← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

كل ذي معدة تقعقع جوعا ... وهو شاكي السلاح بالأسنان [١] كل ذي اسم مستغرب أعجميّ ... منعت صرف إسمه علتان [٢] كمرند وطغتكين وطرخا ... ن وكسرى وخرّم وطوغان وخمار وزيرك وخوند ... ومميش وطشتم وجوان وطراد وجهبل وزناد ... وشهاب وعامر وسنان غمر جمّعوا بغير عقول ... وازعات عنّي [٣] ولا أديان هل سمعتم بمعشر جمعوا الخي ... ل وساروا بالرّجل والفرسان رحلوا من بيوتهم ليلة المر ... فع من أجل أكلة مجان شره بارد وحرص على الأكل ... فويلي من معشر مجّان لست أنسى مصيبتي يوم جاءو ... ني وقد ضاق عنهم الواديان وردوا ليلة الخميس علينا ... في خميس ملء الربى والمغاني متوال كالسيل لا يلتقي منه ... لفرط انتشاره الطرفان أشرفوا بي على زروع وأحطا ... ب وبيت بخيره ملآن لبن قارس وخبز طريّ ... وقدور تغلي على الداركان [٤] وشواء من الجداء ومعلو ... ف دجاج وفائق الحملان وشراب ألذّ من زورة المعشوق ... بعد الصدود والهجران يخجل الورد في الروائح والطعم ... ويحكي شقائق النعمان أذكرتني جيوشهم يوم جاءو ... ني بيوم الكلاب والرّحرحان يقدم القوم أرحبيّ [٥] هريت ال ... شدق رحب المعى طويل اللسان هو نمس الدجاج والبطّ والو ... ز وذئب النعاج والخرفان

стр. 1052

بسواد من عظمه طبّق الأر ... ض وخيل يهوين كالظلمان وأبو القاسم الكبير على طر ... ف كميت أقبّ كالسرحان وأخوه الصغير يعترض الخي ... ل على قارح عريض اللبان وهما يهويان بالساق والرج ... ل إلى ما يسوءني مسرعان والسريّ الذي سرى في جيوش ... أضعفتني وقصّرت من عناني بفم واسع وشدق رحيب ... وبكفّ تجول كالصولجان وأخوه الفضل الذي بان للعا ... لم من فضله شفا النقصان [١] والشموليّ خلقه خلق حمّا ... ل عريض الأكتاف عبل الجران لستّ أنساه جاثيا جاحظ العي ... ن عبوسا في صورة الغضبان كالعقاب الغرثان يقتنص اللح ... م ويهوي إلى طيور الخوان والأديب الذي به كنت أعت ... دّ غزاني في الحين في من غزاني وكذا الكاتب الذي كان جاري ... وصديقي ومشتكى أحزاني وصديق الأشراف أخنى على خم ... ري وأفنى بالكرع ما في دناني كلما شقّق الفراريج شقّق ... ت لغيظي من فعله قمصاني وهو في أمره مجدّ رخيّ ال ... بال لم يعنه الذي قد عناني مجرهدّ [٢] كالسوس في الصوف في ... الصيف بقلب خال من الإيمان قلت قل لي يا ابن المبشّر ما شأ ... نك من بين من غزاني وشاني ليس هذا من شهوة الأكل هذا ... من طريق البغضاء والشنآن قلت للفيلسوف لما غدا في الأ ... كل أعني فتى أبي عدنان واستحثّ الكؤوس صرفا بلا مز ... ج ولاء كالهائم الظمآن ليت شعري أذاك من طبّ بقرا ... ط تعلمته وسمع الكيان [٣]

стр. 1053

وبهذا تزداد بالعالم الجس ... ميّ علما والعالم الروحاني ثم لا تنس ما لقيت وما مرّ لشؤمي ... من عسكر الفرغان أعجميّ اللسان أفصح من قسّ ... إذا ما انتشى ومن سحبان قال قم فأتنا بخبز ولحم ... ونبيذ معتّق في الدنان وغلام مهفهف [١] حسن الوجه ... يحاكي قوامه غصن بان لم توكّل فرغان إلا بتفريغ ... دناني وصبّها في القناني [٢] إنّ من أعظم المصائب يا قو ... م بلائي بذلك الطرمذان رجل كالفنيق فدم بلال ... بّ طويل في صورة الشيطان بقفا كالحديد [٣] يصمد للصّف ... ع ورأس أصمّ كالسندان واسع الحلق ناقص الخلق والدي ... ن غليظ القذال كالقلتان يبلع المطجنات [٤] بلعا بلا مض ... غ ويحسو النبيذ كالعطشان وأتوني بزامر زمره يح ... كي ضراط العبيد والرّعيان ومغنّ غناؤه يجشىء النفس [٥] ... ويأتي بالقيء والغثيان قصدت هذه الطوائف خمرا ... يا ابتلاء ونكبة لامتحاني [٦] قلت: ما شأنكم فقالوا أغثنا ... ما طعمنا الطعام منذ ثمان وأناخوا بنا فيا لك من يو ... م عصيب من حادثات الزمان [٧] نزلوا ساحتي وأطلقت الخي ... ل بزرع الحقول والبستان [٨]

стр. 1054

أفقروني وغادروني بلا دا ... ر ولا ضيعة ولا صيوان [١] أدهشوني وحيّروني وقد صر ... ت ذهولا أهيم كالسكران أسمع اللفظ كالطنين فألفا ... ظهم ما لها لديّ معاني تركوني يا قوم أجرد من فر ... خ وأعرى ظهرا من الافعوان أكلوا لي من الجرادق ألفين ... بدبس يسيل كالقطران [٢] أكلوا لي ما حولها ثم مالوا ... كذئاب إلى سميد الفراني [٣] أكلوا لي من الجداء ثلاثين ... وسبعا بالخلّ والزعفران أكلوا ضعفها شواء وضعيفها ... طبيخا من سائر الألوان أكلوا لي تبالة تبّلت عق ... لي بعشر من الدجاج سمان [٤] أكلوا لي مضيرة ضاعفت ضرّ ... ي بروس الجداء والحملان أكلوا لي كشكية كشكشت قل ... بي وهاجت بفقدها أشجاني [٥] أكلوا لي سبعين حوتا من النهر ... طريا من أعظم الحيتان أكلوا لي عدلا من المالح المقلوّ ... ملقى في الخلّ والأنجذان [٦] أكلوا لي من القريشاء والبر ... نيّ والمعقليّ والصرفان [٧] ألف عدل سوى المصقّر والبر ... ديّ واللؤلؤيّ والصّيحاني [٨]

стр. 1055

أكلوا لي من الكوامخ والجو ... ز معا والخلاط والأجبان ومن البيض والمخلّل ما تع ... جز عن جمعه قرى حوران فتّتوا لي من السفرجل والتفّاح ... والرّازقيّ والرمّان [١] والرياحين ما رهنت عليه ... جبّتي عند أحمد الفاكهاني أذبلوا لي من البنفسج والنر ... جس ما ليس مثله في الجنان ذبحوا لي بالرغم يا معشر النا ... س ثمانين رأس معز وضان ما كفاهم تذبيحهم غنم القر ... ية حتى أتوا على الثيران أكلوا كلّ ما حوته يميني ... وشمالي وما حوى جيراني ثم قالوا هلمّ شيئا فنادي ... ت غلامي قم ويك فاخبأ حصاني لم تدع لي بطونكم يا بني البظر ... سواه وذا شطوب يماني فتمالوا عليّ شتما ولعنا ... واستباحوا عرضي بكلّ لسان ثم جاء المعقّبون من السا ... سة والشاكريّ والعبدان [٢] فرأيت الصراع والدفع واللط ... م وخرم الأنوف والآذان ثم لما أتوا على كلّ شيء ... ختموا محنتي بكسر الأواني ثم قاموا مثل البزاة إلى العصفور ... والعصفريّ والزّربطان [٣] فرأيت الطيور بعضا على بع ... ض وبعضا ملقى على الأغصان أكلوا ما ذكرت ثم أراقوا ... يا صحابي كرّا من الأشنان [٤]

стр. 1056

ومن المحلب المطيّب بالبا ... ن وماء الكافور سبع براني [١] شربوا لي عشرين ظرفا من الرا ... ح لذيذ المذاق أحمر قاني فأقاموا سوّاسهم والمكاري ... ن إلى أن سمعت صوت الأذان يجمعون الأحطاب من حيث وافو ... ها فللظّهر ضاع لي غيضتان ومنها: قطعوا اللوز والسفرجل أحطا ... با ومالوا بها على غلماني والنواطير مدّدوا وعلوهم ... حنقا بالعصيّ والقضبان طالبوني بالنيك في آخر اللي ... ل وجمع النساء والمردان قم فأسرع فبعضنا يطلب المر ... د وبعض مستهتر بالغواني فتوهّمته مزاحا فجدّوا ... قلت هذا ضرب من الهذيان ليس يبقى على أرامل خمرا ... يا سوى بذلهنّ للضيفان لو سمعتم يا قوم في غسق اللي ... ل بكاء النسوان والولدان يتنادون بالعويل وبالوي ... ل وراء الأبواب والجدران ومنها: ثم راحوا بعد العشاء إلى دا ... ري فلم يتركوا سوى الحيطان كان لي مفرش وكلّ مليح ... فوقه مطرح من الميسان [٢] وبساط من أحسن البسط مذخو ... ر لعرس أو دعوة أو ختان غرّقوه بالبصق والقيء والبو ... ل فأضحى وقدره بعرتان أوقدوا زيتنا جزافا بلا كي ... ل يكيلونه ولا ميزان خلت داري يا إخوتي المسجد الجا ... مع ليلا للنصف من شعبان ثم لما انتهت بهم شدّة الكظّة ... خرّوا صرعى إلى الأذقان

стр. 1057

هوّموا ساعة كتهويمة الخا ... ئف في غير أرضه الفزعان ثم قاموا ليلا وقد جنح النس ... ر ومال السّماك والفرقدان يصرخون الصّبوح يا صاحب البي ... ت فأبكوا عيني وراعوا جناني سحبوني من عقر داري على وج ... هي كأني أدعى إلى السلطان ومنها: هل سمعتم فيما سمعتم بانسا ... ن عراه في دعوة ما عراني أسعدوني يا إخوتي وثقاتي ... بدموع تجري من الأجفان إخوتي من لواكف الدمع محزو ... ن كئيب مولّه حيران هائم العقل ساهر الليل باكي ال ... عين واهي القوى ضعيف الجنان لم يكن ذا القران إلا على شؤم ... ي فويلي من نحس ذاك القران والقصيدة كلّها غرر ولطائف أجاد وأحسن فيها كلّ الإحسان، وأبان عن مقاصده بها أحسن بيان. ومن شعر أبي القاسم أيضا قوله: لا تصغ للوم إنّ اللوم تضليل ... واشرب ففي الشرب للأحزان تحويل فقد مضى القيظ واحتثّت رواحله ... وطابت الراح لما آل أيلول وليس في الأرض نبت يشتكي رمدا ... إلّا وناظره بالطلّ مكحول وقال: ولما نضا وجه الربيع نقابه ... وفاحت بأطراف الرياض النسائم فطارت عقول الطير لما رأيته ... وقد بهتت من بينهنّ الحمائم وخفن جنونا بالرياض وحسنها ... صدحن وفي أعناقهنّ التمائم وقال: أنلني بالذي استقرضت خطّا ... وأشهد معشرا قد شاهدوه فإن الله خلاق البرايا ... عنت لجلال هيبته الوجوه يقول إذا تداينتم بدين ... إلى أجل مسمّى فاكتبوه

стр. 1058

وقال: إذا دنت السّحب الثقال وحثّها ... من الرعد حاد ليس يبصر أكمه أحاديثه مستهولات وصوته ... إذا انخفضت أصواتهنّ مقهقه إذا صاح في آثارهنّ حسبته ... يجاوبه من خلفه صاحب له وقال يهجو منشّا بن إبراهيم القزاز [١] : إنّ منشّا قد زاد في التيه ... وزاد في شامنا تعدّيه فلا ابن هند ولا ابن ذي يزن ... ولا ابن ماء السما يدانيه وهو مغيظ على الوصيّ ومن ... يعزى إليه ومن يواليه يذكر أيام خيبر بهم ... فهم قذى جال في مآقيه وقد حكى أنّ فاه أطيب من ... سرمي وأني ممن يعاديه ومن يقول القبيح فيه ومن ... أصبح بالمعضلات يرميه فسوّكوه بكلّ طيّبة ال ... ريح تعفّي على مساويه ومضمضوه بالخلّ واجتهدوا ... معا بكلّ اجتهادكم فيه وأطعموه من الجوارش ما ... يعمل بالمسك والأفاويه [٢] وأنهلوه خمرا معتقة ... قد صانها القسّ في خوابيه واستفقحوني واستنكهوه تروا ... أنّ لسرمي فضلا على فيه ثم احملوا الكلب والحمار على ... عياله واصفعوا محبّيه وقال يهجو أبا الفضل يوسف بن علي ويعرّض فيها أيضا بمنشّا بن إبراهيم القزاز، وكانت هذه القصيدة سبب عزله عن عمله [٣] :

стр. 1059

يا أهل جيرون هل أسامركم ... إذا استقلت كواكب الحمل بملح كالرياض باكرها ... نوء الثريّا بعارض هطل أو مثل نظم الجمان ينظم في ال ... عقد ووشي البرود والحلل يلذّ للسامع الغناء بها ... على خفيف الثقيل والرمل كنت على باب منزلي سحرا ... أنتظر الشاكريّ يسرج لي [١] وطال ليلي لحاجة عرضت ... باكرتها والنجوم لم تزل فمرّ بي في الظلام أسود كال ... فيل عريض الأكتاف والعضل أشغى له منخر ككوّة تنّور وعين كمقلة الجمل [٢] ... ومشفر مسبل كجبّ رحى على نيوب مثل المدى عصل ... مشقّق الكعب أفدع اليد وال رجل طويل الساقين كالسبل ... فأهدت الريح منه لي أرجا مثل جنى الروض في ندى خضل ... مسكا وقفصية [٣] معتقة شيبا ببان وعنبر شمل ... فقلت ما هكذا يكون إذا انفضّ الندامى روائح السفل ... أسود غاد من الأتون له عرف أمير نشوان ذي ثمل ... هذا وربّ السماء أعجب من حمار وحش في البرّ منتعل ... اردده يا نصر كي أسائله فشأنه عضلة من العضل ... فقال نخشى فوات حاجتنا وليس هذا من أكبر الشغل ... فقلت ترك الفضول فهو وإن أنجاك [٤] عين الخمول والكسل ... بادره من قبل أن يفوتك في مسيره بين هذه السّبل

стр. 1060

فصدّ عني تغافلا ومضى ... يعجب من عقله ومن خللي وصاح من خلفه رويدك يا ... أسود مالي بالعدو من قبل ارجع إلى ذلك الرقيع وإن ... أطال في هذره فلا تطل أجب إذا ما سئلت مقتصدا ... في القول واسكت ان أنت لم تسل وهو بترك الفضول أجدر لو ... يسلم من خفّة ومن خطل فكرّ نحوي عجلان يعثر في ... مرط كسيه [١] مبرغث قمل وقد مذى والمذيّ يقطر من ... غرموله في الذيول كالوشل وظنّ أني صيد فأبرز لي ... فيشلة مثل ركبة الجمل وقال لج داركم لأولجها ... فيك وإن كنت لم تبل فبل ومنها: قلت له لا عدمت برّك قد ... بذلت ما لم يكن بمبتذل لكنني والذي يمدّ لك ال ... عمر ويعطيك غاية الأمل ماشقّ دبري مذ كنت فيشلة ... ولا انتخاب الأيور من عملي ولا لهذا دعيت فابغ لمي ... لوخك من يستلذّه بدلي وهات قل لي من اين جئت وقل ... من أين أقبلت يا أبا جعل [٢] فقال لي بتّ عند عاملكم ... هذا أبي الفضل يوسف بن علي فصاك بي طيبه وصكت به ... منّي صنانا في حدّة البصل تركته في النهار أخفش لا ... ينظر في خدمة ولا عمل قلت تطاولت وافتريت على ... شيخ نبيل ينمى إلى نبل أبوه قسطا وجدّه صمع [٣] ... يدعى حنينا وعمّه الصملي

стр. 1061

لعلّ ذا غيره فصفه فما ... يخدع مثلي بهذه الحيل فإن تكن صادقا نجوت وأن ... حيت عليه باللوم والعذل وان تكن كاذبا صفعتك بال ... نعل فإن كنت قائلا فقل فقال يا سيدي عجلت بمك ... روهي وكان الإنسان من عجل هذا الذي بتّ عنده نصف ... دون عجوز وفوق مكتهل في فيه نتن وتحت عصعصه ... عين تمجّ الصديد في دغل أنتن من كلّ ما يقال إذا ... بالغ في الوصف ضارب المثل وهو على ذاك مولع أبدا ... لشؤم بختي بالعضّ والقبل له إذا ما علوته نفس ... أمضى من السيف في يدي بطل والقصيدة طويلة نحو مائة وأربعين بيتا وفيها من الفحش ما لا يجمل بالأديب ذكره، وفيما أوردناه كفاية. وقال متغزلا ومعرّضا بابن بسطام [١] : ومهفهف يزهو عليّ بجيده ... وبخصره وبردفه وبساقه وافى إليّ وقلبه متخوّف ... كتخوّف المعشوق من عشاقه حتى إذا مدّدته وحللت عن ... كفل مباح الحلّ بعد وثاقه فاحت عليّ أصنّة من ردفه ... بخلاف ما قد فاح من أطواقه فسألته ماذا فقال بحرقة ... ودموعه تنهلّ من آماقه هذا ابن بسطام أتاني طارقا ... بلطيف حيلته وحسن نفاقه وعلا على ظهري وبلغم مثقبي ... برياله المنهلّ من أشداقه فبقي صنان رضابه في فقحتي ... زمنا لحاه الله بعد فراقه فالله يحرمه معيشته كما ... قد سدّ مسكب مثقبي ببصاقه

стр. 1062

- ٣٧٣- الحسين بن سعد بن الحسين بن محمد أبو علي الآمدي اللغوي الشاعر الأديب: توفي ليلة الخميس خامس ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وأربعمائة. ولد بآمد ونشأ بها، ثم قدم بغداد فأخذ بها عن أبي يعلى الفرّاء وأبي طالب ابن غيلان [١] ، وأخذ بالشام عن جماعة، ودخل أصبهان فاستوطنها، ومات ودفن بها، وله مؤلفات، ومن شعره: وأهيف مهزوز القوام إذا انثنى ... وهبت لعذري فيه ذنب اللوائم بثغر كما يبدو لك الصبح باسم ... وشعر كما يبدو لك الليل فاحم مليح الرّضا والسّخط تلقاه عاتبا ... بألفاظ مظلوم وألحاظ ظالم ومما شجاني أنني يوم بينه ... شكوت الذي ألقى إلى غير راحم وحمّلت أثقال الهوى غير حامل ... وأودعت أسرار الهوى غير كاتم وأبرح ما لاقيته أنّ متلفي ... بما حلّ بي في حبّه غير عالم ولو أنني فيه سهرت لساهر ... لهان ولكنّي سهرت لنائم وقال: أتنسب لي ذنبا ولم أك مذنبا ... وحمّلتني في الحبّ ما لا أطيقه وما طلبي للوصل حرص على البقا ... ولكنّه أجر إليك أسوقه وقال: توهّم واشينا بليل مزاره ... فهمّ ليسعى بيننا بالتباعد فعانقته حتى اتحدنا تعانقا ... فلما أتانا ما رأى غير واحد

стр. 1063

وقال: بنفسي وروحي ذلك العارض الذي ... غدا مسكه تحت السوالف سائلا درى خدّه أني أجنّ من الهوى ... فهيأ لي قبل الجنون سلاسلا وقال: تصدّر للتدريس كلّ مهوّس ... بليد تسمّى بالفقيه المدرّس فحقّ لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كلّ مجلس «لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كلّ مفلس» - ٣٧٤- الحسين بن الضحاك بن ياسر البصري المعروف بالخليع ، أبو علي: أصله من خراسان، وهو مولى لولد سلمان بن ربيعة الباهلي الصحابي، فهو مولى لا باهلي النسب كما زعم ابن الجراح، بصريّ المولد والمنشأ، وهو شاعر ماجن ولذلك لقب بالخليع، وعداده في الطبقة الأولى من شعراء الدولة العباسية المجيدين. ولد سنة اثنتين وستين ومائة وتوفي في بغداد سنة خمسين ومائتين وقد ناهز المائة، وكان شاعرا مطبوعا حسن التصرف في الشعر، وكان أبو نواس يغير على معانيه في الخمر، وإذا قال شيئا فيها نسبه الناس إلى أبي نواس، وله غزل كثير أجاد فيه، وهو أحد الشعراء المطبوعين الذين أغناهم عفو قرائحهم عن التكلّف. وقد اتصل الحسين بن الضحاك بالخلفاء من بني العباس ونادمهم، وأول من جالس منهم محمد الأمين بن هارون الرشيد وكان اتصاله به في سنة ثمان وتسعين ومائة وهي السنة التي قتل فيها الأمين، وتنقل بعده في مجالس الخلفاء ونادمهم إلى الحين الذي مات فيه في زمن المستعين، وقيل في زمن المنتصر.

стр. 1064

حدث الصولي عن عبد الله بن محمد الفارسي عن ثمامة بن أشرس قال [١] : لما قدم المأمون من خراسان وصار إلى بغداد أمر بأن يسمّى له قوم من أهل الأدب ليجالسوه ويسامروه، فذكر له جماعة فيهم الحسين بن الضحاك، فقرأ أسماءهم حتى بلغ إلى اسم الحسين فقال: أليس هو الذي يقول في الأمين، يعني أخاه: هلا بقيت لسدّ فاقتنا ... أبدا وكان لغيرك التلف فلقد خلفت خلائفا سلفوا ... ولسوف يعوز بعدك الخلف لا حاجة لي فيه، والله لا يراني أبدا إلّا في الطريق، ولم يعاقب الحسين على ما كان من هجائه له وتعريضه به. قال: وانحدر الحسين إلى البصرة فأقام بها طول أيام المأمون، واستقدمه المعتصم من البصرة حين ولي الخلافة بعد موت المأمون، فلما دخل عليه استأذن في الإنشاد، فأذن له فأنشده يمدحه [٢] : هلا رحمت تلدّد [٣] المشتاق ... ومننت قبل فراقه بتلاق إنّ الرقيب ليستريب تنفس ال ... صّعدا إليك وظاهر الإقلاق ولئن أربت لقد نظرت بمقلة ... عبرى عليك سخينة الآماق نفسي الفداء لخائف مترقّب ... جعل الوداع إشارة بعناق إذ لا جواب لمفحم متحيّر ... إلا الدموع تصان بالإطراق ومنها: خير الوفود مبشّر بخلافة ... خصّت ببهجتها أبا إسحاق وافته في الشهر الحرام سليمة ... من كلّ مشكلة وكلّ شقاق أعطته صفقتها الضمائر طاعة ... قبل الأكفّ بأوكد الميثاق

стр. 1065

سكن الأنام إلى إمام سلامة ... عفّ الضمير مهذّب الأخلاق فحمى رعيّته ودافع دونها ... وأجار مملقها من الإملاق قل للأولى صرفوا الوجوه عن الهدى ... متعسّفين تعسّف المرّاق إني أحذّركم بوادر ضيغم ... درب بخطم موائل الأعناق متأهب لا يستفزّ جنانه ... زجل الرعود ولا مع الإبراق لم يبق من متعرّمين توثبوا ... بالشام غير جماجم أفلاق من بين منجدل تمجّ عروقه ... علق الأخادع أو أسير وثاق وثنى الخيول إلى معاقل قيصر ... تختال بين أحزّة ورقاق يحملن كلّ مشمّر متغشّم ... ليث هزبر أهرت الأشداق حتى إذا أمّ الحصون منازلا ... والموت بين ترائب وتراق هرّت بطارقها هرير ثعالب ... بدهت بزأر قساور طرّاق [١] ثم استكانت للحصار ملوكهم ... ذلّا ونيط حلوقهم [٢] بخناق هربت وأسلمت البلاد [٣] عشية ... لم تبق غير حشاشة الأرماق فلما أتمها قال له المعتصم: ادن مني فدنا منه، فملأ فمه جوهرا من جوهر كان بين يديه، ثم أمره بأن يخرجه من فيه فأخرجه، فأمر بأن ينظم ويدفع إليه ويخرج إلى الناس وهو في يده ليعلموا موقعه منه ويعرفوا له فضله. وحدث الصوليّ عن عون بن محمد الكندي قال: لما ولي المنتصر الخلافة دخل عليه الحسين بن الضحاك فهنأه بالخلافة وأنشده [٤] : تجدّدت الدنيا بملك محمد ... فأهلا وسهلا بالزمان المجدّد هي الدولة الغراء راحت وبكّرت ... مشمّرة بالرشد في كلّ مشهد

стр. 1066

لعمري لقد شدّت عرى الدّين بيعة ... أعزّ بها الرحمن كلّ موحد هنتك أمير المؤمنين خلافة ... جمعت بها أهواء أمة أحمد فأظهر إكرامه والسرور به وقال له: إن في بقائك بهاء للملك، وقد ضعفت عن الحركة فكاتبني بحاجاتك ولا تحمل على نفسك بكثرة الحركة، ووصله بثلاثة آلاف دينار ليقضي بها دينا بلغه أنه عليه. وقال في المنتصر أيضا وهو آخر شعر قاله [١] : ألا ليت شعري أبدر بدا ... نهارا أم الملك المنتصر إمام تضمّن أثوابه ... على سرجه قمرا من بشر حمى الله دولة سلطانه ... بجند القضاء وجند القدر فلا زال ما بقيت مدة ... يروح بها الدهر أو يبتكر واصطبح عند عبد الله بن العباس بن الفضل وخادم له قائم بين يديه يسقيه، فقال عبد الله: يا أبا عليّ قد استحسنت سقي هذا الخادم، فإن حضرك شيء في هذا فقل، فقال [٢] : أحيت صبوحي فكاهة اللاهي ... وطاب يومي بقرب أشباهي فآثر اللهو في مكامنه ... من قبل يوم منغّص ناه بابنة كرم من كفّ منتطق ... مؤتزر بالمجون تياه يسقيك من طرفه ومن يده ... سقي لطيف مجرّب داه طاسا وكأسا كأنّ شاربها ... حيران بين الذّكور والساهي وذكر الصولي في «نوادره» قال: حدثني عليّ بن محمد بن نصر، قال حدثني خالي أحمد بن حمدون، قال قال الحسين بن الضحاك من أبيات وقد عمّر [٣] : أما في ثمانين وفّيتها ... عذير وإن أنا لم أعتذر

стр. 1067

وقد رفع الله أقلامه ... عن ابن ثمانين دون البشر وإني لمن أسراء الإله ... في الأرض نصب حروف القدر فإن يقض لي عملا صالحا ... أثاب وإن يقض شرا غفر وقال [١] : أصبحت من أسراء الله محتسبا ... في الأرض نحو قضاء الله والقدر إن الثمانين إذ وفّيت عدّتها ... لم تبق باقية منّي ولم تذر قلت: والأصل في قول الحسين بن الضحاك هذا الحديث الذي رواه ابن قتيبة في «غريب الحديث» [٢] قال حدثنا أبو سفيان الغنوي، حدثنا معقل بن مالك عن عبد الرحمن بن سليمان عن عبيد الله بن أنس عن أنس عن النبي ﷺ قال: إذا بلغ العبد ثمانين سنة فإنه أسير الله في الأرض تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات. وقال [٣] : وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أني وما أراك أراكا وإذا ما تنفّس النرجس الغ ... ضّ توهمته نسيم شذاكا خدع للمنى تعللني في ... ك بإشراق ذا وبهجة ذاكا وقال [٤] : لا وحبّيك لا أصا ... فح بالدمع مدمعا من بكى شجوه استرا ... ح وإن كان موجعا كبدي في هواك أس ... قم من أن تقطّعا لم تدع صورة الضنى ... فيّ للسقم موضعا

стр. 1068

وقال [١] : ألا إنما الدنيا وصال حبيب ... وأخذك من مشمولة بنصيب ولم أر في الدنيا كخلوة عاشق ... وبذلة معشوق ونوم رقيب وقال يمدح الوزير الحسن بن سهل [٢] : أرى الآمال غير معرّجات ... على أحد سوى الحسن بن سهل يباري يومه غده سماحا ... كلا اليومين بان بكلّ فضل أرى حسنا تقدم مستبدّا ... ببعد من رياسته وقبل فإن حضرتك مشكلة بشكّ ... شفاك بحكمة وخطاب فصل سليل مرازب برعوا حلوما ... وراع صغيرهم بسداد كهل ملوك إن جريت بهم أبرّوا ... وعزّوا أن توازيهم بعدل ليهنك أنّ ما أرجيت رشدا ... وما أمضيت من قول وفعل وأنك مؤثر للحقّ فيما ... أراك الله في قطع ووصل وأنك للجميع حيا ربيع ... يصوب على قرارة كلّ محل وقال يمدح الواثق لما ولي الخلافة [٣] : أكتّم وجدي فما ينكتم ... بمن لو شكوت إليه رحم وإني على حسن ظنّي به ... لأحذر إن بحت أن يحتشم ولي عند لحظته روعة ... تحقّق ما ظنّه المتهم وقد علم الناس أني له ... محبّ وأحسبه قد علم وإني لمغض على لوعة ... من الشوق في كبدي تضطرم عشية ودعت عن مدمع ... سفوح وزفرة قلب سدم

стр. 1069

فما كان عند النوى مسعد ... سوى الدمع يغسل طرفا كلم سيذكر من بان أوطانه ... ويبكي المقيمين من لم يقم ومنها في المديح: إلى خازن الله في خلقه ... سراج النهار وبدر الظّلم ركبنا غرابيب زفّافة ... بدجلة في موجها الملتطم [١] إذا ما قصدنا لقاطولها ... ودهم قراقيرها تصطدم وصرنا إلى خير مسكونة ... تيمّمها راغب أو ملمّ مباركة شاد بنيانها ... بخير المواطن خير الأمم كأنّ بها نشر كافورة ... لبرد نداها وطيب النّسم كظهر الأديم إذا ما السحاب ... صاب على متنها وانسجم مبرّأة من وحول الشتاء ... إذا ما طمى وحله وارتكم فما إن يزال بها راجل ... يمرّ الهوينا ولا يلتطم ويمشي على رسله آمنا ... سليم الشّراك نقيّ القدم وللنون والضبّ في بطنها ... مراتع مسكونة والنّعم [٢] ومنها: يضيق الفضاء به إن غدا ... بطودي أعاريبه والعجم ترى النصر يقدم راياته ... إذا ما خفقن أمام العلم وفي الله دوّخ أعداءه ... وجرّد فيهم سيوف النقم وفي الله يكظم من غيظه ... وفي الله يصفح عمن ظلم رأى شيم الجود محمودة ... وما شيم الجود إلا قسم فراح على نعم واغتدى ... كأن ليس يحسن إلّا نعم

стр. 1070

وقال [١] : أتاني منك ما ليس ... على مكروهه صبر فأغضيت على عمد ... وقد يغضي الفتى الحرّ وأدبتك بالهجر ... فما أدّبك الهجر ولا ردّك عما كا ... ن منك النصح والزجر فلما اضطرّني المكرو ... هـ واشتدّ بي الأمر تناولتك من ضرّي ... بما ليس له قدر فحركت جناح الذّ ... لّ لمّا مسّك الضرّ إذا لم يصلح الخير ام ... رءا أصلحه الشرّ وغضب عليه المعتصم لشيء جرى منه على النبيذ فكتب إليه يسترضيه [٢] : غضب الإمام أشدّ من أدبه ... وقد استجرت وعذت من غضبه أصبحت معتصما بمعتصم ... أثنى الإله عليه في كتبه لا والذي لم يبق لي سببا ... أرجو النجاة به سوى سببه ما لي شفيع غير حرمته ... ولكلّ من أشفى على عطبه - ٣٧٥- الحسين بن عبد الله بن سينا أبو علي الفيلسوف: مات في سادس شعبان

стр. 1071

سنة ثمان وعشرين وأربعمائة عن ثمان وخمسين سنة. حدث بخبره صاحبه أبو عبيد الجوزجاني عنه قال: كان أبي رجلا من أهل بلخ فانتقل إلى بخارى، وتولّى عملا في أيام نوح بن منصور الساماني بقرية يقال لها خرميثن [١] ، وتزوج أبي من قرية تلاصقها يقال لها أفشنة، وبها ولدت. ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلم القرآن والأدب، فأكملت العشر وقد حفظت القرآن. وقدم علينا أبو عبد الله الناتلي، وكان يدّعي معرفة علم الفلسفة، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه، فقرأت عليه كتاب «إيساغوجي» . فكان إذا مرّت مسألة تصورتها خيرا منه حتى قرأت عليه ظواهر المنطق، ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق وإقليدس، ثم انتقلت إلى المجسطي فقال لي الناتلي: تولّ حلّه بنفسك، ثم اعرضه عليّ لأبين لك صوابه من خطئه، فحللت الكتاب وعرضته عليه فكم من مشكل ما عرفه إلا وقت عرضي عليه، ثم رغبت في علم الطبّ، وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه، وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة، فلا جرم أنني برزت فيه في أقلّ مدة حتى بدأ فضلاء الطبّ يقرأون عليّ، وتعهدت المرضى فانفتح لي من المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف. هذا وأنا أختلف إلى الفقه وأناظر فيه وأحكمه. وكنت حينئذ من أبناء ست عشرة سنة، وما نمت في هذه المدة ليلة بطولها. وكان إذا أشكل عليّ شيء بتّ وأنا مهموم فأراه في المنام فيتضح لي في الأحلام حتى أحكمت علم المنطق والطبيعي والرياضي. ثم عدت إلى العلم الإلهي، وقرأت منه كتاب «ما بعد الطبيعة» فما كنت أفهمه، وألتبس عليّ غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة، فصار لي محفوظا وأنا لا أفهمه، ويئست منه وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه ألبتة. فحضرت يوما في الوراقين والمنادي ينادي على كتاب في الحكمة، وعرضه عليّ فأعرضت عنه، فقال لي: اشتره فصاحبه محتاج فاشتريته بثلاثة دراهم، وإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب «ما بعد الطبيعة» فطالعته ففهمت الكتاب وتصدقت على الفقراء بشيء كثير، شكرا لله تعالى على ذلك. وكان إذا استغلق عليّ شيء من العلوم، قصدت الجامع، وصلّيت وتضرعت إلى مبدع الكلّ حتى يسهّله

стр. 1072

عليّ. وكان سلطان بخارى نوح بن منصور قد مرض في تلك الأيام مرضا عجز عنه أطباؤه، وكان اسمي قد اشتهر بينهم فحضرني وشكرني في مداواته وصلح. فسألته يوما الإذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها فأذن لي فدخلت دارا عظيمة فيها كتب كثيرة تفوت العدّ والحصر، وطالعت كتب الحكمة التي بها ووقع لي بها ما لم أكن رأيت قبلها ولا بعدها، وظفرت بفوائدها. فلما بلغت ثماني عشرة سنة أتقنت هذه العلوم كلّها. وكان في جيراننا رجل يقال له أبو الحسن العروضي [١] يسألني أن أصنّف له كتابا جامعا في هذه العلوم، فصنفت له المجموع، وسميته به، وأتيت فيه على جميع العلوم، ولي حينئذ إحدى وعشرون سنة، وصنّفت كتاب «الحاصل والمحصول» في قريب من عشرين مجلدة. وصنفت في الأخلاق كتابا سمّيته كتاب «البر والإثم» وهذان الكتابان قلّ أن يوجدا. ثم مات والدي وتصرفت في أعمال السلطان، ودعتني الضرورة إلى الانتقال عن بخارى إلى كركانج، وأبو الحسن السهلي المحبّ لهذه العلوم بها وزير، ثم انتقلت إلى نسا وقصدت الأمير قابوس بن وشمكير صاحب جرجان فاتفق أني وصلتها وقد مات، فرجعت إلى دهستان [٢] ، ثم عدت إلى جرجان، وأنشأت في حالي قصيدة شعر منها: لما عظمت فليس مصر واسعي ... لما [٣] غلا ثمني عدمت المشتري ولأبي علي أشعار منها: تنفس عن عذارك صبح شيب ... وعسعس ليله فلم التصابي شبابك كان شيطانا رجيما ... فيرجم من مشيبك بالشهاب وكان بجرجان رجل يقال له أبو محمد الشيرازي أنزل الرئيس في دار له في جواره، فصنّف له كتاب «المبدأ والمعاد» وكتاب «الأرصاد» . وصنف كتبا كثيرة كأول «القانون» و «مختصر المجسطي» وكثيرا من الرسائل. ثم صنف في أرض الجبل بقية كتبه، ثم انتقل إلى الري، واتصل بخدمة السيدة وابنها مجد الدولة،

стр. 1073

وكانت السوداء تغلب على مجد الدولة فاشتغل بمداواته. وصنف هناك كتاب «المعاد» . ثم اتفقت أسباب أوجبت خروجه إلى همذان واتصل بخدمة كذيانويه والنظر في أسبابها. وأصاب شمس الدولة أبا طاهر ابن مجد الدولة أبي الحسن بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه قولنج كان سببا لاتصال الرئيس به فعالجه حتى شفاه الله تعالى ففاز من مجلسه بخلع ودنانير، وصار من ندمائه. واتفق نهوض الأمير بويه إلى قرمسين لحرب عناز [١] والشيخ صحبته، ثم توجّه إلى همذان منهزما والشيخ صحبته، وسألوه تقليد الوزارة فتقلدها، ثم اتفق شغب العسكر عليه، وكبسوا داره، وأغاروا على أمواله، وساموا الأمير قتله، فامتنع عنه، وعدل إلى نفيه عن حضرته طلبا لمرضاتهم، فتوارى في دار لبعض أصحابه أربعين يوما، فعاود الأمير شمس الدولة علة القولنج، وطلبه فحضر مجلسه، واعتذر إليه، ثم عالجه حتى صلح، وأعيدت الوزارة إليه ثانيا. وكان مع ذلك يجتمع إليه في كل ليلة طلاب العلم فيقرأون، فإذا فرغوا حضر المغنون وهيء [٢] المجلس للشراب، ويشتغل به، ثم توجّه الأمير شمس الدولة إلى طارم لحربها، وعاوده القولنج، وانضاف إلى ذلك أمراض أخر جلبها سوء تدبيره، وقلة قبوله من الشيخ، ومات في الطريق، وولّوا ابنه أمير الأمراء أبا الحسن عليا، وهو طفل، وطلبوا إلى الرئيس أن يتولّى وزارته فأبى عليهم، وكاتب علاء الدولة أبا جعفر محمد بن أبي العباس المعروف بابن كاكويه سرّا يطلب خدمته، والانضمام إليه، وكان خال السيدة أم مجد الدولة، وابنه أبو جعفر من قبلها بأصبهان مستول عليها، ثم نمي إلى تاج الملك بهرام بن شيرزاد، وكان مستوليا على شمس الدولة وهو متقدم الختلية وصاحب جيشه والمستولي بعده على الأمر والقائم بأمر ولده، أنه قد كاتب علاء الدولة فجدّ في طلبه حتى أخذه وأودعه قلعة بردوان [٣] ، فقال قصيدة فيها: دخولي كاليقين كما تراه ... وكلّ الشكّ في أمر الخروج

стр. 1074

وبقي هناك أربعة أشهر حتى قصد علاء الدولة همذان وأخذها، وهزم تاج الملك، ومضى إلى تلك القلعة بعينها، ورجع علاء الدولة عن همذان، وعاد تاج الملك وابن شمس الدولة إلى همذان، وحملوا معهم أبا علي فأقام هناك، وخرج متنكرا وأنا وأخوه وغلامان في زيّ الصوفية إلى أصبهان، واستقبلنا أصحاب علاء الدولة والوجوه، وحمل إلينا الثياب والمال، وأنزلنا أكرم منزل. وكان يحضر مجلس المناظرة بين يدي علاء الدولة، فما كان يطاق في شيء من العلوم. واختص بعلاء الدولة وصار من ندمائه. وكان الشيخ يوما بين يدي الأمير وأبو منصور الجبائي حاضر فجرى في اللغة مسألة تكلم الشيخ فيها بما حضره، فالتفت إليه الشيخ أبو منصور، وقال له: أنت فيلسوف وحكيم، وليس الكلام في هذا من صناعتك، فاستنكف الشيخ من هذا الكلام، وتوفر على درس كتب اللغة ثلاث سنين، واستدعى كتاب «تهذيب اللغة» من تصنيف أبي منصور الأزهري من خراسان، فبلغ الشيخ في اللغة طبقة قلّما يتفق مثلها، وصنّف ثلاثة كتب وكتبها: أحدها على طريقة ابن العميد، والثاني على طريقة الصاحب، والثالث على طريقة الصابي، وجلّدها وأخلق جلودها. وسأل الأمير عرض تلك المجلدات على أبي منصور الجبائي، وذكر أنه ظفر بتلك المجلدات في الصحراء وقت الصيد، فنظر فيها الجبائي، وأشكل عليه كثير مما فيها. فقال له الشيخ: إن الذي جهلته من هذا الكتاب مذكور في الكتاب الفلاني من كتب اللغة، وذكر له كتبا معروفة، ففطن الجبائي لما أريد، وأن الذي حمله على ذلك ما جبهه به فتنصل واعتذر إلى الشيخ، ثم صنّف الشيخ كتابا في اللغة سماه «لسان العرب» لم يصنف في اللغة مثله، ولم ينقله إلى البياض حتى توفي، فبقي على مسوّدته لا يهتدي أحد إلى موضعه [١] . وكان قد حصل له تجارب كثيرة فيما باشره من المعالجات عزم على تدوينها في كتاب «القانون» وكان قد علّقها على أجزاء، فضاعت قبل تمام الكتاب، منها أنه صدّع يوما فتصوّر أنه من مادة تريد النزول إلى حجاب رأسه، وأنه لا يأمن ورما يحصل فيه. فأمر بإحضار ثلج كثير ودقّه ولفّه في خرقة، وغطىّ رأسه بها، فعل ذلك حتى

стр. 1075

قوي الموضع، وامتنع عن قبول تلك المادة، وعوفي من ذلك. ووضع في حال الرصد آلات ما سبق إليها. وكان قويّ القوى كلها، وكانت قوة المجامعة من قواه الشهوانية أقوى وأغلب. وكان كثيرا ما يشتغل به فأثر في مزاجه حتى صار في السنة التي حارب فيها علاء الدولة ابن فراس [١] على باب الكرخ أخذ الشيخ قولنج، ولحرصه على برئه إشفاقا من هزيمة يدفع إليها لا يتأتى له المسير فيها مع المرض حقن نفسه في يوم واحد ثماني مرات حتى تفرّح بعض أمعائه، وظهر به سحج وأحوج إلى المسير مع علاء الدولة نحو إيذج فظهر به علة الصرع الذي يتبع علة القولنج، ومع ذلك كان يدير نفسه ويحقن نفسه لأجل السحج ولبقية القولنج، فأمر يوما باتخاذ دانقين [من] بزر الكرفس في جملة ما يحقن به، وخلطه بها لكسر ريح القولنج به، فقصد بعض الأطباء الذي كان يتقدم إليه يعالجه وطرح [من] بزر الكرفس خمسة دراهم إما عمدا أو خطأ، فازداد السحج بذلك [من] حدة التبرز. وكان يتناول مثرود طوس لأجل الصرع، فقام بعض غلمانه، وطرح شيئا كثيرا من الأفيون فيه وناوله فأكله، وكان سبب ذلك خيانتهم في مال كثير من خزانته، فتمنوا هلاكه ليأمنوا عاقبة أفعالهم. ونقل الشيخ إلى أصفهان فاشتغل بتدبير [٢] نفسه، وكان من الضعف بحيث لا يقدر على القيام، فلم يزل يعالج نفسه حتى قدر على المشي، وحضر مجلس علاء الدولة، لكنه مع ذلك لا يتحفظ، ويكثر من التخليط في أمر المجامعة، ولم يبرأ من العلة كلّ البرء، فكان ينتكس ويبرأ كلّ وقت. فلما قصد علاء الدولة سار معه إلى همذان فعاودته تلك العلة، فلما استقر بهمذان وعلم أن قوته قد سقطت، وأنها لا تفي بدفع المرض فأهمل مداواة نفسه، فأخذ يقول: المدبّر الذي [كان] يدبّر [بدني] قد عجز عن التدبير، والآن فلا تنفع الحكمة والمعالجة. وبقي على هذا أياما، ثم انتقل إلى جوار ربه. ومن شعره: محرّك الكلّ أنت القصد والغرض ... وغاية ما لها حدّ ولا عوض

стр. 1076

إن دار في خلدي مقدار خردلة ... سوى جلالك فاعلم أنه مرض وله أيضا: هبطت إليك من المحلّ الأرفع ... ورقاء ذات تعزّز وتمنّع محجوبة عن كلّ مقلة عارف ... وهي التي سفرت فلم تتبرقع وصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك وهي ذات تفجع أنفت وما سكنت فلما واصلت ... ألفت مجاورة الخراب البلقع وأظنها نسيت عهودا بالحمى ... ومنازلا بفراقها لم تقنع حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ... من ميم مركزها بذات الأجرع علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت ... بين المعالم والطلول الخشع تبكي إذا ذكرت عهودا بالحمى ... بمدامع تهمي ولم تتقطع [١] وتظلّ ساجعة على الدمن التي ... درست بتكرار الرياح الأربع إذ عاقها الشرك الكثيف وصدّها ... قفص عن الأوج الفسيح المربع حتى إذا قرب المسير من الحمى ... ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع وغدت مفارقة لكلّ مخلف ... عنها حليف الترب غير مشيّع سجعت وقد كشف الغطاء فأدركت ... ما ليس يدرك بالعيون الهجّع [٢] وغدت تغرّد فوق ذروة شاهق ... سام على قعر الحضيض الأوضع إن كان أرسلها الإله لحكمة ... طويت عن الفذ اللبيب الأروع فهبوطها إن كان ضربة لازب ... لتكون سامعة بما لم تسمع فتعود عالمة بكلّ حقيقة ... في العالمين وخرقها لم يرقع فهي التي قطع الزمان طريقها ... حتى لقد غربت بغير المطلع فكأنها برق تعرّض بالحمى ... ثم انطوى فكأنّه لم يلمع

стр. 1077

ومصنفاته: كتاب المجموع مجلدة [١] . كتاب الحاصل والمحصول عشرون مجلدة. كتاب البر والإثم مجلدتان. كتاب الشفاء ثماني عشرة مجلدة [٢] . كتاب القانون في الطب ثماني عشرة مجلدة [٣] . كتاب الأرصاد الكلية مجلدة. كتاب الإنصاف عشرون مجلدة. كتاب النجاة ثلاث مجلدات [٤] . كتاب الهداية مجلدة. كتاب الإشارات [٥] مجلدة. كتاب المختصر الأوسط مجلدة. كتاب العلائي مجلدة. كتاب القولنج. كتاب لسان العرب في اللغة عشر مجلدات. كتاب الأدوية القلبية مجلدة. كتاب الموجز مجلدة. كتاب بعض الحكمة المشرقية مجلدة. كتاب بيان ذوات الجهة مجلدة. كتاب المعاد مجلدة. كتاب المبدأ والمعاد مجلدة [٦] . ورسائله: رسالة القضاء والقدر. رسالة في الآلة الرصدية. رسالة عرض قاطيغورياس. رسالة المنطق بالشعر. قصائد في العظة والحكمة. رسالة في نعوت المواضيع الجدلية. رسالة في اختصار إقليدس. رسالة في مختصر النبض بالفارسية. رسالة في الحدود. رسالة في الأجرام السماوية. كتاب الإشارة في علم المنطق. كتاب أقسام الحكمة. كتاب النهاية. كتاب عهد كتبه لنفسه. كتاب حي بن يقظان [٧] . كتاب في أن أبعاد الجسم ذاتية له: كتاب خطب. كتاب عيون الحكمة.

стр. 1078

كتاب في أنه لا يجوز أن يكون شيء واحد جوهريا وعرضيا. كتاب في أن علم زيد غير علم عمرو. رسائل إخوانية وسلطانية. مسائل جرت بينه وبين بعض العلماء [١] . - ٣٧٦- الحسين بن عبد الله بن يوسف بن أحمد بن شبل أبو علي البغدادي: ولد في بغداد وبها نشأ وبها توفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة. كان متميزا بالحكمة والفلسفة خبيرا بصناعة الطب أديبا فاضلا وشاعرا مجيدا. أخذ عن أبي نصر يحيى بن جرير التكريتي وغيره. وهو صاحب القصيدة الرائية التي نسبت للشيخ الرئيس ابن سينا وليست له، وقد دلّت هذه القصيدة على علوّ كعبه في الحكمة والاطلاع على مكنوناتها، وقد سارت بها الركبان وتداولها الرواة، وهي [٢] : بربّك أيها الفلك المدار ... أقصد ذا المسير أم اضطرار مدارك قل لنا في أيّ شيء ... ففي أفهامنا منك انبهار وفيك نرى الفضاء وهل فضاء ... سوى هذا الفضاء به تدار وعندك ترفع الأرواح أم هل ... مع الأجساد يدركها البوار وموج ذي المجرّة أم فرند ... على لجج الذراع لها مدار وفيك الشمس رافعة شعاعا ... بأجنحة قوادمها قصار

стр. 1079

وطوق للنجوم إذا تبدى [١] ... هلالك أم يد فيها سوار وأفلاذ [٢] نجومك أم حباب ... تؤلّف بينه لجج غزار وتنشر في الفضا [٣] ليلا وتطوى ... نهارا مثلما يطوى الإزار فكم بصقالها صدىء البرايا ... وما يصدا لها أبدا غرار تبادى ثم تخنس راجعات ... وتكنس مثلما كنس الصّوار فبينا الشرق يقدمها صعودا ... تلقّاها من الغرب انحدار على ذا قد مضى وعليه يمضي ... طوال منى وآجال قصار وأيام تعرّقنا مداها ... لها أنفاسنا أبدا شفار ودهر ينثر الأعمار نثرا ... كما للورد في الروض انتثار ودنيا كلما وضعت جنينا ... غذته من نوائبها ظئار هي العشواء ما خبطت هشيم ... هي العجماء ما جرحت جبار فمن يوم بلا أمس ويوم ... بغير غد إليه بنا يسار ومن نفسين في أخذ وردّ ... لروح المرء في الجسم انتشار وكم من بعد ما كانت نفوس ... إلى أجسامها طارت وطاروا ألم تك بالجوارح آنسات ... فأعقب ذلك الأنس النفار [٤] فإن يك آدم أشقى بنيه ... بذنب ما له منه اعتذار ولم ينفعه بالأسماء علم ... وما نفع السجود ولا الجوار فأخرج ثم أهبط ثم أودى ... فترب السافيات له شعار فأدركه بعلم الله فيه ... من الكلمات للذنب اغتفار ولكن بعد غفران وعفو ... يعيّر ما تلا ليلا نهار

стр. 1080

لقد بلغ العدوّ بنا مناه ... وحلّ بآدم وبنا الصغار وتهنا ضائعين كقوم موسى ... ولا عجل أضلّ ولا خوار فيا لك أكلة ما زال منها ... علينا نقمة وعليه عار نعاقب في الظهور وما ولدنا ... ويذبح في حشا الأمّ الحوار وننتظر البلايا والرزايا ... وبعد فللوعيد لنا انتظار ونخرج كارهين كما دخلنا ... خروج الضبّ أخرجه الوجار فماذا الإمتنان على وجود ... لغير الموجدين به الخيار وكان وجودنا خيرا لو انا [١] ... نخيّر قبله أو نستشار أهذا الداء ليس له دواء ... وهذا الكسر ليس له انجبار تحيّر فيه كلّ دقيق فهم ... وليس لعمق جرحهم انسبار إذا التكوير غال الشمس عنّا ... وغال كواكب الأفق انتثار وبدّلنا بهذي الأرض أرضا ... وطوّح بالسموات انفطار وأذهلت المراضع عن بنيها ... لدهشتها وعطّلت العشار وغشّى البدر من فرق وذعر ... خسوف ليس يجلى أو سرار وسيّرت الجبال فكنّ كثبا ... مهيلات وسجّرت البحار فأين ثبات ذي الألباب منا ... وأين مع الرجوم لنا اصطبار وأين عقول ذي الأفهام مما ... يراد بنا وأين الإعتبار وأين يغيب لبّ كان فينا ... ضياؤك من سناه مستعار ولا أرض عصته ولا سماء ... ففيم يغول أنجمها انكدار وقد وافته طائعة وكانت ... دخانا ما لقاتره شرار قضاها سبعة والأرض مهدا ... دحاها فهي للأموات دار فما لسموّ ما أعلى انتهاء ... وما لعلوّ ما أرسى قرار

стр. 1081

ولكن كلّ ذا التهويل فيه ... لمن يخشى اتعاظ وازدجار وقال [١] : بنا إلى الدير من كوثى [٢] صبابات ... فلا تلمني فما تغني [٣] الملامات لا تبعدنّ وإن طال الزمان بها ... أيام لهو عهدناها وليلات فكم قضينا لبانات الشباب بها ... غنما وكم بقيت عندي لبانات ما أمكنت دولة الأيام مقبلة ... فانعم ولذّ فإن العيش تارات قبل ارتجاع الليالي فهي عارية ... فإنما منح الدنيا غرامات قم فاجل في فلك البستان شمس ضحى ... بروجها الزّهر والجامات دارات لعله إن دعا داعي الحمام بنا ... نقضي وأنفسنا منها رويّات بم التعلل لولا الراح في زمن ... أحياؤه في سبات الهمّ أموات بدت تحيّي فقابلنا تحيّتها ... وقد عراها لخوف المزج روعات مدّت أشعة برق من أبارقها ... على مقابلها منها شعاعات فلاح في ساق ساقيها خلاخل من ... تبر وفي أوجه الندمان شارات قد وقّع الصفو سطرا من فواقعها ... «لا فارقت شارب الراح المسرات» خذ ما تعجّل واترك ما وعدت به ... وكن لبيبا فللتأخير آفات وللسعادة أوقات مقدّرة ... فيها السرور وللأحزان أوقات وقال [٦] : أيا جبلي نعمان بالله خلّيا ... نسيم الصبا يخلص إليّ نسيمها أجد بردها أو تشف منّي حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها

стр. 1082

فإن الصّبا ريح إذا ما تنفست ... على كبد حرّاء قلّت همومها وقال [١] : ليكفكم ما فيكم من جوى نلقى ... فمهلا بنا مهلا ورفقا بنا رفقا وحرمة وجدي لا سلوت هواكم ... ولا رمت منه لا فكاكا ولا عتقا سأزجر قلبا رام في الحبّ سلوة ... وأهجره إن لم يمت بكم عشقا صحبت الهوى يا صاح حتى ألفته ... فأضناه لي أشفى وأفناه لي أبقى فلا الصبر موجود ولا الشوق بارح ... ولا أدمعي تطفي لهيبي ولا ترقا أخاف إذا ما الليل أرخى سدوله ... على كبدي حرقا ومن مقلتي غرقا أيجمل أن أجزى عن الوصل بالجفا ... فينعم طرفي والفؤاد بكم يشقى أحظي هذا أم كذا كلّ عاشق ... يموت ولا يحيا ويظما فلا يسقى سل الدهر علّ الدهر يجمع شملنا ... فلم أر ذا حال على حاله يبقى وقال: إذا كان دوني من بليت بجهله ... أبيت لنفسي أن أقابل بالجهل وإن كنت أدنى منه في الحلم والحجى ... عرفت له حقّ التقدم والفضل وإن كان مثلي في الفطانة والحجى ... أردت لنفسي أن أجلّ عن المثل وقال [٢] : وفي اليأس إحدى الراحتين لذي الهوى ... على أن إحدى الراحتين عذاب أعفّ وبي وجد وأسلو وبي جوى ... ولو ذاب مني أعظم وإهاب وآنف أن تصطاد قلبي كاعب ... بلحظ وأن يروي صداي رضاب فلا تنكروا عزّ الكريم على الأذى ... فحين تجوع الضاريات تهاب

стр. 1083

وقال [١] : وكأنما الانسان منّا غيره ... متكوّنا والحسن فيه معار متصرفا وله القضاء مصرّف ... ومكلفا [٢] وكأنه مختار طورا تصوّبه الحظوظ وتارة ... خطأ تحيل صوابه الأقدار تعمى بصيرته ويبصر بعد ما ... لا يستردّ الفائت استبصار فتراه يؤخذ قلبه من صدره ... ويردّ فيه وقد جرى المقدار فيظلّ يوسع [٣] بالملامة نفسه ... ندما إذا عبثت به الأفكار لا يعرف الإفراط في إيراده ... حتى يبيّنه له الإصدار وقال [٤] : تلقّ بالصبر ضيف الهمّ حيث أتى ... إنّ الهموم ضيوف أكلها المهج فالخطب إن زاد يوما فهو منتقص ... والأمر إن ضاق يوما فهو منفرج فروّح النفس بالتعليل ترض به ... واعلم إلى ساعة من ساعة فرج وقال [٥] : احفظ لسانك لا تبح بثلاثة ... سرّ ومال ما استطعت ومذهب فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة ... بمكفّر وبحاسد ومكذّب وقال [٦] : وعلى قدر عقله فاعتب المر ... ء وحاذر برّا يصير عقوقا كم صديق بالعتب صار عدوّا ... وعدوّ بالحلم صار صديقا

стр. 1084

وقال [١] : ثقلت زجاجات أتتنا فرّغا ... حتى إذا ملئت بصرف الرّاح خفّت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخفّ بالأرواح وقال [٢] : تسلّ عن كلّ شيء بالحياة فقد ... يهون بعد بقاء الجوهر العرض يعوّض الله مالا أنت متلفه ... وما عن النفس إن أتلفتها عوض وقال [٣] : قالوا القناعة عزّ والكفاف غنى ... والذلّ والعار حرص المرء والطمع صدقتم من رضاه سدّ جوعته ... إن لم يصبه بماذا عنه يقتنع؟ وقال [٤] : إن تكن تجزع من دم ... عي إذا فاض فصنه أو تكن أحمدت [٥] يوما ... سيدا يعفو فكنه أنا لا أصبر عمّن ... لا يجوز الصبر عنه كلّ ذنب في الهوى يغ ... فر لي ما لم أخنه وقال يرثي أخاه أحمد بن عبد الله بن يوسف [٦] : غاية الحزن والسرور انقضاء ... ما لحيّ من بعد ميت بقاء لا لبيد بأربد مات حزنا ... وسلت صخرا الفتى [٧] الخنساء

стр. 1085

مثل ما في التراب يبلى الفتى فال ... حزن يبلى من بعده والبكاء غير أنّ الأموات زالوا وأبقوا ... غصصا لا يسيغها الأحياء إنما نحن بين ظفر وناب ... من خطوب أسودهنّ ضراء نتمنّى وفي المنى قصر العم ... ر فنغدو بما نسرّ نساء صحة المرء للسقام طريق ... وطريق الفناء هذا البقاء بالذي نغتذي نموت ونحيا ... أقتل الداء للنفوس الدواء ما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاء راجع جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يستردّ المساء ليت شعري حلما تمرّ بنا الأي ... ام أم ليس تعقل الأشياء من فساد يجنيه للعالم الكو ... ن فما للنفوس منه اتقاء قبّح الله لذة لشقانا ... نالها الأمهات والآباء نحن لولا الوجود لم نألم الفق ... د فايجادنا علينا بلاء وقليلا ما تصحب المهجة الجس ... م ففيم الأسى وفيم العناء ولقد أيّد الاله عقولا ... حجة العود عندها الابداء غير دعوى قوم على الميت شيئا ... أنكرته الجلود والأعضاء وإذا كان في العيان خلاف ... كيف في الغيب يستبين الخفاء ما دهانا من يوم أحمد إلا ... ظلمات وما استبان ضياء يا أخي عاد بعدك الماء سمّا ... وسموما ذاك النسيم الرّخاء والدموع الغزار عادت من الأن ... فاس نارا تثيرها الصّعداء وأعدّ الحياة غدرا وإن كا ... نت حياة يرضى بها الأعداء أين تلك الخلال والحزم أين ال ... عزم أين السناء أين البهاء كيف أودى النعيم من ذلك الظ ... لّ وشيكا وزال ذاك الغناء أين ما كنت تنتضي من لسان ... في مقام ما للمواضي انتضاء كيف أرجو شفاء ما بي وما بي ... دون سكناي في ثراك شفاء

стр. 1086

أين ذاك الرّواء والمنطق الجز ... ل وأين الحياء أين الإباء إن محا حسنك التراب فما لل ... دمع يوما من صحن خدي انمحاء أو تبن لم يبن قديم ودادي ... أو تمت لم يمت عليك الثناء شطر نفسي دفنت والشطر باق ... يتمنّى ومن مناه الفناء إن تكن قدّمته أيدي المنايا ... فإلى السابقين تمضي البطاء يدرك الموت كلّ حيّ ولو أخ ... فته عنه في برجها الجوزاء ليت شعري وللبلى كلّ مخلو ... ق بماذا تميز الأنبياء موت ذي الحكمة المفضل بالنط ... ق وذي العجمة البهيم سواء لا غويّ لفقده تبسم الأر ... ض ولا للتقيّ تبكي السماء كم مصابيح أوجه أطفأتها ... تحت أطباق تربها البيداء كم بدور وكم شموس وكم أط ... واد مجد أمسى عليها العفاء كم محا غرة الكواكب غيم [١] ... ثم أخفت ضياءها الأنواء إنما الناس قادم إثر ماض ... بدء قوم للآخرين انتهاء وقال [٢] : قالوا وقد مات محبوب فجعت به ... وفي الصبا وأرادوا عنه سلواني ثانيه في الحسن موجود فقلت لهم ... من أين لي في الهوى الثاني صبا ثاني وقال: ولو أنني أعطيت من دهري المنى ... وما كلّ من يعطى المنى بمسدّد لقلت لأيام مضين ألا ارجعي ... وقلت لأيام أتين ألا ابعدي

стр. 1087

- ٣٧٧- الحسين بن عبد الله بن رواحة بن ابراهيم بن عبد الله بن رواحة، أبو علي الأنصاري الحموي الأديب الفقيه الشاعر المجيد: ولد بحماة ونشأ بها، ورحل إلى دمشق فأقام بها مدة واشتغل بالفقه وسمع الحديث من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر ومن عمه وآخرين، ورحل إلى مصر فسمع بها وبالاسكندرية. ثم عاد إلى دمشق فشهد واقعة مرج عكا فقتل فيها شهيدا يوم الأربعاء من شعبان سنة خمس وثمانين وخمسمائة. وله من قصيدة مهنئا بها الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب بعيد النحر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وكان السلطان مخيما بمرج فاقوس [١] : لقد خبر التجارب منه حزم ... وقلّب دهره ظهرا لبطن فساق إلى الفرنج الخيل برّا ... وأدركهم على بحر بسفن وقد جلب الجواري بالجواري ... يمدن بكلّ قدّ مرجحنّ يزيدهم اجتماع الشمل بؤسا ... فمرنان ينوح على مرنّ زهت اسكندرية يوم سيقوا ... ودمياط إلى المينا بغبن يرون خياله كالطيف يسري ... فلو هجعوا أتاهم بعد وهن أبادهم تخوّفه فأمسى ... مناهم لو يبيّتهم بأمن تملّك جيشهم شرقا وغربا ... فصاروا بين مملوك ورهن أقام بآل أيوب رباطا ... رأت منه الفرنجة ضيق سجن رجا أقصى الملوك السلم منهم ... ولم ير جهده في الحرب يغني فألقى السلم بعد الحرب كرها ... ولم ير من مناه سوى التمني

стр. 1088

وقال يرثي الحافظ أبا القاسم ابن عساكر وأنشدها بجامع دمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة [١] : ذرا السعي في نيل العلا والفضائل ... مضى من إليه كان شدّ الرواحل فقولا لساري البرق إني معينه ... بنار أسى أو سحب دمع هواطل وتمزيق جلباب العزاء لفقده ... بزفرة باك أو بحسرة ثاكل فأعلن به للركب واستوقف السّرى ... لقصّاده من قبل طيّ المراحل وقل غاب بدر التمّ عن أنجم الدجى ... وأشرق منهم بعده كلّ آفل وما كان إلا البحر غار ومن يرد ... سواحله لم يلق غير الجداول وهبكم رويتم علمه عن رواته ... فليس عوالي صحبه بنوازل فقد فاتكم نور الهدى بوفاته ... ونور التقى منه ونجح الوسائل وما حظّ من قد غرّه نصل صارم ... رجا نصرة من غمده والحمائل ليبك عليه من رآه ومن حوى ... هداه بأيام لديه قلائل ويقض أسى من فاته الفضل عاجلا ... برؤيته والفوز في كلّ آجل أسفت لا رجائي قدوم أعزّة ... عليه وتسويفي إلى عام قابل ولو أنهم فازوا بإدراك مثله ... لأزروا على سنّ الصبا بالأماثل فيا لمصاب عمّ سنة أحمد ... وأحرم منها كلّ راو وناقل خلا الشام من خير خلت كلّ بلدة ... بها من نظير للإمام مماثل وأصبح بعد الحافظ العلم شاغرا ... بلا حافظ يهذي به كلّ باقل وكم من نبيه قلّ مذ مات جاهه ... وقدّم لما أن مضى كلّ خامل خلت سنّة المختار من ذبّ ناصر ... فأيسر ما لاقته بدعة جاهل نحا للإمام الشافعيّ مقالة ... فأصبح يثني عنه كلّ مجادل وأيّد قول الأشعريّ بسنّة ... فكانت عليه من أدلّ الدلائل

стр. 1089

وكم قد أبان الحقّ في كلّ محفل ... فأروى بما يروي ظماء المحافل وسدّ من التجسيم باب ضلالة ... وردّ من التشبيه شبهة باطل وإن يك قد أودى فكم من أسنّة ... مركّبة من قوله في عوامل وإن مال قوم واستمالوا رعاعهم ... بإضلالهم عنه فلست بمائل أرى الأجر في نوحي عليه ولا أرى ... سوى الإثم في نوح البواكي الثواكل وليس الذي يبكي إماما لدينه ... كباك لدنياه على فقد راحل فيا قلب واصله بأعظم رحمة ... ويا عين فاسقيه بأغزر وابل وحيّ ثراه الدهر أهنى تحية ... مكررة عند الضحى والأصائل أعنّي على نوحي عليه فإنه ... قريب ثواء في الثرى والجنادل ولو لم يكن بالدمع سيل لحبّه ... لضنّ على لحد به كلّ باخل مضى من حديث المصطفى كان شاغلا ... له باجتهاد فيه عن كلّ شاغل لقد شمل الإسلام فيه رزية ... وكان له بالنصح أفضل شامل وفضّل بين السالفين اطّلاعه ... عليهم فذبّ النقص عن كل فاضل وأصبح في نقد الرجال مميزا ... بغير نظير في الورى ومساجل وأكمل تاريخا لجلّق جامعا ... لمن حلّها من كلّ شهم وكامل [١] فأزرى بتاريخ الخطيب وقد غدا ... بخطبته في الكتب أخطب قائل ومنها: طوى الموت منه العلم والزهد والنّهى ... وكسب المعالي واجتناب الرذائل وأفجع منه العالمين بمقدم ... صبور على حرب الضلال [٢] حلاحل وكان غيورا ذبّ عن دين أحمد ... وأدفع عنه من [٣] شجاع مقاتل

стр. 1090

وأحرم فيه الدّين أشرف صائن ... له ولدفع الزّيغ أعظم صائل ولم أر نقص الأرض يوما كنقصها ... بموت إمام عالم ذي فضائل أبا القاسم الأيام قسمة حاكم ... قضى بالفنا فينا قضية عادل بماذا أعزّي المسلمين ولا أرى ... عزاء سوى من قد مضى من أفاضل عليك سلام الله ما انتفع الورى ... بعلمك واستعلى على المتطاول وقال [١] : إن كان يحلو لديك قتلي ... فزد من الهجر في عذابي عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب وقال [٢] : لاموا عليك وما دروا ... أنّ الهوى سبب السعاده إن كان وصل فالمنى ... أو كان هجر فالشهاده وعكسه فقال [٣] : يا قلب دع عنك الهوى قسرا ... ما أنت منه حامد أمرا أضعت دنياك بهجرانه ... إن نلت وصلا ضاعت الأخرى وقال: وللزنبور والبازي جميعا ... لدى الطيران أجنحة وخفق ولكن بين ما يصطاد باز ... وما يصطاده الزنبور فرق
следующие страницы →