Полный текст (908 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
قريش وأذعنت للاسلام عرفت العرب انهم لا طاقة لهم بحربه وعداوته فدخلوا فى دين الله أفواجا يضربون اليه من كل وجه بقول الله تعالى لنبيه اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا جماعات فسبح بحمد ربك أى فاحمد الله على ما ظهر من دينك واستغفره انه كان توابا اشارة الى انقضاء أجله واقتراب لحاقه برحمة ربه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا كذلك قال ابن عباس وقد سأله عمر بن الخطاب عن هذه السورة فلما اجابه بنحو هذا المعنى قال عموما أعلم منها الا ما تعلم*
هجره ﷺ نساءه
وفى هذه السنة هجر رسول الله ﷺ نساءه وقال ما أنا بداخل عليكنّ شهرا وفى المواهب اللدنية وجحش شقه أى خدش وجلس فى مشربة له درجها من جذوع النخل وأتاه أصحابه يعودونه يصلى بهم جالسا وهم جلوس* وفى المنتقى وفى سبب ذلك قولان أحدهما ما روى ان رسول الله ﷺ كان فى بيت حفصة فاستأذنت رسول الله ﷺ فى زيارة أبيها فأذن لها فأرسل رسول الله ﷺ الى مارية وأدخلها فى بيت حفصة وواقعها فلما رجعت حفصة أبصرت مارية فى بيتها مع النبىّ ﷺ فلم تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت وقالت انى رأيت من كانت معك فى البيت فغضبت وبكت فلما رأى النبىّ ﷺ فى وجهها الغيرة قال لها اسكتى فهى علىّ حرام أبتغى بذلك رضاك وحلف أن لا يقربها وقال لها لا تخبرى أحدا بما أسررت اليك فأخبرت بذلك عائشة وقالت قد أراحنا الله من مارية فان رسول الله ﷺ حرّمها على نفسه وقصت عليها القصة وكانت بينهما مصافاة وتظاهر فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة فى بيت مارية فنزل جبريل ﵇ وقال له راجعها فانها صوّامة قوّامة وانها لمن نسائك فى الجنة* وفى رواية ان رسول الله ﷺ خلا بمارية فى يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها اكتمى علىّ وقد حرّمت مارية على نفسى وأبشرك ان أبا بكر وعمر يملكان بعدى أمر أمتى فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين وقيل شرب عسلا عند حفصة فواطأت عائشة سودة وصفية فقلن له انما نشم منك ريح مغافير فحرم العسل فنزلت هذه الاية وهى يا أيها النبىّ لم تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغى مرضاة أزواجك الاية والثانى انه ذبح ذبحا فقسمته عائشة بين أزواجه فأرسلت الى زينب بنت جحش بنصيبها فردّته فقال لها زيديها فزادته ثلاث مرّات وكل مرّة تردّه فقال لا أدخل عليكنّ شهرا فاعتزل فى مشربة ثم نزل بعد تسع وعشرين ليلة فبدأ بعائشة فقالت له يا رسول الله كنت أقسمت ان لا تدخل علينا شهرا وانما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدّها عدّا فقال الشهر تسع وعشرون ليلة وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين*
غزوة تبوك
وفى رجب هذه السنة لستة أشهر وخمسة أيام خلت منها وقعت غزوة تبوك وهى آخر غزواته ﷺ على ما ذكر ابن اسحاق وتبوك مكان معروف وهو نصف طريق المدينة الى دمشق وهى غزوة العسرة وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها وكانت يوم الخميس فى رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف وذكر البخارى لها بعد حجة الوداع خطأ من النساخ كذا فى المواهب اللدنية* وقصتها ان رسول الله ﷺ لما انصرف من غزوة الطائف وعمرة الجعرانة مكث بالمدينة ما بين ذى الحجة الى رجب ثم أمر أصحابه بالتهيؤ الى غزوة الروم وذلك أنه قدم المدينة جماعة من الانباط بالدرمك والزيت وغير ذلك من متاع الشام فذكروا ان الروم قد جمعت بالشام جموعا كثيرة لقتال المسلمين وان هرقل قد رزق أصحابه لسنة وكان معهم بنو لخم وجذام وغسان وعاملة واجتمعوا وقدموا مقدّماتهم الى البلقاء وعسكروا بها وتخلف هرقل بحمص وكانوا كاذبين فى ذلك ولم يكن من ذلك شئ وانما ذلك شئ قيل لهم فأرجفوا به* وروى
стр. 632
الطبرانى من حديث عمران بن الحصين قال كانت النصارى كتبت الى هرقل ان هذا الرجل الذى خرج يدّعى النبوّة قد هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم فبعث رجلا من عظمائه وجهز معه أربعين ألفا كذا فى المواهب اللدنية فلما سمع رسول الله ﷺ بذلك أمر الناس بالتأهب للشام والتجهز للمسير اليها وكان الزمان زمان حرّ وعسرة عسرة الظهر وعسرة الزاد وعسرة المال وكان العشرة يتعقبون على بعير واحد وربما يمص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها وكانوا يعصرون الفرث ويشربونه من شدّة العطش وعن عمر بن الخطاب قال نزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ان الرجل لينحر بعيرا فيعصر فرثه ويشربه ويجعل ما بقى على كبده كذا فى معالم التنزيل وفى تفسير عبد الرزاق عن معمر عن ابن عقيل قال فخرجوا فى قلة من الظهر فى حرّ شديد حتى انهم كانوا ينحرون البعير ويشربون ما فى كرشه من الماء فكان ذلك الوقت عسرة فى الماء والظهر والنفقة فسميت غزوة العسرة ولم يقع فى هذه الغزوة قتال ولكن فتحوا فى هذا السفر دومة الجندل وكانت الروم والشام من أعظم أعداء المسلمين وأهيبهم عندهم وكان رسول الله ﷺ اذا غزا غزوة ورّى بغيرها الا غزوة تبوك فانه أخبر الناس بها وأظهر ليتأهبوا لها الاهبة ويستعدّوا لبعد السفر وشدّة الزمان وبعث رسول الله ﷺ الى القبائل من العرب والى أهل مكة وكانوا كلهم مسلمين فى هذا الوقت يستنفرهم الى الغزو وحض رسول الله ﷺ من عنده من المسلمين على الجهاد ورغبهم فيه وأمرهم بالصدقة فجاؤا بصدقات كثيرة وكان أوّل من جاء بها أبو بكر جاء بماله كله أربعة آلاف درهم وجاء عمر بنصف ماله وجاء العباس بن عبد المطلب بمال كثير وجاء طلحة بمال وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتى أوقية من الفضة وجاء سعد بن عبادة بمال وجاء محمد بن مسلمة بمال وجاء عاصم بن عدى بتسعين وسقا من تمر وجهز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش وكفاهم مؤنتهم فقال رسول الله ﷺ ما يضرّ عثمان بن عفان ما فعل بعد اليوم* وفى المواهب اللدنية وكان عثمان بن عفان قد جهز عيرا الى الشام فقال يا رسول الله هذه مائتا بعير باقتابها واحلاسها ومائتا أوقية فضة قال فسمعته يقول لا يضرّ عثمان ما فعل بعدها* وروى عن قتادة أنه قال حمل عثمان فى جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا وعن عبد الرحمن بن سمرة قال جاء عثمان بن عفان بألف دينار فى كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها فى حجره ﵊ فرأيت رسول الله ﷺ يقلبها فى حجره ويقول ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم خرجه الترمذى وقال حديث غريب وعند الفضائلى والملافى سيرته كما ذكره الطبرى فى الرياض النضرة من حديث حذيفة بعث عثمان يعنى فى جيش العسرة بعشرة آلاف دينار الى رسول الله ﷺ فصبت بين يديه فجعل ﷺ يقول بيديه ويقلبها ظهرا لبطن ويقول غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائن الى يوم القيامة ما يبالى ما عمل بعدها وجعل الرجل من ذوى اليسار يحمل الرهط من فقراء قومه ويكفيهم مؤنتهم وبعثت النساء بكل ما قدرن عليه من مسك ومعاضد وخلاخل وقرطة وخواتيم والناس فى عسرة شديدة وقد طابت الثمار وأحنت الظلال والناس يحبون المقام ويكرهون الخروج لشدة الزمان وأخذ رسول الله ﷺ بالانكماش والجدّ وضرب رسول الله ﷺ معسكره بثنية الوداع وكانوا ثلاثين ألفا وقال ﷺ ذات يوم وهو فى جهازه للجدّ بن قيس وهو أحد بنى سلمة يا أبا قيس هل لك أن تخرج معنا لعلك تحتقب من بنات الاصفر الاحتقاب هو الاحتمال والمحتقب المردف كذا فى الصحاح فقال الجدّ لقد علم قومى انى من أشدّهم عجبا بالنساء وانى اذا رأيتهنّ لم أصبر عنهنّ فأذن لى فى المقام ولا تفتنى فأعرض رسول الله صلى الله
عليه
стр. 633
وسلم عنه وقال أذنت لك كذا فى الاكتفاء فجاء ابنه عبد الله بن الجدّ وكان بدريا وكان أخا معاذ بن جبل لأمّه وجعل يلوم أباه على ما أجاب به رسول الله ﷺ وقال انت أكثر بنى سلمة مالا فما منعك أن تخرج فقال مالى وللخروج الى بنى الاصفر والله ما آمنهم وأنا فى منزلى هذا وانى عالم بالدوائر فقال له ابنه لا والله ما بك الا النفاق والله لينزلنّ على رسول الله ﷺ فيك قرآن نفتضح به فأخذ نعله فضرب به وجه ابنه فلما نزلت فيه هذه الاية وهى قوله تعالى ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى الاية جاءه ابنه فقال له ألم أقل لك انه سوف ينزل فيك قرآن يقرؤه المسلمون فقال له أبوه اسكت يالكع والله لا أنفعك بنافعة أبدا والله لأنت أشدّ علىّ من محمد ثم جعل الجدّ يثبط قومه عن الجهاد ويمنعهم من الخروج ويقول لهم لا تنفروا فى الحرّ وفى الاكتفاء وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا فى الحرّ زهادة فى الجهاد وشكافى الحق وارجافا لرسول الله ﷺ فأنزل الله فيهم وقالوا لا تنفروا فى الحرّ قل نار جهنم أشدّ حرّا لو كانوا يفقهون وبلغ رسول الله ﷺ ان أناسا من المنافقين يجتمعون فى بيت سليم اليهودى يثبطون الناس عنه فى غزوة تبوك فبعث اليهم طلحة بن عبيد الله فى نفر من أصحابه وأمر أن يحرق البيت عليهم وفعل طلحة فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فأفلتوا فقال الضحاك فى ذلك
وكادت وبيت الله نار محمد ... يشيط بها الضحاك وابن الأبيرق
وظلت وقد طبقت كبش سويلم ... انوء على رجلىّ كسرا ومرفقى
سلام عليكم لا أعود لمثلها ... أخاف ومن تشمل به النار يحرق
كذا فى الاكتفاء وجاء البكاؤن وهم سالم بن عمير وعلبة بن زيد وأبو ليلى وعبد الرحمن بن كعب المازنى والعرباض بن سارية الفزارى وهرمى بن عبد الله وعمرو بن غنمة وعبد الله بن مغفل المزنى ويقال عبد الله بن عمرو المزنى وعمرو بن خمام ومعقل بن يسار المزنى وحضرمى بن مازن والنعمان بن سويد ومعقل وعقيل وسنان وعبد الرحمن بنو مقرن وهم الذين قال الله فيهم تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون قاله مغلطاى كذا فى المواهب اللدنية* وفى الاكتفاء وأنوار التنزيل اوردهم سبعة لكن على الاختلاف فى أسماء بعضهم ففى الاكتفاء سالم ابن عمير وعلبة بن زيد وأبو ليلى وعبد الرحمن بن كعب المازنى وعمرو بن حمام وهرمى بن عبد الله وعبد الله بن مغفل المزنى ويقال عبد الله بن عمر والمزنى وعرباض بن سارية الفزارى* وفى أنوار التنزيل سبعة من الانصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعلبة بن زيد وقيل هم ابناء مقرن مغفل وسويد والنعمان وقيل أبو موسى وأصحابه جاؤا يستحملون النبىّ ﷺ وكانوا صالحاء وأهل فقر وحاجة فقال رسول الله ﷺ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع الاية* وفى الاكتفاء ذكر أن يامين بن عمير النضرى لقى أبا ليلى بن كعب وابن مغفل وهما يبكيان فقال وما يبكيكما قالا جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوّى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزوّدهما شيئا من تمر فخرجا مع رسول الله ﷺ * وفى المنتقى زوّد كل واحد منهما صاعين من تمر وحمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين وحمل عثمان بن عفان منهم ثلاثا بعد الذى كان جهز من الجيش وجاء أناس من المنافقين يستأذنون رسول الله ﷺ فى القعود عن الغزو فأذن لهم وهم بضعة وثمانون نفرا وجاء المعذرون من الاعراب فاعتذروا اليه فلم يعذرهم الله وذكر أنهم نفر من غفار فلما خرج رسول الله صلى الله
стр. 634
عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع فأقبل عبد الله بن أبى ابن سلول معه على حدة وضرب عسكره أسفل منه نحوذ باب جبل بالمدينة كذا فى القاموس وكان فيما يزعمون ليس بأقلّ العسركين ومعه حلفاؤه من اليهود والمنافقين ممن اجتمع اليه فأقام ما أقام رسول الله ﷺ فلما سار تخلف عنه فيمن تخلف من المنافقين ورجع الى المدينة وقال يغزو محمد مع جهد الحال والحرّ والبلد البعيد الى ما لا قبل له به يحسب قتال بنى الاصفر اللعب والله لكأنى أنظر الى أصحابه غدا مقرّنين فى الحبال وخلف رسول الله ﷺ على بن أبى طالب على أهله وأمره بالاقامة فيهم فأرجف به المنافقون وقالوا ما خلفه الا استثقالا له وتخفيفا منه فلما قالوا ذلك أخذ علىّ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف فقال يا نبىّ الله زعم المنافقون انك انما خلفتنى انك استثقلتنى وتخففت منى فقال كذبوا ولكنى خلفتك لما تركت ورائى فارجع واخلفنى فى أهلى وأهلك أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبىّ بعدى فرجع علىّ الى المدينة ومضى رسول الله صل يالله عليه وسلم على سفره كذا فى الاكتفاء وشرح المواقف وقال الشيخ أبو اسحاق الفيروزابادى فى عقائده أى حين توجه موسى الى ميقات ربه استخلف هارون فى قومه* وفى المنتقى استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفارى وقيل محمد بن مسلمة انتهى وقال الدمياطى استخلاف محمد بن مسلمة هو أثبت عندنا ممن قال استخلف غيره وقال الحافظ زين الدين العراقى فى شرح التقريب لم يتخلف علىّ عن المشاهد الا فى تبوك فانّ النبىّ ﷺ خلفه على المدينة وعلى عياله وقال له يومئذ أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبىّ بعدى وهو فى الصحيحين من حديث سعد بن أبى وقاص انتهى ورجحه ابن عبد البرّ واستخلف على العسكر أبا بكر الصدّيق رضى الله عنه فلما ارتحل رسول الله ﷺ عن ثنية الوداع متوجها الى تبوك عقد الالوية والرايات فدفع لواءه الاعظم الى أبى بكر ورايته العظمى الى الزبير ودفع راية الاوس الى أسيد بن حضير ولواء الخزرج الى أبى دجانة وقيل الى الحباب بن المنذر بن الجموح فساروا وهم ثلاثون ألفا وفيهم عشرة آلاف من الافراس* وفى المواهب اللدنية أمر رسول الله ﷺ لكل بطن من الانصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية وكان معه ثلاثون ألفا وعند أبى زرعة سبعون ألفا وفى رواية عنه أيضا أربعون ألفا وكانت الخيل عشرة آلاف فرس وتخلف نفر من المسلمين عن رسول الله ﷺ من غير نفاق ولا ارتياب منهم كعب بن مالك أخو بنى سلمة ومرارة بن الربيع أخو بنى عمرو بن عوف وهلال بن أمية أخو بنى واقف وفيهم نزل وعلى الثلاثة الذين خلفوا وتخلف أبو ذرّ وأبو خيثمة ثم لحقاه بعد ذلك وسيجىء ومضى رسول الله ﷺ فصبح ذا خشب فنزل تحت الدومة* وفى خلاصة الوفاء وذو خشب على مرحلة من المدينة تحت الدومة وكان دليله الى تبوك علقمة بن القعواء الخزاعى فقال ﷺ تحت الدومة فراح منها ممسيا حيث أبرد وكان فى حرّ شديد وكان يجمع من يوم نزل ذا خشب بين الظهر والعصر فى منزله يؤخر الظهر حتى يبرد ويعجل العصر ثم يجمع بينهما وكان ذلك فعله حتى رجع من تبوك وفى كل منزل نزله اتخذ مسجدا وجميعها معروفة الى مسجد تبوك ثم انّ أبا خيثمة بعد أن سار رسول الله ﷺ أياما رجع الى أهله فى يوم حارّ فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائط له رشت كل واحدة منهما عريشها وبرّدت له فيه ماء وهيأت له طعاما فلما دخل قام على باب العريش ونظر الى امرأتيه وما صنعتا له فقال رسول الله ﷺ فى الضح والريح والحرّ وأبو خيثمة فى ظلّ بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء
فى ماله مقيم ما هذا بالنصف ثم قال والله لا أدخل على عريش واحدة منكما
стр. 635
حتى ألحق برسول الله ﷺ فهيئا لى زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج فى طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك وقد كان أدرك أبا خيثمة فى الطريق عمير بن وهب الجمحى يطلب رسول الله ﷺ فترافقا حتى اذا دنوا من رسول الله ﷺ قال أبو خيثمة لعمير انّ لى ذنبا فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله ﷺ ففعل حتى اذا دنا من رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله ﷺ كن أبا خيثمة قالوا هو والله أبو خيثمة يا رسول الله فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ أولى لك يا أبا خيثمة ثم أخبره خبره فقال له رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير ولما مضى من ثنية الوداع سائرا جعل يتخلف عنه رجال فيقال يا رسول الله تخلف فلان فيقول دعوه فان يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم وان يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه وقد كان رسول الله ﷺ حين مرّ بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا قال رسول الله ﷺ لا تشربوا من مائها ولا يتوضأ منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرجنّ أحد منكم الليلة الا ومعه صاحب له ففعل الناس ما امرهم به رسول الله ﷺ الا أنّ رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الاخر فى طلب بعير له فأمّا الذى ذهب لحاجته فانه خنق على مذهبه وأمّا الذى ذهب فى طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلى طىء اللذين يقال لاحدهما أجأ ويقال للاخر سلمى فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال ألم أنهكم عن أن يخرج منكم أحد الا ومعه صاحبه ثم دعا للذى أصيب على مذهبه فشفى وأمّا الذى وقع بجبلى طىء فان طيئا أهدته لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة* وفى المنتقى لما وصل وادى القرى وقد أمسى بالحجر قال انها ستهب الليلة ريح شديدة لا يقومنّ منكم أحد الا مع صاحبه ومن كان له بعير فليوثقه بعقاله فهاجت ريح شديدة قد أفزعت الناس فلم يقم أحد الا مع صاحبه الا رجلين الى آخر ما ذكر ولما مرّ رسول الله ﷺ بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم الا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم كذا فى الاكتفاء والمواهب اللدنية وقال فيه رواه الشيخان وكذا فى المنتقى عن ابن عمر وعبارته ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادى والحجر وادى قوم صالح وديارهم وهم ثمود الذين سكنوا ذلك الوادى وهو وادى القرى وهو بين المدينة والشام ولما ارتحل من الحجر أصبح ولا ماء معه ولا مع أصحابه وقد نزلوا على غير ماء فشكوا اليه العطش فاستقبل القبلة ودعا ولم يكن فى السماء سحابة فما زال يدعو حتى اجتمعت السحب من كل ناحية فما برح من مقامه حتى سحت السماء بالرواء فانكشفت السحابة من ساعتها فسقى الناس وارتووا عن آخرهم وملأوا الاسقية قيل لبعض المنافقين ويحك أبعد هذا شئ هل بقى عندك شئ من الريب فقال انما هى سحابة مارّة فارتحل النبىّ ﷺ متوجها الى تبوك فأصبح فى منزل فضلت ناقته وهى القصوى فخرج أصحابه فى طلبها وعند رسول الله ﷺ رجل من أصحابه يقال له عمارة بن حزم وكان عقبيا بدريا وهو عمّ ابن عمرو بن حزم وفى رحله زيد بن الصلت القينقاعى وكان يهوديا فأسلم ونافق فقال زيد وهو فى رحل عمارة وعمارة عند رسول الله ﷺ أليس محمد يزعم أنه نبىّ ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته فقال رسول الله ﷺ وعمارة عنده ان
رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبىّ ويزعم أنه يخبر بأمر السماء وهو لا يدرى أين ناقته وانى والله لا أعلم الا ما علمنى
стр. 636
الله وقد دلنى الله عليها وهى فى الوادى من شعب كذا وكذا وأشار الى الشعب وقد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتونى بها فذهبوا فجاؤا بها رواه البيهقى وأبو نعيم فرجع عمارة بن حزم الى رحله فقال والله لعجب من شئ حدّثنا به رسول الله ﷺ آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه للذى قال زيد بن الصلت فقال رجل ممن كان فى رحل عمارة ولم يحضر رسول الله ﷺ زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتى فأقبل عمارة على زيد يجأ فى عنقه ويقول يا عباد الله انّ فى رحلى الداهية وما أشعر اخرج أى عدوّ الله من رحلى فلا تصاحبنى فزعم بعض الناس أنّ زيد اتاب بعد ذلك وقال بعضهم لم يزل متهما بشر حتى مات كذا فى الاكتفاء* وفى معالم التنزيل أوردها فى غزوة المر يسيع ثم مضى رسول الله ﷺ سائرا فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون يا رسول الله تخلف فلان فيقول دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وان يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه كما مرّ آنفا حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذرّ وأبطأ به بعيره فقال دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه وتلوّم أبو ذرّ على بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيا ونزل رسول الله ﷺ فى بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله هذا رجل يمشى فى الطريق وحده فقال ﷺ كن أبا ذرّ فلما تأمّله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذرّ فقال رسول الله ﷺ رحم الله أبا ذرّ يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده فقضى الله انّ أبا ذرّ لما أخرجه عثمان رضى الله عنه الى الربدة وأدركته بها منيته لم يكن معه أحد الا امرأته وغلامه فأوصاهما أن غسلانى وكفنانى ثم ضعانى على قارعة الطريق فأوّل ركب يمرّ بكم فقولا هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه فلما مات فعلا به كما أوصى فأقبل عبد الله بن مسعود فى رهط من العراق عمار فلم يرعهم الا بالجنازة على قارعة الطريق قد كادت الابل تطؤها فقام اليهم الغلام وقال هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه فاستهلّ عبد الله بن مسعود وهو يبكى ويقول صدق رسول الله ﷺ تمشى وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه بالتراب ثم حدّثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله ﷺ فى مسيره الى تبوك* وفى المنتقى قال رسول الله ﷺ انكم ستأتون غدا ان شاء الله تعالى عين تبوك وانكم لن تأتوها حتى يضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى قال معاذ فجئناها وقد سبقنا اليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشئ قليل من الماء فسألهما النبىّ ﷺ هل مستما من مائها شيئا فقالا نعم فقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم أمر برفع ماء منها فرفعوا له من تلك العين قليلا قليلا حتى اجتمع شىء ثم غسل ﷺ فيه وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجاءت العين بعد ذلك بماء كثير ببركة النبىّ ﷺ فاستقى الناس وكفاهم* فلما انتهى رسول الله ﷺ الى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله ﷺ وأعطى الجزية وأتاه أهل جرباء بالجيم وأذرح بالذال المعجمة والراء والحاء المهملة وهما بلدتان بالشام بينهما ثلاثة أيام فأعطوه الجزية وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا فهو عندهم وفيه* بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومحمد النبىّ رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم فى البرّ والبحر لهم ذمّة الله ومحمد النبىّ ومن كان معهم من أهل الشام وأهل
اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فانه لا يجوز ماله دون نفسه وانه لطيبة لمن أخذه من الناس وانه لا يحلّ أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يسلكونه من برّ أو بحر*
سرية خالد بن الوليد الى اكيدر
وفى رجب هذه
стр. 637
السنة كانت سرية خالد بن الوليد الى اكيدر* روى أنه بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد من تبوك فى أربعمائة وعشرين فارسا الى اكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل وكان اكيدر ملكهم وكان من كندة وكان نصرانيا قال سعد دومة الجندل طرف من الشام بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة كما مرّ فى غزوة دومة الجندل وفى خلاصة الوفا قال أبو عبيدة دومة الجندل حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبل طىء ودومة الجندل من القريات من وادى القرى وذكران عليها حصنا حصينا يقال له مازن وهو حصن أكيدر الملك وجه اليه النبىّ ﷺ خالد بن الوليد من تبوك فقال خالد بن الوليد يا رسول الله كيف لى به وسط بلاد كلب وانما أنا فى أناس يسير فقال رسول الله ﷺ ستلقاه يصيد الوحش أو قال البقر فتأخذه فخرج خالد من تبوك وانصرف ﷺ من تبوك راجعا الى المدينة فلما بلغ خالد قريبا من حصنه بمنظر العين وكانت ليلة مقمرة والوقت صيفا وكان أكيدر على سطح فى الحصن ومعه امرأته الرباب الكندية أقبلت البقر تحك بقرونها باب الحصن وأشرفت امرأته على باب الحصن فرأت البقر قالت ما رأيت كالليلة فأبصرها أكيدر* وفى الاكتفاء قالت امرأته هل رأيت مثل هذا قط قال لا والله قالت فمن يترك هذه قال لا أحد انتهى وكان يضمر لها الخيل شهرا فلما أبصرها نزل فأمر بفرسه فأسرج وأمر بخيل فأسرجت فركب معه نفر من أهل بيته ومعه أخوه حسان فخرجوا من حصنهم ومعهم مطاردهم فلحقهم خالد وخيله فاستأسر أكيدر وامتنع حسان فقاتل حتى قتل وهرب من كان معه فدخلوا الحصن وكان على حسان قباء مخوّص بالذهب فاستلبه خالد وبعث به الى رسول الله ﷺ قبل قدومه عليه فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال رسول الله ﷺ لمناديل سعد فى الجنة خير من هذا وكان ﷺ قال لخالد ان ظفرت بأكيدر لا تقتله وائت به الىّ فان أبى فاقتله فطاوعه أكيدر وقال له خالد هل لك أن أجيرك من القتل حتى آتى بك رسول الله ﷺ على ان تفتح لى دومة الجندل قال نعم لك ذلك فلما صالح خالد أكيدر وأكيدر فى وثاق ومصاد أخو أكيدر فى الحصن أبى مصاد أن يفتح باب الحصن لما رأى أخاه فى الوثاق فطلب أكيدر من خالد أن يصالحه على شئ حتى يفتح له باب الحصن وينطلق به وبأخيه الى رسول الله ﷺ فيحكم فيهما بما شاء فرضى خالد بذلك فصالحه أكيدر على ألفى بعير وثمانمائة فرس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح ففعل خالد وخلى سبيله ففتح له باب الحصن فدخله وحقن دمه ودم أخيه وانطلق بهما الى رسول الله ﷺ والنبىّ بالمدينة فلما قدم بهما الى رسول الله ﷺ صالحه على اعطاء الجزية وخلى سبيلهما وكتب لهما كتاب أمان* قال ابن منده وأبو نعيم كان أكيدر نصرانيا فأسلم وقال ابن الاثير بل مات نصرانيا بلا خلاف بين أهل السير فانه لما صالحه خالد عاد الى حصنه وبقى فيه وان خالدا حاصره زمن أبى بكر فقتله مشركا لنقضه العهد فأقام رسول الله ﷺ بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها ثم انصرف الى المدينة كذا فى الاكتفاء* وفى المواهب اللدنية قال الدمياطى ومن قبله ابن سعد عشرين ليلة يصلى بها ركعتين ولم يلق كيدا وفى مسند أحمد ان هرقل كتب الى النبىّ ﷺ انى مسلم فقال النبىّ ﷺ كذب هو على نصرانيته ولابى عبيدة بسند صحيح نحوه ولفظه فقال كذب عدوّ الله ليس بمسلم* وفى المواهب اللدنية كتب رسول الله ﷺ كتابا من تبوك الى هرقل يدعوه الى الاسلام فقارب الاجابة ولم يجب رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث أنس وفى المنتقى أقام بتبوك شهرين وكان ما أخبر به النبىّ صلى الله عليه وسلم
стр. 638
من تعبية هرقل جيشه ودنوّه الى أدنى الشام وعزمه على قتال النبىّ ﷺ باطلا كذبا وبعث هرقل رجلا من غسان الى النبىّ ﷺ ينظر الى صفته وعلامته والى حمرة عينيه والى خاتم النبوّة الذى بين كتفيه وسأل فاذا هو لا يقبل الصدقة فوعى الرجل أشياء من صفته ﷺ ثم انصرف الى هرقل فأخبره بها فدعا هرقل قومه الى التصديق فأبوا عليه حتى خافهم على ملكه وأسلم هو سرّا منهم وامتنع من قتاله ﷺ *
موت عبد الله ذى البجادين
وفى هذه السنة فى هذه الغزوة بتبوك مات عبد الله ذو البجادين المزنى وهو من اصحاب رسول الله ﷺ وفى الاكتفاء انما سمى ذا البجادين لانه كان ينازع الى الاسلام فيمنعه قومه من ذلك ويضيقون عليه حتى تركوه فى بجاد وليس عليه غيره والبجاد هو الكساء الغليظ الجافى فهرب منهم الى رسول الله ﷺ فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنتين فاتزر بواحدة واشتمل بالاخرى ثم أتى رسول الله ﷺ فقيل له ذو البجادين لذلك وفى القاموس البجاد ككتاب كساء مخطط وفى رواية كان قبل الاسلام بورقاء وهو جبل من جبال مزينة وكان فقيرا فقطعت أمه بجادا باثنتين فاتزر بواحدة وارتدى بالاخرى ثم أقبل الى المدينة فاضطجع فى مسجد رسول الله ﷺ فى السحر وصلى رسول الله ﷺ الصبح فأبصره فقال من أنت فقال عبد العزى وكان اسمه ذلك فقال النبىّ ﷺ أنت عبد الله ذو البجادين ثم قال له انزل منى قريبا وكان يكون فى أضيافه ويعلمه القرآن حتى قرأ قرآنا كثيرا وكان رجلا صيتا وكان يقوم فى المسجد فيرفع صوته بالقرآن فقال عمر يا رسول الله ألا تسمع الى هذا الاعرابى يرفع صوته بالقرآن فيمنع الناس القراءة فقال دعه يا عمر فانه خرج مهاجرا الى الله والى رسوله فلما خرجوا الى تبوك خرج معه وقال يا رسول الله ادع الله لى بالشهادة فقال ائتنى بلحاء سمرة أى قشرها كذا فى القاموس فأتاه بها فأخذها رسول الله ﷺ فربطها على عضده فقال اللهمّ انى أحرّم أو قال حرم دمه على الكفار قال يا رسول الله ليس هذا ما أردت قال انك اذا خرجت فى سبيل الله فأخذتك الحمى وقتلتك فأنت شهيد ولا تبال بأيه كان فلما نزلوا تبوك وأقاموا بها أياما أخذته الحمى فتوفى بها ودفن هناك بالليل وأخذ بلال شعلة من نار فوقف بها على القبر فكان عبد الله بن مسعود يحدّث قال قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار فى ناحية العسكر فاتبعتها أنظر اليها فاذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر واذا عبد الله ذو البجادين قدمات فاذاهم قد حفروا له ورسول الله ﷺ نزل فى حفرته وأبو بكر وعمر يد ليانه اليه وهو يقول أدليا الىّ أخاكما فدلياه اليه فلما هيأه لشقه ووضعه فى اللحد قال اللهمّ انى قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه يقول عبد الله بن مسعود يا ليتنى كنت أنا صاحب هذه الحفرة* وفى المنتقى وهاجت ريح شديدة ليلا بتبوك فقال ﷺ هذا لموت منافق عظيم النفاق ولما قدموا المدينة وجدوا منافقا عظيم النفاق قدمات* وفى المنتقى أيضا شاور رسول الله ﷺ أصحابه فى التقدّم والمسير اليهم فقال عمران كنت أمرت بالمسير فسر فقال ﷺ لو أمرت به ما استشرتكم فيه فقال عمر يا رسول الله ان للروم جموعا كثيرة وليس بها أحد من أهل الاسلام وقد دنوت منه وأفزعهم دنوّك لو رجعت هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله فى ذلك لك أمرا فانصرف رسول الله ﷺ ولم يلق كيدا وكان فى الطريق ماء يخرج من وشل يروى الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادى المشفق فقال رسول الله ﷺ من سبقنا الى الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه فسبقه اليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه فلما أتاه رسول الله
стр. 639
صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال من سبقنا الى هذا فقيل يا رسول الله فلان وفلان قال أو لم أنهكم أن تستقوا منه شيئا حتى آتيه ثم لعنهم ودعا عليهم ثم نزل ووضع يده تحت الوشل فجعل يصب فى يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسح بيده ودعا بما شاء الله أن يدعو به فانخرق من الماء يقول من سمعه ما ان له حسا كحس الصواعق فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه فقال رسول الله ﷺ لئن بقيتم أو بقى منكم لتسمعن بهذا الوادى وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه وروى ان اثنى عشر رجلا أو خمسة عشر رجلا من المنافقين فى مقفله ﷺ من تبوك وقفوا على العقبة فى الطريق ليفتكوا برسول الله ﷺ فجاءه جبريل وأمره أن يرسل اليهم من يضرب وجوه راحلتهم فأرسل حذيفة لذلك ففعل*
هدم مسجد الضرار
وفى هذه السنة كان هدم مسجد الضرار قال ابن اسحاق ثم أقبل رسول الله ﷺ من تبوك حتى نزل بذى أوان بفتح الهمزة بلفظ اوان الحين والزمان وهو بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار كذا ذكره الطبرى وقال البكرى ما أحسب الا ان الراء سقطت من بين الواو والالف وأنه أروان منسوب الى البئر المشهورة جاءه خبر مسجد الضرار من السماء فبعث اليه من خرّبه وحرّقه وقصته ما روى انه لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء فبعثوا الى النبىّ ﷺ أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدهم اخوتهم بنو غنم بن عوف ابن غنم وكانوا من منافقى الانصار فقالوا نبنى مسجدا ونرسل الى رسول الله ﷺ فيصلى فيه كما صلى فى مسجد اخواننا وليصلى فيه أبو عامر الراهب اذا قدم من الشام وكان أبو عامر رجلا منهم وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وكان قد ترهب فى الجاهلية وتنصر ولبس المسوح فلما قدم النبىّ ﷺ المدينة قال له أبو عامر ما هذا الذى جئت به قال جئت بالحنيفية دين ابراهيم قال أبو عامر فانا عليها قال النبىّ ﷺ فانك لست عليها قال بلى ولكنك أدخلت فى الحنيفية ما ليس منها فقال النبىّ ﷺ ما فعلت ولكنى جئت بها بيضاء نقية فقال أبو عامر أمات الله الكاذب مناطر يدا وحيدا غريبا فقال النبىّ ﷺ نعم وسماه أبا عامر الفاسق فلما كان يوم أحد جاء أبو عامر فى خمسين رجلا من قومه وقال لرسول الله ﷺ لا أجد قوما يقاتلونك الا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله الى يوم حنين فلما انهزمت هوازن نكص وخرج هاربا الى الشام وأرسل الى المنافقين أن استعدّوا بما استطعتم من قوّة وسلاح وابنو الى مسجدا فانى ذاهب الى قيصر ملك الروم فاتى بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه فبنوا مسجدا الى جنب مسجد قباء وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا جذام ابن خالد هو الذى من داره قد أخرج المسجد وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وأبو حبيبة بن الازعر وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف وحارثة بن عامر وابناه مجمع وزيد ونيتل بن الحارث ومجرح وبجاد ابنا عثمان ووديعة بن ثابت وكان يصلى فيه مجمع بن حارثة قال فلما فرغوا منه أتوا رسول الله ﷺ وهو يتجهز الى تبوك فقالوا يا رسول الله انا بنينا مسجدا الذى العلة والحاجة والليلة الممطرة والليلة الشاتية وانا نحب أن تأتينا فتصلى لنا فيه وتدعو لنا بالبركة فقال رسول الله ﷺ انى على جناح سفر وحال شغل ولو قدمنا ان شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه فلما انصرف رسول الله ﷺ من تبوك ونزل بذى أو ان أتاه المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار فسألوه اتيان مسجدهم فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن وأخبره الله بخبر مسجد الضرار وما هموا به فدعا رسول الله ﷺ مالك ابن الدخشم ومعن بن عدى وعامر بن السكن ووحشى قاتل حمزة وقال لهم انطلقوا الى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه فخرجوا اسراعا حتى أتوا سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال
стр. 640
لهم مالك أنظرونى حتى أخرج اليكم بنار من أهلى فأخذ سعفا من النخل وأشعل فيه نارا ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد فحرقوه وهدموه وتفرّق أهله عنه وأمر النبىّ ﷺ أن يتخذ ذلك الموضع كناسا تلقى فيه الجيف والنتن والقمامة ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيدا طريدا غريبا وسأل عمر بن الخطاب رجلا منهم ماذا أعنت فى هذا المسجد فقال أعنت فيه بسارية فقال عمر أبشر بها فى عنقك فى نار جهنم* وروى ان بنى عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب فى خلافته ليأذن مجمع بن حارثة فيأمّهم فى مسجدهم فقال أليس بامام مسجد الضرار فقال له مجمع يا أمير المؤمنين لا تعجل علىّ فو الله لقد صليت فيه وانى لا أعلم ما أضمروا عليه فلو علمت ما صليت فيه معهم وكنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا قد غشوا نفاقهم وكانوا لا يقرؤن من القرآن شيئا فصليت ولا أحببت مما صنعوا شيئا الا انهم يتقرّبون الى الله ولا أعلم ما فى أنفسهم فعذره عمر وصدّقه وأمره بالصلاة فى مسجد قباء فهذه قصة مسجد الضرار ولما دنا رسول الله ﷺ من المدينة خرج الناس لتلقيه وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داعى
وقد وهم بعض الرواة كما تقدّم وقال انما كان هذا فى مقدم رسول الله ﷺ المدينة من مكة وهو وهم ظاهر لان ثنيات الوداع انما هى من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة الى المدينة بل اذا توجه منها الى الشام وقد سبق البحث عنها فى أوّل مجيئه المدينة وفى البخارى لما رجع النبىّ ﷺ من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال ان بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا الا كانوا معكم حبسهم العذر ولما أشرف ﷺ على المدينة قال هذه طابة وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه فلما دخل المدينة جاءه من كان تخلف عنه فحلفوا له فعذرهم واستغفر لهم وأرجى أمر كعب وصاحبيه حتى نزلت توبتهم فى قوله تعالى لقد تاب الله على النبىّ والمهاجرين والانصار الى قوله وعلى الثلاثة الذين خلفوا وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة ابن الربيع وقدم رسول الله ﷺ من تبوك فى رمضان كذا فى الاكتفاء والله أعلم*
قصة كعب بن مالك
قصة كعب بن مالك وارجاء أمره* فى الاكتفاء قدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك وقد كان تخلف عنه من تخلف من المنافقين وأولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية كما مرّ فقال رسول الله ﷺ لاصحابه لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة وأتاه من تخلف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له ويعتذرون فصفح عنهم رسول الله ﷺ ولم يعذرهم الله ولا رسوله فاعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة فحدّث كعب بن مالك قال ما تخلفت عن رسول الله ﷺ فى غزوة غزاها قط غير انى كنت تخلفت عنه فى غزوة بدر وكانت غزوة لم يعاتب الله فيها ولا رسوله أحدا تخلف عنها وذلك ان رسول الله ﷺ انما خرج يريد عير قريش فجمع الله بينه وبين عدوّه على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ العقبة حين تواثقنا على الاسلام وما أحب أن لى بها مشهد بدر وان كانت غزوة بدر هى أذكر فى الناس منها وكان من خبرى حين تخلفت عنه فى غزوة تبوك انى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه تلك الغزوة والله ما اجتمعت لى راحلتان قط حتى اجتمعتا لى فى تلك الغزوة وكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها الا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ فى حرّ شديد واستقبل غزو عدوّ كثير فجلا للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبة وأخبرهم خبره بوجهه الذى يريد والمسلمون من تبع
стр. 641
رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يعنى بذلك الديوان وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار وأحنت الظلال والناس اليها صفر فتجهز رسول الله ﷺ وتجهز المسلمون معه وجعلت أغد ولأتجهز معهم فأرجع ولم أقض حاجة فأقول فى نفسى انى قادر على ذلك ان أردت فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى شمر الناس بالجدّ وأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازى شيئا فقلت لعلى أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحق بهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليتنى فعلت فلم أفعل وجعلت اذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم يحزننى اننى لا أرى الا رجلا معموها عليه فى النفاق أو رجلا ممن عذره الله من الضعفاء ولم يذكرنى رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس فى القوم بتبوك ما فعل كعب بن مالك فقال رجل من بنى سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر فى عطفيه فقال له معاذ بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا منه الا خيرا فسكت رسول الله ﷺ فلما بلغنى أنّ رسول الله ﷺ توجه قافلا حضرنى بثىّ فجعلت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخط رسول الله ﷺ غدا وأستعين على ذلك كل ذى رأى من اهلى فلما قيل لى انّ رسول الله ﷺ قد أظلّ قادما راح عنى الباطل وعرفت أنى لا أنجو منه الا بالصدق فأجمعت أن أصدقه وصبح رسول الله ﷺ المدينة وكان اذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المخلفون من الاعراب فجعلوا يحلفون له ويعتذرون وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وأيمانهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم الى الله تعالى حتى جئت اليه فسلمت عليه فتبسم تبسم المغضب ثم قال لى تعال فجئت أمشى حتى جلست بين يديه فقال لى ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك فقلت بلى والله كنت اشتريت ظهرا وما كان لى من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عندك فقال رسول الله ﷺ أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضى الله فيك فقمت ثم سألت الناس هل وقع لاحد مثل ما وقع لى قالوا نعم رجلان كان حالهما مثل حالك فقالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت من هما قالوا مرارة بن الربيع الضمرى وهلال بن أمية الواقفى فذكر والى رجلين صالحين فيهما اسوة ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبتنا الناس وتغيروا علينا فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فامّا صاحباى فاستكنا وقعدا فى بيوتهما يبكيان وأمّا أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين وأطوف فى الاسواق ولا يكلمنى أحد وآتى رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة فأقول فى نفسى هل حرّك شفتيه بردّ السلام علىّ أم لا فبينما أنا أمشى بسوق المدينة اذا نبطى من أنباط أهل الشام ممن قدم المدينة بالطعام يبيعه يقول من يدلنى على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى اذا جاءنى فدفع الىّ كتابا من ملك غسان فاذا فيه أمّا بعد فانه قد بلغنى أنّ صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فألحق بنا نواسك فقلت بعد ما قرأت ذلك الكتاب هذا ايضا من البلاء فألقيته فى التنور وأحرقته حتى مضت أربعون من الخمسين فاذا رسول رسول الله ﷺ أتانى فقال انّ رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل فقال لا بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل الى صاحبىّ مثل ذلك فقلت لامرأتى ألحقى بأهلك فتكونى عندهم حتى يقضى الله
فى هذا الامر فجاءت امرأة هلال
стр. 642
ابن أمية الى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ان هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال لا ولكن لا يقربنك فقالت والله انه ما به حركة الى شئ فو الله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان الى يومه هذا فقال لى بعض أهلى لو استأذنت رسول الله ﷺ فى امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدرينى ماذا يقول رسول الله ﷺ اذا استأذنته وأنا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كمل لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ الناس عن كلامنا فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينما أنا جالس على الحالة التى ذكرها الله قد ضاقت علىّ نفسى وضاقت علىّ الارض بما رحبت سمعت صوت صارخ أو فى على جبل سلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجدا وعرفت أنه قد جاء فرج وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فلما جاء الذى سمعت صوته يبشرنى نزعت له ثوبىّ وكسوته اياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين غيرهما فلبستهما وانطلقت الى رسول الله ﷺ فتلقانى الناس فوجا فوجا يهنونى بالتوبة ودخلت المسجد فاذا برسول الله ﷺ جالس وحوله الناس فقام الىّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنانى وما قام الىّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة فلما سلمت على رسول الله ﷺ ووجهه يبرق من السرور قال لى أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك فقلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال لا بل من عند الله وكان رسول الله ﷺ اذا سرّ استنار وجهه حتى كأنه القمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله انّ من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة الى الله والى رسوله فقال ﷺ أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت فانى أمسك سهمى الذى بخيبر فقلت يا رسول الله انّ الله انما نجانى بالصدق وانّ من توبتى أن لا أحدّث الاصدقا ما بقيت وأنزل الله على رسوله لقد تاب الله على النبىّ والمهاجرين الى قوله وكونوا مع الصادقين فو الله ما أنعم الله علىّ من نعمة قط بعد أن هدانى للاسلام أعظم فى نفسى من صدقى رسول الله ﷺ ولا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فانّ الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شرّ ما قال لاحد فقال سيحلفون بالله لكم اذا انقلبتم اليهم الى قوله فانّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين* قال كعب وكنا تخلفنا نحن الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه بذلك* قال الله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس الذى ذكر الله من تخلفنا التخلفنا عن الغزو وانما هو تخليفه ايانا وارجاؤه أمرنا وفى الاكتفاء ولكن لتخليفه ايانا وارجائه أمرنا عمن حلف له واعتذر اليه فقبل منه*
قصة اللعان
وفى هذه السنة كان اللعان وفى المواهب اللدنية ولما قدم رسول الله ﷺ من تبوك وجد عويمرا بزيادة الراء بعد الميم هو عويمر بن ابيض العجلانى الانصارى صاحب اللعان كذا فى أسد الغابة وفى المنتقى عويمر ابن الحارث العجلانى امرأته حبلى فلا عن ﵇ بينهما بعد العصر فى مسجده وقد كان قذفها بشريك بن سمحاء وعن ابن عباس لما نزلت والذين يرمون المحصنات الاية قرأها النبىّ ﷺ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدى الانصارى فقال جعلنى الله فداك ان رأى رجل منامع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسماه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا فكيف لنا بالشهداء ونحن اذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ وكان لعاصم هذا ابن عمّ
стр. 643
يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس فأتى عويمر عاصما وقال قد رأيت شريك بن السمحاء على بطن امرأتى خولة بنت قيس فاسترجع عاصم وأتى النبىّ ﷺ فى الجمعة الآخرى فقال يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذى سألت فى الجمعة الماضية فى أهل بيتى وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بنو عمّ لعاصم فدعا رسول الله ﷺ بهم جميعا قال لعويمر اتق الله فى زوجتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان فقال يا رسول الله أقسم بالله انى رأيت شريكا على بطنها وانى ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيرى فقال رسول الله ﷺ للمرأة اتقى الله ولا تخبرينى الا بما صنعت فقالت يا رسول الله ان عويمرا رجل غيور وانه رآنى وشريكا نطيل السهر ونتحدّث فحملته الغيرة على ما قال فقال رسول الله ﷺ لشريك ما تقول فقال مثل ما قالت المرأة فأنزل الله والذين يرمون أزواجهم الاية فأمر رسول الله ﷺ حتى نودى الصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر قم فقام فقال اشهد بالله انّ خولة لزانية وانى لمن الصادقين ثم قال فى الثانية أشهد بالله انى رأيت شريكا على بطنها وانى لمن الصادقين ثم قال فى الثالثة أشهد بالله بأنها حبلى من غيرى وانى لمن الصادقين ثم قال فى الرابعة أشهد بالله انى ما قربتها منذ أربعة أشهر وانى لمن الصادقين ثم قال فى الخامسة لعنة الله على عويمر يعنى نفسه ان كان من الكاذبين فيما قال ثم أمره بالقعود وقال لخولة قومى فقامت وقالت أشهد بالله ما أنا بزانية وانّ عويمرا لمن الكاذبين ثم قالت فى الثانية أشهد بالله أنه ما رأى شريكا على بطنى وانه لمن الكاذبين ثم قالت فى الثالثة أشهد بالله انى حبلى منه وانه لمن الكاذبين ثم قالت فى الرابعة أشهد بالله انه ما رآنى قط على فاحشة وانه لمن الكاذبين ثم قالت فى الخامسة أنّ غضب الله على خولة تعنى نفسها ان كان من الصادقين ففرّق ﷺ بينهما وقال لولا هذه الأيمان لكان فى أمرهما رأى ثم قال تربصوا بها الى حين الولادة فان جاءت بأصيهب أثيج يضرب الى السواد فهو لشريك بن السمحاء وان جاءت بأورق جعدا جماليا خدلج الساقين فهو لغير الذى رميت به* الا صيهب تصغير الاصهب وهو الاحمر الاثيج بالجيم تصغير الاثج وهو واسع الظهر وفى الصحاح الثج ما بين الكاهل الى الظهر يقال رجل جمالى وامرأة جمالية عظيم الخلق تشبيها بالجمل عظما وبدانة كذا فى الصحاح الخدلج العظيم الخدلجة المرأة الممتلئة الذراعين والساقين* قال ابن عباس فجاءت بأشبه خلق بشريك وفى رواية فلما فرغا قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله ان أمسكتها فطلقها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ انظروا فان جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الاليتين خدلج الساقين فلا أحسب عويمرا الاصدق عليها وان جاءت به أحيمر كأنه وجرة فلا أحسب عويمرا الا كذب عليها فجاءت به على النعت الذى نعته ﷺ من تصديق عويمر فكان بعد ذلك ينسب الى أمّه رواه محيى السنة*
اسلام ثقيف
وفى هذه السنة كان اسلام ثقيف فى الاكتفاء قدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك فى رمضان وقدم فى ذلك الشهر وفد ثقيف وكانت ثقيف بعد قتلهم عروة بن مسعود أقامت أشهرا ثم انهم ائتمروا بينهم ورأوا انهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا فمشى عمرو بن أمية أخو بنى علاج وكان من أدهى العرب الى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل داره وكان قبل مهاجرا له للذى بينهما ثم أرسل اليه أنّ عمرو بن أمية يقول لك اخرج الىّ فقال عبد ياليل للرّسول ويلك أعمر وأرسلك الىّ قال نعم وها هو ذا واقفا فى دارك قال انّ هذا شئ ما كنت أظنه لعمرو وكان أمنع فى نفسه من ذلك فخرج اليه فلما رآه رحب به فقال له عمرو انه قد نزل بنا ما ليست معه هجرة انه قد كان من هذا الرجل ما قد رأيت وقد أسلمت العرب كلها وليس لكم بحربهم طاقة فانظروا فى أمركم فعند ذلك ائتمرت ثقيف
стр. 644
بينها وقال بعضهم لبعض ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج لكم أحد الا اقتطع فائتمروا بينهم وأجمعوا أن يرسلوا الى رسول الله ﷺ كما أرسلوا عروة فكلموا عبد ياليل وكان سنّ عروة وعرضوا عليه ذلك فأبى أن يفعل وخشى أن يصنع به اذا رجع كما صنع بعروة فقال لست فاعلا حتى ترسلوا معى رجالا فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الاحلاف وثلاثة من بنى مالك فيكونون ستة فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب ومن بنى مالك عثمان بن أبى العاص وأوس بن عوف ونمير بن خرشة فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب القوم وصاحب أمرهم ولم يخرج بهم الا خشية من مثل ما صنعوا بعروة بن مسعود لكى يشغل كل رجل منهم اذا رجعوا الى الطائف رهطه فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى فى نوبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ وكانت رعيتها نوبا عليهم فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين وصار يشتد يبشر رسول الله ﷺ بقدومهم فلقيه أبو بكر الصدّيق قبل أن يدخل على رسول الله ﷺ فأخبره بقدومهم يريدون البيعة والاسلام وأن يشترطوا شروطا ويكتبوا من رسول الله ﷺ كتابا فقال أبو بكر للمغيرة رضى الله عنهما أقسمت عليك بالله لا تسبقنى الى رسول الله ﷺ حتى أكون أنا أحدّثه ففعل المغيرة فدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ فأخبره بذلك ثم خرج المغيرة الى أصحابه فروّح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ فلم يفعلوا الا بتحية الجاهلية ولما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبة فى ناحية مسجده كما يزعمون وكان خالد بن سعيد هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله ﷺ حين اكتتبوا كتابهم كتبه خالد بيده وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من رسول الله ﷺ حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم وقد كان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية وهى اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى ذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى وانما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الاسلام فأبى عليهم رسول الله ﷺ الا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدمانها وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال رسول الله ﷺ أما كسر أوثانكم فسنعفيكم منها وأما الصلاة فانه لا خير فى دين لا صلاة فيه فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله ﷺ أمّر عليهم عثمان بن أبى العاص وكان من أحدثهم سنا فقال أبو بكر لرسول الله ﷺ يا رسول الله انى قد رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه فى الاسلام وتعلم القرآن فحدث عثمان بن أبى العاص قال كان من آخر ما عهد الىّ رسول الله ﷺ حين بعثنى على ثقيف أن قال يا عثمان تجاوز فى صلاتك واقدر الناس بأضعفهم فانّ فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا راجعين الى بلادهم بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فى هدم الطاغية فحرجا مع القوم حتى اذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدّم أبا سفيان فأبى ذلك أبو سفيان وقال ادخل أنت على قومك وأقام أبو سفيان بماله بذى الهرم فلما دخل علاها يضربها بالمعول وقام دونه قومه بنو معتب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن* لتبكين دفاع* أسلمها الرضاع* لم يحسنوا المصاع* فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل الى أبى سفيان وحليها مجموع ومالها من
الذهب والجزع وقد كان أبو مليح بن عروة
стр. 645
وقارب بن الاسود قدما على رسول الله ﷺ قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريد ان فراق ثقيف وأن لا يجامعهم على شىء أبدا فأسلما فقال لهما رسول الله ﷺ توليا من شئتما فقالا لا نتولى الا الله ورسوله فقال رسول الله ﷺ وخالكما أبا سفيان بن حرب فقالا وخالنا أبا سفيان فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله ﷺ أبا سفيان والمغيرة الى هدم الطاغية سأل أبو مليح رسول الله ﷺ أن يقضى عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية فقال له رسول الله ﷺ نعم فقال له قارب بن الاسود وعن الاسود يا رسول الله فاقضه وعروة والاسود أخوان لأب وأمّ فقال رسول الله ﷺ انّ الاسود مات مشركا فقال قارب يا رسول الله لكن تصل مسلما ذا قرابة يعنى نفسه انما الدين علىّ وأنا الذى أطالب به فأمر رسول الله ﷺ أبا سفيان ان يقضى دين عروة والاسود من مال الطاغية فلما جمع المغيرة مالها ذكر أبا سفيان بذلك فقضى منه عنهما* هكذا ذكر ابن اسحاق اسلام أهل الطائف بعقب غزوة تبوك فى رمضان من سنة تسع قبل حج أبى بكر بالناس آخر تلك السنة وجعل ابن عقبة قدوم عروة على رسول الله ﷺ ومقتله فى قومه واسلام ثقيف كل ذلك بعد صدر أبى بكر رضى الله عنه من حجه وبين حديثه وحديث ابن اسحاق بعض اختلاف رأيت ذكر حديث ابن عقبة وان كان أكثره معادا لاجل ذلك الاختلاف ثم أذكر بعده حجة أبى بكر فى الموضع الذى ذكرها فيه ابن اسحاق* قال موسى ابن عقبة فلما صدر أبو بكر من حجه بالناس قدم عروة بن مسعود الثقفى على رسول الله ﷺ فأسلم ثم استأذن رسول الله ﷺ فى الرجوع الى قومه فقال له انى أخاف أن يقتلوك قال لو وجدونى نائما ما أيقظونى فأذن له فرجع الى الطائف وقدمها عشاء فجاءته ثقيف يسلمون عليه فدعاهم الى الاسلام ونصح لهم فاتهموه وأغصوه وأسمعوه من الاذى ما لم يكن يخشاه منهم فخرجوا من عنده حتى اذا سحر وسطع الفجر قام عروة على غرفة فى داره وتشهد فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله فقال رسول الله ﷺ لما بلغه قتله مثل عروة مثل صاحب يس دعا قومه الى الله فقتلوه وأقبل بعد قتله وفد من ثقيف بضعة عشر رجلاهم أشراف ثقيف وفيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم يومئذ وفيهم عثمان بن أبى العاص وهو أصغر القوم حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة يريدون الصلح حين رأوا أن قد فتحت مكة وأسلمت عامة العرب فقال المغيرة بن شعبة يا رسول الله أنزل علىّ قومى أكرمهم بذلك فانى الحازم فيهم قال لا أمنعك أن تكرم قومك ولكن تنزلهم حيث يسمعون القرآن ويرون الناس فأنزلهم رسول الله ﷺ فى المسجد وبنى لهم خياما لكى يستمعوا القرآن ويروا الناس اذا صلوا وكان رسول الله ﷺ اذا خطب لم يذكر نفسه فلما سمعه وفد ثقيف قالوا يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ﷺ ولا يشهد به فى خطبته فلما بلغه قولهم قال فانى أوّل من يشهد أنى رسول الله وكانوا يغدون على رسول الله ﷺ كل يوم ويخلفون عثمان بن أبى العاص على رحالهم لانه أصغرهم وكان عثمان كلما رجع الوفد اليه وقالوا بالهاجرة عمد الى رسول الله ﷺ وسأله عن الدين واستقرأه القرآن فاختلف اليه عثمان مرارا حتى فقه فى الدين وعلم وكان اذا وجد رسول الله ﷺ نائما عمد الى أبى بكر وكان يكتم ذلك من أصحابه فأعجب ذلك رسول الله ﷺ وأحبه ومكث الوفد يختلفون الى رسول الله ﷺ وهو يدعوهم الى الاسلام فقال له كنانة بن عبد ياليل هل أنت تقاضينا حتى نرجع الى قومنا ثم نرجع اليه فقال نعم ان أنتم أقررتم
بالاسلام قاضيتكم والا فلا قضية ولا صلح بينى وبينكم قالوا رأيت الزنا فانا قوم نغترب ولا بدّ لنا منه قال هو عليكم حرام فانّ الله تعالى يقول ولا تقربوا الزنا انه
стр. 646
كان فاحشة وساء سبيلا قالوا فالربا قال والربا قالوا انه أموالنا كلها قال فلكم رؤس أموالكم فقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين قالوا فالخمر فانها عصير أرضنا فلا بدّ لنا منها قال فانّ الله تعالى حرّمها فقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون فارتفع القوم وخلا بعضهم الى بعض فقالوا ويحكم انا نخاف ان خالفناه يوما كيوم مكة انطلقوا فأعطوه ما سأل وأجيبوه فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا لك ما سألت أرأيت الربة ماذا نصنع فيها قال اهدموها فقالوا هيهات لو تعلم الربة انا نريد هدمها لقتلت أهلنا فقال عمر ويحك يا ابن عبد ياليل ما أحمقك انما الربة حجر قال انا لم نأتك يا ابن الخطاب ثم قال يا رسول الله تول أنت هدمها فانا نخاف أن نهدمها فقال كنانة ائذن لنا قبل يا رسول الله ثم ابعث فى آثارنا فانى أعلم بقومى فأذن لهم رسول الله ﷺ وأكرمهم فقالوا يا رسول الله أمّر علينا رجلا يؤمّنا فأمّر عليهم عثمان بن ابى العاص لما رأى من حرصه على الاسلام وقد كان علم سورا من القرآن قبل أن يخرج* قال كنانة لاصحابه أنا أعلمكم بثقيف فاكتموهم اسلامكم وخوّفوهم الحرب والقتال وأخبروهم أنّ محمدا سألنا أمورا أبيناها عليه سألنا أن ن
هدم اللات ونبطل أموالنا فى الربا ونحرّم الخمر فخرجوا حتى اذا دنوا من الطائف خرجت اليهم ثقيف يتلقونهم فلما رأوهم قد ساروا العنق وقطروا الابل وتغشوا ثيابهم كهيئة القوم قد حربوا وكربوا قالت ثقيف بعضهم لبعض ما جاؤكم بخير فلما دخلوا حصنهم عمدوا اللات فجلسوا عندها واللات بيت كانوا يتعبدونه ويسترونه ويهدون له الهدى يضاهون به البيت الحرام ثم رجع كل واحد منهم الى أهله فجاء كل رجل حاميته من ثقيف فسألوه ماذا جئتم به قالوا أتينا رجلا فظا غليظا يأخذ من أمره ما شاء قد ظهر بالسيف وأداخ العرب ودان الناس له فعرض علينا أمورا شدادا هدم اللات وترك الاموال فى الربا الا رؤس أموالكم وحرّم الخمر والزنا قالت ثقيف والله لا نقبل هذا أبدا فقال الوفد أصلحوا السلاح وتهيئوا للقتال وشيدوا حصونكم ورمّوها أى عمروها فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة تريد القتال ثم ألقى الله الرعب فى قلوبهم فقالوا والله ما لنا به طاقة أداخ العرب كلها فارجعوا اليه فأعطوه ما سأل وصالحوا عليه فلما رأى الوفد أنهم قد رغبوا واختاروا الأمن على الخوف وعلى الحرب قالوا لهم انا قد فرغنا من ذلك قد قاضيناه وأسلمنا وأعطانا ما أحببنا واشترطنا ما أردنا ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لكم ولنا فى سفرنا ومسيرنا اليه وفيما قاضيناه عليه فقالت ثقيف فلم كتمتم علينا هذا الحديث وغممتمونا بذلك أشدّ الغمّ قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان فأسلموا مكانهم واستسلموا
هدم اللات
فمكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله ﷺ وقد أمّر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة فلما قدموا عليهم عمدوا اللات ليهدموها فتكفأت ثقيف كلها الرجال والنساء والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال وهم لا يرون أنها تهدم ويظنون أنها ستمنع فقام المغيرة بن شعبة فقال لاصحابه لا ضحكنكم من ثقيف فأخذ الكرزن فضرب به ثم أخذ يرتكض فارتج أهل الطائف بضجة واحدة وقالوا أبعد الله المغيرة قد قتلته الربة وفرحوا حين رأوه ساقطا وقالوا من شاء منكم فليقرب وليجهد على هدمها والله لا تستطاع أبدا فوثب المغيرة فقال قبحكم الله يا معشر ثقيف انما هى لكاع حجارة ومدر ثم ضرب الباب فكسره ثم علا على سورها وعلا الرجال معه فمازالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالارض وجعل صاحب المفاتيح يقول ليغضبن الاساس فليخسفن بهم فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد عنى أحفر أساسها فحفروها حتى أخرجوا ترابها وأخذوا حليها وثيابها فبهتت ثقيف وانصرف الوفد الى رسول الله صلى الله عليه
стр. 647
وسلم بحليها وكسوتها فقسمه رسول الله ﷺ من يومه وحمد الله على نصرة نبيه واعزاز دينه
*
كتاب ملوك حمير
وفى هذه السنة قدم على رسول الله ﷺ كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك سنة تسع وهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين وهمدان ومعافر ورسولهم اليه ﷺ مالك بن مرّة الرهاوى فى الصحاح القيل ملك من ملوك حمير دون الملك الاعظم* وفى القاموس أصله قيل كفيعل سمى به لانه يقول ما شاء فينفذ* وفى القاموس أيضا وذورعين ملك حمير ورعين كزبير حصن له أو جبل فيه حصن ومخلاف آخر باليمن قال الواقدى بعث زرعة ذى يزن الى رسول الله ﷺ مالك بن مرّة الرهاوى باسلام حمير ومفارقتهم الشرك وأهله وقد كان رسول الله ﷺ فى مسيره الى تبوك يقول انى بشرت بالكنزين فارس والروم وأمددت بالملوك ملوك حمير يأكلون فىء الله ويجاهدون فى سبيل الله فلما قدم مالك بن مرّة باسلامهم كتب اليهم* بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبىّ الى الحارث بن كلال والى نعيم بن كلال والى النعمان قيل ذى رعين ومعافر وهمدان أمّا بعد ذلكم فانى أحمد اليكم الله الذى لا اله الا هو أمّا بعد فانه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به وخبر ما قبلكم وأنبأنا باسلامكم وقتلكم المشركين وانّ الله قد هداكم بهداه ان أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله وسهم النبىّ ﷺ وصفيه وما كتب على المؤمنين من الصدقة وبين لهم صدقة الزرع والابل والبقر والغنم ثم قال فمن زاد خيرا فهو خير له ومن أدّى ذلك وأشهد على اسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فانه من المؤمنين له مالهم وعليه ما عليهم ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فانه لا يردّ عنها وعليه الحزية على كل حال ذكر أو أنثى حرّ أو عبد دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا فمن أدّى ذلك الى رسول الله ﷺ فان له ذمة الله وذمة رسوله ومن منعه فانه عدوّ لله ولرسوله أما بعد فانّ محمدا النبىّ أرسل الى زرعة ذى يزن أن اذا أتاكم رسلى فأوصيكم بهم خيرا معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرّة وأصحابهم واذا جمعوا عندكم من الصدقة أو الجزية من مخاليفكم فأبلغوها رسلى فان أميرهم ابن جبل فلا ينقلبن الا راضيا أمّا بعد فانّ محمدا يشهد أن لا اله الا الله وأنه عبده ورسوله ثم انّ مالك بن مرّة الرهاوى قد حدّثنى انك قد أسلمت من أوّل حمير وقتلت المشركين فأبشر بخبر وآمرك بحمير خيرا ولا تخاونوا و* لا تخاذلوا فانّ رسول الله ﷺ هو مولى غنيكم وفقيركم وانّ الصدقة لا تحلّ لمحمد ولا لأهل بيته انما هى زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل وان مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الطيب وآمركم به خيرا وانى قد أرسلت اليكم من صالحى أهلى وخيرتهم وأولى علمهم وآمركم بهم حيرا فانه منظور اليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته* فهذا ما ذكره ابن اسحاق من شأن ملوك حمير وما كتبوا به وكتب اليهم وذكر الواقدى أيضا نحوه ولا ذكر للمهاجرين أبى أمية فى شئ من ذلك الا أنّ ابن اسحاق والواقدى ذكرا أن قدوم رسول ملوك حمير على رسول الله ﷺ كان مقدمه من تبوك وذلك فى سنة تسع وتوجيه رسول الله ﷺ الرسل الى الملوك انما كان بعد انصرافه من الحديبية آخر سنة ست فلعلّ المهاجر والله أعلم كان توجهه حينئذ الى الحارث بن عبد كلال فصادف منه عامئذ تردّدا واستنظارا ثم جلا الله عنه العمى فيما بعد وآثره بهدايته فاستبان له القصد فعند ذلك أرسل هو وأصحابه باسلامهم الى رسول الله ﷺ وبذلك يجتمع الامران ويصح الخبران اذ لا خلاف بين أهل العلم بالاخبار والعناية بالسير أنّ ملوك حمير أسلموا وكتبوا باسلامهم
الى رسول الله ﷺ كما انه لا خلاف بينهم أيضا فى توجيه
стр. 648
المهاجرين أبى أمية المخزومى وهو شقيق أمّ سلمة زوج النبىّ ﷺ الى الحارث بن عبد كلال ويقول بعض من ذكر ذلك أنّ المهاجر لما قدم عليه قال له يا حارث انك كنت أوّل من عرض عليه النبىّ ﷺ نفسه فخطئت عنه وأنت أعظم الملوك قدرا فاذا نظرت فى غلبة الملوك فانظر فى غالب الملوك واذا سرّك يومك فخف غدك وقد كانت قبلك ملوك ذهبت آثارها وبقيت أخبارها عاشوا دهرا طويلا وأملوا أملا بعيدا وتزوّدوا قليلا منهم من أدركه الموت ومنهم من أكلته النقم وانى أدعوك الى الرب الذى ان أردت الهدى لم يمنعك وان أرادك لم يمنعك منه أحد وأدعوك الى النبىّ الأمىّ الذى ليس شئ أحسن مما يأمر به ولا أقبح مما ينهى عنه واعلم انّ لك ربا يميت الحىّ ويحيى الميت ويعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور فقال الحارث قد كان هذا النبىّ عرض علىّ نفسه فخطئت وقد كان ذخرا لمن صار اليه وكان أمره أمر اسبق فحصره اليأس وغاب عنه الطمع ولم تكن لى قرابة أحتمله عليها ولا لى فيه هوى أتبعه له غير أنى أرى أمرا لم يؤسسه الكذب ولم يسنده الباطل له بدء سارّ وعاقبة نافعة وسأنظر*
رجم الغامدية
وفى هذه السنة رجم رسول الله ﷺ المرأة الغامدية روى ان امرأة من غامد من أزد جاءت الى النبىّ ﷺ فقالت يا نبىّ الله انى قد زنيت وأنا أريد أن تطهرنى فقال لها النبىّ ﷺ ارجعى فلما كان من الغدأتته أيضا واعترفت عنده بالزنا كما قالت له أوّل يوم فقال لها النبىّ ﷺ ارجعى فلما كان من الغدأتته ايضا فاعترفت عنده بالزنا وقالت يا نبىّ الله طهرنى فلعلك تردّنى كما رددت ماعز بن مالك فو الله انى لحبلى من الزنا* وقصة ماعز بن مالك أنه جاء الى النبىّ ﷺ فقال يا رسول الله طهرنى فقال له النبىّ ﷺ ويحك ارجع فاستغفر الله وتب اليه فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرنى فقال له النبى ﷺ مثل ذلك حتى اذا كانت الرابعة قال له النبىّ ﷺ مم أطهرك قال من الزنا فقال رسول الله ﷺ أبه جنون فأخبر انه ليس بمجنون قال أشرب الخمر فقام رجل واستنكه فمه فلم يجد منه ريح خمر قط فقال أزنيت قال نعم* وعن ابن عباس أن النبىّ ﷺ قال له لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت قال لا قال أنكتها لا يكنى قال نعم فأمر برجمه فرجم فلبثوا يومين أو ثلاثة أيام ثم جاء رسول الله ﷺ فقال استغفروا لما عز بن مالك لقد تاب توبة لو قسمت بين أمّة محمد لوسعتهم* ولما قالت الغامدية انى لحبلى من الزنا قال لها النبىّ ﷺ ارجعى حتى تلدى فلما ولدت جاءت بالصبىّ تحمله فقالت يا نبىّ الله هذا الولد ولدته فقال لها اذهبى به فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته جاءت بالصبىّ فى يده كسرة خبز قالت يا نبىّ الله هذا فطمته فأمر النبىّ ﷺ بالصبىّ فدفع الى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها حفرة وجعلت فيها الى صدرها ثم أمر الناس أن يرجموها فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد فسبها فسمع النبىّ ﷺ سبه اياها فقال مهلا يا خالد لا تسبها فو الذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له فأمر بها فصلى عليها ودفنت*
وفاة النجاشى
وفى رجب هذه السنة توفى النجاشى* فى المغرب النجاشى ملك الحبشة بتخفيف الياء سماعا من الثقات وهو اختيار الفاريابى وعن صاحب التكملة بالتشديد وعن الغورى كلتا اللغتين وأما تشديد الجيم فخطأ واسمه أصحمة وهو الذى هاجر اليه المسلمون وأسلم وله الافعال الجميلة والاعانة للمسلمين فنعاه النبى ﷺ الى المسلمين وخرج الى المصلى وصف أصحابه خلفه وكبر عليه أربع تكبيرات* روى أنه رفع الحجاب حتى يراه الصحابة على سريره بالحبشة وهم بالمدينة* وروى انه لما مات النجاشى لا يزال يرى على قبره نور وقد مرّ فى الموطن السادس* وفى سيرة مغلطاى قد روى الصلاة على الغائب تسعة من الصحابة
стр. 649
أو هريرة وابن عباس وأنس وبريدة وزيد بن ثابت وعامر بن ربيعة وأبو قتادة وسهيل بن حنيف وعبيدة ابن الصامت وحديثه مرسل كذا قال السهيلى وزيد عليه يزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وأبو سعيد الخدرى وسعيد بن المسيب وان كان حديثه مرسلا فقد أسند*
وفاة أم كلثوم
وفى هذه السنة توفيت أمّ كلثوم ابنة رسول الله ﷺ كان أوّلا تزوّجها عتيبة بن أبى لهب قبل النبوّة فلما نزلت تبت يدا أبى لهب وتب قال له أبوه رأسى من رأسك حرام ان لم تطلق ابنته ففارقها ولم يكن دخل بها بعد وقد مرّ فى الباب الثالث فى السنة الخامسة والعشرين من المولد ولم تزل أم كلثوم بمكة مع رسول الله ﷺ ثم هاجرت الى المدينة فلما توفيت رقية خلف عليها عثمان أم كلثوم فى السنة الثالثة من الهجرة وماتت عنده فى هذه السنة التاسعة فغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب وأم عطية* روى انه لما توفيت أمّ كلثوم حزن عثمان حزنا شديدا قال ﷺ لو كانت عندى ثالثة لزوّجتكها يا عثمان وجلس ﷺ على قبرها وقال محمد بن عبد الرحمن بن زرارة رأيت عينيه تدمعان وقال ﷺ هل منكم أحد لم يقارف الليلة أهله فقال أبو طلحة أنا يا رسول الله فقال انزل يعنى وارها فنزل فى قبرها أبو طلحة*
وفاة ابن سلول
وفى هذه السنة مات عبد الله بن أبى بن الحارث بن عبيد المشهور بابن سلول امرأة من خزاعة وهى أمّ أبى بن مالك بن سالم بن غنم بن عمرو بن الخزرج كان عبد الله سيد الخزرج فى آخر جاهليتهم فقدم رسول الله ﷺ المدينة وقد جمعوا له خرزا يتوجّونه فحسد ابن أبى ابن سلول رسول الله ﷺ ونافق فاتضع شرفه وهو ابن خالة أبى عامر الراهب وكان لعبد الله بن أبى ابن اسمه عبد الله أيضا فأسلم وشهد بدرا وكان يغمه حال أبيه وتثقل عليه صحبة المنافقين فمرض ابن أبى عشرين يوما بعد أن رجع رسول الله ﷺ من تبوك ومات فى ذى القعدة وقد مرّ فى الموطن الخامس انه مات فى السنة الخامسة فأتاه النبىّ ﷺ فشهده وصلى عليه ووقف على قبره وعزى ابنه عليه عند القبر* وروى انه بعث عبد الله ابن أبى ابن سلول الى رسول الله ﷺ فى مرضه فلما دخل عليه قال أهلكك حب يهود قال يا رسول الله انى لم أبعث اليك لتؤذينى ولكنى بعثت اليك لتستغفرلى فسأله أن يكفنه فى قميصه ويصلى عليه* وروى انه لما مات ابن أبى دعى له رسول الله ﷺ ليصلى عليه فلما قام رسول الله ﷺ ليصلى عليه وثب اليه عمر وقال يا رسول الله أتصلى على ابن أبى وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا وعدّد قوله فتبسم له رسول الله ﷺ وقال أخر عنى يا عمر فلما أكثر عليه قال انى خيرت فاخترت ولو أعلم أنى ان زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف فلم يمكث الا يسيرا حتى نزلت الايتان من براءة ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره الى قوله وهم فاسقون قال عمر فعجبت من جراءتى على رسول الله ﷺ يومئذ والله ورسوله أعلم* وعن جابر بن عبد الله قال أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبى بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضع على ركبتيه ونفث فيه من ريقه وألبسه قميصه وكان كسا عباسا قميصا* وعن أبى هريرة كان على رسول الله ﷺ قميصان فقال له ابن عبد الله يا رسول الله ألبسه قميصك الذى يلى جسدك* وعن جابر قال لما كان يوم بدر وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فوجدوا قميص عبد الله بن أبى يقدر عليه كساه النبىّ ﷺ اياه فلذلك نزع النبىّ ﷺ قميصه الذى لبسه وألبسه له* وقال ابن عيينة كانت له عند النبىّ ﷺ يد وأحب أن يكافئه* وروى ان النبىّ ﷺ كلمه أصحابه فيما فعل لعبد الله بن أبى فقال رسول الله ﷺ وما يغنى عنه قميصى وصلاتى والله انى كنت أرجو أن يسلم به ألف من
стр. 650
قومه وكان كما رجا ﷺ فان الخزرج لما رأوه عند وفاته يستشفى بثوب رسول الله ﷺ أسلم ألف رجل منهم*
حج أبى بكر بالناس
وفى ذى القعدة الحرام من هذه السنة على القول الاصح حج أبو بكر ذكره ابن سعد وغيره بسند صحيح عن مجاهد ووافقه عكرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم فى الاكليل وقال قوم فى ذى الحجة الحرام وبه قال الداودى والثعلبى والماوردى ومحمد بن سعد ويؤيده ان ابن اسحاق صرّح بأن النبىّ ﷺ أقام بعد ما رجع من تبوك رمضان وشوّالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر على الحج فهو ظاهر فى أن بعث أبى بكر كان بعد انسلاخ ذى القعدة فيكون حجه فى ذى الحجة على هذا والله أعلم ثم حج رسول الله ﷺ فى العام القابل فى ذى الحجة فذلك حين قال رسول الله ﷺ ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض وذلك ان العرب كانوا يستعملون النسىء فيؤخرون الحج الى صفر ثم كذلك حتى تتدافع الشهور فيستدير التحريم على السنة كلها وقد مرّ فى الركن الاوّل فى تاريخ مولده ﷺ * وفى أنوار التنزيل النسىء تأخير حرمة الشهر الى شهر آخر كانوا اذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر حتى رفضوا خصوص الشهر واعتبروا مجرّد العدد ولما استعمل رسول الله ﷺ أبا بكر على الحج خرج فى ثلثمائة رجل من المدينة وبعث معه رسول الله ﷺ عشرين بدنة فلما كان بالعرج لحقه على بن أبى طالب* روى النسائى عن جابر ان النبىّ ﷺ بعث أبا بكر على الحج فأقبلنا معه حتى اذا كنا بالعرج ثوّب بالصبح فلما استوى للتكبير سمع الرغوة خلف ظهره فوقف عن التكبير وقال هذه رغوة ناقة رسول الله ﷺ الجذعاء لقد بدا لرسول ﷺ فى الحج فلعله أن يكون رسول الله ﷺ فنصلى معه فاذا علىّ عليها فقال أبو بكر أمير أم رسول قال لا بل رسول أرسلنى رسول الله ﷺ ببراءة أقرأها على الناس فى موقف الحج* وفى الاكتفاء بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم ونزلت بعد بعثه اياه سورة براءة فى نقض ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذى كانوا عليه فيما بينهم وبينه أن لا يصدّ عن البيت أحد جاءه ولا يخاف أحد فى الشهر الحرام وكان ذلك عهدا عامّا بينه وبين أهل الشرك وكان بين ذلك عهود خصائص بينه وبين قبائل العرب الى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عن تبوك وفى قول من قال منهم فكشف الله سرائر قوم كانوا يستخفون بغير ما يظهرون فقيل لرسول الله ﷺ لو بعثت بها الى أبى بكر فقال لا يؤدّى عنى الا رجل من أهل بيتى ثم دعا بعلى بن أبى طالب فقال اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن فى الناس بالحج يوم النحر اذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو الى مدّته فخرج علىّ رضى الله عنه على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر الصدّيق فى الطريق فلما رآه أبو بكر قال أمير أو مأمور قال بل مأمور فمضيا حتى قدما مكة فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدّثهم عن مناسكهم حتى اذا فرغ قام علىّ فقرأ على الناس البراءة التى أرسلها معه رسول الله ﷺ حتى ختمها* وفى الوفاء فمضى أبو بكر فحج بالناس* وفى الاكتفاء فأقام أبو بكر للناس الحج والعرب فى تلك السنة على منازلهم من الحج التى كانوا عليها فى زمن الجاهلية حتى اذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن فى الناس بالذى أمره به رسول الله ﷺ وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيه ليرجع كل قوم الى مأمنهم وبلادهم ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة الا أحد كان له
стр. 651
عند رسول الله ﷺ عهد انى مدّة فهو الى مدّته فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان وكانت البراءة تسمى فى عهد رسول الله ﷺ المبعثرة لما كشفت من سرائر الناس ثم رجعا اى أبو بكر وعلى قافلين الى المدينة* وفى هذه السنة قتلت فارس ملكهم شهريار ابو شيرويه وملكوا عليهم بوران بنت كسرى كذا فى مورد اللطافة والله أعلم
*
(الموطن العاشر فى حوادث السنة العاشرة من الهجرة
من قدوم عدى بن حاتم وبعث أبى موسى الاشعرى ومعاذ بن جبل الى اليمن وبعث خالد بن الوليد الى بنى الحارث بن كعب بنجران وبعث على بن أبى طالب بعد ذلك الى اليمن وبعث جرير بن عبد الله البجلى الى تخريب ذى الخاصة وبعث جرير بن عبد الله ايضا الى ذى الكلاع وسيجيئان فى الخاتمة فى ذكر الوفود وقصة بديل وتميم الدارى ووفاة ابراهيم ابن النبىّ ﷺ وانكساف الشمس وطلوع جبريل مجلس النبىّ ﷺ وقدوم فيروز الديلمى واسلام فروة بن عمرو الجذامى وخروج النبىّ ﷺ من المدينة للحج واتيان صبىّ فى حجة الوداع وموت باذان ونزول آية الاستئذان) *
* وفى اول هذه السنة قدم عدى بن حاتم على ما فى الوفاء وفى بعض كتب السير أورد قدومه فى شعبان سنة تسع وسيجىء فى الخاتمة*
بعث أبى موسى الاشعرى الى اليمن
وفى هذه السنة بعث أبا موسى الاشعرى ومعاذ بن جبل الى اليمن قبل حجة الوداع عند انصرافه من تبوك فى ربيع الاوّل كلا على مخلاف منه وهو مخلا فان ثم قال يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وطاوعا ولا تخالفا* المخلاف بكسر الميم وسكون المعجمة وآخره فاء بلغة أهل اليمن السكورة والاقليم والرستاق وكانت جهة معاذ العليا الى صوب عدن وكان من عمله الجند بفتح الجيم والنون وله بها مسجد مشهور وكانت جهة أبى موسى السفلى كذا فى المواهب اللدنية وفى رواية بعث معاذ بن جبل لاهل البلدين اليمن وحضر موت*
(ذكر معاذ بن جبل)
* فى الصفوة معاذ بن جبل بن أوس ويكنى أبا عبد الرحمن أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة وشهد العقبة مع السبعين وبدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وأردفه وراءه وبعثه الى اليمن بعد غزوة تبوك وشيعه ماشيا وهو راكب وسيجىء قريبا صفته* عن الواقدى عن أشياخه قالوا كان معاذ رجلا طويلا أبيض حسن الشعر عظيم العينين مجموع الحاجبين جعدا قططا وقال غيره أكحل العينين براق الثنايا اذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ وله من الولد عبد الرحمن وأمّ عبد الله وولد آخر لم يذكر اسمه* وفى المنتقى عن ابن عمر لما أراد النبىّ ﷺ أن يبعث معاذ بن جبل الى اليمن صلى صلاة الغداة ثم أقبل علينا بوجهه فقال يا معشر المهاجرين والانصار أيكم ينتدب الى اليمن فقال أبو بكر بن أبى قحافة أنا يا رسول الله قال فسكت عنه فلم يجبه ثم قال يا معشر المهاجرين والانصار ايكم ينتدب الى اليمن فقام عمر بن الخطاب فقال أنا يا رسول الله فسكت عنه فلم يجبه ثم قال يا معشر المهاجرين والانصار أيكم ينتدب الى اليمن فقام معاذ بن جبل فقال أنا يا رسول الله فقال له أنت يا معاذ وهى لك يا بلال ائتنى بعما متى فعمم بها رأسه وشدّ له على راحلته وشيعه رسول الله ﷺ ومن كان معه من المهاجرين والانصار وفتاء الناس من قريش وغيرهم ممن شاء الله ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشى الى جنبه يوصيه فقال معاذ يا رسول الله أنا راكب وأنت تمشى ألا أنزل فأمشى معك ومع أصحابك فقال يا معاذ انما أحتسب خطاى هذه فى سبيل الله قال فأوصاه بوصايا ثم قال يا معاذ لو أنا نلتقى بعد يومنا هذا لقصرت اليك فى الوصية ولكنا لا نلتقى الى يوم القيامة*
وصيته ﵇ لمعاذ
وفى رواية قال يا معاذ لا تلقانى بعد عامى هذا ولعلك تمرّ بمسجدى وقبرى فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله ﷺ ثم التفت فأقبل بوجه نحو المدينة فقال ان أولى الناس بى المتقون من كانوا
стр. 652
وحيث كانوا رواه أحمد* وفى رواية قال يا معاذ انك تقدم على قوم أهل كتاب وانهم سائلوك عن مفاتيح الجنة فأخبرهم ان مفاتيح الجنة لا اله الا الله وانها تخرق كل شئ حتى تنتهى الى الله ولا تحجب دونه من جاء بها يوم القيامة مخلصا رجحت بكل ذنب فقال معاذ أرأيت ما سئلت عنه واختصم الىّ فيه مما ليس فى كتاب ولم أسمع منك عنه فقال تواضع لله يرفعك الله ولا تقضين الا بعلم فان أشكل عليك أمر فسل ولا تستحى واستشر ثم اجتهد فان الله ان يعلم منك الصدق يوفقك فان التبس عليك فقف حتى تثبته أو تكتب الىّ فيه واحذر الهوى فانه قائد الاشقياء الى النار وعليك بالرفق* وعن معاذ بن جبل ان رسول الله ﷺ لما بعثه الى اليمن قال كيف تقضى اذا عرض لك قضاء قال أقضى بكتاب الله قال فان لم تجد فى كتاب الله قال فبسنة رسول الله قال فان لم تجد فى سنة رسول الله قال أجتهد رأيى ولا آلو قال فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله رواه الترمذى وأبو داود والدارمى كذا فى المشكاة* وعن ابن عباس بعث معاذا الى اليمن فقال انك تأتى قوما أهل كتاب فادعهم الى شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله فان هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم ان الله قد فرض عليهم خمس صلوات فى اليوم والليلة فان هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم ان الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ فى فقرائهم فان هم أطاعوا لك بذلك فاياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب رواه البخارى كذا فى المواهب اللدنية* قال ثم ودّعه وانصرف ومضى معاذ حتى أتى صنعاء اليمن فصعد على منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبىّ ﷺ ثم قرأ عليهم عهد رسول الله ﷺ ثم نزل فأتاه صناديد صنعاء فقالوا يا معاذ هذا نزل قد هيأنا لك ومنزل قد فرغنا لك فقال معاذ ما بهذا أوصانى حبيبى رسول الله ﷺ قال فمكث معاذ بن جبل أربعة عشر شهرا فبينما هو ذات ليلة على فراشه اذا هو بهاتف يهتف به عند رأسه ويقول له يا معاذ كيف يهنأ لك العيش ومحمد ﷺ فى سكرات الموت فوثب معاذ فزعا ما ظنّ الا أن القيامة قد قامت فلما رأى السماء مصحية والنجوم ظاهرة استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ثم نودى فى الليلة الثانية يا معاذ كيف يهنأ لك العيش ومحمد بين أطباق التراب فوثب معاذ ووضع يده على أم رأسه وجعل ينادى بأعلى صوته يا محمداه يا محمداه فخرج العواتق من النساء والشباب من الرجال فجعلوا يقولون ما الذى جاءك وما الذى دهاك فجعل يبكى وينادى بأعلى صوته يا محمداه حتى أصبح فلما أصبح شدّ على راحلته فأخذ جرابا فيه سويق وأخذ أداوة من ماء ثم قال لا أنزل عن ناقتى هذه ان شاء الله الا لوقت صلاة أو لوقت قضاء حاجة حتى اذا كان على ثلاث مراحل من المدينة فاذا هو بهاتف يهتف عن يسار الطريق وهو يقول يا محمداه فعلم معاذ بأن محمدا قد ذاق الموت وفارق الدنيا فقال معاذ أيها الهاتف فى هذا الليل الغاوى من أنت يرحمك الله فقال له أنا عمار بن ياسر فقال له معاذ وأين تريد يرحمك الله فقال ان معى كتابا من أبى بكر الصدّيق الى معاذ بن جبل باليمن يعلمه بأن محمدا قد ذاق الموت وفارق الدنيا قال له فان كان محمد قد فارق الدنيا فمن للارامل واليتامى والضعفاء من بعده ﷺ ثم سار وهو يقول يا عمار كيف تركت أصحاب محمد قال يا معاذ تركتهم كالغنم لا راعى لها ثم قال يا عمار كيف تركت المدينة قال تركتها وهى على أهلها أضيق من الخاتم قال فوضع معاذ يده على أمّ رأسه وجعل يبكى ويقول يا محمداه يا محمداه حتى ورد المدينة نصف الليل وستجىء وفاة معاذ فى الخاتمة فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه وأرضاه
*
ذكر أبى موسى الاشعرى
ذكر أبى موسى الاشعرى رضى الله عنه* فى الصفوة أبو موسى الاشعرى عبد الله بن قيس بن سليم أسلم بمكة وهاجر الى أرض الحبشة ثم قدم مع أهل السفينتين
стр. 653
ورسول الله ﷺ بخيبر وبعضهم ينكر هجرته الى الحبشة وعن أبى موسى الاشعرى ان رسول الله ﷺ بعثه ومعاذا الى اليمن وأمرهما أن يعلما الناس القرآن وقد صح حديث أبى موسى قال قال رسول الله ﷺ لو رأيتنى وأنا أسمع قراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود فقلت يا رسول الله لو علمت انك تسمع قراءتى لحبرته لك تحبيرا وكان عمر بن الخطاب يقول لابى موسى الاشعرى ذكرنا ربنا تعالى فيقرأ* عن ابى عثمان النهدى قال صلى لنا أبو موسى الاشعرى صلاة الصبح فما سمعت صوت صنج ولا بربط كان أحسن من صوته وستجىء وفاته فى الخاتمة فى خلافة معاوية*
بعث خالد بن الوليد الى عبد المدان بنجران
وفى هذه السنة أرسل خالد بن الوليد قبل حجة الوداع أيضا فى ربيع الاوّل سنة عشرو فى الاكليل فى ربيع الاخر وفى المنتقى فى ربيع الاخر أو جمادى الاولى الى عبد المدان قبيلة بنجران وأمره أن يدعوهم الى الاسلام فأسلموا كذا فى المواهب اللدنية* وفى رواية الى بنى الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم الى الاسلام ثلاثا قبل أن يقاتلهم فان أجابوا فاقبل منهم وأقم فيهم وعلمهم كتاب الله وسنة نبيه فأسلم ناس ودخلوا فيما دعاهم اليه وأقام خالد فيهم يعلمهم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه ثم كتب خالد بن الوليد الى رسول الله ﷺ * بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد رسول الله ﷺ من خالد بن الوليد السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فانى أحمد اليك الله الذى لا اله الا هو أما بعد يا رسول الله فانك بعثتنى الى بنى الحارث بن كعب وأمرتنى اذا أتيتهم لا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم الى الاسلام فان أسلموا قبلت منهم وانى قدمت عليهم ودعوتهم الى الاسلام فأسلموا فأنا مقيم فيهم أعلمهم معالم الاسلام* فكتب رسول الله ﷺ * من محمد رسول الله الى خالد بن الوليد سلام عليك فانى أحمد اليك الله الذى لا اله الا هو أما بعد فان كتابك جاءنى مع رسولك يخبر بأن بنى الحارث قد أسلموا قبل أن تقاتلهم فبشرهم وأنذرهم وأقبل معهم وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته* فأقبل خالد بن الوليد الى رسول الله ﷺ معه وفد بنى الحارث بن كعب فيهم قيس ابن الحصين فسلموا عليه وقالوا نشهد انك رسول الله وأن لا اله الا الله فقال رسول الله ﷺ وأنا أشهد أن لا اله الا الله وانى رسول الله وأمر عليهم قيسا فلم يلبثوا فى قومهم أربعة أشهر حتى توفى رسول الله وكان رسول الله ﷺ بعث الى بنى الحارث بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم الانصارى ليفقههم ويعلمهم السنة ومعالم الاسلام ويأخذ منهم صدقاتهم فتوفى رسول الله ﷺ وعمرو بن حزم عامله على وفد نجران كذا فى المنتقى*
بعث على بن أبى طالب الى اليمن
وفى رمضان هذه السنة بعث رسول الله ﷺ على بن أبى طالب الى اليمن وعقد له لواء وعممه بيده وأخرج أبو داود وأحمد والترمذى من حديث علىّ قال بعثنى النبىّ ﷺ الى اليمن فقلت يا رسول الله تبعثنى الى قوم أسنّ منى وأنا حديث السن لا أبصر القضاء قال فوضع يده فى صدرى وقال اللهمّ ثبت لسانه واهد قلبه وقال يا على اذا جلس اليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الاخر الحديث فخرج علىّ فى ثلثمائة فارس ففرق أصحابه فأتوا بنهب وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك ثم لقى جمعهم فدعاهم الى الاسلام فأبوا ورموا بالنبل حتى حمل عليهم علىّ وأصحابه فقتل منهم عشرين رجلا فتفرّقوا وانهزموا فكف عن طلبهم ثم دعاهم الى الاسلام فأسرعوا وأجابوا وبايعه نفر من رؤسائهم على الاسلام ثم قفل فوافى النبىّ ﷺ بمكة قد قدمها للحج سنة عشر* وفى رواية لما وجه ﷺ عليا الى اليمن عقد له لواء وعممه بيده وأرخى طرفها من قدّامه نحو ذراع ومن خلفه قيد شبر وكان كعب الاحبار اذ ذاك باليمن فلقيه* وفى الاصل الاصيل فى تحريم النقل من التوراة والانجيل للسخاوى قال ذكر الواقدى
стр. 654
قال حدّثنى اسحاق بن عبد الله بن نسطاس عن عمر بن عبد الله العنسى* قال قال كعب الاحبار لما قدم علىّ اليمن لقيته فقلت له اخبرنى عن صفة رسول الله ﷺ فجعل يخبرنى عنها وجعلت أتبسم فقال لى مم تتبسم قلت مما يوافق ما عندنا فى صفته وقلت ما يحلّ وما يحرّم فاخبرنى فقلت هو عندنا كما وصفت وصدّقت برسول الله ﷺ وآمنت به ودعوت من قبلنا من الاحبار وأخرجت اليهم سفرا قلت هذا كان أبى يختمه علىّ ويقول لا تفتحه حتى تسمع بنبى يخرج بيثرب قال فأقمت على اسلامى باليمن حتى توفى رسول الله ﷺ وتوفى أبو بكر فقدمت فى خلافة عمر يا ليت انى كنت تقدّمت فى الهجرة* وعن سعيد بن المسيب قال قال العباس لكعب الاحبار ما منعك أن تسلم على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر قال كعب ان أبى قد كتب لى كتابا من التوراة ودفعه الىّ وقال لى اعمل بهذا وختم على سائر كتبه وأخذ علىّ ميثاقا وقال لى بحق الوالد على ولده ان لا أفض الخاتم فلما كان الان ورأيت الاسلام يظهر ولم أر بأسا قالت لى نفسى لعل أباك غيب عنك علما وكتمه عنك ففضضته فوجدت فيه صفة النبىّ ﷺ وأمته فجئت الان مسلما فوالى العباس وقيل المشهوران اسلام كعب كان فى الشام فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه* وفى رواية بعث النبىّ ﷺ خالد بن الوليد فى جماعة الى اليمن ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه وقال له مر أصحاب خالد من شاء أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقفل قال البراء كنت فيمن عقب معه فغنمت أواقى ذوات عدد* وفى ذخائر العقبى فى ذكر اسلام همدان على يد على بن أبى طالب عن البراء بن عازب قال بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد الى اليمن يدعوهم الى الاسلام وكنت فيمن سار معه فأقام عليهم ستة أشهر لا يجيبونه الى شئ فبعث النبىّ ﷺ على بن أبى طالب وأمر أن يرسل خالدا ومن معه الا من أراد البقاء مع علىّ فيتركه فكنت فيمن بقى مع على فلما انتهينا الى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر فجمعوا له فصلى بنا الفجر فلما فرغ صفنا صفا واحدا ثم تقدّم بين أيدينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان كلها فى يوم واحد وكتب بذلك كتابا الى رسول الله ﷺ فلما قرأ كتابه خرّ ساجدا لله وقال السلام على همدان مرّتين أخرجه أبو عمرو
* بعث جرير بن عبد الله الى ذى الكلاع
وفى هذه السنة بعث جرير بن عبد الله البجلى الى تخريب ذى الخلصة وسيجىء فى الفصل الاوّل من الخاتمة فى ذكر الوفود* وفى هذه السنة بعث جرير بن عبد الله البجلى الى ذى الكلاع بن باكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع فأسلم وأسلمت امرأته صريمة بنت أبرهة بن الصباح واسم ذى الكلاع سميفع وفى القاموس سميفع كسميدع وقد يضم سينه بن باكور ذو الكلاع الاصغر روى عن الاصمعى أنه قال كاتب رسول الله ﷺ ذا الكلاع من ملوك الطوائف على يد جرير بن عبد الله البجلى يدعوه الى الاسلام وكان قد استعلى أمره حتى ادّعى الربوبية فأطيع وتوفى النبىّ ﷺ ثم وفد ذو الكلاع فى خلافة عمر ومعه ثمانية آلاف عبد فأسلم على يده وأعتق من عبيده أربعة آلاف ثم قال عمر يا ذا الكلاع يعنى ما بقى عندك من عبيدك أعطك ثلث أثمانهم ههنا وثلثا باليمن وثلثا بالشام فقال أجلنى يومى حتى أفكر فيما قلت ومضى الى منزله فأعتقهم جميعا فلما غدا على عمر قال له ما رأيك فيما قلت لك فى عبيدك قال قد اختار الله لى ولهم خيرا مما رأيت قال وما هو قال هم أحرار لوجه الله تعالى قال أصبت يا ذا الكلاع قال يا أمير المؤمنين لى ذنب ما أظنّ الله تعالى يغفره لى قال وما هو قال تواريت يوما ممن يتعبدنى ثم أشرفت عليهم من مكان عال فسجدلى زها مائة ألف انسان فقال عمر التوبة باخلاص والانابة باقلاع يرجى بهما مع رأفة الله عز وجل
стр. 655
الغفران* وفى رواية أعتق ذو الكلاع اثنى عشر ألف بيت وقتل ذو الكلاع بصفين*
بعث أبى عبيدة بن الجرّاح الى أهل نجران
وفى هذه السنة بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة عامر بن الجرّاح الى أهل نجران لما طلبوا رجلا أمينا وقال هذا أمين هذه الامة وسيجىء تمامه فى الفصل الاوّل فى الخاتمة وسيجىء موته وبعض أحواله فى الفصل الثانى منها فى خلافة عمر بن الخطاب*
قصة بديل وتميم الدارى
وفى هذه السنة خرج بديل بن أبى مارية مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين فى تجارة الى الشام مع تميم الدارى وعدى بن بدأ وكانا نصرانيين فمرض بديل وكتب وصيته فى صحيفة وطرحها فى متاعه ولم يخبر بها صاحبيه وأوصى اليهما أن يدفعا متاعه الى أهله فمات بأرض ليس بها مسلم ففتشا متاعه وأخذا اناء من فضة منقوشا بالذهب فيه ثلثمائة مثقال فضة فغيباه فلما قدما المدينة بتركته أصاب أهل بديل الصحيفة وفقدوا الاناء فطالبوهما بالاناء فجحدا وترافعوا الى النبىّ ﷺ فاستحلفهما رسول الله ﷺ بعد العصر عند المنبر فحلفا ثم وجد الاناء بمكة فقالوا اشتريناه من عدى وتميم فلما ظهرت خيانتهما قام رجلان من ورثة بديل وهما عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبى وداعة فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما أى ليميننا أحق بالقبول من يمين هذين الوصيين الخائنين فاستحقا الاناء وفيهم نزلت يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت الاية*
وفاة ابراهيم ابن رسول الله ﵇
وفى هذه السنة العاشرة من الهجرة يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من ربيع الاوّل توفى ابراهيم ابن رسول الله ﷺ وكان ولد فى ذى الحجة من السنة الثامنة من الهجرة ودفن بالبقيع* روى أنه لما توفى قال رسول الله ﷺ ان ابراهيم ابنى وانه مات فى الثدى وان له لظئرين يكملان رضاعه فى الجنة وعن البراء ابن عازب أنّ رسول الله ﷺ صلى على ابنه ابراهيم ومات وهو ابن ستة عشر شهرا وثمانية أيام* وفى صحيح البخارى توفى ابراهيم ابن النبىّ ﷺ وله سبعة عشر أو ثمانية عشر شهرا* وفى الوفاء وسنه عام ونصف وستة أيام وقيل عام وثلث وفيما ذكره أبو داود توفى وله سبعون يوما فى ربيع الاوّل يوم الثلاثاء لعشر خلون منه كذا فى المواهب اللدنية وقال ان له لظئرا تتمّ له رضاعه فى الجنة* وفى رواية ابن ماجه ان له مرضعا فى الجنة كذا فى المواهب اللدنية ولما مات غسله الفضل بن عباس ورسول الله ﷺ والعباس جالسان ثم حمل على سرير صغير وصلى الله عليه وسلم بالبقيع وقال يدفن عند فرطنا عثمان بن مظعون* وروى عن عائشة أنها قالت دفنه ﵇ ولم يصل عليه يحتمل أن يكون لم يصل عليه بنفسه وأمر أصحابه أن يصلوا عليه فى جماعة* وروى ان الذى غسله أبو بردة وروى انه الفضل بن العباس ولعلهما اجتمعا عليه ونزل قبره الفضل وأسامة والنبىّ ﷺ جلس على شفير القبر والعباس جالس على جنبه ورش قبره وعلم بعلامة قال الزبير وهو أوّل قبر رش* وقد روى من حديث أنس بن مالك انه قال لو بقى يعنى ابراهيم ابن النبىّ ﷺ لكان نبيا ولكن لم يبق لان نبيكم آخر الانبياء أخرجه أبو عمرو* وقال الطبرى وهذا انما يقوله أنس عن توقيف يخص ابراهيم والا فلا يلزم أن يكون ابن النبىّ نبيا بدليل ابن نوح* وعن أنس قال كان ابراهيم قد ملأ المهد ولو بقى لكان نبيا وعن البخارى من طريق محمد بن بشر عن اسماعيل بن أبى خالد قال قلت لعبد الله بن أبى أوفى رأيت ابراهيم ابن النبىّ ﷺ قال مات صغيرا ولو قضى بعد محمد نبى عاش ابنه ابراهيم ولكن لا نبىّ بعده كذا فى المواهب اللدنية*
كسوف الشمس
وفى هذه السنة انكسفت الشمس يوم مات ابراهيم فقال الناس انما كسفت لموت ابراهيم فقال النبىّ ﷺ ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته رواه الشيخان وزاد فى رواية
стр. 656
اذا رأيتموهما فعليكم بالدعاء حتى يكشفا قيل ان الغالب ان الكسوف يكون يوم الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين فانكسفت الشمس يوم موت ابراهيم فى العاشر فلذلك قالوا ابها كسفت لموته
*
طلوع جبريل مجلس النبى فى صورة رجل
وفى هذه السنة طلع جبريل مجلس النبىّ ﷺ فى صورة رحل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر طيب الرائحة حسن الوجه رآه حضار المجلس لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد فتعجبوا من حاله فلما دنا قال السلام عليك يا رسول الله فردّ النبىّ ﵇ فجاء حتى جلس الى النبىّ ﷺ وأسند ركبتيه الى ركبتيه ووضع يديه على فخذيه وسأل عن الايمان والاسلام والاحسان والقيامة وأماراتها فأجابه النبىّ ﷺ عن غير القيامة وقال له ما المسئول عنها بأعلم من السائل فخرج جبريل من المجلس فأمر النبىّ ﷺ أن يطلبوه فما وجدوه فقال النبىّ ﷺ أتدرون من السائل قالوا الله ورسوله اعلم فقال لهم انه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم وكان كلما يأتيه يعرفه فى أى صورة كان الا هذه المرة ولما غاب علم انه جبريل ﵊ وفى رواية قال لعمر بن الخطاب بعد ثلاثة أيام أتدرى من السائل قال الله ورسوله أعلم قال انه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم*
قدم فيروز الديلمى إلى المدينة
وفى هذه السنة قدم فيروز الديلمى المدينة فأسلم وهو الذى قتل الاسود العنسى الكذاب المتنبى قتله فى السنة الحادية عشر من الهجرة وسيجىء فى الموطن الحادى عشر وفى هذه السنة أسلم فروة بن عمر والجذامى ثم النفاثى* وفى الاكتفاء ذكر الواقدى باسناد له ان فروة ابن عمرو هذا كان عاملا لقيصر على عمان من أرض البلقاء وفى كتاب ابن اسحاق على معان وما حولها من أرض الشام وكان رسول الله ﷺ كتب الى هرقل والى الحارث بن أبى شمر ولم يكتب اليه* وفى المواهب اللدنية بعث اليه يدعوه الى الاسلام انتهى فأسلم فروة وكتب الى رسول الله ﷺ باسلامه وبعث من عنده رسولا يقال له مسعود بن سعد من قومه بكتاب مختوم فيه* بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد رسول الله النبىّ انى مقرّ بالاسلام مصدّق به وأنا أشهد أن لا اله الا الله وأشهد ان محمدا عبده ورسوله وانه الذى بشربه عيسى ابن مريم والسلام عليك ثم بعث مع الرسول بغلة بيضاء يقال لها فضة وحمارة يقال لها يعفور وفرسا يقال لها الظرب وبعث بأثواب من لين وقباء من سندس مخوّص بالذهب فقدم الرسول ودفع الكتاب الى رسول الله ﷺ فاقترأه وأمر بلالا أن ينزله ويكرمه فلما أراد الخروج كتب اليه رسول الله ﷺ جواب كتابه* من محمد رسول الله الى فروة بن عمرو سلام عليك فانى أحمد اليك الله الذى لا اله الا هو أما بعد فانه قدم علينا رسولك بكتابك فبلغ ما أرسلت به وخبر عما قبلك وأنبأنا باسلامك وان الله قد هداك بهداه الى دين الاسلام فان أنت أصلحت وأطعت الله ورسوله وأقمت الصلاة وآتيت الزكاة دخلت الجنة والسلام عليك* ولما بلغ قيصر اسلام فروة بن عمرو بعث اليه وحبسه ولما طال سجنه أرسلوا اليه أن ارجع الى دينك ونعيد اليك ملكك فقال لا أفارق دين محمد أبدا أما انك تعرف انه رسول الله بشربه عيسى ابن مريم ولكنك ضننت بملك وأحببت بقاءه قال قيصر صدق والانجيل وذكر الواقدى انه مات فى ذلك الحبس فلما مات صلبوه قال ابن اسحاق انهم صلبوه حيا على ماء لهم يقال له عفراء بفلسطين قال فلما اجتمعت الروم لقتله قال فى ذلك
الا هل اتى سلمى بأن حليلها ... على ماء عفرا فوق احدى الرواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمها ... مشذبة أطرافها بالمناجل
وذكر ابن شهاب الزهرى انهم لما قدّموه ليقتلوه قال
стр. 657
أبلغ سراة المسلمين بأننى ... سلم لربى أعظمى ومقامى
ثم ضربوا عنقه على ذلك الماء رحمة الله عليه وسيجىء فى الفصل الاوّل فى الخاتمة بتغيير يسير*
حجة الوداع
وفى هذه السنة كانت حجة الوداع وتسمى حجة الاسلام وحجة التمام وحجة البلاغ وكره ابن عباس أن يقال حجة الوداع وكان رسول الله ﷺ أقام بالمدينة يضحى كل عام ويغزو المغازى فلما كان فى ذى القعدة سنة عشر من الهجرة أجمع على الخروج الى الحج قال ابن سعد لم يحج غيرها منذ تنبأ الى أن توفاه الله* وفى البخارى عن زيد بن أرقم ان النبىّ ﷺ غزا تسع عشرة غزوة وانه حج بعد ما هاجر حجة واحدة وهى حجة الوداع ولم يحج بعدها* قال ابن اسحاق وأخرى بمكة وقيل حج بمكة حجتين هذا بعد النبوّة وما قبلها لا يعلمه الا الله وأخرج الترمذى عن جابر بن عبد الله حج رسول الله ﷺ ثلاث حجات حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة هذا لفظ الدار قطنى وابن ماجه والحاكم وصححه على شرط مسلم قال الشيخ محب الدين الطبرى لعل جابرا أشار الى حجتين بعد النبوّة وقال ابن حزم حج رسول الله واعتمر قبل النبوّة وبعدها وقبل الهجرة وبعدها حججا وعمرا لا يعلمهما الا الله وكذا قال ابن أبى الفرج فى كتاب مثير الغرام وقال السهيلى فى شرح السيرة لا ينبغى أن يضاف اليه فى الحقيقة الا حجة الوداع وان حج مع الناس اذ كان بمكة فلم يكن ذلك الحج على سنة الحج وكما له لانه ﷺ كان مغلوبا على أمره وكان الحج منقولا عن وقته فقد ذكر ان أهل الجاهلية كانوا ينقلون الحج عن حساب الشهور الشمسية ويؤخرونه فى كل سنة احد عشر يوما وقد كان النبىّ ﷺ أراد أن يحج مقفله من تبوك وذلك اثر فتح مكة بيسير ثم ذكر ان بقايا المشركين يحجون ويطوفون بالبيت عراة فأخر الحج حتى نبذ الى كل ذى عهد عهده وذلك فى السنة التاسعة ثم حج فى العاشرة بعدا محاء رسوم الشرك كذا فى البحر العميق* وفى الاستيعاب لم يحج رسول الله ﷺ من المدينة غير حجته الواحدة وهى حجة الوداع وذلك فى سنة عشر من الهجرة وفى سيرة اليعمرى حج ﷺ بعد فرض الحج حجة واحدة وقبل ذلك مرّتين واعتمر ﷺ أربع عمر كلها فى ذى القعدة الا التى مع حجته واحدة منهنّ فى ذى القعدة عام الحديبية سنة ست من الهجرة وصدّوا فيها فتحلل فحسبت له عمرة والثانية فى ذى القعدة من العام المقبل وهى سنة سبع وهى عمرة القضاء والثالثة فى ذى القعدة سنة ثمان وهى عام الفتح من جعرانة حيث قسم غنائم حنين والرابعة مع حجته الكبرى سنة عشر وكان احرامها فى ذى القعدة واعمالها فى ذى الحجة كذا رواه البخارى فى صحيحه عن أنس وكذا فى منهاج النووى ولما أراد رسول الله ﷺ حجة الوداع خرج من طريق الشجرة وعن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وهو موضع معروف على ستة أميال من المدينة كذا فى منهاج النووى وهو أسفل من المسجد الذى ببطن الوادى وانّ رسول الله ﷺ اذا خرج الى مكة يصلى فى مسجد الشجرة واذا رجع صلى بذى الحليفة ببطن الوادى وبات حتى يصبح رواه البخارى وذو الحليفة ماء لجشم على ستة أميال من المدينة قاله النووى وقال ابن حزم انه على أربعة أميال وقيل سبعة وفى شرح مختصر الوقاية للشمنى فسر ابن شجاع الميل بثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع الى أربعة آلاف وفى الصحاح الميل من الارض منتهى مدّ البصر عن ابن السكيت وفى شرح الكنز ثلاث فراسخ أربعة آلاف ذراع بذراع محمد بن فرج الشاشى طولها أربعة وعشرون أصبعا وعرض كل أصبع ست حبات شعير ملصقة ظهرا لبطن* وفى الينابيع الميل ثلث فرسخ والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة وكل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة وهو أربعة وعشرون
стр. 658
اصبعا ومسجد ذى الحليفة يسمى مسجد الشجرة وقد خرب وبه البئر التى تسميها العوام بئر على وينسبونها الى على بن أبى طالب لظنهم انه قاتل الجنّ بها وهو كذب كذا فى تشويق الساجد وذو الحليفة هو الميقات لاهل المدينة ولمن مرّ به من غيرهم وهو أبعد المواقيت وهناك منزل رسول الله ﷺ واردا وصادرا فخرج ﷺ من المدينة مغتسلا مدّهنا مترجلا فى ثوبين ازار ورداء وذلك يوم السبت لخمس بقين من ذى القعدة فصلى الظهر بذى الحليفة* وفى المواهب اللدنية ثبت فى الصحيحين عن أنس صلينا مع النبىّ ﷺ الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين صرّح الواقدى بأنّ خروجه ﷺ كان يوم السبت لخمس بقين من ذى القعدة وكان وقت خروجه من المدينة بين الظهر والعصر وكان أوّل ذى الحجة يوم الخميس وكان دخوله مكة صبح أربعة الى رابع ذى الحجة كما ثبت فى صحيح حديث عائشة وذلك يوم الاحد* وفى سيرة اليعمرى دخل مكة يوم الاحد بكرة وهذا يؤيد أنّ خروجه من المدينة كان يوم السبت كما تقدّم فيكون المكث فى الطريق ثمان ليال وهى المسافة الوسطى وخرج معه ﵇ تسعون ألفا ويقال مائة ألف وأربعة عشر ألفا ويقال أكثر كما حكاه البيهقى وكانت الوقفة يوم الجمعة وأخرج ﷺ معه نساءه كلهنّ فى الهوادج وأشعر هديه وقلده* وفى سيرة اليعمرى خرج فى حجة الوداع نهارا بعد ما ترجل وادّهن وتطيب وبات بذى الحليفة وقال أتانى الليلة آت من ربى وقال صل بهذا الوادى المبارك وقل عمرة فى حجة فأحرم بهما قارنا* وسئل جابر بن عبد الله عن حجة رسول الله قال انّ رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن فى الناس فى العاشرة انّ رسول الله حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر فأرسلت الى رسول الله كيف أصنع قال اغتسلى واستشعرى وأحرمى فصلى رسول الله ﷺ ركعتين فى مسجد ذى الحليفة ثم ركب القصوى حتى اذا استوت به على البيداء كان الى مدّ البصر الناس من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك فأهلّ بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك انّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وأهلّ الناس بهذا ولزم رسول الله تلبيته قال لسنا ننوى الا الحج ولسنا نعرف العمرة* وعن ابن عمر كان رسول الله ﷺ يدخل مكة من الثنية العليا يعنى كداء وهو المشهور بالمعلاة ويخرج من الثنية السفلى يعنى كدى كذا رواه البخارى* وفى سيرة اليعمرى ونزل على الحجون* وفى مناسك الكرمانى روى أنّ النبىّ ﷺ دخل مكة صبيحة اليوم الرابع من ذى الحجة وأقام بها محرما الى يوم التروية ثم راح الى منى محرما بذلك الا حرام* قال جابر حتى اذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم تقدّم الى مقام ابراهيم فقرأ واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى فيه ركعتين وكان النبىّ ﷺ يقرأ فى الركعتين قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد عن ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاها كان كعتق رقبة رواه الترمذى كذا فى المشكاة* قال جابر ثم رجع الى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب الى الصفا فلما دنا منه قرأ انّ الصفا والمروة من شعائر الله وقال أبدأ بما بدأ الله به فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبله فوحد الله وكبره وقال لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير لا اله الا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الاحراب وحده ثم دعا قال مثل هذا ثلاث مرّات ثم نزل الى المروة حتى انصبت
قدماه فى بطن الوادى حتى اذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل عليها كما فعل على الصفا حتى أتمّ السبع على المروة* وفى سيرة اليعمرى
стр. 659
سعى راكبا انتهى* قال جابر قال لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحلّ وليجعلها عمرة فقام سراقة بن مالك بن جشم فقال يا رسول الله ألعامنا هذا أم للابد فشبك رسول الله أصابعه واحدة فى الآخرى وقال دخلت العمرة فى الحج مرّتين لابل لأبد أبد* وقدم علىّ من اليمن ببدن رسول الله ﷺ فوجد فاطمة ممن حلّ ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت أبى أمرنى بهذا* قال علىّ فذهبت الى رسول الله ﷺ محرشا على فاطمة للذى صنعت مستفتيا لرسول الله فيما ذكرت عنه فأخبرته انى أنكرت ذلك عليها فقال صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج قال قلت اللهم انى أهلّ بما أهلّ به رسولك قال فانّ معى الهدى فلا تحلّ* وكانت جملة الهدى الذى قدم به علىّ من اليمن والذى أتى به النبىّ ﷺ مائة فحلق الناس كلهم وقصروا الا النبىّ ﷺ ومن كان معه هدى* فلما كان يوم التروية توجهوا الى منى فأهلوا بالحج وركب النبىّ ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ومكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فنزل بها حتى اذا زاغت الشمس أمر بالقصوى فرحلت له فأتى بطن الوادى فخطب الناس فقال انّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمىّ موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وانّ أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا فى سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوعة وأوّل ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فانه موضوع كله فاتقوا الله فى النساء فانكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف وقد تركت فيكم ما ان تضلوا بعده ان اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت وأدّيت ونصحت فقال بأصبعه السبابة يرفعها الى السماء وينكتها الى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرّات ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصوى الى الصخرة وجعل حبل الشاة بين يديه فوقف مستقبل القبلة وكان يوم الجمعة وكان واقفا اذ نزل عليه اليوم أكملت لكم دينكم الاية* وفى بحر العلوم فبركت ناقته من هيبة القرآن* قال جابر فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وأردف أسامة خلفه ودفع وقد شنق القصوى الزمام حتى انّ رأسها ليصيب مورك الرحل ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين الصبح وركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ودعا الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدّا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله ﷺ مرّت ظعن البحرين فطفق الفضل ينظر اليهنّ فوضع ﷺ يده على وجه الفضل فحوّل الفضل وجهه الى الشق الاخر ينظر فحوّل ﷺ يده من الشق الاخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الاخر ينظر حتى أتى بطن محسر فحرّك قليلا* وفى شفاء الغرام ذكر المحب الطبرى وابن خليل سمى محسرا لانّ فيل أصحاب الفيل حسر فيه أى أعيا واهل مكة يسمونه وادى النار زعموا أنّ رجلا اصطاد فيه غزالة فنزلت نار فأحرقته والله أعلم وليس وادى محسر من مزدلفة ولا من منى وهو مسيل ما بينهما وفى المشكاة وادى محسر من منى*
نفيسة
وفى منسك يحيى بن زكريا أنّ رجلا من
стр. 660
الصالحين تأخر بعرفات فغلبه النوم فرأى فى منامه كأنّ عرفة مملوءة قردة وخنازير فتعجب من ذلك فهتف به هاتف هذه ذنوب الحجاج تركوها ومضوا طاهرين من الذنوب* وعن ابن الموفق قال حججت سنة فلما كانت ليلة عرفة بت بمنى فرأيت فى المنام ملكين قد نزلا من السماء فنادى أحدهما صاحبه يا عبد الله فقال له لبيك يا عبد الله قال أتدرى كم حج فى هذه السنة بيت ربنا قال لا أدرى قال حج ستمائة ألف فقال أتدرى كم قبل منهم قال لا قال قبل منهم ستة قال ثم ارتفعا فنادى فى السماء فانتبهت فزعا خائفا مرعوبا وغمنى ذلك وقلت فى نفسى اذا قبل حج ستة فمن أكون أنا فلما أفضت من عرفات وصرت عند المشعر الحرام جعلت أفكر فى كثرة الخلائق وقلة من قبل منهم فغلبنى النوم فاذا الملكان بعينهما قد نزلا فقال أحدهما لصاحبه المقالة الاولى ثم قال أتدرى ما حكم ربنا فى هذه الليلة قال لا قال وهب ربنا لكل واحد من الستة مائة ألف فانتبهت مملوآ من السرور ما الله به عالم* وفى المشكاة عن عباس بن مرداس أنّ رسول الله ﷺ دعا لأمّته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب بأنى قد غفرت لهم ما خلا المظالم فانى آخذ للمظلوم من الظالم قال أى رب ان شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم فلم يجب عشيته فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب الى ما سأل* قال فضحك رسول الله ﷺ أو قال تبسم فقال له أبو بكر وعمر بأبى أنت وأمى انّ هذه لساعة ما كنت تضحك فيها فما الذى أضحكك أضحك الله سنك قال انّ عدوّ الله ابليس لما علم انّ الله قد استجاب دعائى وغفر لأمّتى أخذ التراب فجعل يحثو على رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكنى ما رأيت من جزعه رواه ابن ماجه والبيهقى فى كتاب البعث والنشور* قال جابر ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات مثل حصى الخذف يكبر مع كل حصاة منها من بطن الوادى ثم انصرف الى المنحر فنحر بيده ثلاثا وستين بدنة وأعتق ثلاثا وستين رقبة عدد سنى عمره ثم أعطى عليا ما بقى الى تمام المائة وقد كان ﷺ أتى ببعضها وقدم علىّ بشئ منها من اليمن* وفى حياة الحيوان نحر بيده فى حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة وأعتق ثلاثا وستين رقبة ثم حلق رأسه بمنى جانبه الايمن ثم الايسر وحالقه معمر بن عبد الله العدوى وقيل اسمه خراش بن أمية بن ربيعة الكلبى* وفى منهاج النووى انّ رسول الله ﷺ أتى منى ثم أتى الجمرة ولم يزل يلبى حتى رمى ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق خذو أشار الى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس* وفى المناسك للكرمانى انّ النبىّ ﷺ لما رمى جمرة العقبة رجع الى منزله بمنى ثم دعا بذبائح فذبح ثم دعا بالحلاق فأعطاه شقه الأيمن فحلقه فدفعه الى أبى طلحة ليفرّقه بين الناس ثم أعطاه شقه الأيسر فحلقه ثم دفعه الى أبى طلحة ليفرّقه بين الناس قيل أصاب خالد بن الوليد شعرات من شعرات ناصيته ﷺ * وفى الشفاء كانت شعرات من شعره ﵇ فى قلنسوة خالد فلم يشهد بها قتالا الارزق النصر* قال جابر وأشرك ﷺ عليا فى هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت فى قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم ركب ﷺ فأفاض الى البيت وصلى الظهر بمكة فأتى بنى عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال انتزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه وطاف ﷺ فى حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف ويسألوه فانّ الناس قد غشوه وكان ﷺ لا يستلم فى طوافه الا الحجر الأسود والركن اليمانى* وعن الزبير قال سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر قال رأيت رسول الله يستلمه ويقبله رواه البخارى وعن ابن عمر قال لم أر النبىّ ﷺ يستلم من
البيت الا الركنين اليمانيين متفق عليه* وعن ابن عباس قال
стр. 661
طاف النبىّ ﷺ فى حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن متفق عليه* وعن أبى الطفيل قال رأيت رسول الله يطوف بالبيت على بعير ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن رواه مسلم ذكر الاحاديث الاربعة فى المشكاة* وقال النووى فى شرح صحيح مسلم انّ للبيت أربعة أركان الركن الأسود والركن اليمانى ويقال لهما اليمانيان للتغليب وأمّا الركنان الاخران فيقال لهما الشاميان فالركن الأسود فيه فضيلتان* احداهما كونه على قواعد ابراهيم ﵇* والثانية كون الحجر الأسود فيه وأمّا اليمانى ففيه فضيلة واحدة وهى كونه على قواعد ابراهيم وأمّا الركنان الاخران فليس فيهما شئ من هاتين الفضيلتين فلهذا خص الحجر الأسود بسنة الاستلام والتقبيل وأمّا اليمانى فيستلم ولا يقبل لانّ فيه فضيلة واحدة وأمّا الركنان الاخران فلا يقبلان ولا يستلمان* وفى تشويق الساجد قال المحب الطبرى فى كتابه المسمى بالقربى العمل عند أهل العلم فى كيفية التقبيل أن يضع شفتيه على الحجر من غير تصويت كما يفعله كثير من الناس انتهى فانه صح أنّ النبىّ ﷺ قبله من غير صوت وأمّا السجود على الحجر الأسود فقد ورد أنّ ابن عباس قبل الحجر الأسود وسجد عليه وقال رأيت عمر قبله ثم سجد عليه ثم قال رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا رواه ابن المنذر وأبو يعلى الموصلى والحاكم وصحح اسناده وليس فى حديث جابر الطويل المشهور فى صفة حج النبىّ ذكر السجود على الحجر الأسود والحنفية لم يذكروا فى كتبهم ومناسكهم السجود على الحجر الأسود وأغرب الشيخ فخر الدين الزيلعى الحنفى فقال فى شرح الكنز انه يسجد عليه وكأنه أخذ هذا عن الشافعية* وحكى السكاكى من الحنفية عن الشافعى السجود عليه واستدلّ بحديث ابن عباس المذكور ثم قال وعندنا الاولى أن لا يسجد عليه لعدم الرواية فى المشاهير وكذلك قاله الطرابلسى وأنكر مالك وضع الخدّ والجبهة عليه وقال انه بدعة نقله ابن جماعة فى منسكه* وقال ابن المنذر انه لا يعلم أحد أنكر ذلك الا مالكا* وفى البحر العميق ثم يستلم الحجر بيده ثم يقبله من غير أن يظهر الصوت فى القبلة ويسجد عليه ويكرّر التقبيل والسجود عليه ثلاثا* قال رشيد الدين فى مناسكه ينبغى أن يبدأ من جانب الحجر الذى يلى الركن اليمانى ليكون مروره على جميع الحجر بجميع بدنه* قال الطرابلسى انما قال هذا ليخرج من خلاف من يشترط المرور على الحجر بجميع بدنه وقال ابن الصلاح ثم النووى انه يستقبل القبلة ويقف على جانب الحجر بحيث يصير جميع الحجر على يمينه ويصير منكبه الايمن عند طرف الحجر ثم ينوى الطواف ثم يمشى مستقبل الحجر مارّا الى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر فاذا جاوز انفتل وجعل يساره الى البيت ويمينه الى خارج البيت ولو فعل هذا من الاوّل فلم يستقبل الحجر عند محاذاته بل جعله عن يساره جاز* ومن البدعة ما يفعله بعض الجهال من استلام الركنين الشاميين وبعضهم يمسح عليهما بيده ويقبلهما وبعضهم يمرّ عليهما ويشير اليهما بيده من غير تقبيل وهذه بدعة منكرة مخالفة لسنة رسول الله ﷺ * وقال ابن جماعة فى منسكه اتفقت الائمة الاربعة على انه لا يستلم الركنان الشاميان ولا يقبلان اقتداء بسيدنا رسول الله ﷺ انتهى* وأما رفع اليدين عند الاستلام فقال القاضى بدر الدين بن جماعة الشافعى فى مناسكه الكبرى لا يسنّ ولا يستحب رفع اليدين عند نية الطواف قبل استقبال الحجر الاسود على المذاهب الاربعة ولا يسنّ عند استقبال الحجر الاسود أيضا الاعلى مذهب أبى حنيفة فقط انتهى وأما رفع اليدين وكيفيته على مذهب أبى حنيفة عند استقبال الحجر الاسود فانه يرفع يديه حذو أذنيه مستقبلا بوجهه الحجر كما فى الصلاة لقوله ﵇ لا ترفع الايدى الا فى سبع مواطن فى افتتاح الصلاة وفى القنوت وفى الوتر وفى العيدين وعند استلام الحجر وعلى الصفا والمروة وبعرفات وبجمع
стр. 662
* قال الشيخ فخر الدين الزيلعى فى شرح الكنز ثلاثة منها فى الصلاة عند الافتتاح والقنوت وتكبيرات العيدين وأربع فى الحج وهى ما عداها ففى أربع من هذه السبعة يرفع يديه حذو أذنيه وهى الثلاثة التى فى الصلاة وعند الاستلام وفى ثلاثة يرفع يديه بسطا الاوّل على الصفا والمروة يجعل باطن كفيه نحو السماء كما يفعل فى الدعاء ويستقبل القبلة ويدعو بحاجته والثانى والثالث بعرفة وجمع أما بعرفة فبعد ما صلى الظهر والعصر مع الامام ووقف ودعا الى وقت الغروب ويجعل باطن كفيه نحو السماء فقد كان ﷺ يدعو بعرفة مادّا يديه فى نحره كالمستطعم المسكين وأما بجمع فبعد ما صلى الفجر بغلس يوم النحر وقف ودعا ويجعل باطن كفيه نحو السماء والرابع عند الجمرتين الاولى والوسطى دون جمرة العقبة ويرفع يديه حذو منكبيه ويجعل باطنهما نحو السماء* وفى السراج الوهاج فى باب صفة الصلاة انه عند الجمرتين يجعل باطنهما نحو الكعبة فى ظاهر الرواية وعن أبى يوسف يجعل باطنهما نحو السماء انتهى* وقد جمع بعضهم هذه السبعة فى تسعة أحرف وأفرد كلا من الصفا والمروة وكلا من العيدين وعرفات وهى فقعس صمعجم فالفاء للافتتاح والقاف للقنوت والعين الاولى للعيدين والسين لاستلام الحجر والصاد للصفا والميم الاولى للمروة والعين الثانية لعرفات والجيم للجمرتين والميم الثانية لمزدلفة فيرفع الايدى فى فقعس حذاء الاذنين وفى صمعجم حذاء منكبيه بسطا نحو السماء* قال صاحب الوقاية
ارفع يديك لدى التكبير مفتتحا ... وقانتا وبها العيدان قد وصفا
وفى الوقوفين ثم الجمرتين معا ... وفى استلام كذا فى مروة وصفا
وجه الانحصار فى الحديث أى لا ترفع الايدى على وجه السنن الاصلية التى هى سنة الهدى الا فى هذه المواضع واما فى سائر المواضع انما ترفع فى الدعاء على انه من باب الاستحباب لا على سنة الهدى واذا رفع يديه عند الاستلام يرسلهما ويكبر ويهلل ويحمد الله تعالى ويصلى على النبىّ ﷺ ثم يستلم الحجر وتفسير الاستلام كما قال الكرمانى والفارسى وقاضى خان وشارح الطحاوى أن يضع كفيه على الحجر ويقبله بفمه بين يديه اذا أمكن من غير ايذاء أحد* الاستلام افتعال من السلام وهو التحية مشتق منه ومعناه يحيى نفسه بالحجر وقيل من السلم بكسر السين وهى الحجارة فادامس الحجر بيده فقد استلم أى مس به السلم وهو الحجر* وفى شرح الوقاية استلم الحجر أى تناوله باليد أو القبلة أو مسحه بالكف من السلمة بفتح السين وكسر اللام وهو الحجر والايمس بشئ فى يده ثم يقبله وكان رسول الله ﷺ حين يقدم مكة ينزل بذى طوى ويبيت به حتى يصلى الصبح ومصلاه ذلك على أكمة غليظة ليس فى المسجد المبنى ثمة ولكن أسفل من ذلك عليها*
اتيان الصبى وتكلمه بين يدى النبىّ يوم ولد
وفى هذه السنة فى حجة الوداع جىء بصبىّ الى رسول الله ﷺ يوم ولد فقال من أنا فقال رسول الله فقال ﷺ صدقت بارك الله فيك ثم ان الغلام لم يتكلم بعدها حتى شب وكان يسمى ذلك الغلام مبارك اليمامة* وفى هذه السنة مات باذان والى اليمن ففرّق رسول الله ﷺ عملها بين شهر بن باذان وعامر بن شهر الهمدانى وأبى موسى الاشعرى وخالد بن العاص ويعلى بن أمية وعمرو بن حزم وجعل زياد بن لبيد على حضرموت وعكاشة بن ثور على السكاسك والسكون والسكاسك حىّ باليمن جدّهم القيل بن سكسك بن الاشرس كذا فى القاموس والسكون بفتح السين حىّ باليمن*
موت باذان
وفى هذه السنة مات أبو عامر الراهب عند هرقل كذا فى سيرة مغلطاى*
نزول آية الاستئذان
وفى هذه السنة نزلت آية الاستئذان روى ان غلاما لأسماء بنت أبى مرثد دخل عليها فى وقت كرهته فنزلت يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم الى آخرها وقيل أرسل رسول الله ﷺ مدلج بن عمرو الانصارى وكان غلاما وقت الظهيرة ليدعو عمر فدخل وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر لوددت ان الله تعالى
стр. 663
نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا هذه الساعة علينا الا باذن تم انطلق معه الى النبىّ ﷺ فوجده وقد نزلت عليه هذه الاية كذا فى أنوار التنزيل وكانوا لا يفعلون قبل ذلك* وفى الكشاف يحكى ان عيينة بن حصن دخل على النبىّ ﷺ وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله يا عيينة أين الاستئذان قال يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت ثم قال من هذه الجميلة الى جنبك فقال ﵇ هذه عائشة أمّ المؤمنين فقال عيينة أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق فقال ﷺ ان الله قد حرم ذلك فلما خرج قالت عائشة من هذا يا رسول الله قال أحمق مطاع وانه على ما ترين لسيد قومه وقوله ﵇ ان الله قد حرّم ذلك اشارة الى تحريم التبدل فى قوله تعالى ولا أن تبدّل بهنّ من أزواج وهو من البدل الذى كان فى الجاهلية كان يقول الرجل للرجل بادلنى بامرأتك وأباد لك بامر أتى فينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه
*
(الموطن الحادى عشر فى وقائع السنة الحادية عشر من الهجرة
من قدوم وفد النخع واستغفاره ﷺ لأهل البقيع وسرية أسامة بن زيد الى أبنى وذكر الاسود العنسى ومسيلمة الكذاب وسجاح وطليحة وذكر ما وقع قبل مرضه وابتداء مرضه وما وقع فى مرضه ومدّة مرضه وذكر سنه ووقت موته وذكر بيعة أبى بكر وذكر غسله وتكفينه والصلاة عليه وقبره ودفنه والندب عليه وميراثه وتركته وحكمه فيها ورؤيته فى المنام وزيارته ﷺ وسائر المزارات بالمدينة) ** وفى هذه السنة قدم وفد النخع من اليمن للنصف من المحرم وهم مائتا رجل مقرين بالاسلام وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن وهم آخر وفد قدم على رسول الله ﷺ *
استغفاره ﵇ لاهل البقيع
وفى هذه السنة استغفر رسول الله ﷺ لأهل البقيع بالليل فى المحرم مرجعه من حجته قال أبو مويهبة اشتكى ﷺ بعد ذلك بأيام* وفى رواية عنه فما لبث بعد ذلك الاستغفار الاسبعا أو ثمانيا حتى قبض وكان مامورا بالاستغفار* وفى المواهب اللدنية روى الشيخان من حديث عقبة بن عامر قال صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للاحياء والاموات*
سرية أسامة بن زيد الى أهل ابنى
وفى هذه السنة كانت سرية أسامة بن زيد الى أهل أبنى بضم الهمزة وسكون الباء الموحدة وفتح النون على وزن فعلى موضع بناحية البلقاء كانت يوم الاثنين لاربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشرة كما مرّ وهى آخر سرية جهزها النبىّ ﷺ وأوّل شئ جهزه أبو بكر لغزو الروم الى مكان قتل أبيه زيد* قال الواقدى قبض النبىّ ﷺ وأسامة ابن عشرين سنة كذا فى الصفوة* روى ان رسول الله أمر بالتهيؤ لغزو الروم يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشرة من الهجرة فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال سر الى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش فاغز صباحا على أهل أبنى وحرق عليهم فان أظفرك الله فاقلل اللبث فيهم وخذ معك الادلاء وقدّم العيون والطلائع أمامك فلما كان يوم الاربعاء بدأ مرض رسول الله ﷺ فحمّ وصدع فلما أصح يوم الخميس عقد لا سامة لواء بيده ثم قال اغز بسم الله فى سبيل الله فقاتل من كفر بالله فخرج وعسكر بالجرف على فرسخ من المدينة فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والانصار الا انتدب فى تلك الغزوة فيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة وقتادة بن النعمان فتكلم قوم وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الاوّلين فغضب رسول الله غضبا شديدا فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتنى عن بعضكم فى تأمير أسامة ولئن طعنتم فى تأميرى أسامة لقد طعنتم فى تأميرى أباه من قبله وأيم الله ان كان للامارة لخنيقا وان ابنه بعده
стр. 664
لخليق للامارة وان كان لمن أحب الناس الىّ فاستوصوا به خيرا فانه من خياركم ثم نزل ودخل بيته وذلك فى يوم السبت لعشر خلون من ربيع الاوّل وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول الله ﷺ ويمضون الى العسكر بالجرف وثقل رسول الله فلما كان يوم الاحد اشتت برسول الله وجعه فدخل أسامة من معسكره والنبىّ ﷺ مغمى عليه* وفى رواية قد أصمت وهو لا يتكلم وهو اليوم الذى لدّوه فيه فطأطأ رأسه فقبله ورسول الله ﷺ لا يتكلم فجعل يرفع يديه الى السماء ثم يضعهما على أسامة قال فعرفت انه يدعو لى ورجع أسامة الى معسكره فأمر الناس بالرحيل فبينما هو يريد الركوب اذا رسول أمه أمّ أيمن قد جاءه يقول ان رسول الله يموت فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة وانتهوا الى رسول الله ﷺ وهو يموت* فتوفى ﷺ حين زاغت الشمس يوم الاثنين ودخل المدينة المسلمون الذين عسكروا وكان لواء أسامة مع بريدة بن الحصيب فدخل بريدة بلواء أسامة حتى غرزه عند باب رسول الله ﷺ فلما بويع لأبى بكر بعد النبىّ ﷺ أمر باللواء الى أسامة ليمضى لوجهه فمضى بريدة الى معسكرهم الاوّل فلما ارتدّت العرب كلم أبو بكر فى حبس جيش أسامة وكلم أبو بكر أسامة فى أن يأذن لعمر فى التخلف ففعل فلما كان هلال ربيع الاخر من السنة الحادية عشر بعث أبو بكر على مقتضى أمر رسول الله ﷺ أسامة بن زيد الى حرب الشام فخرج فابتدأ الاغارة من قضاعة الى مؤتة من الشام وسار الى أهل أبنى فى عشرين ليلة فأغارهم وقتل من أشرف له وسبى من قدر عليه وقتل قاتل أبيه ورجع الى المدينة بالغلبة والظفر وكانت مدّة غيبته فى ذلك السفر أربعين يوما فخرج أبو بكر فى المهاجرين وأهل المدينة يتلقونهم سرورا لقدومهم وستجىء وفاة أسامة فى الخاتمة فى آخر خلافة معاوية*
ظهور الاسود العنسى
وفى هذه السنة فى زمان مرضه ﵇ جاء الخبر بظهور الاسود العنسى ومسيلمة الكذاب وكانا يستغويان أهل بلادهما قبل الا انه لم يظهر أمرهما الا فى زمان مرض رسول الله ﷺ وكان رسول الله قد لحقه مرض بعيد عوده من الحج ثم عوفى ثم عاد فمرض مرض الموت* وقال ابو مويهبة لما رجع رسول الله ﵇ طارت الاخبار بأنه قد اشتكى فوثب الاسود باليمن ومسيلمة باليمامة فجاء الخبر الى رسول الله ﷺ فى مرضه* قال بعض أصحاب السير وذلك بعد ما ضرب على الناس بعث أسامة* وروى عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ خرج عاصبا رأسه من الصداع وقال انى رأيت البارحة فيما يرى النائم ان فى عضدىّ سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فوقع أحدهما باليمامة والاخر باليمن قيل ما أوّلتهما يا رسول الله قال فاوّلتهما هذين الكذابين صاحب اليمامة وصاحب اليمن يخرجان من بعدى* وفى الاكتفاء قال ابن اسحاق وقد كان تكلم على عهد رسول الله ﷺ الكذابان مسيلمة بن حبيب الحنفى باليمامة فى بنى حنيفة والاسود بن كعب العنسى بصنعاء* وذكر باسناد له عن أبى سعيد الخدرى قال سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب على منبره وهو يقول أيها الناس انى قد رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها ورأيت فى ذراعىّ سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فأوّلتهما هذين الكذابين صاحب اليمن وصاحب اليمامة* وعن أبى هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالا كلهم يدعى النبوّة* وفى معالم التنزيل قد ارتدّ فى حياة النبىّ ﷺ ثلاث فرق* الفرقة الاولى بنو مذحج ورئيسهم الاسود العنسى* فى القاموس العنس لقب زيد بن مالك بن أدد أبو قبيلة من اليمن ومخلاف بها مضاف اليه واسم الاسود عبهلة بن كعب العنسى ويقال له ذو الخمار بخاء معجمة لانه كان يغطى وجهه
стр. 665
بخمار ويقال ان ذا الخمار اسم شيطانه* وفى المنتقى وكان يقال له ذو الحمار بالحاء المهملة لقب بذلك لانه كان يقول يأتينى ذو حمار* وفى تفسير الكورانى لانه كان له حمار اذا قال له قف وقف قد ادّعى النبوّة باليمن فى عهد النبىّ ﷺ فاتبع على ذلك وكان كاهنا مشعبذا يرى الناس الاعاجيب ويسبى منطقه قلب من سمعه وكان يزعم ان ملكين يكلمانه اسم أحدهما شهيق والاخر شريق* وفى روضة الاحباب وكان له شيطانان اسم أحدهما سحيق والاخر شقيق وكانا يخبر انه بالامور الحادثة بين الناس فلما مات باذان الفارسى عامل رسول الله ﷺ بصنعاء اليمن أخبراه بموته فسار اليها واستولى عليها وكان أوّل خروجه بعد حجة رسول الله ﷺ حجة الوداع ومن أوّل خروجه الى أن قتل أربعة أشهر فخرج مع قومه وغلب على اليمن فكتب فروة ابن مسيك عامل رسول الله على مراد بخبره الى رسول الله ﷺ وخرج معاذ بن جبل هاربا حتى مرّ بأبى موسى الاشعرى وهو بمأرب فاقتحما حضرموت ورجع عمرو بن خالد الى المدينة فغلب أمر الاسود وجعل أمره يستطير استطارة الحريق* وفى الاكتفاء فتزوّج المرزبانة امرأة باذان الفارسى وكانت من عظماء فارس وقسرها على ذلك فأبغضته أشدّ البغض* وفى المنتقى قتل شهر ابن باذان وتزوّج امرأته وكانت بنت عمّ فيروز الديلمى فكتب رسول الله الى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم وعلى النهوض الى حرب الاسود فقتله فيروز الديلمى على فراشه كما سيجئ وأرسل رسول الله ﷺ رسولا الى نفر من الابناء وكتب اليهم أن يحاولوا الاسودا ما غيلة واما مصادمة وأمرهم أن يستمدّوا رجالا سماهم لهم ممن حولهم من حمير وهمدان وأرسل الى أولئك الرجال أن يمدّوهم فدخلوا على زوجته فقالوا هذا قتل أباك وزوجك فما عندك قالت هو أبغض الناس الىّ وهو مجرّد والحرس محيطون بقصره الا هذا البيت فانقبوا عليه فنقبوا عليه البيت ودخل فيروز الديلمى ورجل آخر يقال له دادويه فقتله فيروز فخار كأشدّ خوار الثور فابتدر الحرس الى الباب فقالوا ما هذا الصوت قالت المرأة النبىّ يوحى اليه فاليكم ثم خمد وقد كان يجىء شيطانه فيوسوس اليه فيغط فيعمل بما قال له* فلما طلع الفجر نادى المسلمون بشعارهم الذى بينهم ثم بالاذان وقالوا فيه وأشهد أنّ محمدا رسول الله وأنّ عبهلة كذاب وأغار واو تراجع أصحاب رسول الله الى أعمالهم وكتبوا الى رسول الله ﷺ بالخبر فسبق خبر السماء اليه* وعن ابن عمر أتى الخبر النبىّ ﷺ من السماء الليلة التى قتل فيها الاسود فخرج رسول الله قبل موته بيوم فأخبر الناس بذلك فقال قتل الاسود البارحة قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين قيل ومن هو يا رسول الله قال فيروز فاز فيروز فبشر النبىّ ﷺ بهلاك الاسود وقبض من الغد فأتى خبر مقتل العنسى المدينة بعد وفاة رسول الله فى خلافة أبى بكر فى آخر شهر ربيع الاوّل بعد مخرج أسامة بن زيد الى أبنى* وكان ذلك أوّل فتح جاء أبا بكر وفى الاكتفاء سمعت بخروج الاسود بنو الحارث بن كعب من أهل نجران وهم يومئذ مسلمون فأرسلوا اليه يدعونه أن يأتيهم فى بلادهم فجاءهم فاتبعوه وارتدّوا عن الاسلام ويقال دحلها يوم دخلها فى آلاف من حمير يدعى النبوّة ويشهدون له بها فنزل غمدان فلم يتبعه من النخع ولا من جعفى أحد وتبعه ناس من مذحج وعنس وبنى الحارث وأود ومسلية وحكم وأقام الاسود بنجران يسيرا ثم رأى أنّ صنعاء خير له من نجران فسار اليها فى ستمائة راكب من بنى الحارث فنزل صنعاء فأبت الابناء أن يصدّقوه فغلب على صنعاء واستذلّ الابناء بها وقهرهم وأساء جوارهم لتكذيبهم اياه
قتل الاسود العنسى
فبعث رسول الله ﷺ رجلا من الازد وقيل من خزاعة يقال له وبر بن يخنس الى الابناء فى أمر الاسود فدخل صنعاء مختفيا فنزل على دادويه الابناوى فخبأه
стр. 666
عنده وتأمّرت الابناء لقتل الاسود فتحرّك فى قتله نفر منهم قيس بن عبد يغوث المكشوح وفيروز الديلمى ودادويه الابناوى وكانت المرزبانة كما تقدّم قد أبغضت الاسود أشدّ البغض فوعدتهم موعدا أتوا لميقاته وقد سقته الخمر حتى سكر فسقط نائما كالميت فدخل عليه فيروز وقيس ونفر معهما فوجدوه على فراش عظيم من ريش قد غاب فيه فأشفق فيروز أن يتعادى عليه السيف ان ضربه به فوضع ركبته على صدر الكذاب ثم فتل عنقه فحوّله حتى حوّل وجهه من قبل ظهره وأمر فيروز قيسا فاحتزّ رأسه فرمى به الى الناس ففض الله الذين اتبعوه وألقى عليهم الخزى والذلة وفيروز الديلمى كنيته أبو عبد الله وقيل أبو عبد الرحمن يقال هو ابن أخت النجاشى وقيل هو من أبناء فارس ويقال له الحميرى لانه نزل حمير* فى الصحاح حمير أبو قبيلة من اليمن وهو حمير بن سبا بن يشجب بن يعرب ابن قحطان ومنهم كانت الملوك فى الدهر الاوّل واسم حمير العرفج*
قصة مسيلمة الكذاب
الفرقة الثانية بنو حنيفة وفى القاموس حنيفة لقب اثال بن لجيم أبى حى انتهى ورئيسهم مسيلمة الكذاب اسمه هارون ابن حبيب من بنى حنيفة وكنيته أبو ثمامة ولقبه مسيلمة وهو قبيح الخلقة دميم الصورة وصفته على عكس صفة رسول الله وكان يزعم أنّ جبريل نزل عليه بالقرآن وكان يقال له رحمن اليمامة لانه كان يقول الذى يأتينى اسمه رحمن أو هو من باب تعنتهم فى الكفر كما هو فى الكشاف* وعن رافع بن خديج قال قدمت على النبىّ ﷺ وفود العرب فلم يقدم علينا وفد أقسى قلوبا ولا أحرى أن يكون الاسلام لم يقرّ فى قلوبهم من بنى حنيفة وقد ذكر مسيلمة لرسول الله ﷺ فقال أما انه ليس بشرّكم مكانا لما كانوا أخبروه به من أنهم تركوه فى رحالهم حافظا لها* وعن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ ذكر له أنّ مسيلمة قال عند ما قدم فى قومه لو جعل لى محمدا لخلافة من بعده لاتبعته فجاءه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفى يد رسول الله ميتخة من نخل فوقف عليه ثم قال لئن أقبلت ليفعلن الله بك ولئن أدبرت ليقطعن الله دابرك وما أراك الا الذى رأيت فيه ما رأيت ولئن سألتنى هذه الشظية لشظية من الميتخة التى فى يده ما أعطيتكها وهذا ثابت يجيبك* قال ابن عباس سألت أبا هريرة عن قول النبىّ ﷺ ما أراك الا الذى رأيت فيه ما رأيت قال كان رسول الله قال بينا أنا نائم رأيت فى يدىّ سوارين من ذهب فنفختهما فطارا فوقع أحدهما باليمامة والاخر باليمن قيل ما أوّلتهما يا رسول الله قال أوّلتهما كذا بين يخرجان من بعدى ولما انصرف فى قومه الى اليمامة ارتدّ عدوّ الله وادّعى الشركة فى النبوّة مع النبىّ ﷺ وقال للوفد الذين كانوا معه ألم يقل لكم حين ذكرتمونى له أما انه ليس بشرّكم مكانا ما ذاك الا لما علم أنى أشركت فى الامر معه وكتب الى رسول الله* من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله أمّا بعد فانى قد أشركت فى الامر معك وانّ لنا نصف الارض ولقريش نصفها ولكن قريش قوم يعتدون وبعث الكتاب مع رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله ﷺ حين قرأ كتابه أتشهدان انى رسول الله قالا نعم قال أتشهدان أنّ مسيلمة رسول الله قالا نعم قد اشترك معك فى الامر فقال أما والله لولا انّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما* وعن ابن مسعود قال جاء ابن النواحة وابن أنال رسولا مسيلمة الى النبىّ ﷺ فقال لهما أتشهدان انى رسول الله قالا نشهد أنّ مسيلمة رسول الله فقال النبىّ ﷺ آمنت بالله ورسوله لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما* قال عبد الله فمضت السنة انّ الرسول لا يقتل رواه أحمد كذا فى المشكاة* ثم كتب الى مسيلمة فى جوابه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب السلام على من اتبع الهدى أمّا بعد فانّ الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين وقد أهلكت أهل الحجر أبادك الله ومن
стр. 667
صوّت معك فلما وصله كتاب رسول الله أخفاه وكتب عن رسول الله كتابا وصله بثبوت الشركة بينهما وأخرج ذلك الكتاب الى قومه فافتتنوا بذلك* وفى الاكتفاء قال ابن اسحاق وكان ذلك يعنى كتاب مسيلمة الى رسول الله ﷺ وكتابه الى مسيلمة فى آخر سنة عشر* وقال أبو جعفر محمد ابن جرير الطبرى وقد قيل انّ دعوى الكذابين مسيلمة والعنسى للنبوّة فى عهد النبىّ ﷺ بعد انصراف النبىّ من حجة الوداع ووقوعه فى المرض الذى توفاه الله فيه والله أعلم* وفى المواهب اللدنية لما انصرف وفد بنى حنيفة من عند النبىّ ﷺ وقدموا اليمامة ارتدّ عدوّ الله مسيلمة وتنبأ وقال انى أشركت معه ثم اشتغل بالمعارضة الركيكة التى هى ضحكة العقلاء وجعل يسجع السجعات فيقول فيما يقول مضاهاة للقرآن لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا وقال آخر ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين شراسيف وحشا وقال آخر الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وثيل ومشفر أو خرطوم طويل انّ ذلك من خلق ربنا لقليل ويقول فى التشبيه بالسور القصار يا ضفدع نقى كم تنقين النقيق صوت الضفدع فاذا رجع صوته قيل نقنق كذا فى نهاية ابن الاثير أعلاك فى الماء وأسفلك فى الطين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين كذا فى شرح المواهب اللدنية* وفى الاكتفاء انه كان يقول يا ضفدع بنت ضفدعين لحسن ما تنقنقين لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين امكثى فى الارض حتى يأتيك الخفاش بالخبر اليقين لنا نصف الارض ولقريش نصفها ولكن قريش قوم لا يعدلون وسجع اللعين على سورة انا أعطيناك الكوثر فقال انا أعطيناك الجواهر فصل لربك وهاجر انّ مبغضك رجل فاجر* وفى رواية انا أعطيناك الجماهر فخذّ لنفسك وبادر واحذر أن تحرص أو تكاثر* وفى رواية انا أعطيناك الكواثر فصل لربك وبادر فى الليالى الغوادر ولما سمع الملعون والنازعات غرقا قال والزارعات زرعا فالحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطابخات طبخا والحافرات حفرا والخابزات خبزا فالثاردات ثردا فاللاقمات لقما والاكلات أكلا لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر* روى أنّ امرأة أتت مسيلمة فقالت ادع الله لنا ولنخلنا ولمائنا فانّ محمدا دعا لقومه فجاشت آبارهم وكثر ماؤها قال كيف صنع قالت دعا بسجل فدعا لهم فيه ثم تمضمض ومج فيه فأفرغوه فى تلك الابار ففعل مسيلمة كذلك فغارت تلك المياه* وفى المواهب اللدنية ولما سمع اللعين أنّ النبىّ ﷺ تفل فى عين علىّ وكان أرمد فبرئ تفل فى عين بصير فعمى ومسح بيده ضرع شاة حلوب فارتفع درّها ويبس ضرعها وحفرت بنو حنيفة بئرا فأعذبوها متاحا فجاؤا الى مسيلمة وطلبوا اليه أن يأتيها وأن يبارك فيها فأتاها فبصق فيها فعادت أجاجا وتوضأ مسيلمة فى حائط فصب وضوءه فيه فلم ينبت وقال له رجل بارك على ولدى فانّ محمدا يبارك على أولاد أصحابه فلم يؤت بصبىّ مسح مسيلمة رأسه أو حنكه الاقرع أو لثغ وجاءه رجل وقال يا أبا ثمامة انى ذو مال وليس لى مولود يبلغ سنتين حتى يموت غير هذا المولود وهو ابن عشر سنين ولى مولود ولد أمس أحب أن تبارك فيه وتدعو أن يطيل الله عمره فقال سأطلب لك الذى طلبت فجعل عمر المولود أربعين سنة فرجع الرجل الى منزله مسرورا فوجد الاكبر قد تردّى فى بئر ووجد الصغير ينزع فى الموت فلم يمس من ذلك اليوم حتى ماتا جميعا تقول أمّهما فلا والله ما لأبى ثمامة عند الهه مثل منزلة محمد ﵇ قيل انه أدخل البيضة فى القارورة وادّعى أنها معجزة فافتضح بنحو ما ذكر أنّ النوشادر اذا ضرب فى الخلّ ضربا جيدا وجعلت فيه البيضة بنت يومها يوما وليلة فامتدّت كالخيط فتجعل فى القارورة ويصب عليها الماء البارد فانها تجمد كذا فى المواهب اللدنية* وفى ربيع الابرار قال الجاحظ كان مسيلمة قبل ادعاء النبوّة يدور
стр. 668
فى الاسواق التى بين دور العرب والعجم كسوق الابلة وسوق بقة وسوق الانبار وسوق الحيرة يلتمس تعلم الحيل والنيرنجات واحتيالات أصحاب الرقى والنجوم ومن حيلته أنه صب على بيضة من خلّ حاذق قاطع فلانت حتى اذا مددتها استطالت واستدقت كالعلك ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس وتركها حتى انضمت واستدارت وعادت كهيئتها الاولى فأخرجها الى قومه وهم قوم اعراب وادّعى النبوّة فامن به جماعة ووضع فى الاخر الصلاة عن قومه وأحلّ الخمر والزنا ونحو ذلك واتفق معه بنو حنيفة الا افذاذا من ذوى عقولهم ومن أراد الله به الخير منهم وكان من أعظم ما فتن به قومه شهادة الدجال ابن عنفوة له باشراك النبىّ ﷺ اياه فى الامر وكان من قصة الدجال انه قدم مع قومه وافدا على النبىّ ﷺ فقرأ القرآن وتعلم السنن وكان يأتى أبيا يقرئه فقدم اليمامة وشهد لمسيلمة على رسول الله أنه أشركه فى الامر من بعده فكان أعظم على أهل اليمامة فتنة من غيره قالوا وسمع الدجال يقول كبشان انتطحا فأحبهما الينا كبشنا وكان ابن عمير اليشكرى من سراة أهل اليمامة وأشرافهم وكان مسلما يكتم اسلامه وكان صديقا للدّجال فقال شعر افشافى اليمامة حتى كانت المرأة والوليدة والصبىّ ينشدونه وهو
يا سعاد الفؤاد بنت أثال ... طال ليلى بفتنة الدجال
فتن القوم بالشهادة والله ... عزيز ذو قوّة ومحال
لا يساوى الذى يقول من الام ... ر قبالا وما احتذى من قبال
انّ دينى دين النبىّ وفى القو ... م رجال على الهدى أمثالى
أهلك القوم محكم بن طفيل ... ورجال ليسوا لنا برجال
بزهم أمرهم مسيلمة اليو ... م فلن يرجعوه أخرى الليالى
قلت للنفس اذ تعاظمها الصب ... ر وساءت مقالة الاقوال
ربما تجزع النفوس من الام ... ر له فرجة كحل العقال
ان تكن ميتتى على فطرة الله ... حنيفا فاننى لا أبالى
فبلغ ذلك مسيلمة ومحكما وأشراف اهل اليمامة فطلبوه ففاتهم ولحق بخالد بن الوليد فأخبره بحال أهل اليمامة ودله على عوراتهم*
قصة سجاح
واستضاف مسيلمة الى ضلالته فى دين الله وتكذبه على الله ضلالة سجاح وكانت امرأة من بنى تميم* وفى القاموس سجاح كقطام امرأة تنبأت وادّعت أنها نبية* وفى الاكتفاء أجمع قومها على أنها نبية فادّعت الوحى واتخذت مؤذنا وحاجبا ومنبرا فكانت العشيرة اذا اجتمعت تقول الملك فى أقربنا من سجاح وفيها يقول عطارد بن حاجب بن زرارة
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
ثم انّ سجاح جيشت جيوشا ورحلت تريد حرب مسيلمة وأخرجت معها من قومها من تابعها على قولها وهم يرون أنّ السجاح أولى بالنبوّة من مسيلمة فلما قدمت عليه خلابها وقال لها تعالى نتدارس النبوّة أينا أحق بها فقالت له سجاح قد أنصفت وفى الخبر بعد هذا ما يحق الاعراض عن ذكره وقيل انّ سجاح توجهت الى مسيلمة مستجيرة به لما وطئ خالد العرب ورأت انه لا أحد أعزّ لها منه وقد كانت أمرت مؤذنها شيث بن ربعى أن يؤذن بنبوّة مسيلمة فكان يفعل فلما قدمت على مسيلمة قالت اخترتك على من سواك ونوّهت باسمك حتى انّ مؤذنى ليؤذن بنبوّتك فخلابها ليتدارسا النبوّة* وفى روضة الاحباب بعث مسيلمة اليها بهدية وخطبها فقبلت الخطبة وسارت الى اليمامة فتزوّجها وجعل مهرها اسقاط صلاتى الفجر والعشاء انتهى ولما قتل مسيلمة أخذ خالد بن الوليد سجاح فأسلمت ورجعت الى
стр. 669
ما كانت عليه ولحقت بقومها وبقيت الى زمان معاوية وصارت مقبولة الاسلام* وفى المنتقى واتفقت مع مسيلمة أكثر بنى حنيفة وغلب على حجر اليمامة وأخرج ثمامة بن أثال عامل رسول الله ﷺ على اليمامة فكتب ثمامة الى رسول الله يخبره فلما توفى رسول الله كتب الى أبى بكر الصدّيق يخبره أنّ أمر مسيلمة قد استغلظ فبعث أبو بكر خالد بن الوليد فى جيش كثير الى حرب مسيلمة وذلك بعد قتال طليحة فانه أوّل من قوتل من أهل الردّة بعد وفاة رسول الله ﷺ وآخر من ارتدّ وسيجىء بقية قصتهما فى الخاتمة*
قصة طليحة بن خويلد
الفرقة الثالثة بنو أسد رئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة آخر من ارتدّ وادّعى النبوّة فى حياة النبىّ ﷺ وأوّل من قوتل بعد وفاته كما مرّ وكان طليحة رجلا من بنى أسد وكان من أشجع العرب يعدل بألف فارس وكان قد قدم على النبىّ ﷺ فى وفد بنى أسد فى السنة التاسعة من الهجرة وأسلموا ولما رجعوا الى قومهم ارتدّ طليحة وادّعى النبوّة فأرسل رسول الله ﷺ ضرار بن الازور الى قتاله فتوفى ﵇ فظهر أمر طليحة وقويت شوكته بعد وفاة النبىّ ﷺ وارتدّ عيينة بن حصن الفزارى مع قومه ومنعوا الزكاة فتبعوا طليحة ولحقوا به وكان طليحة يزعم ان الملك يأتيه ورفع السجود عن الصلاة وأوّل ما صدر عنه وكان سببا لضلال الناس انه كان مع بعض قومه فى سفر فأعوزهم الماء وغلب العطش على الناس فقال اركبوا أعلالا واضربوا أميالا تجدوا بلالا واعلال اسم فرس له ففعلوا فوجدوا الماء فكان ذلك سبب وقوع الاعراب فى الفتنة وستجىء فى الخاتمة* ومما وقع قبل مرضه بشهر ما روى عن ابن مسعود قال نعى لنا نبينا وحبيبنا قبل موته بشهر بأبى هو وأمى ونفسى له الفداء فلما دنا الفراق جمعنا فى بيت أمّنا عائشة وتشدّد لنا وقال مرحبا بكم وحياكم الله بالسلامة رحمكم الله حفظكم الله جبركم الله رزقكم الله رفعكم الله نفعكم الله آواكم الله وقاكم الله أوصيكم بتقوى الله وأوصى الله بكم وأستخلفه عليكم وأحذركم الله انى لكم نذير مبين ألا تعلوا على الله فى عباده وبلاده فانه قال لى ولكم تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا فى الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين وقال أليس فى جهنم مثوى للمتكبرين قلنا يا رسول الله متى أجلك قال دنا الفراق والمنقلب الى الله والى جنة المأوى والى سدرة المنتهى والى الرفيق الاعلى والكاس الاوفى والحوض والعيش الهنى قلنا يا رسول الله من يغسلك قال رجال أهلى الادنى فالادنى قلنا يا رسول الله ففيم نكفنك فقال فى ثيابى هذه ان شئتم أو ثياب مصر أو حلة يمانية قلنا يا رسول الله من يصلى عليك وبكينا وبكى فقال مهلا رحمكم الله وجزاكم عن نبيكم خيرا اذا أنتم غسلتمونى وكفنتمونى فضعونى على سريرى هذا على شفير قبرى فى بيتى هذا ثم اخرجوا عنى ساعة فان أوّل من يصلى علىّ حبيبى وخليلى جبريل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم ملك الموت مع جنود من الملائكة بأجمعهم ثم ادخلوا علىّ فوجا فوجا فصلوا علىّ وسلموا تسليما ولا تؤذونى بتزكية ولا برنة وليبتدئ بالصلاة علىّ رجال أهل بيتى ثم نساؤهم ثم أنتم بعد ثم اقرؤا السلام على من غاب عنى من أصحابى واقرؤا السلام على من تبعنى على دينى من يومى هذا الى يوم القيامة قلنا يا رسول الله من يدخلك قبرك قال أهلى مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم* وفى أنوار التنزيل والمدارك عن ابن عباس أنه قال آخر آية نزل بها جبريل واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون وقال ضعها فى رأس المائتين والثمانين من البقرة وعاش رسول الله ﷺ بعدها احدا وعشرين يوما وقيل احدا وثمانين وقيل سبعة أيام وقيل ثلاث ساعات* وفى تفسير الزاهدى وبكى ابن عباس وقال ختم الوحى كان بالوعيد*
(ذكر ابتداء مرضه وكيفيته)
* روى انه ابتدأ به صداع
стр. 670
فى اواخر صفر لليلتين بقيتا منه يوم الاربعاء فى بيت ميمونة وقيل لليلة وقيل بل فى مفتتح ربيع الاوّل* وفى الوفاء مرض فى صفر لعشر بقين منه وتوفى ﷺ لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاوّل يوم الاثنين انتهى ما ذكره رزين عن أبى حاتم وشهر ربيع هذا من السنة الحادية عشر وكان ابتداء مرضه فى بيت ميمونة وقيل زينب بنت جحش وقيل ريحانة* وذكر الخطابى ان ابتداءه يوم الاثنين وقيل السبت وقيل الاربعاء قاله الحاكم* وحكى فى الروضة قولين وفى مدته اختلاف قيل أربعة عشر يوما وقيل اثنا عشر وقيل ثلاثة عشر وعليه الاكثرون وقيل عشرة وبه جزم سليمان التيمى وهو أحد الثقات بأن ابتداء مرضه يوم السبت الثانى والعشرين من صفر ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الاول* وفى الاكتفاء ولما قفل رسول الله ﷺ من حجة الوداع أقام بالمدينة بقية ذى الحجة والمحرم وصفر وضرب على الناس بعث أسامة بن زيد الى الشام وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الاوّلون وكان آخر بعث بعثه رسول الله فبينا الناس على ذلك ابتدأ صلوات الله عليه وسلامه بشكواه التى قبضه الله فيها الى ما أراد به من رحمته وكرامته فى ليال بقين من صفر أو فى أوّل شهر ربيع الاوّل فكان أوّل ما بدأ به رسول الله ﷺ فيما ذكر انه خرج الى بقيع الغرقد من جوف الليل فأستغفر لهم ثم رجع الى أهله فلما أصبح ابتدأ بوجعه فى يومه ذلك* حدث أبو مويهبة مولى رسول الله قال بعثنى ﷺ من جوف الليل فقال يا أبا مويهبة انى قد أمرت أن أستغفر لاهل هذا البقيع فانطلق معى فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها ثم أقبل علىّ فقال يا أبا مويهبة انى قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فحيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة فقلت بأبى أنت وأمى فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة قال لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربى والجنة ثم استغفر لاهل البقيع ثم انصرف فبدأ به وجعه الذى قبضه الله فيه* وقالت عائشة رجع رسول الله من البقيع فوجدنى وأنا أجد صداعا فى رأسى وأنا أقول وارأساه فقال بل أنا والله يا عائشة وارأساه قالت وكان سكتنى رسول الله ﷺ بالمزاح على تحشم منه فقال وما ضرك لومت قبلى فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك قلت والله لكأنى بك لو قد فعلت ذلك لرجعت الى بيتى فأعرست فيه ببعض نسائك من آخر ذلك اليوم فتبسم رسول الله ﷺ فتمادى به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استقر به وهو فى بيت ميمونة فدعا نساءه فاستأذنهن فى أن يمرّض فى بيتى فأذنّ له فخرج رسول الله يمشى بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن عباس ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتى* وعن ابن عباس ان الرجل الاخر هو على بن أبى طالب ثم عز رسول الله ﷺ واشتدّ به وجعه* وفى رواية بعد ان قال وارأساه فذهب فلم يلبث الا يسيرا حتى جىء به محمولا فى كساء فدخل علىّ وبعث الى النساء فقال انى قد اشتكيت وانى لا أستطيع أن أدور بينكنّ فأذنّ فلأكن عند عائشة فكنت أوضيه ولم أوض أحدا قبله* روى ان رسول الله ﷺ كان يسأل فى مرضه أين أنا غدا أين أنا غدا يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه يكون حيث شاء وكان فى بيت عائشة حتى مات عندها* وفى رواية ان النبىّ ﷺ كان يحمل فى ثوب يطاف به على نسائه وهو مريض يقسم بينهنّ قالت عائشة ثم تمادى به وجعه وهو فى ذلك يدور على نسائه حتى اجتمعن برسول الله ﷺ فى بيت ميمونة فلما رأوا ما به اجتمع رأى من
فى البيت على أن يلدّوه وتخوّفوا أن يكون به ذات الجنب ففعلوا* وفى رواية عن عائشة قالت كانت تأخذ
следующие страницы →