«مجمع البحرين» جمع له فيه ما لم يجمع لأحد من أهل هذا العلم، وله من الفضائل ما شاع وذاع وما نرى ذكر له شيء في ذلك [١] .
- ٣٥٥- الحسن بن المظفر النيسابوري، أبو علي: أديب نبيل شاعر مصنف، ذكره أبو أحمد محمود بن أرسلان في «تاريخ خوارزم» فقال: مات أبو علي الحسن بن المظفر الأديب الضرير النيسابوري ثم الخوارزمي في الرابع من شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وأثنى عليه ثناء طويلا زعم فيه أنه كان مؤدب أهل خوارزم في عصره ومخرّجهم وشاعرهم ومقدمهم والمشار إليه منهم، وهو شيخ أبي القاسم الزمخشري [٢] قبل أبي مضر، وله نظم ونثر وتصانيف، وذكر أن له ولدا اسمه عمر وكنيته أبو حفص أديب فقيه فاضل، وله شعر منه:
سبحان من ليس في السماء ولا ... في الأرض ندّ له وأشباه
أحاط بالعالمين مقتدرا ... أشهد أن لا إله إلا هو
وخاتم المرسلين سيدنا ... أحمد ربّ السماء سماه
أشرقت الأرض بعد بعثته ... وحصحص الحقّ من محياه
ومات أبو حفص هذا في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
ووجدت للحسن بن المظفر من التصانيف: كتاب تهذيب ديوان الأدب. وكتاب تهذيب إصلاح المنطق. وكتاب ذيله على تتمة اليتيمة لم أقف على اسمه. كتاب ديوان شعره مجلدتان. كتاب ديوان رسائله. كتاب محاسن من اسمه الحسن. كتاب زيادات أخبار خوارزم.
стр. 1017
نقلت من الكتاب الذي وصل به «تتمة اليتيمة» وذكر فيه أشياء من شعره ورسائله ختم بها كتابه وهو أنه قال: الحسن بن المظفر النيسابوري مؤلف الكتاب نيسابوري المحتد خوارزمي المولد، وممن كان عارفا بنفسه غير مفتون بنظمه ونثره، فإنه سلك طريق أبي منصور الثعالبي ﵀ فيما أورده من شعره في آخر كتاب «تتمة اليتيمة» ، فأورد نبذا مما يستحسن من كلامه ويستبدع من نظامه:
فمن نثره الساذج رقعة له: عرّف الله الشيخ الرئيس بركة شهر رمضان، ووفقه من طاعته لما يكتسب به العفو والغفران، ولولا العذر الواقع من الوحول، لقصدت مجلسه أعلاه الله بالتهنئة والتسليم، وقضاء حقه العظيم، هذا أدام الله تمكينه وعهدي به يعدّني من جملة عياله، ويخصّني كلّ وقت بأفضاله، فليت شعري لم عدل إلى الفطام عن ذلك الانعام؟ فإن كان نسيان فقد جاءه ذكري، وإن كان هجران فحاشاه من هجري.
وله من أخرى: الشيخ يسترقّ الأحرار بعوائد فضله وبواديه، حتى لا حرّ بواديه [١] .
ومن نظمه:
أهلا بعيش كان جدّ موات ... أحيا من اللذات كلّ موات
أيام سرب الأنس غير منفّر ... والشمل غير مروّع بشتات
عيش تحسّر ظلّه عنّا فما ... أبقى لنا شيئا سوى الحسرات
ولقد سقاني الدهر ماء حياته ... والآن يسقيني دم الحيّات
لهفي لأحرار منيت بفقدهم [٢] ... كانوا على غير الزمان ثقاتي
قد زالت البركات عنّي كلّها ... بزيال سيدنا أبي البركات
ركن العلا والمجد والكرم الذي ... قد فات في الحلبات أيّ فوات
فارقت طلعته المنيرة مكرها ... فبقيت كالمحصور في الظلمات
стр. 1018
أضحي وأمسي صاعدا زفراتي ... لفراقه متحدرا عبراتي
وأنشد فيه لنفسه:
جبينك الشمس في الأضواء والقمر ... يمينك البحر في الإرواء والمطر
وظلّك الحرم المحفوظ ساكنه ... وبابك الركن للقصّاد والحجر
وسيبك الرزق مضمون لكلّ فم ... وسيفك الأجل الجاري به القدر
أنت الهمام بل البدر التمام بل ... السيف الحسام الهذام الصارم الذكر
وأنت غيث الأنام المستغاث به ... إذا أغارت على أبنائها الغير
وأنشد لنفسه:
أريّا شمال أم نسيم من الصّبا ... أتانا طروقا أم خيال لزينبا
أم الطالع المسعود طالع أرضنا ... فأطلع فيها للسعادة كوكبا [١]
قال أبو علي الضرير: رأيت ابن هودار في المنام بعد موته فقلت له: لقد تحوّلت من دار إلى دار، فهل رأيت قرارا يا ابن هودار؟ قال: فأجابني
لا بل وجدت عذابا لا انقطاع له ... مدى الليالي وربا غير غفّار
ومنزلا مظلما في قعر هاوية ... قرنت فيها بكفّار وفجار
فقل لأهلي موتوا مسلمين فما ... للكافرين لدى الباري سوى النار
- ٣٥٦- الحسن بن ميمون النصري: أحد بني نصر بن قعين بن طريف بن أسد بن خزيمة، روى عنه محمد بن النطاح، وكان أخباريا عارفا. ذكره محمد بن إسحاق وقال: له من الكتب كتاب الدولة. كتاب المآثر.
стр. 1019
- ٣٥٧-
الحسن بن وهب بن سعيد بن عمرو بن حصين بن قيس بن قنان [١] بن متى، أبو علي الكاتب السديد العالم: ولي الولايات الجليلة، وتقلد الأعمال النبيلة، وكان يكتب أولا لمحمد بن عبد الملك الزيات الوزير وولي ديوان الرسائل. وسليمان بن وهب الوزير هو أخوه. مات الحسن بن وهب في آخر أيام المتوكل بالشام وهو يتقلد البريد بنواحيها ومولده سنة ست وثمانين ومائة.
قال محمد بن إسحاق النديم [٢] : كتب قنان بن متى جد الحسن ليزيد بن أبي سفيان أخي معاوية لما ولي الشام من قبل عمر بن الخطاب، ثم كتب لأخيه معاوية بعده، ثم وصله معاوية بابنه يزيد وفي أيامه مات، فاستكتب يزيد ابنه قيس بن قنان ثم كتب قيس بعد يزيد لمروان بن الحكم، ثم لابنه عبد الملك، ثم لهشام بن عبد الملك، وفي أيامه مات، فاستكتب هشام ابنه الحصين بن قيس ثم استكتبه من بعده إلى أيام مروان، وخرج معه إلى مصر، فلما قتل مروان صار ابن هبيرة إلى المنصور وأخذ للحصين أمانا، فخدم المنصور والمهديّ، وتوفي مع المهدي في طريق الريّ، فاستكتب المهدي ابنه عمرا، ثم كتب لخالد بن برمك، ثم توفي وخلّف سعيدا، فما زال في خدمة آل برمك، وتحرك ابنه وهب فكتب بين يدي جعفر بن يحيى، ثم صار في جملة ذي الرياستين الفضل بن سهل، فكان ذو الرياستين يقول: عجبت لمن معه وهب كيف لا تهمه نفسه، فلما قتل الفضل استكتبه أخوه الحسن بن سهل بعده، وقلّده كرمان وفارس فأصلحها، ثم وجّه به إلى المأمون في رسالة من فم الصّلح، فغرق في طريقه بين بغداد وفم الصلح، وكتب ابنه
стр. 1020
سليمان بن وهب للمأمون وهو ابن أربع عشرة سنة، ثم كتب لإيتاخ التركي، ثم لأشناس التركي، وكانا عظيمي القدر، ثم ولي وزارة المعتمد على الله.
وللحسن ولسليمان ابني وهب شعر مليح ورسائل بليغة مدونة؛ قال المرزباني:
بنو وهب أصلهم نصارى من خسرو سابور من أعمال واسط، تعلقوا بنسب في اليمن في بني الحارث بن كعب، وكان عبيد الله وابنه القاسم يدفعان ذلك. والحسن بن وهب هو القائل [في بنات جارية محمد بن حماد كاتب] راشد، وغنّت عليها:
سأكرم نفسي عنك حسب إهانتي ... لها فيك إن قرّت وكفّ نزاعها [١]
هي النفس ما كلّفتها قطّ خطة ... من [الأمر] إلا قلّ عنها امتناعها
صدقت لعمري أنت أكبر همّها ... فما جهدها إذ قلّ منك انتفاعها
وقال في رواية المرزباني أيضا:
أما الفراق فحين جدّ ترحلت ... مهج النفوس له عن الأجساد
من لم يبت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تفتّت الأكباد
قال بعضهم: مررت بقبر الحسن بن وهب بدمشق وعليه مكتوب [٢] :
مقيم بالمجازة من قنونا ... وأهلك بالأجيفر والثماد [٣]
ألا فاصبر [٤] فكلّ فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي
قال الصولي: كان من أول أمر الحسن بن وهب اتصاله بمحمد بن عبد الملك الزيات في آخر أيام المأمون، وكان محمد يلي النفقات وغير ذلك، ثم علا أمره في أيام المعتصم فكان لا يبرح من داره إلى أن وزر ابن عمار للمعتصم، وكان محمد بن عبد الملك ينوب عنه، وأمّر محمد على الكتابة الحسن بن وهب.
стр. 1021
ولما نكب الواثق سليمان بن وهب، كما هو مذكور في بابه، قال الحسن بن وهب [١] :
خليليّ من عبد المدان تروّحا ... ونصّا صدور العيس حسرى وطلّحا
فإن سليمان بن وهب بمنزل ... أصاب صميم القلب [مني فأقرحا]
أسائل عنه الحارسين بحسبه ... إذا ما أتوني [كيف أمسى وأصبحا]
وكتب إلى أخيه سليمان وهو بالحبس، ونكبه الواثق [٢] :
اصبر أبا أيوب صبرا يرتضى ... فإذا جزعت من الخطوب فمن لها
الله يفرج بعد ضيق كربها ... ولعلها أن تنجلي ولعلها
وقال وقد رآني فارغا من الهوى والشرب: نراك فارغا في هذا اليوم، فقال:
نعم، ولذلك لا أعده من عمري:
إذا كان يومي غير يوم مدامة ... ولا يوم فتيان فما هو من عمري
وإن كان معمورا بعود وقهوة ... فذلك مسروق لعمري من الدهر
وكان أشد الناس شغفا ببنات جارية محمد بن حماد، فجاءت يوما إليه وهو مخمور، فسلمت عليه وقبلت يده، فأراد تقبيل يدها فارتعش فقال:
أقول وقد حاولت تقبيل كفها ... وبي رعدة أهتزّ منها وأسكن
فديتك إني أشجع الناس كلهم ... لدى الحرب إلا أنني عنك أجبن
وكان في أهل الحسن بن وهب عجوز اسمها منى، فعذلته في بنات هذه، فأحضرها مجلسه وسمعت غناءها، فقال الحسن:
ويوم سها عنه الزمان فأصبحت ... نواظره قد حار عنها بصيرها
خلوت بمن أهوى به فتكاملت ... سعودا ودار النحس عنها مديرها
أما تعذريني يا منى في صبابتي ... بمن وجهها كالشمس يلمع نورها
فقالت: لست أعاود لومك بعدها.
стр. 1022
وحدث أحمد بن سليمان بن وهب قال: رآني عمي الحسن وأنا أبكي لفراق بعض من ألفته، فقال وجوّد:
ابك فما أنفع ما في البكا ... لأنه للوجد تسهيل
وهو إذا أنت تأملته ... حزن على الخدين محلول
وحدث أيضا قال قال لي عمي في يوم غيم: اكتب إلى فلان فادعه، فأطلت الخطاب، فقال دع ذاك واكتب:
بحسن هذا الضباب ... وحرمة الأصحاب
وطيب يوم التلاقي ... بطاعة الأحباب
إلّا أطعت رسولي ... وكنت أنت جوابي
وكتب الحسن إلى مالك بن طوق في حاجة: كتابي هذا بخطي بعد أن فرّغت له ذهني، فما ظنك بحاجة هذا موقعها مني؟ فإن أحسنت لم أقصر في الشكر، وإن قصرت لا أقبل العذر.
ولأحمد بن الدورقي يهجو الحسن بن وهب:
لا بدّ يا نفس من سجودي ... للقرد في دولة القرود
هبت لك الريح يا ابن وهب ... فخذ لها أهب ة الركود
وللحسن بن وهب:
بنفسي وأهلي فاتن الطرف فاتره ... محكمة أجفانه ومحاجره
يباشر خدي خده فكأنني ... بناظر أحشائي وقلبي أباشره
وقيل: كان على باب الحسن مسجد يصلى فيه أيام، فاتفق أن بنات التي كان يتعشقها جاءت إليه واشترطت عليه أن تمضي وقت صلاة عشاء الآخرة، فكتب إلى الإمام:
قل لداعي الصلاة أخّر قليلا ... قد قضينا حقّ الصلاة طويلا
ليس في ساعة تؤخرها إث ... م يجازى بها وتحيي قتيلا
وتراعي حق المودة فينا ... وتعافى من أن تكون ثقيلا
فحلف أن لا يؤذن العتمة شهرا.
стр. 1023
- ٣٥٨-
الحسن بن وهب الموصلايا ،
أبو علي، الكاتب المجرد النصراني: أصله من الموصل، كاتب ديوان الإنشاء في أيام القائم والمعتمد، وكان يكتب خطا [يحكي] خطّ أبي عبد الله ابن مقلة. مات سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
- ٣٥٩-
الحسن بن يسار البصري:
هو الحسن بن أبي الحسن البصري الفقيه القارىء العابد المشهور، مات في سنة عشر ومائة، وهو مولى أم سلمة، يكنى أبا سعيد، وكان مولده لسنتين خلتا من خلافة عمر ﵁، فعمره ست وتسعون سنة.
وقيل إنه كان من سبي ميسان، سبي لما فتحها المغيرة بن شعبة في عهد عمر ﵁. وقيل إنّ عرض زنده كان شبرا. وكان يتكلم في شيء من القدر ثم رجع عنه، وكان يأتيه أصحابه فيقولون له: يا أبا سعيد، إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون الأموال ويقولون: إنما نجري على قدر الله ، فيقول: كذبوا أعداء الله.
كان فصيحا بليغا زاهدا عابدا عالما عاملا واعظا صادقا قائلا فاعلا، تؤخذ عنه فنون الشرع، ويشبه رؤبة بن العجاج في فصاحة لهجته، وكان أوحد زمانه في معناه.
وقيل ليونس: أتعرف أحدا يعمل مثل عمل الحسن؟ فقال: والله ما أعرف أحدا يقول مثل قوله فكيف يعمل بعمله؟! وقال: كان إذا أقبل فكأنه أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أسير يضرب
стр. 1024
عنقه، وإذا ذكرت له النار فكأنها لم تخلق إلا له، وكان من فزعه قوله الحقّ عند من يخاف شرّه.
قيل: وكان الحسن ابن جارية لأمّ سلمة، فكانت أم سلمة تبعث بأمه في الحاجة، فتأخذه أم سلمة وترضعه، فيرون أن تلك الحكمة إنما كانت من لبن أم سلمة.
قال الشيخ: أم سلمة هذه ليست أمّ المؤمنين زوجة رسول الله ﷺ ، تلك أم سلمة بنت أمية بن المغيرة المخزومية، وهذه أمّ سلمة بنت مطية بن عامر بن كعب بن سلمة، كانت عند زيد بن ثابت.
قال حماد بن زيد: جالست الحسن أربع سنين فما سألته عن شيء هيبة له.
وقيل إنه أدرك من الصحابة مائة وثلاثين.
وكان بعض الأعراب يجالس الحسن ولا يسأله عن شيء، فقال له يوما: ما أراك تسأل شيئا من أمر دينك، فقال:
مهما جهلت فقد علمت ... بأنني عبد أموت
والناس في طلب الغنى ... وغناؤهم في ما يفوت
شاءوا لغيرهم ونا ... دوا والقبور هي البيوت
فكان الحسن يتمثل بهذه الأبيات غدوة وعشية.
قيل: كان بين الحسن البصري وبين ابن سيرين هجرة، فكان إذا ذكر ابن سيرين يقول: دعونا من ذكر الحاكة؛ وكان بعض أهل سيرين حائكا. فرأى الحسن في منامه كأنما [هو] عريان قائما على مزبلة يضرب بالعود، فأصبح مهموما برؤياه، فقال لبعض أصحابه: امض إلى ابن سيرين فقصّ عليه رؤياي على أنك أنت رأيتها، فدخل على ابن سيرين وذكر له الرؤيا، فقال له ابن سيرين: قل لمن رأى هذه الرؤيا لا يسأل الحاكة عن مثل هذا، فأخبر الرجل الحسن بمقاله فعظم لديه وقال: قوموا بنا إليه، فلما رآه ابن سيرين قام له وتصافحا وسلّم كلّ واحد منهما على صاحبه وجلسا يتعاتبان، فقال له الحسن: دعنا من هذا فقد شغلت الرؤيا قلبي، فقال له ابن سيرين: لا تشغل قلبك فإن العري عريّ من الدنيا، ليس عليك منها علقة، وأما
стр. 1025
المزبلة فهي الدنيا قد انكشفت لك أحوالها، فأنت تراها كما هي في ذاتها، وأما ضربك العود فإنها الحكمة التي تتكلم بها وتنفع بها الناس. فقال له الحسن: فمن أين لك أني رأيت هذه الرؤيا؟ قال ابن سيرين: لما قصّها عليّ فكرت فلم أر أحدا يصلح أن يكون رآها غيرك.
قيل: فقد أصحاب الحسن الحسن فجعلوا يطلبونه حتى وجدوه جائيا من خارج البصرة فقالوا: يا أبا سعيد أين كنت فقد طال طلبنا لك؟ فقال: كنت عند إخوان لي جلست إليهم، إن قمت عنهم لا يغتابوني، وإن جلست إليهم ذكّروني، قال: فنظرنا فإذا هو قد جاء من الجبانة.
وقيل له: فلان في النزع، قال: وما معنى النزع؟ قالوا: خروج النفس، قال: هو في هذا منذ خلق.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن أن عظني، فكتب إليه: أما بعد فلو كان لك عمر نوح وملك سليمان وتفنن إبراهيم وحكمة لقمان فإن وراءك عقبة وهي الموت، ومن ورائها داران إن أخطأتك هذه صرت إلى هذه، والسلام.
وقيل إنه كان ممن خرج مع ابن الأشعث على الحجاج وولى معه.
وكتب للربيع بن زياد والي خراسان، وكتب لأنس بن مالك بسابور.
- ٣٦٠-
الحسن بن يحيى بن أبي منصور المنجم:
كان فاضلا أديبا شاعرا، مات في سنة تسع وتسعين ومائتين في أيام المقتدر، لما مات أخوه علي بن يحيى رثاه ابن المعتز بقصيدة، فكتب الحسن إلى ابن المعتز: قرأت لك يا مولاي شعرا رثيت به وليّك المحبّ لك القائل بفضلك، أخي، فبعثني استحسانه على أن أجيب عنه بجواب إن قصّرت فيه فلم تقصّر نيتي ومحبتي وإخلاصي، وقد كتبت به إليك آخر كتابي هذا، واجترأت على إجابتك ثقة بفضلك أن لا تصرف عيبا إن أتى به وليّك إلا إلى الذي هو أجمل، وهو:
стр. 1026
لا قطعت الأيام إلا بعيش ... ترتضيه ونعمة وسرور
وأطال الاله عمرك للعلم ... وطلّابه وجبر الكسير
يا ضياء ذلّت له الشمس والبد ... ر ونورا أوفى على كلّ نور
يا جمال الدنيا ويا زينة الملك ... ومفتاح كلّ أمر عسير
يا كريما يفوق كلّ كريم ... وجوادا يفيض فيض البحور
قد نظمت الأبيات نظم مجيد ... ونسجت القريض نسج قدير
ورثيت الميت الذي كان في ودّ ... ك مستبصرا صحيح الضمير
قائلا بالذي يقول به الأحرار ... من بثّ فضلك المشكور
ناصح الجيب صادعا فيك بالحقّ ... بمدح محبّر مشهور
أينما كنت فهو منك قريب ... في مقام أزمعته أو مسير
لا تبالي إذا بقيت سليما ... أن ترى في جوار أهل القبور
وقليل لك المديح وأن ند ... عو لك الله بالبقا والحبور
وتكون النفوس منا فدا نف ... سك من كلّ حادث محذور
فكتب إليه ابن المعتز:
لئن جذّ منه الموت فرع أراكة ... فمزق ظلّ الودّ منه فعرّاني
لقد نشرت أوراق آخر بعده ... عليّ فعاد الظلّ منه فغطاني
ومن شعر الحسن بن يحيى:
رأيت الهلال على وجهه ... فلم أدر أيهما أنور
سوى أن ذاك بعيد المزار ... وهذا قريب لمن ينظر
وذاك يغيب وذا حاضر ... وما من يغيب كمن يحضر
ونفع الهلال قليل لنا ... ونفع الحبيب لنا أكثر
стр. 1027
- ٣٦١-
الحسن بن يعقوب بن أحمد بن محمد
أبو بكر الأديب ابن الأديب: كان أستاذ أهل نيسابور في عصره. كان عالما في الاعتزال داعيا إلى الشيعة. رأيت شيئا من خطه وصورة سماع تاريخه سنة سبع عشرة وخمسمائة وفيها مات.
- ٣٦٢-
الحسن بن أبي المعالي بن مسعود بن الحسين
أبو علي الحلّي المعروف بابن الباقلاني النحوي: ولد سنة ثمان وستين وخمسمائة، وهو أحد أئمة العربية في العصر، سمع من أبي الفرج أبن كليب وغيره، وقرأ العربية على أبي البقاء العكبريّ، واللغة على أبي محمد ابن المأمون [١] ، وقرأ الكلام والحكمة على الامام نصير الدين الطوسي [٢] ، وانتهت إليه الرياسة في هذه الفنون وفي علم النحو، وأخذ فقه الحنفية عن أبي المحاسن يوسف بن إسماعيل اللمغاني [٣] الحنفي، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، وكان ذا فهم ثاقب وذكاء وحرص على العلم، وكان كثير المحفوظ، وكتب الكثير بخطه، ذا وقار مع التواضع ولين الجانب، لقيته ببغداد سنة ثلاث وستمائة وكان آخر العهد به.
стр. 1028
- ٣٦٣-
أبو الحسن البوراني النحوي:
ذكره محمد بن إسحاق [١] في نحاة المعتزلة ووصفه بالتدقيق في مسائل الكتاب لسيبويه، وكان من طبقة أبي علي الفارسي.
- ٣٦٤-
الحسين بن إبراهيم بن أحمد النطنزي
أبو عبد الله النحوي اللغوي: منسوب إلى نطنزة، بليد بنواحي أصبهان، مات سنة سبع [٢] وتسعين وأربعمائة، وكان يلقب بذي اللسانين، قرأ عليه أبو سعد السمعاني، وأنشد من شعره:
قالوا يزورك أحمد وتزوره ... قلت الفضائل لا تفارق منزله
إن زارني فبفضله أو زرته ... فلفضله فالفضل في الحالين له
وله:
أيا لهفي على زمن التصابي ... إذ الرشأ الرشيق لنا عشيق
وغصن شبابنا غضّ وريق ... ونقل شرابنا عضّ وريق [٣]
- ٣٦٥-
الحسين بن إبراهيم بن خطاب أبو عبد الله:
أحد العلماء البلغاء الفضلاء
стр. 1029
الثقلاء [١] . بغداديّ الأصل والمنشأ، قرأ الأدب على أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي وتخرّج به، وسمع مصنفاته. مات سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
- ٣٦٦-
الحسين بن أحمد بن محمد السلامي
أبو علي البيهقي الحواري، الأديب المؤرّخ: مات في سنة ثلاثمائة، وهو من تلاميذ إبراهيم بن محمد البيهقي، وكان أبو بكر الخوارزمي من تلاميذه. فمن شعره من قصيدة:
لهفي على عمر أفنيته هدرا ... في خدمة لك لم أكسب به غنما
ما اعتضت من طول أيامي التي سلفت ... في صحبتي لك إلا الخسر والندما
لأجشمنّ اختراق الأرض ذا خبب ... يشجّ بي في بعادي دونك الأكما
محوّلا عنك آمالي برمّتها ... مستغنيا بعطاء الله معتصما
حتى يهيّء ربّ العرش لي سببا ... في حين لا ذلة أخشى ولا غرما
فالحرّ يبذل دون الذلّ مهجته ... والعبد يخنع مهما ضيم واهتضما
الله يعقب من يرجوه خير غنى ... والله أعون ذي نصر لمن ظلما
ومن أبيات:
فراقكم أبقى بقلبي حرارة ... وضاق بها عنّي مقامي ومقعدي
وكيف يطيب العيش لي في مغيبكم ... وأنتم منى نفسي وغاية مقصدي
ورد أبو القاسم جعفر بن الحسين الأطروش العلوي المقلب بالناصر جرجان مستوليا عليها، وكان أديبا شاعرا خطيبا ومعه ابن أبي دهمان الأديب، فقال ابن أبي
стр. 1030
دهمان يوما للسلامي: إن الناصر مائل إليك مقرّب لك فضل تقريب، فأهد إليه من قولك هدية تكون لك عنده تحية، فأنفذ إليه السلامي بهذين البيتين:
شكا الدين والجود حاليهما ... فأشكاهما الله بالناصر
فأيّد ركن الهدى بالتقى ... وعمّ الورى بالندى الغامر
فلما دخل السلاميّ من الغد إلى أبي القاسم قال: قد حملوا إليّ هديتك وتحيتك، ووجدت حروفها قليلة جامعة، ومعانيها جليلة رائعة، كالجوهر الخفيف وزنه الغالي ثمنه، فبرّك بها عندنا مقبول، وحبلك موصول، وذمامك محفوظ. فقال السلامي: إيها أيها السيد، قد زينت تلك الهدية بجميل وصفك، وشهّرتها بلطيف رصفك، وأعطيتني بها غاية الأعطية، وحبوتني بها نهاية الأحبية، فما ربح أحد من متحلّي [١] هذه الصناعة ما ربحته على هذه الصناعة، فعمل مبرور، وسعي مشكور، فأنا بحسن العوض مغمور، وبكريم المثوبة مبهور، فالتفت أبو القاسم إلى من حضره وقال:
لا يكمل الفضل للمذكور بالحسب ... إلا بزينة فضل العلم والأدب
- ٣٦٧-
الحسين بن أحمد بن خالويه بن حمدان
أبو عبد الله اللغوي النحوي: من كبار أهل اللغة والعربية أصله من همذان، ودخل بغداد طالبا للعلم سنة أربع عشرة
стр. 1031
وثلاثمائة فلقي فيها أكابر العلماء وأخذ عنهم، فقرأ القرآن على الإمام ابن مجاهد، والنحو والأدب على أبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن الأنباري ونفطويه، وأخذ اللغة عن أبي عمر الزاهد، وسمع من محمد بن مخلد العطار وغيره، وقرأ على أبي سعيد السيرافي وأخذ عنه المعافى بن زكريا النهرواني وآخرون، وانتقل إلى الشام ثم إلى حلب فاستوطنها ونفق بها سوقه وتقدم في العلوم حتى كان أحد أفراد عصره، وكانت الرحلة إليه من الآفاق، واختصّ بسيف الدولة بن حمدان فحظي لديه ونفق عليه وأفضل عليه أفضالا، وعاش في بلهنية إلى أن مات في سنة احدى وسبعين وثلاثمائة، وقرأ عليه آل حمدان وكانوا يجلونه ويكرمونه فانتشر علمه وفضله وذاع صيته، وله مع أبي الطيب المتنبي مناظرات.
ودخل يوما على سيف الدولة فلما مثل بين يديه قال له: اقعد ولم يقل اجلس، قال ابن خالويه: فعلمت بذلك اعتلاقه بأهداب الأدب، واطّلاعه على أسرار كلام العرب. (قلت: قال ابن خالويه هذا لانه يقال للقائم اقعد وللنائم والساجد اجلس) .
وقال أبو عمرو الداني في «طبقات القراء» : كان ابن خالويه عالما بالعربية حافظا للغة بصيرا بالقراءة ثقة مشهورا روى عنه غير واحد من شيوخنا: عبد المنعم بن غلبون والحسن بن سليمان وغيرهما.
وروي أنّ رجلا جاء إلى ابن خالويه وقال له أريد أن أتعلّم من العربية ما أقيم به لساني فقال: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو فما تعلمت ما أقيم به لساني.
وذكر ابن خالويه في «أماليه» [١] أن سيف الدولة سأل جماعة من العلماء بحضرته ذات ليلة: هل تعرفون اسما ممدودا وجمعه مقصور فقالوا لا، فقال لي: ما تقول أنت؟ قلت: أنا أعرف اسمين، قال: ما هما؟ قلت: لا أقول لك إلا بألف درهم لئلا تؤخذ بلا شكر وهما صحراء وصحارى وعذراء وعذارى.
وقال: سمعت ابن الأنباري يقول: اللئيم الراضع الذي يتخلّل ويأكل خلاله.
وقال: حدثنا نفطويه عن أبي الجهم عن الفراء أنه سمع أعرابيا يقول: قضت
стр. 1032
علينا السلطان، قلت: السلطان يذكر ويؤنث والتذكير أعلى، ومن أنثه ذهب به إلى الحجة.
وحكى عن أبي عمر الزاهد أنه قال في معنى قوله ﷺ : «إذا أكلتم فرازموا» أي افصلوا بين اللقمة والطعام باسم الله تعالى.
وحكى عنه أبو بكر الخوارزمي وهو من تلامذته أنه قال: كل عطر مائع فهو الملاب، وكل عطر يابس فهو الكباء، وكل عطر يدق فهو الألنجوج. وكان إذا تكلم قصد التقعير في كلامه، واستعمل وحشيّ اللغة: وجدت على ظهر كتاب بإسناد مرفوع إلى أحمد بن كاشقر قال: جئت أبا عبد الله ابن خالويه فلما نظرني من بعيد قال لي: ما تبغي من علومنا نحوا أم لغة؟ فقلت: لا أحرم شيئا، فقال: اجعل حندورتك في قهبلي، وخذ المزبر بشناترك، فلا أنغو بنغوة إلا جعلتها في حماطة جلجلانك، ونحّ الكنفشة على الحذنّة، واجعل اللّمص في العرين [١] ، واشرب ثم اشرب. فقلنا: إن رأى الأستاذ، أيده الله، أن يأمر غلامه بإسراج الشمعة فقد ادلهمّ النهار فاندفع، فقال [٢] : حدثنا أبو العباس الأرزق قال: جئت الشافعي رحمة الله عليه، فقلت له: يا أبا عبد الله تتحقق هذا الفقه فتأخذ الجوائز عليه، والأرزاق السنية، ونحن، فليس لنا إلا هذا الشعر وقد جئت تداخلنا فيه، والآن جئتك بأبيات قلتها إن أجزتها ببيت من الشعر فلك الحكم، وإن عجزت عنها تتوب. فقال لي الشافعي: إيه، قال أبو العباس: فأنشدته:
ما همتي إلا مقارعة العدا ... خلق الزمان وهمتي لم تخلق
والناس أعينهم إلى سلب الغنى ... لا يسألون عن الحجى والأولق
لكنّ من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدان مفترقان أيّ تفرّق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلقي
فقال الشافعي، ﵁: ألا قلت كما أقول ارتجالا:
стр. 1033
إن الذي رزق اليسار ولم يصب ... حمدا ولا أجرا لغير موفّق
فالجدّ يدني كلّ أمر شاسع ... والجدّ يفتح كلّ باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدودا أتى ... عودا فأورق في يديه فصدّق
ومتى سمعت بأن مجدودا حوى ... ماء ليشربه فغاض فحقق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
تفسير غريب هذه الحكاية: الحندورتان: العينان. والقهبل: الوجه.
والمزبر: القلم. والشناتر: الأصابع. ولا أنغو نغوة: أي لا ألفظ بلفظة إلا جعلتها في حماطة جلجلانك: يعني في سويداء قلبك. والكنفشة: العمامة. والحذنّة:
الأذن. واللمص: الفالوذ. والعرين: اللهوات. واشرب: احفظ. واشرب:
اجعله في وعاء.
قيل: حضر المتنبي مجلس أبي علي الحسن بن نصر البازيار وزير سيف الدولة، وهناك ابن خالويه، فتماريا في أشجع السلمي وأبي نواس، فقال ابن خالويه: أشجع أشعر إذ قال في هارون الرشيد [١] :
وعلى عدوّك يا ابن عمّ محمد ... رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبّه رعته وإذا غفا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام
فقال المتنبي: لأبي نواس ما هو أحسن من هذا، قوله في آل برمك [٢] :
لم يظلم الدهر إذ توالت ... فيهم مصيباته دراكا
كانوا يجيرون من يعادي ... منه فعاداهم لذاكا
ثم قال المتنبي: أبو نواس أشهر في الدنيا من الدنيا:
قل للذي قاس به غيره ... أقست يسراك إلى اليمنى
فابك على عقلك من نقصه ... بكاء قيس من هوى لبنى
نقلت من خطّ ابن خالويه في نسخة كتاب كتبه إلى سيف الدولة يخبره بما يقرىء ولديه: أبا المكارم وأبا المعالي، قال في أثنائه: فإن قيل لنا كيف صرّفت الفعل من
стр. 1034
بسم الله، والأسماء لا تتصرف حيث قلت:
لقد بسملت ليلى غداة لقيتها ... فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل
فالجواب أنّ العرب فعلت ذلك في سبع كلمات شذّت وكثر استعمالهم إياهن، وهن: بسمل إذا قال: بسم الله، وحمدل إذا قال: الحمد لله، وحيعل إذا قال:
حيّ على الفلاح، وجعفل إذا قال: جعلت فداك، وحولق: إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وأما حوقل الشيخ فمعناه دنا للفناء إذا ادرهمّ [١] وخرف وصار همّا إنقحلا [٢] ونيّف على المائة شررى قال الراجز:
يا قوم قد حوقلت أو دنوت
والحرف السابع: هيلل إذا قال: لا إله إلا الله، لا ثامن لها.
قال المؤلف، رفق الله به: الذي ذكره ابن خالويه سبعة، ونسي الثامن وهو حسبل إذا قال: حسبنا الله.
وفي الخبر المنقول من خطّه ما يدلّ على أن ابن خالويه جاوز المائة من عمره، والله أعلم.
ومما مدح به ابن خالويه:
إن غاب عنّا شخص سيبويه ... وثعلب أو فاد نفطويه
فنحن نغنى بابن خالويه ... زمام هذا الأمر في يديه
ومرجع الحكم بنا إليه ... أثني بما أعلمه عليه
وكتب إلى سيف الدولة في أول رقعة:
أصبحت كالوالد البرّ الرحيم بنا ... وهل يخاف جفاء الوالد الولد
يا غرة الدين إنّ الناس قد علموا ... أن لا يقوم بهم إلا بك الأود
لولا تراث [من الإسلام] وسطهم ... لكفّروا لك معذورين أو سجدوا
قال كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة أدام الله علوه: وجدت بخطّ بعض أصحاب ابن خالويه على جزء، وعليه خطه: سأل سيف
стр. 1035
الدولة جماعة من العلماء بحضرته ذات ليلة: هل تعرفون اسما ممدودا وجمعه مقصور؟ فقالوا: لا. فقال: يا ابن خالويه، ما تقول أنت؟ فقال: أنا أعرف اسمين [ممدودين] وجمعهما مقصور. قال: ما هما؟ قال: صحراء وصحارى وعذراء وعذارى. فلما كان بعد شهر كتبت إليه: إني قد أصبت حرفين آخرين ذكرهما الجرمي في كتاب [التثنية والجمع] وهما صلفاء وصلافى، وهي الأرض الغليظة، وخبراء وخبارى، وهي أرض فيها ندوة. فلما كان بعد عشرين سنة من هذا الحديث: أمليت هذه الأحرف على أبي القاسم العقيقي، أيده الله، فلما مضى إلى دمشق كتبت إليه:
إنه بإقبال الشريف ويمنه لما استعبر [ت] هذه الأحرف وجدت حرفا خامسا ذكره ابن دريد في «الجمهرة» وهو سبتاء وسباتى وهي الأرض الخشنة [١] .
ومن شعر ابن دريد يصف برد همذان [٢] :
إذا همذان اعتادها القرّ وانثنى ... برغمك أيلول وأنت مقيم
فعينك عمشاء وأنفك سائل ... ووجهك مسوّد البياض بهيم
وأنت أسير البرد تمشي تعلة ... على [الأين] تحبو مرة وتقوم
بلاد إذا ما الصيف أقبل جنّة ... ولكنها عند الشتاء جحيم
قرأت بخط ابن خالويه نسخة كتاب إلى سيف الدولة: ذكر الله أكبر، والشعر أحقر وأصغر، وثناء الله أسنى وأشرف، وبقاؤه أولى وأطرف، ومديح مولانا سنّة بل واجب فرض:
ملك كأنّ الله قبل كتابه ... أعطاه مما شاء فوق مراده
أحيا الندى كرما ونفّق محسنا ... بالجود سوق العلم بعد كساده
وسما بهمّته التي لو أنها ... للصبح ما انتفع الدجى بسواده
فالدهر حين يصول من خدّامه ... والبدر حين يلوح من حسّاده
ألف الثناء فما يقرّ نداه من ... إتهامه في الأرض أو إنجاده
стр. 1036
والمجد ليس يصون طارفه امرؤ ... ما لم يهن بالجود عزّ تلاده
من لم ينل رتب العلاء لنفسه ... لم يعلم الميراث من أجداده
أعطى فخلنا الغيث من سؤّاله ... وسطا فقلنا الموت من أنجاده
هو غاية الأمل الذي ما خلفه ... طلب لطالبه ولا مرتاده
فإذا دهيت من الزمان فواله ... وإذا سئمت من الزمان فعاده
ولابن خالويه من التصانيف كتاب أسماء الأسد، ذكر له فيه خمسمائة اسم.
وكتاب إعراب ثلاثين سورة [١] . وكتاب البديع في القراءات [٢] . وكتاب اشتقاق خالويه. وكتاب ليس وهو كتاب جيد نفيس [٣] يدل على سعة علم مؤلفه، وذاك أنه يقول: ليس في كلام العرب على مثال كذا إلا كذا، وهذا تحكم عظيم. وكتاب الاشتقاق. وكتاب الجمل في النحو. وكتاب أطرغش وأبرعش. وكتاب في القراءات [٤] .
وكتاب المبتدأ. وكتاب المقصور والممدود. وكتاب المذكر والمؤنث. وكتاب شرح مقصورة ابن دريد. وكتاب شرح السبع الطوال. وكتاب الألفات. وكتاب الآل، ذكر في أوله ان الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسما وذكر فيه الأئمة الاثني عشر ومواليدهم ووفياتهم. وكتاب في غريب القرآن قيل إنه صنّف في خمس عشرة سنة. وكتاب ديوان أبي فراس ابن حمدان جمعه وذكر فيه جملة من أخباره وفسر أشعاره [٥] . وكتاب الأفق فيما تلحن فيه العامة. وكتاب شرح الفصيح، وغير ذلك [٦] .
стр. 1037
ومن شعره:
الجود طبعي ولكن ليس لي مال ... فكيف يبذل من بالقرض يحتال
فهاك خطّي فخذه اليوم تذكرة ... إلى اتساعي فلي في الغيب آمال
وقال:
إذا لم يكن صدر المجالس سيدا ... فلا خير في من صدّرته المجالس
وكم قائل ما لي رأيتك راجلا ... فقلت له من أجل أنك فارس
وقال:
أيا سائلي عن قدّ محبوبي الذي ... كلفت به وجدا وهمت غراما
رأى قصر الأغصان ثم رأى القنا ... طوالا فأضحى بين ذاك قواما
- ٣٦٨-
الحسين بن أحمد بن يعقوب بن يوسف
بن داود بن سليمان المعروف بابن دمينة: مصنف كتاب «الإكليل» [١] وهو الكتاب المؤلف في أنساب حمير وأيام ملوكها، عظيم القدر والفائدة يشتمل على عشرة فنون: الفن الأول في اختصار المبتدأ وأصول أنساب العرب والعجم، وأنساب ولد حمير. الفن الثاني: في نسب ولد الهميسع بن حمير. الفن الثالث: فضائل قحطان إلى عهد أبي كرب أسعد الكامل، وهو الأوسط. الفن الخامس: في السيرة الوسطى من عهد أبي كرب إلى عهد ذي نواس. الفن السادس: في السيرة الآخرة من عهد ذي نواس إلى عهد الإسلام. الفن
стр. 1038
السابع: في التنبيه على الأخبار الباطلة والحكايات المستحيلة. الفن الثامن: في ذكر قصور حمير وحكمها وحروبها. الفن العاشر: في معارف همدان، وفي أثناء هذا الكتاب جمل حسان من حساب القرانات وأوقاتها، ونبذ من علم الطبيعة وأحكام النجوم، وآراء الأوائل في قدم العالم وحدوثه، واختلافهم في أدواره وفي تناسل الناس ومقادير أعمارهم، وغير ذلك.
وله بعد هذا تواليف حسان، ومات في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
- ٣٦٩-
الحسين بن أحمد الزوزني النحوي الضرير
أبو عبد الله: ويخاطب بالقاضي. مات في سنة ست وثمانين وأربعمائة ومن مليح منظومه:
فتى لا يقتني غير المعالي ... ولا يرضى سوى العلياء جارا
حوى من كلّ مكرمة نصيبا ... فأنجد في العلوم كما أغارا
فلو كانت مكارمه هلالا ... لما لاقى محاقا أو سرارا
ولو كانت فضائله نجوما ... لما رضيت لها الفلك المدارا
ولو كانت شمائله شمولا ... لما ألقت لساريها الخمارا
مصنفاته: كتاب المصادر. كتاب القانون في علم الأصول. كتاب «شرح نحو أبي الحسن الضرير النحوي» . كتاب شرح السبع الطوال.
- ٣٧٠-
الحسين بن أحمد بن بطويه
أبو عبد الله النحوي: لا أعلم من أمره شيئا. ومما أنشدت من شعره:
стр. 1039
وماذا عليهم لو أقاموا فسلموا ... وقد علموا أني مشوق متيّم
سروا ونجوم الليل زهر طوالع ... على أنهم في الليل للناس أنجم
وأخفوا على تلك المطايا مسيرهم ... فنمّ عليهم في الظلام التبسم
وقال:
وإذا الدرّ زان حسن وجوه ... كان للدرّ حسن وجهك زينا
وتزيدين أطيب الطيب طيبا ... إن تمسيه أين مثلك أينا
وحدث أبو عبد الله نفطويه قال [١] : كنت بالكوفة ملازما للشريف أبي علي عمر بن محمد بن عمر فقدم علينا فتى من أهل الحجاز أديب ظريف، وقصد أبا علي وتردد إليه ونادمه، وكان يقول شعرا مطبوعا فخاطبته في معناه وقلت له: هذا فتى غريب وقد دخل دارك وتحرّم بطعامك، فبرّه وتفقده فقال: ما مدحني، فقلت: ليس الرجل منتدبا لهذا، وإنما يقول الشعر تأدّبا لا تكسبا ولعلك إذا أحسنت إليه أن يقول؛ فأعرض عني، ونقل المجلس إلى الرجل فحضرني واستخبرني عما جرى فذكرته له وجمّلت الحال. فقال: قد بلغني الحال على وجهه، والله يحسن جزاءك، وأنشدني:
عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمن ... لكنه يشتهي حمدا بمجّان
والناس أكيس من أن يحمدوا رجلا ... حتى يروا عنده آثار إحسان
وانصرف من الكوفة وكان آخر عهدي به.
стр. 1040
- ٣٧١-
الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد
المعروف بابن الحجاج الكاتب الشاعر أبو عبد الله: شاعر مفلق، قالوا إنه في درجة امرىء القيس، لم يكن بينهما مثلهما، وإن كان جلّ شعره [مبنيّا على] مجون وسخف. وقد أجمع أهل الأدب على أنه مخترع طريقته في الخلاعة والمجون ولم يسبقه إليها أحد ولم يلحق شأوّه فيها لاحق، قدير على ما يريده من المعاني [التي هي] الغاية في المجون مع عذوبة الألفاظ وسلاستها. وله مع ذلك في الجدّ أشياء حسنة لكنها قليلة، ويدخل شعره في عشر مجلدات أكثره هزل مشوب بألفاظ المكدين والخلديين والشطّار ولكنه يسمعه أهل الأدب على علاته، ويتفكهون بثمراته، ويستمحلون بنات صدره المتهتكات، ولا يستثقلون حركاتهن لخفتها وان بلغت في الخفة غاية الغايات. وإني لأقول كما قال أبو منصور [١] : لولا قول إبراهيم بن المهدي إن جدّ الأدب جدّ وهزله هزل، لصنت كتابي هذا عن مثل هذا المجون، وحديث كله ذو شجون. ولقد مدح الملوك والأمراء، والوزراء والرؤساء، فلم يخل شعره فيهم مع هيبة المقام من هزل وخلاعة. فلم يعدّوه مع ذلك من الشناعة. وكان عندهم مقبولا مسموعا غالي المهر والسعر، وكان يتحكم على الأكابر والرؤساء بخلاعته. ولا يحجب عن الأمراء والوزراء مع سخافته: يستقبلونه بالبشاشة والاكرام، ويقابلون إساءته بالاحسان والانعام. وناهيك برجل يصف نفسه بمثل قوله [٢] :
стр. 1041
رجل يدّعي النبوّة في السّخ ... ف ومن ذا يشك في الأنبياء
جاء بالمعجزات يدعو إليها ... فأجيبوا يا معشر السخفاء
حدث السنّ لم يزل يتلهّى ... علمه بالمشايخ الكبراء
خاطر يصفع الفرزدق في الشع ... ونحو ينيك أمّ الكسائي
غير أني أصبحت أضيع في القو ... م من البدر في ليالي الشتاء
وقوله في وصف شعره [١] :
بالله يا أحمد بن عمرو ... تعرف للناس مثل شعري
شعر يفيض الكنيف منه ... من جانبي خاطري وفكري [٢]
فلفظه منتن المعاني ... كأنه فلتة بجحر
لو جدّ شعري رأيت فيه ... كواكب الليل كيف تسري
وإنما هزله مجون ... يمشي به في المعاش أمري
وقال [٣] :
فإنّ شعري ظريف ... من بابة الظرفاء
ألذّ معنى وأشهى ... من استماع الغناء
وقال [٤] :
إن عاب ثعلب شعري ... أو عاب خفة روحي
خريت في باب أفعل ... ت من كتاب الفصيح
وقال في الأمير عز الدولة بختيار [٥] :
فديت وجه الأمير من قمر ... يجلو القذى نوره عن البصر
стр. 1042
فديت من وجهه يشكّكني ... في أنّه من سلالة البشر
إن زليخا لو أبصرتك لما ... ملّت إلى الحشر لذة النظر
ولم تقس يوسفا إليك كما ... نجم السّهى لا يقاس بالقمر
وكان يا سيدي قميصك إن ... هربت منها ينقدّ من دبر
بل وحياتي لو كنت يوسفها ... لم تك من تهمة العزيز بري
لأنني عالم بأنك لو ... شممت ريّا نسيمها العطر
سبقتها وانزبقت تتبعها ... ما بين تلك البيوت والحجر
وقد علمنا بأن سيدنا ال ... أمير ممن يقول بالبظر
ولم تكن تلك تشتكي أبدا ... ما كان من يوسف من الحذر
طبعك كالماء في سهولته ... لكن أبو الزبرقان من حجر
إن الملوك الشباب ما خلقوا ... إلا صلاب الفياش والكمر
وقال يشكو سوء حاله وبعث بها إلى ابن العميد [١] :
فداؤك نفس عبد أنت مولى ... له يرجوك يا خير الموالي
حديثي منذ عهدك بي طويل ... فهل لك في الأحاديث الطوال
فاني بين قوم ليس فيهم ... فتى ينهي إلى الملك اختلالي
فلحمي ليس تطبخه قدوري ... وحوتي ليس تقليه المقالي
ومائي قد خلت منه حبابي ... وخبزي قد خلت منه سلالي
وكيسي الفارغ المطروح خلفي ... بعيد العهد بالقطع الحلال
أفكّر في مقامي وهو صعب ... وأصعب منه عن وطني ارتحالي
فبي مرضان مختلفان حالي ال ... عليلة منهما تمسي بحال
إذا عالجت هذا جفّ كبدي ... وان عالجت ذاك ربا طحالي
стр. 1043
وقال في مثل ذلك أيضا [١] :
يا سيد الناس عشت في نعم ... تأوي إليها موابذ العجم
بديهتي في الخصام حاضرة ... أشهر في الفيلقين من علم
والخطّ خطي كما تراه ولا ال ... زهرة بين القرطاس والقلم
هذا وخبزي حاف بلا مرق ... فكيف لو ذقت لذة الدسم
ما لي وللحم إنّ شهوته ... قد تركتني لحما على وضم
وما لحلقي والخبز يجرحه ... بالملح يشكو مرارة اللقم
وقال في مثل ذلك [٢] :
خليلي قد اتسعت محنتي ... عليّ وضاقت بها حيلتي
عذرت عذاري في شيبه ... وما لمت إذ شمطت لمتي
إلى كم يخاصمني دائما ... زماني المقبّح في عشرتي
تحيّفني ظالما غاشما ... وكدّر بعد الصفا عيشتي
وكنت تماسكت فيما مضى ... فقد خانني الدهر في مسكتي
إلى منزل لا يواري إذا ... تربعت فيه سوى سوأتي
مقيما أروح إلى حجرة ... كقبري وما حضرت ميتتي
إذا ما ألمّ صديقي به ... على رغبة منه في زورتي
فرشت له فيه بسط الحديث ... من باب بيتي إلى صفّتي
ومعدته في خلال الكلام ... تشكو خواها إلى معدتي
وقد فتّ في عضدي ما به ... ولكن به غلبت علتي
وأغدو غدوّا مليّا بأن ... يزيد به الله في شقوتي
فأيّة دار تيمّمتها ... تيمّم بوابها حجبتي
стр. 1044
وإن أنا زاحمت حتى أموت ... دخلت وقد زهقت مهجتي
فيرفعني الناس عند الوصول ... إليهم وقد سقطت عمتي
وإن نهضوا بعد للإنصراف ... أسرعت في إثرهم نهضتي
وإن قدّموا خيلهم للركوب ... خرجت فقدمت لي ركبتي
وفي جمل الناس غلمانهم ... وليس سوائي في جملتي
ولا لي غلام فأدعو به ... سوى من أبوه أخو عمّتي
وكنت مليحا أروق العيون ... قبلا فقد قبحت خلقتي
وقوّسني الهمّ حتى انطويت ... فصرت كأني أبو جدّتي
وكان المزيّن فيما مضى ... تكسّر أمشاطه طرتي
وكنت برأس كلون الغداف ... فقد صرت أصلع من فيشتي
ويا ربّ بيضاء رود الشباب ... كانت تحنّ إلى وصلتي
فصارت تصدّ إذا أبصرت ... مشيبي وتغضب من صلعتي
على أنني قلت يوما لها ... وقد أمضت العزم في هجرتي
دعي عنك ما فوقه عمّتي ... فإن جمالي ورا تكّتي
هنا لك شيء يسرّ العيون ... طويل عريض على دقّتي
وقال [١] :
ويحكم يا كهول أو يا شيوخ ال ... فسق أو يا معاشر الفتيان
اشربوها حمراء مما اقتناها ... آل دير القابون للقربان
بكؤوس كأنها ورق النس ... رين فيها شقائق النعمان
اشربوها وكلّ إثم عليكم ... إن شربتم بالرطل في ميزان
في ليال لو أنها دفعتني ... وسط ظهري وقعت في رمضان
стр. 1045
وقال يستهدي أبا تغلب ابن حمدان فرسا [١] :
اسمع المدح الذي لو قيل في ... أحد غيرك قالوا سرقا
جاء يستهديك مهرا أدهما ... يركب الفارس منه غسقا
كالدجى تبصر من غرّته ... فوق أطباق دجاه فلقا
جلّ ان يلحق مطلوبا ومن ... طلب الرّيح عليه لحقا
فتراه واقفا في سرجه ... يتلظّى من ذكاه قلقا
فإذا طاب به المشي مضى ... وهو كالرّيح يشقّ الطرقا
كالسحاب الجون إلا أنه ... ليس يسقي الأرض إلا عرقا
جمع الأمرين يعدو المرطا ... في مدى السبق ويمشي العنقا
واستدعاه الوزير للخروج معه إلى القتال فقال من قصيدة [٢] :
يا سائلي عن بكاي حين رأى ... دموع عيني تسابق المطرا
ساعة قيل الوزير منحدر ... أسرع دمعي وفاض منحدرا
وقلت يا نفس تصبرين وهل ... يعيش بعد الفراق من صبرا
شاورته والهوى يفتّته ... والرأي رأي الصواب قد حضرا
أهوى انحداري والحزم يكرهه ... وتارك الحزم يركب الغررا
لأنني عاقل ويعجبني ... لزوم بيتي وأكره السفرا
الخيش نصف النهار يعجبني ... والماء بالثلج باردا خصرا
والشرب في روشني أقول به ... كيما أرى الماء منه والقمرا
ولا أقود الخيل العتاق بلى ... أسوق بين الأزقة البقرا
من كلّ جاموسة لعنبلها ... رأس بقرنيه يفلق الحجرا
قد نفخ الشحم جوفها فغدا ... كأنه بطن ناقة عشرا
стр. 1046
تركض مثل الحصان نافرة ... ومن يردّ الحصان إن نفرا
أحسن في الحرب من صفوفكم ... غدا قعودي أصفّف الطّررا
هيهات أن أحضر القتال وأن ... ترى بعينيك فيه لي أثرا
بل الذي لا يزال يعجبني ال ... دبيب بالليل خائفا حذرا
الدفّ عند الصباح دبدبتي ... وبوقي النّاي كلّما زمرا
هذا اعتقادي وهكذا أبدا ... أرى لنفسي وأنت كيف ترى
ومن مقطعاته [١] :
ملك لو لم يكن من ملكه ... غير دار وشّحت بالنّعم
لو رمى شداد فيها طرفه ... زهّدته بعدها في إرم
وقال:
صنعت في دارك فوّارة ... أغرقت في الأرض بها الأنجما
فاض على نجم السّهى ماؤها ... فأصبحت أرضك تسقي السّما
وقال [١] :
واستوف عمر الدهر في نعمة ... دون مداها موقف الحشر
مصيبة الحاسد في مكثها ... مصيبة الخنساء في صخر
وقال [١] :
هذا حديثي تنمي عجائبه ... بكثرة القال فيه والقيل
أعجزني دفنه فشاع كما ... أعجز قابيل دفن هابيل
وقال [٢] :
قد وقع الصلح على غلّتي ... واقتسموها كارة كاره
لا يفلس البقال إلا إذا ... تصالح السّنّور والفاره
стр. 1047
وقال:
عجبت من الزمان وأيّ شيء ... عجيب لا أراه من الزمان
يصادر قوت جرذان عجاف ... فيجعله لأوعال سمان
وقال:
يا رائحا في داره غاديا ... بغير معنى وبلا فائده
قد جنّ أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده
وقال:
فديت من لقّبني مثل ما ... لقبته والحقّ لا يغضب
إن قلت يا عرقوب خادعتني ... يقول لم نفسك يا أشعب
وقال:
قد قلت لما غدا مدحي فما شكروا ... وراح ذمّي فما بالوا ولا شعروا
«عليّ نحت القوافي من معادنها ... وما عليّ إذا لم تفهم البقر»
وقال:
الصبح مثل البصير نورا ... والليل في صورة الضرير
فليت شعري بأيّ رأي ... يختار أعمى على بصير
وقال:
إن بني برمك لو شاهدوا ... فعلك بالغائب والشاهد
ما اعترف الفضل بيحيى أبا ... ولا انتمى يحيى إلى خالد
وقال:
مولاي يا من كلّ شيء سوى ... نظيره في الحسن موجود
إن كنت أذنبت بجهلي فقد ... أذنب واستغفر داود
ولطائف ابن الحجاج كثيرة وفيما أوردناه منها كفاية. توفي يوم الثلاثاء سابع عشري جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، ودفن في بغداد عند مشهد موسى
стр. 1048
الكاظم بن جعفر الصادق ﵄، وكان أوصى أن يدفن عند رجليه ويكتب على قبره وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
(الكهف: ١٨) وكان من كبار شعراء الشيعة، وقد رآه بعض أصحابه في المنام بعد موته فقال له: ما حالك؟ فأنشد:
أفسد سوء مذهبي ... في الشعر حسن مذهبي
لم يرض مولاي علي ... سبّي لأصحاب النبي
ورثاه الشريف الرّضيّ الموسوي بقصيدة ارتجلها حين أتاه نعيه فقال [١] :
نعوه على ضنّ قلبي به ... فلله ماذا نعى الناعيان
رضيع صفاء [٢] له شعبة ... من القلب مثل رضيع اللبان
بكيتك للشّرّد السائرات ... تعبث [٣] ألفاظها بالمعاني
مواسم ينهلّ منها الحيا [٤] ... بأشهر من مطلع الزبرقان
جوائف تبقى أخاديدها ... عماقا وتعفو ندوب الطعان [٥]
تبضّ إلى اليوم آثارها ... بأحمر من عاند الطعن قاني [٦]
قعاقعهنّ تشنّ الحتوف ... إذا هنّ أوعدن لا بالشنان
وما كنت أحسب أن المنون ... تفلّ مضارب ذاك اللسان
لسان هو الأزرق القعضبيّ ... تمضمض في ريقه الأفعوان [٧]
له شفتا مبرد الهالكيّ ... أنحى بجانبه غير واني [٨]
إذا لزّ بالعرض مبراته ... تصدّع صدع الرّداء اليماني
стр. 1049
يرى الموت أن قد طوى مضغة ... ولم يطو إلا غرار السنان
فأين تسرّعه للنضال ... وهبّاته للطوال اللّدان
يشلّ الجوائح شلّ السياط ... ويلوي الجوامح ليّ العنان
فإن شاء كان حران الجماح ... وإن شاء كان جماح الحران
يهاب الشجاع غذاميره ... على البعد منه مهاب الجبان [١]
وتعنو الملوك له خيفة ... إذا راع قبل اللظى بالدّخان
وكم صاحب كمناط الفؤاد ... عناني من يومه ما عناني
قد انتزعت من يديّ المنون ... ولم يغن ضمّي عليه بناني
فزال زيال الشباب الرطيب ... وخانك يوم لقاء الغواني
ليبك الزمان طويلا عليك ... فقد كنت خفّة روح الزمان
- ٣٧٢-
الحسين بن الحسن بن واسان بن محمد أبو القاسم
الواساني الدمشقي توفي سنة أربع وتسعين وثلاثمائة شاعر مجيد برع وبرز في الهجاء، وله فيه نفس طويل، فهو في عصره كابن الرومي في زمانه، وله أهاج كثيرة في ابن القزاز لعداوة تأصّلت بينهما، وكان هجاؤه له سببا لعزل الواساني عن عمله. ومن أجود شعره قصيدته النونيّة التي وصف بها دعوة عملها في خمرايا من قرى دمشق قال [٢] :
стр. 1050
من لعين تجود بالهملان ... ولقلب مدلّه حيران
يا خليليّ أقصرا عن ملامي ... وارثيا لي من نكبتي وارحماني
ومتى ما ذكرت دعوة أبنا ... ء [١] البغايا والعاهرات الزواني
فانتفا لحيتي وجزّا سبالي ... وبنعل الكنيف فاستقبلاني
ما الذي ساقني لحيتي إلى حتفي ... وما غالني وماذا دهاني
من عذيري من دعوة أو هنت عظمي ... وهدّت بوقعها أركاني
كنت في منظر ومستمع منها ... ومن ذا ينجو من الحدثان [٢]
فنزت بطنتي وهاجت على نفسي ... بلاء ما كان في حسباني
كان عيشي صاف فكدّره أهل ... صفائي بنو أبي صفوان
فارثوا لي يا معاشر الناس من ضرّي ... ومن طول محنتي وامتحاني
ضرب البوق في دمشق ونادوا ... لشقائي في سائر البلدان
النفير النفير بالخيل والرّجل ... إلى قفر ذا الفتى الواساني
جمعوا لي الجموع من جيل جيلا ... ن وفرغانة ومن ديلمان
ومن الروم والصقالب والتر ... ك وبعض البلغار واليونان
ومن الهند والأعاجم والبر ... بر والكيلجوج والبيلقان
لم يحاشوا ممن عددت من الآ ... فاق من مسلم ولا نصراني
والبوادي من الحجاز إلى نج ... د معدّيّها مع القحطاني
كلّ شكل ما بين حدب وحول ... وأصمّ والعمي والعوران [٣]
وشيوخ قبّ البطون [٤] وشبّا ... ن رحاب الأشداق والمصران
стр. 1051
كل ذي معدة تقعقع جوعا ... وهو شاكي السلاح بالأسنان [١]
كل ذي اسم مستغرب أعجميّ ... منعت صرف إسمه علتان [٢]
كمرند وطغتكين وطرخا ... ن وكسرى وخرّم وطوغان
وخمار وزيرك وخوند ... ومميش وطشتم وجوان
وطراد وجهبل وزناد ... وشهاب وعامر وسنان
غمر جمّعوا بغير عقول ... وازعات عنّي [٣] ولا أديان
هل سمعتم بمعشر جمعوا الخي ... ل وساروا بالرّجل والفرسان
رحلوا من بيوتهم ليلة المر ... فع من أجل أكلة مجان
شره بارد وحرص على الأكل ... فويلي من معشر مجّان
لست أنسى مصيبتي يوم جاءو ... ني وقد ضاق عنهم الواديان
وردوا ليلة الخميس علينا ... في خميس ملء الربى والمغاني
متوال كالسيل لا يلتقي منه ... لفرط انتشاره الطرفان
أشرفوا بي على زروع وأحطا ... ب وبيت بخيره ملآن
لبن قارس وخبز طريّ ... وقدور تغلي على الداركان [٤]
وشواء من الجداء ومعلو ... ف دجاج وفائق الحملان
وشراب ألذّ من زورة المعشوق ... بعد الصدود والهجران
يخجل الورد في الروائح والطعم ... ويحكي شقائق النعمان
أذكرتني جيوشهم يوم جاءو ... ني بيوم الكلاب والرّحرحان
يقدم القوم أرحبيّ [٥] هريت ال ... شدق رحب المعى طويل اللسان
هو نمس الدجاج والبطّ والو ... ز وذئب النعاج والخرفان
стр. 1052
بسواد من عظمه طبّق الأر ... ض وخيل يهوين كالظلمان
وأبو القاسم الكبير على طر ... ف كميت أقبّ كالسرحان
وأخوه الصغير يعترض الخي ... ل على قارح عريض اللبان
وهما يهويان بالساق والرج ... ل إلى ما يسوءني مسرعان
والسريّ الذي سرى في جيوش ... أضعفتني وقصّرت من عناني
بفم واسع وشدق رحيب ... وبكفّ تجول كالصولجان
وأخوه الفضل الذي بان للعا ... لم من فضله شفا النقصان [١]
والشموليّ خلقه خلق حمّا ... ل عريض الأكتاف عبل الجران
لستّ أنساه جاثيا جاحظ العي ... ن عبوسا في صورة الغضبان
كالعقاب الغرثان يقتنص اللح ... م ويهوي إلى طيور الخوان
والأديب الذي به كنت أعت ... دّ غزاني في الحين في من غزاني
وكذا الكاتب الذي كان جاري ... وصديقي ومشتكى أحزاني
وصديق الأشراف أخنى على خم ... ري وأفنى بالكرع ما في دناني
كلما شقّق الفراريج شقّق ... ت لغيظي من فعله قمصاني
وهو في أمره مجدّ رخيّ ال ... بال لم يعنه الذي قد عناني
مجرهدّ [٢] كالسوس في الصوف في ... الصيف بقلب خال من الإيمان
قلت قل لي يا ابن المبشّر ما شأ ... نك من بين من غزاني وشاني
ليس هذا من شهوة الأكل هذا ... من طريق البغضاء والشنآن
قلت للفيلسوف لما غدا في الأ ... كل أعني فتى أبي عدنان
واستحثّ الكؤوس صرفا بلا مز ... ج ولاء كالهائم الظمآن
ليت شعري أذاك من طبّ بقرا ... ط تعلمته وسمع الكيان [٣]
стр. 1053
وبهذا تزداد بالعالم الجس ... ميّ علما والعالم الروحاني
ثم لا تنس ما لقيت وما مرّ لشؤمي ... من عسكر الفرغان
أعجميّ اللسان أفصح من قسّ ... إذا ما انتشى ومن سحبان
قال قم فأتنا بخبز ولحم ... ونبيذ معتّق في الدنان
وغلام مهفهف [١] حسن الوجه ... يحاكي قوامه غصن بان
لم توكّل فرغان إلا بتفريغ ... دناني وصبّها في القناني [٢]
إنّ من أعظم المصائب يا قو ... م بلائي بذلك الطرمذان
رجل كالفنيق فدم بلال ... بّ طويل في صورة الشيطان
بقفا كالحديد [٣] يصمد للصّف ... ع ورأس أصمّ كالسندان
واسع الحلق ناقص الخلق والدي ... ن غليظ القذال كالقلتان
يبلع المطجنات [٤] بلعا بلا مض ... غ ويحسو النبيذ كالعطشان
وأتوني بزامر زمره يح ... كي ضراط العبيد والرّعيان
ومغنّ غناؤه يجشىء النفس [٥] ... ويأتي بالقيء والغثيان
قصدت هذه الطوائف خمرا ... يا ابتلاء ونكبة لامتحاني [٦]
قلت: ما شأنكم فقالوا أغثنا ... ما طعمنا الطعام منذ ثمان
وأناخوا بنا فيا لك من يو ... م عصيب من حادثات الزمان [٧]
نزلوا ساحتي وأطلقت الخي ... ل بزرع الحقول والبستان [٨]
стр. 1054
أفقروني وغادروني بلا دا ... ر ولا ضيعة ولا صيوان [١]
أدهشوني وحيّروني وقد صر ... ت ذهولا أهيم كالسكران
أسمع اللفظ كالطنين فألفا ... ظهم ما لها لديّ معاني
تركوني يا قوم أجرد من فر ... خ وأعرى ظهرا من الافعوان
أكلوا لي من الجرادق ألفين ... بدبس يسيل كالقطران [٢]
أكلوا لي ما حولها ثم مالوا ... كذئاب إلى سميد الفراني [٣]
أكلوا لي من الجداء ثلاثين ... وسبعا بالخلّ والزعفران
أكلوا ضعفها شواء وضعيفها ... طبيخا من سائر الألوان
أكلوا لي تبالة تبّلت عق ... لي بعشر من الدجاج سمان [٤]
أكلوا لي مضيرة ضاعفت ضرّ ... ي بروس الجداء والحملان
أكلوا لي كشكية كشكشت قل ... بي وهاجت بفقدها أشجاني [٥]
أكلوا لي سبعين حوتا من النهر ... طريا من أعظم الحيتان
أكلوا لي عدلا من المالح المقلوّ ... ملقى في الخلّ والأنجذان [٦]
أكلوا لي من القريشاء والبر ... نيّ والمعقليّ والصرفان [٧]
ألف عدل سوى المصقّر والبر ... ديّ واللؤلؤيّ والصّيحاني [٨]
стр. 1055
أكلوا لي من الكوامخ والجو ... ز معا والخلاط والأجبان
ومن البيض والمخلّل ما تع ... جز عن جمعه قرى حوران
فتّتوا لي من السفرجل والتفّاح ... والرّازقيّ والرمّان [١]
والرياحين ما رهنت عليه ... جبّتي عند أحمد الفاكهاني
أذبلوا لي من البنفسج والنر ... جس ما ليس مثله في الجنان
ذبحوا لي بالرغم يا معشر النا ... س ثمانين رأس معز وضان
ما كفاهم تذبيحهم غنم القر ... ية حتى أتوا على الثيران
أكلوا كلّ ما حوته يميني ... وشمالي وما حوى جيراني
ثم قالوا هلمّ شيئا فنادي ... ت غلامي قم ويك فاخبأ حصاني
لم تدع لي بطونكم يا بني البظر ... سواه وذا شطوب يماني
فتمالوا عليّ شتما ولعنا ... واستباحوا عرضي بكلّ لسان
ثم جاء المعقّبون من السا ... سة والشاكريّ والعبدان [٢]
فرأيت الصراع والدفع واللط ... م وخرم الأنوف والآذان
ثم لما أتوا على كلّ شيء ... ختموا محنتي بكسر الأواني
ثم قاموا مثل البزاة إلى العصفور ... والعصفريّ والزّربطان [٣]
فرأيت الطيور بعضا على بع ... ض وبعضا ملقى على الأغصان
أكلوا ما ذكرت ثم أراقوا ... يا صحابي كرّا من الأشنان [٤]