← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

ولما وصل ابو عبد الله الى الأبله ومعه اخواه، انفذ إقبالا غلامه الى مطاره، واقام هو واخواه في طياراتهم، وأعدوا ثلاثة مراكب للهرب خوفا من ان تتم على اقبال من عسكر الجامدة بمطايا ما تم على ابى جعفر بالسوس. فاخرج البريدى أبا الحسين بن عبد السلام لمعاضده اقبال، فانهزم اصحاب ابن رائق ومتقدمهم احمد بن نصر القشورى، واسر برغوت غلام ابن رائق، فاطلقه البريدى وكتب معه كتابا يستعطف فيه ابن رائق. ودخل البريديون البصره، فاطمأنوا، ولم يمكن بجكم ان يسير الى البصره لخلوها من آله الماء. وعاد بدر الخرشنى الى واسط، فانفذه ابن رائق في الطيارات الى البصره للحرب. وانفذ أبا العباس احمد بن خاقان الى المذار، فلقيه اصحاب البريدى فأسروه وحملوه اليه، فاطلقه واستحلفه الا يعود الى حربه. فلما اتصلت الهزيمة بابن رائق، سار من واسط الى البصره على الظهر للنصف من شوال، وكتب الى بجكم ان يلحق به بعسكر ابى جعفر، وانفذ بدرا الى ابن عمر وانفذ البريدى غلامه إقبالا بواسط، فحصل بدر في الكلا وحصل اقبال بالرصافة. ولما ملك بدر الكلا هرب البريدى الى جزيرة أوال، وخرج الجند والعامه لدفع بدر. ووافى ابن رائق وبجكم الى عسكر ابى جعفر ضحوه النهار من يوم ورود بدر الكلا، وعبر ابن رائق وبجكم دجلة البصره، وتبعهما احمد بن نصر، فرأوا من العامه ما بهرهم، حتى رجموا طيار احمد فغرقوه. وهرب ابو عبد الله من جزيرة أوال الى فارس، واستجار بعماد الدولة فانفذ معه أخاه معز الدولة. ووردت الاخبار بذلك، فتقدم ابن رائق الى بجكم بالانصراف الى الاهواز ليحميها، فقال: لست احارب الديلم الا بعد ان تحصل لي اماره الاهواز، فضمنه إياها بمائه وثلاثين الف دينار محمولة، واقطعه اقطاعا بخمسين الف دينار ونفذ

стр. 6092

ومن عجيب الاتفاق ان طاهرا الجبلي قصد ابن رائق الى واسط مستأمنا، فلم يجده، فانحدر اليه الى عسكر ابى جعفر، فتلقاه كتاب جاريته وابنه انهما حصلا في يد ابى عبد الله البريدى بفارس فاكرمهما. فعند ذلك، سار طاهر في مائتي رجل، وتبعه عسكر البريدى في الماء، فانهزم بدر الى واسط، وانهزم ابن رائق الى الاهواز، فأشير على بجكم بالقبض عليه فلم يفعل، واقام عنده مكرما، حتى وافاه فاتك غلامه من واسط، فرجع معه إليها، وخلف بجكم بالاهواز، وخلف ابو عبد الله البريدى عند عماد الدولة ابنه أبا الحسين محمدا، وأبا جعفر الفياض رهينه، وسار مع ابى الحسين معز الدولة الى الاهواز فلما نزلوا ارجان، خرج بجكم لحربهم فعاد بعد ثلاثة ايام منهزما، وسبب انهزامه ان المطر اتصل أياما كثيره، فمنع الاتراك ان يرموا بالنشاب، فعاد بجكم وقطع قنطره نهر اربق ورتب عليها جماعه، فكانت المنازله بين معز الدولة وبينهم ثلاثة عشر يوما وعبر معز الدولة في خمسه نفر في سميريه، فهزم من كان هناك من اصحاب بجكم، فعند ذلك قبض بجكم على وجوه اهل الاهواز، فيهم ابن ابى علان ويحيى بن سعيد السوسي، وسار بعسكره الى واسط، وكاتب ابن رائق وهو بها، ان كان عنده مائه الف دينار يفرقها في عسكره، فالوجه ان يقيم، والا فالصواب ان يصعد الى بغداد. فعند ذلك اصعد، وطالب بجكم حين دخل واسطا من اعتقله من اهل الاهواز بخمسين الف دينار، فقال ابو زكريا يحيى بن سعيد السوسي: اردت ان اخبر ما في نفسه من طلب العراق، فراسلته على لسان الموكل بي: ايها الأمير أنت طالب للملك، معول على خدمه الخلافه، تطالب قوما منكرين في بلاد غربه، ولقد حمى في أمسنا طست، وجعل على بطن سهل بن قطين اليهودي، افما تعلم انه إذا سمع هذا عنك اوحش الاباعد منك! وما تذكر إنكارك على ابن رائق ايحاشه اهل البصره واهل بغداد، وقد حملت نفسك على مثل ما كان يعمل مزداويج باهل الجبل وبغداد، هي دار الخلافه لا تحتمل هذه الأخلاق. فلما سمع بهذا الكلام رق وامر بحل قيودنا، واستعقل يحيى بن سعيد السوسي واطلقه، فشفع في الباقين، وكان طاهر الجبلي قد فارق الأمير عماد الدولة بارجان،

стр. 6093

فكتب الى أخيه معز الدولة ان يطالب أبا عبد الله البريدى فكتب البريدى الى أخيه ابى يوسف، بالقبض عليه وانفاذه الى فارس ففعل ذلك. ووصل معز الدولة الاهواز، ونزل البريدى دار ابى على المسروقان، ووافاه اهل الاهواز داعين مهنئين، وكان البريدى يحمى الربع، فدخل عليه يوحنا الطبيب وكان حاذقا، فقال له: ما تشير على؟ قال ان تخلط- وعنى بذلك في المأكولات- لترمى بالاخلاط، فقال: اعظم مما خلطت يا أبا زكريا لا يكون، قد ارهجت ما بين فارس والحضره، فان اقنعك هذا، والا ملت الى الجانب الآخر، وارهجتها الى خراسان. وسبب معز الدولة على البريدى بعد ان اقام معه خمسه وثلاثين يوما بخمسه آلاف الف درهم، باحضار عسكره لينفذهم الى الأمير ركن الدولة بأصبهان، فاحضر اربعه آلاف رجل، وقال لمعز الدولة: ان أقاموا بالاهواز جرى بينهم وبين الديلم فتنه، والوجه ان انفذهم مع صاحبي ابى جعفر الجمال للسوس، فأمره بذلك ثم طالبه ان يحضر رجال الماه الى حصن مهدى، ليشاهدهم، فينفذهم الى واسط فاستوحش البريدى وقال: هكذا عملت بياقوت، فلو لم اتعلم الا من قصتي لكفانى. وكان الديلم يهينونه ويزعجونه من منامه وهو محموم، وكان الأمير ابو الحسين ابن بويه يكرمه وابو على العارض الكاتب يجلس بين يديه ويخاطبه بسيدنا. فاما بقية القواد من الديلم فكان عندهم بمنزله دنية. وهرب البريدى من ابن بويه في الماء الى الباسيان، وتبعه جيشه، وكاتبه البريدى انه يضمن منه الاهواز في كل سنه بثمانية عشر الف الف درهم، فأجابه الأمير ابو الحسين الى هذا، وراسله البريدى بالقاضى ابى القاسم التنوخي وابى على العارض: ان نفسه لا تطيب بقرب داره منه. واستقر الأمر ان يحمل الى معز الدولة ثلاثين الف دينار لنفقه الطريق، فأجاب. الى ذلك معز الدولة، فانفذ البريدى منها سته عشر ألفا مع التنوخي، فاحتبسه معز الدولة على الباقى ثم اطلقه، وقال دلان للأمير ابى الحسين وهو كاتب جيش معز

стр. 6094

الدولة، وكان الصيمرى من اتباعه، فقال: ان البريدى قد سلك معك طريقته مع ياقوت، وغرضه ابعادك الى السوس. واستحكمت الوحشة بين معز الدولة والبريدى، وانفذ بجكم قائدا من قواده في الفى رجل من الأكراد والاعراب، فغلبوا على السوس وجنديسابور واقام البريدى ببنات ادر، غالبا على اسافل الاهواز، وبقي معز الدولة لا يملك غير عسكر مكرم، وقد احتاط به الأعداء من كل جانب، واضطرب عسكره وفارقوه حتى اتبعهم وترضاهم، وكاتب عماد الدولة بالصورة، فانفذ اليه قائدا من قواده وكان شجاعا، في ثلاثمائة ديلمى، وخمسمائة الف درهم. وكان ابو على العارض معتقلا بين يدي البريدى، واتهم معز الدولة انه واطاه على ما فعله، وكان يبغض العارض لأنه شاهده وزير ما كان الديلمى، وكان بجكم مملوكه، فطلبه منه ما كان صاحبه، فاهداه اليه. فعند وصول الرجال والمال، انفذ معز الدولة الصيمرى الى السوس عاملا عليها، وانفذ ثلاثمائة رجل الى بنات ادر، فهرب البريدى الى البصره، فحصلت الاهواز بيد الأمير ابى الحسين، وحصل البريدى بالبصرة، واستقر بجكم بواسط واقام، ابن رائق ببغداد، وهو الذى وضع المآصير ببغداد، وما كانت سمعت بالضرائب من قبله. وحكى بجكم، ان ابن مقاتل قال لابن رائق: أخطأت حين قلدت بجكم الاهواز. لأنه إذا حصل بها نازعك في امرك، وقد عرفت منازعه البريدى لك، وهم اصحاب دراريع، قال: بلغنى ذلك، فأخذت معى عشره آلاف دينار، وجئته ليلا وقد نام الناس، فقلت في مهم لم يعلم به احد، ولولا ان الترجمان محمد بن نيال يخبر عنى ما استصحبته، وقد توقف الأمير عن تقليدي للاهواز، واسالك ان تأخذ هذه العشرة آلاف دينار، وتمضى عزمه فيما نواه. فلما راى الدنانير مال إليها، وكان ذلك سبب ولايتى.

стр. 6095

سنه ست وعشرين وثلاثمائة [أخبار] لما ورد ابن رائق بغداد، اطمعه الوزير ابو الفضل في اموال مصر والشام، وزوج ابنه أبا القاسم بابنه ابن رائق، وزوج ابن رائق ابنه بابنه طغج. وخرج الوزير ابو الفضل الى الشام، واستخلف بالحضرة أبا بكر البقرى، فلما بلغ هيت ضعف امره، وقوى امر ابى عبد الله الكوفى، وقلد ابن رائق اعمال الاهواز، فدعاه بجكم الى كتابته فأجابه. وسفر ابو جعفر بن شيرزاد في الصلح بين ابن رائق والبريدى وأخذ خط الراضي بالرضا عنهم، وقطعت لهم الخلع، على ان يقيموا الخطبه بالبصرة لابن رائق، وان يفتحوا الاهواز وان يحملوا ثلاثين الف دينار، واطلقت ضياعهم بالحضرة وبلغ ذلك بجكم فجزع لهذا الصلح. واشار عليه يحيى بن سعيد السوسي، بحرب البريدى، فانفذ اليه البريدى أبا جعفر الجمال، فالتقيا بشابرزان، فانهزم الجمال، وانفذ يعاتب البريدى ويقول له: جنيت على نفسك باستجلاب الديلم أولا، وبمظافره ابن رائق ثانيا، وانا أعاهدك ان اوليك وسطا إذا ملكت الحضره، فسجد البريدى لما بلغته رسالته شكرا لله تعالى، ووصل رسوله بثلاثة آلاف دينار، وحلف بمحضر من القاضى ابى القاسم التنوخي والقاضى ابى القاسم بن عبد الواحد بالوفاء لبجكم. وكان ابن مقله يسال ابن مقاتل والكوفى في رد ضياعه، فيمطلونه، فكتب الى بجكم والى أخي مزداويج يطمعهما في الحضره، وكاتب الراضي بالله يشير بالقبض على ابن رائق، وتوليه بجكم، وكتب الى بجكم ان الراضي قد استجاب لذلك. وظن ابن مقله انه قد توثق من الراضي، وبذل له استخراج ثلاثة آلاف الف دينار، ان قلده الوزارة، فوافقه على ان ينحدر اليه سرا، الى ان يتم التدبير على ابن رائق، فركب من داره في سوق العطش في طيلسان، وسار الى الأزج بباب البستان،

стр. 6096

فانحدر في سميريه ليله الاثنين لليلة بقيت من شهر رمضان، وتعمد تلك الليلة ان يكون القمر تحت الشعاع، وذلك يختار للأمور المستوره. فلما وصل الى دار السلطان، لم يصله الراضي واعتقله في حجره، وبعث بابى الحسن سعيد بن سنجلا الى ابن رائق واخبره بما جرى، واظهر للناس حاله رابع عشر شوال، واستفتى الفقهاء في حاله، وعرفهم ما كاتب به بجكم، فيقال ان القاضى أبا الحسين عمر بن محمد افتى بقطع يده، لأنه سعى في الارض فسادا، فامر الراضي باخراجه الى دهليز التسعينى، وحضر فاتك حاجب ابن رائق والقواد، فقطعت يده اليمنى، ورد الى محبسه من دار السلطان، وامر الراضي بمداواته، فكان ينوح على يده ويقول: يد قد خدمت بها الخلفاء ثلاث دفعات، وكتب بها القرآن دفعتين، تقطع كما تقطع أيدي اللصوص! ثم قال: ان المحنة قد تشبثت بي وهي تؤدينى الى التلف وتمثل: إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فان الشيء من بعض قريب وقطع لسانه لما قرب بجكم الحضره، ومات فدفن في دار السلطان، ثم طلبه اهله فنبش وسلم اليهم، نبشته زوجته الدينارية فدفنته بدارها بغله صافى، فنبش بعد موته ثلاث دفعات فهذا عجب. ومن العجائب انه وزر لثلاث خلفاء، وابن الفرات وزر لخليفه واحد ثلاث دفعات، وابن مقله وزر ثلاث دفعات لثلاث خلفاء، ودفن بعد موته ثلاث دفنات

стр. 6097

وصول بجكم الى الحضره وتفرده بالإمرة ولما وافى بجكم ديالى انهزم ابن رائق بعد ان فتح من النهروان بثقا الى ديالى ليكثر ماؤه، فعبر اصحابه سباحه، وصار ابن رائق الى عكبرا، واستتر الكوفى وابن مقاتل. ووصل بجكم الى الراضي ثانى عشر ذي القعده، فخلع عليه والطالع العقرب، وسار بالخلع الى مضربه بديالى، وانفض جيش ابن رائق عنه، فدخل بغداد واستتر. وخلع على بجكم دفعتين بعد ذلك، ومضى الى دار مؤنس بسوق الثلاثاء، وهي التي كان ينزلها ابن رائق فنزلها. فكانت اماره ابن رائق سنه وعشره اشهر وسته عشر يوما، ومده كتابه الكوفى له وتدبيره المملكة تسعه عشر شهرا وثمانية ايام. قال ابو سعيد السوسي: قال لي بجكم بحضره اصحابه: معى خمسون الف دينار لا احتاج إليها، فلما كان بعد ذلك قال لي: تدرى كم كان معى ذلك اليوم؟ قلت: لا، قال: كان معى خمسون الف درهم، فقلت: اتراك لم تثق بي فكنت تطلعني على الحال! فقال: لو اطلعتك ضعفت نفسك وضعف كلامك، وعولت عليك في رساله، فعجبت من دهائه. ومات ابو عبد الله النوبختى بعلة السل. وظفر الراضي بابى عبد الله الكوفى، فسأله فيه ابو الحسن سعيد بن سنجلا حتى صادره على اربعين الف دينار. واقر الراضي الوزير أبا الفتح على الوزارة وهو بمصر. وفي شهر رمضان انفذ ملك الروم كتابا بالرومية يتضمن سؤال الراضي الفداء، وكانت الترجمه بالعربية مكتوبه بالفضة، وانفذ مع الكتاب هديه جليله، فأجاب ابن ثوابه عن الكتاب، وفي آخره: وقد اسعفكم امير المؤمنين بما احببتم من هديتكم ورد الرسائل بما سنح من مروءتكم، صيانة لكم عن الاحتشام، ورفعا عندكم من الاغتنام. وخاطبه ملك الروم بالشريف البهي ضابط سلطان المسلمين، وخاطبهم الراضي برءوساء الروم.

стр. 6098

سنه سبع وعشرين وثلاثمائة [أخبار] واخر الحسن بن عبد الله بن حمدان مال ضمان الموصل، فصار الراضي الى تكريت، وانفذ بجكم الى الموصل، فلقيه زواريق فيها هديه ابن حمدان، فأخذها بجكم، وعبر فيها جيشه الى الجانب الغربي، وسار فالتقى هو وابن حمدان بالكحيل، فانهزم اصحاب بجكم واستؤسر ابو حامد الطالقانى، ثم حمل بجكم بنفسه على ابن حمدان حمله صادقه، فانهزم ابن حمدان رابع المحرم ومضى الى آمد، واتبعه بجكم الى نصيبين، فسار حينئذ الراضي في المساء الى الموصل، وانصرف عنه من تكريت القرامطة، الذين تبعوه الى بغداد مغضبين لتاخر أرزاقهم، فظهر ابن رائق وانضموا اليه. وكتب الراضي حين بلغته الصورة الى بجكم، فاستخلف على اصحابه، وجاء الى الموصل، فجرى بين اصحابه وبين أهلها فتنه، فركب ووضع فيها السيف، واحرق مواضع في البلد. ورجع الحسن بن عبد الله بن حمدان الى نصيبين، وانصرف عنها من خلفه بجكم بها، فاخذ اصحاب بجكم يتسللون من الموصل الى بغداد، وينضمون الى ابن رائق، فزاد في قلق بجكم، ولم يعرف ذلك ابن حمدان، فاطلق أبا حامد الطالقانى، وساله ان يسعى في الصلح، وبذل له الف الف درهم فاستأذن بجكم الراضي في ذلك، فاذن له في امضائه، فرد الطالقانى وأبا الحسين بن ابى الشوارب، وانفذ معهما باللواء والخلع. وصاهر بجكم أبا محمد بن حمدان. وانفذ ابن رائق أبا جعفر بن شيرزاد الى بجكم يلتمس الصلح. وانحدر الراضي وبجكم الى بغداد، بعد ان راسلا ابن رائق بقاضى القضاه ابى الحسين، في تمام الصلح، وولوه طريق الفرات وجنديسابور وديار مضر

стр. 6099

والعواصم، فسار إليها قبل وصولهم. وبلغ الراضي ان عبد الصمد بن المكتفي راسل ابن رائق ان يتقلد الخلافه، فقبض عليه، ويقال قتله. وفي جمادى مات الوزير ابو الفتح بن جعفر بن الفرات بالرملة، ودفن هناك. وشرع ابن شيرزاد في الصلح، بين بجكم والبريدى ثم ضمن البريدى اعمال واسط بستمائة الف دينار . وزارة البريدى ابى عبد الله للراضى بالله فلما مات ابو الفتح، شرع ابن شيرزاد للبريدى في الوزارة، فانفذ اليه الراضي بقاضى القضاه ابى الحسين فامتنع من تقلدها، ثم استجاب لذلك، ووليها في رجب، وخلفه ابو بكر محمد بن على البقرى بالحضرة، كما كان ابن الفرات. ولما تقلد البريدى الوزارة، قال فيه ابو الفرج الاصفهانى قصيده أولها: يا سماء اسقطى ويا ارض ميدى ... قد تولى الوزارة ابن البريدى جل خطب وجل امر عضال ... وبداء أشاب راس الوليد هد ركن الاسلام وانهتك الملك ... ومحت آثاره فهو مودى اخلقت بهجه الزمان كما اخلق ... طول الزمان وشى البرود يا لقومى لحر صدري وعولي ... وغليلى وقلبي المعمود حين سار الخميس يوم خميس ... في البريدى في ثياب سود سودت اوجه الورى وعلتهم ... إذ علته بذله وهمود قد حباه بها الامام اصطفاء ... واعتمادا منه بغير عميد خلع تخلع العلا ولواء ... عقده حل عروه المعقود كان اولى من لبسه خلع الملك ... بغل يسوده وقيود

стр. 6100

وهي قصيده طويله آخرها: في سبيل الاسلام خير سبيل ... محو رسم الاسلام والتوحيد لا يسرن غافل بعد هذا ... بوليد لا يرع لفقيد فاستهلى يا عين بالدمع سحا ... وقليل ان تذرفى وتجودى وحكى ان البريدى ابو عبد الله قال لندمائه: من فيكم يحفظ قصيده الاصفهانى التي هجانى بها؟ فأنكروا مع معرفتها، فقال: بحقي عليكم انشدونى إياها فقال احدهم: اما مع قسمك فنعم فلما بلغ الى قوله. وكان احد قواد بجكم ابراهيم بن احمد أخو نصر بن احمد، صاحب خراسان فقلده بجكم الشرطه ببغداد. وعمل ابراهيم لبجكم دعوه، جمع طباخى دار الخلافه لها، وانفق فيها زياده على عشرين الف دينار

стр. 6101

سنه ثمان وعشرين وثلاثمائة [أخبار] في مستهل المحرم ورد خبر، بان أبا الحسن على بن عبد الله بن حمدان، اوقع بالدمستق وهزمه. وفي آخره تزوج بجكم ساره، بنت الوزير ابى عبد الله البريدى، بحضره الراضي، والصداق مائه الف درهم. وكان جيش البريدى قد قتل قائدين من الديلم، فاستنجد معز الدولة، أخاه ركن الدولة، وكان مقيما بإصطخر، فأتاه طاويا للمنازل، فوصل الى واسط في عشره ايام، والبريدى مقيم بغربيها، فانحدر لحربه بجكم مع الراضي، فانصرف عنها، ومضى من فوره الى أصبهان ففتحها فعاد عند مضيه الراضي وبجكم الى بغداد. وفي رجب، قتل طريف السبكرى بطرسوس. وفي شعبان توفى قاضى القضاه ابو الحسين، فتوسط ابو عبد الله بن ابى موسى الهاشمى امر ابنه ابى نصر، على عشرين الف دينار، حتى ولى مكانه. روى الخطيب عن القاضى ابى الطيب قال: سمعت أبا الفرج المعافى بن زكريا الجريرى يقول: كنت احضر مجلس ابى الحسين بن ابى عمر يوم النظر، فحضرت انا واهل العلم، فدخل اعرابى له حاجه، فجلس فجاء غراب فقعد على نحله في الدار، وصاح وطار، فقال الأعرابي: هذا الغراب يقول: ان صاحب هذه الدار، يموت بعد سبعه ايام، وقال: فصحنا عليه، وزبرناه، فقام وانصرف. واحتبس خروج ابى الحسين، فإذا به قد خرج إلينا الغلام وقال: القاضى يستدعيكم، فقمنا فدخلنا، فإذا به متغير اللون منكسف البال مغتم، فقال: اعلموا انى احدثكم بشيء قد شغل قلبي، وهو انى رايت البارحه في المنام شخصا وهو يقول: منازل آل حماد بن زيد ... على اهليك والنعم السلام وقد ضاق صدري، فدعونا له وانصرفنا، فلما كان في اليوم السابع من ذلك اليوم دفن رحمه الله

стр. 6102

وانفذ الى على بن عيسى الوزير بمال في بعض نكباته وكتب اليه: وتركي مواساتي اخلاى في الذى ... تنال يدي ظلم له وعقوق وانى لأستحي من الله ان ارى ... بعين اتساع والصديق مضيق وتوفى في هذا الشهر، ابو بكر بن الأنباري، معلم اولاد الراضي بالله، ومن جمله تصانيفه كتاب الزاهر، وكان يحفظ مائه وعشرين تفسير للقرآن، ولم يمل بساقط من دفتر، وقال: انى احفظ ثلاثة عشر صندوقا كتبا. وفي شهر رمضان مات ابو بشر بن يونس القناني النصراني، وهو الذى فسر كتاب المنطق. وفيه خرج بجكم الى الجبل، فلما بلغ قرميسين، بلغه ان البريدى قد طمع في بغداد، وكان طمعه لأجل دفائن في داره، فعاد بجكم حينئذ، وقد استامن اليه خلق من الديلم، وكان قد أمد البريدى قبل ذلك بخمسمائة رجل، وانفذ معهم أبا زكريا السوسي. فلما عرف البريدى رجوعه الى بغداد ابلس، وانفذ الى السوسي، فاستحضره، فظن انه يريد القبض عليه، فقال له: أحب ان تصعد الى بجكم فتزيل الوحشة من صدره، وهذه اذنى فخذها، وبعنى، فانى لا اعدل عن رأيك، وقد رتبت لك طيارا وخمسين غلاما لخدمتك. قال: فقبلت الارض بين يديه، وسرت فما عادت ذهني الا بفم الصلح. وندم البريدى على انفاذه لي، وسقط عليه طائر يعرفه تعويل بجكم على قصده، وتضمن اغراؤه بي، فكان ذلك من كفاية الله تعالى لي. ووصلت دير العاقول، وبها احمد بن نصر القشورى. ولقيت بجكم بالزعفرانيه، واجتهدت به في صلح البريدى، فأبى، وانحدرت معه. وقبض على ابن شيرزاد، لأنه اشار عليه بمصاهره البريدى، وأزال اسم البريدى عن الوزارة، فكانت وزارته سنه واربعه اشهر واربعه عشر يوما، واوقع اسمها على ابى القاسم سليمان بن الحسن.

стр. 6103

وزارة ابى القاسم سليمان بن الحسن وخلع عليه وانحدر بجكم بعد ان ضبط الطريق ممن ينشر خبره، فوقع على حديديه طائر، فأخذه وإذا به كتاب كاتبه يعرف أخاه انحداره وسائر اسراره، فاحضر الكاتب واوقفه، فلم يجحد فرمى به في الزبانيات حتى قتل، ورمى به في الماء. وانحدر فوجد البريدى قد انحدر عنها. وفي ذي الحجه، ورد بان رائقا اوقع بابى نصر بن طغج، أخي الإخشيد، فانهزم اصحاب ابى نصر بعد ان قتل وكفنه ابن رائق وانفذه في تابوت الى أخيه، واستأسر قواده، وانفذ مع التابوت ابنه أبا مزاحم بن رائق، وكتب معه يعزيه ويعتذر ويقول: ما اردت قتله، وقد انفذت ابنى لتقيده به، فتلقى الإخشيد فعله بالجميل، وخلع على ابنه ورده الى ابيه، واصطلحا على ان يفرج ابن رائق للإخشيد عن الرملة، ويكون باقى الشام لابن رائق، ويحمل اليه الإخشيد في كل سنه مائه واربعين الف دينار. وكان بدر بن عمار الأسدي الطبرستاني، يتقلد حرب طبرية لابن رائق، وهو الذى مدحه المتنبى بقصائد عده. وعاد ابو نصر محمد بن ينال الترجمان من الجبل منهزما من الديلم، فانفذ بجكم من واسط بمن ضربه في منزله بالمقارع وقيده، ثم رضى عنه. وانحدر ابو عبد الله الكوفى الى واسط، واستقرت له كتابه بجكم، فكانت كتابه ابن شيرزاد تسعه عشر شهرا وثلاثة عشر يوما. والتقى ركن الدولة بوشمكير، وانهزم الفريقان، ركن الدولة الى اصفهان، ووشمكير الى الري. وفيها مات جستان وفيها توفى ابو عبيد الله القمي، الوزير لركن الدولة، وتقلد مكانه ابو الفضل بن العميد.

стр. 6104

سنه تسع وعشرين وثلاثمائة [أخبار] فيها صادر بجكم ابن شيرزاد، وقال: اردت ان اعلم ايساره، فقلت: ان عندي مائه الف دينار، اريد ايداعك إياها، فما ارتاع، وحملتها اليه، وطلبتها بعد مده، فكان يحملها تفاريق، فقلت: ما السبب في هذا؟ فقال: اننى لا آمن غير أختي، ولا تقوى على حمل المال دفعه واحده، فقبض على اخته، وبلغ بالقبض عليها ما اراده من ماله. وفي ليله النصف من شهر ربيع الاول مات الراضي بالله، وقد انكسف القمر جميعه، وكان موته بعلة الاستسقاء. وكان الراضي ﵀ سمحا شاعرا سخيا أديبا، ومن شعره يرثى المقتدر ﵀: بنفسي ثرى ضاجعت في تربه البلى لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا فلو ان حيا كان قبرا لميت لصيرت احشائى لأعظمه قبرا ولو ان عمرى كان طوع مشيئتى وساعدني المقدار قاسمته العمرا وحكى الخطيب في تاريخه قال: كتب الراضي الى أخيه المتقى، وقد جرى بينهما شيء في الكتب: انا معترف لك بالعبودية، والمولى يعفو، وقد قال الشاعر: يا ذا الذى يغضب من غير شى ... اعتب فعتباك حبيب الى أنت- على انك لي ظالم ... أعز خلق الله طرا على

стр. 6105

خلافه المتقى لله وهو ابو إسحاق ابراهيم بن المقتدر بالله، أمه رومية، وكانت خلافته ثلاث سنين واحد عشر شهرا. ورد كتاب بجكم، لما بلغه موت الراضي بالله ﵀ عليه، على ابى عبد الله الكوفى يأمره ان يجمع كل من كان يتقلد الوزارة بالحضرة، واصحاب الدواوين والقضاه والفقهاء والعلويين والعباسيين ووجوه البلد، ويحضرهم الى ابى القاسم سليمان بن الحسن، وينصبون الخلافه من يحمدونه. فلما اجتمعوا قال محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمى: يكون الخطاب سرا، فخلا الكوفى في بيت وجعل الرجل والرجلان يدخلان اليه، فيقول لهما: قد وصف لنا ابراهيم بن المقتدر بالله، فيظنان ان ذلك عن امر ورد من بجكم في معناه، فيقولان: هو لذلك اهل، فاحضر الى دار بجكم وعقد له الأمر ولقب المتقى لله. وحمل الى بجكم من دار الخلافه قبل تقلد المتقى فرش وآلات اختارها. وانفذ المتقى لله عند بيعته مع ابى العباس الاصفهانى، خلعا ولواء الى بجكم، وخلع على سلامه الطولونى، وقلده حجبته، واقر أبا القاسم سليمان بن الحسن على الوزارة. وورد الخبر بدخول ابى على بن محتاج في جيش خراسان الى الري، وقتله ما كان الديلمى صاحب جرجان، وحاصر من بها حتى تركها، ومضى الى ساريه، فاستولى ابو على على جرجان. وتعاضد ابو على وركن الدولة، على محاربه وشمكير، حين اعتضد بما كان، والتقى الفريقان واظهر ما كان شجاعة شديده، فأتاه، سهم عائر، فنفذ في خوذته وطلع من قفاه فسقط ميتا

стр. 6106

وافلت وشمكير، بعد ان اسر اكثر اصحابه. وحمل ابن محتاج من رءوس القتلى سته آلاف راس الى خراسان، فيهم راس ما كان وجلس ابو على بن محتاج للعزاء، واظهر الحزن عليه. وقال الحسن بن الفيروزان ابن عم ما كان: ان وشمكير، اسلمه، وكان الحسن شجاعا، وقصد ابن محتاج فقبله، وقصد وشمكير، فكان بينهما حرب على باب ساريه أياما. ثم ورد على ابى على وفاه صاحبه نصر بن احمد، فصالح وشمكير وأخذ ابنه رهينه، وانحدر معه الحسن بن الفيروزان، وحقد عليه كيف لم يستخلفه على حرب وشمكير، وانتهز غرته حين قاربا خراسان، فوثب عليه فافلت منه، وقتل حاجبه وانتهب سواده، واستعاد رهينه ابن وشمكير، وعاد الى جرجان فملكها، فصالحه الحسن، ورد عليه ابنه. ثم ان ركن الدولة قصد الري، وحارب وشمكير، فهزمه واستامن اليه اكثر رجاله، وصار بعد انهزامه الى خراسان، وتزوج ركن الدولة بنت الحسن، وهي والده فخر الدولة. وفي هذه السنه، فرغ من بناء مسجد براثا، وجمع فيه. وفيها ابتدأ الغلاء ببغداد، وبلغ الكر من الدقيق مائه وستين دينارا، وكثر الموت حتى كان يدفن الجماعه من غير غسل ولا صلاه، وظهر من قوم فيهم دين وصدقه عطف على الأحياء وتكفين الموتى، وظهر من آخرين فجور ومنكرات، وكان على بن عيسى والبقرى يكفنان الناس على أبواب دورهما. وسقطت القبه الخضراء، التي هي قبة المنصور المعروفه بقبه الشعراء. ونكب الكوفى هارون اليهودي جهبذ ابن شيرزاد، وبقي عليه من مصادرته ستون الف

стр. 6107

دينار، فأخذت داره، وكانت قديما لإبراهيم بن احمد الماذرائى، راكبه دجلة والصراة، وفيها بستان ابى الفضل الشيرازى ودار المرتضى، وحمل هذا اليهودي الى بجكم بواسط، فضرب بين يديه بالدبابيس حتى مات. واظهر بجكم العدل بواسط، وبنى دار ضيافه، وعمل البيمارستان ببغداد. وخرجت الشتوة جميعها بغير مطر. وانبثق نهر رفيل ونهر بوق فلم يتلاقيا، حتى خربت بادوريا بضع عشره سنه. وانفذ البريدى جيشا الى المذار فانفذ بجكم بتوزون، فهزمهم بعد ان كسروه. وجلس في رجب المعروف بغلام القاضى بجامع الرصافه، وقص على مذاهب اهل العدل، واجتمع اليه الناس. ونصبت القباب بباب الطاق والرصافه لزوار الحائر على ساكنه السلام. وتوفى البربهارى مستترا، ودفن في تربه نصر القشورى. وانحدر بجكم حين بلغه كسر توزون أولا، ولم يبلغه كسره لأصحاب البريدى وتمم، وقد عرف الغناء عن حضوره، فلما بلغ نهر جور، شره الى اموال اكراد هناك، وقصدهم متهاونا بهم في عدد يسير من غلمانه في قميص، فهرب الأكراد من بين يديه، واستدار احدهم من ورائه من غير ان يعرفه، فطعنه بالرمح في خاصرته فقتله، وذلك بين الطيب والمذار، يوم الأربعاء لتسع بقين من رجب. وكان البريديون قد عملوا على الهرب، فوافاهم من عسكره الف وخمسمائة ديلمى، فقبلوهم. وعاد تكينك بالاتراك الى بغداد، فنزلوا النجمى وأظهروا طاعه المتقى. وصار احمد بن ميمون كاتب المتقى لله قديما، يدبر الأمور والكوفى من قبله

стр. 6108

فكانت اماره بجكم سنتين وثمانية اشهر وتسعه ايام، وكتابه الكوفى له خمسه اشهر وثمانية عشر يوما. وكان بجكم يدفن أمواله وحده، فتتبع احد غلمانه اثره، واستدل على موضع المال، ودل المتقى على ذلك، فاستخرج مالا عظيما، ودفع التراب الى الحفارين فلم يقنعوا، فامر بغسله، فاخرجوا من التراب سته وثلاثين الف درهم. قال ثابت بن سنان: قال بجكم: قلت: الصواب ان ادفن في الصحراء، فربما حيل بيني وبين دارى، وكان الناس يشنعون اننى اقتل من يدفن معى، وما كنت افعل ذلك، بل كنت آخذ المال في الصناديق، واترك معها الرجال الذين أثق بهم واحملهم فيها مقفلا عليهم على البغال، واقود بنفسي القطار، وافتح عن الرجال، ولا يدرون اين هم من الارض، وإذا دفنوا اعدتهم على هذه الصفة. وقدم الترجمان من واسط، فاقره المتقى لله على الشرطه ببغداد. واصعد البريديون الى واسط في سبعه آلاف رجل، فانفذ اليهم المتقى الى واسط ثمانية وخمسين الف دينار، وامرهم بالمقام بواسط فلم تقنعهم. وفرق المتقى في الاتراك أربعمائة الف دينار. واصعد البريدى من واسط الى بغداد، فلما قرب اضطربت الاتراك البجكميه وسار بعضهم الى الموصل واستامن بعضهم اليه. واستتر الكوفى، وانتقل كثير من ارباب النعم، واشار بعض اصحاب على بن عيسى عليه بالاصعاد الى الموصل، فاستاجر سفنا ليصعد فيها رحله بمائتي دينار، ثم استدعى صاحبه فقال: ايهرب مخلوق الى مخلوق! اصرف الدنانير في الصدقه. وانحدر البريدى حين قرب، فتلقاه واكرمه، ومنعه ان يخرج من طيارة، وانتقل اليهم وشكر بره. ودخل البريدى بغداد، ومعه ابو الحسين، فابنه ابو القاسم، وابو جعفر بن شيرزاد، لليلتين خلتا من شهر رمضان، ونزلوا الشفيعى وكان معه من الزبازب والطيارات والحديديات والشذآت ما لا يحصى

стр. 6109

وتلقاه الوزير ابو الحسين بن ميمون، والكتاب والعمال والقضاه، وانفذ المتقى يعرفه انسه بقربه، وحمل اليه الطعام والهدايا عده ليال. وكان ابن ميمون والبريدى يخاطب كل واحد منهما صاحبه بالوزارة، ثم انفرد بها البريدى خاصه. فكانت وزارة ابن ميمون شهرا وثلاثة ايام، ثم قبض عليه واحدره الى البصره فمات بها. فاستكتب المتقى لله على خاص امره أبا العباس احمد بن عبد الله الاصبهانى. ولم يلتق البريدى بالمتقى، ومضى اليه الأمير ابو منصور بن المتقى لله بالنجمى ليسلم عليه، فلبس البريدى ثياب سواده، وتلقاه في احسن زي، ونثر عليه الدنانير. وراسل ابو عبد الله البريدى المتقى لله على يد القاضى احمد بن عبد الله ابن إسحاق الخرقى وابى العباس الاصبهانى يطالبه بحمل المال، فقال للقاضي: انصحه وعرفه خبر المعتز والمهتدى بالله، والله ان خليته مع الأولياء ليطلبن نفسه فلا يجدها. فكان الجواب، ان حمل اليه خمسمائة الف دينار، فوهب للخرقى منها خمسه آلاف دينار بعد مائه وخمسين الف دينار. وكان البريدى يأمر عسكره بالتشغيب على الخليفة، فرجعت المكيدة عليه، حتى شغبوا. واجتمع الديلم، فراسوا على انفسهم كورنكج بن الفارضى الديلمى، بالقبض عليه، وقصدوا البريدى وهو بالنجمى، وعاونهم العامه، فقطع البريدى الجسر، ووقعت الحرب في الماء ووثبت العامه بأسباب البريدى في الجانب الغربي فهرب ابنه واخوه في الماه الى واسط ونهبت داره ودور قواده، وحمل بعض ما حمل اليه المتقى من المال. واستتر ابن شيرزاد، فنهبت داره ودور قواده. وظهر سلامه الطولونى وبدر الخرشنى. وهرب البريدى من بغداد.

стр. 6110

اماره كورنكج وحصلت الإمارة لكورنكج ثانى شوال، ولقى المتقى في ثالثه، فقلده امير الأمراء وعقد له اللواء وخلع عليه. ودبر الأمر على بن عيسى واخوه من غير تسميه بوزاره. وغرق الأمير ابو شجاع كورنكج تكينك خامس شوال. واجتمعت العامه يوم الجمعه، وتظلموا من نزول الديلم في دورهم، وكسروا المنبر، ومنعوا من اقامه الصلاة، وقتل بينهم وبين الديلم جماعه. فلما كان بعد تسعه ايام من نظر على بن عيسى، استوزر المتقى أبا إسحاق محمد ابن احمد الاسكافى المعروف بالقراريطى. واخرج الأمير كورنكج أصبهان الديلمى الى واسط، ليحارب البريدى. وظهر ابن سنجلا وقريبه على بن يعقوب من استتارهما، فقبض القراريطى عليهما حين صارا اليه، وصادرهما بعد مكروه شديد على مائه وخمسين الف دينار. وبلغ ابن رائق قتل بجكم فسار من الشام. ولم يقبل ابو محمد بن حمدان من صار اليه من اصحاب بجكم، مثل توزون وصيغون، ونفذوا الى ابن رائق، فكتب اليه المتقى يستدعيه الى الحضره، فسار من دمشق، وعاد أصبهان الى بغداد، وحمل ابو محمد بن حمدان الى ابن رائق مائه الف دينار. وقبض كورنكج على القراريطى، فكانت مده وزارته ثلاثة واربعين يوما. وقلد الوزارة أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، وخلع المتقى عليه. وخطب بنو البريدى بواسط والبصره لابن رائق. فلما قرب ابن رائق من بغداد، خرج اليه كورنكج وانتهى الى عكبرا، واتصلت الحرب بينهما، ثم دخل ابن مقاتل، ومعه قطعه من الجيش، وبعده ابن رائق

стр. 6111

وعبر من النجمى الى دار السلطان، وسال المتقى الركوب معه، فركب معه الى الشماسيه، وانحدرا في الماء، ودخل المتقى دار الخلافه، وعبر ابن رائق الى النجمى. ووصل كورنكج واصحابه الى بغداد وهم في غاية التهاون بابن رائق، وجعلوا يقولون: اين نزلت القافلة الشامية؟ واتى كورنكج دار السلطان، فدافع عنها لؤلؤ وبدر الخرشنى. وعمل ابن رائق على الرجوع الى الشام، وانفذ سواده. واتفق حصول ابن رائق في سميريات بدجله ليعبر، فصادفهم كورنكج فراشقوا بالزوينات والنشاب، وصاحت العامه، فهرب كورنكج، ورماهم العامه بالستر والاجر، فانهزم اصحابه واستتر هو. وظهر الكوفى الى خدمه ابن رائق، وقتل ابن رائق أربعمائة ديلمى صبرا، اعطاهم الامان ولم يسلم منهم غير رجل واحد وقع بين القتلى، ورمى به معهم الى دجلة، وعاش مده طويله، وقتل جماعه من قوادهم، وانهزم بعضهم، فباتوا بخان بجسر النهروان، فسقط عليهم فهلكوا. وخلع المتقى على ابن رائق لاربع بقين من ذي الحجه، وطوقه وسوره وعقد له اللواء. وقلده امره الأمراء، والزم الكرخي بيته، فكانت وزارته ثلاثة وخمسين يوما. واطلق القراريطى الى منزله. وزادت الفرات في السادس والعشرين من ايار زياده غرقت هيت وسقط سورها، وغرقت محال بغداد، وهدمت القنطرتين بالصراه، وسقطت الدور التي عليها. وفي هذه السنه، قلد القاضى ابو الحسين احمد بن عبيد الله الخرقى القضاء بمصر والحرمين، وخلع عليه

стр. 6112

سنه ثلاثين وثلاثمائة انحدر ابن رائق في عاشر المحرم الى واسط، حين اخر عنه البريدى ما ضمنه، فهرب عند قربه منها البريدى الى البصره، وانفذ اليه مائه وسبعين الف دينار، وضمن حمل ستمائه الف دينار في السنه. فاصعد ابن رائق الى بغداد، وانفذ صاحب خراسان الى المتقى لله هدايا من غلمان اتراك وطيب وخيل، على يدي ابى العباس بن شقيق، وانفذ معه برأس ما كان، فشهر ببغداد في دجلة. وشغب توزون والاتراك على ابن رائق، وساروا الى البريدى فقوى بهم ولقوه بواسط. وكوتب البريدى من الحضره بالوزارة، واستخلف له ابن شيرزاد، ثم عول على الإصعاد الى الحضره، فركب المتقى وابنه وابن رائق، بين ايديهم المصاحف المنشورة، واستنفروا العامه، ولعن بنو البريدى على المنابر. واصعد ابو الحسين البريدى الى بغداد في جيش أخيه، فاستامن اليه قرامطه ابن رائق. وعمل ابن رائق على التحصن بدار السلطان، ونصبت العرادات على سورها، واستنهض العامه، فكان ذلك سببا للفتن واحرقوا نهر طابق، وكبسوا المنازل ليلا ونهارا. واشتبكت الحرب بين ابى الحسين البريدى وابن رائق في الماء، واشتدت الحرب في حادي عشر من جمادى الآخرة، وملك الديلم من اصحاب البريدى دار السلطان، فخرج وابنه هاربين ومضوا الى باب الشماسيه، فلحق بهم ابن رائق، واصعدوا الى الموصل فيها. وقيد كورنكج وحده واحدره الى أخيه، فكان آخر العهد به

стр. 6113

وكان القاهر محبوسا، فتركه الموكلون به فخرج فرئي وهو يتصدق بسوق الثلاثاء، فبلغ ذلك البريدى، فانفذ بمن اقامه واجرى له في كل يوم خمسه دراهم. ونزل البريدى دار مؤنس، وقلد توزون الشرطه، فلما وليها سكنت الفتنة، وأخذ ابو الحسين حرم توزون وعيالات القواد رهينه وانفذهم الى أخيه، وغلت الأسعار. وظلم البريدى الناس، وافتتح الخراج في آذار، وافتتح الجزية، وأخذ الأقوياء بالضعفاء، وقرر على الحنطة وسائر المكيلات من كل كر سبعين درهما، وقبض على خمسمائة كر، وردت للتجار من الكوفه، وادعى انها للحسن بن هارون فقلد الناحية. وهرب خجخج الى المتقى لله. وتخالف توزون ونوشتكين والاتراك على كبس ابى الحسين البريدى، فغدر نوشتكين بتوزون. ونمى الخبر الى الحسين، فتحرز واحضر الديلم فاستظهر بهم. وقصد توزون دار ابى الحسين، وغلقت الأبواب دونه. وانكشف لتوزون غدر نوشتكين به، فلعنه، وانصرف ضحوه نهار يوم الثلاثاء، ومضى معه قطعه وافرة من الاتراك الى الموصل، وقاتلت العامه البريدى، فقوى ابن حمدان بتوزون وبالاتراك، وعمل على الانحدار مع المتقى لله الى بغداد، وبلغ ذلك البريدى فكتب الى أخيه يستمده فامده بجماعه من الديلم والقواد. واخرج ابو الحسين مضربه الى باب الشماسيه، واظهر انه يحارب ابن حمدان، وذلك بعد ان قتل ابن حمدان ابن رائق، وكان سبب قتله، ان ابن حمدان كان بشرقى الموصل وابن رائق والمتقى بغربيها، فما زالت المراسلات بينهم، حتى توثق بعضهم من بعض وانس بهم. فعبر الأمير ابو منصور بن المتقى لله ومعه ابن رائق، يوم الاثنين لتسع بقين من رجب، الى ابن حمدان، فلقيهم اجمل لقاء ونثر على الأمير الدنانير. فلما اراد الانصراف ركب الأمير ابو منصور، وقدم فرس ابن رائق ليركب من داخل المضرب، فامسكه ابو محمد بن حمدان، وقال: تقيم عندي اليوم لنتحدث فان بيننا ما نتجاراه، فقال له ابن رائق: امضى في خدمه الأمير واعود، فالح عليه ابن حمدان

стр. 6114

إلحاحا استراب به ابن رائق، فجذب كمه من يده حتى تخرق، وكانت رجله في الركاب فشب به الفرس فوقع وقام ليركب، فصاح ابو محمد لغلمانه: ويلكم لا يفوتكم! فقتلوه. وانفذ للمتقى لله ان ابن رائق اراد ان يغتاله، فرد عليه المتقى انه الموثوق به. وعبر الى المتقى، فخلع عليه وعقد له لواء، ولقبه ناصر الدولة، وجعله امير الأمراء وكناه، وذلك مستهل شعبان، وخلع على أخيه على، وعلى ابى عبد الله الحسين بن سعيد ابن حمدان وكتب الى القراريطى بتقليد الوزارة. ولما قارب المتقى بغداد، هرب ابو الحسين البريدى عنها الى واسط. ودخل المتقى وناصر الدولة واخوه الشفيعى ولقى القراريطى المتقى وناصر الدولة. وتقلد ابو الوفاء توزون الشرطه. وخلع المتقى على القراريطى خلع الوزارة لليلتين خلتا من ذي القعده. وخلع بعد ذلك، على ناصر الدولة وأخيه وطوقهما وسورهما. وأتاهم الخبر ان البريدى على قصد بغداد، فعبر حينئذ المتقى وناصر الدولة الى الجانب الغربي، وسار ابو الحسن على بن عبد الله بن حمدان في الجيش الى الكيل، ولقيهم البريدى بها، ومعه ابن شيرزاد وابن قرابه في الديلم وجيش عظيم فكانت الوقعه مستهل ذي الحجه يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعه، ومع ابن حمدان توزون وخجخج والاتراك، فانهزم على واصحابه الى المدائن، فردهم ناصر الدولة الى الكيل، فانهزم حينئذ البريدى، واستؤسر من اصحابه يانس وجماعه من قواد البريدى. وعاد الى واسط، واستامن الى ابن حمدان محمد بن ينال الترجمان، وجماعه من قواد البريدى، وعاد منهزما مفلولا. وانحدر سيف الدولة الى واسط، فوجد البريديين قد انحدروا منها فأقام بها. ودخل ناصر الدولة يوم الجمعه لثانى عشر ليله بقيت من ذي الحجه، بغداد وبين يديه يانس غلام البريدى واصحابه مشهرين على رءوسهم البرانس، وسار في الجانب الغربي الى دار عمه ابى الوليد سليمان بن حمدان، وهي بالقرب من الجسر، ولأجل هذا لقب المتقى لله أبا الحسن على بن حمدان، بسيف الدولة، وكتب في ذلك ابن ثوابه كتابا. ولأجل هذا يقول المتنبى في قصيدته في سيف الدولة:

стр. 6115

انا منك بين مكارم وفضائل ... ومن ارتياحك في غمام دائم يقول فيها: ان الخليفة لم يسمك سيفه ... حتى ابتلاك فكنت عين الصارم فإذا تتوج كنت دره تاجه ... وإذا تختم كنت فص الخاتم قال ابو الفتح: يقال فص وفص والفتح اكثر. وإذا انتضاك على العدى في معرك ... هلكوا وضاقت كفه بالقائم وظهر الكوفى لناصر الدولة وخدمه. وأخذ ابو زكريا السوسي لابن مقاتل أمانا، وشرط ان استقر ما بينه وبين ناصر الدولة، تمم الظهور، والا عاد الى استتاره. فلما عاد لم يتمش بينهما امر، فقال له: عد الى استتارك، فقال ابن مقاتل: لم أجد عهدا، وان شئت فعلت. فضج ناصر الدولة من ذلك، وعلم انها حيله وقعت عليه، فصحح امره على مائه وثلاثين الف دينار، وعلى ان ينفذ جيشا الى حلب ليفتحها، وصح له خمسون الف دينار. ونظر ناصر الدولة في امر النقد، وطالب بتصفيه العين والورق، وضرب دنانير سماها الابريزيه، وبيع الدينار منها بثلاثة عشر درهما، بعد ان كان عشره، وكتب ابن ثوابه عن المكتفي في ذلك كتابا. وفي هذه السنه توفى ابو الحسن على بن اسماعيل بن بشر الأشعري المتكلم. وولد سنه ستين ومائتين، ودفن في مشرعه الروايا في تربه الى جانبها مسجد، وبالقرب منها حمام على يسار المار من السوق الى دجلة واخبر بذلك الخطيب عن ابن برهان، وعمرها ابو سعيد الصوفى في زماننا.

стр. 6116

سنه احدى وثلاثين وثلاثمائة [أخبار] ورد الخبر، بان الأمير معز الدولة وافى من الاهواز الى عسكر ابى جعفر، بإزاء نهر معقل، واظهر ان السلطان كاتبه حتى يحارب البريديين، فأقام مده يحاربهم ثم عاد الى الاهواز. وورد الخبر بورود الروم قريبا من نصيبين فسبوا واحرقوا. وضرب ناصر الدولة أبا على هارون بن عبد العزيز الأوار، حتى على ضعف جسمه سبعمائة مقرعه، وصادره على عشرين الف دينار، وكان يكتب لابن مقاتل، وصادر جماعه من أسبابه، وعمل لدار عمه ابى الوليد في دجلة انفق عليها مالا، وزوج ابنته عدويه من الأمير ابى منصور بن المتقى، ووكل في العقد أبا عبد الله بن ابى موسى الهاشمى، وكان الخطيب ابو الحسن الخرقى، فلحن في خطبته، وتمم العقد ابن ابى موسى على صداق خمسمائة الف درهم، وتعجيل مائه الف دينار. وقبض القراريطى على جماعه من الكتاب وصادرهم. وقبض على ابى القاسم بن زنجى، فامتنع من الغذاء أياما، وبقي لا يتكلم، فحمله الى منزله خوفا عليه من حادثه في اعتقاله، وظنه انه يموت من يومه، ووكل به في منزله فدبر امره واستتر. وقبض على ابى الفتح بن داهر العامل، وكان يوسع على المكلفين الموكلين ويسقيهم الشراب، فأطعمهم يوما قطائف منبج، فقام وهرب. واحدث القراريطى سوما في الظلم، فلم يمهله الله تعالى، فعبر الى دار ناصر الدولة فقبض عليه وعلى اصحابه، فكانت وزارته ثمانية اشهر وسته وعشرين يوما. وفي جمادى الاولى هرب قطعه من الجيش الى البريدى. واغاث الله تعالى الضعفاء عند تعذر الخبز بجراد اسود، فبيع كل خمسين رطلا بدرهم.

стр. 6117

وزارة ابى العباس الاصفهانى ولما قبض ناصر الدولة على القراريطى جعل الوزارة الى ابى العباس احمد بن عبد الله الاصفهانى، وخلع عليه المتقى خلع الوزارة، ولبس القباء والسيف والمنطقه، وابو عبد الله الكوفى المدبر للأمور. وصادر القراريطى على خمسمائة الف درهم، وحمل الى دار ابن ابى موسى الهاشمى. وكان ناصر الدولة ينظر في احوال الناس كما ينظر اصحاب الشرط، وتقام الحدود بين يديه. وصار عدل، حاجب بجكم بعده الى ابن رائق، وبعده الى ناصر الدولة، فقلده الرحبه، واستولى عليها وكثر اتباعه، فانفذ ناصر الدولة ببدر الخرشنى لحربه. فلما صار بدر بالدالية، توقف عن المسير الى عدل، وكاتب لاخشيد محمد بن طغج وهو بدمشق يستاذنه في المسير اليه، فاذن له وانفذ اليه القرب والجمال والروايا، فسلك بدر البريه، ووصل دمشق، فقلده الإخشيد المعاون بها، وجعلت الرحبه واعمال الفرات لعدل، وعامله ابو على النوبختى. وحصل لعدل من المصادرات الفى الف درهم، فاتسعت يده، وكثر رجاله، واقبل الديلم والاتراك يقصدونه من بغداد في المرقعات فخلع عليهم. وتمت على عدل الحيله من سهلون كاتب ناصر الدولة، لأنه اراد المضى الى يانس المؤنسى بالرقة، فمنعه عدل من ذلك، فقال له سهلون: قد كثر اتباعك ولا يفيء بمؤونتكم ما في يديك، وانا اكتب عن ناصر الدولة الى يانس، بتسليم الرقة إليك، فتبعه على ذلك. وبلغا الخانوقه، فقال له سهلون: الرأي ان اتقدمك اليه، فطلب منه رهينه فقال:

стр. 6118

ان رآك وقد أخذت رحلي فطن، فتركه، فلما حصل بالرقة مع يانس كاتبا بنى نمير. فلما عرف عدل الصورة، سار الى نصيبين، فلقيه الحسين بن سعيد بن حمدان، فاستامن اصحاب عدل الى الحسين، فاسره وابنه وسلمهما وأنفذهما الى ناصر الدولة وشهرهما على جملين. وحصل سيف الدولة بواسط، ودافعه اخوه ناصر الدولة بحمل المال. وكان توزون وجوجوج يسيئان الأدب عليه، فضاق ذرعا بتحكمهما، فانفذ اليه ناصر الدولة أبا عبد الله الكوفى في الفى الف درهم وخمسين الف دينار. فلما وصل الى واسط، قام توزون وجوجوج الى الكوفى، فشتماه واسمعاه مكروها، فخباه سيف الدولة في بيت وقال: اما تستحيان منى! فلما كان يوم الأحد آخر شعبان كبس الاتراك سيف الدولة، واحرقوا سواده، فهرب ولزم نهرا يقال له الجازور، فاداه الى قريه تعرف ببرقه، ولزم البريه حتى وصل الى بغداد واتبعوه فرسخا. وعاد توزون وجوجوج الى معسكرهما. ووصل الكوفى الى بغداد لليلتين خلتا من شهر رمضان، ولقى ناصر الدولة، وعرفه الصورة، فاصعد الى الشماسيه، وركب المتقى لله اليه، فسأله التوقف عن الخروج من بغداد، ونهبت داره رابع شهر رمضان. وافلت يانس غلام البريدى وعاد الى صاحبه فاستتر الكوفى وابن مقاتل. وخرج الديلم الى المصلى، وضبط الاتراك الذين بالبلد بغداد، ثم عاد الديلم. ودبر الأمور القراريطى. وانعقدت الرئاسة بواسط لتوزون، بعد منازعه من جوجوج له، ثم تظاهرا، وكانت مده وقوع اسم الوزارة على ابى العباس الاصفهانى أحدا وخمسين يوما، ومده اماره ناصر الدولة ابى محمد الحسن عبد الله بن حمدان ثلاثة عشر شهرا وثلاثة ايام. وتقدم توزون الى جوجوج بالانحدار الى نهر ابان، ورد البريدى عن واسط انه قصدها

стр. 6119

ووافى رسول البريدى عيسى بن نصر الى توزون، يهنئه بالاماره ويسأله ان يضمنه اعمال واسط، ويعرفه ان الرأي ان يعجل الى الحضره، ويخرج ابن حمدان عنها، فأجابه: ان عسكرى عسكر بجكم الذين جربت، وإذا استقرت الأمور تكلمنا في الضمان، واتبعه جاسوسا يعرفه ما يجرى بينه وبين جوجوج، فعاد الجاسوس وعرفه ان جوجوج على الاستئمان الى البريدى، فسار اليه توزون في ثانى عشر شهر رمضان في مائه من الاتراك فكبسه في فراشه. فلما احس به ركب دابه النوبه، واخذلتا ودفع عن نفسه، ثم أخذ بعد ساعه وحمله توزون الى واسط، فسلمه في دار عبد الله بن يونس . وزارة ابى الحسين بن مقله ولما انصرف ناصر الدولة من بغداد، قلد المتقى وزارته أبا الحسين على بن محمد ابن مقله، وخلع عليه في حادي عشر شهر رمضان. وعاد سيف الدولة الى بغداد، فلما بلغ جرجرايا عرف سيف الدولة ذلك، فاصعد عن باب حرب، لسبع بقين من شهر رمضان، ونزل دار مؤنس. ولثلاث بقين من شهر رمضان، دخل البريدى واسطا، فاحرق ونهبت واحتوى على الغلات . اماره توزون واقام توزون، فخلع عليه المتقى وقلده امره الأمراء، وعقد له لواء، فاسرف بالخلع الى دار مؤنس، واستكتب أبا جعفر الكرخي، وقبض على جماعه من التجار وطالبهم بمال. وقبض على ابى بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمى

стр. 6120

واستتر منه ابن ابى موسى الهاشمى لتحققه بناصر الدولة، وكان قد اسر عند هزيمه سيف الدولة غلاما حظيا عند سيف الدولة، فاطلقه ووهبه لسيف الدولة، وبعثه اليه حين حصل ببغداد، فحسن هذا الفعل من ناصر الدولة وسيفها، حتى قال ناصر الدولة: قد قلدت توزون الحضره، واستخلفته هناك، فسكنت نفسه حينئذ. وغلا السعر ببغداد، حتى بيع اربعه أرطال بدرهم. ووجه بالديلم الى قطيعه أم جعفر، فكبسوا الدكاكين، وأخذوا من الدقيق وقر زورقين عظيمين، وواثبهم العامه. وانحدر ثالث عشر ذي القعده وخلف ببغداد الترجمان. وخطب ابن مقله كتابه توزون لعمه ابى عبد الله، وانفذ اليه هديه، منها عشرون ثوبا دبيقيا وعشرون رداء قصبا وطيبا، وذلك بعد ان استكتب توزون القراريطى وصرف النوبختى، فلم يجب توزون الى ذلك، وقال: لا يحسن بي صرفه بعد ثلاثة ايام من استخدامى له. ووافاه بواسط ابن شيرزاد من البصره فتلقاه توزون في دجلة وسر به، وقال: يا أبا جعفر كملت امارتى وهذا خاتمي فخذه ودبرني بأمرك، فأنت ابى، فقبل ابو جعفر يده. فانصرف ابن شيرزاد الى دار الصوفى فنزلها، وانفذ أبا الحسن طازاذ الى الحضره لخلعه، وانفذ معه صافيا غلام توزون في خمسين غلاما، ليقوى يده وامر بالقبض على القراريطى، وان يسلمه الى ابن مقله، ومطالبته بالعشرين الف دينار. وكان سبب تخلص ابن شيرزاد من البريدى ان يوسف بن وجيه صاحب عمان. وافى البصره في ذي الحجه، في المراكب والشذاآت، وغلب على الأبله، فهرب ابن شيرزاد وطازاذ وابو عثمان سعيد بن ابراهيم كاتب بدر الخرشنى. وانصرف يوسف، وقد قارب ان يملك البصره، حتى اتى البريدى بفلاح يعرف بالزبارى، فقال: انا احرق مراكبه، وكانت بالليل يشد بعضها الى بعض، كالجسر في عرض دجلة، فاعتمد الزبارى الى زورقين فملأهما زعفا، واضرمهما نارا

стр. 6121

وأرسلهما، فوقعت على المراكب، فاشتعلت وتقطعت واحرق من فيها، وانتهب الناس منها مالا عظيما. وهرب يوسف على وجهه، واستشعر ابن مقله الخوف من ابن شيرزاد، واوقع بين المتقى وتوزون وقال: قد عزم على ان يأخذ منك خمسمائة الف دينار كما أخذ من البريدى، وقال: هذه بقية تركه بجكم. ووافى ابن شيرزاد الحضره في ثلاثمائة غلام، ووصل الى المتقى، واشار عليه ابن مقله والترجمان بالقبض عليه فلم يفعل. وفي شهر رمضان ورد الخبر بموت نصر بن احمد صاحب خراسان، وترتب ابنه نوح في موضعه. واتصلت الفتن ببغداد، فانتقل كثير من تجارها مع الحاج الى مصر والشام. وورد من ملك الروم كتاب يلتمس فيه منديلا ببيعه الرها، وذكر ان عيسى ابن مريم ع، مسح به وجهه، وانه حصلت صوره وجهه فيه، وانه ان انفذ اليه اطلق الأسارى، فاستامر ابن مقله المتقى، فأمره باحضار الناس، فاستحضر على ابن عيسى والفقهاء والقضاه، فقال بعض من حضر: هذا المنديل منذ الدهر الطويل في البيعه، ولم يلتمسه ملك من الملوك، وفي دفعه غضاضه على المسلمين، وهم أحق بمنديل عيسى ع، فقال على بن عيسى: خلاص المسلمين من الاسر اوجب، فامر المتقى بتسليم المنديل وان يخلص به الأسارى، وكتب بذلك عنه.

стр. 6122

سنه اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وافى ابو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان الى باب حرب في جيش كثير، فخرج اليه المتقى لله وحرمه وولده، وابن مقله وابو نصر محمد بن ينال الترجمان، وخرج معه العمال والوجوه، وسلامه الطولونى وابو زكريا السوسي وابو محمد الماذرائى والقراريطى وابو عبد الله الموسوى وغيرهم. واستتر ابن شيرزاد ونهب اقبال غلامه بعض خزائن المتقى. وظهر ابن شيرزاد من استتاره. ووصل سيف الدولة الى تكريت لاربع خلون من شهر ربيع الاول، فتلقاه الأمير ابو منصور، وصار معه الى المتقى لله، واشار بالاصعاد الى الموصل، فامتنع وقال: لم توافقونى على هذا؟ وانفذ توزون حين بلغه الخبر موسى بن سليمان في الف رجل فنزل بالشماسيه. وعقد توزون واسطا على البريدى، واصعد فوصل بغداد عاشر ربيع الاول. فعند ذلك، انفذ المتقى حرمه الى الموصل، وانحدر اليه ناصر الدولة في بنى نمير وبنى كلاب وبنى اسد، فتلقاه المتقى وسار توزون اليهم، الى قصر الجص، ودامت الحرب فيه، بين سيف الدولة وبين توزون ثلاثة ايام، فانهزم سيف الدولة حينئذ، واصعد معه اخوه ناصر الدولة، ونهب اعرابهما سوادهما. وملك توزون تكريت، فشغب عليها اتراكه، ولحق بعضهم بناصر الدولة، فانحدر حينئذ توزون الى بغداد، وأنقذ بابن ابى موسى في الصلح بينه وبين ناصر الدولة. وانحدر سيف الدولة من الموصل، ومعه الجيش للقاء توزون، وكان توزون قد زوج ابنته من ابى عبد الله البريدى. وسار توزون الى حربى فالتقيا أول شعبان، فانهزم سيف الدولة، وسار

стр. 6123

الى الموصل فعند ذلك خرج اخوه ناصر الدولة والمتقى لله وسائر من معهم الى نصيبين، وخرج توزون وراءهم الى الموصل، ومعه ابن شيرزاد، فاستخرج منها مائه الف دينار. وللنامى يذكر وقعه سيف الدولة بتوزون: على رماحك نصر الله قد نزلا ... فاسال به يوم تلقاك العدى الاسلا ان ضل سعدا على مسراك مطلعه ... فقد دعته العدى المريخ او زحلا يا ناصر الدين ان الدين في وزر ... وموئل الملك ان الملك قد والا هاتى صنائعك الحسنى أبا حسن ... والت لمن قد بغاك العتر والزللا وسار المتقى لله الى الرقة في حرمه وولده، ووصلها أول يوم من شهر رمضان، وانفذ من هناك بابى زكريا السوسي الى توزون، وقال: قل له: قد اوحشتنى الظنون السيئه من البريديين، وعرفت انك وهم يد واحده، وقد عفا الله عما سلف، فان آثرت رضائى فصالح نصر الدولة وارجع الى الحضره، فان الأمور تستقيم لك برضائي عنك، فقال ابو زكريا: يا امير المؤمنين انى اخافه على نفسي، فقال: إذا قصدت الصلاح كفيت، فقلت له: فان لم يتم الصلح اعود الى وطنى؟ قال: قد أذنت لك، فقبلت يده. فلما جئت الموصل، هم الاتراك بي، وارتاب توزون بوصولى، فقلت: ايها الأمير، قد كنت اسفر بينك وبين ابن رائق، فهل عرفتني الا مستقيما؟ قال: صدقت: فقلت: انا رجل سنى كبير وارى طاعه الخليفة، وخرجت معه احتسابا، لا اطلب الدنيا وقد انفذنى رسولا، وأنتم أولادي، ربيتكم وارى الصلح فاشار عليه ابن شيرزاد بذلك. ووردت الاخبار بمجيء معز الدولة الى واسط، فأحب توزون اتمام الصلح. وحصل لابن شيرزاد مائتا الف دينار. وعقد البلد على ناصر الدولة ثلاث سنين، كل سنه بثلاثة آلاف الف وستمائه الف درهم، ودخل توزون بغداد

стр. 6124

وظهر ببغداد لص يعرف بابن حمدي، فكان يعمل للعملات، ورافقه ابن شيرزاد بعد ان خلع عليه، على خمسه عشر الف دينار، فكان يؤدى الروزات بها أولا أولا. وكان ابو يوسف البريدى قد استوحش من أخيه، فقال: قد حصل لأخي ابى عبد الله من واسط ثمانية آلاف الف دينار بذر فيها. فصار في بعض الأيام الى دار ابى عبد الله من واسط، فتلقاه الغلمان وقتلوه. وورد الخبر بان نافعا غلام يوسف بن وجيه صاحب غان، قتل مولاه وملك مكانه. ودخل الروم راس عين، وسبوا من أهلها ثلاثة آلاف انسان. ووضع ابن شيرزاد على سائر مدائن بغداد ضربته، وعم الغلاء، وصار ما كان يساوى في ايام المقتدر ﵀ دينارا يساوى درهما. وفي جمادى الآخرة، قبض ابو العباس الديلمى، خليفه توزون، على الشرطه ببغداد، على ابن حمدان اللص ووسطه، فخف عن الناس بعض المكاره بقتله. وفي رجب مات ابو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد. وقد قالوا: مريم بنت الحسن بن مخلد أبوها وزير، تقلد الوزارة ثلاث دفعات، وزوجها القاسم بن عبيد الله، وزير المعتضد والمكتفي، وأخوها سليمان بن الحسن ابن مخلد، تقلد الوزارة للمقتدر والراضي والمتقى، وحموها عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد، وابنها ابو على الحسن بن القاسم بن عبيد الله وزر للمقتدر بالله. وقد تقدم قول الناس: امراه يحل لها ان نضع قناعها بين يدي اثنى عشر خليفه، كل لها محرم، وهي عاتكه بنت يزيد بن معاويه، أبوها يزيد وجدها معاويه، وأخوها معاويه بن يزيد، وزوجها عبد الملك بن مروان وابو زوجها مروان بن الحكم، وابنها يزيد بن عبد الملك، وبنو زوجها الوليد وسليمان وهشام، وابن ابنها الوليد بن يزيد، وابن زوجها يزيد بن الوليد بن عبد الملك، واخوه ابراهيم بن الوليد الذى خلع. واصعد معز الدولة من واسط، على وعد من البريدى في نصرته فلم يف

стр. 6125

وانحدر اليه توزون محاربا فالتقيا في الموضع المعروف بقباب حميد، ودامت الحرب بينهم بضعه عشر يوما وكان توزون يتأخر كل يوم، وكثر القتلى في الجانبين. وعبر توزون نهر ديالى، واستولى على زواريق معز الدولة، فضاقت عليه الميرة، فصار الى جسر النهروان، وعبر اليه توزون في الف عربي وخمسمائة تركي على غفله، وأخذ سواده، وقتل من اصحابه خلقا واسر آخرين، في جملتهم ابن الاطروش المعروف بالداعي العلوي وابو بكر بن قرابه، وكان قد وافى مع الديلم، فصودر على عشرين الف دينار، وشغل توزون عن اتباعهم ما عاود من الصرع. ونجا معز الدولة والصميرى ونفر يسير باسوا حال. ولليلة بقيت من شوال، ورد الخبر بموت ابى طاهر سليمان بن الحسين الهجرى، بالجدري في منزل بهجر، في شهر رمضان وصار الأمر لإخوته. وكان ابن سنبر يعادى المعروف بابى حفص الشريك، واحضر رجلا أصبهانيا، فكشف له دفائن وأسرارا، كان ابو سعيد كشفها لابن سنبر وحده، من غير ان يعلم ابنه أبا طاهر بذلك، وقال الاصبهانى: امض الى ابى طاهر، وعرفه ان أباه كان يدعو إليك وعرفه الاسرار. فلما أتاه وخبره اعتقد صدقه، وقام بين يديه وسلم الأمر اليه، فتمكن وقتل أبا حفص، وكان إذا قال لأبي طاهر: ان فلانا قد مرض، معناه شك في دينهم، فطهره، قتله ابو طاهر ولو كان اخوه فخاف ابو طاهر على نفسه منه، وقال: قد وقع لي في امره شبهه، وليس بالرجل الذى يعرف الضمائر ويحيى الأموات، وقال: ان أمي عليله، وغطاها بازار، فلما جاء إليها الاصبهانى قال: هذه عليله لا تبرا فطهروها،

стр. 6126

اى اقتلوها، فجلست الام، فقال له ابو طاهر واخوته: أنت كذاب وقتلوه. وكان له سبعه من الوزراء اكبرهم ابن سنبر. وكان لأبي طاهر اخوان، ابو القاسم سعيد بن الحسن، وابو العباس الفضل ابن الحسن، وكان امرهم واحدا، فكانوا إذا أرادوا حالا خرجوا الى الصحراء، واتفقوا على ما يعملون، فإذا انصرفوا تمموا ما عولوا عليه، وكان لهم أخ متشاغل باللذات، لا يدخل معهم في أمورهم. وفي هذه السنه توفى ابو عبد الله البريدى، بحمى حاده، مكثت به سبعه ايام، وكان بين قتله لأخيه وبين موته ثمانية اشهر. وانتصب ابو الحسين مكان أخيه، فاستطال على اصحابه، فمضى يانس الى ابى القاسم ابن مولات، وأخذ منه ثلاثمائة الف دينار، ففرقها في الديلم حتى عقدوا له الرئاسة، وكبسوا أبا الحسين بمسماران، فخرج من تحت ليلته، وتنكر ومضى الى الجعفرية، ومضى الى الهجرى فقبله، واقام عنده شهرا، وسار معه أخو ابى طاهر ولم يتمكنوا من دخول البلد، فسفروا بين ابى الحسين وبين عمه في الصلح، وسألوه ان يؤمنه، فاختار الإصعاد الى بغداد، وكان من حاله ما ياتى ذكره. واجتمع لشكرستان الديلمى، ويانس، على الإيقاع بابى القاسم، فلما خرج يانس من عند القائد اتبعه بزوبين في الليل، فسلم منه وصار الى خراب فآواه. وكان ابو القاسم معولا على الهرب، حين بلغه ما هما به، واستتر لشكرستان حين علم سلامه يانس. وعولج يانس حتى برئ، وصادره ابو القاسم على مائه الف دينار، وتلقاه الى عمان، فلما صار في الحديدى قتله غلمان ابى القاسم، وتمكن ابو القاسم من الرئاسة. وخرج في هذه السنه، عسكر الروسيه الى اذربيجان، وفتحوا برذعه، وملكوها وسبوا أهلها. فجمع المرزبان بن محمد عسكره، واتته المطوعة، حتى صار في مائتي الف رجل، فلم يقاومهم، وكان أميرهم يركب حمارا

стр. 6127

وكمن لهم المرزبان كمينا، وهرب من بين ايديهم، وسال الناس العود، فلم يعد احد معه، لما تمكن لهم في النفوس من الهيبه، فعاد وحده طالبا الشهاده، فاستحى خلق من الديلم وعادوا معه، فقتل أميرهم وسبعمائة منهم، وألجأهم الى حصن. ووقع في الروسيه الوباء حين أكلوا الفاكهة، وكان الواحد منهم إذا مات، كفن بماله وسلاحه، ودفنت زوجته ومعه وغلامه إذا كان يحبه. واخرج المسلمون، لما مضوا من قبورهم اموالا، وحملوا على ظهورهم الأموال والجواهر، واحرقوا ما عدا ذلك، وساقوا النساء والصبيان ومضوا الى سفن لهم. واجتمع خمسه منهم في بستان ببرذعه فيهم امرد، ومعهم نسوه من سبى المسلمين، فاحاط بهم المسلمون، واجتمع قوم من الديلم عليهم، ولم يصل الى واحد منهم حتى قتلوا من المسلمين اعدادا، ولم يتمكن من واحد منهم اسرا، وكان الأمرد آخر من بقي منهم، فقتل نفسه. وظهر للمتقى من بنى حمدان ضجر بمقامه عندهم، فانفذ بالحسن بن هارون وابى عبد الله بن ابى موسى الى توزون في الصلح، فتلقى ذلك باحسن لقاء، وحلف له ولابن مقله بمحضر من الناس.

стр. 6128

سنه ثلاث وثلاثين وثلاثمائة [أخبار] اتى الإخشيد حلب، فاستولى عليها، وانصرف عنها ابو عبد الله الحسين بن سعيد ابن حمدان الى الرقة، فلم يوصله المتقى، وغلق أبواب البلد دونه، فمضى الى سيف الدولة وهو بحران. واتى الإخشيد الى الرقة فخدم المتقى، ووقف بين يديه، ومشى قدامه حين ركب، فأمره بالركوب فلم يفعل، وحمل اليه اموالا، وحمل الى ابن مقله عشرين الف دينار، ولم يدع كاتبا ولا حاجبا الا بره. واجتهد بالمتقى، ان يسير معه الى مصر والشام فلم يفعل، واشار عليه بالمقام مكانه فلم يقبل. وانحدر المتقى الى هيت، فأقام بها، وانفذ بالقاضى الخرقى، حتى جدد على توزون الايمان والعهود والمواثيق، بعد ان لقب توزون بالمظفر. وخرج توزون الى السندية، فلما وصلها المتقى، ترجل له وقبل الارض بين يديه، ووكل به وبالوزير، وارتجت الدنيا بفعله، ثم سمله. وكان المتقى يتأله ويصلى ويصوم كثيرا، ولم يشرب النبيذ قط، وكان فيه وفاء وقناعه، ولم يتحظ غير جاريته التي كان يتحظاها قبل الخلافه. ولما تمكن، استوزر كاتبه ابن ميمون قديما، ولم يغدر بأحد، وكان بر النفس، حسن الوجه، وهرب وعنده الف الف دينار أخذها من بجكم، ولم يحسن التدبير ولم تنهب دار خليفه قبله. قال ثابت بن سنان: وحدثنى ابو العباس التميمى الرازى- وكان خصيصا بتوزون-

стр. 6129

ان ابراهيم الديلمى سألني المصير الى دعوته، وكان ينزل بدار القراريطى، فجئتها وهي مفروشة، فلما جلست قال: اعلم انى خطبت الى قوم وتجملت عندهم، بان ادعيت ان لي منزله من الأمير، فقالت لي المرأة: إذا كنت بهذه المنزله، فانى ادلك على شيء يعمم صلاحه الامه، وينفعك عند الأمير، فقلت ما هو؟ قالت: فان هذا الخليفة المتقى، قد عاداكم وعاديتموه، واجتهد في هلاككم ببني حمدان وبنى بويه، فلم يتم له ما اراد، ولا يجوز ان يصفو لكم، وهاهنا رجل من ولد الخلفاء يرجع الى دين ورجله، فهل لكم ان تنصبوه للخلافة وهو يثير اموالا عظيمه. واطالت الكلام، فهوستنى، فعلمت ان محلى لا يبلغ الى مثل ذلك، وكرهت انى اكذب نفسي في ادعاء المنزله التي ذكرتها، فاطمعتها في ذلك بك، وقد اطلعتك عليه، فقلت: اريد ان اسمع كلام المرأة، فجاءني بامرأة تتكلم بالعربية والفارسيه، من اهل شيراز، جزله شهمه قهمه، فخاطبتني بنحو ما خاطبني به الرجل فقلت لها: اريد ان القى الرجل، فاتتنى به في خف وإزار، من دار ابن طاهر، وعرفني انه عبد الله بن المكتفي بالله. فرايت رجلا حصيفا، ورايته يميل الى التشيع، ورايته عارفا بأمر الدنيا، وضمن ستمائه الف دينار يستخرجها ويمشى بها الأمر، ومائتي الف دينار للأمير توزون، وقال: انا رجل فقير، واعرف هذه الأموال عند اقوام عندهم ذخائر الخلافه. فصرت الى توزون، ولقيت أبا عمران موسى بن سليمان، فاطلعته على الحال، فقال: انى لا ادخل في هذه الأمور، فلما آيسنى حلفته على الكتمان، واستحلفت توزون على الكتمان بالمصحف، واخبرته، فطلب الرجل ان يبصره، فقلت: بشرط ان تكتم الحال من ابن شيرزاد. واتى توزون معى الى دار موسى بن سليمان، فلقيه هناك وخاطبه وبايعه. فلما وصل المتقى لله الى السندية ولقيه توزون، قلت له: ان كنت عزمت على

стр. 6130

اتمام ذلك الأمر فافعله الان، فانه ان دخل بغداد، تعذر عليك الأمر، فوكل به. وكانت المرأة التي سفرت للمستكفى المعروفه بعلم الشيرازيه، حماه ابى احمد الفضل الشيرازى، وصارت قهرمانه المستكفى، واستولت على الأمور. وكان سمل المتقى وخلعه في صفر. خلافه المستكفى بالله ابى القاسم عبيد الله بن المكتفي بالله بن المعتضد بالله، أمه رومية اسمها غصن، ولى الخلافه، وسنه يومئذ احدى واربعون سنه وسبعه ايام، وكان في سن المنصور يوم ولى، وكانت خلافته سنه واربعه اشهر. فقلد أبا الفرج محمد بن على السرمزراى الوزارة، ولم يكن اليه غير اسم الوزارة، وابو جعفر بن شيرزاد الناظر في الأمور. وخلع على توزون، وطوقه وسوره، ووضع على راسه التاج المرصع بجواهر، وجلس بين يدي المستكفى بالله على كرسي. وفي شهر ربيع الاول، تقلد القاضى ابو عبد الله محمد بن عيسى المعروف بابن ابى موسى الضرير القضاء بالجانب الشرقى من بغداد، وتقلد ابو الحسن محمد ابن الحسن بن ابى الشوارب القضاء في الجانب الغربي منها. وطلب المستكفى بالله الفضل بن المقتدر طلبا شديدا، فاستتر منه، فامر بهدم داره التي على دجلة، بدار ابن طاهر، فهدمت، فلم يبق منها غير المسناه وما زال في ايام المستكفى مستترا، فلما هدم داره، قال على بن عيسى: اليوم بايع له بولاية العهد. وقد ذكرنا حال ابى عيسى البريدى وهربه من ابى القاسم ابن أخيه، فورد الحضره بعد ما امنه ابو القاسم، واختار الإصعاد إليها، فوصلها في شهر ربيع الاول، ولقى توزون، ونزل دار طازاد، التي كانت بقصر فرج على دجلة، وسعى في ضمان
следующие страницы →