أين ذاك الرّواء والمنطق الجز ... ل وأين الحياء أين الإباء
إن محا حسنك التراب فما لل ... دمع يوما من صحن خدي انمحاء
أو تبن لم يبن قديم ودادي ... أو تمت لم يمت عليك الثناء
شطر نفسي دفنت والشطر باق ... يتمنّى ومن مناه الفناء
إن تكن قدّمته أيدي المنايا ... فإلى السابقين تمضي البطاء
يدرك الموت كلّ حيّ ولو أخ ... فته عنه في برجها الجوزاء
ليت شعري وللبلى كلّ مخلو ... ق بماذا تميز الأنبياء
موت ذي الحكمة المفضل بالنط ... ق وذي العجمة البهيم سواء
لا غويّ لفقده تبسم الأر ... ض ولا للتقيّ تبكي السماء
كم مصابيح أوجه أطفأتها ... تحت أطباق تربها البيداء
كم بدور وكم شموس وكم أط ... واد مجد أمسى عليها العفاء
كم محا غرة الكواكب غيم [١] ... ثم أخفت ضياءها الأنواء
إنما الناس قادم إثر ماض ... بدء قوم للآخرين انتهاء
وقال [٢] :
قالوا وقد مات محبوب فجعت به ... وفي الصبا وأرادوا عنه سلواني
ثانيه في الحسن موجود فقلت لهم ... من أين لي في الهوى الثاني صبا ثاني
وقال:
ولو أنني أعطيت من دهري المنى ... وما كلّ من يعطى المنى بمسدّد
لقلت لأيام مضين ألا ارجعي ... وقلت لأيام أتين ألا ابعدي
стр. 1087
- ٣٧٧-
الحسين بن عبد الله بن رواحة بن ابراهيم بن عبد الله
بن رواحة، أبو علي الأنصاري الحموي الأديب الفقيه الشاعر المجيد: ولد بحماة ونشأ بها، ورحل إلى دمشق فأقام بها مدة واشتغل بالفقه وسمع الحديث من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر ومن عمه وآخرين، ورحل إلى مصر فسمع بها وبالاسكندرية. ثم عاد إلى دمشق فشهد واقعة مرج عكا فقتل فيها شهيدا يوم الأربعاء من شعبان سنة خمس وثمانين وخمسمائة. وله من قصيدة مهنئا بها الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب بعيد النحر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وكان السلطان مخيما بمرج فاقوس [١] :
لقد خبر التجارب منه حزم ... وقلّب دهره ظهرا لبطن
فساق إلى الفرنج الخيل برّا ... وأدركهم على بحر بسفن
وقد جلب الجواري بالجواري ... يمدن بكلّ قدّ مرجحنّ
يزيدهم اجتماع الشمل بؤسا ... فمرنان ينوح على مرنّ
زهت اسكندرية يوم سيقوا ... ودمياط إلى المينا بغبن
يرون خياله كالطيف يسري ... فلو هجعوا أتاهم بعد وهن
أبادهم تخوّفه فأمسى ... مناهم لو يبيّتهم بأمن
تملّك جيشهم شرقا وغربا ... فصاروا بين مملوك ورهن
أقام بآل أيوب رباطا ... رأت منه الفرنجة ضيق سجن
رجا أقصى الملوك السلم منهم ... ولم ير جهده في الحرب يغني
فألقى السلم بعد الحرب كرها ... ولم ير من مناه سوى التمني
стр. 1088
وقال يرثي الحافظ أبا القاسم ابن عساكر وأنشدها بجامع دمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة [١] :
ذرا السعي في نيل العلا والفضائل ... مضى من إليه كان شدّ الرواحل
فقولا لساري البرق إني معينه ... بنار أسى أو سحب دمع هواطل
وتمزيق جلباب العزاء لفقده ... بزفرة باك أو بحسرة ثاكل
فأعلن به للركب واستوقف السّرى ... لقصّاده من قبل طيّ المراحل
وقل غاب بدر التمّ عن أنجم الدجى ... وأشرق منهم بعده كلّ آفل
وما كان إلا البحر غار ومن يرد ... سواحله لم يلق غير الجداول
وهبكم رويتم علمه عن رواته ... فليس عوالي صحبه بنوازل
فقد فاتكم نور الهدى بوفاته ... ونور التقى منه ونجح الوسائل
وما حظّ من قد غرّه نصل صارم ... رجا نصرة من غمده والحمائل
ليبك عليه من رآه ومن حوى ... هداه بأيام لديه قلائل
ويقض أسى من فاته الفضل عاجلا ... برؤيته والفوز في كلّ آجل
أسفت لا رجائي قدوم أعزّة ... عليه وتسويفي إلى عام قابل
ولو أنهم فازوا بإدراك مثله ... لأزروا على سنّ الصبا بالأماثل
فيا لمصاب عمّ سنة أحمد ... وأحرم منها كلّ راو وناقل
خلا الشام من خير خلت كلّ بلدة ... بها من نظير للإمام مماثل
وأصبح بعد الحافظ العلم شاغرا ... بلا حافظ يهذي به كلّ باقل
وكم من نبيه قلّ مذ مات جاهه ... وقدّم لما أن مضى كلّ خامل
خلت سنّة المختار من ذبّ ناصر ... فأيسر ما لاقته بدعة جاهل
نحا للإمام الشافعيّ مقالة ... فأصبح يثني عنه كلّ مجادل
وأيّد قول الأشعريّ بسنّة ... فكانت عليه من أدلّ الدلائل
стр. 1089
وكم قد أبان الحقّ في كلّ محفل ... فأروى بما يروي ظماء المحافل
وسدّ من التجسيم باب ضلالة ... وردّ من التشبيه شبهة باطل
وإن يك قد أودى فكم من أسنّة ... مركّبة من قوله في عوامل
وإن مال قوم واستمالوا رعاعهم ... بإضلالهم عنه فلست بمائل
أرى الأجر في نوحي عليه ولا أرى ... سوى الإثم في نوح البواكي الثواكل
وليس الذي يبكي إماما لدينه ... كباك لدنياه على فقد راحل
فيا قلب واصله بأعظم رحمة ... ويا عين فاسقيه بأغزر وابل
وحيّ ثراه الدهر أهنى تحية ... مكررة عند الضحى والأصائل
أعنّي على نوحي عليه فإنه ... قريب ثواء في الثرى والجنادل
ولو لم يكن بالدمع سيل لحبّه ... لضنّ على لحد به كلّ باخل
مضى من حديث المصطفى كان شاغلا ... له باجتهاد فيه عن كلّ شاغل
لقد شمل الإسلام فيه رزية ... وكان له بالنصح أفضل شامل
وفضّل بين السالفين اطّلاعه ... عليهم فذبّ النقص عن كل فاضل
وأصبح في نقد الرجال مميزا ... بغير نظير في الورى ومساجل
وأكمل تاريخا لجلّق جامعا ... لمن حلّها من كلّ شهم وكامل [١]
فأزرى بتاريخ الخطيب وقد غدا ... بخطبته في الكتب أخطب قائل
ومنها:
طوى الموت منه العلم والزهد والنّهى ... وكسب المعالي واجتناب الرذائل
وأفجع منه العالمين بمقدم ... صبور على حرب الضلال [٢] حلاحل
وكان غيورا ذبّ عن دين أحمد ... وأدفع عنه من [٣] شجاع مقاتل
стр. 1090
وأحرم فيه الدّين أشرف صائن ... له ولدفع الزّيغ أعظم صائل
ولم أر نقص الأرض يوما كنقصها ... بموت إمام عالم ذي فضائل
أبا القاسم الأيام قسمة حاكم ... قضى بالفنا فينا قضية عادل
بماذا أعزّي المسلمين ولا أرى ... عزاء سوى من قد مضى من أفاضل
عليك سلام الله ما انتفع الورى ... بعلمك واستعلى على المتطاول
وقال [١] :
إن كان يحلو لديك قتلي ... فزد من الهجر في عذابي
عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب
وقال [٢] :
لاموا عليك وما دروا ... أنّ الهوى سبب السعاده
إن كان وصل فالمنى ... أو كان هجر فالشهاده
وعكسه فقال [٣] :
يا قلب دع عنك الهوى قسرا ... ما أنت منه حامد أمرا
أضعت دنياك بهجرانه ... إن نلت وصلا ضاعت الأخرى
وقال:
وللزنبور والبازي جميعا ... لدى الطيران أجنحة وخفق
ولكن بين ما يصطاد باز ... وما يصطاده الزنبور فرق
стр. 1091
- ٣٧٨-
الحسين بن عبد الرحمن الغريبي الكوفي:
غلب عليه طلب الغريب فنسب إليه ويكنى أبا علي، وهو راوية فصيح، فمن شعره يمدح الكتّاب:
إن كنت تقصدني بظلمك عامدا ... فحرمت نفع صداقة الكتاب
السائقين إلى الصديق ثرى الغنى ... والناعشين لعثرة الأصحاب
والناهضين بكلّ عبء مثقل ... والناطقين بفصل كلّ خطاب
والعاطفين على الصديق بفضلهم ... والطيبين روائح الأثواب
ولئن جحدتهم الثناء لطالما ... جحد العبيد تفضّل الأرباب
- ٣٧٩-
الحسين بن علي أبو عبد الله الباقطائي
الأخباري الكاتب: مات في شعبان سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. وكان أعلم الناس بأمور الكتّاب وأولادهم وبيوتاتهم.
قرأت بخط بعض الفضلاء قال، قال أبو عبد الله الباقطائي: انصرفت من بستاني عشية، فرأيت بالعباسة رجلا جالسا فتأملته فإذا هو ماني الموسوس، فلمّا حاذيته سلّم علي، ووثب إليّ ومسك لجام دابتي، وقال: ما كان اسم زوجة النبيّ ﷺ ؟ فقلت:
أيتهن يا أبا الحسن؟ فقال: التي ركبت ذاك الكبير الكبير الذي له عنق طويل. قلت:
عائشة. قال: أتحفظ عني ما أقول؟ قلت: هات، فقال:
ركبت أمّنا البعير وقالت ... اضربوا بالسيوف وجه الوصيّ
قاتلوا الطاهر المطهّر قدما ... واطعنوا بالرماح وجه عليّ
أتراها روت أحاديث في ذا ... ك عن الصادق الصدوق النبي
стр. 1092
ليس يخفى عن الذي يعلم الس ... رّ من العالمين فعل المسيّ
ثم ترك اللجام، وولّى عني، فسرت وجعلت أردّد الأبيات لأحفظها، وقال لي غلامي: هذا ماني يعدو طالبا لنا، فالتفتّ إليه، وقلت: حاجة يا أبا الحسن؟ فقال:
نعم. قلت: ما هي؟ قال: احفظ. قلت: هات. قال:
أفكر فيما جنى بعضهم ... على بعضهم فأطيل الفكر
معاشر قد صحبوا المصطفى ... وكانوا أئمتنا في الأثر
فإن كان دينهم فاسدا ... فأدياننا كلنا في قذر
ومما أنشده [١] :
لا يكون السريّ مثل الدنيّ ... لا ولا ذو الذكاء مثل الغبيّ
قيمة المرء قدر ما يحسن المر ... ء قضاء من الإمام عليّ
أراد قول علي ﵇: قيمة كل امرىء ما يحسن.
- ٣٨٠-
الحسين بن علي بن [] أبو عبد الله النمري
صاحب التصانيف: وكان شاعرا جيدا، قرأ على أبي عبد الله الأزدي. مات في سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
وكان من أصحاب أبي رياش وابن لنكك. وكان من صدور البصرة في الأدب والشعر.
فمن شعره في شكاية عين المحبوب ما أبدع فيه وأحسن، هكذا قال الشيخ:
يا من تشكى عينه ... وبلاؤه منها وفيها
الناس شاكوها إلي ... ك وأنت أيضا تشتكيها
стр. 1093
وله:
ذكرتك والأمواه تنثر طلّها ... بدجلة والأشجار تنشر ظلّها
وقد دارت الصهباء من كفّ شادن ... [] عينه وأجلها
فأسبلت دمع العين حين استراب بي ... جليسي وقالوا عبرة لن يملها
فقلت لهم لم تبك عيني وإنما ... أصاب اضطراب الماء عيني فبلّها
قيل: وكان أخفش العين، سيّء المنظر، قوي الطبقة بالأدب، عارفا بالشعر يتكلم على معانيه. فمن شعره أبيات كتبها إلى ابن صالحان يهنئه بقدومه الأهواز:
بك تشرف الدنيا وأنت نعيمها ... والدهر أنت وكلّ يوم صالح
ما البحر أغزر منك في يوم الندى ... أزرى نداك بكلّ بحر طافح
لا زلت في نعم وعزّ ثابت ... غاد عليك بما تشاء ورائح
وأعيد هذا العيد نحوك ما دعت ... ورقاء صادحة بأورق صادح
وله:
إذا مرضنا نوينا كلّ صالحة ... وإن شفينا فمنا الزيغ والزّلل
نرضي الإله إذا خفنا ونسخطه ... إذا أمنّا فلا يزكو لنا عمل
- ٣٨١-
الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن محمد
بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان بن باذام بن ساسان بن الحرون بن بلاس بن جاماسب بن
стр. 1094
فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد ملك فارس، أبو القاسم المعروف بالوزير المغربي (وليس بمغربي الدار) : ولد فجر يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة، وحفظ القرآن وعدة من الكتب المجردة في النحو واللغة، وخمسة عشر ألف بيت من الشعر، وأتقن الحساب والجبر والمقابلة، وله في حساب المواليد اليد العظمى، هذا كلّه ولم يكمل له من العمر أربعة عشر ربيعا. وكان حسن الخطّ سريع البديهة في النظم والنثر.
وكان جده علي بن محمد يتولى ديوان المغرب فنسب إليه، ويشهد بفضله أبو العلاء المعري، وحسبك وقد نفذ إليه قصيدة فقال: والله لولا أن يقال غاليت، لكتبت تحت كل بيت، فليعبدوا ربّ هذا البيت.
مات في ثالث عشر رمضان سنة ثماني عشرة وأربعمائة.
ولما قتل الحاكم أباه وعمه وأخويه هرب من مصر فلما بلغ الرملة استجار بصاحبها حسّان بن المفرج بن دغفل بن الجراح الطائي ومدحه فأجاره وسكّن جأشه وأزال وحشته، فأقام عنده مدة أفسد في خلالها نيته على الحاكم صاحب مصر، ثم رحل عنها متوجها إلى الحجاز مجتازا بالبلقاء من أعمال دمشق، فلما وصل إلى مكة أطمع صاحبها بالحاكم ومملكة الديار المصرية، وجدّ في ذلك حتى أقلق الحاكم وخاف على ملكه. واستدعى ابا الفتوح الحسين بن جعفر العلوي ويلقب بالراشد بالله بعد أن سهّل عنده سهولة الأمر، فأصغى إلى ذلك وبايعه شيوخ العلويين. وحسّن إليه أبو القاسم أخذ قبلة البيت وما فيه من فضة وضربه دراهم. واتفق أن توفي رجل من الفرس يدعى بالمطوعي وعنده أموال الهند والصين، وخلّف مالا عظيما، وأوصى
стр. 1095
لأبي الفتوح بمائة ألف دينار ليصون بها تركته والودائع التي عنده. فحمله أبو القاسم على أخذ الجميع؛ وخطب [أبو الفتوح] لنفسه بمكة، وسار حتى لحق بآل الجراح. ولما قرب من الرملة تلقّاه المفرج وسائر العرب، وقبّلوا الأرض بين يديه، وسلّموا عليه بامرة المؤمنين، ولقيهم راكبا فرسا متقلدا سيفا زعم أنه ذو الفقار، وفي يده قضيب، زعم أنه قضيب النبي ﷺ ، وحوله جماعة من بني عمه، وألف عبد أسود، وخطب له بالرملة وما لاصقها. ثم بلغ الخبر الحاكم فأرسل الأموال إلى آل الجراح، واستفسدهم بما بذل لهم، وبلغ ذلك أبا الفتوح، فدخل إلى المفرج وسأله إعانته على العود إلى مكة، فأنفذ معه من حمله إلى وادي القرى، فتلقّاه أصحابه، ومضوا به. وقيل: إنه ندم بعد ذلك، فتركه المغربي وقصد العراق على طريق السماوة حتى وصل الأنبار، وقصد فخر الملك أبا غالب محمد بن خلف، وهو يومئذ يتولى العراق من قبل بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة، فاتهمه القادر بالله أنه ورد في إفساد الدولة، فراسل فخر الملك حتى أخرجه من واسط، وكان قد أقام عنده مكرما. فلما توفي فخر الملك مقتولا عاد الوزير المغربيّ إلى بغداد، ثم شخص إلى الموصل، فاتفق وفاة أبي الحسن ابن هانىء كاتب قرواش أمير بني عقيل فتولّى الكتابة مكانه ووزر لقرواش. وسمت نفسه إلى وزارة بغداد فلم يزل يراسل فيها حتى تمّت له، فوزر لشرف الدولة أبي علي بن بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة فناخسرو بن بويه سنة أربع عشرة ومائة بغير خلع ولا لقب، وبقي في الوزارة عشرة أشهر وخمسة أيام. فشغب الأمراء عليه، وطالبوه بأقساطهم، فاستشعر منهم وهرب ليلا حتى لحق بعريب بن مقن العقيلي. ومضى من فوره إلى ميّافارقين، واتصل بنصير الدولة أبي نصر ابن مروان صاحب ديار بكر، فوزر له، ومات بميافارقين وهو وزيره.
وكتب إلى أصحاب الأطراف ما بينه وبين الكوفة قبل موته بأن حظيّة له قد ماتت، وقد نقلها إلى الكوفة، وأوصى أصحابه إذا مات أن يحملوه إلى الكوفة فحمل، فكان إذا وصل التابوت إلى أحد الأمراء يعطونه الكتاب فيكرم أصحاب الجنازة، ويسيرها وهو يظنها حظيته حتى وصل إلى الكوفة، فدفن بها في تربة مجاورة لمشهد علي ﵁ وإنما فعل ذلك خوفا أن يمنع من الإجازة لسوء فعله، وحقد الأمراء عليه. وتمّ تدبيره عليهم، وبلغ مراده بعد مماته، وأوصى أن يكتب
стр. 1096
على قبره [١] :
كنت في سفرة الغواية والجه ... ل مقيما فحان مني قدوم
تبت من كلّ مأثم فعسى يم ... حى بهذا الحديث ذاك القديم
بعد خمس وأربعين لقد ما ... طلت إلا أن الغريم كريم
وكان خبيث الباطن، شديد الحسد على الفضائل وإن أظهر الميل إليها. وكان إذا دخل إليه الفقيه سأله عن النحو، وإذا دخل إليه النحوي سأله عن الفرائض، وإذا دخل إليه الشاعر سأله عن القرآن عبثا قصدا لتأنيب المسؤول، حتى قال فيه بعض الشعراء:
ويلي وعولي وويه ... لدولة ابن بويه
سياسة الملك ليست ... ما جاء عن سيبويه
وللوزير أبي القاسم رواية عن الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابة، حكى عنه بسنده إلى المدائني أنه قال [١] : كان رجل بالمدينة من بني سليم يقال له جعدة كان يتحدّث إليه النساء بظهر المدينة، فيأخذ المرأة فيعلقها إلى الحيطان ويثبت العقال، فإذا أرادت ان تثب سقطت وتكشفت، فبلغ ذلك قوما في بعض المغازي فكتب رجل منهم إلى عمر ﵁ بهذه الأبيات:
ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدا لك من أخي ثقة إزاري
قلائصنا هداك الله إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار
لمن قلص تركن معقّلات ... قفا سلع بمختلف النجار
يعقّلهنّ جعدة من سليم ... وبئس معقّل الذّود الطوار
يعقلهن أبيض شيظميّ ... معيدا يبتغي سقط العذار
فلما قرأ عمر الأبيات قال عليّ بجعدة من سليم، فأتوه به، فكان سعيد يقول:
стр. 1097
إني لفي الأغيلمة إذ جرّوا جعدة إلى عمر، فلما رآه قال: أشهد أنك شيظميّ كما وصفت، فضربه مائة ونفاه إلى عمان.
ومن شعر الوزير المغربي [١] :
خف الله واستدفع سطاه وسخطه ... وسائله فيما تسأل الله تعطه
فما تقبض الأيام من نيل حاجة ... بنان فتى أبدى إلى الله بسطه
وكن بالذي قد خطّ باللوح راضيا ... فلا مهرب مما قضاه وخطّه
وإنّ مع الرزق اشتراط التماسه ... وقد يتعدّى إن تعدّيت شرطه
ولو شاء ألقى في فم الطير قوته ... ولكنّه أوحى إلى الطير لقطه
إذا ما احتملت العبء فانظر قبيل أن ... تنوء به أن لا تروم محطّه
وأفضل أخلاق الفتى العلم والحجى ... إذا ما صروف الدهر أخلقن مرطه
فما رفع الدهر امرءا عن محلّه ... بغير التقى والعلم إلا وحطه
وقال [٢] :
حلقوا شعره ليكسوه قبحا ... غيرة منهم عليه وشحّا
كان صبحا عليه ليل بهيم ... فمحوا ليله وأبقوه صبحا
وقال [٣] :
لي كلما ابتسم النهار تعلة ... بمحدث ما شان قلبي شانه
فإذا الدجى وافى وأقبل جنحه ... فهناك يدري الهمّ أين مكانه
وقال [٤] :
إذا ما الأمور اضطربن اعتلى ... سفيه تضام العلا باعتلائه
стр. 1098
كذا الماء ان حركته يد ... طغا عكر راسب في إنائه
وقال [١] :
أرى الناس في الدنيا كراع تنكرت ... مراعيه حتى ليس فيهنّ مرتع
فماء بلا مرعى ومرعى بغير ما ... وحيث ترى ماء ومرعى فمسبع
وقال [٢] :
سأعرض كلّ منزلة ... تعرّض دونها الطب
فإن أسلم رجعت وقد ... ظفرت وأنجح الطلب
وإن أعطب فلا عجب ... لكلّ منية سبب
وقال [٣] :
لو كنت أعرف فوق الشكر منزلة ... أعلى من الشكر عند الله في الثمن
إذا منحتكها مني مهذبة ... حذوا على حذو ما واليت من حسن
وقال [٤] :
أقول لها والعيس تحدج للسرى ... اعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
سأنفق ريعان الشبيبة آنفا ... على طلب العلياء أو طلب الاجر
اليس من الخسران أنّ لياليا ... تمرّ بلا نفع وتحسب من عمري
وقال [٥] :
الدهر سهل وصعب ... والعيش مرّ وعذب
فاكسب بمالك حمدا ... فليس كالحمد كسب
стр. 1099
وما يدوم سرور ... فاختم وطينك [١] رطب
وقال [٢] :
من بعد ملكي رمتم أن تغدروا ... ما بعد فرقة ما ملكت تخيّر
ردّوا الفؤاد كما عهدتم للحشا ... ولطرفي الساهي الكرى ثم اهجروا
وقال [٣] :
لا تشاور من ليس يصفيك ودّا ... إنه غير سالك بك قصدا
واستشر في الأمور كلّ لبيب ... ليس يألوك في النصيحة جهدا
وقال [٤] :
تأمل من أهواه صفرة خاتمي ... فقال بلطف لم تجنبت أحمره
فقلت لعمري كان أحمر لونه ... ولكن سقامي حلّ فيه فغيره
وقال [٥] :
إني أبثّك من حدي ... ثي والحديث له شجون
فارقت موضع مرقدي ... ليلا ففارقني السكون
قل لي فأول ليلة ... في القبر كيف ترى أكون
وحدث [٦] أنه كان للوزير المغربي مملوك، وكان شديد المحبة له، وكان روميّا، وكان أحد أولاد بطارقة الروم، فبلغ خبره أباه، فسأل ذلك البطريق ملك الروم أن يرسل من يستخلص ولده، ففعل وأنفذ رسولا إلى ابن مروان صاحب ديار بكر، فلما وصل الرسول استدعاه الوزير المغربي وسقاه الخمر عنده تكرمة له. فلما عملت
стр. 1100
الخمر في الوزير، قال ذلك الرسول: أريد من إنعام الوزير يبيعني هذا الغلام.
فقال: هو لك. فأخذه من ساعته، ونفذه على خيل قد أعدّت في كل فرسخ فرس.
فلما أصبح الوزير استدعى الغلام، فقيل له: إنك قد وهبته من رسول ملك الروم.
فاستدعاه من ساعته، وطلب منه الغلام، فقال: أيها الوزير، قد قارب بلاد أبيه، بلى مهما أردت من الثمن أعطيتك. فقال الوزير: ما كنت لأذهب نخوتي ومروءتي، قد وهبته منك خالصا، ثم قال [١] :
يا من غدا جبل الرّيّان يحجبه ... ليس التصبّر عن قلبي بمحجوب
أفلتّ قلبي من صدري وأطلبه ... من بعد ما صار في الشمّ الشناخيب
فاصمت ولا ترث لي مما أكابده ... يدي لعمرك كانت أصل تعذيبي
علّمتني الحزم لكن بعد مؤلمة ... إن المصائب أثمان التجاريب
وكان في بعض الأحايين قد اعتزل خدمة السلطان، فقيل له: تركت المناصب في عنفوان شبابك. فقال:
كنت في سفرة ... البطالة والجهل ...
الأبيات وقيل: إنه زار بعض الصالحين المنقطعين، فقال: لو صحبتنا لنستفيد منك فقال: يردّني عن هذا بيت شعر [٢] :
إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن ... بمنزلة إلا رضيت بدونها
فأنا أكتفي بعيشي هذا. فقال: يا شيخ، هذا بيت مال، ليس هو بيت شعر.
قال أبو الحسن علي بن منصور الحلبي المعروف بدوخلة [٣] ، قال لي الوزير المغربي ليلة: أريد أن أجمع أوصاف الشمعة السبعة [٤] في بيت واحد، وليس يسنح لي ما أرضاه، فقلت: أنا أفعل هذه الساعة. فقال: أنت جذيلها المحكّك وعذيقها
стр. 1101
المرجّب، فأخذت القلم من دواته، وكتبت بحضرته:
لقد أشبهتني شمعة في صبابتي ... وفي هول ما ألقى وما أتوقّع
نحول وحرق في فناء ووحدة ... وتسهيد عين واصفرار وأدمع
فقال: كنت عملت هذا قبل هذا الوقت، فقلت تمنعني سرعة الخاطر، وتعطيني علم الغيب؟ ومن شعره في بلوغ الغاية من السلوّ [١] :
حبيب ملكت الصبر بعد فراقه ... على أنني علّقته وألفته
محا حسن يأسي شخصه من تفكري ... فلو أنني لاقيته ما عرفته
وله [٢] :
قطعت الأرض في شهري ربيع ... إلى مصر وعدت إلى العراق
فقال لي الحبيب وقد رآني ... سبوقا للمضمّرة العتاق
ركبت على البراق فقلت كلا ... ولكني ركبت على اشتياقي
وله [٣] :
يا صاحبيّ إذا أعياكما سقمي ... فلقّياني نسيم الريح من حلب
من الديار التي كان الصبا وطري ... فيها وكان الهوى العذريّ من أربي
حدث العطيري [٤] الشاعر قال: دخلت يوما على الوزير المغربي بالموصل، وهو جالس على ضفة نهر يخرق عرصة داره، وبين يديه جارية كأنها فلقة قمر تسقيه وتنادمه، وهو يقول [٥] :
نديمتي جارية ساقيه ... ونزهتي ساقية جاريه
فحكيت هذه الحكاية لأبي العلاء المعري، وأنشدته البيت فقال: هذا هو الطبع
стр. 1102
لا ما ينعقه ذلك الرجل الذي يقول:
أبى ريقه/ أباريقه أوكارها/ أوكارها يعني البستي. وقيل: إنه كان يقول دائما: ما سررت قط بشعر مدحت به مع كثرة ما قيل كما سررت بقول النامي:
وإذا علي بن الحسين لقيته ... فالق العظيم القدر بالإعظام
تلق امرءا سلطانه في عقله ... وجنوده في ألسن الأقلام
قال المؤلف: هكذا وجدت هذه الحكاية. والمغربي اسمه الحسين بن علي، وفي الشعر بالعكس، فلعل الممدوح أبوه.
ومن شعر الوزير أبي القاسم المغربي [١] :
غزال حبّه للصبر غرب ... ولكن وجهه للحسن شرق
رددت وقد تبسّم عنه طرفي ... وقلت له ترى لي منك رزق
فأرجو الوصل لا أني جدير ... ولا قدري لقدرك فيه وفق
ولكن لست أول من تمنّى ... من الدنيا الذي لا يستحق
حدّث الصاحب الوزير جمال الدين الأكرم، وناهيك به معرفة لأخبار الأيام، خصوصا ما يتعلق بحوادث مصر قال: لما قدم أبو الحسن علي بن الحسين، وولده أبو القاسم إلى مصر وبها الحاكم، تلقاهما وأنزلهما وأكرمهما، وعرف لهما حقّ الكفاية والبيت والأدب، وعيّن لأبي الحسن علي بن الحسين خدمة، واتفق أن دخل أبو القاسم يوما إلى الحاكم، وكان أبو القاسم ذا هيئة ورواء وجسم وشارة، فأعجب الحاكم ما رآه من فخامة منظره، فخاطبه فوجده لسنا حسن المحاورة، أديب الألفاظ، فخفّ على قلبه ونفق عليه، وأمره بملازمة مجلسه، فتكلم أبو القاسم يوما بشيء استحسنه الحاكم، فقال له: يا أبا القاسم، احتكم فيما شئت حتى أبلغكه. فقال:
نعم يا مولانا، أحبّ أن تهب لي نفسي، ولا تقتلني، فتبسم الحاكم، وقال: ما موجب هذا الاقتراح؟ فقال: يعلم مولانا أن العصمة تفرّد بها الأنبياء، وأنا بشر
стр. 1103
أخطىء وأصيب فأخاف بادرة خطأ يكون فيها حتفي، وقد رأيت ذلك في جماعة من أولياء مولانا، والسعيد من وعظ بغيره. فقال: لك ذلك. فقال أبو القاسم: أحبّ أن يكتب لي مولانا خطّه بذلك، ويعطيني توثقة من نفسه به، فقد أوجب هذا الانبساط وسوء الأدب في الخطاب تحكيم مولانا إياي. فوجد من الحاكم وقفة في ذلك. فقال له: لا بأس، نحن عبيد، والمولى مالك. وأرجو أن لا آتي بما يكره مولانا، وأعيش في نعمته على رضاه وما يهواه. ولكن لي أخت لها من قلبي منزلة أخاف عليها من الريح إذا هبّت، إن رأى أمير المؤمنين أن يكتب لها أمانا على نفسها، ويوثقها على بقاء مهجتها وصيانتها فعل، فقال له: لك ذلك، على أن تعطيني موثقا أن لا تفارق حضرتي إلا بإذني. فقال له: لك ذلك. وكتب كلّ واحد منهما بذلك خطّه، وأيّده بيمين حلفها. وخرج أبو القاسم من مجلسه وتهيأ من وقته للاستتار، فأحضر عجوزا ممن يوثق بعقلها وديانتها، وأمرها أن تكتري دارا في بعض المحالّ النائية، وتتردّد إليها، وتبيت فيها تارة، وتنقطع أخرى، ولا تخالط أحدا من الجيران، ورتّب ذلك مدة سنتين أو ثلاث. فاتفق أنه استدعي يوما إلى القصر، فدخل والحاكم جالس في مستشرف الدار، ولم يره أبو القاسم، وكان في اجتيازه قد وطىء نواة تمرة، فلما صار بحيث الحاكم جعل ينفض نعله عدّة نوب، حتى سقطت النواة، ثم التفت فرأى الحاكم فقبّل الأرض بين يديه، فوجد التغير في وجهه، والإنكار باد في نطقه، وإن أظهر التجمّل والانبساط، فعلم أبو القاسم أن الحاكم قد ظن أن نفض نعله كان استهانة به واحتقارا له، وعلم أن الحاكم لا يقيل العثرة، ولما خرج من حضرته، مضى إلى الدار التي أعدتها تلك المرأة، واستتر فيها، وطلبه الحاكم فلم يوجد [واستخبر عنه] من أبيه، فأنكر أن يكون عرف له خبرا، أو وقف منه على أثر، فاعتقل أباه وجميع أهله، وأوقع بهم القتل، وجاء بأخته المذكورة، فعلقها وطلب منها أخاها، وضربها ضربا وجيعا ونادى في البلد بالتماسه، فلم يوقف له على خبر، فأخرج أباه وأخاه وجماعة من أهله إلى المقطم، جبل مطلّ على القاهرة، وضرب أعناقهم صبرا، ثم خرج بنفسه حتى وقف عليهم، وأمر برفعهم وغسلهم وتكفينهم ودفنهم، ورجع إلى داره بالقصر، وجلس للعزاء بهم، وحضرهم الناس، وعليهم ثياب الحزن، وهذا من أعجب تلوّن هذا الرجل- يعني الحاكم- فإنه كان متناقض
стр. 1104
الأحوال، متباين الأقوال والأفعال.
واتفق أن حضر بمصر جماعة من شرفاء الحجاز على عادة لهم كانت بالحضور بمصر للاستجداء وطلب الصلة، فوصلهم الحاكم بما جرت عادتهم، وخرجوا إلى ظاهر القاهرة مبرزين قصدا للعود إلى بلادهم، وبلغ ذلك أبا القاسم فسيّر من اشترى له مهريا مثل جمالهم، ولبس لبسهم، وخرج حتى اختلط بهم وهو متلثم. وخرج الحاكم لوداعهم، فتقدموا إليه وخدموه واستأذنوه في الرحيل، فقال لهم: امضوا على بركة الله. وكان في من تقدم إليه أبو القاسم، فلما رأى مشيته قال لواحد من جانبه:
ما أشبه مشية هذا الشريف بمشية ابن المغربي. ورحلوا ورحل معهم.
قال الصاحب: فبلغني أن ابن المغربي فارق الجماعة، وجلس في جبل المقطم بموضع يقال له: الجبل الأحمر حتى ركب الحاكم على عادة كانت له منفردا مع غلامين له إلى ذلك الجبل، فلقيه أبو القاسم في جماعة ممن كان يثق إليهم، وقد خرجوا إليه معدين، فلما رآهم الحاكم خاف واستشعر وعرف أبا القاسم المغربي.
فقال له: يا أبا القاسم: غدرت بك. فقال: لا بأس عليك. وإنما أحببت أن لا أفارقك حتى أواقعك على غدرك، أما أعطيتني موثقا من الله أن لا تسيء إلى تلك الحرمة المسكينة؟ فقال: حملني الغضب عليك لكونك فارقتني بغير إذن، وقد حلفت ألا تفعل إلا بأمري وإرادتي. فقال له: أما أنا فما فارقتك حتى استأذنتك.
فقال له: ومتى استأذنتني؟ قال: في يوم كذا لما أذنت للشرفاء فإني تقدمت حتى سمعت خطابك، وأنت تقول: امضوا مصاحبين على بركة الله، فدخلت في العموم. فقال له الحاكم: إذا كنت قد خرجت من هذه بحجة فلك عليّ عهد الله أن أطلق أختك وألحقها بك فتركه المغربي، وتوجه إلى العراق، ورجع الحاكم إلى القاهرة وجهز خلفه من يردّه، فلم يظفر به حتى لحق ببني الجراح وأغراهم بخلع الحاكم، وقتل المتولي لبلاد الشام منجوتكين. وبلغ الحاكم خبره وما أزمع عليه من قلب دولته، ومضيه إلى أبي الفتوح، فكتب الحاكم إلى أبي القاسم أمانا بخطه، وأتبعه بيمينه، وأيده بتوثقة، وبذل له فيه البذول، ووعده بوزارته ومؤازرته، وبسط القول في ذلك غاية جهده وطاقته، فكان جواب الوزير أبي القاسم أن أخذ رقعة، وكتب فيها:
стр. 1105
أأنشب كفي في الرّحى ثمّ أرتجي ... خلاصا لها إني إذن لرقيع
قال: فأيس منه الحاكم حينئذ. فمما أنشده في حال خروجه من مصر:
ونفسك فز بها إن خفت ضيما ... وخلّ الدار تندب من بكاها [١]
فإنك واجد أرضا بأرض ... ولست بواجد نفسا سواها
وله [٢] :
الله يعلم ما إثم أردت به ... إلا ونغّصه خوفي من النار
وإنّ نفسي ما همّت بمعصية ... إلا وقلبي عليها عاتب زار
- ٣٨٢-
الحسين بن علي بن الحسين
المعروف بابن الخازن الكاتب أبو الفوارس صاحب الخط المليح المشهور بالجودة: كان يسكن بغداد بدرب حبيب. وكان مشتهرا بلعب النرد. مات فجأة في سنة اثنتين وخمسمائة. وعرفت أنه كتب خمسمائة نسخة لكتاب الله ما بين جامع وربعة. وكتب بالأغاني الكبير ثلاث نسخ.
ومن العجائب أن دار ابن الخازن بدرب حبيب طلبت منه في سنة ثمانين وأربعمائة بألف دينار فلم تسمح نفسه ببيعها، ثم التمس بعد ذلك من يشتريها بثلاثمائة دينار فلم يتهيأ له ذلك، فلما توفي حصلت من حقوق بيت المال فبيعت بمبلغ ستمائة وخمسين دينارا. وهذه حال التركات، فمن شعره:
لا تركننّ إلى الزمان فما بقي ... من كان قبلك واثقا بزمان
صن قدر ما أوليته من نعمة ... فالدهر والأيام ذو حدثان
стр. 1106
لا تخد عنّك مهلة بقضائها ... فالطبع مستول على الإنسان
ارفق بنفسك واجتنب ظلم الورى ... ما دمت مقتدرا على الإمكان
- ٣٨٣-
الحسين بن علي بن الوليد المعروف بابن الحلاب النحوي:
قرأ عليه أبو غالب ابن بشران النحوي كتاب «الحماسة» عن أبي رياش أحمد بن أبي هاشم عن أبي المظفر [١] الأنطاكي عن أبي تمام.
- ٣٨٤-
الحسين بن علي بن داعي بن زيد العلوي النيسابوري
أبو عبد الله الحسني النسابة: فاضل معروف، مات في المحرم سنة ثلاث عشرة وخمسمائة بنيسابور.
- ٣٨٥-
الحسين بن علي بن محمد بن عبد الله
بن عبد الصمد الأستاذ مؤيد الدين أبو إسماعيل الأصبهاني: صاحب الفضائل المشهورة والأشعار السائرة، صدر العراق وشهرة الآفاق المعروف بالطغرائي نسبة إلى من يكتب الطغراء وهي الطرّة التي تكتب
стр. 1107
في أعلى المناشير فوق البسملة بالقلم الجلي تتضمن اسم الملك وألقابه، وهي كلمة أعجمية محرفة من الطرّة.
كان آية في الكتابة والشعر حسن المعرفة باللغة والأدب، أقوم أهل عصره بصنعة الأدب. وكان محترما كبير الشأن جليل القدر خبيرا بصناعة الكيمياء له فيها تصانيف أضاع الناس بمزاولتها أموالا لا تحصى، وخدم السلطان ملك شاه بن الب أرسلان، وكان منشىء السلطان محمد مدة ملكه متولي ديوان الطغراء وصاحب ديوان الإنشاء، تشرفت به الدولة السلجوقية، وتشوّفت إليه المملكة الأيوبية، وتنقل في المناصب والمراتب، وتولى الاستيفاء وترشح للوزارة، ولم يكن في الدولتين السلجوقية والإمامية من يماثله في الإنشاء سوى أمين الملك أبي نصر العتبي، وله في العربية والعلوم قدر راسخ، وله البلاغة المعجزة في النظم والنثر. ورد بغداد وأقام بها مدة طويلة وكان يسافر مع العسكر إلى الجبال والري وأصبهان إلى أن شرف بفضله وكماله.
قال الإمام محمد بن الهيثم الأصفهاني: كشف الأستاذ أبو إسماعيل بذكائه سرّ الكيمياء وفك رموزها واستخرج كنوزها وله فيها تصانيف منها: جامع الأسرار. وكتاب تراكيب الأنوار. وكتاب حقائق الاستشهادات. وكتاب ذات الفوائد. وكتاب الردّ على ابن سينا في إبطال الكيمياء. ومصابيح الحكمة. وكتاب مفاتيح الرحمة. وله ديوان شعر وغير ذلك.
ولد سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وقتل في الوقعة التي كانت بين السلطان مسعود بن محمد وأخيه السلطان محمود سنة خمس عشرة وخمسمائة صبرا بهمذان وقد جاوز الستين. وكان [١] السبب في ذلك أنه كان كاتب الطغراء، والطغراء التوقيعات، لمحمد بن ملكشاه، ثم ولّاه الإشراف على المملكة، وعزل عن ذلك، وأمره بملازمة بيته. وكان ابنه أبو محمد برسم الكتابة للطغراء للملك مسعود بن محمد، فقصده أبوه أبو إسماعيل من أصبهان راكبا في لجاوة [٢] وتبع، فلم يلحق بيعة المتولي بأصبهان من قبل السلطان محمود أخي مسعود. وكانت الحال بين الأخوين مسعود ومحمود غير
стр. 1108
مستقيمة، وهما على الحرب والمنافسة على الملك، ووصل إلى السلطان محمود وهو على باب خويّ فولّاه وزارته، وعزم مسعود على محاربة أخيه، فكتب إليه يدعوه إلى الصلح ويخوّفه وبال الخلف، ويبذل له البذول والإقطاعات، وبلوغ الأغراض والطلبات. فأجاب الأستاذ أبو إسماعيل عن مسعود بجواب يجلب المنافرة والمباينة، ويزيل الطاعة والموافقة، وخطب لمسعود بالسلطنة، وخوطب الأستاذ أبو إسماعيل بالوزير قوام الدين، وكان محمود في قلّ من العسكر، ووقعت بينهما وقعة بهمذان، فانهزم عسكر مسعود، ومضوا على وجوههم متمزقين، وأسر أصحاب السلطان محمود خلقا من أعيان أصحاب مسعود منهم الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي، فأمر السلطان بقتله لما في نفسه عليه مما تقدم ذكره، وقال: لم أقتله إلا لقلّة دينه وسوء معتقده.
وروي أنه لما عزم السلطان محمود على قتل الطغرائي أمر به أن يشدّ إلى شجرة وأن يقف تجاهه جماعة بالسهام، وأن يقف إنسان خلف الشجرة يكتب ما يقول، وقال لأصحاب السهام لا ترموه حتى أشير إليكم، فوقفوا والسهام مفوّقة لرميه، فأنشد الطغرائي في تلك الحالة [١] :
ولقد أقول لمن يسدّد سهمه ... نحوي وأطراف المنية شرّع
والموت في لحظات أحور طرفه ... دوني وقلبي دونه يتقطع
بالله فتّش عن فؤادي هل يرى ... فيه لغير هوى الأحبة موضع [٢]
أهون به لو لم يكن في طيّه ... عهد الحبيب وسرّه المستودع
فرقّ له وأمر بإطلاقه، ثم إن الوزير أغراه بقتله بعد حين فقتله، وكان أكبر أسباب قتله حسد أصحاب السلطان له على فضله فحسّنوا للسلطان قتله، فمن أشعاره [٣] :
إذا ما لم تكن ملكا مطاعا ... فكن عبدا لمالكه مطيعا
وإن لم تملك الدنيا جميعا ... كما تختار فاتركها جميعا
стр. 1109
هما سببان من ملك ونسك ... ينيلان الفتى الشرف الرفيعا
فمن يقنع من الدنيا بشيء ... سوى هذين يحي بها وضيعا
وله [١] :
لا تجزعنّ [٢] إذا بالأمر ضقت به ... ذرعا ونم وتوسّد خالي البال
فبين غفوة عين وانتباهتها ... تنقل الأمر [٣] من حال إلى حال
وما اهتمامك بالمجدي عليك وقد ... جرى القضاء بأرزاق وآجال
وكتب إلى الحكيم أبي الحسن ابن أبي الغنايم الطبيب [٤] :
يا سيدي [٥] والذي مودّته ... عندي روح يحيا بها الجسد
من ألم الظهر أستغيث وهل ... يألم ظهر إليك يستند
وله [٦] :
إني لأذكركم وقد بلغ الظما ... مني فأشرق بالزلال البارد
وأري العدا أن الإساءة منكم ... خطأ وتلك سجية من عامد
ما زلت أزهد في مودة راغب ... حتى ابتليت برغبة في زاهد
إن لم يكن سحرا هواك فإنه ... والسحر قدّا من أديم واحد
وله [٧] :
ذكرتكم عند الزلال مع الظما ... فلم أنتفع من برده ببلال
وحدثت نفسي بالأمانيّ فيكم [٨] ... وليس حديث النفس غير ضلال
يقرّ بعيني الركب من نحو أرضكم ... يزجّون عيسا قيّدت بكلال
أطارحهم جدّ الحديث وهزله ... لأقطعهم [٩] عن سيرهم بمقال
وأسأل عمن لا أريد [١٠] وإنما ... أريدكم من بينهم بسؤالي
стр. 1110
فيعثر ما بين الحديث ورجعه ... لساني بكم حتى ينمّ بحالي
وأطوي على ما تعلمون جوانحي ... وأظهر للعذّال أني سال
فلا والذي عافاكم وابتلى بكم ... فؤادي ما مرّ [١] السلوّ ببالي
وقد عشت دهرا لا أبالي من النوى ... فعلمني الهجران كيف أبالي
[وقال يعاتب مؤيد الملك أبا بكر عبيد الله] [٢] :
لك الخير قد عودتني منك عادة ... نشأت عليها منذ أول حالي
وكنت أرجّي أن حالك ترتقي ... فينمو بها حالي نموّ هلال
وأسمو إلى نيل الأماني وأقتضي ... مواعيد دهر مولع بمطال
فقد رابني منك الصدود وليته ... صدود اشتغال لا صدود ملال
وإن كان هذا منك دأبا تديمه ... فإذنك لي حتى أزمّ جمالي
وإلا فعد لي بالجميل فقد عفت ... معالم آمالي وضاق مجالي
فمثلي لا يرضى مقاما بذلة ... وصبرا على جاه لديك مذال
ومثلك لا يرضى بتضييع حرمتي [٣] ... وتخييب آمال لديك طوال
ومن شعر مؤيد الدين الطغرائي قصيدته التي تداولها الرواة وتناقلتها الألسن المعروفة بلامية العجم وقد رأيت ان اوردها بتمامها إعجابا بها، قال [٤] :
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحيلة الفضل زانتني لدى العطل
مجدي أخيرا ومجدي أولا شرع ... والشمس رأد الضحى كالشمس في الطّفل
فيم الاقامة بالزوراء لا سكني ... فيها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ناء عن الأهل صفر الكفّ منفرد ... كالسيف عرّي متناه عن الخلل
стр. 1111
فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي
طال اغترابي حتى حنّ راحلتي ... ورحلها وقرى العسّالة الذّبل
وضجّ من لغب نضوي وعجّ لما ... يلقى ركابي ولجّ الركب في عذلي
أريد بسطة كفّ أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلا قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعني ... من الغنيمة بعد الجدّ بالقفل
وذي شطاط كصدر الرمح معتقل ... لمثله غير هيّاب ولا وكل
حلو الفكاهة مرّ الجدّ قد مزجت ... بشدّة البأس منه رقة الغزل
طردت سرح الكرى عن ورد مقتله ... والليل أغرى سوام النوم بالمقل
والركب ميل على الأكوار من طرب ... صاح وآخر من خمر الهوى ثمل
فقلت أدعوك للجلّى لتنصرني ... وأنت تخذلني في الحادث الجلل
تنام عيني وعين النجم ساهرة ... وتستحيل وصبغ الليل لم يحل
فهل تعين على غيّ هممت به ... والغيّ يزجر أحيانا عن الفشل
إني أريد طروق الحيّ من إضم ... وقد حماه رماة من بني ثعل
يحمون بالبيض والسمر اللدان به ... سود الغدائر حمر الحلي والحلل
فسر بنا في ذمام الليل معتسفا ... فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
فالحبّ حيث العدا والأسد رابضة ... حول الكناس لها غاب من الأسل
نؤمّ ناشئة بالجزع قد سقيت ... نصالها بمياه الغنج والكحل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ... ما بالكرائم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهنّ في كبد ... حرّى ونار القرى منهم على القلل
يقتلن أنضاء حبّ لا حراك به ... وينحرون كرام الخيل والابل
يشفى لديغ العوالي في بيوتهم ... بنهلة من غدير الخمر والعسل
لعلّ إلمامة بالجزع ثانية ... يدبّ منها نسيم البرء في عللي
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعت ... برشقة من نبال الأعين النجل
стр. 1112
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني ... باللمح من خلل الاستار والكلل [١]
ولا أخلّ بغزلان تغازلني [٢] ... ولو دهتني أسود الغيل بالغيل
حبّ السلامة يثني همّ صاحبه [٣] ... عن المعالي ويغري [٤] المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا ... في الأرض أو سلما في الجوّ فاعتزل
ودع غمار العلا للمقدمين على ... ركوبها واقتنع منهنّ بالبلل
رضا الذليل بخفض العيش مسكنة ... والعزّ تحت رسيم الأينق الذلل
فادرأ بها في نحور البيد جافلة ... معارضات مثاني اللجم بالجدل
إن العلا حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدث أنّ العزّ في النقل
لو أنّ في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل
أهبت بالحظّ لو ناديت مستمعا ... والحظ عني بالجهّال في شغل
لعلّه إن بدا فضلي ونقصهم ... لعينه نام عنهم أو تنبّه لي
أعلّل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
لم أرض بالعيش والأيام مقبلة ... فكيف أرضى وقد ولّت على عجل
غالى بنفسي عرفاني بقيمتها ... فصنتها عن رخيص القدر مبتذل
وعادة النصل أن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل
ما كنت أوثر أن يمتدّ بي زمني ... حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهم ... وراء خطوي لو أمشي على مهل
هذا جزاء امرىء أقرانه درجوا ... من قبله فتمنّى فسحة الأجل
وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجر ... في حادث الدهر ما يغني عن الحيل
стр. 1113
أعدى عدّوك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعوّل في الدنيا على رجل
وحسن ظنك بالأيام معجزة ... فظنّ شرا وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
وشان صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوجّ بمعتدل
إن كان ينجع شيء في ثباتهم ... على العهود فسبق السيف للعذل
يا واردا سؤر عيش كلّه كدر ... أنفقت صفوك في أيامك الأول
فيم اقتحامك لجّ البحر تركبه ... وأنت يكفيك منه مصّة الوشل
ملك القناعة لا يخشى عليه ولا ... يحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها ... فهل سمعت بظلّ غير منتقل
ويا خبيرا على الأسرار مطلعا ... اصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
قد رشّحوك لأمر إن فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
اقنع تعزّ ولا تطمع تذلّ ولا ... تكثر تملّ ولا تغترّ بالمهل [١]
وقال يسلي معين الملك [أبا المحاسن بن] فضل الله في نكبته ويحضه على الصبر [٢] :
تصدّى وللحيّ المنيع [٣] رحيل ... غزال أحمّ المقلتين كحيل
تصدّى وأمر البين قد جدّ جدّه ... وزمّت جمال واستقلّ حمول
وفي الصدر من نار الصبابة جاحم ... وفي الخدّ من ماء الجفون مسيل
غزال له مرعى من القلب مخصب ... وظلّ صفيق الجانبين ظليل
تناصف فيه الحسن أما قوامه ... فشطب وأما خصره فنحيل
стр. 1114
قريب من الرائين يطمع قربه ... وليس إليه للمحبّ سبيل
إذا سار لحظ المرء في وجناته [١] ... تضاءل عنه الطّرف وهو كليل
ولما استقلّ الحيّ وانصدعت به ... نوى عن وداع الظاعنين عجول
تراءى لنا وجه من الخدّ نير ... وضاءت علينا نضرة وقبول [٢]
فصبرا معين الملك إن عنّ حادث ... فعاقبة الصبر الجميل جميل
ولا تيأسن من صنع ربّك إنه ... ضمين بأنّ الله سوف يديل
فإنّ الليالي إذ يزول نعيمها ... تبشّر أنّ النائبات تزول
ألم تر أن الليل بعد ظلامه ... عليه لإسفار الصباح دليل
ألم تر أن الشمس بعد كسوفها ... لها منظر يعشي العيون صقيل
وان الهلال النضو يقمر بعد ما ... بدا وهو شخت الجانبين ضئيل
ولا تحسبنّ السيف يقصر [٣] كلما ... تعاوره بعد المضاء كلول
ولا تحسبنّ الدوح يقلع كلّما ... يمر به نفح الصّبا فيميل
فقد يعطف الدهر الأبيّ عنانه ... فيشفى عليل أو يبلّ غليل
ويرتاش مقصوص الجناحين بعد ما ... تساقط ريش واستطار نسيل
ويستأنف الغصن السليب نضارة ... فيورق ما لم يعتوره ذبول
وللنجم من بعد الرجوع استقامة ... وللحظّ من بعد الذهاب قفول
وبعض الرزايا يوجب الشكر وقعها ... عليك وأحداث الزمان شكول
ولا غرو أن أخنت عليك فإنما ... يصادم بالخطب الجليل جليل
وأيّ قناة لم ترنّح كعوبها ... وأيّ حسام لم يصبه فلول
أسأت إلى الأيام حتى وترتها ... فعندك أضغان لها وذحول
стр. 1115
وصارفتها [١] فيما أرادت صروفها ... ولولاك كانت تنتحي وتصول
وما أنت إلا السيف يسكن غمده ... ليردى به يوم النزال قتيل
أما لك بالصدّيق يوسف أسوة ... فتحمل وطء الدهر وهو ثقيل
وما غضّ منك الحبس والذكر سائر ... طليق له في الخافقين زميل
فلا تذعنن للخطب آدك ثقله ... فمثلك للأمر العظيم حمول
ولا تجزعن للكبل مسّك وقعه ... فإن خلاخيل الرجال كبول
وصنع الليالي ما عدتك سهامها ... وإن أجحفت بالعالمين جميل
وإن امرءا تعدو الحوادث عرضه ... ويأسى لما يأخذنه لبخيل
وقال [٢] :
أما العلوم فقد ظفرت ببغيتي ... منها فما أحتاج أن أتعلّما
وعرفت أسرار الخليقة كلّها ... علما أنار لي البهيم المظلما
وورثت هرمس سرّ حكمته الذي ... ما زال ظنا في الغيوب مرجما
وملكت مفتاح الكنوز بحكمة ... كشفت لي السرّ الخفيّ المبهما
لولا التقية كنت أظهر معجزا ... من حكمتي تشفي القلوب من العمى
أهوى التكرّم والتظاهر بالذي ... علّمته والعقل ينهى عنهما
وأريد لا ألقى غبيا موسرا ... في العالمين ولا لبيبا معدما
والناس إما جاهل أو ظالم ... فمتى أطيق تكرّما وتكلما
وقال [٣] :
أيكية صدحت شجوا على فنن ... فأشعلت ما خبا من نار أشجاني
ناحت وما فقدت انسا [٤] ولا فجعت ... فذكرتني أو طاري وأوطاني
стр. 1116
طليقة من إسار الهمّ ناعمة ... أضحت تجدّد وجد الموثق العاني
تشبهت بي في وجد وفي طرب ... هيهات ما نحن في الحالين سيان
ما في حشاها ولا في جفنها أثر ... من نار قلبي ولا من ماء أجفاني
يا ربة البانة الغنّاء تحضنها ... خضراء تلتفّ أغصانا بأغصان
إن كان نوحك إسعادا لمغترب ... ناء عن الأهل ممنيّ بهجران
فقارضيني إذا ما اعتادني طرب ... وجدا بوجد وسلوانا بسلوان
ما أنت مني ولا يعنيك ما أخذت ... منّي الليالي ولا تدرين ما شاني
كلي إلى السّحب إسعادي فإن لها [١] ... دمعا كدمعي وإرنانا كارناني
وقال [٢] :
أقول لنضوي وهي من شجني خلو ... حنانيك قد أدميت كلمي يا نضو
تعالي أقاسمك الهموم لتعلمي ... بأنك مما تشتكي كبدي خلو
تريدين مرعى الريف والبدو أبتغي ... وما يستوي الريف العراقيّ والبدو
هناك هبوب الريح مثلك لاغب ... ومثلي ماء المزن مورده صفو
ومحجوبة لو هبّت الريح أرقلت ... إليها المهاري [٣] بالعوالي ولم يلووا
صبوت إليها وهي ممنوعة الحمى ... فحتّام أصبو نحو من لا له نحو
هوى ليس يسلي القرب عنه ولا النوى ... وشجو قديم ليس يشبهه شجو
فأسر ولا فكّ ووجد ولا أسى ... وسقم ولا برء وسكر ولا صحو
عناء معنّ وهو عندي راحة ... وسمّ زعاف طعمه في فمي حلو
ولولا الهوى ما شاقني لمع بارق ... ولا هدّني شجو ولا هزّني شدو
وقال [٤] :
خبّروها أني مرضت فقالت ... أضنى طارفا شكا أم تليدا
стр. 1117
وأشاروا بأن تعود وسادي ... فأبت وهي تشتهي أن تعودا
وأتتني في خفية وهي تشكو ... رقبة الحيّ والمزار البعيدا
ورأتني كذا فلم تتمالك ... أن أمالت عليّ عطفا وجيدا
ثم قالت لتربها وهي تبكي ... ويح هذا الشباب غضا جديدا
زورة ما شفت غليلا ولكن ... زيّدت [١] جمرة الفؤاد وقودا
وتولّت بحسرة البين [٢] تخفي ... زفرات أبين إلا صعودا
وقال [٣] :
انظر تر الجنة في وجهه ... لا ريب في ذاك ولا شكّ
أما ترى فيه الرحيق الذي ... ختامه من خاله مسك
وله [٤] :
بالله يا ريح إن مكّنت ثانية ... من صدغه فأقيمي فيه واستتري
وراقبي غفلة منه لتنتهزي ... لي فرصة وتعودي منه بالظفر
وإن قدرت على تشويش طرّته ... فشوّشيها ولا تبقي ولا تذري
ولا تمسّي عذاريه فتفتضحي ... بنفحة المسك بين الورد والصدر
وباكري عذب ورد من مقبّله ... مقابل الطعم بين الطيب والخصر
ثم اسلكي بين برديه على عجل ... واستبضعي الطيب وأتيني على قدر
ونبهيني دوين القوم وانتفضي ... عليّ والليل في شكّ من السحر
لعلّ نفحة طيب منك ثانية ... تقضي لبانة قلب عاقر الوطر
وكتب إلى بعض أصحابه وهو على مسرة [٥] :
فديتك قد تنبّهنا لدهر ... عيون صروفه عنّا نيام
стр. 1118
وجاد لنا الزمان بجمع شمل ... تألّف بعد ما انقطع النظام
مدام تشبه التفاح ذوبا ... وتفاح كما جمد المدام
ومن نسج الربيع محبّرات ... تأنّق في حواشيها الغمام
وريّان الصّبا للحسن فيه ... بدائع لا يحيط بها الكلام
لنا من مسك [١] صدغيه نجاد ... ومن ألحاظ مقلته [٢] حسام
ومجلسنا على ما فيه يومي [٣] ... بنقصان وأنت له تمام
فلا تعتلّ بالأشغال واحضر ... على عجل وإلّا والسلام
- ٣٨٦-
الحسين بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار ،
الأمير أبو الفتح المعروف بابن أبي حصينة المعري الأديب الشاعر: توفي بسروج في منتصف شعبان سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وكان سبب تقدمه ونواله الامارة أن الامير تاج الدولة ابن مرداس أوفده إلى حضرة المستنصر العبيديّ رسولا سنة سبع وثلاثين وأربعمائة فمدح المستنصر بقصيدة قال فيها [٤] :
ظهر الهدى وتجمّل الاسلام ... وابن الرسول خليفة وإمام
مستنصر بالله ليس يفوته ... طلب ولا يعتاص عنه مرام
стр. 1119
حاط العباد وبات يسهر عينه ... وعيون سكّان البلاد نيام
قصر الإمام أبي تميم كعبة ... ويمينه ركن لها ومقام
لولا بنو الزهراء ما عرف التقى ... فينا ولا تبع الهدى الأقوام
يا آل أحمد ثبّتت أقدامكم ... وتزلزلت بعداكم الأقدام
لستم وغيركم سواء، أنتم ... للدين أرواح، وهم أجسام
يا آل طه حبكم وولاؤكم ... فرض وإن عذل اللحاة ولاموا
وهي طويلة.
ثم مدحه سنة خمسين وأربعمائة فوعده بالإمارة وأنجز له وعده سنة إحدى وخمسين فتسلم سجلّ الإمارة من بين يدي الخليفة في ربيع الآخر من السنة، فمدحه بقصيدة منها [١] :
أما الامام فقد وفى بمقاله ... صلّى الإله على الامام وآله
لذنا بجانبه فعمّ بفضله ... وببذله وبصفوه وجماله
لا خلق أكرم من معدّ شيمة ... محمودة في قوله وفعاله
فاقصد أمير المؤمنين فما ترى ... بؤسا وأنت مظلّل بظلاله
زاد الامام على البحور بفضله ... وعلى البدور بحسنه وجماله
وعلا سرير الملك من آل الهدى ... من لا تمرّ الفاحشات بباله
النصر والتأييد في أعلامه ... ومكارم الأخلاق في سرباله
مستنصر بالله ضاق زمانه ... عن شبهه ونظيره ومثاله
وكان الذي سعى في تأميره وكتب له سجلّ الامارة أبو علي صدقة بن إسماعيل بن فهد الكاتب، فمدحه الأمير أبو الفتح بقصيدة منها:
قد كان صبري عيل في طلب العلا ... حتى استندت إلى ابن إسماعيلا
فظفرت بالخطر الجليل ولم يزل ... يحوي الجليل من استعان جليلا
стр. 1120
لولا الوزير أبو عليّ لم أجد ... أبدا الى الشرف العليّ سبيلا
إن كان ريب الدهر قبّح ما مضى ... عندي فقد صار القبيح جميلا
وأجلّ ما جعل الرجال صلاتهم ... للراغبين العزّ والتبجيلا
اليوم أدركت الذي أنا طالب ... والأمس كان طلابه تعليلا
وقال يمدح أسد الدولة عطية بن صالح بن مرداس [١] :
سرى طيف هند والمطيّ بنا تسري ... فأخفى دجى ليل وأبدى سنا فجر
حليليّ فكاني من الهمّ واركبا ... فجاج البوادي الغبر في النّوب الغمر
إلى ملك من عامر لو تمثّلت ... مناقبه أغنت عن الأنجم الزهر
إذا نحن أثنينا عليه تلفتت ... إلينا المطايا مصغيات الى الشكر
وفوق سرير الملك من آل صالح ... فتى ولدته أمّه ليلة القدر
فتى وجهه أبهى من البدر منظرا ... وأخلاقه أشهى من الماء والخمر
أبا صالح أشكو إليك نوائبا ... عرتني كما يشكو النبات إلى القطر
لتنظر نحوي نظرة إن نظرتها ... إلى الصخر فجرت العيون من الصخر
وفي الدار خلفي صبية قد تركتهم ... يطلّون إطلال الفراخ من الوكر
جنيت على روحي بروحي جناية ... فأثقلت ظهري بالذي خفّ من ظهري
فهب هبة يبقى عليك ثناؤها ... بقاء النجوم الطالعات التي تسري
قال الأمير أسامة بن منقذ: فلما فرغ من إنشاده أحضر الأمير أسد الدولة القاضي والشهود، وأشهد على نفسه بتمليك الأمير أبي الفتح ابن أبي حصينة ضيعة من ضياعه لها ارتفاع كبير، وأجازه فأحسن جائزته فأثرى وتمول.
ولما ملك محمود بن نصر بن صالح بن مرداس [٢] حلب سنة اثنتين وخمسين
стр. 1121
وأربعمائة مدحه بقصيدة منها:
كفّي ملامك فالتبريح يكفيني ... أو جرّبي بعض ما ألقى ولوميني
برمل يبرين أصبحتم فهل علمت ... رمال يبرين أن الشوق يبريني
أهوى الحسان وخوف الله يردعني ... عن الهوى والعيون النجل تغويني
ما بال أسماء تلويني مواعدها ... أكلّ ذات جمال ذات تلوين
كان الشباب إلى هند يقربني ... وشاب رأسي فصار اليوم يقصيني
يا هند إن سواد الرأس يصلح لل ... دنيا وإن بياض الرأس للدين
لست امرءا غيبة الأحرار من شيمي ... ولا النميمة من طبعي ولا ديني
دعني وحيدا أعاني العيش منفردا ... فبعض معرفتي بالناس تكفيني
ما ضرّني ودفاع الله يعصمني ... من بات يهدمني والله يبنيني
وما أبالي وصرف الدهر يسخطني ... وسيب نعماك يا ابن الصّيد يرضيني
أبا سلامة عش واسلم حليف علا ... وسؤدد بشعاع الشمس مقرون
أشنا عداكم وأهوى أن أدين لكم ... فللعدى دينهم فيكم ولي ديني
فلما أتم إنشادها قال له: تمنّ، قال: أتمنى أن أكون أميرا، فجعله أميرا يجلس مع الأمير ويخاطب بالأمير وقرّبه، وقد تقدم أن الإمارة وجهت إليه سنة إحدى وخمسين من ديوان المستنصر بمصر، ولا منافاة بين الروايتين إذ يكون توجيه الإمارة إليه من الأمير محمود بن نصر تاليا لتوجيهها إليه من جانب المستنصر ومؤكدا مؤيدا له.
ووهبه صاحب حلب محمود أيضا مكانا بحلب تجاه حمام الواساني فجعله دارا وزخرفها، فلما تمّ بناؤها نقش على دائرة الدرابزين فيها [١] :
стр. 1122
دار بنيناها وعشنا بها ... في دعة من آل مرداس
قوم محوا بؤسي ولم يتركوا ... عليّ في الأيام من باس
قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليحسن الناس إلى الناس
ولما تكامل البناء عمل دعوة حضرها الأمير محمود بن نصر فلما رأى حسن الدار وقرأ الأبيات المتقدمة قال: يا أبا الفتح كم صرفت على بناء الدار؟ قال: يا مولانا هذا الرجل تولّى عمارتها ولا أدري كم صرف عليها فسأل المعمار [فقال] : غرم عليها ألفي دينار مصرية فأمر باحضار ألفي دينار وثوب أطلس وعمامة مذهبة وحصان بطوق ذهب وسرفسار ذهب فسلمها إلى ابن أبي حصينة وقال له:
قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليحسن الناس الى الناس
وحضر بعد أيام رجل من أهل المعرة يقال له الزقوم من رعاع الناس وأسافلهم فطلب رزق جنديّ فأعطي ذلك وجعل من أجناد المعرة فقال أحمد بن محمد المعروف بابن الدويدة المعري في ذلك [١] :
أهل المعرة تحت أقبح خطة ... وبهم أناخ الخطب وهو جسيم
لم يكفهم تأمير إبن حصينة ... حتى تجنّد بعده الزقوم
يا قوم قد سئمت لذاك نفوسنا ... يا قوم أين الترك أين الروم
فشاعت الأبيات وسمعها الأمير أبو الفتح، فذهب إلى بيت ابن الدويدة فلما دخل عليه قال له ابن الدويدة: الآن والله كان عندي الزقوم وقال لي: والله ما بي من الهجو ما بي من أنك قرنتني بابن أبي حصينة، فقال له ابن أبي حصينة: قبحك الله وهذا هجو ثان.
وقال يمدح قريش بن بدران بن المقلد بن المسيب صاحب نصيبين [٢] :
стр. 1123
أبت عبراته إلّا انهمالا ... عشية أزمع الحيّ ارتحالا
أجدّك كلّما همّوا بنأي ... ترقرق ماء عينك ثم سالا
تقاضينا مواعد أم عمرو ... فضنّت أن تنيل وأن تنالا
وسار خيالها الساري إلينا ... فلو علمت لعاقبت الخيالا
ومنها:
إذا بلغت ركائبنا قريشا ... فقد بلغت بنا الماء الزلالا
فتى لو مدّ نحو الجوّ باعا ... وهمّ بأن ينال الشهب نالا
إذا انتسب ابن بدران وجدنا ... مناسبه العليّة لا تعالى
تتيه بها إذا ذكرت معدّ ... وتكسب كلّ قيسيّ جمالا
أيا علم الهدى نجوى محبّ ... يحبكم اعتقادا لا انتحالا
مننت فلم تجشّمني عناء ... وجدت فلم تكلّفني سؤالا
إذا عدم الزمان مسيّبيا ... أتاح الله للدنيا وبالا
وهي طويلة اكتفينا منها بما ذكرناه.
وقال يرثي زعيم الدولة أبا كامل بركة بن المقلّد بن المسيّب [١] ، وتوفي بتكريت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة:
من عظيم البلاء موت العظيم ... ليتني متّ قبل موت الزعيم
يا جفوني سحّي دما أو فحمّي ... صحن خدّي بعبرة كالحميم
بعد خرق من الملوك كريم ... ما زمان أودى به بكريم
جعفريّ النصاب من صفوة الصف ... وة في الفخر والصميم الصميم
يا أبا كامل برغمي أن يش ... قيك سكنى التراب بعد النعيم
أو تبيت القصور خالية من ... ك ومن وجهك الوضيء الوسيم
وانقراض الكرام من شيم الده ... ر ومن عادة الزمان اللئيم
стр. 1124
قد بكت حسرة عليه المذاكي ... وشكت فقده بنات الرسيم
وهي قصيدة طويلة.
وقال يرثي أبا العلاء المعرّي:
العلم بعد أبي العلاء مضيّع ... والأرض خالية الجوانب بلقع
أودى وقد ملأ البلاد غرائبا ... تسري كما تسري النجوم الظلّع
ما كنت أعلم وهو يودع في الثرى ... أن الثرى فيه الكواكب تودع
جبل ظننت وقد تزعزع ركنه ... أنّ الجبال الراسيات تزعزع
وعجبت أن تسع المعرّة قبره ... ويضيق بطن الأرض عنه الأوسع
لو فاضت المهجات يوم وفاته ... ما استكثرت فيه فكيف الأدمع
تتصرّم الدنيا ويأتي بعده ... أمم وأنت بمثله لا تسمع
لا تجمع المال العتيد وجد به ... من قبل تركك كلّ شيء تجمع
وإن استطعت فسر بسيرة أحمد ... تأمن خديعة من يضرّ ويخدع
رفض الحياة ومات قبل مماته ... متطوّعا بأبرّ ما يتطوّع
عين تسهّد للعفاف وللتقى ... أبدا وقلب للمهيمن يخشع
شيم تجمّله فهنّ لمجده ... تاج ولكن بالثناء يرصع
جادت ثراك أبا العلاء غمامة ... كندى يديك ومزنة لا تقلع
ما ضيّع الباكي عليك دموعه ... إن البكاء على سواك مضيّع
قصدتك طلّاب العلوم ولا أرى ... للعلم بابا بعد بابك يقرع
مات النّهى وتعطلت أسبابه ... وقضى العلا والعلم بعدك أجمع
وقال يرثي أبا يعلى حمزة بن الحسين بن العباس الحسيني الدمشقي وكان يوم وفاته بدمشق [١] :
стр. 1125
هوى الشرف العالي بموت أبي يعلى ... ولا غرو أن جلّت رزية من جلّا
سيصلى بنار الحزن من كان آمنا ... به أنّه في الحشر بالنّار لا يصلى
تحلّت به الدنيا فحلّ به الردى ... فعطّلها من ذلك الحلي من حلّى
فقدناه فقد الغيث أقلع وبله ... عن الأرض لما أنفدت ذلك الوبلا
لقد فلّ منه الدهر حدّ مهنّد ... تركنا به في كلّ حدّ له نصلا
فلست أبالي بعده أيّ عابر ... من الناس أملى الله مدته أم لا
تقلّ دموعي والهموم كثيرة ... كذاك دخان النار ان كثرت قلّا
وآنف أن أبكي عليك بعبرة ... إذا لم يكن غربا من الدمع أو سجلا
وقال يرثي معتمد الدولة قرواش بن المقلّد بن المسيّب العقيلي صاحب الموصل، توفي مسجونا بقلعة الجراحية، وقيل قتله ابن أخيه قريش في مستهل رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة ودفن بتلّ توبة من مدينة نينوى:
أمثل قرواش يذوق الرّدى ... يا صاح ما أوقح وجه الحمام
حاشا لذاك الوجه أن يعرف ال ... بؤس وأن يحثى عليه الرّغام
وللجبين الصلّت أن يسلب ال ... بهجة أو يعدم حسن الوسام
يا أسف الناس على ماجد ... مات فقال الناس مات الكرام
غير بعيد يا بعيد الندى ... ولا ذميم يا وفيّ الذمام
زلت فلا القصر بهيّ ولا ... بابك معمور كثير الزحام
ولا الخيام البيض منصوبة ... بوركت يا ناصب تلك الخيام
قبحا لدنيا حطّمت أهلها ... وأخذتهم باكتساب الحطام
تأخذ ما تعطي فما بالنا ... نكثر فيما لا يدوم الخصام
يا قبر قرواش سقيت الحيا ... ولا تعدّتك غوادي الغمام
قضى ولم أقض على إثره ... إني لمن ترك الوفا ذو احتشام
أنظم شعرا والجوى شاغلي ... يا عجبا كيف استقام الكلام