← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وأربعمائة مدحه بقصيدة منها: كفّي ملامك فالتبريح يكفيني ... أو جرّبي بعض ما ألقى ولوميني برمل يبرين أصبحتم فهل علمت ... رمال يبرين أن الشوق يبريني أهوى الحسان وخوف الله يردعني ... عن الهوى والعيون النجل تغويني ما بال أسماء تلويني مواعدها ... أكلّ ذات جمال ذات تلوين كان الشباب إلى هند يقربني ... وشاب رأسي فصار اليوم يقصيني يا هند إن سواد الرأس يصلح لل ... دنيا وإن بياض الرأس للدين لست امرءا غيبة الأحرار من شيمي ... ولا النميمة من طبعي ولا ديني دعني وحيدا أعاني العيش منفردا ... فبعض معرفتي بالناس تكفيني ما ضرّني ودفاع الله يعصمني ... من بات يهدمني والله يبنيني وما أبالي وصرف الدهر يسخطني ... وسيب نعماك يا ابن الصّيد يرضيني أبا سلامة عش واسلم حليف علا ... وسؤدد بشعاع الشمس مقرون أشنا عداكم وأهوى أن أدين لكم ... فللعدى دينهم فيكم ولي ديني فلما أتم إنشادها قال له: تمنّ، قال: أتمنى أن أكون أميرا، فجعله أميرا يجلس مع الأمير ويخاطب بالأمير وقرّبه، وقد تقدم أن الإمارة وجهت إليه سنة إحدى وخمسين من ديوان المستنصر بمصر، ولا منافاة بين الروايتين إذ يكون توجيه الإمارة إليه من الأمير محمود بن نصر تاليا لتوجيهها إليه من جانب المستنصر ومؤكدا مؤيدا له. ووهبه صاحب حلب محمود أيضا مكانا بحلب تجاه حمام الواساني فجعله دارا وزخرفها، فلما تمّ بناؤها نقش على دائرة الدرابزين فيها [١] :

стр. 1122

دار بنيناها وعشنا بها ... في دعة من آل مرداس قوم محوا بؤسي ولم يتركوا ... عليّ في الأيام من باس قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليحسن الناس إلى الناس ولما تكامل البناء عمل دعوة حضرها الأمير محمود بن نصر فلما رأى حسن الدار وقرأ الأبيات المتقدمة قال: يا أبا الفتح كم صرفت على بناء الدار؟ قال: يا مولانا هذا الرجل تولّى عمارتها ولا أدري كم صرف عليها فسأل المعمار [فقال] : غرم عليها ألفي دينار مصرية فأمر باحضار ألفي دينار وثوب أطلس وعمامة مذهبة وحصان بطوق ذهب وسرفسار ذهب فسلمها إلى ابن أبي حصينة وقال له: قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليحسن الناس الى الناس وحضر بعد أيام رجل من أهل المعرة يقال له الزقوم من رعاع الناس وأسافلهم فطلب رزق جنديّ فأعطي ذلك وجعل من أجناد المعرة فقال أحمد بن محمد المعروف بابن الدويدة المعري في ذلك [١] : أهل المعرة تحت أقبح خطة ... وبهم أناخ الخطب وهو جسيم لم يكفهم تأمير إبن حصينة ... حتى تجنّد بعده الزقوم يا قوم قد سئمت لذاك نفوسنا ... يا قوم أين الترك أين الروم فشاعت الأبيات وسمعها الأمير أبو الفتح، فذهب إلى بيت ابن الدويدة فلما دخل عليه قال له ابن الدويدة: الآن والله كان عندي الزقوم وقال لي: والله ما بي من الهجو ما بي من أنك قرنتني بابن أبي حصينة، فقال له ابن أبي حصينة: قبحك الله وهذا هجو ثان. وقال يمدح قريش بن بدران بن المقلد بن المسيب صاحب نصيبين [٢] :

стр. 1123

أبت عبراته إلّا انهمالا ... عشية أزمع الحيّ ارتحالا أجدّك كلّما همّوا بنأي ... ترقرق ماء عينك ثم سالا تقاضينا مواعد أم عمرو ... فضنّت أن تنيل وأن تنالا وسار خيالها الساري إلينا ... فلو علمت لعاقبت الخيالا ومنها: إذا بلغت ركائبنا قريشا ... فقد بلغت بنا الماء الزلالا فتى لو مدّ نحو الجوّ باعا ... وهمّ بأن ينال الشهب نالا إذا انتسب ابن بدران وجدنا ... مناسبه العليّة لا تعالى تتيه بها إذا ذكرت معدّ ... وتكسب كلّ قيسيّ جمالا أيا علم الهدى نجوى محبّ ... يحبكم اعتقادا لا انتحالا مننت فلم تجشّمني عناء ... وجدت فلم تكلّفني سؤالا إذا عدم الزمان مسيّبيا ... أتاح الله للدنيا وبالا وهي طويلة اكتفينا منها بما ذكرناه. وقال يرثي زعيم الدولة أبا كامل بركة بن المقلّد بن المسيّب [١] ، وتوفي بتكريت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة: من عظيم البلاء موت العظيم ... ليتني متّ قبل موت الزعيم يا جفوني سحّي دما أو فحمّي ... صحن خدّي بعبرة كالحميم بعد خرق من الملوك كريم ... ما زمان أودى به بكريم جعفريّ النصاب من صفوة الصف ... وة في الفخر والصميم الصميم يا أبا كامل برغمي أن يش ... قيك سكنى التراب بعد النعيم أو تبيت القصور خالية من ... ك ومن وجهك الوضيء الوسيم وانقراض الكرام من شيم الده ... ر ومن عادة الزمان اللئيم

стр. 1124

قد بكت حسرة عليه المذاكي ... وشكت فقده بنات الرسيم وهي قصيدة طويلة. وقال يرثي أبا العلاء المعرّي: العلم بعد أبي العلاء مضيّع ... والأرض خالية الجوانب بلقع أودى وقد ملأ البلاد غرائبا ... تسري كما تسري النجوم الظلّع ما كنت أعلم وهو يودع في الثرى ... أن الثرى فيه الكواكب تودع جبل ظننت وقد تزعزع ركنه ... أنّ الجبال الراسيات تزعزع وعجبت أن تسع المعرّة قبره ... ويضيق بطن الأرض عنه الأوسع لو فاضت المهجات يوم وفاته ... ما استكثرت فيه فكيف الأدمع تتصرّم الدنيا ويأتي بعده ... أمم وأنت بمثله لا تسمع لا تجمع المال العتيد وجد به ... من قبل تركك كلّ شيء تجمع وإن استطعت فسر بسيرة أحمد ... تأمن خديعة من يضرّ ويخدع رفض الحياة ومات قبل مماته ... متطوّعا بأبرّ ما يتطوّع عين تسهّد للعفاف وللتقى ... أبدا وقلب للمهيمن يخشع شيم تجمّله فهنّ لمجده ... تاج ولكن بالثناء يرصع جادت ثراك أبا العلاء غمامة ... كندى يديك ومزنة لا تقلع ما ضيّع الباكي عليك دموعه ... إن البكاء على سواك مضيّع قصدتك طلّاب العلوم ولا أرى ... للعلم بابا بعد بابك يقرع مات النّهى وتعطلت أسبابه ... وقضى العلا والعلم بعدك أجمع وقال يرثي أبا يعلى حمزة بن الحسين بن العباس الحسيني الدمشقي وكان يوم وفاته بدمشق [١] :

стр. 1125

هوى الشرف العالي بموت أبي يعلى ... ولا غرو أن جلّت رزية من جلّا سيصلى بنار الحزن من كان آمنا ... به أنّه في الحشر بالنّار لا يصلى تحلّت به الدنيا فحلّ به الردى ... فعطّلها من ذلك الحلي من حلّى فقدناه فقد الغيث أقلع وبله ... عن الأرض لما أنفدت ذلك الوبلا لقد فلّ منه الدهر حدّ مهنّد ... تركنا به في كلّ حدّ له نصلا فلست أبالي بعده أيّ عابر ... من الناس أملى الله مدته أم لا تقلّ دموعي والهموم كثيرة ... كذاك دخان النار ان كثرت قلّا وآنف أن أبكي عليك بعبرة ... إذا لم يكن غربا من الدمع أو سجلا وقال يرثي معتمد الدولة قرواش بن المقلّد بن المسيّب العقيلي صاحب الموصل، توفي مسجونا بقلعة الجراحية، وقيل قتله ابن أخيه قريش في مستهل رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة ودفن بتلّ توبة من مدينة نينوى: أمثل قرواش يذوق الرّدى ... يا صاح ما أوقح وجه الحمام حاشا لذاك الوجه أن يعرف ال ... بؤس وأن يحثى عليه الرّغام وللجبين الصلّت أن يسلب ال ... بهجة أو يعدم حسن الوسام يا أسف الناس على ماجد ... مات فقال الناس مات الكرام غير بعيد يا بعيد الندى ... ولا ذميم يا وفيّ الذمام زلت فلا القصر بهيّ ولا ... بابك معمور كثير الزحام ولا الخيام البيض منصوبة ... بوركت يا ناصب تلك الخيام قبحا لدنيا حطّمت أهلها ... وأخذتهم باكتساب الحطام تأخذ ما تعطي فما بالنا ... نكثر فيما لا يدوم الخصام يا قبر قرواش سقيت الحيا ... ولا تعدّتك غوادي الغمام قضى ولم أقض على إثره ... إني لمن ترك الوفا ذو احتشام أنظم شعرا والجوى شاغلي ... يا عجبا كيف استقام الكلام

стр. 1126

ولما وصل أرمانوس [١] ملك الروم إلى حلب سنة إحدى وعشرين واربعمائة ومعه ملك الروس وملك البلغار والألمان والبلجيك والخزر والأرمن في ستمائة الف من الفرنج قاتلهم شبل الدولة نصر بن صالح صاحب حلب، فهزمهم وتبعهم إلى عزاز وأسر جماعة من أولاد ملوكهم، وغنم المسلمون منهم غنائم عظيمة، فقال ابن أبي حصينة في ذلك، وأنشدها شبل الدولة بظاهر قنسرين: ديار الحقّ مقفرة يباب ... كأن رسوم دمنتها كتاب نأت عنها الرباب وبات يهمي ... عليها بعد ساكنها الرّباب تعاتبني أمامة في التصابي ... وكيف به وقد فات الشباب نضا مني الصبا ونضوت منه ... كما ينضو من الكفّ الخضاب ومنها: إلى نصر وأيّ فتى كنصر ... إذا حلّت بمغناه الركاب أمنتهك الفرنج غداة ظلّت ... حطاما فيهم السّمر الصّلاب جنودك لا يحيط بهنّ وصف ... وجودك لا يحصّله حساب وذكرك كلّه ذكر جميل ... وفعلك كلّه فعل عجاب وأرمانوس كان أشدّ بأسا ... وحلّ به على يدك العذاب أتاك يجرّ بحرا من حديد ... له في كلّ ناحية عباب إذا سارت كتائبه بأرض ... تزلزلت الأباطح والهضاب فعاد وقد سلبت الملك عنه ... كما سلبت عن الميت الثياب فما أدناه من خير مجيء ... ولا أقصاه عن شرّ ذهاب فلا تسمع بطنطنة الأعادي ... فانهم إذا طنّوا ذباب ولا ترفع لمن عاداك رأسا ... فإن الليث تنبحه الكلاب

стр. 1127

وقال: أشدّ من فاقة الزمان ... مقام حرّ على هوان فاسترزق الله واستعنه ... فإنه خير مستعان وان نبا منزل بحرّ ... فمن مكان إلى مكان وقال: بكت عليّ غداة البين حين رأت ... دمعي يفيض وحالي حال مبهوت فدمعتي ذوب ياقوت على ذهب ... ودمعها ذوب درّ فوق ياقوت وقال: لا تخدعنّك بعد طول تجارب ... دنيا تغرّ بوصلها وستقطع «أحلام نوم أو كظلّ زائل ... إنّ اللبيب بمثلها لا يخدع» [١] وقال يمدح ثابت بن ثمال بن صالح بن مرداس [٢] : لو أنّ دارا أخبرت عن ناسها ... لسألت رامة عن ظباء كناسها بل كيف تخبر دمنة ما عندها ... علم بوحشتها ولا إيناسها ممحوة العرصات يشغلها البلى ... عن ساحبات المرط فوق دهاسها ومنها: وزمان لهو بالمعرة مونق ... بسياثها وبجانبي هرماسها [٣] أيام قلت لذي المودّة أسقني ... من خندريس حناكها أو حاسها [٤] حمراء تغنينا بساطع لونها ... في الليلة الظلماء عن نبراسها وكأنما حبب المزاج إذا طفا ... درّ ترصّع في جوانب طاسها رقّت فما أدري أكأس زجاجها ... في جسمها أم جسمها في كاسها

стр. 1128

وكأنما زرجونة جاءت بها ... سقيت مذاب التبر عند غراسها فأتت مشعشعة كجذوة قابس ... راعت أكفّ القوم عند مساسها لله أيام الصّبا ونعيمها ... وزمان جدّتها ولين مراسها ما لي تعيب البيض بيض مفارقي ... وسبيلها تصبو إلى أجناسها نور الصباح إذا الدجنة أظلمت ... أبهى وأحسن من دجى أغلاسها إن الهوى دنس النفوس فليتني ... طهّرت هذي النفس من أدناسها ومطامع الدنيا تذلّ ولا أرى ... شيئا أعزّ لمهجة من ياسها من عفّ لم يذمم ومن تبع الخنا ... لم تخله التبعات من أوكاسها زيّن خصالك بالسماح ولا ترد ... دنيا تراك وأنت بعض خساسها ومتى رأيت يد امرىء ممدودة ... تبغي مواساة الكريم فواسها خير الأكفّ السابقات بجودها ... كفّ تجود عليك في إفلاسها ومنها في المدح: أما نزار فكلّها لكريمة ... لكنّ أكرمها بنو مرداسها وقال: إذا المرء لم يرض ما أمكنه ... ولم يأت من أمره أحسنه فدعه فقد ساء تدبيره ... سيضحك يوما ويبكي سنه وقال: الدهر خدّاعة خلوب ... وصفوه بالقذى مشوب فلا تغرنّك الليالي ... فبرقها خلّب كذوب وأكثر الناس فاعتزلهم ... قوالب ما لها قلوب

стр. 1129

- ٣٨٧- الحسين بن عبد الرحيم بن الوليد بن عثمان بن جعفر أبو عبد الله الكلابي المعروف بابن أبي الزلازل، من بني جعفر بن كلاب، اللغويّ الأديب الكاتب الشاعر: أخذ عن أبي القاسم الزجاجي وأبي بكر محمد بن جعفر الخرائطي وأبي يعقوب النجيرمي وغيرهم. توفي في رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وله مصنفات منها، كتاب أنواع الأسجاع وهو ما جاء من أخبار العرب مسجوعا، ابتدأ بتأليفه في دمشق سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة روى فيه عن شيوخه وغيرهم، وهو كتاب ممتع أجاد وضعه وتأليفه. ومن شعر ابن أبي الزلازل: لقد عرّفتك الحادثات بفرسها [١] ... وقد أدّبت ان كان ينفعك الأدب ولو طلب الأنسان من صرف دهره ... دوام الذي يخشى لأعياه ما طلب وقال [٢] : فتى لرغيفه قرط وشنف ... وإكليلان من خرز وشذر إذا كسر الرغيف بكى عليه ... بكا الخنساء إذ فجعت بصخر وقال مهنئا بعض الأمراء بالعيد [٣] : عيد يمن مؤكد بأمان ... من تصاريف طارق الحدثان جعل الله عيد عامك هذا ... خير عيد يحويه خير زمان [٤] ثم لا زلت من زمانك في يس ... ر ومن طيب عيشه في أمان [٥]

стр. 1130

آخذا ذمة من الدهر لا تخ ... فر معقودة بأوفى ضمان نافذ الأمر عالي القدر محمو ... د المساعي مؤيد السلطان وقال: ثمانية قام الوجود بها فهل ... ترى من محيص للورى عن ثمانيه سرور وحزن واجتماع وفرقة ... وعسر ويسر ثم سقم وعافيه بهنّ انقضت أعمار أولاد آدم ... فهل من رأى أحوالهم متساويه - ٣٨٨- الحسين بن عبد السلام أبو عبد الله المصري المعروف بالجمل الشاعر المشهور: كان شاعرا مفلقا مدح الخلفاء والأمراء. توفي في ربيع الآخر سنة ثماني وخمسين ومائتين، قدم دمشق وافدا على أحمد بن المدبر، وكان أحمد يقصده الشعراء، فمن مدحه بشعر جيّد أجزل صلته، ومن مدحه بشعر رديء وجّه به مع خادم له إلى الجامع فلا يفارقه حتى يصلّي مائة ركعة ثم يصرفه، فدخل عليه الجمل وأنشده [١] : أردنا في أبي حسن مديحا ... كما بالمدح تنتجع الولاة فقالوا أكرم الثقلين طرّا ... ومن جدواه دجلة والفرات وقالوا يقبل الشعراء لكن ... أجلّ صلات مادحه الصلاة فقلت لهم وما يغني عيالي ... صلاتي إنما الشأن الزكاة فيأمر لي بكسر الصاد منها ... فتصبح لي الصّلاة هي الصلات

стр. 1131

وروى الجمل عن بشر بن بكر عن الأوزاعي أنه قال: كان قوم كسالى ينامون تحت شجرة كمثرى، [ويقولون] إن سقط في أفواهنا شيء اكلنا وإلا فلا، فسقطت كمثراة إلى جانب أحدهم، فقال له الذي يليه: ضعها في فمي، قال: لو استطعت أن أضعها في فمك وضعتها في فمي. قال ابن يونس في «تاريخ مصر» : كان الجمل شرها في الطعام دنيء النفس وسخ الثوب هجاء، ولد قبل سنة سبعين ومائة وعلت سنه، ومدح المأمون بمصر لما ورد إليها لجوب البيمارستان، ومدح الأمراء مثل عبد الله بن طاهر وغيرهم، وتوفي في ربيع الآخر سنة ثماني وخمسين ومائتين. ومن شعر الجمل أيضا: إذا أظمأتك أكفّ اللئام ... كفتك القناعة شبعا وريّا فكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همّته في الثريا أبيا لنائل ذي ثروة ... تراه بما في يديه أبيا فإنّ إراقة ماء الحياة ... دون إراقة ماء المحيا - ٣٨٩- الحسين بن عقيل بن محمد بن عبد المنعم بن هاشم البزار الواسطي القرشي: كان أديبا شاعرا وله عناية بالحديث، روى عنه الخطيب البغدادي والحافظ أبو القاسم ابن عساكر؛ توفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، ومن شعره: لقد كمّل الرحمن شخصك في الورى ... فلا شان شيئا من كمالك بالنقص ومن جمع الآفاق في العين قادر ... على جمع أشتات الفضائل في شخص وقال [١] : ولما حدا البين المشتّ بشملنا ... ولم يبق إلا أن تثار الأيانق

стр. 1132

ولم نستطع عند الوداع تصبّرا ... وقد غالنا دمع عن الوجد ناطق وقفنا لتوديع فكادت نفوسنا ... لأجسادنا قبل الوداع تفارق فباك لما يلقاه من فقد إلفه ... وشاك له قلب به الوجد عالق وقال: أقلي النهار إذا اضاء صباحه ... وأظلّ أنتظر الظلام الدامسا فالصبح يشمت بي فيقبل ضاحكا ... والليل يرثي لي فيدبر عابسا وقال: على لام العذار رأيت خالا ... كنقطة عنبر بالمسك أفرط فقلت لصاحبي هذا عجيب ... متى قالوا بأنّ اللام تنقط - ٣٩٠- الحسين بن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن بكر بن شبيب الطيبي النديم: نديم المستنجد بالله، ولد سنة خمسمائة وتوفي سنة ثمانين وخمسمائة. كان أديبا كاتبا شاعرا له اليد الطولى في حلّ الألغاز العويصة، فتفاوض أبو منصور محمد بن سليمان بن قتلمش وأبو غالب ابن الحصين في سرعة خاطر ابن شبيب وتقدمه في حلّ الألغاز فعمل ابن قتلمش أبياتا على صورة الالغاز ولم يلغز فيها بشيء أرسلاها إلى ابن شبيب يمتحنانه بها وهي: وما شيء له في الرأس رجل ... وموضع وجهه منه قفاه إذا غمّضت عينك أبصرته ... وان فتّحت عينك لا تراه

стр. 1133

ونظم أيضا: وجار وهو تيار ... ضعيف العقل خوّار بلا لحم ولا ريش ... وهو في الرمز طيار بطبع بارد جدا ... ولكن كلّه نار فكتب ابن شبيب على الأول: هو طيف الخيال، وكتب على الثاني: هو الزئبق، فجاء أبو غالب وأبو منصور إليه وقالا: هب اللغز الأول طيف الخيال، والبيت الثاني يساعدك على ما قلت، فكيف تعمل بالبيت الأول؟ فقال: لأنّ المنام يفسّر بالعكس، لأنّ من بكى يفسر بكاؤه بالضحك والسرور، ومن مات يفسّر موته بطول العمر. وأما اللغز الثاني فإن أصحاب صناعة الكيمياء يرمزون للزئبق بالطيّار والفرّار والآبق وما أشبه ذلك، لأنه تناسب صفته، وأما برده فظاهر، ولإفراط برده ثقل جسمه وجرمه، وكله نار لسرعة حركته وتشكله في افتراقه والتئامه، وعلى كلّ حال ففي ذلك تسامح يجوز في مثل هذه الصور الباطلة إذا طبقت على الحقيقة. ودخل [١] ابن شبيب يوما على الخليفة المستنجد بالله فقال الخليفة: أين شتيت؟ فقال: عندك يا أمير المؤمنين، فأعجبه هذا التصحيف منه. ومن شعر ابن شبيب في المستنجد [٢] : أنت الإمام الذي يحكي بسيرته ... من ناب بعد رسول الله أو خلفا أصبحت لبّ بني العباس كلهم ... إن عدّدت بحروف الجمّل الخلفا فإن جمّل حروف (لب) اثنان وثلاثون، والمستنجد هو الثاني والثلاثون من الخلفاء. ومن شعره أيضا: ومحترس من نفسه خوف زلّة ... تكون عليه حجة هي ماهيا يصون عن الفحشاء نفسا كريمة ... أبت شرفا إلا العلا والمعاليا

стр. 1134

صبور على ريب الزمان وصرفه ... كتوم لأسرار الفؤاد مداريا له همة تعلو على كلّ همة ... كما قد علا البدر النجوم الدراريا وقال: أغصان ورد زيّنت درر الندى ... أجيادها بمخانق وعقود فتوهجت كمسارج وتأرجت ... كنوافج وتدبجت كبرود وتبلّجت ككواكب وتبرّجت ... ككواعب وتضرّجت كخدود وقال: تبوح بسرك ضيقا به ... وتبغي لسرّك من يكتم وكتمانك السرّ ممن تخاف ... ومن لا تخاف هو الأحزم وإن ذاع سرّك من صاحب ... فأنت وإن لمته ألوم - ٣٩١- الحسين بن علي بن محمد بن ممويه، أبو عبد الله المعروف بابن قم الزّبيدي اليمني: ولد بزبيد سنة ثلاثين وخمسمائة، وتوفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. كان أديبا كاتبا شاعرا من أفاضل اليمن المبرزين في النظم والنثر والكتابة، ومن شعره: أأحبابنا من بالقطيعة أغراكم ... وعن مستهام في المحبّة ألهاكم صددتم وأنتم تعلمون بأننا ... لغير التجنّي والصدود وددناكم كشفت لكم سرّي على ثقة بكم ... فصرت بذاك السرّ من بعض أسراكم جعلناكم للنائبات ذخيرة ... فحين طلبناكم لها ما وجدناكم قطعتم وصلناكم، نسيتم ذكرناكم ... عققتم بررناكم، أضعتم حفظناكم وفي النفس سرّ لا تبوح بذكره ... ولو تلفت وجدا إلى يوم لقياكم

стр. 1135

فإن تجمع الأيام بيني وبينكم ... غفرت خطاياكم لحرمة رؤياكم وقال: خير ما ورّث الرجال بنيهم ... أدب صالح وحسن ثناء ذاك خير من الدنانير والأو ... راق في يوم شدّة ورخاء تلك تفنى والدين والأدب الصا ... لح لا يفنيان حتى اللقاء ولابن قم رسالة كتب بها إلى أبي حمير سبأ بن أبي السعود أحمد بن المظفر بن علي الصليحي اليماني بعد انفصاله عن اليمن، رواها عنه الحافظ أبو طاهر السلفي سنة ثمان وستين وخمسمائة [١] وهي [٢] : كتب عبد حضرة السلطان الأجلّ مولاي ربيع المجدبين، وقريع المتأدبين، جلوة الملتبس، وجذوة المقتبس، شهاب المجد الثاقب، ونقاب ذوي الرشد والمناقب- أطال الله بقاءه، وأدام علوّه وارتقاءه، ما قدّمت العارية للمستعير [٣] ، ولزمت الياء للتصغير، وجعل رتبته في الأولية عالية المقام [٤] ، كحرف الاستفهام، وكالمبتدأ إن تأخر في البنية، فإنه مقدّم في النية، ولا زالت حضرته في الحادثات حمى، وللوفود مزدحما وملتزما، حتى يكون في العلا، بمنزلة حرف الاستعلا، وهو من حروف اللين في حصون، وما جاورها من الإمالة مصون، ولا زال عدوّه كالألف حالها يختلف، تسقط في صلة الكلام، لا سيما مع اللام، فإنه أدام الله علوه أحسن إليّ ابتداء، ونشر عليّ من فضله رداء، أراد أن يخفى وكيف يخفى، لأنّ من شرف الإحسان، سقوط ذكره عن اللسان، كالمفعول رفع رفع الفاعل الكامل، لما حذف من الكلام ذكر الفاعل- يهدي إليه سلاما ما الروض: ضاحكه النّوض [٥] ، غرس وحرس، وسقي ووقي، وغيب وصيب، فأخذ من كل نوء بنصيب، زهاه الزهر،

стр. 1136

وسقاه النهر، جاور الأضا [١] ، فحسن وأضا، رتع فيه الشّحرور [٢] ، ومرح العصفور، فنظر إلى أقاحيه، تفترّ في نواحيه، وإلى البهار، يضاحك شمس النهار، فجعل يلثم من ورده خدودا، ويضمّ من أغصانه قدودا، ويقتبس النار، من الجلّنار، ويلتمس العقيق، من الشقيق، فتثنّى ثملا، وغنّى خفيفا ورملا، بأطيب من نفحته المسكية، وأعطر من رائحته الذكية. وإني وإن أهديته في كلّ أوان، من أداء ما يجب غير وان، أعدّ نفسي السّكيت في السّبق، لتقصيري لما وجب عليّ من الحق، أثرت فعثرت، وجهدت فما سعدت، فأنا بحمد الله بخنوع وقنوع، وجناب عن غين الغين [٣] ممنوع، فارقت المثول ولا أزال [٤] ، ولزمت الخمول والاعتزال، سعيي سعي الجاهد، وعيشي عيش الزاهد، ببلد الأديب فيه غريب، والأريب مريب، إن تكلّم استثقل، وإن سكت استقلل، منزله كبيوت العناكب، ومعيشته كعجالة الراكب، فهو كما قال أبو تمام [٥] : أرض الفلاحة لو أتاها جرول ... أعني الحطيئة لاغتدى حرّاثا ما جئتها من أيّ باب جئتها ... إلا حسبت بيوتها أجداثا تصدا بها الأفهام بعد صقالها ... وتردّ ذكران العقول إناثا أرض خلعت اللهو خلعي خاتمي ... فيها وطلقت السرور ثلاثا وأما حال عبده بعد فراقه في الجلد، فما حال أمّ تسعة من الولد، ذكور، كأنهم عقبان وصقور، كنّوا في وكور، اخترم منهم ثمانية، وهي على التاسع حانية، نادى النذير العريان في البداية، يا للعادية يا للعادية، فلما سمعت الداع، ورأت الخيل وهي سراع، جعلت تنادي ولدها الأناة الأناة، وهو ينادي القناة القناة [٦] :

стр. 1137

بطل كأنّ ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السّبت ليس بتوأم [١] حين رأته يختال في غضون الزرد الموضون، أنشأت تقول: أسد أضبط يمشي [٢] ... بين طرفاء وغيل [٣] لبسه من نسج دا ... ود كضحضاح المسيل فعرض له في البادية أسد هصور، كأن ذراعه مسد معصور [٤] : فتطاعنا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مقنّع [٥] فلما سمعت صياح الرعيل، برزت من الخدر بصبر قد عيل. فسألت عن الواحد، فقيل لها لحده اللاحد: فكرّت تبتغيه فصادفته ... على دمه ومصرعه السباعا [٦] عبثن به فلم يتركن إلا ... أديما قد تمزّق أو كراعا بأشد من عبد له تأسفا، ولا أعظم كمدا ولا تلهفا. وإنه ليعنّف نفسه دائما، ويقول لها لائما: لو فطنت لقطنت، ولو عقلت لما انتقلت، ولو قنعت لرجعت وما هجعت: يقيم الرجال الموسرون بأرضهم ... وترمي النوى بالمقترين المراميا [٧] وما تركوا أوطانهم عن ملالة ... ولكن حذارا من شمات الأعاديا أيها السيد أمن العدل والإنصاف، ومحاسن الشيم والأوصاف، إكرام المهان، وإذلال جواد الرهان. يشبع في ساجوره كلب الزّبل، ويسغب في خيسه أبو الشبل: إذا حلّ ذو نقص مكانة فاضل ... وأصبح ربّ الجاه غير وجيه

стр. 1138

فإن حياة الحرّ غير شهية ... إليه وطعم الموت غير كريه أقول لنفسي الدنية: هبّي طال نومك، واستيقظي لا عزّ قومك. أرضيت بالعطاء المنزور، وقنعت بالمواعيد الزور؟! يقظة فإن الجد قد هجع، ونجعة فمن أجدب انتجع، أعجزت في الإباء، عن خلق الحرباء؟ أدلى [١] لسانا كالرشاء، وتسنّم أعلى السماء. ناط همته بالشمس، مع بعدها عن اللمس، [أنف من] ضيق الوجار، ففرّخ في الأشجار، فهو كالخطيب، على الغصن الرطيب: وإن صريح الرأي والحزم لامرىء ... إذا بلغته الشمس أن يتحولا [٢] وقد أصحب عبده هذه الأسطر شعرا يقصّر فيه عن واجب الحمد، وإن بنيت قافيته على المدّ، وما يعدّ نفسه إلا كمهدي جلد السبنتى الأنمر [٣] إلى الديباج الأحمر: أين درّ الحباب، من ثغور الأحباب؟ وأين الشراب، من السراب، والركي البكي من الواد، ذي المواد؟ أتطلب الفصاحة من الغتم، والصباحة من العتم؟ غلط من رأى الآل في القيّ [٤] ، فشبّهه بهلهال الدبيقي، هيهات مناسج الرياط، تسبق تنيس ودمياط، ولا أقول إلا كما قال القائل: من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب [٥] بل أضع نفسي في أقل المواضع، وأقول لمولاي قول الخاضع: فأسبل عليها ستر معروفك المواتي، الذي سترت به قدما عوراتي [٦] : فيك برّحت بالعذول إباء ... وعصيت اللوّام والنصحاء فانثنى العاذلون أخيب منّي ... يوم أزمعتم الرحيل رجاء

стр. 1139

من مجيري من فاتر اللحظ ألمى ... جمع النار خدّه والماء فيه لليل والنهار صفات ... فلهذا سرّ القلوب وساء لازم شيمة الخلاف فإن لن ... ت قسا أو دنوت منه تناءى يا غريب الصفات حقّ لمن كا ... ن غريبا أن يرحم الغرباء معرضا عن صدوده وتجنّي ... هـ وإشماته بي الأعداء وإذا ما كتمت ما بي من وج ... د أذاعته مقلتاي بكاء كعطايا سبا بن أحمد يخفي ... ها فتزداد شهرة ونماء أريحيّ يهزّه المدح للجو ... د [١] وإن لم نمدحه جاد ابتداء المعيّ يكاد ينبيك عمّا ... كان في الغيب فطنة وذكاء وإذا أخلف السماء بأرض ... أخلفت راحتاه ذاك السماء بندى يخجل الغيوث انهمالا ... وشذا [٢] ينهل الرماح الظماء ما أبالي إذ أحسن الدهر فيه ... أحسن الدهر للورى أم أساء أيها المجدب الضريك انتجعه ... فعطاياه تسبق الأنواء تلق منه المهذب الماجد النّد ... ب الكريم السّميدع الأبّاء راحة في الندى تنيل نضارا ... وحسام في الروع يهمي دماء يا أبا حمير دعوتك للده ... ر فكنت امرءا يجيب الدعاء فأبى البخل أن يكون أماما ... وأبى الجود أن يكون وراء أنا أشكو إليك جور زمان ... دأبه أن يعاند الأدباء أهملتني صروفه وكأني ... ألف الوصل ألقيت إلقاء إن سطا أرهب الضراغم في الآ ... جام أو جاد بخّل الكرماء شيم من أبيه أحمد لا ين ... فكّ عنها تتبعا واقتفاء

стр. 1140

قد تعاطى في المجد شأوك قوم ... عجزوا واحتملت فيه العناء شرفا شامخا ومجدا منيفا ... حميريا وعزّة [١] قعساء مال عنّي بما أؤمل فيه ... كلّما قلت سوف يأسو أساء رهن بيت لو استقرّ به الير ... بوع لم يرضه له نافقاء نقصتني نقص المرخّم [٢] حتى ... خلتني في فم الزمان نداء منعتني من التصرّف منع ال ... علل التسع صرفها الأسماء يا أبا حمير وحرمة إحسا ... نك عندي ما كان حبّي رياء ما ظننت الزمان يبعدني عن ... ك إلى أن أفارق الأحياء غير أني فدتك نفسي من السّو ... ء وإن قلّ [٣] أن تكون فداء ضاع سعيي وخبت خابت أعا ... ديك ومن يبتغي لك الأسواء واحتملت الحرمان [٤] والنقص والإب ... عاد والذلّ والعنا والجفاء وتجملت واصطبرت [٥] فما أب ... قى على عودي الزمان لحاء أعلى هذه المصيبة صبر ... لا ولو كنت صخرة صماء ولو اني لم أعتمد دون غيري ... لتأسيت أن أموت وفاء غير أن التصريح ليس بخاف ... عند من كان يفهم الإيماء غير أني مثن عليك وما لم ... ت على ما لقيت إلا القضاء وسيأتيك في البعاد وفي القر ... ب مديح يستوقف الشعراء فبشكر رحلت عنك وألقا ... ك به إن قضى الإله لقاء ليس يبقى في الدهر غير ثناء ... فاكتسب ما استطعت ذاك الثناء

стр. 1141

وقال: تشكّى المحبّون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي فكانت لنفسي لذة الحبّ كلّها ... فلم يدرها قبلي محبّ ولا بعدي وقال: هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولّد في قلوبهم المودّه وتزرع في النفوس هوى وحبّا ... لصرف الدهر والحدثان عدّه وتصطاد القلوب بلا شراك ... وتسعد حظّ صاحبها وجدّه - ٣٩٢- الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن إسحاق بن محمد بن مبارك التبرجيدي [١] الملقب بالأصمعي الصغير. - ٣٩٣- الحسين بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عبيد الله بن القاسم بن عبيد الله بن الوزير سليمان بن وهب الحارثي البكري الدباس المعروف بالبارع البغدادي: كان لغويا نحويا مقرئا، قرأ القرآن على أبي علي ابن البناء وغيره، وأقرأ خلقا كثيرا، وسمع من القاضي أبي يعلى الموصلي وغيره، وروى

стр. 1142

عنه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر. وكان حسن المعرفة بصنوف الآداب فاضلا، وله مصنفات حسان في القراءات وغيرها، وله ديوان شعر جيد. وهو من بيت الوزارة فإن جدّه القاسم بن عبيد الله كان وزير المعتضد والمكتفي بعده، وعبيد الله بن القاسم كان وزير المعتضد أيضا قبل ابنه القاسم. وكان بين البارع وابن الهبارية الأديب الشاعر مداعبات، فإنهما كانا رفيقين منذ نشآ. وأضرّ البارع في آخر حياته. وسمع منه الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي وأبو عبد الله الحسين بن علي بن مهجل الضرير الباقدرائي، وقرأ عليه بالروايات أبو جعفر عبد الله بن أحمد بن جعفر الواسطي المقرىء الضرير وغيره. وكان مولده سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ببغداد وتوفي صبيحة يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وخمسمائة. ومن شعره: لم لا أهيم إلى الرياض وحسنها ... وأظلّ منها تحت ظلّ ضافي والزهر حيّاني بثغر باسم ... والماء وافاني بقلب صافي وقال: يوم من الزمهرير مقرور ... عليه ثوب الضباب مزرور كأنما حشو جوّه إبر ... وأرضه فرشها قوارير وشمسه حرّة مخدّرة ... ليس لها من ضبابه نور ومن شعره [١] : يا بأبي الريم الذي زارني ... كالبدر يجلوه القبا الأسود وافى إليّ السّكر ليلا به ... ولم يكن عندي له موعد فجاء يهتزّ كريحانة ... يكاد من لينته يعقد وقال: ضيف قلت أهلا به ... يدخل فالعيش به أرغد

стр. 1143

عرّض بالجذر فناولته ... في الوقت ما امتدت إليه اليد حتى إذا أوفيته نقده ... والنقد سماع له الجلمد بتنا معا في مرقد واحد ... يضمّنا تحت الدجى مسجد يؤمّني لا لصلاة فما ... أركع إلا بعد ما يسجد حتى انجلى الليل بصبح ولم ... أرقد ولا خلّيته يرقد ومن شعره أيضا: يا همّ نفسي في قرب وفي بعد ... وضمن قلبي في حلّ وفي ظعن حرمت منك الرضا إن كان غيّرني ... عما عهدتيه شيء أو يغيرني لو قيل لي نل من الدنيا مناك لما ... جعلت غيرك لي حظا من الزمن منحتك القلب لا أبغي به ثمنا ... إلا رضاك ووافقري الى الثمن [١] وحج [٢] البارع ابن الدباس فلمّا رجع من الحج ذهب إليه الشريف أبو يعلى ابن الهبارية، وكان صديقا له مرة بعد مرة فلم يصادفه، فكتب إليه بقصيدة يعاتبه فيها: يا ابن ودّي وأين منّي ابن ودي ... غيّرت طرقه [٣] الرئاسة بعدي عقدت أنفه عليّ و [حلّت] ... فهو ضدّان بين حلّ وعقد صدّ عني وليس أوّل خلّ ... راع قلبي منه بهجر وصدّ شغلته عني الرئاسة فاس ... تعلى فخلّيته وذلك جهدي كنت برّا كما عهدت وصولا ... لي ترعى عهدي وتحفظ ودي أفلما حججت لا قبل الله ... تعالى مسعاك أنكرت عهدي أيّ فرق بيني وبينك هل أن ... ت سوى شاعر وأني مكدّي وحر امّ الزمان فهي يمين ... برّة أنني سأفتح جندي

стр. 1144

وأجازيك بالتبظرم والتي ... هـ وكيل الهجاء مدّا بمدّ أنا أهدى إلى التبظرم لو شئت ... بأصل زاك وفضل ومجد لو تبظرمت جاز ذاك ولكن ... حدّ ظرفي ألا أجاوز حدي أي شيء يعود رسمي يعاني ... في حروب الهجاء ليّي ومدّي [١] ووحقّ الهوى لئن لم تعدني ... باعتذار يزيل ضغني وحقدي لأميلن على هواك ومالي ... فيه شيء سوى حروري وبردي [٢] كان عزمي أني أعاتب صفعا ... فاستحال العتاب شتما لبعدي [٣] ومتى ما قدمت وفيتك الصف ... ع فثق بي فإن وعدي كنقدي [٤] فأجابه أبو عبد الله البارع بقصيدة طويلة أيضا، وهي: وصلت رقعة الشريف أبي يع ... لى فقامت مقام لقياه عندي فتلقيتها بأهلا وسهلا ... ثم ألصقتها بطرفي وخدي وفضضت الختام عنها فما ظنّ ... ك بالصاب إذ يشاب بشهد بين حلو من العتاب ومرّ ... هو أولى به وهزل وجدّ وتجنّ عليّ في غير ذنب ... بعتاب يكاد يحرق جلدي يدّعي أنني احتجبت وقد زا ... ر مرارا حاشاه من قبح ردّ ثم دع ذا ما للرياسة والح ... جّ أبن لي في حلّ أنف وعقد [٥] وبماذا علمت بالله أني ... قد تكبرت [٦] أو تغيّر عهدي من تراني أعامل أم وزير ... لأمير أو عارض للجند [٧]

стр. 1145

أنا إلا ذاك الخليع الذي تع ... رف أرضى ولو بجرّة دردي وإذا صحّ لي عليق فذاك ال ... يوم عيدي وصاحب الدست عبدي أتراني لو كنت في النار مع ... هامان أنساك أو جنان الخلد أو لو اني عصّبت بالتاج أسلا ... ك ولو كنت عانيا في القدّ [١] أنا أضعاف ما عهدت على الع ... هد وإن كنت لا تجازي بودّي رب ليل بتناه وجهي إلى وج ... هك ندمي عميرة بالجلد ونهار سرناه كتفي إلى كت ... فك نحتال في حصول المرد ثم عدنا بخيبة أنا مثل ال ... كلب أعدو وأنت مثل القرد وكأني أراك بالأمس كالمج ... نون تطغى على محبة حمد تتمنى أن لو صفعت بنعلي ... هـ ثمانين ثم فزت بفرد أتراني لم أقض حقك ... بالإسعاف فيما وقعت فيه بجهدي أو ما كنت ثانيا لك إذ ... نلحم في السوق حلفة ونسدّي أفهذا إلى التبظرم منسو ... ب إلى كم تجني وكم تستعدي ألأني قنعت من سائر ... الناس بفذّ من المكارم فرد صان وجهي عن اللئام و ... أولاني جميلا منه إلى غير حدّ فتعففت واقتنعت بتدفيع ... زماني وقلت إني وحدي لا لأني مع ذا أنفت من الكد ... ية أين الكرام حتى أكدي كل هذا عذر إليك فإن تق ... بل وإلا فاقعد على رأس قردي قد تناهيت في المزاح ... إلى الغاية حتى كأنه عين حقد ووحق العباس جدّك ما أنسب ... شيئا منه إلى غير جدّ فأقلني بحقّ ما بيننا من ... هـ فهذا نهاية في البرد

стр. 1146

وقال: إذا المرء أعطى نفسه كلّ ما اشتهت ... ولم ينهها تاقت إلى كلّ باطل وساقت إليه الاثم والعار بالذي ... دعته إليه من حلاوة عاجل وقال أيضا [١] : أفنيت ماء الوجه من طول ما ... أسأل من لا ماء في وجهه أنهي إليه شرح حالي الذي ... يا ليتني متّ ولم أنهه فلم ينلني أبدا رفده ... ولم أكد أسلم من جبهه والدهر إذ مات نحاريره ... قد مدّ أيديه إلى بلهه وقال: تنازعني النفس أعلى مقام ... وليس من العجز لا أنشط ولكن بقدر علوّ المكان ... يكون هبوط الذي يسقط - ٣٩٤- الحسين بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين الرافقي المعروف بالخالع: أحد كبار النحاة، كان إماما في النحو واللغة والأدب، وله شعر، توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. أخذ عن أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي وغيرهما، ويقال إنه من ذرية معاوية ابن أبي سفيان ﵁، وله من التصانيف كتاب

стр. 1147

الأودية والجبال والرمال. وكتاب الأمثال. وكتاب تخيلات العرب. وشرح شعر أبي تمام. وكتاب صناعة الشعر، وغير ذلك. ومن شعره: رأيت العقل لم يكن انتهابا ... ولم يقسم على قدر السنينا فلو أنّ السنين تقسّمته ... حوى الآباء أنصبة البنينا وقال: خطرت فقلت لها مقالة مغرم ... ماذا عليك من السلام فسلّمي قالت بمن تعنى فحبّك بيّن ... من سقم جسمك قلت بالمتكلم فتبسمت فبكيت قالت لا ترع ... فلعلّ مثل هواك بالمتبسم قلت اتفقنا في الهوى فزيارة ... أو موعدا قبل الزيارة قدمي فتضاحكت عجبا وقالت يا فتى ... لو لم أدعك تنام بي لم تحلم وقال: أما لظلام ليلي من صباح ... أما للنجم فيه من براح كأن الأفق سدّ فليس يرجى ... به نهج إلى كلّ النواحي كأن الشمس قد مسخت نجوما ... تسير مسير أذواد [١] طلاح كأن الصبح مهجور طريد ... كأن الليل مات صريع راح كأن بنات نعش متن حزنا ... كأنّ النسر مكسور الجناح وقال: لا تعبسنّ بوجه عاف سائل ... خير المواهب أن ترى مسؤولا لا تجبهن بالردّ وجه مؤمّل ... فبقاء عزّك أن ترى مأمولا يلقى الكريم فيستدلّ ببشره ... ويرى العبوس على اللئيم دليلا واعلم بأنك لا محالة صائر ... خبرا فكن خبرا يروق جميلا

стр. 1148

- ٣٩٥- الحسين بن محمد بن الحسين بن حيّ التجيبي القرطبي: كان أديبا فاضلا عالما بالهندسة والهيئة كلفا بصناعة التعديل، أخذ علم العدد والهندسة والهيئة عن أبي عبد الله محمد بن عمر بن محمد المعروف بابن برغوث الرياضي الفلكي المتوفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة [١] . وخرج ابن حيّ من الأندلس سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة ولحق بمصر بعد أن نالته بالأندلس، وفي طريقه بالبحر، محن شديدة، ثم رحل من القاهرة إلى اليمن واتصل بأميرها الصليحي [٢] القائم بالدعوة للمستنصر بالله معدّ بن الظاهر علي فحظي عنده، وبعثه رسولا إلى أمير المؤمنين القائم بأمر الله الخليفة العباسي في هيئة فخمة، فنال هناك إقبالا ودنيا عريضة، وتوفي باليمن بعد انصرافه من بغداد إليها سنة ست وخمسين وأربعمائة. وله من التصانيف: زيج مختصر على طريقة السند هند وغير ذلك. ومن شعره: تأمل صورة العدد ... فمن ينظر إليه هدي كما الأعداد راجعة ... وإن كثرت إلى الأحد كذاك الخلق مرجعهم ... لربّ واحد صمد وقال: تحفظ من لسانك فهو عضو ... أشدّ عليك من وقع السنان فلا والله ما في الخلق خلق ... أحقّ بطول سجن من لسان وقال: ورأيت السماء كالبحر إلا ... أن ما وسطه من الدرّ طافي فيه ما يملأ العيون كبير ... وصغير ما بين ذلك صافي

стр. 1149

وقال [١] : ودّعته حيث لا تودّعه ... روحي ولكنّها تسير معه ثم تولّى وفي القلوب له ... ضيق مجال وفي القلوب سعه وقال: إذا ما كثرت على صاحب ... وقد كان يدنيك من نفسه فلا بدّ من ملل واقع ... يغيّر ما كان من أنسه - ٣٩٦- الحسين بن محمد بن الحسين القمي الكاتب أبو عبد الله: والد الأستاذ أبي الفضل ابن العميد. ذكر أبو إسحاق الصابي أن رسائل العميد لا تقصر في البلاغة عن رسائل ابنه أبي الفضل، قال المؤلف [٢] : وعندي أن هذا الحكم من أبي اسحاق فيه حيف شديد على أبي الفضل، والقاصّ لا يحب القاص. وتقلد ديوان الرسائل لنوح بن نصر الساماني، ولقب بالشيخ العميد. - ٣٩٧- الحسين بن محمد أبو علي السهواجي: أديب شاعر لبيب مشهور، وسهواج من قرى مصر، صنّف كتاب القوافي، وتوفي بمصر سنة أربعمائة رحمه الله تعالى.

стр. 1150

ومن شعره [١] : وقد كنت أخشى الحبّ لو كان نافعي ... من الحبّ أن أخشاه قبل وقوعه كما حذر الانسان من نوم عينه ... ونام ولم يشعر أوان هجوعه وقال: كرام المساعي في اكتساب محامد ... وأهدى إلى طرق المعالي من القطا وأبوابهم معمورة بعفاتهم ... وأيديهم لا تستريح من العطا ومن شعره أيضا: وهتوف أيكية ذات شجو ... سجعت ثم رجّعت ترجيعا [٢] ذكرت إلفها فحنّت إليه ... فبكينا من الفراق جميعا ومنه أيضا: قوم كرام إذا سلّوا سيوفهم ... في الرّوع لم يغمدوها في سوى المهج إذا دجا الخطب أو ضاقت مذاهبه ... وجدت عندهم ما شئت من فرج وقال: شخوص الفتى عن منزل الضيم واجب ... وإن كان فيه أهله والأقارب وللحرّ أهل إن نأى عنه أهله ... وجانب عزّ إن نأى عنه جانب ومن يرض دار الضيم دارا لنفسه ... فذلك في دعوى التوكّل كاذب وقال: توخّ من الطرق أوساطها ... وعدّ عن الجانب المشتبه وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النّطق به فإنك عند سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه

стр. 1151

- ٣٩٨- الحسين بن محمد أبو الفرج النحوي المعروف بالمستور: كان نحويا لغويا أديبا شاعرا حدث عن الزجاجي، توفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. ومن شعره: أمسى يحنّ لوجهه قمر الدجى ... وغدا يلين للحنه الجلمود فإذا بدا فكأنما هو يوسف ... وإذا شدا فكأنه داود وقال: فكأنما الشمس المنيرة إذا بدت ... والبدر يجنح للغروب وما غرب متحاربان لذا مجنّ صاغه ... من فضة ولذا مجن من ذهب وله مزدوجة أنشدها بعض الدمشقيين سنة خمس وثمانين وثلاثمائة: الحبّ بحر زاخر ... راكبه مخاطر جنوده المحاجر ... والحدق السواحر ركبته على غرر ... وخطر على خطر في واضح يحكي القمر ... وكان حتفي في النظر حلّفته لما بدا ... كغصن غبّ ندى ريّان بالحسن ارتدى ... وبالبها تفرّدا [٢]

стр. 1152

بحقّ بيت المقدس ... والبلد المقدّس وبالتي لم تدنس ... لا تك منك مؤيسي بحقّ قدس مريم ... وبطرس المعظّم بعادل لم يظلم ... رقّ لصبّ مغرم بالدير بالرهبان ... بحرمة القربان ببولص ذي الشان ... كن حسن الإحسان بالطور بالزبور ... بساكن القبور بشاهد مشهور ... اعطف على المهجور بحرمة المسيح ... وبالفتى الذبيح بالفصح بالتسبيح ... أبق عليّ روحي بليلة الميلاد ... وحرمة الأعياد ولابسي السواد ... اجعل رضاك زادي وهي طويلة اكتفينا منها بهذا المقدار. ومن شعره أيضا: كانت بلهنية الشبيبة سكرة ... فصحوت واستبدلت سيرة مجمل وقعدت أنتظر الفناء كراكب ... «عرف المحلّ فبات دون المنزل»

стр. 1153

- ٣٩٩- الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم بن محرز أبو عبد الله: مات سنة تسع وثمانين ومائتين. سمع مصعبا الزبيري وخلف بن هشام والبزار ومحمد بن سلام الجمحي وابن النطاح. وروى عنه أبو الفرج الأصفهاني وأبو الفضل محمد بن أبي جعفر المنذري، وكان يقول: أبو مسلم صاحب الدولة جدي، كان جده لأمه. وكان ابن فهم ثقة عدلا في الرواية. وكان يسكن الرصافة. قال أحمد بن كامل القاضي: سمعت الحسين بن فهم يقول: اشهدوا علي بأنني منذ فعلت خلة من ثلاث خلال فأنا مجنون: إن شهدت عند الحاكم، أو حدثت العوام، أو قبلت الوديعة. - ٤٠٠- الحسين بن محمد بن الحسين بن سهلويه الكاتب الأصبهاني أبو العلاء أحد أصحاب الصاحب بن عباد، مات [ ... ] . ذكر في كتابه الذي صنفه، وسماه «أجناس الجواهر» عن نفسه قال: حدثني أبو الفرج الببغاء الشاعر قال: أمرني سيف الدولة ممتحنا أن أكتب رقعة إلى رجل تزوجت أمه أحسّن ذلك [١] ، ورسم أن أكتبها بحضرته ارتجالا، فكتبت: من سلك إليك، أعزّك الله، سبيل الانبساط لم يستوعر مسلكا من المخاطبة فيما يحسن الانقباض عن ذكر مثله؛ واتصل بي ما كان من أمر واجبة الحقّ عليك، المنسوبة بعد نسبتك إليها إليك، أقرّ الله صيانتها في اختيارها ولو أن [ ... ] يتناكره وشرع المروّة يحظره، لكنت في مثله بالرضا أولى، وبالاعتذار مما جدده الله من صيانتها أحرى. فلا يسخطنّك، أعزك الله من ذلك، ما رضيه

стр. 1154

واجب الشرع وحسّنه أدب الديانة، فمباح الله أحقّ أن يتبع، وإياك أن تكون ممن إذا حرم اختياره تسخط اختيار القدر له، والسلام. قال ابن سهلويه: فلما عدت من مدينة السلام إلى الري عرضتها على الصاحب، كافي الكفاة، فاستحسن المغزى، وقال: قد أصاب غرة الهدف في المرمى، وقرطس ثغرة الغرض في المعنى، ولكنّ في ألفاظه لينا، وفي عبارته ضعفا، ثم قال لي ولجماعة من كتابه على سبيل الامتحان: اكتبوا رقعة إلى رجل آخر دعته الضرورة إلى تزويج أمه، فلما قرر الأمر، وأمضى العقد ندم وتذمم، وهمّ بأن يهيم على وجهه، ولفّ رأسه حياء من فعله. فتفادت الجماعة من ذلك، وضمنت إنشاءها، وعملت الرسالة على ما اقترحه عليّ، وبكرت إليه والشمس لم تجلّل الأرض بضيائها، ولم تخلع عليها صفرة ردائها، فلما قرأها أعجب بها جدا، وقرظني بما لا أرى [وجها] في إعادة ذكره فأكون كمن يزهى بما يصدر عن صدره، فيقال: فلان كالمفتون بابنه وبشعره؛ والرسالة: قد عرفت، أعزك الله، ما شكوته مما اتفق عليك من حادثة الزمن الصماء، ونائبة الغير الشنعاء، ووقعت على ما قلت من أن أمّ طبق طرّقت إليك ببكرها، وبنت الدهر برزت إليك من خدرها، فسعّرت جوانبك لهيبا، وملأت جوانحك ندوبا، حين أحوجتك إلى تزويج كبيرتك على طريق الاقتار، وأوجبت عليك ضمّها إلى كفء كريم من بني الأحرار، وإنك رأيت ذلك عارا تجلل لباسه، وشنارا أعيا عليك مراسه، وإنك تحسب ان دون محو هذه الغضاضة شيب المفارق، وأن وصمتها لا ترّحض عنك بأشنان بارق، حتى خفّ عليك أن تضع كفك في يد الدهر، وطاب لك التفصي من العمر، وتصورت أن العيش مع الذام عدل الموت الزؤام، فهممت أن تنفض يدك مما أنت فيه من عيش ندي ناعم الأطراف، وعمر هنيء سائغ القطاف، ووددت بأن تلحق بمنقطع التراب، فلا تأتي أهلك إلا بعد شمط الغراب، راضيا بأن تتقلب في الأبارق على الرمضاء، وتدور في الأجارع مع الشمس كالحرباء، وأن تحصل بحيث لا تحسّ بنبأة من إنسان، ولا تأنس إلا بعزيف الجنان، وتقتصر من طعامك على كشى الضباب، بل على سفّ التراب. وتجعل كفّك قيعة للأبوال، فتتجرعها عوضا عن الماء الزلال، كلّ ذلك لكيلا يقع طرفك على معيّر شامت، ومستهزىء متهافت. وهذا الذي استشعرته مما لا أرتضيه من عقلك

стр. 1155

الرصين، ورأيك الوثيق، فإن فيما أتيته ضروبا من المصالح وفنونا من المرافق، فمنها أنك سترت عورة واستفدت طهرا وعصمة، وقضيت لمن ارتكضت في حشاها ذماما وحرمة، ومنها أنك نزّهت نفسك عن التوسم بالعقوق للذهاب مع الأنفة، وصنتها عن أن تتبع فيها المقالة للائمة، لا سيما وفيها علالة من الشباب تنطلق معها ألسنة الاغتياب، فلا تملكنك دواعي الهمّ والحسرة، فقد جدع الحلال أنف الغيرة. وإن ساءتك هذه الحال من جانب إنها لتسرّ من جوانب، وكذاك رياح الأيام تختلف فتارة تهب شمائل وأخرى جنائب. جعل الله نعمه عليك مصفّاة من سوء يكدرها، ومواهبه لديك مبرأة من شائبة ترنّقها، وجعل ما يوليك بعدها جامعا للعزّ الأشد والنظر الأشوس، وحرسه عما يغري القذى بطرفك، ويوكل الأذى بلبّك، بمنّه وسعة طوله. ولما مات الصاحب قال أبو العلاء ابن سهلويه يرثيه [١] : يا كافي الملك ما أوفيك حقك [٢] من ... وصفي وإن طال تمجيد وتأبين فتّ الصفات فما يرثيك من أحد ... إلا وتزيينه إياك تهجين سقى الحيا قبرك الثاوي بمصرعه ... ليث وغيث وصمصام وتنّين بناظريّ ثرى أرض حللت بها ... فردا وفرشك فيه الترب والطين ما متّ وحدك لا بل مات من ولدت ... حوّاء طرا بل الدنيا بل الدين تبكي عليك العطايا والصلات كما ... تبكي عليك الرعايا والسلاطين هذي نواعي العلا قد قمن [٣] نادبة ... أضعاف ما ندبتك الخرّد العين لم يبق للسؤدد اسم مذ نأيت ولا ... للجود رسم ولا للمجد آيين [٤]

стр. 1156

قام السعاة وكان الخوف أقعدهم ... واستيقظوا بعد ما نام الملاعين لا يعجب الناس لما متّ وانتشروا [١] ... مضى سليمان فانحلّ الشياطين - ٤٠١- الحسين بن محمد بن الحسين، أبو عبد الله الضراب الصوري: نحوي دمشق ومدرسها، مات سنة أربع عشرة وأربعمائة. - ٤٠٢- الحسين بن محمد الراغب أبو القاسم الأصبهاني: أحد أعلام العلم، ومشاهير الفضل متحقق بغير فن من العلوم وله تصانيف كثيرة: كتاب تفسير القرآن. كتاب أحداق عيون الشعر. كتاب المحاضرات [٢] . كتاب الذريعة إلى معالم الشريعة [٣] . كتاب المفردات من تفسير القرآن [٤] .

стр. 1157

- ٤٠٣- الحسين بن محمد بن الحسين بن الحسن الهروي ، أبو عبد الله الحاكم: مات سنة ست وتسعين وأربعمائة. - ٤٠٤- الحسين بن مطير بن مكمل الأسدي ، مولى بني أسد بن خزيمة: وكان جده مكمّل عبدا فعتق وقيل كوتب. وابن مطير من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية فصيح متقدم في الرجز والقصيد، يعدّ من فحول المحدثين، يشبه كلامه كلام الاعراب وأهل البادية، وفد [١] على الأمير معن بن زائدة الشيباني لما ولي اليمن، فلما دخل عليه أنشده: أتيتك إذ لم يبق غيرك جابر ... ولا واهب يعطي اللها والرغائبا فقال له: يا أخا بني أسد ليس هذا بمدح، إنما المدح قول نهار بن توسعة في مسمع بن مالك: قلّدته عرى الأمور نزار ... قبل أن يهلك السّراة البحور فغدا إليه بأرجوزة يمدحه بها [٢] فاستحسنها وأجزل صلته.

стр. 1158

وحدث جعفر بن منصور قال: حدثني أبي قال: حجّ المهديّ فنزل زبالة فدخل الحسين بن مطير الأسدي عليه فقال [١] : أضحت يمينك من جود مصوّرة ... لا بل يمينك منها صورة الجود من حسن وجهك تضحي الأرض مشرقة ... ومن بنانك يجري الماء في العود فقال المهدي: كذبت، قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: هل تركت في شعرك موضعا لأحد بعد قولك في معن بن زائدة [٢] : ألمّا على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للمكارم مضجعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا بلى قد وسعت الجود والجود ميّت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدّعا ولما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا وما كان إلا الجود صورة وجهه ... فعاش ربيعا ثم ولّى وودّعا وكنت لدار الجود يا معن عامرا ... وقد أصبحت قفرا من الجود بلقعا فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا تمنى أناس شأوه من ضلالهم ... فأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا تعزّ أبا العباس عنه ولا يكن ... جزاؤك من معن بأن تتضعضعا أبى ذكر معن أن يميت فعاله ... وان كان قد لاقى حماما ومصرعا فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي ... له مثل ما أبقى أبوك وما سعى فقال: يا أمير المؤمنين إنما معن حسنة من حسناتك وفعلة من فعلاتك، فأمر له بألف دينار ثم قال: سل حاجتك، فقال [٣] :

стр. 1159

بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو جعد أسحم فكانّها منه نهار مشرق ... وكأنه ليل عليها مظلم قال: خذ بيدها، لجارية كانت على رأسه، فأولدها مطير بن الحسين بن مطير. وقال الرياشي حدثني أبو العالية عن أبي عمران المخزومي قال [١] : أتيت مع أبي واليا كان بالمدينة من قريش وعنده ابن مطير، وإذا بمطر جود فقال له الوالي: صف لي هذا المطر، قال: دعني أشرف عليه، فأشرف عليه ثم نزل فقال [٢] : كثرت لكثرة قطره أطباؤه ... فإذا تحلّب فاضت الأطباء وله رباب هيدب لذفيفه ... قبل التبعّق ديمة وطفاء [٣] وكأن ريّقه ولمّا يحتفل ... ودق السماء عجاجة كدراء [٤] وكأن بارقه حريق تلتقي ... ريح عليه وعرفج وألاء [٥] مستضحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء فله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك يؤلف بينه وبكاء حيران متّبع صباه تقوده ... وجنوبه كنف له ووعاء غدق ينتّج في الأباطح فرّقا ... تلد السيول وما لها أسلاء [٦] غرّ محجلة دوالح ضمّنت ... حمل اللقاح وكلّها عذراء [٧] سحم فهنّ إذا كظمن سواجم ... سود وهنّ إذا ضحكن وضاء

стр. 1160

لو كان من لجج السواحل ماؤه ... لم يبق في لجج السواحل ماء وقال ابن دريد: أنشدنا أبو حاتم السجستاني وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه للحسين بن مطير الأسدي، وقال عبد الرحمن قال عمي: لو كان شعر العرب هكذا ما أثم منشده [١] : ألا حبّذا البيت الذي أنت هاجره ... وأنت بتلماح من الطرف ناظره لأنك من بيت لعينيّ معجب ... وأملح في عيني من البيت عامره أصدّ حياء ان يلمّ بي الهوى ... وفيك المنى لولا عدو أحاذره وفيك حبيب النفس لو تستطيعه ... لمات الهوى والشوق حين تجاوره فإن آته لم أنج إلا بظنّة ... وإن يأته غيري تنط بي جرائره وكان حبيب النفس للقلب واترا ... وكيف يحبّ القلب من هو واتره فإن يكن الأعداء أحموا كلامه ... علينا فلن تحمى علينا مناظره أحبّك يا سلمى على غير ريبة ... ولا بأس في حبّ تعفّ سرائره ويا عاذلي لولا نفاسة حبّها ... عليك لما باليت أنك خابره بنفسي من لا بدّ أنّي هاجره ... ومن أنا في الميسور والعسر ذاكره ومن قد لحاه الناس حتى اتقاهم ... ببغضي إلا ما تجنّ ضمائره أحبّك حبا لن أعنّف بعده ... محبّا ولكنّي إذا ليم عاذره لقد مات قبلي أول الحبّ فانقضى ... ولو متّ أضحى الحبّ قد مات آخره كلامك يا سلمى وإن قلّ نافعي ... فلا تحسبي أني وإن قلّ حاقره ألا لا أبالي أيّ حيّ تحملوا ... إذا إثمد البرقاء لم يخل حاضره وحدث المرزباني عن الأخفش قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب عن ابن الأعرابي لحسين بن مطير الأسدي [٢] :
следующие страницы →