← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

ثم ظفر الوزير بالحبشى، وامنه وانفذه الى عمه ركن الدولة، واستخلف على البصره المرزبان بن عز الدولة. وفي ليله النصف من شعبان، مات المتقى لله ابراهيم بن المقتدر بالله في داره التي على دجلة، المعروفه بابن كنداحميق، ودفن في دار تحاذيها. وفي شوال قدم ابو احمد الشيرازى من شيراز، فاخبر ان عضد الدولة توجه الى كرمان لينزعها من يد اليسع، وخطب بنت عز الدولة للأمير ابى الفوارس بن عضد الدولة، وكان الخطيب في العقد أبا بكر بن قريعة، وثبتت وكاله ابى احمد عند ابن معروف، من عضد الدولة، بعقد النكاح لابنه لصغره، وكتب كتابين من نسخه واحده، على صداق مائه الف دينار. وورد الخبر بوفاه الحسن بن الفيرزان بالبلاد التي تغلب عليها من جرجان. وفي هذه السنه توفى ابو الفرج على بن الحسين الاصفهانى، صاحب الأغاني، وهو من ولد مروان بن محمد الاموى، ومولده سنه اربع وثمانين ومائتين، ولم يعرف اموى يتشيع سواه، وله في المهلبى تهنئه بابن ولد له من سريه رومية: اسعد بمولود أتاك مباركا ... كالبدر اشرق جنح ليل مقمر سعد لوقت سعاده جاءت به ... أم حصان من بنات الأصفر متبجح في ذروتى شرف الورى ... بين المهلب منتماه وقيصر شمس الضحى قرنت الى بدر الدجى ... حتى إذا اجتمعت أتت بالمشترى ويروى ان المهلبى، دخل الى تجنى، فلما رآها تمثل: فما انس لا انس إقبالها ... وتميس كغصن سقته الرهم وقد برزت مثل بدر السما ... سما في العلو علوا وتم على راسها معجر ازرق ... وفي جيدها سبحه من برم

стр. 6197

ولم ترتقب لطلوع الرقيب ... ولم تحتشم من حضور الحشم لقد سؤتنى يا نظام السرور ... واسقمتنى يا شفاء السقم بجودك عن عفر في الكرى ... وبخلك مسئوله عن امم اهذا المزار أم الازورار ... والمامكم الم او لمم فقالت له تجنى: تتمثل بشعر قائله ولا تزيل شعثه، قال: ومن هو قائله؟ قالت: الاصبهانى، يمدحك به ويقول فيه: فداؤك نفسي هذا الشتاء ... علينا بسلطانه قد هجم ولم يبق من سنتي درهم ... ولا من ثيابي الا رمم يؤثر فيها نسيم الهوا ... وتحرقها خافيات الوهم فأنت العماد ونحن العفاة ... وأنت الرئيس ونحن الخدم فامر له بمال.

стр. 6198

سنه ثمان وخمسين وثلاثمائة في المحرم مات ابو احمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازى، ومن شعره أهلا وسهلا بالحبيب الذى ... يصفينى الود واصفيه محاسن الناس التي فرقت ... فيهم غدت مجموعه فيه قد وضح البدر باشراقه ... والغصن غضا بثنيه أفديه احميه وقلت له ... من عبده أفديه احميه وفي هذه السنه اتى الهجريون عين التمر، فتحصن منهم صنبه العيني بشفاثا، فاستاقوا المواشى وانصرفوا. واتى ملك الروم طرابلس، فاحرق ربضها، وأخذ من بلدان الساحل مائه الف شاب وشابه، وعزم على قصد بيت المقدس، فهاب القرامطة، وقد كانوا نزلوا الشام، وأوقعوا بابن عبد الله بن طغج. وفي جمادى الآخرة مات الأمير ابو جعفر بن الراضي بالله، وكان نازلا بالرصافة. وفيه كثر ببغداد موت الفجأة. وبلغ الكر زياده على تسعين دينارا. ولم تزد دجلة والفرات والنهروان في هذه السنه. وفي هذه السنه خطب لعضد الدولة بسجستان، واستخلف على كرمان ابنه شيرزيل ووجد الأكراد في جبل جلود الوقيعه، بسيل كثيف عزارج، معقود فيه مال وصياغات ودراهم، في كل درهم منها خمسه دراهم، وفي احد وجهيه صوره بقره، وعلى الوجه الآخر صوره انسان وعليه كتابه رومية. وكان ابو تغلب قد سلم الى أخيه حمدان الرحبه، ثم أساء الى وكلائه، فكتب اليه حمدان يحلف بطلاق ابنه سعيد بن حمدان، وبكل يمين انه ان أحوجه استعان عليه بالديلم، فان انتصف والا استعان بالقرامطة، فان بلغ غرضا والا استعان بملك الروم،

стр. 6199

فكان جواب ذلك من ابى تغلب، ان قبض ضياعه، وطرد وكلاءه، وانفذ أخاه أبا البركات، فانتزع الرحبه من يد حمدان. فدخل حمدان بغداد في شهر رمضان، وتلقاه عز الدولة وسبكتكين في ميدان الاشنان، وانزله في دار ابن رزق الكاتب النصراني، وحمل اليه مائه وخمسين الف درهم، وثلاثمائة ثوب، أصنافا من ديباج وعتابى ودبيقى، وثلاثين راسا بغالا وخيالا وجمالا وسبع مراكب ذهبا، وكاتب أخاه يسفر في الصلح بينهم، فتم ذلك، ولما خرج شيعه عز الدولة، وحمل اليه اكثر مما حمله أولا عند قدومه. وحكى انه يوم دخوله صدم سبكتكين العجم احد القواد، فقتله، ورضخ فرسه صاعدا فاعتل، فلما وصل وافاه القاضى ابو بكر بن قريعة مسلما، فقال حاجبه: ان الأمير نائم، فعاد فلقيه انسان، فقال: من اين جاء القاضى؟ فقال: أتانا حمدان وافدا، لأخيه مباعدا، فقتل قائدا، ورضخ صاعدا، وظل راقدا. وقال ابن نباته في حمدان قصيده، منها: إليك صحبنا اليوم ترعد شمسه ... وحيره ليل اسود النجم فاحم ودهرا سمت حيتانه في سمائه ... وانجمه في بحره المتلاطم الى صده ان يستخف عتابنا ... وما الظلم فيه غير شكوى المظالم تكون بها أنفاسنا وحديثنا ... مدائح حمدان المليك القماقم فتى لم ترق مساء الشبيبة شعره ... على الخد حتى رام شم المراوم أخو الحرب يثنى جيدها وهو صارم ... ويسلم منها والقنا غير سالم فتى لا يرى ان الهموم مصائب ... وان سرور العيش ضربه لازم يؤمل في أمواله كل آمل ... ويرحم من اسيافه كل راحم إذا السيف لم يستنزل الهام لمعه ... فما هو من آرائه والعزائم ليهنيك جد يفلق الصخر جده ... ويهتك صدر الجحفل المتلاطم انك لا تلقى الندى غير باسم ... اليه ولا صرف الردى غيرى حازم وسار حمدان عن بغداد، وخلف حرمه واولاده، وشيعه عز الدولة، فلما وصل الى الرحبه، عاد الخلف بينه وبين أخيه، وانفذ ابو تغلب أخاه أبا البركات، فانتزع الرحبه من يد حمدان، وسار حمدان عنها في البر الى تدمر، فنفذ زاده، ولحقه

стр. 6200

عطش شديد، فعاود الرحبه، ودخلها من ثلم عرفها، وقد ترك ابو البركات اصحابه فيها، واصعد الى الرقة، فاستولى حمدان على ذخائره وأمواله واصحابه. فبلغ ذلك أبا البركات، فانحدر، فتلقاه حمدان وعدته قليله، وقال لأصحابه: لا بد من الصبر، فقاتل فنصر، وقتل أبا البركات، وانفذه الى أخيه ابى تغلب في تابوت فكفن بسل توبه، واعتذر بانه دفع عن نفسه بقتله، فقال ابو تغلب: والله لألحقنه به ولو ذهب ملكي. وقبض ابو تغلب على أخيه ابى الفوارس محمد، صاحب نصيبين، وعرف انه وافق حمدان على الفتك به. ولما عرف هبه الله بن ناصر الدولة ما جرى على ابى الفوارس، ثار به المرار، وانكر فعل ابى تغلب. وكتب الحسين بن ناصر الدولة الى أخيه ابى تغلب، وهو صاحب الحديثه يقول: ان الله قد وفق الأمير في افعاله، ونحن وان كنا اخوه، فنحن عبيد، ولو أمرني بالقبض عليه لفعلت، فقال ابو تغلب: هذا كتاب من يريد ان يسلم. وانحدر حمدان واخوه ابو طاهر ابراهيم الى بغداد. وكان عز الدولة بواسط فانحدرا اليه فتلقاهما، ونزل حمدان دار ابى قره، وانزل أبا طاهر ابراهيم في دار ابى العباس بن عروه، وحمل إليهما هدايا كثيره، واصعدا معه الى بغداد. وفي شهر رمضان قدم الوزير ابو الفضل العباس بن الحسن من الاهواز وتلقاه عز الدولة واصعد الى بغداد. وفيه مات ابو الحسين الكوكبى العلوي الذى كان يتقلد نقابه الطالبيين. وفي ذي القعده انحدر ابو إسحاق بن معز الدولة الى دار السلطان، ووصل الى المطيع لله وعقد لعضد الدولة على كرمان، وانفذ اليه الخلع واللواء والطوق والسوارين. وفيه نقل عز الدولة أباه معز الدولة الى تربه بنيت له بمقابر قريش، بعد ان كفنه وطيبه، ومشى بين يدي تابوته الوزير ابو الفضل، والرئيس ابو الفرج والأمراء من الديلم والاتراك. وملك الروم أنطاكية يوم النحر. سنه تسع وخمسين وثلاثمائة فيها فتح الروم منازكردم، من اعمال أرمينية بالسيف. وفي شهر ربيع الاول صرف القاضى ابو بكر بن سيار عن القضاء في حريم دار الخلافه، وتولاه ابو محمد بن معروف. وفي هذه السنه اقام ابو المعالى بن سيف الدولة الخطبه في اعماله واعمال فرعونه للخارج بالمغرب. وفي آخرها قبض على الوزير ابن ابى الفضل الشيرازى، وتولى الوزارة مكانه ابو الفرج محمد بن العباس بن فسانحس، وقال ابن الحجاج يمدحه: يا وزيرا بنوه طلعت ... انجم العدى صحن خدي لارض نعلك ... يا سيدي الفدا بك قامت سوق النوال ... وقد اصبحت سيدي وسمعنا فيها النداء ... على الجود والندى فاما ابو الفضل العباس بن الحسين الشيرازى، فمولده بشيراز سنه ثلاث وثلاثمائة. وورد مع معز الدولة بغداد، وناب عن المهلبى، وصاهره على بنته زينه من تجنى، وكان ذلك سبب تقدمه، ثم فسد ما بينهما وكان واسع المروءة والصدر، وداره على الصراة ودجلة، وهي التي كانت بستانا لنقيب النقباء الكامل، وانتقلت الى الفضلونى، وانفق عليها ابو الفضل زائدا على مائه الف دينار، ثم احترقت، فامر عضد الدولة ببسطها بستانا. وعمل دعوه لمعز الدولة، وجعل في وسط السماط قصورا من السكر، فيها مخانيث اغان يغنون ويرقصون ولا يشاهدون، وقطع دجلة من فوق الجسر الى دار الخلافه بالقلوس الغلاظ وطرح الورد فيها حتى ملاها، وغطى دجلة ولم ينزل بغداد قيان الا احضره، وذلك في سنه اربع وخمسين وثلاثمائة

стр. 6201

فلما كان في سنه خمس وخمسين، قال له معز الدولة: يا أبا الفضل، تلك الدعوة فريده بلا اخت؟ فقال: بل هي في كل سنه. وعمل دعوه انفق فيها الفى الف درهم، ووهب فيها جواري وغلمانا واتراكا وضياعات واستعد بعد عملها عند الشوائين الف جمل مشوى. وحمل الى ابى الفضل اصحابه ما امكنهم من الهدايا. وكان لابن الحجاج كميت فاراد ان يقوده، ثم خاف ان يقبله، فكتب اليه: وصاحب لي أمس شاروته ... كيف ترى لي اليوم ان افعلا فقال قد هذا الكميت الذى ... قد جمع الحسن وقد اكملا فقلت لا والله لا قدته ... اخاف يا احمق ان يقبلا واما ابو الفرج محمد بن العباس بن فسانحس، فمولده بشيراز سنه ثلاث وثلاثمائة، وورد مع معز الدولة في ذي الحجه سنه ثمان وثلاثمائة. وأبوه من اصحاب النعم الوافره بفارس، صادره عماد الدولة على ستمائه الف دينار وقال: انى كسبت معه خمسين الف الف درهم، وجاء مع معز الدولة الى بغداد، وولاه الزمام على المهلبى، وتوفى سنه اثنتين واربعين ثلاثمائة، وتكفل المهلبى بأمر ابنه، حتى رد اليه الديوان.

стр. 6202

سنه ستين وثلاثمائة [أخبار] في صفر لحقت المطيع لله سكنه، استرخى فيها جانبه الأيمن، وثقل لسانه. وفيه توفى ابو الفضل محمد بن الحسين بن العميد، كاتب ركن الدولة، فاستكتب مكانه أبا الفتح، ووالده ابو عبد الله العميد، كان يكتب لمرداويج بن زيار، ولأخيه وشمكير. ورتب ركن الدولة أبا الفضل بن العميد، مع عضد الدولة، فهذبه وأدبه، ثم تغير عليه، فحلف الا يقيم بفارس، ومضى الى ركن الدولة، ومات بالري، وقدم عليه المتنبى وهو بارجان فمدحه بقصيدته التي أولها: باد هواك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك ان لم تجر دمعك او جرى ومنها: فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرئيس الاكبرا خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملا مسمعى من أبصرا - قال ابن جنى: اى، فكما ان الخط يقوم لقارئه مقام ما تسمعه اذنه، فكذلك ما يشاهد من فضلك، يقوم مقام خالقك من مبلغ الاعراب انى بعدها ... شاهدت رسطاليس والاسكندرا ومللت نحر عشارها فاضافنى ... من ينحر البدر النضار إذا قرى وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكا متبديا متحضرا اى جمع الملوكيه والبدوية والحضريه، ونصب دارس على الحال. ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والاعصرا اى اجتمع في زمانه الفضلاء المتقدمون

стр. 6203

نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... واتى فذلك إذ اتيت مؤخرا - اى مضوا مثل الحساب الذى يذكر تفاصيله، ثم يقال في الأخير: والجميع كذا، فلما جئت أنت آخرهم، كنت كأنك جمله التفصيل يا ليت باكيه شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا شجاني أحزنني، يقول: ليت من بكى لفراقك، نظر إليك فيعذرنى، ونصب فتعذر على التمنى. وترى الفضيلة لا ترد فضيله ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا الكنهور: القطع من السحاب، اى وترى الفضيلة فيك مشرقه، غير مشكوك فيها، كما ترى الشمس إذا اشرقت، والسحاب إذا كثر، ونصب الشمس والسحاب بفعل مضمر تقديره: ترى برؤية فضائلك الشمس والسحاب، ونصب فضيله على الحال انا من جميع الناس اطيب منزلا ... واسر راحله واربح متجرا ووصله ابن العميد لهذه القصيده، بثلاثة آلاف دينار. وقال يودعه من قصيده: تفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد - اى لم تدم على حمدنا، وجعل الحمد منها جميعا، لان كل واحد منا أحب لقاء صاحبه وكره فراقه- جعلن وداعي واحدا لثلاثة ... جمالك والعلم المبرح والمجد المبرح: الذى يكشف حقائق الأمور من قولهم: برح الخفاء، اى انكشف الأمر- وقد كنت أدركت المنى غير اننى ... يعيرني اهل بإدراكها وحدي

стр. 6204

اى أدركت بلقائك المنى، الا ان اهلى يعيروننى كيف لم اشاركهم في ذلك- وكل شريك في السرور بمصبحى ... ارى بعده من لا يرى مثله بعدي اى كل من يشاركني في السرور بقدومى يرى ما افدتنيه. فجد لي بقلب ان رحلت فاننى ... مخلف قلبي عند من فضله عندي قال ابن الصابى: قيل ان مما نفق به ابن العميد على ركن الدولة، ان ركن الدولة اراد ان يحدث بناء بالري، واختار له موضعا، وكانت فيه شجره، ذات استداره عظيمه، وعروق نازله متشعبه، فقدر لقلعها واخراج عروقها جمله كثيره، ولم تقع ثقته بأنها تستأصل استئصالا قاطعا، فقال ابن العميد: انا اكفى الأمير هذه الكلفه، واقطع هذه الشجرة بعروقها بأهون شيء، في اقرب أمد، واقل عدد. فاستبعد ذلك ركن الدولة، وقال من طريق الإزراء: افعل، فاستدعى حبالا وأوتادا وسلك هذا السلك المعروق في جر الثقيل، فلما رتب ما رتبه، ونصب ما نصبه، اقام نفرا قليلا حتى مدوا، ومنع ان يقف احد على جربان كثيره من الشجرة، بحسب ما قدره من وشوج أصولها ورسوخ عروقها. ووقف ركن الدولة في موكبه ينظر، فما راعهم الا تزعزع الارض وانفتاحها وانقلاب قطعه كبيره منها، وسقوط الشجرة منسله بجميع عروقها، فتعجب ركن الدولة من ذلك، واستظرفه واستعظمه، ونظر الى ابى الفضل بعين الجلاله. وهذا امر لا يعظم عند من يعرف الحيله فيه، والطريق المقصود اليه. ومن شعر ابن العميد يذكر حال حبيب له بعد: هبيه كما قال العذول هبيه ... اما آن ان تغضى العواذل فيه دعيه ولا ترضى لإتلاف جسمه ... أفانين ان لم تفنه ستريه إذ اعتلقت كفى خليلا تعرضت ... له نوب الأيام تسلبنيه وفي شهر ربيع الاول وصل ابو الحسن على بن عمرو بن ميمون، وقد ثبتت وكالته عند القاضى ابى محمد بن معروف بن ابى تغلب، وتزوج له بنت عز الدولة

стр. 6205

بختيار، ومنها ثلاث سنين على صداق مائه الف دينار، وكناه الخليفة أبا تغلب، وجدد له ضمان الموصل، وسائر اعماله بديار ربيعه ومضر في كل سنه بألف الف ومائتي الف درهم. ووصل ابن عمرو الى المطيع لله مع ابى عمر محمد بن فسانحس الخازن، حتى سلم اليه الخلع لصاحبه والسيف. وانحدر الوزير ابو الفرج الى الاهواز، فشرع ابو الفضل الشيرازى في الوزارة، فتم ذلك له. وانفذ عز الدولة بمن قبض على ابى الفرج بالاهواز، وقبض على أخيه ابى محمد الخازن ببغداد، واطلق أبا الفضل من اعتقاله بدار ابى الفرج، فكانت وزارة ابى الفرج ثلاثة عشر شهرا وثلاثة ايام. وزارة ابى الفضل العباس ابن الحسن الشيرازى الثانيه قال التنوخي: كنا جلوسا في دار ابى الفضل الثانيه، ننتظر خروجه حتى يخلع عليه، وكان معنا ابن الحجاج، صاحب السفه في شعره، فانشدنا مديحا لأبي الفضل منه: يا سيدا طلعته لم تزل ... أشهى الى عيني من النوم لم تظلم القوم وحاشاك ان ... تنسب في الظلم الى القوم جازيتهم مثل الذى اسلفوا ... في الدار والمجلس واليوم وكان معنا ابن زنجى حاضرا، فانشدنا ابيات ابن رزيق: انا لقينا حجابا منك أعرضنا ... فلا يكن ذلنا فيه لك الغرضا فاسمع مقالي ولا تغضب على فما ... ابغى بنصحك لا مالا ولا عرضا الشكر يبقى ويفنى ما سواه فكم ... سواك قد نال ملكا فانقضى ومضى في هذه الدار في هذا الرواق على ... هذى الوساده كان العز فانقرضا

стр. 6206

وهذه الأبيات قالها ابو محمد بن زريق، وقد اتى الى باب الكوفى، وقد استكتبه بجكم، وعزل ابن شيرزاد، وانزل الكوفى دار ابن طومار بخان ابى زياده، وكانت من قبل ديوانا لابن شيرزاد، فجاء ابن زريق فحجب عن الكوفى، فقال لحاجبه حين انشده الأبيات: ويلك! اما كان له أسوة بمن دخل، ولكنك اردت ان يمزق عرضي، ويواجهنى به، ورفق بابن زريق، ولم يزل به حتى جلس ورضى. وفي رجب، تقلد ابن معروف قضاء القضاه. وانحدر عز الدولة والوزير ابو الفضل لمحاربه عمران، واقام ابو الفضل لحربه. ولابن الحجاج في ذلك، وقد كسر عمران عسكر الوزير غير مره، انشدنى ذلك شرف المعالى ابن أيوب، وكان احسن الرؤساء محاضره، واجملهم معاشره، وكم له من مكارم أجزلها وكم لبيته من مناقب اثلها: ان عمران مذ نشا النصر فينا ... قد صفعنا قفاه حتى عمينا قال قوم حرم من صفعوه ... قلت لا بل حرم من يعنينا في ابيات. وقام ابو الفضل يحارب عمران سنه، حتى ملك تله، فانتقل عمران الى هوكولان. وفي هذه السنه قبض على ابى قره بالجامده، وحمل الى جنديسابور، فمات تحت المطالبه، وكان قد نقل القبه التي على قبر الوزير القاسم بن عبيد الله، وهي قبة مشهوره بالشؤم، ونصبها على مجلس في داره، وكان القاسم قد تنوق في عملها، ودفن تحتها حين تمت. سنه احدى وستين وثلاثمائة في شهر ربيع الاول، خلع على ابى احمد محمد بن حفص بواسط، وقلد الديوان مكان ابى قره وانحدر عز الدولة الى البصره. وفيها مات ابو القاسم سعيد بن ابى سعيد الجناني بهجر، وعقد القرامطة لأخيه ابى يعقوب، لم يبق من اولاد ابى سعيد غيره. وفي هذه السنه صالح ركن الدولة وابنه عضد الدولة صاحب خراسان، على ان يحملا اليه مائه وخمسين الف دينار. وتزوج صاحب خراسان بنت عضد الدولة، وتوسط الأمر عابد. وفي شعبان قبل ابن معروف شهاده ابى طالب بن الميلوس العلوي. وفي شهر رمضان، توفى عيسى بن المكتفي بالله. وفيه توفى ابو الغنائم الفضل بن ابى محمد المهلبى بالبصرة، وحمل تابوته الى بغداد.

стр. 6207

سنه اثنتين وستين وثلاثمائة [أخبار] خرج الدمستق في جموع كثيره الى بلاد الاسلام، فوطئها واثر الآثار القبيحه فيها، واستباح نصيبين، واقام بها خمسه وعشرين يوما، وانفذ اليه ابو تغلب ما لا هادنه به. واتى المستغيبون من اهل تلك البلاد الى بغداد، وضجوا في الجامع، وكسروا المنابر، ومنعوا من الخطبه، وصاروا الى دار المطيع لله، وقلعوا بعض شبابيكها. وكان عز الدولة بالكوفه، فخرج اليه ابو بكر الرازى، وابو الحسين على بن عيسى الرماني، وابو محمد الداركى وابن الدقاق، في خلق من اهل العلم والدين، مستنفرين ووبخوه على حرب عمران بن شاهين، وصرف زمانه الى القبض على ارباب الدواوين وعدوله عن مصالح المسلمين. فادى اجتهاد ابى الفضل الشيرازى، ان قال للمطيع لله: يجب ان تعطى ما تصرفه في نفقه المجاهدين، فقال المطيع لله: انما يجب على ذلك، إذا كنت مالكا لأمري، وكانت الدنيا في يدي، فاما ان أكون محصورا ليس في يدي غير القوت، الذى يقصر عن كفايتي، فما يلزمني غزو ولا حج، وانما لي منكم الاسم على المنبر، فان آثرتم ان اعتزل اعتزلت. والتزم له بعد ذلك أربعمائة الف درهم باع بها انقاض داره وثيابه. ثم وصل الخبر بان الدمستق قصد أمد، فخرج اليه واليها هزار مرد، مولى ابى الهيجاء بن حمدان وانضم اليه هبه الله بن ناصر الدولة، وساعدهم اهل الثغور، فنصرهم الله تعالى، وكثر القتل والاسر لأصحاب الدمستق، وأخذ مأسورا، وذلك في ثانى شوال. وكان اكثر السبب في خذلان الله تعالى للروم ان هبه الله تعالى متقدمهم في مضيق، وقد تقدم عسكره ولم يتأهب، فكانت الحال في اسره كما وصفنا. وكتب ابو تغلب كتابا الى المطيع لله، يخبره بالحال، وكتب الصابى الجواب عنه،

стр. 6208

وهو مذكور في رسائله ومات الدمستق من جراح به. وفي شعبان قتلت العامه والاتراك خمارا صاحب المعونة برأس الجسر من الجانب الشرقى، واحرقوا جسده، لأنه كان قد قتل رجلا من العوام وولى مكانه الحبشي، فقتل احد العيارين في سوق النخاسين، فثارت العامه وقاتلته، وانفذ ابو الفضل الشيرازى حاجبه صافيا لمعاونه صاحب الشرطه، وكان صافى يبغض اهل الكرخ، فاخترق النخاسين الى السماكين، فذهب من الأموال ما عظم قدره. واحرق الرجال والنساء في الدور والحمامات واحصى ما احترق فكان سبعه عشر ألفا وثلاثمائة دكان وثلاثمائة وعشرين دارا، اجره ذلك في الشهر ثلاثة واربعون الف دينار واحترق ثلاثة وثلاثون مسجدا. وكلم ابو احمد الموسوى أبا الفضل الشيرازى، بكلام كرهه، فصرفه عن النقابة، وولى أبا محمد الحسن بن احمد بن الناصر العلوي. وركب ابو الفضل الى دار ابن حفص التي على باب البركه، واحضر التجار وطيب قلوبهم، فقال: له شيخ منهم: ايها الوزير أريتنا قدرتك، ونحن نؤمل من الله تعالى ان يرينا قدرته فيك، فامسك ابو الفضل ولم يجبه، وركب الى داره. نزول الخارج بالمغرب بمصر وكان جوهر صاحب الخارج بمصر، قد اتى مصر، واقام الدعوة لصاحبها وبنى له قصره، وأتاها ابو تميم معد بن اسماعيل، الملقب بالمعز فنزلها. وفي سادس عشر ذي القعده خلع على إسحاق بن معز الدولة من دار الخلافه بالسيف والمنطقه، ورسم بحجبه المطيع لله على رسم أخيه عز الدولة في ايام ابيه، ولقب عمده الدولة. وفي سادس ذي الحجه قبض على ابى الفضل الشيرازى، وقد كثر الدعاء عليه في المساجد والبيع والكنائس، وقد ذكرنا مصادراته للمطيع لله، واحراق غلامه الكرخ، وما بت من المصادرات، وسلم الى الشريف ابى الحسن محمد بن

стр. 6209

عمر، فانفذه الى الكوفه، فسقى ذراريح في سكنجبين، فتقرحت مثانته، ومات من ذلك. قال ابو حيان: قيل له في وزارته الثانيه: كنت قد وعدت من نفسك، ان اعاد الله يدك الى البسطه، ورد حالك الى السرور والغبطة، انك تجمل في المعاملات، وتنسى المقابله، وتلقى وليك وعدوك بالإحسان الى هذا والكف عن هذا! فكان جوابه ما دل على عتوه لأنه قال: اما سمعتم قول الله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ فما لبث بعد هذا الكلام الا قليلا حتى اورد ولم يصدر، ولم ينعش بعد ان عثر، وتولى ابن بقية مصادرته، فصادره على مائه الف دينار. وزارة ابى طاهر بن بقية لمعز الدولة كناه الخليفة، وخلع عليه، ولقبه الناصح، وكان يخدم في مطبخ معز الدولة، حتى خدم أبا الفضل الشيرازى، وكان واسع النفس، وكانت وظيفته في كل يوم الف رطل ثلجا، وفي كل شهر اربعه آلاف منا شمعا، وكان يفعل كما يفعل وزراء الخلفاء، من الجلوس في الدسوت الكامله، ويضع وراء مجلسه أساطين الشمع، وبين يديه عده اتوار فيها الموكبيات والثلاثيات، وفي كل مجلس من الدار تور فيه ثلاثية، وان كان المكان خاليا، وفي أيدي الفراشين الموكبيات، بين يدي من يدخل ويخرج، وفي الشتاء يترك بين يديه كوانين الفحم، فيها جمر الغضا، ويترك عليه اقطاع الشمع، فكان يشتعل احسن اشتعال. وفي هذه السنه توفى القاضى ابو حامد احمد بن عامر بن بشر المروروذى بالبصرة.

стр. 6210

سنه ثلاث وستين وثلاثمائة [أخبار] طولب ابو محمد بن معروف ان يستحل بيع دار ولد ابى الحسن محمد بن ابى عمرو الشرابي حاجب الخليفة، وكان أبوه قد مات، والبائع لها وكيل نصبه المطيع لله. فامتنع واغلق بابه، واستعفى من القضاء، فقلد مكانه القاضى ابو الحسن محمد بن صالح بن أم شيبان الهاشمى، بعد ان امتنع، وأجاب على الا يقبل رزقا، ولا خلعه، ولا شفاعه، وان يدفع الى كاتبه من بيت مال السلطان ثلاثمائة درهم، ولحاجبه مائه وخمسون درهما، وللقاضي في الفروض على بابه مائه درهم، ولخازن ديوانه وأعوانه ستمائه درهم، وان يصل اليهم ذلك من الخزانه، فأجيب. وركب معه ابن بقية والوجوه، وتسلم عهده بحضره المطيع لله، فتولى انشاءه ابو منصور احمد بن عبيد الله الشيرازى، صاحب ديوان الرسائل يومئذ، وقرئ عهده في جامع المدينة. وصرف ابو تمام الزينبى عن نقابه العباسيين، وتقلدها ابو محمد عبد الواحد بن الفضل بن عبد الملك الهاشمى. وفي رجب لقب ابو تغلب عده الدولة، وخرج باللقب اليه ابو الحسن بن عمرو كاتبه. واضاق عز الدولة، فانحدر الى الاهواز، فتنازع تركي وديلمى في معلف بالاهواز، فوقعت بينهم وقعه، فقيل ارسلان التركى وهو لعرجنه، وكان قد ظهر بين سبكتكين وعز الدولة، فقبض عز الدولة على الاتراك الذين عنده. وحل اقطاع سبكتكين بالاهواز، وقبض على عماله ووكلائه، وفعل باصحابه بالبصرة كذلك وكتب على الاطيار الى أخيه ابى إسحاق، وامره ليقبض على سبكتكين. فاشاع ابو الحسن عمده الدولة ان عز الدولة أخاه قد مات، وقصد ان يأتيه سبكتكين

стр. 6211

معزيا، فيقبض عليه، وحسب ذلك، ووردت عليه كتب اصحابه بالشرح. وجمعت أم عز الدولة الديلم بالسلاح. وركب سبكتكين الى دار عمده الدولة، وهي دار مؤنس، فحاربهم يومين، فاستسلموا وسألوه ان يفرج لهم لينحدروا، ففعل وانحدروا. وتفرق الديلم بمرقعات الى عز الدولة، واستولى سبكتكين على اموال عز الدولة وسلاحه. وانحدر المطيع لله فانفذ سبكتكين ورده. ونهبت الاتراك دور الديلم، ثم نهبوا دور التجار، فافتقر الناس، واعتزل المطيع لله الخلافه، ونذكر سبب عزله. وكان المطيع لله كريما أديبا، حكى ابو الفضل التميمى، عن المطيع لله قال: سمعت شيخي ابن منيع يقول: سمعت أبا عبد الله احمد بن حنبل يقول: إذا مات صدقا الرجل ذلك ذل. خلافه الطائع لله ابى بكر عبد الكريم بن المطيع لله كانت سبع عشره سنه، وثمانية اشهر، وسته ايام. لما وقف سبكتكين على حال المطيع لله، ﵀ عليه، في حال العله التي لحقته، وللفالج الذى تمادى به، حتى ثقل لسانه، دعاه الى خلع نفسه، وجعل الأمر الى ولده الطائع لله. وبويع له يوم الأربعاء، لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، سنه ثلاث وستين وثلاثمائة، ولم يتقلد الخلافه من له أب حي غيره، وغير ابى بكر الصديق رضى الله عنه: وركب الطائع لله يوم بويع له، وعليه البرده، وقد خلع على سبكتكين، وكناه ولقبه نصير الدولة، وطوقه وسوره، وسار سبكتكين بين يديه، وركب في يوم

стр. 6212

الاضحى الى المصلى، وصلى بالناس وخطب وخلع على ابى الحسن على بن جعفر كتابته. واصعد عز الدولة من الاهواز الى واسط. وصارت بغداد حزبين، فالسنيه تنادى بشعار سبكتكين، والشيعة تنادى بشعار عز الدولة. وواصل عز الدولة استنجاد ركن الدولة وابى تغلب وعمران بن شاهين.

стр. 6213

سنه اربع وستين وثلاثمائة توفى في المحرم ابو منصور إسحاق بن المتقى لله على احدى وخمسين سنه. وقدم حمدان بن ناصر الدولة على سبكتكين، واحدره على مقدمته، واصعد دبيس بن عفيف على مقدمه عز الدولة، فالتقى دبيس بحمدان تحت جبل، فاسر حمدان من اصحاب دبيس خلقا، وقتل آخرين، واستامن بعد ذلك الى عز الدولة. وانحدر سبكتكين والاتراك، لقتال عز الدولة. وانحدر الطائع لله ومعه أبوه المطيع، فلما بلغوا دير العاقول، توفى المطيع ليله الاثنين لثمان بقين من المحرم، وتوفى سبكتكين بعده، ليله الثلاثاء لسبع بقين منه، لذرب ناله، فكانت مده امارته شهرين وثلاثة عشر يوما، ففي ذلك يقول ابن الحجاج: اغضوا وفي الأحشاء جمر الغضا ... واستقبلوا الحزن على ما مضى عجبت من امركم ما بدا ... حتى تولى معرضا وانقضى تفسحت دودتكم هيبة ... للصل في واسط إذ فضضا لما سما مولاه في جحفل ... اسود كالليل يسد الفضا ولاح برق الموت من سيفه ... والموت من حديه قد اومضا امرضه الخوف ومن حق من ... ساوره الرئبال ان يمرضا وانفتحت ثلمه باب استه ... فلم يزل يسلح حتى قضى يا معشر الاتراك لا تعرضوا ... عن قول من صرح او عرضا نوحوا وصيحوا يا قتيل الخرا ... قد كنت فينا ثقه مرتضى قال الرئيس ابو الحسن: وجدت بخط سابور نسخه، ما خلفه سبكتكين الف الف دينار مطيعيه، وعشره آلاف الف درهم ورقا، وصندوقان طويلان فيهما جوهر،

стр. 6214

وستون صندوقا طوالا، منها خمسه واربعون فيها آنيه الذهب والفضه، وخمسه عشر منها بلور محكم، وثلاثون مركب ذهب، ومنها خمسون، كل واحد وزنه الف مثقال، وستمائه مركب فضه، واربعه آلاف ثوب ديباجا، منها الفان وخمسمائة تستريه، وخمسمائة رومية ملكيه، والباقى بغداديه وعشره آلاف راس جمالا، وثلاثمائة داريه، واربعون خادما. وحمل المطيع لله الى بغداد، ودفن في تربه والده المقتدر بالله ﵀ عليهما بالرصافة، وصلى عليه ابن معروف، وكبر عليه خمسا. ودفن سبكتكين بالمخرم. وعقدت الاتراك الأمر لفتكين بن منصور، مولى معز الدولة، وعرض عليه الطائع اللقب فامتنع وكان يكتب من ابى منصور، مولى امير المؤمنين. وانحدروا الى واسط وعز الدولة نازل بغربيها، واقامت الاتراك بشرقيها، وعبروا اليه وقاتلوه، واستظهروا عليه أياما كثيره. وبينما حمدان يقاتلهم مع الديلم رماه تركي بنشابه فوقعت في صماخ دابته، فتمطرت به فوقع، فضربه الاتراك بالدبابيس حتى انحل وركه، واخذوه أسيرا. وكان عز الدولة قد كاتب أبا تغلب، يستدعيه الى بغداد، فاستولى عليها العيارون، فدخلها ابو تغلب، وقتل منهم جماعه، وأخذ ما وجده الاتراك. وذكر ابو حيان في كتاب الامتاع والمؤانسه، قال: حصل ببغداد من العيارين قواد منعوا الماء ان يصل الى الكرخ، وكان فيهم قائد يعرف باسود الزبد، لأنه كان يأوي الى قنطره الزبد، ويستطعم من حضر، وهو عريان لا يتوارى. فلما فشا الهرج، راى هذا الأسود من هو اضعف منه، قد أخذ السيف، فطلب سيفا ونهب واغار، وظهر منه شيطان في مسك انسان، وضح وجهه، وعذب لفظه، وحسن جسمه، وأطاعه رجال، فصار جانبه لا يرام، وحريمه لا يضام، وظهر من حسن خلقه مع شره، ولعنه وسفكه الدم، وهتكه الحريم، وركوبه الفواحش، وتمرده على

стр. 6215

ربه القاهر، ومالكه القادر، انه اشترى جاريه بألف دينار، فلما حصلت عنده، حاول منها حاجته فمنعته، فقال: ما تكرهين منى؟ فقالت: اكرهك كما أنت. فقال: ما تحبين؟ قالت: ان تبيعني، قال: او افعل معك خيرا من ذلك؟ وحملها الى مسجد ابن رغبان، فأعتقها بين يدي القاضى ابن الرقاق، ووهب لها الف دينار، فعجب الناس من نفسه وهمته وسماحته وصبره على خلافها، وترك مكافاتها على كراهتها، ثم صار في جانب ابى احمد الموسوى، فحماه وسيره الى الشام، فهلك بها وقال ابن الحجاج، يذكر دخول ابى تغلب الى بغداد: وأنت يا بغداد قولي فقد ... سألتك الحق ولا تكذبى ارايت بدرا قط في تمه ... احسن من وجه ابى تغلب دلى عليه او فهاتيه من ... اى مكان شئت او فاطلبى هيهات هذا طلب فائت ... مختلف المعنى فلا تتعبى وكنت قد اخبرت حاشاك يا ... نظيره الجنه ان تخربى جاءتك من تغلب ساداتها ... وطال ما استعجمت فاستعر بي فو الذى يعفو بإحسانه ... مقتدرا عن ذله المذنب لو نطقت بغداد قالت نعم ... سبحان من فرج ما حل بي اعاش حتى بعد ما مات أم ... في ليله القدر دعا لي النبي يا عده الدولة كم دعوه ... مجابه فيك ولم تحجب ولما بلغ الاتراك استيلاء ابى تغلب على دورهم، واخذه ما وجد فيها من انقاض وغيرها، اصعدوا معهم الطائع، فلما قاربوها اصعد ابو تغلب عنها فاصعدوا وراءه الأنبار، وانحدروا وقد بعد ودخلوا بغداد وانحدر الطائع الى داره. وجدد الفتكين التوثقه على حمدان بن ناصر الدولة، ثم اطلقه وخلع عليه. وانفذ ركن الدولة جيش الري مع ابى الفتح بن العميد، وساروا الى عضد الدولة، وامر بالنفوذ لمعارضه عز الدولة، فالتقوا بارجان، وساروا، وكان اكثر خوفهم ان

стр. 6216

يتلقاهم الاتراك بباذبين وهم تعبون فكفوا ذلك باصعاد الاتراك. ولما وصل عضد الدولة اجتمع به بختيار، واصعدوا عن واسط، وسار عضد الدولة في شرق دجلة، وعز الدولة في غربيها. فاحضر الطائع الاشراف والقضاه، وأخذ على الاتراك الايمان بالطاعة، والمناصحة في الثبات والمكافحة، وركب الى باب الشماسيه، واستقر الناس لقتال عضد الدولة، واجتمع من العامه اليه الجم الغفير. وكان عز الدولة، مع إيثاره لنصره ابن عمه، يخاف من مجيئه ومشاهده نعمته. ولما قاربوا بغداد، انحدر المطيع والفتكين، وعبروا ديالى، وعسكروا ما بينه وبين المدائن، والتقوا بعضد الدولة، فكانت للاتراك أولا، ثم انهزموا، فغرق منهم خلق كثير، واستامن آخرون، ودخل بغداد في النصف من جمادى الاولى، ونزلوا عند باب الشماسيه، ثم رحلوا عند اسفار الصبح، وقد أخذوا عيالاتهم وأسبابهم، وتبعهم الخلق الكثير من اهل بغداد. وانفذ عضد الدولة، ونادى ببغداد بالتسكين لأهلها، والعفو عن جناتها، ونزل بباب الشماسيه عند دخوله. فلما وصل خبرهم من تكريت بتشتتهم، نزل عضد الدولة، في دار سبكتكين، ونزل عز الدولة داره، وهي دار المتقى لله. وقال ابن الحجاج يستعطف عضد الدولة لأهل بغداد: يا ايها الملك الرءوف المنعم ... ارحم فمثلك من يرق ويرحم مولاى وصفك كان يعظم عندنا ... فالان أنت اجل منه واعظم بغداد كانت جنه مسكونه ... فيما مضى فالان فهى جهنم وراسل عضد الدولة الطائع لله، بابى محمد بن معروف حتى استعاده، ودخل الى بغداد في حديدى، جلس على سطحه، وخرج عضد الدولة في طيارة، فتلقاه قريبا من قطيعه أم جعفر، وصعد الحديدى، وقبل البساط، ويد الطائع

стр. 6217

لله، وطرح له كرسي بين يديه، فجلس عليه، وكان عضد الدولة عليه قباء اسود وسيف ومنطقه، واحدقت الطيارات والزبازب بالحديدى. وانحدروا كذلك الى دار الخلافه، وكان عضد الدولة تقدم بعمارتها وتطريتها، وانفاذ الفرش والآلات إليها. وحمل الى الطائع مالا وثيابا وطيبا، وخطب له يوم الجمعه عاشر رجب، بعد ان قطعت الخطبه له، من عاشر جمادى الاولى، ولم يحطب الى هذه الغاية لأحد. وكتب الصابى عن عضد الدولة: لما ورد امير المؤمنين البردان انعم بالاذن لنا في تلقيه على الماء، فامتثلناه وتقبلناه، وتلقانا من عوائد كرمه، ونفحات شيمه، والمخايل الواعده بجميل رايه، وعواطف انجابه وارعائه ما كنفنا يمينه، وشايعنا عزه، الى ان وصلنا الى حضرته البهيه، شرفها الله في الحديدية التي استقلت منه بسليل النبوه، وعقيد الخلافه، وسيد الأنام، والمستنزل بوجهه دار الغمام، فتكفأت علينا في ظلال نوره ونشره، وغمرتنا حميات بفضله وفضيلته، وأوسعنا من جميل لقياه وكريم نجواه، ما وسم بالعز اعقال النعم، وتضمن الشرف في النفس والعقب، وتكفل من الفوز في الدين والدنيا بغايات الأمل. وكانت لنا في الوصول اليه، والمثول بين يديه، في مواقع الحاظه، وتوارد ألفاظه، مراتب لم يبلغها احد فيما سلف، ولم تجد الأيام بمثلها لمن تقدم. وسرنا في خدمته على الهيئة التي القى شرفها علينا، وحض جمالها مدى الدهر لنا، الى ان سار الى سده دار الخليفة، والسعود تشايعه، والميامن تواطئه، وطالع الامال يستشرف له، وثغر الاسلام يتبسم اليه، فعزم علينا بالانقلاب عنه على ضروب من التشريف، لا مورد بعدها في جلال، ولا موقف وراءها لمذهب في جمال، واجتلت الاعين عين محاسن ذلك المنظر، وتهادت الالسن من مناقب ذلك المشهد، ما بهت الناظر، وعاد شمل الاسلام مجموعا، ورواق العز ممدودا، وصلاح الدهماء ماهولا. ومدح عضد الدولة ابو نصر بن نباته، بقصيده يذكر فيها الفتح، منها:

стр. 6218

فما ذاب شطر اليوم حتى تصافحت ... اسنه ارماح العدى وخدودها واقدم وثابا على الهول خيله ... إذا كملت لا تقشعر جلودها يعيد الى جر الطعان صدورها ... ولا يدرك الغايات الا معيدها رميت جباه الترك يوم لقيتهم ... بشهباء من سر النزال قيودها وكل فتى تحت العجاجة وكده ... إذا الخيل جالت ميته يستجيدها تداركت اطناب الخلافه بعد ما ... وهي سمكها العالي ومال عمودها فاعفيت من تدبيرها متكلفا ... يحل به يوم الحفاظ عقودها وسربلت ايوان المدائن بهجه ... اناف به والحاسدون شهودها هو الملك المخلوق من خطراته ... طريف المعالى كلها وتليدها ملوك بنى ساسان تزعم انه ... له حفظت اسرارها وعهودها فتاها ومولاها ووارث مجدها ... وسيدها ان كان رب يسودها قبيله بهرام واسره بهمن ... يميت ويحيى وعدها ووعيدها على زمن الضحاك كانت عصابه ... ولوعا بهامات الملوك حديدها إذا سترت غب الحروب جراحها ... أتتها العوالي والسيوف تعودها ولم أك ادرى ان إخوتها القنا ... وان الظبى آباؤها وجدودها تفارق في رحب الثناء نفوسها ... وقد علمت ان الثناء خلودها فلا تجعلوا الأقدار مثل سيوفها ... فقد تسبق الأقدار فيمن يكيدها اقول وقد سلت عشيه جازر ... ولاذت بها أغمادها تستعيدها اتلك رقاب زايلتها رءوسها ... لقى او سيوف زايلتها غمودها وفي شهر رمضان، اعيد ابو تمام الزينبى الى النقابة على العباسيين وصرف ابو محمد عبد الملك عنها، وامر على الصلاة في الجوامع، واعيد ابن معروف الى قضاء القضاه، وصرف ابن أم شيبان. واعيد ابو احمد الموسوى الى نقابه الطالبيين. ومات ابو العباس احمد بن خاقان المفلحى، عن تسعين سنه، وحجب اربعه خلفاء، وتقلد المعونة بالحضرة دفعات. وزادت الأسعار، وعدمت الأقوات، وبيع الكر من الدقيق بمائه وخمسه وسبعين

стр. 6219

دينارا، وكانت الدراهم اربعه عشر بدينار، وبيع كل ثلاثة أرطال بدرهم. ووافق عضد الدولة الديلم حتى شغبوا على عز الدولة، فاراد استصلاحهم، فقال لعضد الدولة: تقلد الأمر، وانفذ حينئذ الى داره فختم على خزائنها، وتولى له ابن بقية ذلك. وقبض على ابى إسحاق وابى طاهر، اخوى عز الدولة. وقرئ على القضاه والشهود والاشراف والأماثل بالجامع، كتاب يتضمن استعفاء عز الدولة من النظر، ورد الأمر الى عضد الدولة، ووعدوا بإفاضة العدل واحسان الرعية. واختار ابن بقية ان يضمن واسط وتكريت وعكبرا واوانا، فأجيب الى ذلك، وخلع عليه، واقطع خمسمائة الف درهم في كل سنه، وانحدر الى واسط. وقد كان عضد الدولة، قد عاهد عمران بن شاهين، واعفى أبا تغلب من حمل مال، وكان بينهما موده قديمه ومكاتبه. ولما حصل ابن بقية بواسط، خلع الطاعة، وعول على انه متى قصد النجا الى نهر الفضل واعمال عمران، فكاتبه عضد الدولة بتسكينه، وبذل الامان في كتابه، فأجابه: اننى افلت إفلات المجروح المكلوم، وتخلصت تخلص المصلوب المظلوم، وقد حصلت على اهلى بين قوم سيوفهم حداد، وجعلت دون كل واحد منهم أناسا على البغاة غلاظ شداد، وقد وجدته اعطى قبلي أمانا لقوم قولا، واسقطه فعلا، فلم يف بشيء منه، بل صدق في الجميع عنه، فليت شعرى اى الأمانات يعطيني؟ أمان بنى شيرزيل، وقد عاهدهم الصيمرى له، واستعان بهم على سائر عساكره، بعد وفاه عماد الدولة، وحلف لهم ايمانا نقض جميعها، وابطل سائرها، واباد خضراءهم، وقلع من فارس اصولهم! أم بنى شكرسنان، وقد كانوا الممهدين له الدولة، والمصلحين له الجمله، أم الموصلين وقد اوردهم بساطه، واظهر بتقريبهم سروره واغتباطه، فلما حصلهم ببلاده واراضيه، قضى فيهم بالغدر اقبح قواضيه

стр. 6220

وحكى لي ابو الزيان صاحبه متبجحا، انه ما بقي منهم صاحبه بأرض الا سته نفر، وما بقي من أماناته فهو أكبرها وأجلها، وهو وروده تحت الركاب لنصره ابن عمه، على زعمه. فلما ورد على تلك الصورة، وقع التشكك فيه قبل ان يحكم أموره، واعطاه من الايمان والعهود ما استدعى التائبين بفعله، واستجلب السكون الى ما اضمره من اغتياله وختله، وعز الدولة ينسب الى ما يأتيه الى الجميل، ولا يستريب به في كثير ولا قليل. فلما سكن اليه، واعتمد في التوسط بينه وبين اوليائه عليه، وانتهز فرصته، واستلب غرته، واستولى على الأمور كأنه مالكها، وانشب مخالبه فيها، فكانه لم يزل مدبرها، وجعل أرش مسيره لمعاونته انتهاك محارمه، وتشتيت اصحابه وحرمه، وتناسى افعال معز الدولة له ولوالده منذ ثلاثين سنه، وبذله عنهما عظيم الأموال، ونفيس الاحوال، في دفع اصحاب خراسان كل دفعه، وكسر عساكر وشمكير، والله تعالى يهلك الظالمين، ويأخذ الباغين. وراى انه متى عاجلني ظهر تمويهه، وثار به سائر الأولياء، وانكشف تدبيره، فاسر امرى في نفسه، ولم يتمكن من اظهاره في وقته، فأطمعته كل الأطماع في ارتفاع ما ضمنته من الأموال، واعتمدت في أموره على من أعطاني المقدره عليها، ولجات الى كرمه فيما عود منها، حتى قفزت من بين يديه قفزه يا لهفه عليها لو أدركها، واسفه على ما تم لي فيها، وكنت بحول الله في تدبيرى، كما قال ثابت الخزاعي: إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... اضاع وقاسى امره وهو مدبر ولكن أخو الحزم الذى ليس نازلا ... به الخطب الا وهو للقصد مبصر وكانت نفسي تنازعنى تقديم ما تأخر، وتجاذبني تعجيل ما تاجل، فأجبتها بما قاله على بن محمد البصرى العلوي: وإذا تنازعنى اقول لها اصبري ... موتا يريحك او صعود المنبر ما قد قضى سيكون فاصطبرى له ... ولك الامان من الذى لم يقدر وقد لقيت كافه جيوشه، وعامه اصحابه، وهي كعدد اهل احد كثره، بفتيان كعدد اهل بدر قله، فما زلت معهم في كل الأيام، كما قال على بن محمد أيضا: وانا لتصبح أسيافنا ... إذا ما انتضين ليوم سفوك

стр. 6221

منابرهن بطون الأكف ... واغمادهن رءوس الملوك وانا اعرض عليه، ضد ما عرض على، لأنه صحيح وانا به مليء وفى، وقد آمنت عضد الدولة فناخسره بن ركن الدولة ابى على، مولى امير المؤمنين، على نفسه ومماليكه، ومن يختار المسير معه من اصحابه، بأمان الله، وأمان رسوله ص، وأمان مولانا عز الدولة، وامانى الا ان يكون سفك دما في بلادنا، فالحكم يجمعه واصحاب القواد، او أخذ مالا من غير واجب، فلا سبيل الى غير رده، او ظلم أحدا في ممالكنا، او أخذ مالا من غير واجب، فلا سبيل الى غير رده، او ظلم أحدا في ممالكنا، فلا طريق الى الصفح عنه، الا بعد الانتصاف للمظلوم منه واعتد عضد الدولة باطلاق ابن بقية في كتابه، فأجابه ابن بقية: فما بقيا على تركتمانى ... ولكن خفتما صرد النبال وحصل عضد الدولة من المصادرات، الف الف وتسعمائة وخمسين الف درهم، منها من ابى عمرو بن عمر، ادى كاتب سبكتكين الف الف وخمسمائة الف درهم، ومن ابى بكر الاصفهانى ألفا الف درهم، ومن ابن قريعة مائه الف درهم. وقبض ابن بقية على من اصحبه عضد الدولة من القواد، واجتمع والمرزبان ابن عز الدولة، وكان بالبصرة، على مكاتبه ركن الدولة، بالاستغاثة من عضد الدولة وابى الفتح بن العميد، فوردت كتب ركن الدولة إليهما، يأمرهما بالتمسك بمكانهما، ويعدهما المسير بنفسه. وكتب بمثل ذلك الى ابى تغلب، فلما عرفوا نيته فيه تجاسروا عليه، واقدمت عليه العامه، فانفذ بابن العميد وابن بندار، وقال لهما قولا لأبي ان انا خرجت من بغداد انفسدت على الممالك، وانا اقاطعه على ثلاثين الف الف درهم في كل سنه، واقدم منها عشره آلاف الف. فلما وصلا الى ركن الدولة، اراد قتلهما وسئل فيهما، فاوصلهما وقال: عودا

стр. 6222

اليه، وقولا: تريد ان تمن على بنى أخي بدرهمين أنفقتهما، وامراه بالخروج عن بغداد وتسليمها الى عز الدولة. فعاد ابن العميد الى عضد الدولة وحده، وعرفه الحال، فاضطر الى الخروج عن بغداد الى فارس، وافرج عن عز الدولة واخوته، وخلع عليهم. وثار عليه العيارون والعامه، فقابلهم بالاستخفاف والسب، ووافق ابن العميد على الا يتخلف بعده اكثر من ثلاثة ايام. فلما خرج، طابت بغداد لابن العميد، ونزل في الدور على دجلة، وحصلت له الزبازب والأغاني، وكانت قد حصلت بينه وبين ابن بقية موده. وامتنع ابن العميد عن الشرب، لما قبض عضد الدولة على بختيار، فكتب اليه ابن الحجاج، وقد شرب ابن بقية: حقي على الأستاذ قد وجبا ... فإليه قد اصبحت منتسبا يا بن العميد وأنت سيدنا ... ما قلتها زورا ولا كذبا يا خير اهل الارض كلهم ... اما ويا اسرى العباد أبا مولاى ترك الشرب ينكره ... من كان في بغداد محتسبا ان كان من غم الأمير فلم ... ووزيره بالرطل قد شربا ان الملوك إذا هم اقتتلوا ... اصبحت فيهم كلب من غلبا فلذاك اسكر غير مكترث ... والف من خيشومى الذنبا يا سادتى قد جاءنا رجب ... فتفضلوا واستقبلوا رجبا بمدامه لولا ابوتها ... ما كنت قط اشرف العنبا خمر كمثل النار موقده ... لم تلق لا نارا ولا حطبا من قال ان المسك يشبهها ... ريحا فلا والله ما كذبا وكان ابن العميد، قد سال ابن الحجاج الحضور عنده، فامتنع واعتذر بانقطاعه الى خدمه عز الدولة، فسال عز الدولة حتى انفذه اليه، وشغف به وقال له: لم تاخرت عنى؟ فقال له ابن الحجاج: اننى تركت ما كان عليه أسلافي من الكتابه، وعدلت

стр. 6223

الى الشعر السخيف، الذى هتك ستر تجملى، وفكرت في انك ممن لا يسامى قدره، ولا يرد امره ونهيه، واتهمتك بانك جبلي الأخلاق، فظ العشرة، ولم آمن من الا انفق عليك، او لا تنفق أنت على، فتذهب قطعه من عمرى، وقد تنغص عيشي، فقال له ابن العميد: فكيف رأيتني؟ قال: بالضد مما اتهمتك فيه، فاجعلني في حل، فقال له: قد تساوينا، لك على مثل مالي عليك، فاننى كنت اقرا اشعارك فاظنك سخيفا، قليل المروءة، كثير العيوب، حتى شاهدتك فكنت بخلاف ذلك، فان أحللتني احللتك. واعتد ابن العميد على بختيار بما صنعه معه من ابعاده عضد الدولة، فعرض عليه وزارته، فقال: لا يمكنني، فاننى واهلى في خدمه ركن الدولة، منذ خمسين سنه وهو هالك، فإذا مضى جئتك بقطعه من عسكره وكان ذلك يبلغ عضد الدولة، فحنق عليه. وورد ابن بقية بغداد في ذي القعده، وملا عين ابن العميد بالهدايا، وقال في بعض الأيام: لا بد ان اخلع عليه، فلما اكل وقعدا على الشرب، أخذ ابن بقية بيده فرجيه ورداء في غاية الحسن والجلاله، ووافى بهما الى ابن العميد، وقال: صرت يا استاذ جامدارك، فانظر هل ترضيني لخدمتك، فطرح الفرجيه عليه، فاخذ الرداء منه ولبسه. وقصد الفتكين في ثلاثمائة غلام دمشق، وكان العيارون قد استولوا عليها، فخرج اليه اشرافها وشيوخها، وسلموها اليه، فاحسن السيرة، وقمع اهل الفساد، وقامت هيبته، وعظمت منزلته، وقصد العرب وابعدهم، وظهرت شجاعته، وكان اعور. وكان ابن الشمشقيق، قد جاء في الروم، فاخذ بلاد الثغور، وصالح اهل دمشق على مال كثير، فخرج اليه الفتكين، ولعب بين يديه بالرمح، فأعجبته فروسيته، ووهب ما قرره على اهل دمشق له، فسأله ان يهدى له سلاحه، فقاد مع فرسه وسلاحه عشرين فرسا بتجافيفها، فردها ابن الشمشقيق، ولم يقبل غير فرس الفتكين وسلاحه وحده

стр. 6224

وانصرف عنه الى جبله وبيروت، ففتحهما عنوه، وتحصن منه اهل أنطاكية، فاستخلف عليها صاحبا له، فقطع شجرها التين، وهو يجرى مجرى النخل بالبصرة، وفتحت له بعد ذلك. وسار ابن الشمشقيق الى قسطنطينيه، فما بعدت وفاته. ومضى الى الفتكين، والده عز الدولة، واخواه ابو إسحاق وابو طاهر، وابنه المرزبان بعد قتله، على ما نشرحه، فأولاهم الجميل، واحسن اليهم، وقصدته العساكر من مصر متكاثره، وكان ما ياتى ذكره في السنه الآتية، وما بعدها.

стр. 6225

سنه خمس وستين وثلاثمائة توفى المعز بمصر، في شهر ربيع الآخر، سنه خمس وستين، ومده عمره خمس واربعون سنه وسبعه اشهر ويومان، ومده نظره ثلاث وعشرون سنه وخمسه اشهر وسبعه عشر يوما، منها بمصر ثلاث سنين. وقام ابنه نزار مقامه، ولقب بالعزيز، فكاتب الفتكين بالاستماله، فاغلظ في جوابه، وقال: هذا بلد أخذته بالسيف، ولا أدين لأحد فيه بطاعة فانفذ اليه جوهرا في عساكر كثيره، فدعا اهل البلد واعلمها، ما قد أضلهم، وانه على مفارقتهم، فقالوا: ان أرواحنا دونك، وانا باذلون نفوسنا دون نفسك. ولما حصل جوهر بالرملة، كاتب الفتكين، وعرفه انه قد استصحب له أمانا، وكتابا بالعفو عما فرط فيه، وخلعا يفيضها عليه، واموالا، فأجابه الفتكين اجابه مغالط، وأحال على اهل دمشق فعل جوهر على الحرب، وسار اليه، فالتقيا بالشماسيه، ودامت الحرب واتصلت مده شهرين، وظهر من شجاعة الفتكين وغلمانه، ما عظموا به في النفوس. وعاضد الفتكين الحسن بن احمد القرمطى، واجتمعا في خمسين ألفا، فانصرف جوهر الى طبرية، ومنها الى عسقلان، فحاصراه بها، وقطعا عنه الماء. وكان جوهر في الشجاعة معروفا، فكان يبارز الفتكين، ويعرض عليه الطاعة لصاحبه، فيكاد ان يجيبه فيعترضهما القرمطى، فلا يمكن الفتكين من ذلك. فاجتمعا يوما، فقال جوهر: قد علمت ما يجمعنى وإياك من تعظيم الدين، وقد طالت الفتنة، ودماء من هلك في رقابنا، وان لم تجب الى الطاعة، فاسالك ان تمن على بنفسي وباصحابى وتذم لنا، وتكون قد جمعت بين حقن الدماء واصطناع المعروف، فقال الفتكين: انا افعل، على ان اعلق سيفي ورمح القرمطى، على باب

стр. 6226

عسقلان، وتخرج من تحتهما، قال: رضيت، وأخذ خاتم الفتكين على الوفاء. وانفذ اليه جوهر مالا والطافا، فاجتهد القرمطى بالفتكين ان يغدر، فلم يفعل، فخرج وخرج جوهر وشرح لصاحبه الحال، فامر باخراج المال، واثبات الرجال، وسار جوهر على مقدمته، واستصحب توابيت آبائه. ولما عرف الفتكين، والقرمطى الحال، عاد الى الرملة واحتشد، وتقارب العسكران، واصطفا للقتال، وجال الفتكين بين الصفين، فكبر وحمل وطعن وضرب. فعلا العزيز على رابيه، وعلى راسه المظلة، وقال لجوهر: ارنى الفتكين، فأراه اياه، وكان على فرس ادهم بتجفاف من مرايا، وعليه فزاعند، اصفر وهو يطعن تاره، ويضرب باللت اخرى، والناس يتحامونه. فالتفت العزيز الى ركابى يختص به، وقال له: امض الى الفتكين وقل له: انا العزيز، وقد أزعجتني من سرير ملكي، واخرجتنى لمباشره الحرب، وانا اسامحك بجميع ذلك، ولك على عهد الله، بانى أهب لك الشام باسره، واجعلك اسلسهار عسكرى. فمضى الركابى واعاد الرسالة، فخرج الفتكين، بحيث يراه الناس، وترجل وقبل الارض مرارا، ومرغ خديه، وقال: قل لمولانا، لو تقدم القول لسارعت، فاما الان فليس الا ما ترى. فعاد الى العزيز بالجواب، فقال: ارجع اليه وقل له: تقرب منى بحيث أراك وترانى، فان استحققت ان تضرب وجهى بالسيف فافعل. فمضى، فقال الفتكين: ما كنت بالذي اشاهد طلعته وانابذه الحرب، وقد خرج الأمر عن يدي. وحمل عند ذلك على الميسره فهزمها، وقتل كثيرا من أهلها، فحمل العزيز، والمظلة على راسه، فانهزم الفتكين والقرمطى، ووضع السيف في عسكرهما، فقتل منه عشرين الف رجل

стр. 6227

ومضى القرمطى هاربا، وبذل لمن يأتيه بالفتكين مائه الف دينار. وكان الفتكين يميل الى المفرج بن دغقل بن الجراح الطائي، وبتمرده لملاحته، وشاع ذلك عنه، فانهزم يطلب ساحل البحر، ومعه ثلاثة من غلمانه، وبه جراح، وقد جهده العطش، فلقيته سريه فيها المفرج، فلما رآه، التمس منه ماء، فسقاه، وقال له: سيرني الى اهلك، فحمله الى قريه تعرف بلبني، واحضر له ماء وفاكهة، ووكل به جماعه، وبادر الى العزيز فاخبره، فاعطاه المال الذى ضمنه، ومضى معه جوهر فتسلمه. وتقدم بضرب مضارب، واحضر كل من حصل في الاسر من اصحاب الفتكين، فامنهم وكساهم، وجعل كل واحد منهم فيما كان فيه معه، ووصل الفتكين فاخرج العسكر لاستقباله، وهو لا يشك انه مقتول. فلما وصل الى النوبه، وراى اصحابه مكرمين، وترجل الناس له، وحمل الى دست قد نصب ليجلس فيه، رمى بنفسه الى الارض، والقى عمامته، وعفر وبكى بكاء شديدا، وقال: لم استحققت هذا الإبقاء! وامتنع من الجلوس في الدست. ووافاه أمين الدولة ابو الحسن بن عمار، وجوهر والخدم على ايديهم الثياب، واعلموه رضا العزيز عنه، والبسوه الخلع، وتقدم الى البازيار به واصحاب الجوارح بالمصير الى مضربه، وراسله بالركوب الى الصيد تانيسا له، وقاد اليه عده دواب، وعاد عشاء، واستقبله الفراشون والنفاطون بالمشاغل، ونزل وركب العزيز اليه ليلا، فقبل الارض وخاطبه بما سكن منه، وجعله حاجب حجابه. وعفا عن الحسن بن احمد القرمطى، واقام بطبريه، وجعل له سبعين الف دينار في كل سنه، وتوجه اليه جوهر، وقاضى الرملة فاستخلفاه. ومضى الفتكين مع العزيز الى مصر، وقد استامن اليه أخو عز الدولة وابنه، فزاد في اكرام الفتكين. وكان يتكبر على ابى الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، وتدرجت الوحشة، وامرهما العزيز بالإصلاح، فلم يفعل الفتكين، فدس عليه ابو الفرج سما فقتله، وحزن عليه العزيز، وقبض على ابى الفرج، وقد اتهمه بقتله نيفا واربعين يوما، وأخذ منه خمسمائة الف دينار، ووقفت الأمور باعتزاله الظر، فاعاده حين لم يجد منه بدا

стр. 6228

وتزوج الطائع بنت عز الدولة على صداق مائه الف دينار، وخطب ابو بكر ابن قريعة خطبه النكاح. وفي ذي القعده توفى ابو الحسن ثابت بن سنان بن قصره الصابى صاحب التاريخ. وقسم ركن الدولة الممالك بين اولاده، فجعل لعضد الدولة فارس وكرمان وارجان، ولمؤيد الدولة الري وأصبهان، ولفخر الدولة همذان والدينور. ومرض ركن الدولة، فسار اليه عضد الدولة، وقبل الارض بين يديه، والتقيا بأصبهان، وعمل ابن العميد دعوه، جمع فيها ركن الدولة واولاده الأمراء، وخاطبهم ركن الدولة، بان عضد الدولة ولى عهده، وخلع ابن العميد على القواد الف قباء والف كساء. وأخذ عز الدولة لسهلان بن مسافر خلعا من الطائع، ولقبه عنه عصمه الدولة وأنفذها له. وانفذ الى فخر الدولة مثلها، فلم يلبساها، ولم يتلقب سهلان مراقبه لعضد الدولة.

стр. 6229

سنه ست وستين وثلاثمائة توفى ركن الدولة ابو على بالري في ثامن عشر المحرم، وقال ابو بكر الخوارزمي يرثيه: احين جرى ملكه في الملوك ورد به الله ملك العجم وخط الفناء على قبره بخط البلى وبنان السقم إذا تم امر بدا نقصه توقع زوالا إذا قيل تم وأتاها مؤيد الدولة، وانفصل عن أصبهان، واقر أبا الفتح بن العميد على ما كان اليه، وكان يكتب له في حياه ابيه الصاحب ابو القاسم محمد بن العميد، حسده الصاحب وغيظه من قربه ان حمل الجند على الشغب، فحسم مؤيد الدولة المادة باعاده الصاحب الى أصبهان. وكان في نفس عضد الدولة على ابن العميد ما ذكرناه، حتى انه كان يقول: خرجت من بغداد، وانا زريق الشارب، وابن العميد خرج ملقبا بذى الكفايتين، لان اهل بغداد كانوا يلقبون عضد الدولة بزريق الشارب. ونشط ابن العميد للشرب، وتداخله ارتياح، فعمل مجلسا عظيما، وشرب ببقية نهاره وعامه ليله، وعمل شعرا وهو يشرب، وامر بتلحينه والغناء له به، ففعل المغنون ذلك، والشعر: دعوت المنى ودعوت العلا ... فلما أجابا دعوت القدح وقلت لايام شرخ الشباب ... الى فهذا أوان الفرح إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح ولما غنى له بشعره، واستفزه الطرب، وشرب حتى سكر، وقال لغلمانه: غطوا المجلس واتركوه على حاله، حتى نشرب عليه ونصطبح، وقام الى بيت منامه

стр. 6230

وباكره رسول مؤيد الدولة يستدعيه، فركب وعنده انه يخاطبه على مهم، ويعود سريعا، فلما دخل اليه قبض عليه وأخذ أمواله. ومن شعر ابى الفتح: يقول لي الواشون كيف تحبها ... فقلت لهم بين المقصر والغالي ولولا حذاري منهم لصدقتهم ... وقلت هوى لم يهوه قط أمثالي وكم من شفيق قال: ما لك واجما ... فقلت: ابى ما بي وتسألني مالي وترامت به الحال الى قتله. وحكى ان أباه رآه وهو يخطر خطره أنكرها من مشيه امثاله، فقال لمن حضره: انى لأخذه بالأدب حتى لانغص عليه عيشه، فانه قصير العمر، وعمره على ما يدل عليه نجمه ثمان وعشرون سنه، هذا ما حكاه الثعالبي في اليتيمه. وقال ابن الحجاج يرثيه من قصيده: رويدك ان الحزن ضربه لازم ... الا فليقم ناعي البحور الخضارم الا ان هذا المجد قد ساخ طوده ... فاصبح منهد الذرا والدعائم الا ان بحر الجود قد غاض لجه ... فمن للقلوب الصاديات الحوائم فيا صارما فل البلى غرب خده ... وكتابه تقرى متون الصوارم مضى جسمك الفاني وخلفت بعده ... معالى تلك المأثرات الجسائم اخلاى بالري الذين عهدتهم ... يوفوننى حق الصديق المساهم الموا جميعا او فرادى بقبره ... وقولوا له عن اجدع الأنف راغم كظيم وما زال الاسى متحاملا ... على كل موتور السرائر كاظم أيا راحلا عن قومه غير آئب ... ويا غائبا عن اهله غير قادم لمثلك فلتبك العيون باربع ... وما فائضا بعد الدموع السواجم وما كنت الا صارما فل حده ... باخر مشحوذ الغرارين صارم فلا هز هندي سقى دمك الثرى ... غداه الوغى الا باوهن قائم ومما يسلى الحزن انك وارد ... على فرح في جنه الخلد دائم

стр. 6231

ولم لا وقد قدمت زادا من التقى ... نهضت به مستبشرا غير نادم تجيء إذ صحف المظالم نشرت ... ببيضاء غفل من سمات المظالم وكنت إذا الفحشاء نادتك معرضا ... أصم غضيض الطرف دون المحارم عجبت لمن انحى عليك بسيفه ... فانحى على غصن من البان ناعم اما راعه ذاك الشباب وحسنه ... فتدركه في الحال رقه راحم أبا الفتح يأبى سلوتى عنك اننى ... جعلت عليك الحزن ضربه لازم فما قصرت بي عن حقوقك ونيه ... ولا أخذتني فيك لومه لائم ولما بلغ عز الدولة وفاه ركن الدولة، قال: انا ولى عهد عمى ركن الدولة، وحلف لعمران بن شاهين، وتزوج ابو محمد عمران ابنه عز الدولة، وحضر بين يدي الطائع، وحلف لعده الدولة ابى تغلب، فقال ابن الحجاج من قصيده: أنت علمتني المدائح حتى ... صرت فيها مجودا مطبوعا أنت واصلتنى وكنت على الباب ... طريدا مبعدا ممنوعا أنت جددت ثوب عزى ... وقد كان لبيسا مفتتا مرقوعا ملك عين من يعاديه ... لا تطعم غمضا ولا تذوق هجوعا ايها السيد الذى طاب في المجد ... اصولا كريمه وفروعا ان يوم الخميس اصبح فيه ... علم المجد والعلا مرفوعا رفعت رايه الهدى بيد ... النصر وخر النفاق فيه صريعا دوله عزها وعمدتها ... اليوم اضافا الى الجموع الجموعا وصلا الحبل بالتصافى فاضحى ... ظهر من يظهر الخلاف قطيعا وله رايه إذا ضحك النصر إليها ... تبكى السيوف نجيعا في جيوش تطبق الارض خيلا ... وسيوفا قواطعا ودروعا ينصرون الامام خير امام ... لم يكن خالعا ولا مخلوعا ورث الأمر عن ابيه بحق ... لم يكن محدثا ولا مصنوعا فهو مثل الهلال في الأفق نورا ... وعلوا ورفعه وطلوعا وترانى بدرتي اصفع الحاسد ... في اخدعيه صفعا وجيعا لا احابى وحق من خلق الجنه ... لا تابعا ولا متبوعا

стр. 6232

ولو انى حابيتهم كنت نذلا ... ساقطا سفله خسيسا وضيعا وفي رجب، قبض على ابى الفرج بن فسانحس، وحمل الى سر من راى، وتحرك ما كان في نفس عضد الدولة من قصد العراق، فاستخلف عز الدولة على بغداد الشريف أبا الحسن محمد بن عسر، وخرج معه ابن بقية، فزارا مشهد الحسين ع. وقصد ابن بقية الكوفه وحده، فزار واجتمع، وانحدر الى واسط، وقال ابن الحجاج يودعه: يا من اليه الامال تختلف ... ومن عليه القلوب تنعطف ومن بنو عمه واخوته ... ملوك اهل الدنيا به شرفوا من استقلت بنو بويه به ... كما استقلت بالعاتق الكتف مولاى صبرا فان سائر ما ... تراه عما تحب ينكشف وكل ما تشتهى وتؤثره ... ياتى كما تشتهى ولا يقف ومن أتانا يسوقه طمع ... عنك بخفي حنين ينصرف تثنيه عن هفوة الشباب غدا ... راى بعيد من النوى نصف أولا فعزيه ململمه ... تستر منها السيوف والحجف وذيل يحكم الطعان لها ... بأنها في الصدور تنقصف وشرب ضمر فوارسها ... لا عزل فوقها ولا عنف هذا ونفسي الأمير دونك للرماة ... في حومه الوغى هدف فانهض به نحوهم إذا نهضوا ... وازحف اليهم به إذا زحفوا وأنت اعلى بنى بويه يدا ... وان تساوى القديم والخلف كنتم بنى اهل بيت مكرمه ... توصف منهم بمثل ما وصفوا حتى تلوناكم فكان لكم الفضل ... عليهم والمجد والشرف والدر جنس لكن له قيم ... في الفضل عند التجار يختلف وليس يدرى ما فضل فاخره المكنون ... حتى يفتح الصدف يا من إذا احلف البحار ففي ... نداه من كل فائت خلف ينتظم المدح فيك متزنا ... وفي سواك المديح ينزحف مولاى لما بعدت فاشتعلت ... نيران قلبي وطار بي الأسف

стр. 6233

جئتك اعدو والشوق يعجلني ... إليك يا دافنى وانصرف وسال عز الدولة الطائع الانحدار، فأجاب وانحدر الى واسط في عاشر شعبان، ومعه ابن معروف، ونزل في دار الوزارة بها. وساروا الى الاهواز، فوصلوها عاشر رمضان. وكتب عز الدولة عن الطائع كتابا يدعو الى الصلح، ونفذ به خادم، فقال عضد الدولة للخادم: قل لمولانا امير المؤمنين، لا يمكنني الجواب، إذا مثلت بحضرتك ولم يجب على الكتاب. ولما اشرفت الحال على الحرب، اصعد الطائع الى بغداد، وكانت الحرب بناحيه يقال لها مشان من اعمال الباسيان، في نصف تموز، وهو يوم الأحد مستهل ذي القعده، وكان دبيس بن عفيف الأسدي على ميسره عز الدولة، فاستامن وعطف على النهب، فنهب، فانهزم عز الدولة، وقتل من اصحابه خلق، وغرق آخرون على جسر عقده بدجيل. وكان حمدان في جمله المنهزمين، وتفرقت المذاهب بالمنهزمين، فالتقوا بمطارى. واجتمع عز الدولة وبه جراح بأخيه عمده الدولة، وابن بقية بها على اسوا حال. وانفذ عمران بابنه الحسن وكاتبه وقواده، في عده سفن الى عز الدولة، وانفذ اليه والى ابن بقية بمال وثياب، وانفذ المرزبان بن بختيار الى ابيه بمثل ذلك من البصره. وانحدروا الى البصره، وهي مفتتنه، فاراد ابن بقية ان يصلحها، فازدادت فسادا واحترقت الاسواق، ونهبت الأموال. وورد ابو بكر محمد بن على بن شاهويه صاحب القرامطة الكوفه في الف رجل منهم، واقام الدعوة بها وبسورا، وبالجامعين والنيل، لعضد الدولة

стр. 6234

واشفق بختيار ان يسير عضد الدولة الى واسط، فيملكها، فتفوته النجاة، فاحترق البطائح، فتلقاه عمران في عسكره، واقام ابن بقية عنده ثلاثة ايام. وكان عمران قد قال لعز الدولة، لما قصد حربه: سترى انك تحتاج الى، واعاملك من الجميل بخلاف ما عاملني به ابوك من القبح، فعجب الناس من هذا الاتفاق. واستدعى البصريون من عضد الدولة، من يتسلم بدلهم، فانفذ أبا الوفاء طاهر بن محمد فدخلها. واقام بختيار بواسط، وتراجع اليه اصحابه وجنده. ورجع ابن بقية الى ذخيره له بها، واستمال الجند، فرغبوا فيه وآثروه على صاحبه. وقال بعض البصريين في بختيار: اقام على الاهواز خمسين ليله ... يدبر امر الملك حتى تذمرا يدبر امرا كان اوله عمى ... واوسطه بلوى وآخره خسرا ومن اعجب ما اتفق عليه، انه اسر له غلام اسمه باتكين، ولم يكن يميل اليه، فجن عليه، وتسلى عن ملكه الا عنه، وانقطع الى البكاء، وامتنع من الغذاء، واحتجب عن الناس فخف ميزانه، واستهان به ابن بقية، وانفذ بالشريف ابى احمد الموسوى، والحرب قائمه، يسال عضد الدولة في رد الغلام، وبذل في فدائه جاريتين، كان بذل ابو تغلب بن حمدان في إحداهما مائه الف درهم، وقال لأبي احمد: ان لم يرض عضد الدولة بهما، فأعطه هذا العقد- وكان فاخرا نادرا واضمن له ما اراد. ولما مضى ابو احمد الى عضد الدولة، وادى الرسالة، امر برد الغلام، وكان قد حمل في عده غلمان الى ابى الفوارس بن عضد الدولة، فاعيد الى عضد الدولة، ولم يكن بين الغلام وبين غيره من الأسرى فرق، فامسكه عنده، وقال لأبي احمد: لا انفذه حتى تمضى اليه برسائل، وتقرر معه القبض على ابن بقية، واضاف اليه أبا سعد بهرام بن أردشير الكاتب. فلما وصلا الى بختيار، وخلوا به، اوحش ذلك ابن بقية

стр. 6235

وكان بختيار ينزل في الجانب الغربي، وعول ابن بقية على طرد بختيار، وان ينفرد هو بالحرب، فعدل بختيار الى تسكينه وتلافيه. فلما كان في ذي الحجه، اشار ابراهيم بن اسماعيل- وكان بختيار قد استحجبه، بعد ان كان نقيبا- بالقبض عليه إذا عبر اليه، ففعل ذلك، وانفذ أمواله وخزائنه، ووجد له سته آلاف رطل ثلجا، كان أعدها لسماط عزم على اتخاذه للجند، وطلب عز الدولة منه شيئا قبل القبض عليه، فانفذ اليه ثلاثين رطلا. فكانت وزارة ابن بقية اربع سنين واحد عشر يوما. واستخلص عز الدولة أبا العلاء صاعد بن ثابت النصراني، من مجلس ابن بقية، وكتب الى بغداد على الاطيار بالقبض على اهله، فوقعت الكتب في ايديهم، فهربوا الى بنى عقيل بالبادية. وقبض على ابن بقية بمشهد ابن بهرام بن أردشير، واعاد معه الشريف أبا احمد. وجرت اقاصيص حتى عاد اليه باتكين. وقال ابن الحجاج يمدح أبا سعد بن بهرام: أبا سعد قد انكشف الغطاء ... وأمكننا الحضور كما نشاء وزالت رقبه الواشين حتى ... شفى من لوعة الشوق اللقاء بنفسي أنت من قمر منير ... له في كل ناحيه ضياء هزمت القوم أمس بغير حرب ... فامست في خفارتك الدماء وكان القوم في داء ولكن ... لطفت فصادف الداء الدواء بقول ما خلطت به نفاقا ... وراى لم يكن فيه رياء فاضحوا والرجال لكم عبيد ... وامسوا والنساء لكم إماء ولما حصل باتكين بالبصرة، تواترت البشائر الى بختيار، واظهر من السرور ما لم يعهد، وضمن انه إذا رد الغلام، عاد الى بغداد، واظهر الطاعة. وامر عضد الدولة أبا احمد، الا يسلم الغلام، حتى يصعد بختيار الى بغداد. وكان قد ورد عليه عبد الرزاق وبدر ابنا حسنويه، في الف فارس لنصرته،
следующие страницы →