فثقل عليه، فتطلّب لأبي محمد الذنوب، وتمحّل ما أنكره عليه، وأطلق فيه لسانه بالوقيعة والتهدد، وبلغ أبا محمد ذلك فقلق له واستشعر النكبة والهلكة لأنه لم يطمع من معز الدولة في نصرته عليه وعصمته منه، فما راعه إلا ورود كتاب الطائر بوفاة الصميري، فجلس له في العزاء وأظهر له الحزن الشديد ولزم منزله، فاستدعاه معز الدولة وأمره بالحضور وتمشية الأمور إلى أن يقلّد من يرى تقليده الوزارة. وترشح للوزارة جماعة منهم: أبو علي الحسن بن هارون بن نصر وأبو علي الحسن بن محمد الطبري وأبو الحسن محمد بن أحمد المافروخي وأبو عبد الله محمد بن أحمد الخوميني، وبذلوا البذول وضمنوا الأموال، ووسّط أبو عليّ الطبري في أمره والدة عز الدولة وبذل مائتي ألف درهم عاجلة على سبيل الهدية فطالبه معز الدولة بالمال، فحمل منه مائة وثمانين ألف درهم وقال: قد بقي بقية يسيرة إذا ظهر حملتها، فقال معز الدولة: لا أفعل إلا بعد استيفاء المال، فعلم الطبري أنه خدع، وندم على ما فعله. ثم حضر الجماعة المترشحون الخاطبون وكل يعتقد أنه المختار المقلّد، وجلسوا في خركاه ينتظرون الإذن، ثم أوصل القوم ووقفوا على مراتبهم، ودخل أبو محمد بعدهم وقام في أخرياتهم، فلما تجمع الناس أسرّ معز الدولة إلى أبي علي الحسن بن إبراهيم الخازن قولا لم يسمع، فمشى إلى أبي محمد المهلبي وقبّل يده وخاطبه بالاستاذية، على ما كان أبو جعفر يخاطب به، وحمله إلى الخزانة فخلع عليه الخلعة التي هي رسم أمثاله: القباء والسيف والمنديل والمنطقة. قال هلال، قال جدي: فو الله يا بنيّ لقد رأيت الناس على طبقاتهم ممن أسميناه، ومن يتلوهم من الجند وغيرهم، والسعيد منهم من وصل إلى يده فقبّلها. وعاد أبو محمد إلى حضرة معز الدولة فخاطبه بالتعويل عليه في تقلّد وزارته وتدبير دولته، وشكره أبو محمد شكرا
стр. 982
أطال فيه وخرج منصرفا إلى داره، فقدّم له شهريّ بمركب ذهب، وسار أبو محمد وسبكتكين الحاجب بين يديه، والقواد والناس في موكبه، وذلك لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ثم جددت له الخلع من دار الخلافة بالسواد والسيف والمنطقة فأثقلته هذه الخلع وكان ذا جثّة، والزمان صيف، وقد مشى في تلك الصحون الكثيرة، فسقط عند دخوله إلى حضرة المطيع لله ووقع على ظهره، وظنّ أنه يحصر لما جرى، فقال يا أمير المؤمنين:
خرسنوه وما درى ما خراسا ... ن بلبس القباء والموزجين
ثم أكثر الشكر وأطال فيه، فاستحسنت منه هذه البديهة على تلك الصورة، وركب إلى داره وجميع الجيش معه، وحجاب الخلافة ومعز الدولة بين يديه.
فلما كانت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة لهج معز الدولة بذكر عمان، وحدّث نفسه بأخذها، وأغراه بذلك المعروف بكرك، أحد النقباء الأصاغر [١] ، فأمر المهلبيّ بالخروج إليها، فدافعه ووضع عليه من يزهّده فيها، فلم يزدد إلا لجاجا، وكاد أبو محمد الوزير [٢] حاشية معز الدولة إذ ألزمهم تقسيطا في نفقة البناء الذي استحدثه من غير أن يخرج بأحد منهم إلى عسف، فأحفظهم فعله، فبعثوا معزّ الدولة على إخراجه، فلما ألحّ عليه ضمن له أن يستخرج من هؤلاء جملة كبيرة يستعين بها في هذا الوجه، فمكّنه من ذلك بعد أن شرط عليه أخذ العفو وتجنّب الإجحاف، فقبض على جماعة وأخذ منهم ألفي ألف درهم، منها خمسمائة ألف درهم من أبي علي الحسن بن إبراهيم النصراني الخازن، ومعزّ الدولة على غاية العناية بأمره والثقة بأنه لا مال له، وأظهر أبو علي الفقر وسوء الحال وأنه اقترض المال الذي أدّاه من الناس، فشقّ ذلك على معزّ الدولة وظنه حقا، واعتلّ أبو علي عقيب ذلك ومات، فاعتقد معزّ الدولة أن أبا محمد قتله لما عامله به، وأقبل عليه يلومه ويحلف له أنه يقيده به، فلم يلتفت أبو محمد إلى ذلك، وبادر إلى دار أبي علي وقبض على خادم له ضغير
стр. 983
كان يختصّه ويثق به، ومنّاه ووعده، فدلّه على دفين كان لأبي علي في الدار [١] ، فاستخرج منه عدة قماقم فيها نيف وتسعون ألف دينار وحملها إلى معز الدولة وقال له:
هذا قدر أمانة خازنك الذي ظننت أني قد قتلته باليسير الذي أخذته لك منه، وما فيه درهم من ماله [٢] ، وإنما افترصه [٣] من أولادك وحرمك وغلمانك وشنّع عليك، ثم تتبع أسبابه فأخذ منهم تمام مائتي ألف دينار، وقدّر أبو محمد أن معز الدولة يمكنه من الحاشية الباقين ويعفيه من الخروج فلم يقبل [٤] ، وجدّ به جدّا شديدا في الانحدار فانحدر في جمادي الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وتمادت أيامه بالبصرة للتأهب والاستعداد، وامتنع العسكر المجرد من ركوب البحر، فبلغ معزّ الدولة ذلك، فاتهمه بأنه بعث العسكر على الشغب [٥] ، فكاتبه بالجدّ والإنكار عليه في توقفه وألزمه بالمسير [٦] ، ووجد أعداؤه طريقا للطعن عليه، فاغتنموا تنكّر معز الدولة عليه، وأقاموا في نفسه أنه انحدر من مدينة السلام وهو لا يعتقد العود إليها، وأنه سيغلب على البصرة كما تغلّب البريديون، وأن العسكر الذي معه والعشائر هناك على طاعته [٧] ، عظّموا عنده أمواله، فتدوخ معزّ الدولة بأقاويلهم، وعرف أبو محمد ذلك فأطلق لسانه فيهم، وخرق الستر بينه وبينهم، وتطابقت الجماعة في المشورة على معز الدولة بالقبض عليه، والاعتياض بأمواله عما تعذّر [٨] حصوله من عمان، وجعلوه على ثقة من أنهم يسدون مسدّه، فمال إلى قولهم، وكتب إلى أبي محمد يعفيه من الانحدار [٩] إلى عمان، ويرسم له الانكفاء إلى مدينة السلام، وعلم أبو محمد بالحال ووطّن نفسه على الصبر وركوب أصعب المراكب فيه، وأن يدخل فيما دخل فيه القوم، ويتولى هو
стр. 984
مصادرة نفسه وأصحابه وخصومه وأعدائه، وكان مليّا بذلك، فهجمت عليه علته التي مات منها، وتردد بين إفاقة ونكسة إلى أن وردت الكتب باليأس منه، فأنفذ معزّ الدولة حينئذ أحد ثقاته على ظاهر العيادة له وباطن الاستظهار على ماله وحاشيته، فألفاه في طريقه محمولا في محفة كبيرة مملوءة بالفرش الوثيرة، ومعه فيها من يخدمه ويعلّله، ويتناوب في حملها جماعة من الحمالين، فلما انتهى إلى زاوطا [١] قضى نحبه ومضى لسبيله، وسقط الطائر بمدينة السلام بذلك، فقبض على أسبابه وحرمه وولده، فصودرت الجماعة، ووقع السّرف في الاستقصاء عليهم، فلم يظهر لأبي محمد مال صامت ولا ذخيرة باطنة، وبانت لمعزّ الدولة نصيحته وبطلان التكثيرات [٢] عليه، وقد كان يصل إليه من حقوق الرقاب في ضياعه وما يأخذه من إقطاعه ويستثني به على عماله مال كثير يستوفيه جهرا، من غير أن توقع فيه أمانة، ويصرف جميعه في مؤونته ونفقاته وصلاته وهباته، إلى هدايا جليلة كان يتكلّفها لمعز الدولة في أيام النواريز والمهاريج، وعطف معز الدولة على الجماعة يطالبهم بالضمانات التي ضمنوها، فاحتجوا بوفاته، ووعدوا بالبحث عن ودائعه، وتدافعت الأيام واندرج الأمر فكان الذي صحّ من مال أبي محمد ومال حرمه وأولاده وأسبابه خمسة آلاف ألف درهم، فيها الصامت والناطق والباطن وأثمان الغلات وارتفاع الأملاك والأموال وأموال جماعة من التجار أخذت بالتأويلات، وكانت وفاته سببا لصيانته عن عاجل ابتذالهم له، وصيانتهم عن آجل بلواهم به. وكانت مدة وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، ووفاته في يوم السبت لثلاث ليال بقين من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. ولأبي محمد:
قضيت نحبي فسرّ قوم ... حمقى لهم غفلة ونوم
كأنّ يومي عليّ حتم ... وليس للشامتين يوم
قال هلال بن المحسن بن أبي إسحاق الصابي: وحدثني أبو إسحاق جدي
стр. 985
قال: صاغ أبو محمد دواة ومرفعا وحلّاهما حلية كثيرة مشرقة، وكانت ذرعا وكسرا في عرض شبر، وكذلك كانت آلاته عظاما حتى إن مخادّ دسته مثل مساند الدسوت، إلى ما يجري هذا المجرى من آلات الاستعمال، وقدّمت الدواة بين يديه في مرفعها وأبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي وأنا إلى جانبه، فتذاكرنا سرّا حسن الدواة وجلالتها وعظمها، ثم قال لي: ما كان أحوجني إليها لأبيعها وأتسع بثمنها، فقلت:
وأي شيء يعمل الوزير؟ قال: يدخل في حر أمه. وسمع أبو محمد ما جرى بيننا بالإصغاء منه إلينا وذهب ذاك علينا [١] ، فاجتمعت مع أبي أحمد من غد فقال لي:
عرفت خبر الدواة؟ قلت: لا، قال: جاءني البارحة رسول الوزير ومعه الدواة ومرفعها ومنديل فيه عشر قطع ثيابا حسانا وخمسة آلاف درهم، وقال: الوزير يقول أنا عارف بأمرك في قصور الموادّ عنك، وتضاعف المؤن عليك، وأنت تعرف شغلي وانقطاعي به عن كل حق يلزمني، وقد آثرتك بهذه الدواة لما ظننته من استحسانك إياها اليوم عند مشاهدتك، وحملت معها ما تجدّد به كسوتك وتصرفه في بعض نفقتك [٢] ، وانصرف الرسول وبقيت متحيّرا متعجبا من اتفاق ما تجارينا به أمس وحدوث هذا على أثره.
وتقدم أبو محمد بصياغة دواة أخرى على شكلها ومرفع مثل مرفعها، فصيغت في أقرب مدة، ودخلنا إلى مجلسه وقد فرغ منها وتركت بين يديه وهو يوقع منها، ونظر أبو محمد إليّ وإلى أبي أحمد ونحن نلحظها فقال: هيه من منكما يريدها بشرط الإعفاء من الدخول في حر الأمّ؟ فخجلنا وعلمنا أنه كان قد سمع قولنا، وقلنا: بل يمتع الله مولانا وسيدنا الوزير بها ويبقيه حتى يهب ألفا مثلها، اللهم أنت جدد الرحمة والرضوان عليه في كلّ ساعة، بل لحظة، بل لمحة، وعلى كل نفس شريفة وهمة عالية، إنك العلي تحب معالي الأمور وأشرافها وتبغض سفسافها.
قال: وحدث إبراهيم بن هلال قال: كان أبو محمد المهلبي يناصف العشرة أوقات خلوته، ويبسطنا في المزح إلى أبعد غاية، فإذا جلس للعمل كان امرءا وقورا مهيبا محذورا آخذا في الجد الذي لا يتخوّنه نقص، ولا يتداخله ضعف، فاتفق أن
стр. 986
صعد يوما من طيّاره إلى داره وقد حقنه البول وما كان يعتريه من سلسه، فقصد بعض الأخلية فوجده مقفلا، وكذلك كانت عادته جارية في أخلية داره حفاظا لها عن الابتذال، فأبى أن يدعو الفرّاش ويحضر فقال لي متنادرا على نفسه:
فهبك طعامك استوثقت منه ... فما بال الكنيف عليه قفل
فقلت: لعمري إنه موضع عجب، وإذا وقع الإحتياط في الأصل فقد استغني عنه في الفرع، فضحك وقال: أوسعتنا هجاء، فقلت: وجدت مقالا، فقال:
اسكت يا فاعل يا صانع.
قال أبو إسحاق: وأجلسني معز الدولة لأكتب بين يديه، وأبو محمد المهلبي قائم فحجبني عن الشمس، فقال: كيف ترى هذا الظل؟ فقلت: ثخين، فقال وا عجبا أحسن وتسيء، وضحك.
ومن شعر المهلبي [١] :
يا هلالا يبدو فيزداد شوقي [٢] ... وهزارا يشدو فيزداد عشقي
زعم الناس أن رقّك ملكي ... كذب الناس أنت مالك رقّي
وحدث أبو محمد المهلبي قال: كنت أيام حداثتي وقصر حالي وصغر تصرّفي أسكن دارا لطيفة، ونفسي مع ذلك تنازع في الأمور العظيمة، إلا أن الجد قاعد والمقدور غير مساعد، فأصبحت يوما وقد جاء المطر، وازدادت الحجرة إظلاما وصدري بها ضيقا، فقلت:
أنا في حجرة تجلّ عن الوصف ... ويعمى البصير فيها نهارا
هي في الصبح كالظلام وفي ... الليل يولّي الأنام عنها فرارا
أنا منها كأنني جوف بئر ... أتقي عقربا وأحذر فارا
وإذا ما الرياح هبّت رخاء ... خلت حيطانها تميد انتشارا
стр. 987
ربّ عجّل خرابها وأرحني ... من حذاري فقد مللت الحذارا
وتحدث أبو الحسين هلال بن المحسن قال: حدث القاضي أبو بكر ابن محمد بن عبد الرحمن بن قريعة [١] قال: كنت مع الوزير أبي محمد المهلبي بالأهواز فاتفق أن حضرت عنده في يوم من شهر رمضان، والزمان صائف والحرّ شديد، ونحن في مجلس بارد، فسمع صوت رجل ينادي على الناطف فقال: أما تسمع أيهذا [٢] القاضي صوت هذا البائس في مثل هذا الوقت، والشمس على رأسه وحرّها تحت قدمه، ونحن نقاسي في مكاننا هذا البارد ما نقاسيه من الحر؟! وأمر بإحضاره فأحضر، فرآه شيخا ضعيفا عليه قميص رثّ، وهو بغير سراويل، وفي رجله تاسومة مخلقة، وعلى رأسه مئزر، ومعه نبيخة فيها ناطف لا يساوي خمسة دراهم، فقال له: ألم يكن لك أيها الشيخ في طرفي النهار مندوحة عن مثل هذا الوقت؟! فتنفس وقال: ما أهون على الراقد سهر الساهد، وقال:
ما كنت بائع ناطف فيما مضى ... لكن قضت لي ذاك أسباب القضا
وإذا المعيل تعذّرت طلباته ... رام المعاش ولو على جمر الغضا
فقال له الوزير: أراك متأدّبا فمن أين لك ذلك؟ فقال: إني أيها الوزير من أهل بيت لم يكن فيهم من صناعته ما ترى، وأسرّ إليه أنه من ولد معن بن زائدة، فأعطاه مائة دينار وخمسة أثواب، وجعل ذلك رسما له في كلّ سنة.
وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال [٣] : شاهدت أبا محمد المهلبي وقد ابتيع له في ثلاثة أيام ورد بألف دينار فرش به مجالسه [٤] وطرحه [٥] في بركة عظيمة كانت في داره، ولها فوّارات عجيبة يطرح ورق الورد في مائها وتنفضه، وبعد شربه عليه وبلوغه ما أراده منه أنهبه.
ولأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن الحجاج يرثي أبا محمد:
يا معشر الشعراء دعوة موجع ... لا يرتجى فرح السلوّ لديه
стр. 988
عزّوا القوافي بالوزير فإنها ... تبكي دما بعد الدموع عليه
مات الذي أمسى الثناء وراءه ... وجميل عفو الله بين يديه
هدم الزمان بموته الحصن الذي ... كنّا نفرّ من الزمان إليه
وتضاءلت همم المكارم والعلا ... وانبتّ حبل المجد من طرفيه
عمري لئن قادته أسباب الردى ... مثل الجواد يقاد في شطنيه
فليعلمنّ بنو بويه أنما ... فجعت به أيام آل بويه
ولأبي محمد المهلبي [١] :
أمثلي يا أخي وقسيم نفسي ... يفارق عهده عند الفراق
ويسلو سلوة من بعد بعد ... وينسبه الشقيق إلى الشقاق
فأقسم بالعناق وتلك أشفى ... وأوفى من يميني بالعتاق
لقد ألصقت بي طلبا قبيحا ... تجافى جانباه عن التصاق
وحدث أبو النجيب شداد بن إبراهيم الجزري الشاعر الملقب بالظاهر قال:
كنت كثير الملازمة للوزير أبي محمد المهلبي، فاتفق أني غسلت ثيابي، وأنفذ إليّ يدعوني، فاعتذرت بعذر فلم يقبله وألحّ في استدعائي، فكتبت إليه:
عبدك تحت الحبل عريان ... كأنه لا كان شيطان
يغسل أثوابا كأن البلى ... فيها خليط وهي أوطان
أرقّ من ديني إن كان لي ... دين كما للناس أديان
كأنها حالي من قبل أن ... يصبح عندي لك إحسان
يقول من يبصرني معرضا ... فيها وللأقوال برهان
هذا الذي قد نسجت فوقه ... عناكب الحيطان إنسان
فأنفذ لي جبة وقميصا وعمامة وسراويل وكيسا فيه خمسمائة درهم وقال: قد أنفذت لك ما تلبسه وتدفعه إلى الخياط ليصلح لك الثياب على ما تريده، فإن كنت
стр. 989
غسلت التكّة واللالكة عرّفني لأنفذ لك عوضها.
ولأبي محمد المهلبي:
ويوم كأن الشمس والغيم دونها ... حجاب به صينت فما يتهتك
عروس بدت في زرقة من ثيابها ... تجلّلها فيها رداء ممسّك
قرأت بخط المحسن بن إبراهيم الصابىء، أنشدني والدي قال: أنشدني الوزير أبو محمد المهلبي لنفسه:
إذا تكامل لي ما قد ظفرت به ... من طيب مسمعة وظرف رمّان
وقهوة لو تراها خلت رقتها ... ديني وحافر من ان شئت غناني
فما أبالي بما لاقى الخليفة من ... بغا الخصيّ وعصيان ابن حمدان
وقال الصاحب ابن عباد: أنشدني الأستاذ أبو محمد المهلبي لنفسه [١] :
قال لي من أحبّ والبين قد ج ... دّ وفي مهجتي لهيب الحريق
ما الذي في الطريق تصنع بعدي ... قلت أبكي عليك طول الطريق
حدث أبو علي التنوخي قال [٢] : كان أبو محمد المهلبي يكثر الحديث على طعامه، وكان طيب الحديث، وأكثره مذاكرة بالأدب وضروب الحديث على المائدة لكثرة من يجمعهم عليها من العلماء والكتاب والندماء، وكنت كثيرا ما أحضر، فقدّم إليه في بعض الأيام [طيهوج] [٣] فقال لي: أذكرني هذا حديثا ظريفا، وهو ما أخبرني به بعض من كان يعاشر الراسبيّ الأمير [٤] ، قال: كنت آكل معه يوما وعلى المائدة خلق عظيم فيهم رجل من رؤساء الأكراد المجاورين لعمله، وكان ممن يقطع الطريق، ثم استأمن إليه فأمنه واختصّه وطالت أيامه، وكان في ذلك اليوم على مائدته إذ قدم حجل فألقى الراسبي منه واحدة إلى الكردي كما يلاطف الرؤساء مؤاكليهم، فأخذها الكردي وجعل يضحك، فتعجب الراسبي من ذلك وقال: ما سبب هذا الضحك وما جرى ما يوجبه؟ فقال: خبر كان لي، فقال: أخبرني به، فقال: شيء ظريف ذكرته لما رأيت
стр. 990
هذه، قال: فما هو؟ قال: كنت أيام قطع الطريق قد اجتزت في المحجة الفلانية في الجبل الفلاني، وأنا وحدي في طلب من آخذ ثيابه، فاستقبلني رجل وحده، فاعترضته وصحت عليه فاستسلم إليّ ووقف، فأخذت ما كان معه، وطالبته أن يتعرّى ففعل، ومضى لينصرف فخفت أن يلقاه في الطريق من يستفزّه عليّ، فأطلب وأنا وحدي فأوخذ، فقبضت عليه وعلوته بالسيف لأقتله، فقال: يا هذا أي شيء بيني وبينك؟ أخذت ثيابي ولا فائدة لك في قتلي، فكتفته ولم ألتفت إلى قوله، وأقبلت أقنّعه بالسيف، فالتفت كأنه يطلب شيئا، فرأى حجلة قائمة على الجبل، فصاح يا حجلة اشهدي لي عند الله تعالى أني أقتل مظلوما، فما زلت أضربه حتى قتلته، وسرت فما ذكرت هذا الحديث حتى رأيت هذه الحجلة فذكرت حماقة هذا الرجل فضحكت، فانقلبت عينا الراسبيّ في رأسه حردا وقال: لا جرم والله أن شهادة الحجلة عليك لا تضيع اليوم في الدنيا قبل الآخرة، وما أمنتك إلا على ما كان منك من إفساد السبيل، فأما الدماء فمعاذ الله أن أسقطها عنك يا ابن الفاعلة بالأمان، وقد أجرى الله على لسانك الاقرار عندي، يا غلمان اضربوا عنقه، قال: فبادر الغلمان إليه بسيوفهم يخبطونه حتى تدحرج رأسه بين أيديهم على المائدة وجرّت جثته، ومضى الراسبي حتى أتمّ غداءه.
قال أبو علي [١] : حضرت أبا محمد في وزارته وقد دفع إليه شاعر رقعة صغيرة فقرأها وضحك، وأمر له بألف درهم، وطرح الرقعة فقرأتها وإذا فيها:
يا من إليه النفع والضرّ ... قد مسّ حال عبيدك الضرّ
لا تتركنّ الدهر يظلمني ... ما دام يقبل قولك الدهر
قال إبراهيم بن هلال الصابىء: كان أبو محمد يخاطب بالاستاذية.
قال أبو علي: كنت في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة ببغداد، فحضر أول يوم من شهر رمضان فاصطحبت أنا وأبو الفتح عبد الواحد بن أبي علي الحسين بن هارون الكاتب [٢] إلى دار أبي الغنائم الفضل بن الوزير أبي محمد المهلبي لتهنئته بالشهر،
стр. 991
عند توجه أبيه إلى عمان، وبلغ أبو محمد إلى موضع من أنهار البصرة يعرف بعلياباذ ففترت نيّته عن الخروج إلى عمان، واستوحش معز الدولة منه وفسد رأيه فيه، واعتلّ المهلبي هناك، ثم أمره معز الدولة بالرجوع عن علياباذ وان لا يتجاوزه، وقد اشتدت علته، والناس بين مرجف بانه يقبض عليه إذا حصل بواسط أو عند دخوله إلى بغداد، وقوم يرجفون بوفاته، وخليفته إذ ذاك على الوزارة ببغداد أبو الفضل العباس بن الحسين بن عبد الله وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس. فجئنا إلى أبي الغنائم ودخلنا إليه وهو جالس في عرضيّ بداره التي كانت لأبيه على دجلة على الصراة عند شباك على دجلة، وهو في دست كبير عال جالس، وبين يديه الناس على طبقاتهم، فهنأناه بالشهر وجلسنا وهو إذا ذاك صبي غير بالغ إلا أنه محصّل، فلم يلبث أن جاء أبو الفضل وأبو الفرج خليفتا أبيه فدخلا إليه وهنآه بالشهر، فأجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، على طرف دسته في الموضع الذي فيه فضلة المخادّ إلى الدست، ما تحرك لأحد منهما ولا انزعج، ولا شاركاه في الدست، وأخذا معه في الحديث، وزادت مطاولتهما، وأبو الفضل يستدعي خادم الحرم فيسارّه، فيمضي ويعود ويخاطبه سرّا إلى أن جاءه بعد ساعة فسارّه فنهض أبو الفضل، فقال له أبو الفرج: إلى أين يا سيدي؟ فقال: أهنىء من يجب تهنئته وأعود إليك، وكان أبو الفضل زوج زينة ابنة الوزير المهلبي أخت أبي الغنائم من أبيه وأمه تجنّي، فحين دخل واطمأنّ قليلا وقع الصراخ، وتبادر الخدم والغلمان، ودعي الصبي وكان يتوقع أن يرد عليه خبر موت أبيه لأنه كان عالما بشدة علته، فقام فمسكه أبو الفرج وقال: اجلس اجلس وقبض عليه، وخرج أبو الفضل وقد قبض على تجني أم الصبي ووكّل بها خدما وختم الأبواب، ثم قال للصبي: قم يا أبا الغنائم إلى مولانا يعني معز الدولة فقد طلبك، وقد مات أبوك، فبكى الصبيّ وسعى إليه وعلق بدراعته وقال: يا عم الله الله فيّ، يكررها، فضمّه أبو الفضل إليه واستعبر وقال: ليس عليك بأس ولا خوف، وانحدروا إلى زبازبهم، فجلس أبو الفرج في زبزبه، وجلس أبو الفضل في زبزبه، وأجلس الغلام بين يديه، وأصعدت الزبازب تريد معزّ الدولة بباب الشماسية، فقال أبو الفتح ابن الحسين بن هارون: ما رأيت مثل هذا قط ولا سمعت، لعن الله الدنيا، أليس الساعة كان هذا الغلام في الصدر معظّما، وخليفتا أبيه بين يديه، وما افترقا حتى
стр. 992
صار بين أيديهما ذليلا حقيرا. ثم جرى من المصادرات على أهله وحاشيته ما لم يجر على أحد. وله [١] :
لقد واظبت نفسي على الحبّ والهوى ... بجارية ترعى الهوى وتواظب
صفا لي منها الودّ والشيب شامل ... كما كان يصفو والشباب مصاحب
وله:
إني ليعصمني هواك عن الهوى ... حتى كأنّ علي منك رقيبا
وأجول في غمرات حبّك جاهدا ... طورا فيحسبني الجليس رهيبا
ما إن هممت بشمّ نحرك ساعة ... إلا ملأت من الدموع جيوبا
قال أبو حيان، قال ابن أبي طرخان: دخلت إلى المهلبيّ في أيام نكبته، فرأيته يذمّ صنائعه ومن قدّمه في أيامه وأولاهم الجميل، وقال: ما علمت أن الدهر بهذه الأفعال يعامل الأحرار، وإلا كنت أحسنت لنفسي الاختيار، وبكى وقال:
لئن قعدت بي قلة المال قعدة ... فما أنا عن كسب المعالي بقاعد
وما أنا بالساعي إلى الجهل والخنا ... ولا عن مكافاة الصديق براقد
أكافي أخي بالودّ أضعاف وده ... وأبذل للمولى طريفي وتالدي
وما صاحبي عند الرخاء بصاحب ... إذا لم يكن عند الأمور الشدائد
فقلت له: أدام الله حراسة الوزير كفكف عبرتك، وهوّن على نفسك، فمذ كانت الدنيا كانت غدّارة مكارة، تقصد الأحرار بالمكاره، وتلقى أهل المروات بالنوائب، وترميهم بالأوابد، وأكثر من ترى من هذا الوري فهم عبيد الطمع وأسراء الجشع، يخونون الاخوان ويميلون مع الرجحان، فدمعت عيناه وأنشد:
الناس أتباع من دامت له النعم ... والويل للمرء ان زلّت به القدم
مالي رأيت أخلائي وحاصلهم ... اثنان مستكبر عنّي ومحتشم
لما رأيت الذي يجفون قلت لهم ... أذنبت ذنبا؟ فقالوا ذنبك العدم
стр. 993
قال أبو علي محمد بن وشاح الكاتب، قال لي أبو الحسن محمد بن عبيد الله ابن سكرة الهاشمي، من ولد المهدي: خرجت إلى الأهواز قاصدا للوزير أبي محمد الحسن بن محمد المهلبي مادحا له فلما وصلت إليه أنشدته:
قفي حيث انتهيت من الصدود ... ولا تتعمدي قتل العميد
فقد وهواك وهو أجلّ حلفي ... حميت نظيرتيك من الهجود
هجرت مقيمة وظعنت غضبي ... فحربت الحديد على الحديد
فراق ظعينة وفراق رأي ... يكرّهما عليّ فراق جود
ثلاث ما اجتمعن على ابن حبّ ... صدود في صدود في صدود
قال: وانصرفت، فلما كان من الغد استدعاني وقال: اسمع وأنشدني لنفسه:
أتاني في قميص اللاذ يمشي ... عدوّ لي يلقّب بالحبيب
وقد عبث الشراب بوجنتيه ... فصير خده كسنا اللهيب
فقلت له فديتك كيف هذا ... بلا واش أتيت ولا رقيب
وما هذا الذي أحدثت بعدي ... لقد أمسيت في زي عجيب
فقال الشمس أهدت لي قميصا ... رقيق الجسم من شقق الغروب
فثوبي والمدام ولون خدي ... قريب من قريب من قريب
- ٣٤٥- الحسن بن محمد بن وكيع التنيسي أبو محمد: أديب فاضل شاعر مجيد عارف بفنون العلم؛ مات في سنة تسعين وثلاثمائة، وكان سمسارا في بلده متأدبا ظريفا، وكان قد صنف «كتاب سرقات المتنبي» وحاف عليه. وعذله بعض أهل
стр. 994
الأدب فلم يرجع عن ذلك، فقال له: هل تثقل عليك الموافقة؟ قال: لا، قلت:
هذه الأبيات التي لك مأخوذة من قول المتنبي؛ وأبيات ابن وكيع:
لو كان كلّ عليل ... يزداد مثلك حسنا
لكان كلّ مريض ... يودّ لو كان مضنى
يا أكمل الناس حسنا ... صل أكمل الناس حزنا
غنيت عني وما لي ... وجه به عنك أغنى
وأبيات المتنبي [١] :
فلو كان المريض يزيد حسنا ... كما تزداد أنت على السقام
لما عيد المريض إذن وعدّت ... شكايته من النّعم العظام
فقال: والله ما سمعت هذا، فقلت: إذا كان الأمر على هذا فاعذر بمثله المتنبي.
ومن شعره:
وحديث كأنه ... أوبة من مسافر
كان أحلى من الرقا ... د إلى طرف ساهر
وله:
من أين للظبي الغرير الأحور ... في الخدّ مثل عذاره المتحدّر
رشأ كأن بعارضيه كليهما ... مسكا تساقط فوق ورد أحمر
قيل ان ابن وكيع كان قد مال إلى غلام أمرد حسن الوجه، فقيل لأبيه: إنه قد شغف بمن لا يستحقّ أن يشغف به، فعاتبه على ذلك، واتفق أنّ الغلام اجتاز عليه وهو لا يعرفه، فقال: لو هويت مثل هذا كنت معذورا، فقال في الحال [٢] :
أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قبلها رآه
فقال لي لو هويت هذا ... ما لامك الناس في هواه
стр. 995
قل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواه
وظلّ من حيث ليس يدري ... يأمر بالحبّ من نهاه
- ٣٤٦-
الحسن بن محمد السهواجي أبو علي:
أديب أريب، شاعر لبيب مشهور مذكور. وسهواج من قرى مصر، ومات بمصر سنة أربعمائة، فمن شعره:
كرام المساعي في اكتساب محامد ... وأهدى إلى طرق المعالي من القطا
وأبوابهم معمورة بعفاتهم ... وأيديهم ما تستريح من العطا
وله:
وقد كنت أخشى الحبّ لو كان نافعي ... من الحب أن أخشاه قبل وقوعه
كما حذر الانسان من نوم عينه ... ونام ولم يشعر أوان هجوعه
وله:
نطقت بالضحى حمامة أيك ... فأثارت أسى وأجرت دموعا
ذكرت إلفها فحنت إليه ... فبكينا من الفراق جميعا
وله:
قوم كرام إذا سلّوا سيوفهم ... في الرّوع لم يغمدوها في سوى المهج
إذا دجا الخطب أو ضاقت مذاهبه ... وجدت عندهم ما شئت من فرج
стр. 996
- ٣٤٧-
الحسن بن محمد بن الحسن بن حبيب أبو القاسم:
الواعظ المفسر ذكره عبد الغافر فقال: إمام عصره في معاني القرآن وعلومه، وقد صنف التفسير المشهور به، وكان أديبا نحويا عارفا بالمغازي والقصص والسير، مات في ذي القعدة سنة ست وأربعمائة وصنف في القراءات والأدب وفي عقلاء المجانين.
وكان يدرس لأهل التحقيق ويعظ العوام، وانتشر عنه بنيسابور العلم الكثير، وسارت تصانيفه في الآفاق. حدث عن الأصم وعبد الله بن الصفار وأبي الحسن الكارزي، وكان أبو إسحاق الثعلبي من خواص تلاميذه؛ وكان كرامي المذهب ثم تحول شافعيا. ومن شعره:
في علم علّام الغيوب عجائب ... فاصبر فللصبر الجميل عواقب
ومصائب الأيام إن غاديتها ... بالصّبر ردّت عنك وهي مواهب
لم يدج ليل العسر قطّ بغمة ... إلا بدا لليسر فيه كواكب
وله أيضا:
بمن يستغيث العبد إلا بربّه ... ومن للفتى عند الشدائد والكرب
ومن مالك الدنيا ومالك أهلها ... ومن كاشف البلوى على البعد والقرب
ومن يدفع الغماء وقت نزولها ... وهل ذاك إلا من فعالك يا ربي
[وجدت على حاشية الأصل المنقول منه هذا الاختيار:
إذا ضاقت بك الأسباب يوما ... فثق بالواحد الصمد العليّ
فكم لله من لطف خفيّ ... يدقّ خفا عن الفهم الذكي
وكم أمر تساء به صباحا ... فتعقبه المسرّة بالعشي
стр. 997
وكم عسر أعاد الله يسرا ... يفرّج همّ ذي قلب شجيّ
وقيل إنه كان ذا ثروة، وكان في داره بستان وبئر، وكان إذا قصده إنسان من الغرباء إن كان ذا ثروة طمع في ماله، وإن كان فقيرا أمره بنزح الماء لبستانه حتى يقيده، وكان لا يفعل بأهل بلده ذلك.
- ٣٤٨-
الحسن بن محمد [بن علي] بن رجا بن الدهان اللغوي:
أخذ عن الربعي والسيرافي، وأخذ عنه أبو زكريا التبريزي، مات في سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان من أصحاب الرماني، وكان سيّء الحال قشفا محالفا للفقر. وذكروا أنه كان يوما جالسا لأصحابه وعليه ثوب خلق تبدو منه عورته فقال له بعض أصحابه مشيرا إلى ذلك العضو: أيها الشيخ غرمولك، أي استر ذكرك، فتجمع الدهان ثم استرسل فبدا العضو، فقال له ذاك الرجل: أيها الشيخ قمدّك، فعاد وتجمع مستترا ثم مرّ في الإقراء وعاد مسترسلا، فبدا العضو فقال له: أيها الشيخ قهبلسك، وجرى معه في هذا الميدان من التنبيه على الاستتار بذكر الغريب من أسماء الذكر، فأقبل عليه الشيخ الدهان متضجرا وقال له: ويلك ما أتقنت من الغريب إلا حفظ أسماء هذا المردريك؟! فتضاحك الجماعة من قوله وانقطع المجلس.
قال المصنف: هذه حكاية مشهورة صحيحة عن هذا الصدر الذي يتعذر أن يكون في زماننا مثله، وقد كان يقصد وتقرأ عليه علوم الأدب، وأهل زماننا يذمون زمانهم، ولم يكن له ثوب يواريه، ولا في تلاميذه ذو أريحية يواسيه، فضلا عن أن يفضل عليه ويبره. ولكن ذم الناس لزمانهم لقلة رضاهم بأرزاقهم وأن كلّ أحد يرجو الغاية لا الكفاية، ويرى أنه مستحق للملك، لا لما يمشّي أمره في دار الهلك، والله المستعان.
стр. 998
- ٣٤٩-
الحسن بن محمد التميمي القاضي التاهرتي:
يعرف بابن الربيب، أصله من تاهرت، وطلب العلم بالقيروان ومات بها سنة عشرين وأربعمائة وقد جاوز الخمسين، وتولّى القضاء.
وكان محمد بن جعفر القزاز معنيا به محبا له، فبلغ النهاية في الأدب وعلم الخبر والنسب وله في ذلك تأليف مشهور. وكان خبيرا باللغة شاعرا مقدما قويّ الكلام يتكلف بعض التكلف، وكان عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي يروي له ما لا يروي لأحد من الشعراء، سئل عن أشعر أهل بلده فقال: أنا ثم ابن الربيب. ومن شعره [١] :
فلما التقى الجمعان واسنمطر الأسى ... مدامع منا تمطر الموت والدما
لدى مأتم للبين غنّى به الهوى ... بشجو وحنّ الشوق فيه فأرزما
تصدّت فأشجت ثم صدّت فأسلمت ... ضميرك للبلوى عقيلة أسلما
ومن شعره يرثي المنصور بن محمد بن أبي العرب [٢] :
لله أيّ محافظ ومحامي ... فجعت به الدنيا وأيّ همام
ومصرّف للملك راح مصرّفا ... في الترب بين صفائح ورجام
حلّت عليه الحادثات وطالما ... نزلت به قسرا على الأحكام
وتناولته يد الردى ولربما ... نالت به الأرواح وهي سوامي
يا قبر لا تظلم عليه فطالما ... جلّى بغرّته دجى الاظلام
أعجب بقبر قيس شبر قد حوى ... ليثا وبحر ندى وبدر تمام
стр. 999
ومنها:
ولطالما اصطكت لدى أبوابه ... ركب الملوك وجلّة الأقوام
يا ويح أيد أسلمتك إلى الثرى ... ما كنت تسلمها إلى الاعدام
- ٣٥٠-
الحسن بن محمد بن عزيز أبو منصور اللغوي:
لا أعرف من حاله شيئا، غير أني وجدت له كتابا في اللغة في عشر مجلدات مرتبا على حروف المعجم سماه «ديوان العرب وميدان الأدب» وخطّه عليه بالقراءة في شعبان سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.
- ٣٥١-
الحسن بن القاسم بن علي الواسطي المعروف بغلام الهراس:
أبو علي المقرىء، إمام الحرمين، مات سنة ثمان وستين وأربعمائة بواسط. سافر في طلب الاسناد للقراءات وأتعب نفسه في التجويد والتحقيق حتى صار طبقة أهل العصر، ورحل إليه الناس من أقطار الأرض، وكفّ بصره بأخرة؛ وقد قدح قوم في قراءته وقالوا: ادّعى الاسناد في شيء لا حقيقة له، ذكر ذلك عن ابن خيرون الأمين وغيره.
- ٣٥٢-
الحسن بن محمد بن عبد الصمد بن أبي الشخباء ،
أبو علي العسقلاني:
صاحب الرسائل، مات في ما ذكره علي بن بسام في كتاب الذخيرة في سنة اثنتين
стр. 1000
وثمانين وأربعمائة معتقلا بمصر في خزانة البنود، وكان يلقب بالمجيد ذي الفضيلتين، أحد البلغاء الفصحاء الشعراء، له رسائل مدونة مشهورة قيل إن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن [علي] البيساني منها استمدّ وبها اعتدّ، وأظنه كتب في ديوان الرسائل للمستنصر صاحب مصر لأن في رسائله جوابات إلى الفساسيري، إلا أن أكثر رسائله إخوانيات وما كتبه عن نفسه إلى أصدقائه ووزراء وأمراء زمانه، وها أنا أكتب منها ما سنح لتعرف قدر بضاعته ومغزى صناعته، نظما ونثرا؛ قال من قصيدة:
أخذت لحاظي من جنى خديك ... أرش الذي لاقيت من عينك
هيهات إني إن وزنت بمهجتي ... نظري إليك فقد ربحت عليك
غضّي جفونك وانظري تأثير ما ... صنعت لحاظك في بنان يديك
هو ويك نضح دمي وعزّ عليّ أن ... ألقاك في عرض الخطاب بويك
وسلكت في فيض الدموع مسالكا ... قصرت بها يد عامر وسليك
صانوك بالسمر اللدان وصنتهم ... بنواظر فحميتهم وحموك
لو يشهرون سيوف لحظك في الورى [١] ... ما استنفروا [٢] فيها قنا أبويك
وهم المغاوير الكماة وإنما ... ألقوا مقاليد القلوب إليك [٣]
وقد كتب إلى صديق له: لما حديت ركاب مولاي، أخذ صبري معه، وصحبه قلبي وتبعه:
فعجبت من جسم مقيم سائر ... كمسير بيت الشعر وهو مقيّد
وبقيت بعده أقاسي أمورا تخفّ الحليم وترعي الهشيم، إن رجوت منها غفلة
стр. 1001
اقتحمت، وإن رمت منها فرجة تضايقت والتحمت. وأما الوحشة فقد اصطبحت منها كأسا مترعة، وتجرعت من صابها أمرّ جرعة. ورأيت فؤادي إذا مرّ ذكر مولانا به [١] يكاد يخرج من خدره، ويرغب في مفارقة صدره، حنينا يجدّده السماع، وصدودا تنتقض منه الأضلاع، وزفرة تدمي في عذارها، ويطلع في الترائب شرارها:
أداري شجاها كي تخلّي مكانها ... وهيهات ألقت رحلها واطمأنت
وأما ما أعاني بعد مسيره فأشياء منها عيث الألم مرة بعد مرة [٢] ، وزوال الاستمتاع بما يعرفه من تلك المسرة؛ ومنها اضطراري إلى كثرة مكاثرة من أعلم دخل سرائره، واختلاف باطنه وظاهره، وتكلف اللقاء له بصفحة مستبشرة، وأخلاق غير متوعرة.
والله يعلم نفور طباعي ممن رآه أهل الأدب من الأدب غفلا، ومن ذخائره مقفلا، لكن السياسة تقتضي اعتماد ما ذكرت، وتوجب قصد ما شرحت، وإن كان موردا غير عذب، وثقيلا على العين والقلب:
ولربما ابتسم الفتى وفؤاده ... شرق الضلوع برنّة وعويل
ومنها انعكاس كثير من الآمال، وارتشاف الزمن [٣] الصبابة الباقية من الحال، بجوائح مصرية وشامية، وفوادح أرضية وسمائية. ولا أشكو بل أسلّم له مذعنا، وأرى فعله كيف تصرفت الأحوال جميلا حسنا:
ومن لم يسلّم للنوائب أصبحت ... خلائقه طرّا عليه نوائبا
والله تعالى المسؤول أن يهب لي من قرب مولاي ما يأسو هذه الكلوم، ويجدد من المسرّة عافي الرسوم، فجميع الحوادث، وسائر النوائب الكوارث، إذا قربت الخطوة، واستجيبت هذه الدعوة، تمسي غير مذكورة، وبجناح التجاوز مكفورة.
وكتب [٤] إلى أبي الفرج الموفقي جوابا عن رقعة: وصلت رقعة مولاي والصبح
стр. 1002
قد سل على الأفق مقضبه، وأزال بأنوار الغزالة غيهبه، فكانت بشهادة الله صبح الآداب ونهارها، وثمار البلاغة وأزهارها، قد توشحت بضروب من الفضل تقصر [١] قاصية المدى، وتجري به في مضمار الأدب مفردا:
فكأن روض الحزن تنشره الصبا ... ما ظلت من قرطاسها أتصفح [٢]
فأما ما تضمنته من وصفي فقد صارت حضرته السامية تتسمح في الشهادة بذلك مع مناقشتها في هذه الطريقة، وأنها لا توقع ألفاظها إلا مواقع الحقيقة، فإن كنت قد بهرجت عليها فلتراجع نقدها، تجدني لا أستحق من ذلك الإسهاب فصلا، ولا أعدّ لكلمة واحدة منه أهلا. وبالجملة فالله ينهضني بشكر هذا الانعام الذي يقف عند الثناء ويظلع، ويحصر دونه الخطيب [٣] المصقع:
هيهات تعيي الشمس كلّ مرامق ... ويعوق دون منالها العيّوق
وأما الفصل الذي أودعه الرقعة الكريمة من قوله: «فأما فلان فيحلّ في قومه ويفرح بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد، قدوره عمارية، وعطسات جواريه أسدية، تراهنّ أبدا يمشين [٤] في حلل الشباب ويهوين لو خلق الرجال خلق الضباب، يتضوّعن النشر العبقسي، ويرضعن مراضع ثعالة المجاشعي» وما أمرت حضرته السامية من ذكر ما عندي فيه، فقد تأمّلته طويلا وعثر الخادم فيه بما أنا ذاكره، راغبا في الرضى بما بلغت اليه المقدرة، وتجليل ذلك بسجوف الصفح.
أما قوله: «يفرح بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد» فيقع لي أنه أراد خالد بن الوليد المخزومي، وذلك أن مسيلمة الحنفي كان قد تنبأ بعد رسول الله ﷺ ، وحديثه مشهور، فبعث إليه أبو بكر ﵁ خالد بن الوليد المقدم ذكره في جيش كثيف من المسلمين، ففتح اليمامة وقتل مسيلمة وأباد جماعة كثيرة من بني حنيفة.
стр. 1003
وأما قوله «قدوره عمّاريّة» فإن هذا الفصل لما كان مبنيا على الذمّ وجب أن يتطلب لهذا السبب معنىّ يجب حمله عليه، ولم يجد ما ينسب إليه إلا قول الفرزدق [١] :
لو أن قدرا بكت من طول ما حبست ... على الحقوق بكت قدر ابن عمار
ما مسّها دسم مذ فضّ معدنها ... ولا رأت بعد نار القين من نار
وأما قوله «عطسات جواريه أسدية» فيقوى في وهمي أنه أراد قول الأول في هجائه [٢] :
إذا أسدية عطست فنكها ... فإن عطاسها طرف الوداق
وأما قوله: «يهوين لو خلق الرجال خلق الضباب» فإن الجاحظ ذكر في «كتاب الحيوان» أن للضب أيرين وللضبة حرين، وحكى أن أير الضبّ أصله واحد، وإنما يتفرق فيصير أعلاه اثنين، واستشهد على ذلك بقول الفزاري [٣] :
رعين الدبا والبقل حتى كأنما ... كساهن سلطان ثياب مراجل [٤]
سبحل له نزكان كانا فضيلة ... على كلّ حاف في البلاد وناعل [٥]
والنزك: اسم أير الضب، وأنشد الأصمعي لأبي درماء فيما رواه أبو خالد النميري [٦] :
تفرقتم لا زلتم قرن واحد ... تفرّق أير الضبّ والأصل واحد
ومن ها هنا قالت حبّى المدنية لما عذلها أبوها في تزوجها ابن أم كلاب [٧] :
стр. 1004
وددت بأنه ضبّ وأني ... ضبيبة كدية وجدت خلاء
وأما قوله: «يتضوعن النشر» فمن أمثال العرب: «هو أخسر صفقة من شيخ مهو» [١] وهو بطن من عبد القيس بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن نزار بن معد بن عدنان، وكان من خبره أن إيادا كانت أفسى العرب، فوفد وافدهم إلى الموسم بسوق عكاظ ومعه حلة نفيسة، فقال: يا معشر العرب من يشتري مني مثلبة قوم لا تضرّه بحلتي هذه؟ فقال الشيخ المهوي: أنا أشتريها، فقال الإيادي: أشهدكم يا معشر العرب أني قد بعت فساء إياد لوافد عبد القيس بحلّتي هذه، وتصافحا وافترقا متراضيين، وقد شهد عليهما أهل الموسم فصارت عبد القيس أفسى العرب. وقيل لابن مناذر: كيف الطريق إلى عبد القيس؟ فقال: شمّ ومرّ:
فإن عبد القيس من لؤمها ... تفسو فساء ريحه تعبق
من كان لا يدري لها منزلا ... فقل له يمشي ويستنشق
وأما قوله: «أعطش من ثعالة المجاشعيّ» [٢] فمن أمثال العرب فيما ذكره الكلبي قال: هما رجلان من بني مجاشع عطشا، فالتقم كلّ واحد منهما أير صاحبه يشرب بوله، فلم يغن عنهما شيئا وماتا عطشا، ووجدا على تلك الحال، قال جرير يهجو بني دارم [٣] :
رضعتم ثم سال على لحاكم ... ثعالة حين لم تجدوا شرابا
هذا ما وقع لي في هذا الفصل، وأرجو أن تكون قد ذهبت إلى ما قصده قائله.
ومن كلامه يهنىء بكسر أتسز الغزّي، وكان ذلك لثمان ساعات مضين من يوم الاثنين في العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة تسع وستين وأربعمائة: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
(آل عمران: ١٧٣)
стр. 1005
قد ارتفع الخلاف بين الكافة أن الله ذخر للدولة الفاطمية- ثبّت الله أركانها- من الحضرة العليّة المنصورة الجيوشية- خلد اله سلطانها- من حمى سوادها، ونصر أعلامها، وضمّ نشرها، وحفظ سريرها ومنبرها، بعد أن كان الأعداء الذين ارتضعوا درّ إنعامها، وتوسموا بشرف أيامها، فطردت يد الاصطناع إملاقهم، وأثقلت قلائد الإحسان أعناقهم، خفروا ذمم الولاء، وكفروا سوابغ الآلاء، ففجأتهم الحوادث من كلّ طريق، ونعب بهم غراب الشتات والتفريق، واستباحتهم يد الشدائد فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
(النحل: ٢٦) . ولم تزل النفوس منذ طرق أتسز بن أوق اللعين هذه البلاد، وأنجم فيها أنجم الفساد، وتعدّى حدود الله وكلماته، وتعرض لمساخطته ونقماته، عالمة بأن إملاء الحضرة العلية- مد الله ظلها على الكافة- لم يكن عن استعمال رخصة في هذه الحال، ولا سكون الى عوارض من الإغفال والإهمال، بل هو أمر ركب فيه متن التدبير، وجرت بنقله المقادير. واتبع فيه قوله تعالى: فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
(الحج: ٤٤) وحين خدمته المطالع المردية إلى الأعمال القاهرة مؤملا انفصام عروة الله المتينة، وأفول ما توقّد من شجرة مباركة زيتونة، سكنت النفوس إلى [أن] الحضرة العلية- ثبت الله مجدها- ستجرّد له من عزماتها الباقية ما يعجّل دماره، وتنتضي له [من] آرائها الكاملة ما يعفّي آثاره. وحين توالت الأنباء، واصطلمت الرجال بانكسار اللعين، وما منحته الحضرة من النصر المبين، حتى نهبت الأموال وتحكّمت السيوف بحكم القادر الغالب، وأكلتهم الحرب أكل الغرثان الساغب، وأنشبت فيهم أظافرها المنية، وكسيت الأرض من دمائهم حلّة عسجدية، وولّى المخذول على أدباره، ونكص على أعقابه بوبيل أوزاره، يخاف من نجوم الليل أن ترجمه، ومن شمس النهار [أن] تصطلمه، وترك ما معه يقسّم يمينا وشمالا، ومن حشده يقتّل ركبانا ورجالا، علم أن لله تعالى عناية بالدولة الزاهرة، وتحقق أن له سبحانه رعاية بالملة الطاهرة، تحوط أقطارها، وتضاعف أنوارها، ولطفا خفيا بهذه الرعية، ومشيئته نافذة في هذه البرية، التي لولا مقام الحضرة العلية لمزّق أديمها، واستبيح حريمها. والله المحمود على ما منح الأمة من هذه النعمة، والمسؤول أن يشدّ ببقاء الحضرة العلية قواعد الاسلام، ويسم بمحامدها أغفال الأيام، ويستخدم لها
стр. 1006
السيوف والأقلام، حتى لا يبقى على الأرض مفحص قطاة إلا وقد دوخها سنابك خيولها، ولا مسقط نواة إلّا وقد ركزت فيه صدور رماحها ونصولها.
فقد دفعت- أدام الله جمال الدنيا ببقائها، وأعز كمال الدين ببأسها وأصالة رائها- خطبا جسيما، واستلقحت من السياسة أمرا عقيما، وأعادت شمل الأمة ملموما نظيما. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وكان فضل الله عليك عظيما. فأما العبد المملوك فقد تلاعبت به أيدي الأقدار، وقذفته العطلة في هوّة بعيدة الأقطار، وهو يعد نفسه ويوفيها، ويسوّفها ويمنيها، أنّ مراحم الحضرة- نصر الله أعلامها- تعيد كساد بضاعته نفاقا، واضطراب حاله انتظاما واتساقا، وسكون ريحه خفوقا، وغروب حظه شروقا، إن شاء الله تعالى.
وكتب الى بعض إخوانه: أغبّ كتاب مولاي حتى أضرم نارا في الفؤاد، وحالف بين جفني والسهاد:
ثم وافى بلفظه الرائق العذ ... ب وأغنى عن الزلال البرود
وقرأته متنزها ... في روضه وغديره
جمع البلاغة كلّها ... تختال بين سطوره
فالدرّ في منظومه ... والسحر في منثوره
وعرفت ذكر الشوق الذي هيّج أحزانا، ونكأ قرحا لا يندمل زمانا، وإن عندي بشهادة الله ما يضرم ناره، ويشب أواره، والله تعالى يسهل من ألطافه الخفية ما يجمع الشمل، ويصل الحبل، ويقرّب الدار، ويدني المزار، بمحمد وآله والأئمة الأطهار. وأما حالي بعده، وارتياحي إلى ما عنده، وتأسفي على الفائت من أخلاقه التي هي من الحسن أدقّ، ومن الماء أصفى وأرقّ، فحال صبّ أخذ ما في فؤاده، وحولف بين طرفه وسهاده، فحرم لذلك لذيذ رقاده. وأما عتبه عليّ لتأخّر كتبي عنه، وبعدها منه، فهو يعلم- حرس الله مدته- أنني إذا واصلت أو أغببت، أنه سمير خاطري، وإن غاب عن ناظري، وهو نازل بضمائري، وإن بان من بين مخالطي ومعاشري:
стр. 1007
يا غائبا عن ناظري ... وحاضرا في خاطري
لا تخش مني جفوة ... فباطني كظاهري [١]
والله يعلم أني لم أغفل كتابه صرما وهجرا، ولا أهملت مجاوبته نقضا لمودته الكريمة ولا غدرا، فإنه من العين بمكان السواد، ومن الصدر بموضع الفؤاد، وبسبب هذا الاعتقاد، وما ذكرت من محض الوداد، أبثّه أشجانا، وأطلعه على أسراري إسرارا واعلانا، ثقة بودّه، وتمسكا بوثيق عهده وعقده، لو رآني فسح الله مدته، وضاعف عليّ مودّته، لرأى صبا قلبه خفيق، ودمعه طليق:
قلق الضمير بظبية وهنانة ... فلها بقلبي هزة وعلوق
الوجه طلق والوشاح مهفهف ... والردف دعص والقوام رشيق
وتبسمت عن واضح فضحت به ... سطع البروق ونمّ منه رحيق
هذه الأبيات تغني عما أردت أن أشرحه، وتنبىء عن مكنون ما سبيلي أن أثبته وأوضحه، والله المسؤول أن يقضي مأربي بسعادة جده، ويزيل عني ما أخشاه بتمام إقباله ومجده، وكتابه هو فسحة للصدر، ومنية ما يطلب من الدهر، ولرأيه علوه في إمضائه إليّ، ووفوده عليّ.
وكتب إلى ابن المغربي يهنئه بالفتوح: أطال الله بقاء سيدنا الوزير الأجلّ ما سطع الصبح بعموده، وهمهم السحاب برعوده، وطلعت في الافق أنجم سعوده:
نعتدّه ذخر العلا وعتادها ... ونراه من كرم الزمان وجوده
والدهر يضحك من بشاشة بشره ... والعيش يطرب من نضارة عوده
فقد ألبس الله الدهر من مناقب الحضرة السامية ما أخرس اللائمة [٢] ، وأفاض على الكافة من آلائها ما تملك به رقّ المآثر، ويعجز عنه كلّ ناظم وناثر:
يقصّر عنه لسان البليغ ... ويفضل عن مقلة الناظر
стр. 1008
فما تنفكّ- خلد الله أيامها- تذود [١] عن الدولة برأي صائب، وحساب قاضب، يتحاسد عليه الدرع والدراعة، ويتنافس فيه الصمصامة واليراعة، والملك بين هذين متين العماد، مستبحر [٢] الثماد:
ما زال قائد كتبة وكتيبة ... بأصيل رأيي منصل وفؤاد
شبهان من قلم ومن صمصامة ... شهرا ليوم ندى ويوم جلاد
وما وقفت في هذا المقام موقفا وحشيا، ولا وقع عندها موقعا أجنبيا، بل اقتفت آثار أسلاف خفقت عليهم ألوية المعالي وبنودها، ووسمت بأسمائهم جباه الممالك وخدودها، وتحيف الكرم أموالهم وهي أثيثة الجناح، وذللت عزائمهم من النّوب وهي شديدة الجماح:
كتّاب ملك يستقيم برأيهم ... أود الخلافة أو أسود صباح
بصدور أقلام يردّ إليهم ... شرف الرياسة أو صدور رماح
قد كان العبد خدم المجلس السامي بخدمة قصرها على [٣] التهنئة بما فتح الله تعالى من الظفر بالعدو الذي أطاع شيطانه، ومدّ في مضمار الغيّ أشطانه، واتبع ما أسخط الله وكره رضوانه، وجرى الله تعالى على جميل عادته في زلزلة أطواده، واستئصال أحزابه وأجناده، الذين غدت الرماح تستقي مياه نحورهم، والسيوف تنتهب ودائع صدورهم، والحمام يجول عليهم كلّ مجال، ويستدني إليهم نوازح الآجال:
ما طال بغي قطّ إلا غادرت ... فعلاته الأعمار غير طوال
فتح أضاء به الزمان وفتّحت ... فيه الأسنة زهرة الآمال
وأرجو أن يكون التوفيق قضى بوصولها، وأذن في قبولها، فيمتدّ ظل، ويثري مقلّ، ويصوب عارض مستهل:
أيعجز فضلك عن خادم ... وأنت بأمر الورى مستقل
стр. 1009
وبحكم ما العبد عليه من تطلّع الأمل القويّ، وتوقع الإنعام الكسروي، عززها بهذه المناجاة، وإن كان على ثقة أن رشاه قد ألقي في الغدير القريب، ورائده قد خيّم بالمرتع الخصيب:
لو رأينا التوكيد خطة عجز ... ما شفعنا الأذان بالتثويب
وله- أدام الله عزه- الرأي العالي فيه، إن شاء الله تعالى.
وكتب إلى صارم الدولة ابن معروف: أطال الله بقاء الحضرة الصارمية يجري القدر على حسب أهويتها، ويعقد الظفر بعزائم ألويتها، وتحلّى بذكرها ترائب الأيام العاطلة، وتنجز بكرمها عدات الحظوظ المماطلة، ما أصحب الجامح، وأضاء السماك الرامح، وعافت الماء الإبل القوامح [١] :
وما سحبت في مفرق الأرض ذيلها ... خوافق ريح للسحاب لواقح
إذا رفض الناس المديح وطلّقوا ... بنات العلا زفّت إليه المدائح
أيام الناس شهود مختلفة الأقوال، وصنوف متباينة الأحوال، فيوم تؤرخ السير بسؤدده وسنائه، وينطق بمحامد قوم ألسنة أبنائه، ويوم يخبو في موقف الجد شهابه، ويعبق بمسك المدام إهابه، فالحمد لله الذي جعل الحضرة السامية عقال الخطوب العوارم، ونظام المحاسن والمكارم، يعتدها الزمن نسيم أصائله، وزهر خمائله، وشموس مشارقه، وتيجان مفارقه، فيجب على كلّ من ضمّ اليراعة بنانه، وأطلق في ميدان البراعة عنانه، أن لا يخلي مجلسه من مدح معروضة، وخدم مفروضة، يسهب فيها الواصف، ويوجبها الإنعام المتراصف [٢] :
عسى منّة تقوى على شكر منّة ... وهيهات أعيا البحر من هو راشف
ولو كنت لا تولي يدا مستجدة ... إلى أن توفّى شكر ما هو سالف
حميت حريم المال من سطوة الندى ... وغاضت وحاشاها لديك العوارف
وكم عزمة في الشكر كانت قوية ... فأضعفها إحسانك المتضاعف
стр. 1010
رعى الله من عمّ البرية عدله ... فأنصف مظلوم وأومن خائف
له منن في حرب خطب معاطف ... دماث وفي صدر الخطوب عواطف
فكم داهل [١] هدته- نصر الله عزائمها- بعد الضلال، وحرّ استنقذته من حبائل الإقلال، ومرهق خفّفت عنه وطأة الزمن المتثاقل، وطريق [٢] بوّأته من حرمها أمنع المعاقل:
منازل عزّ لو يحلّ ابن مزنة [٣] ... بها لسلا عما له من منازل
فيا صارما يعطي وينسى عطاءه ... ولم نر سيفا ذا وفاء ونائل
يكاد يفيض البرق من وجناته ... إذا ما أتاه سائل بوسائل
إذا هو عرّى سيفه من غموده ... وأفضى بفضفاض من السّرد ذابل
وقد صبغ النقع النهار بصبغة ... ترى ناصلا منها بياض المناصل
رأيت متون الخيل تحمل ضيغما ... مرير مذاق الكيد حلو الشمائل
يلذّ له طعن الكماة كأنما ... جرى الشّنب المعسول فوق العواسل [٤]
وكم أخرست أطرافها من غماغم ... لأقرانه واستنطقت من ثواكل
من القوم لم تترك لهم عند كاشح ... طوال ردينياتهم من طوائل
إذا ما سروا خلف العدوّ وهجّروا ... تظلّل من أرماحهم في ظلائل
وما ذبلت يوما خميلة عزة ... إذا زرعت فيها كعوب الذوابل
أوائل مجد لم يزل فاخرا بها ... تميم بن مرّ أو كليب بن وائل
ثم جاءته مناقب الحضرة العلية فتمّ بها مناقب تميم، وحكم لآل القعقاع أمر حكيم، ونصر لواء بني نصر، وأبدرت أهلة بني بدر، ونبه منبه هوازن، وظهرت
стр. 1011
مزينة ومازن، وضحك لعبس عابس الدهر، وراحت الكلمة [١] كاملة الفخر، وزادت مغايظ الأزد، وقشرت قشيرا عن بلوغ المجد، وأغمدت سيوف بني غامد، وصارت همدان كالجمر الهامد، وعنس مذحج كالعنس [٢] مذللة، وحمير بالراية الحمراء متظللة، وطوت طيء عملها استخذاء، وغضت جفنة جفونها استحياء، فحرس الله محاسن الحضرة السامية التي جباه الأنام بها موسومة، وتمم نعمها التي هي بينها وبين الناس مقسومة. ولا زالت الدولة الفاطمية تحمد عزائمها التي شهدت لها بمداومة الكفاة، وأنشرت من النصائح كلّ رميم رفات:
كأنك حين ظلّ الناس عنها ... هديت إلى رضى هادي الدعاة [٣]
مزيل المال من ملك الاعادي ... وناظم شمله بعد الشتات
سينطق بالثناء على عليّ ... وعترته المنابر صامتات
فقاد له إلى بغداد قودا ... تجلّى لحمها جنب الفرات
عليها كلّ داني الحلم ثبت ... سفيه [٤] السيف من بعد الثبات
كأنهم [وهم] [٥] لحم المنايا ... يفيدون الحياة من الممات
يسابقون إلى العدوّ الأعنة، فتطعن عزائمهم قبل الأسنة، ويقتدون بالحضرة السامية في خوض الرّهج، وإرخاص المهج، وتحمّل الأعباء، في موالاة أصحاب العباء [٦] ؛ ولا سلب الله هذا الثغر وأهله ما وهب لهم من إنعامه الذي يتهافت إليهم متناسقا، ويعيد غصن مجدهم ناضرا باسقا:
إذا ما قلى الناس السماح عشقته ... وأحسن من يسدي المكارم عاشقا
стр. 1012
حمى الله من كيد الزمان خلائقا ... وسعت بها يا ابن الكرام خلائقا
إذا أظلموا كانت شموسا طوالعا ... وان أجدبوا كانت غيوثا دوافقا
وقد زار شهر الصوم ربعك صابحا ... له بأفاويق السعود وغابقا
تنوّر بالقرآن أسداف ليله ... فيبيضّ منها كلّ ما كان غاسقا
تأرّج من تقواك فيه لطائم ... يظلّ لها عرنين عامك ناشقا
فعش أبدا ما شوهد الأفق أورقا ... وراح قضيب الأيك أخضر وارقا [١]
إذا عدّ قوم للمعالي أخامصا ... عددناك تيجانا لها ومفارقا
- ٣٥٣-
الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن حمدون
أبو سعد بن أبي المعالي بن أبي سعد الكاتب: قد تقدّم ذكر أبيه [٢] صاحب الديوان بهاء الدين أبي المعالي وذكر عمه أبي نصر محمد بن الحسن كاتب الإنشاء. وكان أبو سعد هذا يلقب تاج الدين. مات أبو سعد هذا في حادي عشر محرم سنة ثمان وستمائة كما نذكره فيما بعد، ومولده في صفر سنة سبع وأربعين وخمسمائة. وكان ﵀ من الأدباء العلماء الذين شاهدناهم، زكيّ النفس، طاهر الأخلاق، عالي الهمة، حسن الصورة، مليح الشبية، ضخم الجثة، كث اللحية طويلها، طويل القامة، نظيف اللبسة، ظريف الشكل. وهو ممن صحبته فحمدت صحبته وشكرت أخلاقه، وكان قد ولي عدة ولايات عاينت منها النظر في البيمارستان العضدي، وكانت هيبته فيه ومكانته منه أعظم من مكانة أرباب الولايات الكبار، لأن الناس يرونه بعين العلم
стр. 1013
والبيت القديم في الرئاسة. ثم ولي عند الضرورة كتابة السكة بالديوان العزيز ببغداد، يرزق برزق مقداره عشرة دنانير في الشهر، وسألته فقلت: من هو حمدون الذي تنسبون إليه؟ أهو حمدون نديم المتوكل ومن بعده من الخلفاء؟ فقال: لا نحن من آل سيف الدولة بن حمدان بن حمدون من بني تغلب، هذا صورة لفظه.
وكان من المحبين للكتب واقتنائها، والمبالغين في تحصيلها وشرائها، وحصل له من أصولها المتقنة وأمهاتها المعينة ما لم يحصل لكثير أحد، ثم تقاعد به الزمان [١] وبطل عن العمل، فرأيته يخرجها ويبيعها وعيناه تذرفان الدموع عليها كالمفارق لأهله الاعزّاء، والمفجوع بأحبابه الأودّاء، فقلت له: هوّن عليك- أدام الله أيامك- فإن الدهر ذو دول، وقد يصحب الزمان ويساعد، وترجع دولة العز وتعاود، فتستخلف ما هو أحسن منها وأجود؛ فقال: حسبك يا بني هذه نتيجة خمسين سنة من العمر أنفقتها في تحصيلها، وهب أن المال يتيسر والعمر [٢] يتأخر، وهيهات، فحينئذ لا أحصل من جمعها بعد ذلك إلا على الفراق الذي ليس بعده تلاق، وأنشد بلسان الحال:
هب الدهر أرضاني وأعتب صرفه ... وأعقب بالحسنى وفكّ من الأسر
فمن لي بأيام الشباب التي مضت ... ومن لي بما قد مرّ في البؤس من عمري
ثم أدركته منيته ولم ينل أمنيته.
وكان حريصا على العلم، فجمع من أخبار العلماء، وصنّف من أخبار الشعراء، وألف كتبا كان لا يجسر على إظهارها خوفا مما طرق أباه مع شدة احتراز.
وبالجملة فعاش في زمن سوء وخليفة غشوم جائر، كان إذا تنفس خاف أن يكون على نفسه رقيب يؤدي به إلى العطب، وهو كان آخر من بقي من هذا البيت القديم والركن الدعيم، ولم يخلّف إلا ابنة مزوجة من ابن الدوامي، وما أظنها معقبة أيضا. وكان مع اغتباطه بالكتب ومنافسته ومناقشته فيها جوادا باعارتها، ولقد قال لي يوما، وقد عجبت من مسارعته إلى إعارتها للطلبة: ما بخلت باعارة كتاب قط ولا أخذت عليه رهنا. ولا
стр. 1014
أعلم أني مع ذلك فقدت كتابا في عارية قط، فقلت: الأعمال بالنيات، وخلوص نيتك في إعارتها لله حفظها عليك.
وكتب بخطه الرائق الكتب الكثيرة الكبار والصغار المروية، وقابلها وصححها وسمعها على المشايخ، فكان ممن لقي من المشايخ أبو بكر محمد بن عبيد الله الزاغوني والنقيب أبو جعفر أحمد بن محمد بن العباس المكي وأبو حامد محمد بن الربيع الغرناطي، مغربيّ قدم عليهم، وأبو المعالي محمد بن محمد بن اللحاس [١] العطار ووالده أبو المعالي ابن حمدون وأبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن سليمان المعروف بابن البطي [٢] ، وجماعة بعدهم كثيرة: كابن كليب الحراني [٣] وابن بوش [٤] وغيرهم. وروى شيئا من مسموعاته يسيرا. وكان مؤيد الدين محمد بن محمد القمي نائب الوزارة ببغداد قد خرج إلى ناحية خوزستان حيث عصى سنجر مملوك الخليفة بها حتى قبض عليه وعاد به وفي صحبته عز الدين نجاح الشرابي، فخرج الناس لتلقيه عند عوده في محرم سنة ثمان وستمائة، وكان تاج الدين في من خرج لتلقيه، وكان عبلا ترفا معتادا للدعة والراحة، ملازما لقعر داره وكان الحر شديدا والوقت صائفا، فلما انتهى إلى المدائن اشتدّ عليه الحر وتكاثف حتى أفضى به إلى التلف، فمات ﵀ في الوقت المقدم ذكره بالمدائن، بينه وبين بغداد سبعة فراسخ، فحمل إلى بغداد ودفن بمقبرة موسى بن جعفر بباب التبن، ﵀ ورضي عنه.
стр. 1015
- ٣٥٤-
الحسن بن محمد الصغاني النحوي:
ويقال صاغان من بلاد ما وراء النهر:
قدم العراق وحجّ ثم دخل اليمن ونفق له بها سوق، وكان وروده إلى عدن سنة عشر وستمائة. وله تصانيف في الأدب منها: تكملة العزيزي. وكتاب في التصريف.
ومناسك الحج ختمه بأبيات قالها وهي:
شوقي الى الكعبة الغرّاء قد زادا ... فاستحمل القلص الوخّادة الزادا
أراقك الحنظل العاميّ منتجعا ... وغيرك انتجع السّعدان وارتادا [١]
أتعبت سرحك حتى آض عن كثب ... نياقها رزّحا والصعب منقادا
فاقطع علائق ما ترجوه من نشب ... واستودع الله أموالا وأولادا
وكان يقرأ عليه بعدن «معالم السنن» للخطابي، وكان معجبا بهذا الكتاب وبكلام مصنفه ويقول: إن الخطابيّ جمع لهذا الكتاب جراميزه [٢] . وقال لأصحابه:
احفظوا غريب أبي عبيد القاسم بن سلام فمن حفظه ملك ألف دينار، فإني حفظته فملكتها، وأشرت على بعض أصحابي بحفظه فحفظه وملكها. وفي سنة ثلاث عشرة وستمائة كان بمكة وقد رجع من اليمن وهو آخر العهد به.
وكان الغالب عليه علم اللغة والأحاديث النبوية وصنف كتابا في اللغة سماه
стр. 1016
«مجمع البحرين» جمع له فيه ما لم يجمع لأحد من أهل هذا العلم، وله من الفضائل ما شاع وذاع وما نرى ذكر له شيء في ذلك [١] .
- ٣٥٥- الحسن بن المظفر النيسابوري، أبو علي: أديب نبيل شاعر مصنف، ذكره أبو أحمد محمود بن أرسلان في «تاريخ خوارزم» فقال: مات أبو علي الحسن بن المظفر الأديب الضرير النيسابوري ثم الخوارزمي في الرابع من شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وأثنى عليه ثناء طويلا زعم فيه أنه كان مؤدب أهل خوارزم في عصره ومخرّجهم وشاعرهم ومقدمهم والمشار إليه منهم، وهو شيخ أبي القاسم الزمخشري [٢] قبل أبي مضر، وله نظم ونثر وتصانيف، وذكر أن له ولدا اسمه عمر وكنيته أبو حفص أديب فقيه فاضل، وله شعر منه:
سبحان من ليس في السماء ولا ... في الأرض ندّ له وأشباه
أحاط بالعالمين مقتدرا ... أشهد أن لا إله إلا هو
وخاتم المرسلين سيدنا ... أحمد ربّ السماء سماه
أشرقت الأرض بعد بعثته ... وحصحص الحقّ من محياه
ومات أبو حفص هذا في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
ووجدت للحسن بن المظفر من التصانيف: كتاب تهذيب ديوان الأدب. وكتاب تهذيب إصلاح المنطق. وكتاب ذيله على تتمة اليتيمة لم أقف على اسمه. كتاب ديوان شعره مجلدتان. كتاب ديوان رسائله. كتاب محاسن من اسمه الحسن. كتاب زيادات أخبار خوارزم.
стр. 1017
نقلت من الكتاب الذي وصل به «تتمة اليتيمة» وذكر فيه أشياء من شعره ورسائله ختم بها كتابه وهو أنه قال: الحسن بن المظفر النيسابوري مؤلف الكتاب نيسابوري المحتد خوارزمي المولد، وممن كان عارفا بنفسه غير مفتون بنظمه ونثره، فإنه سلك طريق أبي منصور الثعالبي ﵀ فيما أورده من شعره في آخر كتاب «تتمة اليتيمة» ، فأورد نبذا مما يستحسن من كلامه ويستبدع من نظامه:
فمن نثره الساذج رقعة له: عرّف الله الشيخ الرئيس بركة شهر رمضان، ووفقه من طاعته لما يكتسب به العفو والغفران، ولولا العذر الواقع من الوحول، لقصدت مجلسه أعلاه الله بالتهنئة والتسليم، وقضاء حقه العظيم، هذا أدام الله تمكينه وعهدي به يعدّني من جملة عياله، ويخصّني كلّ وقت بأفضاله، فليت شعري لم عدل إلى الفطام عن ذلك الانعام؟ فإن كان نسيان فقد جاءه ذكري، وإن كان هجران فحاشاه من هجري.
وله من أخرى: الشيخ يسترقّ الأحرار بعوائد فضله وبواديه، حتى لا حرّ بواديه [١] .
ومن نظمه:
أهلا بعيش كان جدّ موات ... أحيا من اللذات كلّ موات
أيام سرب الأنس غير منفّر ... والشمل غير مروّع بشتات
عيش تحسّر ظلّه عنّا فما ... أبقى لنا شيئا سوى الحسرات
ولقد سقاني الدهر ماء حياته ... والآن يسقيني دم الحيّات
لهفي لأحرار منيت بفقدهم [٢] ... كانوا على غير الزمان ثقاتي
قد زالت البركات عنّي كلّها ... بزيال سيدنا أبي البركات
ركن العلا والمجد والكرم الذي ... قد فات في الحلبات أيّ فوات
فارقت طلعته المنيرة مكرها ... فبقيت كالمحصور في الظلمات
стр. 1018
أضحي وأمسي صاعدا زفراتي ... لفراقه متحدرا عبراتي
وأنشد فيه لنفسه:
جبينك الشمس في الأضواء والقمر ... يمينك البحر في الإرواء والمطر
وظلّك الحرم المحفوظ ساكنه ... وبابك الركن للقصّاد والحجر
وسيبك الرزق مضمون لكلّ فم ... وسيفك الأجل الجاري به القدر
أنت الهمام بل البدر التمام بل ... السيف الحسام الهذام الصارم الذكر
وأنت غيث الأنام المستغاث به ... إذا أغارت على أبنائها الغير
وأنشد لنفسه:
أريّا شمال أم نسيم من الصّبا ... أتانا طروقا أم خيال لزينبا
أم الطالع المسعود طالع أرضنا ... فأطلع فيها للسعادة كوكبا [١]
قال أبو علي الضرير: رأيت ابن هودار في المنام بعد موته فقلت له: لقد تحوّلت من دار إلى دار، فهل رأيت قرارا يا ابن هودار؟ قال: فأجابني
لا بل وجدت عذابا لا انقطاع له ... مدى الليالي وربا غير غفّار
ومنزلا مظلما في قعر هاوية ... قرنت فيها بكفّار وفجار
فقل لأهلي موتوا مسلمين فما ... للكافرين لدى الباري سوى النار
- ٣٥٦- الحسن بن ميمون النصري: أحد بني نصر بن قعين بن طريف بن أسد بن خزيمة، روى عنه محمد بن النطاح، وكان أخباريا عارفا. ذكره محمد بن إسحاق وقال: له من الكتب كتاب الدولة. كتاب المآثر.
стр. 1019
- ٣٥٧-
الحسن بن وهب بن سعيد بن عمرو بن حصين بن قيس بن قنان [١] بن متى، أبو علي الكاتب السديد العالم: ولي الولايات الجليلة، وتقلد الأعمال النبيلة، وكان يكتب أولا لمحمد بن عبد الملك الزيات الوزير وولي ديوان الرسائل. وسليمان بن وهب الوزير هو أخوه. مات الحسن بن وهب في آخر أيام المتوكل بالشام وهو يتقلد البريد بنواحيها ومولده سنة ست وثمانين ومائة.
قال محمد بن إسحاق النديم [٢] : كتب قنان بن متى جد الحسن ليزيد بن أبي سفيان أخي معاوية لما ولي الشام من قبل عمر بن الخطاب، ثم كتب لأخيه معاوية بعده، ثم وصله معاوية بابنه يزيد وفي أيامه مات، فاستكتب يزيد ابنه قيس بن قنان ثم كتب قيس بعد يزيد لمروان بن الحكم، ثم لابنه عبد الملك، ثم لهشام بن عبد الملك، وفي أيامه مات، فاستكتب هشام ابنه الحصين بن قيس ثم استكتبه من بعده إلى أيام مروان، وخرج معه إلى مصر، فلما قتل مروان صار ابن هبيرة إلى المنصور وأخذ للحصين أمانا، فخدم المنصور والمهديّ، وتوفي مع المهدي في طريق الريّ، فاستكتب المهدي ابنه عمرا، ثم كتب لخالد بن برمك، ثم توفي وخلّف سعيدا، فما زال في خدمة آل برمك، وتحرك ابنه وهب فكتب بين يدي جعفر بن يحيى، ثم صار في جملة ذي الرياستين الفضل بن سهل، فكان ذو الرياستين يقول: عجبت لمن معه وهب كيف لا تهمه نفسه، فلما قتل الفضل استكتبه أخوه الحسن بن سهل بعده، وقلّده كرمان وفارس فأصلحها، ثم وجّه به إلى المأمون في رسالة من فم الصّلح، فغرق في طريقه بين بغداد وفم الصلح، وكتب ابنه
стр. 1020
سليمان بن وهب للمأمون وهو ابن أربع عشرة سنة، ثم كتب لإيتاخ التركي، ثم لأشناس التركي، وكانا عظيمي القدر، ثم ولي وزارة المعتمد على الله.
وللحسن ولسليمان ابني وهب شعر مليح ورسائل بليغة مدونة؛ قال المرزباني:
بنو وهب أصلهم نصارى من خسرو سابور من أعمال واسط، تعلقوا بنسب في اليمن في بني الحارث بن كعب، وكان عبيد الله وابنه القاسم يدفعان ذلك. والحسن بن وهب هو القائل [في بنات جارية محمد بن حماد كاتب] راشد، وغنّت عليها:
سأكرم نفسي عنك حسب إهانتي ... لها فيك إن قرّت وكفّ نزاعها [١]
هي النفس ما كلّفتها قطّ خطة ... من [الأمر] إلا قلّ عنها امتناعها
صدقت لعمري أنت أكبر همّها ... فما جهدها إذ قلّ منك انتفاعها
وقال في رواية المرزباني أيضا:
أما الفراق فحين جدّ ترحلت ... مهج النفوس له عن الأجساد
من لم يبت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تفتّت الأكباد
قال بعضهم: مررت بقبر الحسن بن وهب بدمشق وعليه مكتوب [٢] :
مقيم بالمجازة من قنونا ... وأهلك بالأجيفر والثماد [٣]
ألا فاصبر [٤] فكلّ فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي
قال الصولي: كان من أول أمر الحسن بن وهب اتصاله بمحمد بن عبد الملك الزيات في آخر أيام المأمون، وكان محمد يلي النفقات وغير ذلك، ثم علا أمره في أيام المعتصم فكان لا يبرح من داره إلى أن وزر ابن عمار للمعتصم، وكان محمد بن عبد الملك ينوب عنه، وأمّر محمد على الكتابة الحسن بن وهب.