← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

اى اقتلوها، فجلست الام، فقال له ابو طاهر واخوته: أنت كذاب وقتلوه. وكان له سبعه من الوزراء اكبرهم ابن سنبر. وكان لأبي طاهر اخوان، ابو القاسم سعيد بن الحسن، وابو العباس الفضل ابن الحسن، وكان امرهم واحدا، فكانوا إذا أرادوا حالا خرجوا الى الصحراء، واتفقوا على ما يعملون، فإذا انصرفوا تمموا ما عولوا عليه، وكان لهم أخ متشاغل باللذات، لا يدخل معهم في أمورهم. وفي هذه السنه توفى ابو عبد الله البريدى، بحمى حاده، مكثت به سبعه ايام، وكان بين قتله لأخيه وبين موته ثمانية اشهر. وانتصب ابو الحسين مكان أخيه، فاستطال على اصحابه، فمضى يانس الى ابى القاسم ابن مولات، وأخذ منه ثلاثمائة الف دينار، ففرقها في الديلم حتى عقدوا له الرئاسة، وكبسوا أبا الحسين بمسماران، فخرج من تحت ليلته، وتنكر ومضى الى الجعفرية، ومضى الى الهجرى فقبله، واقام عنده شهرا، وسار معه أخو ابى طاهر ولم يتمكنوا من دخول البلد، فسفروا بين ابى الحسين وبين عمه في الصلح، وسألوه ان يؤمنه، فاختار الإصعاد الى بغداد، وكان من حاله ما ياتى ذكره. واجتمع لشكرستان الديلمى، ويانس، على الإيقاع بابى القاسم، فلما خرج يانس من عند القائد اتبعه بزوبين في الليل، فسلم منه وصار الى خراب فآواه. وكان ابو القاسم معولا على الهرب، حين بلغه ما هما به، واستتر لشكرستان حين علم سلامه يانس. وعولج يانس حتى برئ، وصادره ابو القاسم على مائه الف دينار، وتلقاه الى عمان، فلما صار في الحديدى قتله غلمان ابى القاسم، وتمكن ابو القاسم من الرئاسة. وخرج في هذه السنه، عسكر الروسيه الى اذربيجان، وفتحوا برذعه، وملكوها وسبوا أهلها. فجمع المرزبان بن محمد عسكره، واتته المطوعة، حتى صار في مائتي الف رجل، فلم يقاومهم، وكان أميرهم يركب حمارا

стр. 6127

وكمن لهم المرزبان كمينا، وهرب من بين ايديهم، وسال الناس العود، فلم يعد احد معه، لما تمكن لهم في النفوس من الهيبه، فعاد وحده طالبا الشهاده، فاستحى خلق من الديلم وعادوا معه، فقتل أميرهم وسبعمائة منهم، وألجأهم الى حصن. ووقع في الروسيه الوباء حين أكلوا الفاكهة، وكان الواحد منهم إذا مات، كفن بماله وسلاحه، ودفنت زوجته ومعه وغلامه إذا كان يحبه. واخرج المسلمون، لما مضوا من قبورهم اموالا، وحملوا على ظهورهم الأموال والجواهر، واحرقوا ما عدا ذلك، وساقوا النساء والصبيان ومضوا الى سفن لهم. واجتمع خمسه منهم في بستان ببرذعه فيهم امرد، ومعهم نسوه من سبى المسلمين، فاحاط بهم المسلمون، واجتمع قوم من الديلم عليهم، ولم يصل الى واحد منهم حتى قتلوا من المسلمين اعدادا، ولم يتمكن من واحد منهم اسرا، وكان الأمرد آخر من بقي منهم، فقتل نفسه. وظهر للمتقى من بنى حمدان ضجر بمقامه عندهم، فانفذ بالحسن بن هارون وابى عبد الله بن ابى موسى الى توزون في الصلح، فتلقى ذلك باحسن لقاء، وحلف له ولابن مقله بمحضر من الناس.

стр. 6128

سنه ثلاث وثلاثين وثلاثمائة [أخبار] اتى الإخشيد حلب، فاستولى عليها، وانصرف عنها ابو عبد الله الحسين بن سعيد ابن حمدان الى الرقة، فلم يوصله المتقى، وغلق أبواب البلد دونه، فمضى الى سيف الدولة وهو بحران. واتى الإخشيد الى الرقة فخدم المتقى، ووقف بين يديه، ومشى قدامه حين ركب، فأمره بالركوب فلم يفعل، وحمل اليه اموالا، وحمل الى ابن مقله عشرين الف دينار، ولم يدع كاتبا ولا حاجبا الا بره. واجتهد بالمتقى، ان يسير معه الى مصر والشام فلم يفعل، واشار عليه بالمقام مكانه فلم يقبل. وانحدر المتقى الى هيت، فأقام بها، وانفذ بالقاضى الخرقى، حتى جدد على توزون الايمان والعهود والمواثيق، بعد ان لقب توزون بالمظفر. وخرج توزون الى السندية، فلما وصلها المتقى، ترجل له وقبل الارض بين يديه، ووكل به وبالوزير، وارتجت الدنيا بفعله، ثم سمله. وكان المتقى يتأله ويصلى ويصوم كثيرا، ولم يشرب النبيذ قط، وكان فيه وفاء وقناعه، ولم يتحظ غير جاريته التي كان يتحظاها قبل الخلافه. ولما تمكن، استوزر كاتبه ابن ميمون قديما، ولم يغدر بأحد، وكان بر النفس، حسن الوجه، وهرب وعنده الف الف دينار أخذها من بجكم، ولم يحسن التدبير ولم تنهب دار خليفه قبله. قال ثابت بن سنان: وحدثنى ابو العباس التميمى الرازى- وكان خصيصا بتوزون-

стр. 6129

ان ابراهيم الديلمى سألني المصير الى دعوته، وكان ينزل بدار القراريطى، فجئتها وهي مفروشة، فلما جلست قال: اعلم انى خطبت الى قوم وتجملت عندهم، بان ادعيت ان لي منزله من الأمير، فقالت لي المرأة: إذا كنت بهذه المنزله، فانى ادلك على شيء يعمم صلاحه الامه، وينفعك عند الأمير، فقلت ما هو؟ قالت: فان هذا الخليفة المتقى، قد عاداكم وعاديتموه، واجتهد في هلاككم ببني حمدان وبنى بويه، فلم يتم له ما اراد، ولا يجوز ان يصفو لكم، وهاهنا رجل من ولد الخلفاء يرجع الى دين ورجله، فهل لكم ان تنصبوه للخلافة وهو يثير اموالا عظيمه. واطالت الكلام، فهوستنى، فعلمت ان محلى لا يبلغ الى مثل ذلك، وكرهت انى اكذب نفسي في ادعاء المنزله التي ذكرتها، فاطمعتها في ذلك بك، وقد اطلعتك عليه، فقلت: اريد ان اسمع كلام المرأة، فجاءني بامرأة تتكلم بالعربية والفارسيه، من اهل شيراز، جزله شهمه قهمه، فخاطبتني بنحو ما خاطبني به الرجل فقلت لها: اريد ان القى الرجل، فاتتنى به في خف وإزار، من دار ابن طاهر، وعرفني انه عبد الله بن المكتفي بالله. فرايت رجلا حصيفا، ورايته يميل الى التشيع، ورايته عارفا بأمر الدنيا، وضمن ستمائه الف دينار يستخرجها ويمشى بها الأمر، ومائتي الف دينار للأمير توزون، وقال: انا رجل فقير، واعرف هذه الأموال عند اقوام عندهم ذخائر الخلافه. فصرت الى توزون، ولقيت أبا عمران موسى بن سليمان، فاطلعته على الحال، فقال: انى لا ادخل في هذه الأمور، فلما آيسنى حلفته على الكتمان، واستحلفت توزون على الكتمان بالمصحف، واخبرته، فطلب الرجل ان يبصره، فقلت: بشرط ان تكتم الحال من ابن شيرزاد. واتى توزون معى الى دار موسى بن سليمان، فلقيه هناك وخاطبه وبايعه. فلما وصل المتقى لله الى السندية ولقيه توزون، قلت له: ان كنت عزمت على

стр. 6130

اتمام ذلك الأمر فافعله الان، فانه ان دخل بغداد، تعذر عليك الأمر، فوكل به. وكانت المرأة التي سفرت للمستكفى المعروفه بعلم الشيرازيه، حماه ابى احمد الفضل الشيرازى، وصارت قهرمانه المستكفى، واستولت على الأمور. وكان سمل المتقى وخلعه في صفر. خلافه المستكفى بالله ابى القاسم عبيد الله بن المكتفي بالله بن المعتضد بالله، أمه رومية اسمها غصن، ولى الخلافه، وسنه يومئذ احدى واربعون سنه وسبعه ايام، وكان في سن المنصور يوم ولى، وكانت خلافته سنه واربعه اشهر. فقلد أبا الفرج محمد بن على السرمزراى الوزارة، ولم يكن اليه غير اسم الوزارة، وابو جعفر بن شيرزاد الناظر في الأمور. وخلع على توزون، وطوقه وسوره، ووضع على راسه التاج المرصع بجواهر، وجلس بين يدي المستكفى بالله على كرسي. وفي شهر ربيع الاول، تقلد القاضى ابو عبد الله محمد بن عيسى المعروف بابن ابى موسى الضرير القضاء بالجانب الشرقى من بغداد، وتقلد ابو الحسن محمد ابن الحسن بن ابى الشوارب القضاء في الجانب الغربي منها. وطلب المستكفى بالله الفضل بن المقتدر طلبا شديدا، فاستتر منه، فامر بهدم داره التي على دجلة، بدار ابن طاهر، فهدمت، فلم يبق منها غير المسناه وما زال في ايام المستكفى مستترا، فلما هدم داره، قال على بن عيسى: اليوم بايع له بولاية العهد. وقد ذكرنا حال ابى عيسى البريدى وهربه من ابى القاسم ابن أخيه، فورد الحضره بعد ما امنه ابو القاسم، واختار الإصعاد إليها، فوصلها في شهر ربيع الاول، ولقى توزون، ونزل دار طازاد، التي كانت بقصر فرج على دجلة، وسعى في ضمان

стр. 6131

البصره إذا سير معه توزون جيشا، واوصله توزون الى المستكفى، فخلع عليه خلعا سلطانيه، وسار الجيش معه الى داره. فبلغ ذلك ابن أخيه، فانفذ اليه توزون مالا اقره به على عمله. وبلغ ابن شيرزاد ان أبا الحسين يخطب كتابه توزون، فتوصل الى القبض عليه، وضرب بدار صافى مولى توزون ضربا مبرحا، وقرض لحم فخذيه بالمقاريض، وانتزعت اظافره. وكان ابو عبد الله بن ابى موسى، أخذ ايام ناصر الدولة فتوى الفقهاء بإحلال دم ابى الحسين، فاظهرها في هذا الوقت. فلما كان في آخر ذي الحجه جلس المستكفى، واحضر القضاه والفقهاء، واحضر البريدى، وبسط النطع وجرد السيف، وحضر ابو عبد الله بن ابى موسى يقرا ما افتى به واحد واحد، من اباحه دمه على رءوس الاشهاد، وابو الحسين يسمع ذلك وراسه مشدود الى جثته، فامر المستكفى بضرب عنقه من غير ان يحتج لنفسه بحجه. وأخذ راسه وطيف به في بغداد، ورد الى دار السلطان، وصلبت جثته على باب الخاصة على دجلة، في الموضع الذى كان حديديه مشدودا فيه، فكان هذا خاتمه امور الثلاثة، وعقبى ما ارتكبوه من الظلم واهله، ومن البلاء كله. ومضى سيف الدولة الى حلب، بعد انصراف ابى بكر محمد بن طغج الإخشيد، وبها يانس، فتركها ومضى الى الإخشيد، وتسلم سيف الدولة حلب. وفي شهر ربيع الاول، كان لسيف الدولة وقعه مع الروم، رزق الظفر فيها. واطلق توزون أبا الحسين بن مقله، بعد ان صادره على ثلاثين الف دينار. ثم قبض على ابى الفرج السرمزراى، وصادره على ثلاثمائه الف درهم، فكان وقوع اسم الوزارة عليه اثنين واربعين يوما

стр. 6132

وخرج القاهر الى جامع المنصور، ملتفا في قطن يتصدق، ورآه ابن ابى موسى، فمنعه بالرفق واعطاه خمسمائة درهم، وقصد القاهر بذلك التشنيع. وانفذت الى ابى القاسم البريدى الخلع، وذلك في جمادى الآخرة. وعزم المستكفى على الخروج مع توزون، حين اخر ناصر الدولة المال، فسفر ابو القاسم بن مكرم، كاتب ناصر الدولة في الصلح، وحمل مالا تقرر. وأخذ ابن شيرزاد خطوط الناس بمال الضمان، فدخل اليه ابو القاسم عيسى ابن على بن عيسى فقال: اكتب عن والدك بألف دينار، فكتب ومضى الى ابيه، فادى خمسمائة، وركب الى ابن شيرزاد، فخرج اليه ابو زكريا السوسي وطازاد معتذرين، فقال على بن عيسى: انى اريد ان القاه ولا اخاطبه في البقية، فمضى وعاد اليه، وقالا انه يستحيى من لقائك، فانصرف على بن عيسى كئيبا من المذلة اكثر من كابته بالعزم. وكان هو الذى اصطنع ابن شيرزاد. وخرج تكين الشيرزادى صاحب توزون الى جزيرة بنى غبر، وعاد الى جسر سابور، وامر اصحابه بالتقدم الى واسط، واجلس في بستان يشرب، فاحاط به عسكر البريدى فأسروه وحملوه الى البصره. وفي رجب دخل ابو جعفر الصيمرى واسطا. ودخلها معز الدولة ولما علم انحدار توزون اليه مع المستكفى بالله، انصرف عنها. وراسل توزون البريدى، فاطلق تكينا وضمنه واسطا. واصعد المستكفى وتوزون الى بغداد. وورد كتاب نوح صاحب خراسان بفتحه جرجان وطبرستان، وكان بها الحسن ابن الفيروزان الديلمى، وملك الري. وانصرف ركن الدولة الى أصبهان ونزل نوح بنيسابور. وورد الخبر بانهزام سيف الدولة من الإخشيد، واتباعهم له الى الرقة، وذلك بعد ان أخذ منهم حلب وملك دمشق، واسر منهم الفى رجل، ثم انصرف عنه اصحابه فكانت هزيمته.

стр. 6133

سنه اربع وثلاثين وثلاثمائة [أخبار] في المحرم خرج ابن شيرزاد الى هيت، فصالحه ابو المرجى عمرو بن كلثوم مقدمها على ثمانمائه الف وخمسين الف درهم، يسقطها على اهل البلد، واقام لأخذها. فورد عليه الخبر بوفاه توزون في ثانى عشر المحرم، وانه دفن بتربه يانس الموفقى. وكانت اماره ابى الوفاء توزون سنتين واربعه اشهر وسبعه وعشرين يوما، كتب له ابن شيرزاد سنتين وشهرا، فعقد العسكر الإمارة لابن شيرزاد. وانحدر عن هيت، وخلف بها غلامه إقبالا، فقبلوه، وحلف له المستكفى بحضره القضاه والعدول والعسكر، وانفذ ابن ابى موسى الى ناصر الدولة، فعاد من عنده بخمسمائة الف درهم ودقيق، فلم يكن لها موقع، لغلاء السعر وانتشار الأمر. وقسط ابن شيرزاد على الكتاب والعمال والتجار ارزاق الجند، وكان في البلد ساعيان، يعرفان بهاروت وماروت، يسعيان اليه بمن عنده قوت لعياله فيأخذه، فصار البلد محاصرا بهذا الفعل وبالضرائب التي قررها، وانقطع الجلب. وكان من جمله من صادر ابو بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمى، أخذ منه عشره آلاف دينار. وقبض المستكفى على القاضى ابن ابى الشوارب، ونفاه الى سر من راى، وقسم اعماله، فولى الشرقيه أبا طاهر محمد بن احمد بن نصر، وولى المدينة أبا السائب عتبة بن عبيد. وكان الى ابى عبد الله بن ابى موسى الهاشمى القضاء بالجانب الشرقى، فدخل عليه اللصوص في شهر ربيع الآخر فأخذوا أمواله وقتلوه، فولى ابو السائب مكانه. وورد الخبر بوقوع الصلح بين سيف الدولة والإخشيد، وسلم اليه سيف الدولة حلب وأنطاكية، فتزوج ابنه أخيه عبيد الله بن طغج، وتوسط ذلك الحسن بن طاهر العلوي، فقال النامي يمدح سيف الدولة:

стр. 6134

فتى قسم الأيام بين سيوفه ... وبين طريفات المكارم والتلد فسود يوما بالعجاج وبالقنا ... وبيض يوما بالفضائل والمجد سرى ابن طغج في ثلاثين جحفلا ... واحجامه في الزحف عن فارس فرد وكانت لسيف الدولة العزم عاده ... إذا كر القى البيض حدا على حد أيا سائلي عن يومه اسمع فانه ... حديث المعالى قصه قصص الجهد وقالت لها الهيجاء في صدر سيفه ... وقد نهدت من صدر غير الشرى نهد كأنك من ضغن ودرعك من تقى ... وطرفك من راى وسيفك من حقد فاظماتهم والماء معترض لهم ... واسقيتهم ماء على قصب الهند الم تر فرعونا وموسى تنازعا ... فغودرت العقبى لذى الحق لا الحشد فغرقه في البحر فاجعل فويقها ... لتغريقه كالبحر وامدده بالمد فلو جئت ثمدا ناصبا ورفدته ... بجودك فاض البحر من ذلك الثمد وورد الخبر بموت ابى عبد الله الكوفى بحلب، وقد تقدمت اخباره. وورد الخبر بوصول الأمير ابى الحسن معز الدولة الى باجسرى وكان ابن شيرزاد قد استخلف بواسط ينال كوشا، فدخل في طاعته، فاستتر ابن شيرزاد حينئذ، فكانت امارته ثلاثة اشهر وخمسه ايام. واستتر المستكفى، حتى خرج الاتراك مصعدين الى الموصل، فظهر حينئذ وأتاه ابو محمد المهلبى فخدمه عن معز الدولة، في حادي عشر جمادى الاولى ونزل بالشماسيه، وانفذ اليه المستكفى هدايا، ووصل اليه بعد ثلاثة ايام، فخلع عليه وطوقه، وعقد له اللواء، وقلده الإمارة ووقف بين يدي الخليفة، وأخذت عليه البيعه، وحلف له بايمان البيعه، على ان يصون أبا احمد الشيرازردى وحماته علم القهرمانه، والقاضى أبا السائب، وولد ابن موسى، وأبا العباس بن خاقان الحاجب. ثم استخلف المستكفى، الأمير أبا الحسين واخوته، ثم ساله في امر ابن شيرزاد،

стр. 6135

فآمنه وحلف له، ولبس الخلع ولقب معز الدولة، وكنى ولقب اخوه ابو الحسن على عماد الدولة، ولقب اخوه ابو على ركن الدولة، وضربت القابهم على الدنانير، وانصرف الى دار مؤنس فنزلها. ومن جمله دار مؤنس المدرسه النظامية اليوم وظهر ابن شيرزاد ولقى معز الدولة. وقرر المستكفى في كل يوم خمسين الف درهم لنفقته. وكتب ابو عبد الله الحسين بن على بن مقله، الى معز الدولة رقعه يخطب فيها كتابته، وكان قد ولاها ابن شيرزاد، فلم يؤثره عليه، وقبض على ابى عبد الله. وعملت علم القهرمانه دعوه عظيمه احضرتها الديلم، فقيل لمعز الدولة: انها فعلت ذلك لتاخذ البيعه عليهم للمستكفى، وعرفوه انها هي السبب في ولايته، فساء ظنه وانحدر الى دار الخلافه، كما جرت عادته، وانحدر معه الصيمرى وابن شيرزاد، ووقفا في مراتبهم، وكان ابو احمد الشيرازى وولد ابن ابى موسى واقفين، ودخل معز الدولة فقبل الارض، وجلس على كرسي، فاوصل رسول البريدى. وتقدم نفسان الى المستكفى، فظن انهما يريدان تقبيل يده، فمدها، فجذباه وطرحاه الى الارض، وحملاه الى دار معز الدولة ماشيا، وقبضوا على ابن ابى موسى وعلى علم، ونهبت الدار. قال ابن البهلول: كنا إذا كلمنا المستكفى، وجدنا كلامه كلام العيارين، وكان جلدا بعيد الغور والحيله، وكان يلعب قبل الخلافه بالطيور ويرمى بالبندق، ويخرج الى البساتين للفرجه واللعب، وكان لا ينفق عليه من الجوارى غير السودان، ولا يعاشر غير الرجال. وعزم معز الدولة على ان يبايع أبا الحسن محمد بن يحيى الزيدي العلوي، فمنعه الصيمرى من ذاك، وقال: إذا بايعته استنفر عليك اهل خراسان وعوام البلدان، وأطاعه الديلم، ورفضوك وقبلوا امره فيك، وبنو العباس قوم منصورون،

стр. 6136

تعتل دولتهم مره وتصح مرارا، وتمرض تاره وتستقل أطوارا، لان أصلها ثابت وبنيانها راسخ. فعدل معز الدولة عن تعويله، واحدر أبا القاسم الفضل بن المقتدر بالله من دار ابن طاهر الى دار الخلافه. خلافه المطيع لله ابى القاسم الفضل بن المقتدر كانت تسعه وعشرين سنه واربعه اشهر. بويع له يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة، أمه تدعى مشغله، وتوفيت في مستهل ذي الحجه سنه خمس واربعين وثلاثمائة، بايعه معز الدولة، واحدر المستكفى اليه، فسلم عليه بالخلافة، واشهد على نفسه بالخلع، وسمل واعتقل عنده. وقام ابن شيرزاد بتدبير الأمر، واستكتب على خاص امره أبا الحسن طازاذ بن عيسى النصراني، واستحجب أبا العباس بن خاقان. وأنشأ ابو العباس بن ثوابه يذكر بيعته كتابا الى الافاق. واقام معز الدولة لنفقته في كل يوم الفى درهم. وركب ومعز الدولة بين يديه والجيش وراءه، الى باب الشماسيه، وعاد في المساء الى دار الخلافه، وصرف ابن نصر عن القضاء بالجانب الغربي، واعاد ابن ابى الشوارب. وصادر ابن شيرزاد ابن ابى موسى وعلم القهرمانه، على اربعين الف دينار، وقطع لسانها وسلمها الى المطيع لله، ولم يعارض أبا احمد الشيرزاى لقديم مودته. ولما استولى ابن شيرزاد على الأمور، قال ابو الفرج بن ابى هشام: باى شيء نفق عليك؟ وما يصلح لكتابه الإنشاء ولا لجباية الخراج، وانما تتولى ديوان النفقات،

стр. 6137

وكتب لابن الخال تاره وقد سالك المستكفى عزله بعد ان سالك فيه فلم تجب، فقال: لما رايت عظيم لحيته، قلت: لان يكون هذا قطانا اولى من ان يكون كاتبا، ولكن رايته قد ملك بغداد، واستولى على الخلافه، وصار لي نظيرا، فاردت ان احطه من منزله بعد اخرى، حتى اجعله كاتبا لأحد قوادي. وورد ناصر الدولة والاتراك معه الى سر من راى. ووافى ابو العطاف بن عبد الله بن حمدان، أخو ناصر الدولة، ونزل باب قطربل وظهر له ابن شيرزاد وجماعه من العجم. وكان معز الدولة قد اصعد ومعه المطيع الى ناصر الدولة، فتركهم ناصر الدولة وانحدر في الجانب الشرقى، ونزل مقابل قطربل، فنهب الديلم تكريت وسر من راى. وانحدروا ومعهم المطيع لله الى بغداد، ومع ناصر الدولة الاتراك، وقد جعلهم على مقدمته مع ابى عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، وكان يخطب في اعماله للمستكفى وهو مخلوع. ونزل معز الدولة في قطيعه أم جعفر، وانزل المطيع لله في دير النصارى. وقد استولى ناصر الدولة على السفن، وجعلها بالجانب الشرقى، فلحق الناس بالجانب الغربي مجاعه شديده، وكانت الأسعار بالشرقي رخيصه، والقرامطة من اصحاب ناصر الدولة يعبرون ويجولون بين الديلم وبين الغلات. فابتاع وكيل معز الدولة له كر دقيق بعد الجهد بعشرين الف درهم. وكان ابن شيرزاد، قد اثبت خلقا من العيارين ليحاربوا مع ناصر الدولة، وظفر بكافور خادم معز الدولة فشهره، فظفر معز الدولة بابى الحسين بن شيرزاد فصلبه حيا، فاطلق ابو جعفر الخادم فحط معز الدولة أخاه. وكان جعفر بن ورقاء يقول لمعز الدولة: لقد سمعت ان رجلا يعد بألف رجل فلم اصدق، حتى رايت ناصر الدولة، وقد عبر بصافى التوزونى لكبس معز الدولة، فانفذ اليه بي وبابى جعفر الصيمرى وباسفهدرست، فرايت اسفهدرست وقد هزمهم

стр. 6138

وبنى معز الدولة في الحدق نيفا وخمسين زبزبا، وعبر فيها، فانهزم ناصر الدولة، وملك الديلم الجانب الشرقى سلخ ذي الحجه سحر يوم السبت، وطرحوا النار في المخرم، ونهبوا باب الطاق وسوق يحيى، وهرب الناس لما اودعوه قلوب الديلم من السب، فخرجوا حفاه في الحر، وطلبوا عكبرا فماتوا في الطريق. قال بعضهم: رايت امراه تقول: انا بنت ابن قرابه، ومعى حلى وجواهر تزيد على الف دينار، فمن يأخذها ويسقيني شربه ماء؟ فما أجابها احد، وماتت وما فتشها احد، لشغل كل انسان بنفسه. وامر معز الدولة برفع السيف والكف من النهب، ولما وصل ناصر الدولة الى عكبرا، ومعه الاتراك وابن شيرزاد، انفذ بابى بكر ابن قرابه، وطلب الصلح فتم ذلك. وعرف الاتراك الحال، فهموا بالوثوب بناصر الدولة، فهرب الى الموصل. وقصد عيار خيمه ناصر الدولة بباب الشماسيه ليلا، فطفا الشمعه، واراد ان يضع السكين في حلقه وهو نائم، فوضعها في المخدة وظن انه قتله ومضى الى معز الدولة، فاخبره فقال: هذا لا يؤمن، ودفعه الى الصيمرى وقتله. واكل الناس في يوم الغلاء النوى والميته، وكان يؤخذ البزر قطونا ويضرب بالماء ويبسط على طابق حديد، ويوقد تحته النار ويوكل، فمات الناس باكله، وكان الواحد يصيح: الجوع! ويموت، ووجدت امراه قد شوت صبيا حيا فقتلت. وانحل السعر عند دخول الغلات. ونظر الصيمرى فيما كان ينظر فيه ابن شيرزاد، فاستخلف له أبا عبد الله بن مقله، فقبض على ابى زكريا السوسي، والحسن بن هارون فشتمهما، فقال الصيمرى: لم يكن غرضك غير التشفى منهما. واطلق معز الدولة أبا زكريا السوسي، ولم يلزمه بشيء، والزم الحسن بن هارون خمسين الف دينار، وعزل ابن مقله، وانفرد الصيمرى بالأمر، واقطع اصحابه ضياع السلطان وضياع ابن شيرزاد وضياع المستترين. وفي شعبان انبثق في البحر بثق الخالص والنهروان

стр. 6139

وفي ذي الحجه مات الإخشيد ابو بكر بن طغج بدمشق، وتقلد مكانه ابنه ابو القاسم. وغلب كافور على الأمر وكان ابن طغج جبانا شديد التيقظ في حروبه، وكان جيشه يحتوى على أربعمائة رجل، وكان له خمسه آلاف مملوك يحرسونه بالليل بالنوبه، كل نوبه ألفا مملوك، ويوكل بجانب خيمته الخدم، ثم لا يثق بعد ذلك فيمضى الى خيم الفراشين فينام. قال التنوخي: لقب الراضي أبا بكر محمد بن طغج امير مصر بالاخشيد، وسبب ذلك انه فرغانى، وكل ملك بفرغانه يدعى اخشيد، كما تدعو الروم ملكها بقيصر، والفرس بكسرى، وشاها بشاه، والمسلمون بامير المؤمنين، وملك اشروسنه صول، وملك اذربيجان اصبهبذ، وملك طبرستان يدعى سالان. وابو بكر بن الإخشيد على مذهب الجبائي، كان جده يدعى بحضره المعتضد الإخشيد، ولقب على ابنه بذلك، وهو من اولاد الملوك بفرغانه.

стр. 6140

سنه خمس وثلاثين وثلاثمائة توفى هذه السنه على بن عيسى بن داود بن الجراح، وزير المقتدر بالله رحمهما الله، وهو من دورقنى. قال ابو سهل بن زياد القطان: كنت معه لما نفى الى مكة، فدخلناها في حر شديد، وقد كاد يتلف، فطاف وسعى، وجاء فالقى نفسه، وهو كالميت من الحر والتعب، تلق قلقا شديدا، وقال: اشتهى على الله شربه ماء مثلوج، فقلت: سيدنا ايده الله، يعلم ان هذا مما لا يوجد بهذا المكان، فقال: هو كما قلت، ولكن نفسي ضاقت عن ستر هذا القول فاسترحت الى المنى. قال: وخرجت من عنده، فرجعت الى المسجد الحرام، فما استقررت فيه حتى نشأت سحابه وكثفت ورعدت رعدا شديدا متصلا، ثم جاء مطر شديد وبرد كثير، فبادرت الى الغلمان، وقلت: اجمعوا، فجمعنا شيئا كثيرا وملانا منه جرارا. فلما كان وقت المغرب وقد حان إفطاره، جئته بذلك، وقلت: أنت مقبل والنكبه ستزول، ومن علامات الاقبال انك طلبت ماء ثلج وهذا ما طلبته. فاخذ يسقى كل من في المسجد من المجاورين والصوفية السويق بالسكر والبلح، ولم يشرب حتى مضى قطعه من الليل وقد شربوا اجمع، فقال: الحمد لله، ليتنى كنت تمنيت المغفره، بدلا من الثلج، فلعلى كنت أجاب. ولم أزل به حتى شرب، ومدحه بعض الشعراء فقال فيه: بحسبك انى لا ارى لك عائبا ... سوى حاسد والحاسدون كثير وانك مثل الغيث اما سحابه ... فمزن واما ماؤه فطهور قال ابن كامل القاضى: سمعت على بن عيسى يقول: كسبت سبعمائة الف دينار، اخرجت منها في وجوه البر ستمائه وثمانين ألفا. وحكى هلال بن المحسن، قال: قال ابو على بن محفوظ: لما ورد معز الدولة وابو جعفر الصيمرى معه الى بغداد، اراد ابو الحسن على بن عيسى الركوب اليه،

стр. 6141

وقضاء حقه، فاتفق انه نزل الى داره ليجلس في سميريه، وابو جعفر مجتاز في طيارة، وانا وأخي وابو الحسن طازاذ بن عيسى معه، فقال لنا: من هذا؟ فقلنا: الوزير ابو الحسن على بن عيسى، فقال لأبي الحسن طازاذ: قدم بنا اليه فاساله ان ينزل معنا في الطيار، فقربنا منه وسلمنا عليه، فقال له ابو الحسن طازاد: الى اين توجه سيدنا؟ فقال: اشار فتياننا بلقاء الأمير الوارد، وقضاء حقه، فعملت على ذلك، فقال له: فينتقل سيدنا الى الطيار فانه اولى، فامتنع ولم يزل يراجعه، وكان معه ابنه ابو نصر، فخاطبه حتى فعل وسهل عليه ذلك، ونزل، فقام له ابو جعفر الصيمرى عن موضعه، وقد وصانا الا نعرفه اياه وكان ابو نصر عرفه، واراد ان يشعر أباه، فلم يدعه طاعه لأبي جعفر وسرنا مصعدين، ووصلنا الى معسكر معز الدولة بباب الشماسيه، وقدم الطيار الى المشرعه، فقال ابو جعفر لأبي الحسن: تجلس يا سيدنا بمكانك، حتى اصعد الى الأمير واعرفه خبرك، واوذنه بحضورك، فقال له: لك- اطال الله بقاءك- عند الأمير اثره وبه انسه؟ قال: نعم، وصعد، فلما صعد قال ابو نصر لأبيه: هذا الأستاذ ابو جعفر الصيمرى، فارتاع وقال له: الا أعلمتني ذلك لاوفى للرجل حقه! قال: منعني أصحابنا، واقبل على طازاذ فقال له: لا احسن الله جزاءك، كذا يفعل الناس، فقال: والله يا سيدنا ما فعلت ما فعلته، الا لان الأستاذ أمرني به، ولم تمكنى المخالفه لَهُ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! ووجم وجوما شديدا، ثم قال: من هذان أعزهما الله! واشار الى والى أخي، فقال طازاذ أبناء محفوظ، فاستثبته، وقال: الذى كان يصحب جعفر بن الفرات؟ قال نعم، فقال: قد كان جعفر من العمال الظلمه. ولما صعد الصيمرى الى معز الدولة، وجده على شراب، فلم يقل له شيئا، وعاد الى على بن عيسى، فنهض له واعظمه، وقال له: قد جنى على أصحابنا في كتمانى موضع الأستاذ، حتى كان من تقصيري في قضاء حقه ما لم اعتمده، وانا اعتذر اليه ادام الله عزه من ذلك، فقال: فعل الله بك يا سيدنا وصنع، واى تقصير جرى؟ فالتفت الى طازاذ فقال: الم اوصك بترك اعلامه امرى! فقال ابو نصر ولده: اعلمه، وقد حصلت بين العتب ايها الأستاذ منك ومنه، وقال له ابو جعفر: الأمير

стр. 6142

على حال لا يجوز لقاء مثلك عليها، وهو يعتذر من تأخر الاجتماع باعتراض ما اعترض منها، وإذا تكلف سيدنا العود في غداه غد، لقيه ووفاه من الحق ما يجب ان يوفيه اياه، والطيار يباكر بابه وانصرف ابو الحسن. وعاد ابو جعفر الى معز الدولة، فقال له: وافى على بن عيسى للقائك وخدمتك، فاعتذرت اليه عنك بانك على نبيذ، ولم يجز ان يراك عليه، فقال: من؟ على بن عيسى فقال: وزير المقتدر بالله، قال: ذلك العظيم! قال: نعم، قال: ما وجب ان ترده، فانى كنت اقوم الى مجلس آخر والقاه فيه، فقال: ما كان يحسن ان يشم منك رائحه شراب، وفي غد يباكرك، فقال معز الدولة: فكيف اعامله؟ وما الذى اقول له؟ فقال له الصيمرى: تنزعج له بعض الانزعاج، وترفع مجلسه، وتعطيه مخده من مخادك وتقول له: ما زلت مشتاقا الى لقائك، ومتشوقا للاجتماع معك، واريد ان تشير على في تدبير الأمور، وعماره البلاد بما يكون الصواب فيه عندك. وجاء ابو الحسن على بن عيسى من غد، ودخل معز الدولة، فوفاه من الإجلال والاكرام اكثر مما وافقه عليه ابو جعفر، واعطاه مخده من دسته، فقبلها ابو الحسن وقال له ما يقال لمثله، فقال له معز الدولة: كنا نسمع بك، فيعظم عندنا امرك، ويكثر في نفوسنا ذكرك، وقد شاهدت منك الان ما كنت مؤثرا واليه متطلعا، والدنيا خراب، والأمور على ما تراه من الانتشار، فأشر على بما عندك في اصلاح ذلك. فقال له ابو الحسن: هذه النيه منك ايها الأمير داعيه الى الخير، ومسهله للنجح، وطريق العمارة ودرور المادة، واستقامه امر الجند والرعية والعدل، والذى اهلك الدنيا، واذهب الأموال، واخرج الممالك عن يد السلطان خلافه، وانما يتأتى الصلاح وتطرد الأغراض بالولاة الموفقين، والأعوان الناصحين. وحدثنا عمر بن شبه قال: حدثنا فلان-[وذكر الاسناد عن النبي ص- انه قال: إذا اراد الله بوال خيرا قيض له وزير صدق، ان غفل اذكره، وان رقد أيقظه،] وقد وفق الله للأمير من هذا الأستاذ، - واشار لأبي جعفر- من تمت فيه اسباب الكفاية، وبانت فيه شواهد المخالصة، ويوشك ان يجرى الخير على يده ويتأتى المراد بحسن تدبيره

стр. 6143

فتراجع ابو جعفر عن موضعه، وتوقف عن تفسير هذا القول لمعز الدولة، وفطن معز الدولة ان توقفه لامر كره ذكره، فقال لأبي سهل العارض: انظر ما يقول، ففسر له تفسيرا لم يفهم عنه، ولا استوفى القول فيه، وتلجلج في ذكر رجال الحديث حتى استفهم معز الدولة اسماءهم، وقال: هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال ابو الحسن: لا، هؤلاء رجال نقلوا لنا الحديث عنه. ثم عاد ابو جعفر الى الترجمه بينهما، وقال ابو الحسن: ومن اولى ما نظر فيه الأمير وقدمه، سد هذه البثوق التي هي اصل الفساد وخراب السواد، فقال: وقد نذرت لله عند حضورى في هذه الحضره، الا اقدم شيئا على ذلك، ولو انفقت فيه جميع ما املك، قال: اذن يحسن الله عونك، ويذلل لك كل صعب، ويسهل كل مراد بين يديك. فلما انقضى القول بينهما في ذاك، قال معز الدولة، اذكر حوائجك، لأتقدم فيها بما اقضى به حقك، قال: الحاجة الحاضره هي الى الله تعالى في ان يطيل بقاءك ويديم علاك، ومتى عرضت من بعد حاجه إليك، كان المعول فيها عليك، قال: لا بد من ان تذكر شيئا، قال: حراسه منازلي، فإنها تشتمل على عدد كثير من بنين وبنات وعجائز واهل واقارب واتباع واصحاب، قال: هذا اقل ما افعله. ونهض ابو الحسن، وشيعه ابو جعفر ومشى الغلمان بين يديه. وتوفى ابو الحسن بعد عبور معز الدولة، وهزيمته ناصر الدولة بيوم، فمضى ابو عمران موسى بن قتادة، وكان معه مائتا رجل من الديلم، فنزل داره، وركب الصيمرى إليها، وقد فرغ من تجهيزه، ووضع في تابوته فصلى عليه، وقال لموسى: اخرج من هذه الدار، فما يجوز نزولك فيها، فقال: لا اخرج، فقال: لا لا امكنك منها، فقال: لا اقبل منك، قال: إذا لم تقبل اكرهتك، وتنابذا بالقول تنابذا تولدت منه فتنه، واجتمع الى موسى اصحابه، والى ابى جعفر آخرون. وعرف معز الدولة ذاك، فبادر لإطفاء النائرة، وقال للصيمرى: ليس هذا وقت ذاك، قال: بلى ايها الأمير، هذا وقته، ومتى افتتحنا امرنا بسقوط هيبتنا استمر ذلك وبعد تلافيه، وازداد الأمر من بعد وهنا، والطمع استحكاما

стр. 6144

فاخذ معز الدولة بيد موسى بن قتادة فاخرجه معه، وقال له: يكون نزولك في الدار التي أنزلها، ولا تفتتح امرا بما يقبح من انزعاج اولاد هذا الشيخ المشهور ذكره في الدنيا وعياله عن منازلهم وأوطانهم. وبقيت دور ابى الحسن على ولده ودور ابن أخيه ابى على بن عبد الرحمن عليه في حياته بفعل ابى جعفر ما فعله. وكان على بن عيسى لا يخل بالجمع، ولما حبس كان يلبس ثيابه ويتوضأ ويقوم ليخرج، فيرده الموكلون فيرفع يديه الى السماء ويقول: اللهم اشهد وكان لا يفارق الدراعه ولا يترك الوقار في خلواته. وحكى ابنه ابو القاسم: انه كان يرتفع لأبيه من ضياعه في كل سنه عند الاعتزال والعطله بعد ما ينصرف في نفقاته، وما كان يصرفه الى بنى هاشم، واولاد المهاجرين والانصار، فان رسومهم عليه، كانت نيفا واربعين الف دينار، فكان الحاصل بعد هذا كله، وهو يلزم منزله، ثلاثين الف دينار. وكان حاصل ابن الفرات من ضياعه إذا تعطل الف الف دينار، وإذا وزر اضعفت. وفي هذه السنه تمت اماره معز الدولة ابى الحسين، فكانت امارته ببغداد احدى وعشرين سنه واحد عشر شهرا ويومين، وذلك لما بعد ناصر الدولة والاتراك وابن شيرزاد الى الموصل، واستخلف المطيع لله، ومضى الى دار الخلافه، وتقلد ابو احمد الشيرازى كتابته. وتسلم الخليفة من معز الدولة اقطاعا بمائتي الف دينار. وكان ابو الحسين على بن محمد بن مقله يواصل معز الدولة في ايام الحصار بالهدايا والاخبار، فلما عبر الى الجانب الشرقى حمى داره بها، واستخدمه، فاخذ في المصادرات للتجار والشهود فصادف احد العامه معز الدولة منصرفا منفردا نصف النهار، فعرفه ما الناس فيه من الجزف، فتقدم بصرف ابن مقله. واحترقت دور ابن شيرزاد، ودور أسبابه وأخيه، وصودر على مائه وثمانين الف الف درهم. وقلد معز الدولة الشرطه أبا العباس بن خاقان

стр. 6145

وورد الخبر باستيلاء ركن الدولة ابى على على الري والجبل. واجتمع راى الاتراك على الإيقاع بناصر الدولة، فاستجار بام ملهم حتى امرت ولدها بتسييره، فسار ومعه ابن شيرزاد الى مرج جهينة، فلما امن سمل ابن شيرزاد. وامرت الاتراك على نفوسها تكين الشيرزاذى، وانفرد عنهم ينال كوساه ولؤلؤ، واستامنا الى معز الدولة. وغلب تكين والاتراك على الموصل، ومضى الى سنجار، وراى ناصر الدولة، فانجد معز الدولة باسفهدوست والصيمرى، والتقيا بتكين بالحديثه في جمادى الآخرة واستؤسر تكين، وانهزم اصحابه، وسار الصيمرى مع ناصر الدولة الى الموصل، ودخل على الصيمرى خيمته ولم يعد اليه، قال: لما دخلتها عليه علمت انى قد أخطأت فبادرت بالانصراف وندم الصيمرى عند خروج ناصر الدولة على ترك القبض عليه. وسلم الى الصيمرى ابن شيرزاد. وضمن له طازاذ وابو سعيد بن وهب النصراني الكاتب- وهو الكاتب الذى مدحه ابن نباته- خمسين الف دينار على ان يطلقهما فلم يفعل، وسلمهما الى الصيمرى، وكان الصيمرى مراعيا لطازاذ، وانفذ معهم تكين الشيرزادى مسمولا، وانفذ ابنه هبه الله بن ناصر الدولة رهينه. فلما وصلوا اطلق معز الدولة تكينا، واقطعه اقطاعا بأربعين الف درهم. وكتب ابو عبد الله بن ثوابه عن المطيع لله كتابا بالفتح الى عماد الدولة منه. فلم يسفر العجاج الا عن قتيل مرسل، او غريق معجل، او جريح معطل، او اسير مكبل، او مستأمن محصل، او حقيبه ملاها الله بلا تعب، او غنيمه أفاءها الله بلا نصب. وكان مع ناصر الدولة قائد يقال له ابراهيم بن احمد، واخوه صاحب خراسان، فقتل ابن أخيه نوح بن نصر بن احمد بعض اقارب ابى على بن محتاج، فكاتبه ابو على بن محتاج، واستعانه على محاربه ابن أخيه. ففارق ناصر الدولة بتكريت في سبعين غلاما، فانفذ اليه ناصر الدولة خلع الخليفة ولواءها مع جوجوخ التركى المسمول ولقبه

стр. 6146

ومضى ابراهيم مع ابن محتاج، فهزما نوحا، وملك ابراهيم، ثم وقعت الوحشة بين ابى على، فمضى ابراهيم مستأمنا الى ابن أخيه، ومضى ابو على الى بلاد الصغد. وانتبهت رجال ابن شيرزاد، لان الصيمرى صرفه وطالبه بالأموال. فاستخلف الصيمرى بالحضرة طازاذ، وانحدر فواقع اصحاب ابى القاسم البريدى، فاسر خلقا منهم. وفي هذه السنه، صرف ابو الحسن بن ابى الشوارب عن القضاء بالجانب الغربي. واضيف الى عمل القاضى ابى الحسن محمد بن صالح الهاشمى. وفي النصف من شعبان من هذه السنه، خرجت العامه لزيارة قبر الحسين ﵇ وعقدت القباب بباب الطاق. وورد الخبر ان سيف الدولة، قبض على القراريطى، واستكتب بعبده أبا عبد الله ابن فهد الموصلى. وفي هذه السنه انقطعت قنطره دهما بأسرها.

стр. 6147

سنه ست وثلاثين وثلاثمائة في صفر انحدر المطيع لله ومعز الدولة لمحاربه ابن البريدى، وسارا من واسط في البريه الى البصره. وانفذ الصيمرى وموسى قتادة فدخلا دار البريدى بمسماران ورحل الخليفة ومعز الدولة، فاستامن اليه عسكر البريدى بالدرهميه. وهرب ابو القاسم الى هجر، وقبض معز الدولة على أمواله وقواده واحرق سفنه. ولما استولى على البصره، قصد أخاه عماد الدولة بارجان، وكان يقف بين يديه، واتفق وصوله من عنده ووصول الصيمرى والخليفة الى بغداد، في خامس عشر من شوال. وورد الخبر، بان نوحا صاحب خراسان، عاد الى بخارى، وسمل عمه ابراهيم، وصار اليه ابن محتاج في الامان. ولما ورد المطيع لله من البصره، وكان في صحبته ابو السائب، ولاه قضاء القضاه، وصرف ابن أم شيبان، ولم يرتزق ابو السائب، واستخلف أبا بشر عمر بن أكثم. وورد الخبر بان ركن الدولة فتح طبرستان وجرجان، وهزم وشمكير بن زيار واستأسر من اصحابه مائه وثلاثة عشر قائدا. وفي ذي القعده ضمن روزنهان الديلمى السواد والضرائب بعشره آلاف الف درهم، واستكتب على ذلك ابن سنجلا. وضمن الصيمرى اعمال واسط، واستكتب عليها أبا الحسن طازاذ. وفي ذي الحجه، خلع معز الدولة على هبه الله بن ناصر الدولة الذى كان رهينه عنده، وانفذه مع ابن قرابه الى ابيه.

стр. 6148

سنه سبع وثلاثين وثلاثمائة ورد الخبر بانهزام سيف الدولة من الروم، واستيلائهم على مرعش. ودخل ابو القاسم البريدى بغداد في الامان، فاقطعه معز الدولة اقطاعا بنهر الملك بمائه وعشرين الف درهم، واعاد عليه ضيعته المعروفه بفروخاباذ من بادوريا، وانزله في الدار المعروفه بالموزه، بمشرعه الساج محتاطا عليه. وقبض على ابن اسفهدوست، لأنه اشار على معز الدولة بمبايعه ابى عبد الله ابن الداعي، فقال الصيمرى: انه قصد ان يوليه الإمارة إذا صار الأمر اليه، فكان ذلك سببا لاعتقاله برامهرمز، ومات بقلعتها معتقلا. وانفذ الصيمرى وروزهان الى هيت، فقبضا على ابى المرجى عمرو بن كلثوم، واعتقل ببغداد. واخر ناصر الدولة المال الذى صولح عليه من معز الدولة، فخرج معز الدولة طالبا له الى نصيبين، واتى سيف الدولة أخاه ناصر الدولة معاونا له. وسفر ابن قرابه في الصلح، على ان يخطب ناصر الدولة لعماد الدولة ولمعز الدولة ولابنه بختيار، وان يحمل ابنه رهينه، ويؤدى ثمانية آلاف الف درهم في السنه فتم ذلك. وقال ابو الطيب المتنبى يذكر انجاد سيف الدولة لأخيه في قصيده مدحه بها: ان السعادة فيما أنت فاعله ... وفقت مرتحلا او غير مرتحل اجر الجياد على ما كنت مجريها ... وخذ بنفسك في اخلاقك الاول ينظرن من مقل ادمى احجتها ... قرع الفوارس بالعساله الذبل فلا هجمت بها الا على ظفر ... ولا وصلت بها الا الى امل

стр. 6149

واستولى اصحاب ركن الدولة على اذربيجان، وخلت الري منهم، فقصدها ابن قراتكين، فانفذ معز الدولة بسبكتكين ومعه القرامطة، واكثر الجيش وامده بروزهان معاونه لأخيه ركن الدولة. وفي ثانى شهر رمضان، وهو الخامس من آذار، بلغت زياده دجلة احدى وعشرين ذراعا وثلثا، فغرقت الضياع والدور.

стр. 6150

سنه ثمان وثلاثين وثلاثمائة في شهر ربيع الاول مات ابو محمد الحسن بن احمد الماذرائى الكاتب. وفيه انحدر الصيمرى لمحاربه عمران بن شاهين، وهذا عمران من اهل الجامدة جنى بها جناية، فهرب من العامل، واقام بين القصب يصيد السمك، ثم تلصص، واجتمع معه جماعه من الصيادين، واستامن الى البريدى، فقلده الجامدة والاهواز، فما زال امره يقوى. ولما انحدر الصيمرى لقتاله، هرب من بين يديه، فاستاسر الصيمرى اهله واولاده، ولم يبق غير استيلائه على البطيحة، فورد الخبر بموت عماد الدولة بشيراز، فكاتب معز الدولة الصيمرى بالمبادره الى هناك، فترك حرب عمران وتوجه. وكان ركن الدولة قد وافى أخاه عماد الدولة، وسلما فارس الى ابى شجاع فناخسرو ابن ركن الدولة، الملقب بعد ذلك عضد الدولة. وانفذ الصيمرى بابى الفضل العباس فسانحس، فقلده معز الدولة الدواوين. ووافى سبكتكين والجيش من الري. وعاد الصيمرى من شيراز، وعاود محاربه عمران، فمات بالمرمونى من اعمال الجامدة. وكان الصيمرى يحسد المهلبى، على تخصيصه وأدبه، فكان إذا جلس معه على الطعام، راى كلامه وفصاحته، فيأمر الفراشين بعينه، فيطرحون المرقه على ثيابه، فكان المهلبى منغصا به، وكان يستصحب مع غلامه دائما ثيابا يغير بها ما عليه. وكان في الصيمرى شجاعة وقوه نفس، وهو الذى فتح الجانب الشرقى لمعز الدولة، لان الديلم لم يقدم على العبور، فلما رأوا كاتبا قد تقدمهم انفوا. وقال القاضى ابو حامد المروروذي: كنت واقفا بين يدي معز الدولة، فقال

стр. 6151

للصيمرى: اريد خمسمائة الف درهم لمهم، فقال: من اين؟ ودخلك لا يفى بخرجك، فقال: الساعة احبسك في الكنيف، حتى تحضر ما طلبته، فقال: إذا حبستني في الكنيف، خريت لك بقره وضربتها دراهم، فضحك منه وامسك. ولما خرج الصيمرى في هذا الوجه، استخلف أبا محمد المهلبى، فلما علم نفاقه على معز الدولة، اطلق لسانه فيه، فكان ابو محمد قد تيقن انه يهلكه على يد الصيمرى، فانفذ الى معسكره طيورا، واوقف من يكتب عليها اخباره، فأتاه البراج بطير قد ابتل بالماء بكتاب لم يقف عليه، فقال للصابئ: تلطف في قراءته، فقراه بعد جهد، فإذا فيه هلاك للصيمرى، فدخل الى معز الدولة، وعزاه وجلس للعزاء به. وترشح للوزارة ابو على الطبرى وهو عامل للاهواز. قال التنوخي: من اعظم المصادرات مصادره معز الدولة لأبي على الحسن ابن محمد الطبرى، صادره على خمسمائة الف دينار، فلما مات الصيمرى، طمع في الوزارة، وبذل فيها مالا عظيما، قدم منه أول نوبه ثلاثمائة الف دينار، فلم يبن عليه خروجها، فأخذها منه وقلد المهلبى.

стр. 6152

سنه تسع وثلاثين وثلاثمائة في هذه السنه، رد القرامطة الحجر الأسود الى مكة، وكان بجكم قد بذل لهم ان ردوه خمسين الف دينار، فلم يجيبوه، وكان بين قلعه ورده اثنتان وعشرون سنه. وفي هذه السنه، كانت وزارة ابى محمد الحسن بن محمد بن هارون المهلبى لمعز الدولة، خلع عليه معز الدولة القباء والسيف والمنطقه، وسار سبكتكين بين يديه الى دار الخلافه، فخلع عليه السواد والسيف والمنطقه. وكان المهلبى ثقيل البدن، ومشى في صحون الخلافه، وقد اثقله ما عليه من اللباس، فسقط بين يدي المطيع لله عند دخوله من ذلك، ومن شده الحر، ووقع على ظهره، فأقيم وظن من معه انه يحصر بما جرى، فتكلم واحسن واطال في الشكر والقول، وتمثل بابيات، فتعجب الناس من بديهته، وركب الى داره، ومعه جميع الجيش وحجاب الخلافه، وداره هي الدار المعروفه بالمرشد، ونزلها السلطان ركن الدولة في سنه سبع واربعين وأربعمائة عند دخوله بغداد، ونقضها موفق، خادم القائم بأمر الله رضوان الله عليه في سنه خمس وخمسين وأربعمائة وبنى بآلتها حجره للطيور، بباب النوبى، وعمرها سعد الدولة الكهورانى، في سنه تسعين وأربعمائة، ولما قتل وقفتها زوجته نقد ما كان نقض ما بقي في الدور الشاطبية بباب الطاق، وما امتدت يده من قصر بنى المأمون رضى الله عنه ثم نزلها قوام الدولة كريغا، في سنه ثلاث وتسعين وأربعمائة، ثم خلت بعد خروجه. وقال ابو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباته السعدي يمدح المهلبى بقصائد منها: دع بين أثوابي وبين وسادي ... شخصا يصد فوارسى وجيادي وقال فيه من اخرى: اذم زيادا في ركاكه رايه ... وفي قوله اى الرجال المهذب تكلم والنعمان شمس سمائه ... وكل مليك عند نعمان كوكب

стр. 6153

ولو ابصرت عيناه شخصك مره ... لابصر منه شمسه وهو غيهب وفيها: كفى وزراء الملك في الناس مفخرا ... بانك منهم حين تعزى وتنسب كان قد كفى الابطال بأسا ونجده ... بان قيل منهم في الهياج المهلب وانحدر المهلبى وروزهان لمحاربه عمران، فهزمهما واستأسر قوادهما. ومضى المهلبى الى البصره. وكاتب سيف الدولة الخليفة، يستاذنه في الغزو، فاذن له، فاوغل في بلاد الروم، وسبى وافتتح حصونا، وعاد في ثلاثين ألفا، فاخذ عليه الروم الدرب، فلم يفلت الا في عدد يسير، وقال المتنبى قصيده منها: قل للدمستق ان المسلمين لكم ... خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا.

стр. 6154

سنه اربعين وثلاثمائة فيها تم الصلح بين عمران ومعز الدولة، وقلده البطائح، واطلق عياله الماسورين واطلق القواد. وورد الخبر بمعاودة ابن قراتكين حرب ركن الدولة بعد انهزامه، ودخول ركن الدولة الري بعد ان تقابلا سبعه ايام. وواصل ابن قراتكين الشرب أياما، فمات فجاه، وكفى ركن الدولة خطبه بعد ما حل به وبعسكره من البلاء بحصاره. وورد ابن وجيه صاحب عمان البصره فقاتله المهلبى، وأخذ منه خمسه مراكب وهزمه، ووصل المهلبى الى بغداد ومعه الأسارى والمراكب. وفيها مات ابو القاسم الكلواذى بعد الفقر، وقد مضت اخباره. وفيها مات ابو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي، امام اصحاب ابى حنيفه. قال الخطيب: كان مع غزاره علمه، وكثره روايته، عظيم العباده، كثير الصلاة، صبورا على الفقر والحاجة، عزوفا عما في أيدي الناس ولما اصابه الفالج في آخر عمره، حضره اصحابه فقالوا: هذا مرض يحتاج الى نفقه وعلاج، وهو مقل، ويجب الا نبذله الى الناس، ونكتب الى سيف الدولة فنطلب منه ما ننفق عليه، ففعلوا، واحس ابو الحسن بما هم عليه، فسال عن ذلك، فاخبر به فبكى وقال: اللهم لا تجعل رزقي الا من حيث عودتني، فمات قبل ان يحمل اليه سيف الدولة شيئا ثم ورد كتاب سيف الدولة ومعه عشره آلاف درهم، ووعد ان يمده بأمثالها، فتصدق اصحابه بها. ومات ليله النصف من شعبان من هذه السنه، ومولده سنه ستين ومائتين، وصلى عليه القاضى ابو تمام الحسن بن محمد الهاشمى الزينبى- وكان من اصحابه- بحذاء مسجده في درب ابى زيد، على نهر الواسطيين، وقد بقي من مسجده اليوم

стр. 6155

قطعه من حائط القبله، يعرف اليوم بمقلع ابن صابر. قال التنوخي: كان ابو زهير الجنابى الفقيه ورعا عارفا بمذهب ابى حنيفه، فدخل بغداد، فبلغه اخبار ابى الحسن الكرخي في ورعه، فلقيه، فقال: يا أبا الحسن، بلغنى انك تأخذ من السلطان رزقا في الفقهاء، قال: نعم، قال: ومثلك في علمك ودينك يفعل هذا؟ قال له ابو الحسن: اوليس قد أخذ الحسن البصرى في زمنه، وفلان وفلان، فعدد خلقا من الصالحين الفقهاء ممن أخذ من بنى اميه، فقال ابو زهير: ذهاب هذا عليك اطرف، بنو اميه كانت مصائبهم في اديانهم، وجباياتهم الأموال سليمه، لم يظلموا في العشر ولا الخراج، فكان الفقهاء يأخذون منهم الأموال مع سلامتها، وهؤلاء الأمراء الذين تأخذ منهم أموالهم فاسده، مع اديانهم وجبايتهم لها بالظلم والغشم، فسكت ابو الحسن، ولم يأخذ شيئا الى ان مات.

стр. 6156

سنه احدى واربعين وثلاثمائة ورد الخبر بدخول الروم سروج، واحراقهم مساجدها وسبى أهلها. وفيها بنى سيف الدولة مرعشا، فقال ابو الطيب المتنبى يمدحه بقصيده: فديناك من ربع وان زدتنا كربا يقول فيها: هنيئا لهذا الثغر رأيك فيهم ... وانك حزب الله صرت له حزبا فيوما لخيل تطرد الروم عنهم ... ويوما بجود تطرد الفقر والجدبا سراياك تترى والدمستق هارب ... واصحابه قتلى وأمواله نهبي اتى مرعشا يستقرب البعد مقبلا ... وادبر إذ اقبلت يستبعد القربا وهل رد عنه باللقان وقوفه ... صدور العوالي والمطهمة القبا ارى كلنا يبغى الحياه لسعيه ... حريصا عليها مستهاما بها صبا فحب الجبان النفس اورده البقا ... وحب الشجاع الحرب اورده الحربا ويختلف الرزقان والفعل واحد ... الى ان يرى احسان هذا لذا ذنبا كفى عجبا ان يعجب الناس انه ... اتى مرعشا تبا لأربابها تبا وما الفرق ما بين الأنام وبينه ... إذا حذر المحذور واستصعب الصعبا لامر اعدته الخلافه للعدى ... وسمته دون العالم الصارم العضبا.

стр. 6157

سنه اثنتين واربعين وثلاثمائة ورد الخبر في شهر ربيع الآخر، بغزاة سيف الدولة وغنيمته واسره لقسطنطين ابن الدمستق، فقال النامي يمدحه بقصيده منها: ومن جمع الفخرين فخر ربيعه ... وفخر ابى الهيجاء كان بلا ند يمر عليك الحول سيفك في الطلا ... وطرفك ما بين الشكيمه واللبد ويمضى عليك الدهر فعلك للعلا ... وقولك للتقوى وكفك للرفد بنى الأصفر اصفرت وجوه حماتكم ... وقد ردها في البيض تحمر في الرد فلم تر يوما مثلك الخيل فارسا ... اجر لخيل في الجهاد على الجهد وقد سار في الروم الدمستق باغيا ... له ساعه نكراء في نوب نكد فتسقى دم الأكباد وهي على ظما ... وتخترم الاعمار وهي على حقد إذا حبست في حد سيفك سخطها ... توثب او تلقى الظبى مطلق الحد وكمن قسطنطين تحت صليبه ... ومد القنا من فوق ارعن معتد كأنك قد قدمت جندا لهزمها ... وقد سرت في جند وحزمك في جند واسلم قسطنطين للاسر بردس ... وولى وقد خدته فوهاء في الخد وقال ابو الطيب قصيده: ليالي بعد الظاعنين شكول. فيها: وما قيل سيف الدولة اثار عاشق ... ولا طلبت عند الظلام ذحول - قال ابن جنى: اثار افتعل من الثار، واصله اتثار فابدلت التاء ثاء لتوافقهما في الشده وقرب مخرجهما، وقال قيس:

стр. 6158

ثارت عديا والخطيم فلم أضع ... وصيه اشياخ جعلت ازاءها والذحول: جمع ذحل وهو الثار. فيها: على قلب قسطنطين منه تعجب ... وان كان في ساقيه منه كبول لعلك يوما يا دمستق عائد ... فهل هارب مما اليه يؤول نجوت باحدى مهجتيك جريحه ... وخلفت احدى مهجتيك تسيل اغركم طول الجيوش وعرضها ... على شروب للجيوش اكول وورد الخبر بموت ابى الفضل العباس بن فسانحس، بالبصرة، وسنه سبع وسبعون سنه، وحمل تابوته الى الكوفه. وتقلد الديوان بعده ابنه ابو الفرج محمد. وورد الخبر بتمام الصلح بين ركن الدولة وبين ابى على بن محتاج، بعد حروب جرت بينهما على باب الري، ومنازله ثلاثة اشهر، وانصرف ابن محتاج الى خراسان وركن الدولة الى الري. وفي شوال مات ابو عبد الله بن فهد الموصلى. وفي هذه السنه ماتت بدعه الصغيره والمعروفه بالحمدونيه عن اثنتين وتسعين سنه.

стр. 6159

سنه ثلاث واربعين وثلاثمائة في هذه السنه، ورد رسول ابى على بن محتاج الى معز الدولة، فاوصله الى الخليفة، وذلك بعد موت نوح بن نصر، فعقد لأبي على على خراسان، وسلم اليه العهد والخلع، وضم اليه أبا بكر بن ابى عمرو الشرابي، واقام الخطبه للمطيع في هذه السنه، ولم تكن قد أقيمت له ببلاد خراسان الى هذه الغاية. وبلغ الخبر بموت موسى قتادة، فانحدر المهلبى لحيازه تركته وكانت عظيمه. وفي مستهل شعبان، ورد الخبر بوقعه كانت بين الدمستق وبين سيف الدولة بالحدث، وقتل سيف الدولة خلقا من اصحاب الدمستق، واسر ابن ابنه وصهره وبطارقته، وبنى الحدث بعد ان اخربوها، وقال السرى مذكرا اخرابهم لها: ان تشتك الحدث الحسناء حادثه ... سعى بها خائن منهم ومغرور فإنها نشوه ولت عذوبتها ... وخر ذو التاج عنها وهو مخمور سينقض الوتر من اعدائه ملك ... عدوه حيث كان الدهر مقهور فحاذروا وزرا منه وهل وزر ... والسيف في يد سيف الله مشهور! وقال ابو الطيب قصيدته: ذي المعالى فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا والا فلا لا - قال ابن جنى: يريد انهم بعثوا سيف الدولة على اتمام بنائه واعلائه، فكانوا سبب ذلك، يقول فيها: قصدوا هدم سورها فبنوه ... وأتوا كي يقصروه فطالا واستجروا مكايد الحرب حتى ... تركوها لهم عليه وبالا رب امر أتاك لا تحمد الفعال ... فيه وتحمد الافعالا

стр. 6160

- قال ابن جنى: الفعال: الهراب، والافعال انهزامهم- وقسى رميت عنها فردت ... في قلوب الرماه عنك النصالا أخذوا الطرق يقطعون بها الرسل ... فكان انقطاعهم إرسالا وهم البحر ذو الغوارب الا ... انه صار عند بحرك آلا الغوارب: الأمواج. وفي شوال مات ابو جعفر محمد بن القاسم الكرخي. وعرض لمعز الدولة مرض في إحليله، وهو الإنعاظ الدائم. وورد الخبر بدخول ركن الدولة وابن محتاج جرجان ومضى وشمكير هاربا الى خراسان.

стр. 6161

سنه اربع واربعين وثلاثمائة عقد معز الدولة لابنه بختيار الرئاسة. وارجف على معز الدولة عند عمران، فاجتاز به مائه الف دينار، قد حملت من الاهواز وأمثالها للتجار فأخذها معز الدولة الكوكبى نقيب الطالبيين برسالته في اطلاق ماله واموال التجار، فرد ما يتعلق بمعز الدولة، ومضت امتعه التجار. وفي هذه السنه سد معز الدولة فوهه نهر الرفيل، وسد ى يثق النهروانات، وحفر للخالص فحوله، وشرع في سد يثق الروبانيه ببادوريا. وفي رجب ورد الخبر بموت ابى على بن محتاج بالري، في وباء حدث بالبلد. وورد رسول ابى الفوارس عبد الملك بن نوح، فعقد الخليفة له على خراسان. وانحدر روزهان في شهر رمضان لقتال عمران، وجاء المهلبى الى زاوطا لمعاونته.

стр. 6162

سنه خمس واربعين وثلاثمائة ترك روزبهان محاربه عمران، ومضى الى الاهواز عاصيا، واستكتب أبا عبد الله الجويني واستامن اليه رجال المهلبى. وكان روزبهان من صنائع معز الدولة لأنه رقاه الى هذه المنزله، وكان يتبع موسى قتادة، فاضطرب الديلم على معز الدولة، وأظهروا ما في نفوسهم. وانصرف المهلبى الى الأبله وانحدر معز الدولة والمطيع لله. وهم ناصر الدولة بالانحدار الى بغداد، وأخذها، فوصلها سبكتكين فلم يقدم. وواقع معز الدولة روزبهان بقنطرة اربق، سلخ شهر رمضان، وقاتله بالاتراك ولم يثق بالديلم، فاسره واصعد به الى بغداد في زبزب. وكثر دعاء العامه على روزهان، ورجموه بالأجر، واشار عليه مسافر باتلافه. وعلم معز الدولة ان الديلم على اخذه، وكره قتله، لان معز الدولة كان يكره الدماء، ولم يكن متسرعا الى اراقتها، ثم اخرجه ليلا الى الانايتين تحت البلد فغرقه. وكان أخو روزهان قد عصى بفارس، فظفر به هناك. ودخل الخليفة داره، في مستهل ذي القعده، بعد وصول معز الدولة. ومات في هذا اليوم ابو عبد الله الحسين بن احمد الموسوى. وفيها مات ابو عمر الزاهد، غلام ثعلب، وجوز العالم جنازته في الكرخ، فوقعت الفتنة لأجلها. وحكى ابو عمر قال: كان سبب انفرادى في هذه الخربه اننى أخذت كتاب سيبويه، وتوجهت لأقرأه على المبرد، فسمعت الشبلى يقص في الجامع وانشد في قصصه: قد نادت الدنيا على أهلها ... لو ان في العالم من يسمع كم واثق بالعمر واريته ... وجامع فرقت ما يجمع

стр. 6163

ووجدت بخط التميمى قال: عاد ابو عمر مريضا فلم يجده، فكتب على بابه: واعجب شيء سمعنا به ... مريض يعاد فلا يوجد وحكى رئيس الرؤساء ابو الحسن بن صاحب النعمان قال: مضيت مع ابى الى ابى عمر، فلما دخلنا عليه قال: تاجروا، فاخذ كل واحد منا آجره وجلس عليها، ثم أخذ ابى يعتذر من تاخره عنه، فقال: يا أبا الحسين، كم تعتذر؟ اما علمت ان الصديق لا يحاسب، وان العدو لا يحسب، ثم قال: يا أبا الحسن ان ابن عبيد الله كان يبرني، واراد منى الخروج الى الكوفه لتعليم ولده برزق سماه لي فلم افعل، فغضب وقطع ما كان يعطيني، اما علمت يا أبا الحسن ان رزقي على من إذا غضب لم يقطع، قال: وطال الحديث وودعه ابى وانصرفنا.

стр. 6164

سنه ست واربعين وثلاثمائة خرج ابو الحسين بن مقله الى كربلاء، للزيارة وبه فالج، فمات في طريقه، واعيد الى داره، ودفن بمربعه ابى عبد الله. وفيها تزوج بختيار بابنه سبكتكين بحضره الخليفة.

стр. 6165

سنه سبع واربعين وثلاثمائة ورد الخبر ان الروم نهبوا سواد ميافارقين، وقتلوا نادرا، غلام سيف الدولة، وانهم غلبوا على سميساط وأحرقوها، وان سيف الدولة افلت منهم في عدد يسير، وأسروا اهله وقرابته. واخر ناصر الدولة حمل المال عن معز الدولة، فسار الى نصيبين وراءه وبعد ناصر الدولة الى ميافارقين. وانفذ معز الدولة بسبر مردى، وهو حدث، في خمسمائة من الديلم الى سنجاب، فهرب منه ابو المرجى جابر وهبه الله، ابنا ناصر الدولة، الا ينفذه، فلم يقبل منه، فقال: طفل يرق الماء في ... وجناته وينض عوده ويكاد من شبه العذارى ... منه ان تبدو نهوده جعلوه قائد عسكر ... ضاع الرعيل ومن يقوده وقال السرى المعروف بالرفاء يمدح أبا المرجى: الله اكبر فرق السيف العدا ... فتفرقت أيدي سبا اخبارها لا تجبر الأيام كسر عصابه ... كسرت وذل بجابر جبارها رحلت فكان الى السيوف رحيلها ... وثوت فكان الى السيوف مزارها علم الأعاجم ان وقع سيوفكم ... نار تشب وأنتم اعصارها من ذا ينازعكم كريمات العلا ... وهي البروج وأنتم اقمارها الحرب تعلم انكم آسادها ... والارض تشهد انكم أمطارها
следующие страницы →