت المياه في الانهار، والعيون والابار، حتى احتاج الناس الى الاستسقاء فاستسقوا ببغداد مرات ولليلة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة كانت- فيما ذكر- وقعه بين عيسى النوشرى وبين ابى ليلى بن عبد العزيز بن ابى دلف، وذلك يوم الخميس دون أصبهان بفرسخين، فأصاب أبا ليلى سهم في حلقه- فيما ذكر- فنحره، فسقط عن دابته، وانهزم اصحابه، وأخذ راسه فحمل الى أصبهان.
وحج بالناس فِي هَذِهِ السنة مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ بن داود الهاشمى المعروف باترجه.
стр. 5736
ثم دخلت
سنه خمس وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث
فمن ذلك ما كان من قطع صالح بن مدرك الطائي في جماعه من طيّئ على الحاج بالأجفر يوم الأربعاء لاثنتى عشره بقيت من المحرم، فحاربه الجنى الكبير، وهو امير القافلة، فظفر الاعراب بالقافلة، فأخذوا ما كان فيها من الأموال والتجارات، وأخذوا جماعه من النساء الحرائر والممالك وقيل ان الذى أخذوا من الناس بقيمة الفى الف دينار.
ولسبع بقين من المحرم منها قرئ على جماعه من حاج خراسان في دار المعتضد بتوليه عمرو بن الليث الصفار ما وراء نهر بلخ، وعزل اسماعيل بن احمد عنه.
ولخمس خلون من صفر منها ورد مدينه السلام وصيف كامه مع جماعه من القواد من قبل بدر مولى المعتضد وعبيد الله بن سليمان من الجبل، معهم راس الحارث بن عبد العزيز بن ابى دلف المعروف بابى ليلى، فمضوا به الى دار المعتضد بالثريا، فاستوهبه اخوه فوهبه، واستاذنه في دفنه فاذن له، وخلع على عمر بن عبد العزيز في هذا اليوم وعلى جماعه من القواد القادمين.
وفيها- فيما ذكر- كتب صاحب البريد من الكوفه، يذكر ان ريحا صفراء ارتفعت بنواحي الكوفه في ليله الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الاول، فلم تزل الى وقت صلاه المغرب، ثم استحالت سوداء، فلم يزل الناس في تضرع الى الله.
وان السماء مطرت بعقب ذلك مطرا شديدا برعود هائله وبروق متصله، ثم سقط بعد ساعه بقرية تعرف بأحمداباذ ونواحيها حجارة بيض وسود مختلفه الألوان، في أوساطها ضغطه شبه افهار العطارين، فانفذ منها حجرا، فاخرج الى الدواوين والناس حتى راوه
стр. 5737
ولتسع بقين منه شخص ابن الاخشاد أميرا على طرسوس من بغداد مع النفر الذين كانوا قدموا منها يسألون ان يولى عليهم وال.
وخرج أيضا في هذا اليوم من بغداد فاتك مولى المعتضد للنظر في امور العمال بالموصل وديار ربيعه وديار مضر والثغور الشامية والجزرية واصلاح الأمور بها الى ما كان يتقلده من اعمال البريد بهذه النواحي.
وفي هذه السنه ورد الخبر- فيما ذكر- من البصره ان ريحا ارتفعت بها بعد صلاه الجمعه لخمس بقين من شهر ربيع الاول صفراء، ثم استحالت خضراء ثم سوداء، ثم تتابعت الامطار بما لم يروا مثلها، ثم وقع برد كبار كان وزن البرده الواحدة مائه وخمسين درهما- فيما قيل- وان الريح اقلعت من نهر الحسين خمسمائة نخله واكثر، ومن نهر معقل مائه نخله عددا.
[أخبار متفرقة]
وفيها كانت وفاه الخليل بن ريمال بحلوان.
ولخمس خلون من جمادى الآخرة ورد الخبر على السلطان ان بكر بن عبد العزيز بن ابى دلف توفى بطبرستان من عله اصابته، ودفن هنالك.
فاعطى الذى جاء بالخبر- فيما ذكر- الف دينار وفيها ولى المعتضد محمد بن ابى الساج اعمال اذربيجان وأرمينية، وكان قد تغلب عليها وخالف، وبعث اليه بخلع وحملان.
وفيها ورد الخبر لثلاث خلون من شعبان ان راغبا الخادم مولى الموفق غزا في البحر، فاظفره الله بمراكب كثيره، وبجميع من فيها من الروم، فضرب اعناق ثلاثة آلاف من الروم الذين كانوا في المراكب، واحرق المراكب، وفتح حصونا كثيره من حصون الروم، وانصرفوا سالمين.
وفي ذي الحجه منها ورد الخبر بوفاه احمد بن عيسى بن شيخ وقيام ابنه محمد بن احمد بن عيسى بما كان في يد ابيه بأمد، وما يليها على سبيل التغلب.
ولإحدى عشره بقيت من ذي الحجه منها خرج المعتضد من بغداد قاصدا الى آمد، وخرج معه ابنه ابو محمد والقواد والغلمان، واستخلف ببغداد صالحا
стр. 5738
الامين الحاجب، وقلده النظر في المظالم وامر الجسرين وغير ذلك.
وفيها وجه هارون بن خمارويه بن احمد بن طولون ومن معه من قواد المصريين الى المعتضد وصيف قاطرميز، يسالونه مقاطعتهم عما في ايديهم من مصر والشام، واجرى هارون على ما كان يجرى عليه أبوه، فقدم وصيف بغداد، فرده المعتضد، ووجه معه عبد الله بن الفتح ليشافههم برسائل، ويشترط عليهم شروطا، فخرجا لذلك في آخر هذه السنه.
وفيها غزا ابن الاخشاد باهل طرسوس وغيرهم في ذي الحجه، وبلغ سلندو.
وفتح عليه، وكان انصرافه الى طرسوس في سنه ست وثمانين ومائتين.
وحج بالناس فِي هَذِهِ السنة مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ بن داود الهاشمى.
стр. 5739
ثم دخلت
سنه ست وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث الجليلة
فمن ذلك ما كان من توجيه محمد بن ابى الساج ابنه المعروف بابى المسافر الى بغداد رهينه بما ضمن للسلطان من الطاعة والمناصحة، فقدم- فيما ذكر- يوم الثلاثاء، لسبع خلون من المحرم منها، معه هدايا من الدواب والمتاع وغير ذلك، والمعتضد يومئذ غائب عن بغداد.
وفي شهر ربيع الآخر منها ورد الخبر ان المعتضد بالله وصل الى آمد، فأناخ بجنده عليها، واغلق محمد بن احمد بن عيسى بن شيخ عليه أبواب مدينه آمد، وعلى من فيها من اشياعه ففرق المعتضد جيوشه حولها وحاصرهم، وذلك لايام بقيت من شهر ربيع الاول، ثم جرت بينهم حروب، ونصب عليهم المجانيق، ونصب اهل آمد على سورهم المجانيق، وتراموا بها.
وفي يوم السبت لإحدى عشره بقيت من جمادى الاولى وجه محمد بن احمد ابن عيسى الى المعتضد يطلب لنفسه ولأهله ولأهل آمد الامان، فأجابه الى ذلك، فخرج محمد بن احمد بن عيسى في هذا اليوم ومن معه من اصحابه واوليائه فوصلوا الى المعتضد، فخلع عليه وعلى رؤساء اصحابه، وانصرفوا الى مضرب قد اعد لهم، وتحول المعتضد من عسكره الى منازل ابن عيسى ابن شيخ ودوره، وكتب بذلك كتابا الى مدينه السلام مؤرخا بيوم الأحد لعشر بقين من جمادى الاولى ولخمس بقين من جمادى الاولى منها ورد الكتاب من المعتضد بفتحه آمد الى مدينه السلام، وقرئ على المنبر بالجامع وفيها انصرف عبد الله بن الفتح الى المعتضد وهو مقيم بأمد من مصر باجوبه كتبه الى هارون بن خمارويه، واعلمه ان هارون قد بذل ان يسلم اعمال قنسرين والعواصم، ويحمل الى بيت المال ببغداد في كل سنه أربعمائة الف
стр. 5740
وخمسين الف دينار، وانه يسال ان يجدد له ولايه على مصر والشام، وان يوجه المعتضد بخادم من خدمه اليه بذلك، فأجابه الى ما سال، وانفذ اليه بدرا القدامى وعبد الله بن الفتح بالولاية والخلع، فخرجا من آمد الى مصر بذلك، وتسلم عمال المعتضد اعمال قنسرين والعواصم من اصحاب هارون في جمادى الاولى، واقام المعتضد بأمد بقية جمادى الاولى وثلاثة وعشرين يوما من جمادى الآخرة ثم ارتحل منها يوم السبت لسبع بقين منها نحو الرقة، وخلف ابنه عليا بأمد مع جيوش ضمهم اليه لضبط الناحية واعمال قنسرين والعواصم وديار ربيعه ديار مضر وكان كاتب على بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني، وقلد الحسين بن عمرو النظر في امور هذه النواحي ومكاتبه العمال بها، وامر المعتضد بهدم سور آمد فهدم.
وفيها وافت هديه عمرو بن الليث الصفار من نيسابور الى بغداد، فكان مبلغ المال الذى وجهه اربعه آلاف الف درهم، وعشرين من الدواب، بسروج ولجم محلاه مغرقه ومائه وخمسين دابه بجلال مشهره وكسوه وطيب وبزاه، وذلك في يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة.
وفي هذه السنه ظهر رجل من القرامطة يعرف بابى سعيد الجنابى بالبحرين، فاجتمع اليه جماعه من الاعراب والقرامطة، وكان خروجه- فيما ذكر- في أول هذه السنه، وكثر اصحابه في جمادى الآخرة، وقوى امره، فقتل من حوله من اهل القرى، ثم صار الى موضع يقال له القطيف، بينه وبين البصره مراحل، فقتل من بها وذكر انه يريد البصره، فكتب احمد بن محمد بن يحيى الواثقى- وكان يتقلد معاون البصره وكور دجلة في ذلك الوقت- الى السلطان بما اتصل به من عزم هؤلاء القرامطة، فكتب اليه والى محمد بن هشام المتولى اعمال الصدقات والخراج والضياع بها، في عمل سور على البصره، فقدرت النفقة على ذلك اربعه عشر الف دينار، فامر بالإنفاق عليه فبنى ٤ وفي رجب من هذه السنه صار الى الأنبار جماعه من اعراب بنى شيبان،
стр. 5741
فأغاروا على القرى، وقتلوا من لحقوا من الناس، واستاقوا المواشى فخرج اليهم احمد بن محمد بن كمشجور المتولى المعاون بها، فلم يطقهم فكتب الى السلطان يخبره بأمورهم فوجه من مدينه السلام نفيسا المولدى واحمد بن محمد الزرنجى والمظفر بن حاج مددا له في زهاء الف رجل، فصاروا الى موضع الاعراب، فواقعوهم بموضع يعرف بالمنقبه من الأنبار، فهزمهم الاعراب، وقتلوا اصحابهم وغرق اكثرهم في الفرات، وتفرقوا فورد كتاب ابن حاج يوم الاثنين لست بقين من رجب بخبر هذه الوقعه وهزيمه الاعراب إياهم، فأقام الاعراب يعيثون في الناحية، ويتخفرون القرى، فكتب الى المعتضد بخبرهم، فوجه اليهم لقتالهم من الرقة العباس بن عمرو الغنوي وخفيفا الاذكوتكينى وجماعه من القواد فصار هؤلاء القواد الى هيت في آخر شعبان من هذه السنه.
وبلغ الاعراب خبرهم، فارتحلوا عن موضعهم من سواد الأنبار، وتوجهوا نحو عين التمر، فنزلوها، ودخل القواد الأنبار، فأقاموا بها، وعاث الاعراب بعين التمر ونواحي الكوفه، مثل عيثهم بنواحي الأنبار، وذلك بقية شعبان وشهر رمضان.
وفيها وجه المعتضد الى راغب مولى ابى احمد وهو بطرسوس، يأمره بالمصير اليه بالرقة، فصار اليه وهو بها، فلما وصل اليه تركه في عسكره يوما ثم اخذه من الغد فحبسه، وأخذ جميع ما كان معه، وورد الخبر بذلك مدينه السلام يوم الاثنين لتسع خلون من شعبان، ثم مات راغب بعد ايام، وقبض على مكنون غلام راغب وعلى اصحابه، وأخذ ماله بطرسوس يوم الثلاثاء لست بقين من رجب، وكان المتولى اخذهم ابن الاخشاد.
ولعشر بقين من شهر رمضان منها وجه المعتضد مؤنسا الخازن الى الاعراب بنواحي الكوفه وعين التمر، وضم اليه العباس بن عمرو وخفيفا الاذكوتكينى وغيرهما من القواد، فسار مؤنس ومن معه حتى بلغ الموضع المعروف بنينوى، فوجد الاعراب قد ارتحلوا عن موضعهم، ودخل بعضهم الى بريه طريق مكة
стр. 5742
وبعضهم الى بريه الشام، فأقام بموضعه أياما، ثم شخص الى مدينه السلام.
وفي شوال منها قلد المعتضد وعبيد الله بن سليمان ديوان المشرق محمد بن داود ابن الجراح، وعزل عنه احمد بن محمد بن الفرات، وقلد ديوان المغرب على بن عيسى بن داود بن الجراح، وعزل عنه ابن الفرات.
стр. 5743
ثم دخلت
سنه سبع وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث
فمن ذلك ما كان من قبض المعتضد على محمد بن احمد بن عيسى بن شيخ وعلى جماعه من اهله وتقييده إياهم، وحبسه لهم في دار ابن طاهر، وذلك انه صار بعض اقربائه- فيما ذكر- الى عبيد الله بن سليمان، فاعلمه ان محمدا على الهرب في جماعه من اصحابه واهله، فكتب بذلك عبيد الله الى المعتضد، فكتب اليه المعتضد يأمره بالقبض عليه، ففعل ذلك يوم الأربعاء لاربع خلون من المحرم منها.
وفي هذا الشهر من هذه السنه ورد كتاب ابى الأغر على السلطان ان طيئا تجمعت له، وحشدوا واستعانوا بمن قدروا عليه من الاعراب، واعترضوا قافلة الحاج، فواقعوهم لما جاوزوا المعدن منصرفين الى مدينه السلام من مكة ببضعه عشر ميلا، واقبل اليهم فرسان الاعراب ورجالتهم ومعهم بيوتهم وحرمهم وابلهم، وكانت رجالتهم اكثر من ثلاثة آلاف، فالتحمت الحرب بينهم، ولم تزل الحرب بينهم يومهم اجمع، وهو يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجه، فلما جنهم الليل باينوهم، فلما أصبحوا غادوهم الحرب غداه يوم الجمعه الى حين انتصاف النهار ثم انزل الله النصر على اوليائه وولى الاعراب منهزمين، فما اجتمعوا بعد تفرقهم، وانه سار هو وجميع الحاج سالمين، وانفذ كتابه مع سعيد بن الأصفر بن عبد الأعلى، وهو احد وجوه بنى عمه والمتولى كان للقبض على صالح بن مدرك.
وفي يوم السبت لثلاث بقين من المحرم وافى ابو الأغر مدينه السلام، وبين يديه راس صالح بن مدرك، وراس جحنش، وراس غلام لصالح اسود، واربعه أسارى من بنى عم صالح، فمضى الى دار المعتضد، فخلع
стр. 5744
عليه، وطوق بطوق من ذهب، ونصبت الرءوس على راس الجسر الأعلى ١٥.. ٦٧
بالجانب الشرقى، وادخل الأسرى المطامير.
ولاربع ليال بقين من صفر منها، دخل المعتضد من متنزهه ببراز الروز الى بغداد، وامر ببناء قصر في موضع اختاره من براز الروز، فحمل اليه الآلات، وابتدأ في عمله وفي شهر ربيع الاول منها غلظ امر القرامطة بالبحرين، فأغاروا على نواحي هجر، وقرب بعضهم من نواحي البصره، فكتب احمد بن محمد بن يحيى الواثقى يسال المدد، فوجه اليه في آخر هذا الشهر بثماني شذوات، فيها ثلاثمائة رجل، وامر المعتضد باختيار جيش لينفذه الى البصره.
وفي يوم الأحد لعشر خلون من شهر ربيع الآخر، قعد بدر مولى المعتضد في داره، ونظر في امور الخاصة والعامه من الناس والخراج والضياع والمعاون.
وفي يوم الاثنين لإحدى عشره خلت من شهر ربيع الآخر، مات محمد بن عبد الحميد الكاتب المتولى ديوان زمام المشرق والمغرب.
وفي يوم الأربعاء لثلاث عشره خلت منه ولى جعفر بن محمد بن حفص هذا الديوان، فصار من يومه الى الديوان وقعد فيه.
وفي شهر ربيع الآخر منها ولى المعتضد عباس بن عمرو الغنوي اليمامه والبحرين ومحاربه ابى سعيد الجنابى ومن معه من القرامطة، وضم اليه زهاء الفى رجل، فعسكر العباس بالفرك أياما حتى اجتمع اليه اصحابه، ثم مضى الى البصره، ثم شخص منها الى البحرين واليمامه.
وفيها- فيما ذكر- وافى العدو باب قلميه من طرسوس، فنفر ابو ثابت وهو امير طرسوس بعد موت ابن الاخشاد- وكان استخلفه على البلد حين غزا- فمات وهو على ذلك، فبلغ في نفيره الى نهر الريحان في طلب العدو، فاسر ابو ثابت واصيب الناس، فكان ابن كلوب غازيا في درب السلامة، فلما
стр. 5745
قفل من غزاته جمع المشايخ من اهل الثغر ليتراضوا بامير يلى أمورهم، فاتفق رأيهم على على بن الأعرابي، فولوه امرهم بعد اختلاف من ابن ابى ثابت.
وذكر ان أباه استخلفه، وجمع جمعا لمحاربه اهل البلد حتى توسط الأمر ابن كلوب، فرضى ابن ثابت، وذلك في شهر ربيع الآخر، وكان النغيل حينئذ غازيا ببلاد الروم، فانصرف الى طرسوس، وجاء الخبر ان أبا ثابت حمل الى القسطنطينية من حصن قونيه، ومعه جماعه من المسلمين.
وفي شهر ربيع الآخر مات إسحاق بن أيوب الذى كان اليه المعاون بديار ربيعه، فقلد ما كان اليه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر.
وفي يوم الأربعاء لخمس بقين من جمادى الاولى، ورد كتاب- فيما ذكر- على السلطان بان اسماعيل بن احمد اسر عمرا الصفار، واستباح عسكره، وكان من خبر عمرو واسماعيل، ان عمرا سال السلطان ان يوليه ما وراء النهر، فولاه ذلك، ووجه اليه وهو مقيم بنيسابور بالخلع، واللواء على ما وراء النهر، فخرج لمحاربه اسماعيل بن احمد، فكتب اليه اسماعيل بن احمد: انك قد وليت دنيا عريضه، وانما في يدي ما وراء النهر، وانا في ثغر، فاقنع بما في يدك، واتركني مقيما بهذا الثغر فأبى اجابته الى ذلك، فذكر له امر نهر بلخ وشده عبوره، فقال: لو أشاء ان اسكره ببدر الأموال واعبره لفعلت، فلما ايس اسماعيل من انصرافه عنه جمع من معه والتناء والدهاقين، وعبر النهر الى الجانب الغربي، وجاء عمرو فنزل بلخ، وأخذ اسماعيل عليه النواحي، فصار كالمحاصر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة- فيما ذكر- فأبى اسماعيل عليه ذلك، فلم يكن بينهما كثير قتال حتى هزم عمرو فولى هاربا، ومر باجمه في طريقه، قيل له انها اقرب، فقال لعامه من معه: امضوا في الطريق الواضح ومضى في نفر يسير، فدخل الأجمة، فوحلت دابته، فوقعت، ولم يكن له في نفسه حيله، ومضى من معه، ولم يلووا عليه، وجاء اصحاب اسماعيل، فاخذوه أسيرا ولما وصل الخبر الى
следующие страницы →