← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

- ٣١- إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي عون ابن هلال أبي النجم الكاتب أبو إسحاق صاحب «كتاب التشبيهات» [١] : وكان من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر وأحد ثقاته وممن كان يغلو في أمره ويدّعي أنه إلهه- تعالى الله عن ذلك. وكان ابن أبي العزاقر من أهل قرية من قرى واسط تعرف بشلمغان، وكان كاتبا ببغداد، ذكر ثابت [٢] أنّ المحسّن بن الفرات كان له عناية به فاستخلفه ببغداد لجماعة من العمال بنواحي السلطان، وكانت صورته صورة الحلاج، وكان له قوم يدّعون أنه إلههم وأنّ روح الله حلّ في آدم ثم في شيث ثم في واحد واحد من الأنبياء والأوصياء والأئمة حتى حلّ في الحسن بن علي العسكري، وأنه حل فيه. ووضع كتابا سماه الحاسة السادسة [٣] ، وأباح الزنا والفجور، فظفر به الراضي بالله فقتله في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وكان قد استغوى جماعة منهم ابن أبي عون صاحب «كتاب التشبيهات» وكانوا يبيحونه حرمهم وأموالهم يتحكم فيها، وكان يتعاطى الكيمياء، وله كتب معروفة. ولما أخذ ابن أبي العزاقر أخذ معه، فلما قتل ابن أبي العزاقر عرض على إبراهيم بن أبي عون أن يشتمه أو يبصق عليه، فأبى وأرعد وأظهر خوفا من ذلك للحين والشقاء، فقتل وألحق بصاحبه. وكان من أهل الأدب وتأليف الكتب، وكان ناقص العقل متهوّرا، قال ثابت: قيل إن أبا جعفر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر ادّعى الربوبية فقتل هو

стр. 107

وإبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي النجم المعروف بابن أبي عون صاحبه ضربا بالسوط، ثم ضربت أعناقهما وصلبا، ثم أحرقت جثتهما، وذلك يوم الثلاثاء لليلة خلت من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، نقلته من خطه. وله من التصانيف: كتاب النواحي والبلدان. كتاب الجوابات المسكتة [١] . كتاب التشبيهات. كتاب بيت مال السرور. كتاب الدواوين. كتاب الرسائل. قال المرزباني [٢] : أبو عون أحمد بن أبي النجم الكاتب الأنباري مولى لبني سليم، وأبو عون وعمّاه صالح وماجد ابنا أبي النجم شعراء كلهم، وماجد يكنى أبا الدميل، وأبو عون هو القائل في حاتم بن الفرج، وكان أبو شبل البرجمي الشاعر في قدمته سرّ من رأى نزل عليه، وكان أبو شبل أهتم، فقال فيه أبو عون [٣] : لحاتم في بخله فطنة ... أدقّ حسّا من خطى النمل قد جعل الهتمان ضيفانه ... فصار في أمن من الأكل ليس على خبز امرىء ضيعة ... أكيله عصم أبو شبل [٤] كم قدر ما تحمله كفّه ... إلى فم من سنّه عطل ضفحاتم الجود أخو طيء كان وهذا حاتم البخل وذكر أبو محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني [قال] [٥] وكان ابن أبي عون أحد القواد ممن قرّبه إليه أبو الهيثم العباس بن محمد بن ثوابة وأكسبه مالا، فلما قبض على أبي الهيثم صار ابن أبي عون عونا عليه مع أعدائه، وكان في من وكل بدار أبي

стр. 108

الهيثم، ولم يحسن إليه أبو الهيثم إلّا على بصيرة فيه بظلمه وفسقه فسلّطه الله عليه كما كان هو يسلّطه على الناس؛ قال ابن أبي عون: أظنّ أنّ أبا الهيثم كان يهوديا، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأني أخذت غلاما له ففسقت به في دبره وسكرت، وطلبت أمّ ولده لأفجر بها ولم أقدر عليها، ولو كان أبو الهيثم مسلما لغضب الله له. وهذا قول متمرّد على الله مستغرّ بإمهال الله تعالى له، ولم يهمله الله ثم أخذه بسوء عمله. وكان ممن آمن بالحلّاج وآمن بربوبيته وأخذ مع من أخذ من أصحاب الحلاج وقتل شر قتلة؛ كذا قال «الحلاج» ، إنما هو ابن أبي العزاقر وإن كانت علّتهما واحدة. وقرأت بمرو رسالة كتبت من بغداد عن أمير المؤمنين الراضي ﵁ إلى أبي الحسين نصر بن أحمد الساماني إلى خراسان بقتل العزاقري لخصت [منها] ما يتعلق بابن أبي عون، قال فيها بعد أن ذكر أول من أبدع مذهبا في الإسلام من الرافضة وأهل الأهواء «وآخر من أظفره الله منهم به: المقتدر بالله، ﵀، فانتقم من المعروف بالحلّاج وخبره أرفع وأشهر من أن يوصف ويذكر- وأراق دمه وأزال تمويهه وحسمه. ولما ورث أمير المؤمنين ميراث أوليائه، وأحلّه [الله] محلّ خلفائه، اقتدى بسنتهم، وجرى على شاكلتهم في كلّ أمر قاد إلى مصلحة ودفع ضرر، وعاد إلى الإسلام وأهله بمنفعة، وجعل الغرض الذي يرجو الإصابة بتيمّمه والمثوبة بتعمّده أن يتتبع هذه الطبقة من الكفار، ويطهّر الأرض من بقيتهم الفجار، فتبحّث عن أخبارهم، وأمر بتقصّي آثارهم، وأن ينهى إليه ما يصحّ من أمورهم، ويحصّل له من يظهر عليه من جمهورهم، فلم يبعد أن أحضر أبو علي محمد [١] وزير أمير المؤمنين رجلا يقال له محمد بن علي الشلمغاني، ويعرف بابن أبي العزاقر، فأعلم أمير المؤمنين أنه من غمار الناس وصغارهم، ووجوه الكفّار وكبارهم، وأنه قد استزلّ خلقا من المسلمين، واستركّ طوائف من العمهين، وأنّ الطلب قد كان لحقه في الأيام الخالية فلم يدرك، وأودعت المحابس قوما [ممن] ضلّ وأشرك فلما رفع حكمه عنه، وأذن في استنقاذ العباد منه واطّلع من أبي عليّ على صفاء نية ونقاء طويّة في ابتغاء

стр. 109

الأجر وطلابه، ورضى الله واكتسابه، والامتعاض من أن ينازع في الالهية، أو يضاهى في الربوبية، أنّسه بناحيته فاسترسل، وحبّبه بالمصير إلى حضرته فتعجّل، ففحص أمير المؤمنين عنه ووكل [إليه] همه، ففتش أمره تفتيش الحائط للمملكة، المحامي عن الحوزة، القائم بما فوّضه الله إليه من رعاية الأمة، ووقف أمير المؤمنين على أنه لم يزل يدخل على العقول من كلّ مدخل، ويتوصّل إلى ما فيها من كلّ متوصّل، ويعتزي إلى الملّة وهو لا يعتقدها، وينتمي إلى الخلّة وهو عار منها، ويدّعي العلوم الإلهية وهو عم عنها، ويتحقّق استخراج الحكم الغامضة وهو جاهل بها، ويتّسم بالقدرة على المعجزات وهو عاجز عن ممكن الأشياء ومتهيئها، وينتحل التقيّة في دين آل محمد وهو يضمر التبرؤ منها، ويشنأه ويسبّه ﷺ ويعضهه، ترمق ظاهره العيون، فتنصرف عنه الظنون، إلى أن دلّ بالحيلة، والمكر والغيلة، على قوم من ذوي الجدة واليسار، والثروة والاحتكار، قد أترفهم النعيم فبطروا، وألهاهم فأشروا، ولجّجهم في بحار اللذة، فتولجوها على كلّ علة، والتمسوا في ذلك رخصة يجعلونها لأنفسهم عمدة وعصمة، وآخرين لا جدة عندهم ولا سعة، قد قويت شهواتهم، وضعفت حالاتهم، فهم يطلبون أقواتهم بالحقّ والباطل، ويخوضون في نيلها مع الجادّ والهازل، فأباحهم المحظورات، وأحلّ لهم المحرّمات، وامتطى لهم مركب الغرور، وتهوّر بهم غايات الأمور، ولم يدع فنّا من الفنون [المردية] ولا نوعا من الأنواع المخزية، إلّا فسح لهم فيه، وشحذ عزائمهم عليه، حتى ادّان له واتّبعه وأطاعه وشايعه خلق رين على قلوبهم فهم لا يفقهون، وضرب على آذانهم فهم لا يسمعون، وغطّي على أعينهم فهم لا يبصرون، وحيل بينهم وبين الرشد فهم لا يرعوون، وأنسوا التدبر والتفكر في خلق أنفسهم، والسماء التي تظلّهم، والأرض التي تقلّهم، فأصفقوا بأجمعهم على أنه خالقهم وربهم ورازقهم ومحييهم، يحلّ فيما شاء من الصور، ويحدث ما شاء من الغير، ويفعل ما يريد، ولا يعجزه قريب ولا بعيد، وادّعوا له الدعاوى الباطلة، وزعموا أنهم عاينوا منه الآيات المعضلة. واستظهر أمير المؤمنين بأن تقدم إلى أبي عليّ بمواقفة هذا اللعين على تمويهاته وقبائح تلبيساته لتكون إقامة أمير المؤمنين حدّ الله عليه بعد الإنعام في الاستبصار، وانكشاف الشّبهة فيه عن القلوب والأبصار، فتجرّد أبو علي في ذلك

стр. 110

وتشمّر، وبلغ منه وما قصّر، وانثال عليه كلّ من اطلع على الحقيقة، وتعرّف جليّة الصورة، فوقف أبو علي على أنّ العزاقريّ يدّعي أنه لحقّ الحقّ وأنه إله الآلهة، الأول القديم الظاهر الباطن الخالق الرازق التامّ الموصى إليه بكلّ معنى، ويدعى بالمسيح كما كانت بنو إسرائيل تسمي الله المسيح، ويقول إن الله جلّ وعلا يحلّ في كلّ شيء على قدر ما يحتمل، وانه خلق الضدّ ليدلّ به على مضدوده، فمن ذلك أنه جلي في آدم ﵇ لما خلقه وفي إبليس، وكلاهما لصاحبه يدلّ عليه لمضادته إياه في معناه، وإن الدليل على الحقّ أفضل من الحقّ، وأن الضدّ أقرب إلى الشيء من شبهه، وأن الله إذا حلّ في هيكل جسد ناسوتي أظهر من القدرة المعجزة ما يدلّ على أنه هو، وأنه لما غاب آدم ﵇ ظهر اللاهوت في خمسة ناسوتية، كلما غاب منهم واحد ظهر مكانه غيره، وفي خمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة، ثم اجتمعت اللاهوتية في إدريس ﵇ وإبليسه، وتفرقت بعدهما كما تفرقت بعد آدم ﵇، واجتمعت في نوح ﵇ وإبليسه وتفرقت عند غيبتهما حسب ما تقدم ذكره، واجتمعت في صالح وإبليسه عاقر الناقة وتفرقت بعدهما، واجتمعت في إبراهيم وإبليسه نمرود وتفرقت بعدهما، واجتمعت في هارون وإبليسه فرعون وتفرقت على الرسم بعدهما، واجتمعت في داود ﵇ وإبليسه جالوت وتفرقت لما غابا، واجتمعت في سليمان ﵇ وإبليسه وتفرقت كعادتها بعدهما، واجتمعت في عيسى ﵇ وإبليسه ولما غابا تفرقت في تلامذة عيسى كلهم ﵈ والأبالسة معهم، واجتمعت في عليّ بن أبي طالب وإبليسه وتفرقت بعدهما إلى أن اجتمعت في ابن أبي العزاقر وإبليسه. ويصف أن الله يظهر في كلّ شيء بكلّ معنى، وأنه في كلّ أحد بالخاطر الذي يخطر بقلبه فيتصور له ما يغتب عنه كأنه يشاهده، وأن الله اسم لمعنى ومن احتاج إليه الناس فهو إلاههم، وبهذا يستوجب [في] كل لغة أن يسمى الله، وأن كلّ واحد من أشياعه لعنه الله يقول إنه ربّ [لمن] دون درجته، وأن الرجل منهم يقول إني ربّ فلان، وفلان ربّ فلان، حتى الانتهاء إلى ابن أبي العزاقر لعنه الله، فيقول: أنا ربّ الأرباب وإله الآلهة لا ربوبية لربّ بعدي، وأنهم لا ينسبون الحسن والحسين ﵄ إلى علي بن أبي طالب ﵁ لأن من اجتمعت له اللاهوتية لم يكن له والد ولا ولد، وأنهم

стр. 111

يسمون موسى ومحمدا صلى الله عليهما الخائنين لأنهم يدّعون أن هارون أرسل موسى ﵉ وأنّ عليا ﵁ أرسل محمدا ﷺ فخاناهما، ويزعمون أن عليا أمهل النبيّ ﷺ عدة أيام أصحاب الكهف سنين، فإذا انقضت هذه المدة وهي خمسون وثلاثمائة سنة تنقلب الشريعة؛ ويصفون أن الملائكة كلّ من ملك نفسه وعرف الحقّ ورآه، وأن الحقّ حقهم، وأن الجنة معرفتهم وانتحال نحلتهم، والنار الجهل بهم والصدوف عن مذهبهم، ويغتفرون ترك الصلاة والصيام والاغتسال، ويذكرون أنّ من نعم الله على العبد أن يجمع له اللذتين، وأنهم لا يتناكحون بتزويج على السنّة ولا بحال تأوّل أو رخصة، ويبيحون الفروج، ويقولون: إن محمدا ﵇ بعث إلى كبراء قريش وجبابرة العرب وقلوبهم قاسية ونفوسهم آبية، فكان من الحكمة ما طالبهم به من السجود، وأنّ من الحكمة الآن أن يمتحن الناس في إباحة فروج حرمهم، وأن لا شيء عندهم في ملامسة الرجل نساء ذوي رحمه وفي حرم صديقه وأبيه بعد أن يكون على مذهبه، ولا ينكرون أن يطلب أحدهم من صاحبه حرمته ويردّها إليه فيبعث بها طيبة نفسه، وأنه لا بدّ للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه، وابن أبي العزاقر له في هذه الخصلة كتاب سماه «كتاب الحاسة السادسة» وقال: إنه متى أبى ذلك آب قلب في الكون الذي يجيء بعد هذا امرأة إذ كان يحقق التناسخ، وأنه ومن معه يرون إبادة الطالبيين كما يرونها في العباسيين، ويدعون إلى أنفسهم دون غيرهم إذ كان الحقّ عندهم ويظهر فيهم. ووجد كتاب من الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب قيل إنه إلى إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي النجم المعروف بابن أبي عون أحد وجوه العزاقرية ترجمته: إلى مولاي بشرى من غلامه مرزوق الثلّاج المسكين الفقير الذي بفضل الله يجمع الله بينه وبينه في خير وعافية برحمته، يقول في فصل منه: على مولاي أعتمد وهو حسبي. وفي فصل آخر: ومولاي أهل للتفضّل عليّ ورحمة ضعفي، وأرجو ألا يتأخر بفضله عني وينجزني وعده، وعيني ممدودة إلى تفضّل مولاي وأسأله به إعانتي. فسئل ابن أبي العزاقر عن ذلك الكتاب فكتب بيده: إنه بخط الحسين بن القاسم إلى ابن أبي عون، ووافق ابن أبي عون على ذلك، لأنّ الله أظفر به ومكّن منه، وردّاه رداء ما عمل، ووفّاه غاية ما كتب له من المهل، واعترف بأنه كتاب الحسين بن القاسم إليه، وأن ما

стр. 112

على عنوانه صحيح، وأنه هو بشرى، وأن مرزوقا الثلّاج هو الحسين بن القاسم، وكتب ذلك بخطه، وأشهد جماعة من العدول على ما اعترف به. ووجدت رقعة لابن أبي عون هذا بخطّه إلى بعض نظرائه يخاطبه فيها كما يخاطب الإنسان ربّه ﵎، ويقول في بعض فصولها: لك الحمد وكلّ شيء وما شئت كان ربي. وفي فصل آخر منها: ولك الحمد على تشريفك وتقريبك. فوقف عليها واعترف بها وأشهد على نفسه عدة من العدول بصحّتها. ووجدت رقعة من المعروف بابن شيث [١] الزيات إلى ابن أبي عون هذا يقول فيها: يا مولاي، عوائد مولاي عندي لطيفة، ورحمته وتفضّله وجميل إحسانه بامتنانه عليّ على كلّ حال، وإيناسي تفضل منه ورحمة، فأسأله بجوده أن يتمم ما تفضّل به ولا يسلبني إياه فإن نعمه عليّ ظاهرة وباطنة، قد ألبسني عافيته، وأصلح شأني، وأصلح ولدي، ورزقني القناعة، وفي ذلك الغناء الأكبر، وأكبر منه تفضّله عليّ بأمر عظيم لا يجازى بشكر، ولا يسعه إلا تفضّله، فإن مولاي الكبير دعاني ابتداء فصرت إليه، فقرّبني وأدناني ومنّ عليّ بحديثه، وسقاني بعد جهد بيده، وقرّبني غاية القرب، ومع هذه الحالة العظيمة وإعطائه لي الملك الخفيّ فقد صحّ قلبي من كلّ كسر كان فيه، وكل شدة جرت [عليه] ، وفعل بي ما لم يفعله بالثلّاج، وأرجو أن يمنّ مولاي بإتمام صلاحي دينا ودنيا، والمنة لمولاي، وأسأل مولاي الإحسان والتفضل، فإني فقير على كلّ حال، وأرجو منه توسعة في كلّ ضيق، وأمنا في كلّ خوف، وعزا في كلّ ذلّ، وأمانا [من] الشدائد، وما هو أولى به ممّا لا أعلمه، وهو القادر عليه والرحيم فيه بمنّه وجميل إحسانه، وهو حسبي ونعم الوكيل. واعترف ابن أبي عون أنها إليه، وأن المخاطبة فيها له، وأن ابن شيث أراد بقوله مولاي الكبير ابن أبي العزاقر، وبقوله الثلّاج الحسين بن القاسم، وأعطى بذلك خطّه وأشهد به؛ ووجد هذا الرجل مستبصرا في كفره، مستظهرا في أمره، مستقصيا في طريق غيّه، ماضيا في عنان شركه وإفكه، حتى إنه كلّف التبرؤ من ابن أبي العزاقر لعنه الله ونيله بهنة [٢] يصغّر بها قدره فامتنع من ذلك وأبى وحاد عنه واستعصى إلى أن لم يجد محيصا، فمدّ يده إلى لحيته على سبيل توقير وتكريم وإجلال وتعظيم

стр. 113

وصرف القذى وإماطة الأذى، وقال- معلنا غير مخافت-: مولاي مولاي. هذا إلى ما وجد بخطّه وخطوط نظرائه من الكبائر التي لا تسوغ في الدين، ولا يحتملها ذو يقين، وإلى ما رسمته هذه الفرقة من الأدعية التي موّهت بها على أهل الركاكة والغباوة، وإذا تأمّلتها أولو الروية والرواية وجدت مباينة لما ألف في الشريعة، مشوبة بالمكر والتدليس، مشحونة بالختل والتلبيس، محلّة دم مبتدعها والمتمسك بها. واستفتى أبو عليّ القضاة والفقهاء في أمر ابن أبي العزاقر، وصاحبه هذا الكافر، وسائر من على مذهبه ممن وجدت له كتب ومخاطبة ومن لم يوجد له ذلك، فأفتى من استفتي منهم بقتلهم وأباحوا دماءهم وكتبوا بذلك خطوطهم، فأمر أمير المؤمنين بإحضار ابن أبي العزاقر اللعين وابن أبي عون صاحبه وضريبه وتابعه، وأن يجلدا ليراهما من سمع بهما، ويتّعظ بما نزل من العذاب بساحتهما، ويتبين من دان بربوبية ابن أبي العزاقر عجزه عن حراسة نفسه، وأنه لو كان قادرا لدفع عن مهجته، ولو كان خالقا دفع [الإهانة] وكشف الضرّ عن جسده، ولو كان ربا لقبض الأيدي عن التنكيل [به] ، وجدّد أمير المؤمنين الاستظهار والحزم والرويّة فيما يمضيه من العزم، وأحضر عمر بن محمد القاضي بمدينة السلام [١] والعدول بها والفقهاء من أهل مجلسه، وسألهم عما عندهم مما انكشف من أمر ابن أبي العزاقر وأمور أهل دعوته وغيّه وضلالته، فأقامت الكافة على رأيها في قتله وتطهير الأرض من رجسه ورجس مثله، وزال الشكّ في ذلك عن أمير المؤمنين بالفتيا وإجماع القاضي والفقهاء، وبما وضح من إخلال هذا الضلال بالمسلمين [٢] وإفساد الدين، وذلك أعظم وأثقل وزرا من الإفساد في الأرض والسعي فيها بغير الحق، وقد استحقّ من جرى هذا المجرى القتل، فأوعز أمير المؤمنين بصلبه وصلب ابن أبي عون بحيث يراهما المنكر والعارف، ويلحظهما المجتاز والواقف، فصلبا في أحد جانبي مدينة السلام، ونودي عليهما بما حاولاه من إبطال الشريعة ورأياه من إفساد الديانة، ثم تقدم أمير المؤمنين بقتلهما ونصب

стр. 114

رؤوسهما وإحراق أجسامهما، ففعل ذلك بمشهد من الخاصّة والعامة والنّظارة والمارة» . - ٣٢- إبراهيم بن محمد نفطويه : هو إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة العتكي الأزدي من أهل واسط، وكنيته أبو عبد الله. قال الثعالبي [١] : لقّب نفطويه تشبيها إياه بالنفط لدمامته وأدمته، وقدّر اللقب على مثال سيبويه، لأنه كان ينسب في النحو إليه ويجري في طريقته ويدرس شرح كتابه، وأنشدوا: لو أنزل النحو على نفطويه قال: وقد صيّره ابن بسام نفطويه- بضم الطاء وتسكين الواو وفتح الياء- فقال: رأيت في النوم أبي آدما ... صلّى عليه الله ذو الفضل فقال أبلغ ولدي كلّهم ... من كان في حزن وفي سهل بأنّ حوّا أمّهم طالق ... إن كان نفطويه من نسلي كان عالما بالعربية واللغة والحديث، أخذ عن ثعلب والمبرد وغيرهما، روى عنه أبو عبيد الله [٢] المرزباني وأبو الفرج الأصفهاني وابن حيويه وغيرهم. ذكره المرزباني في «المقتبس» [٣] فقال ولد في سنة أربع وأربعين ومائتين، قال: ومات ﵀ يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث

стр. 115

وعشرين وثلاثمائة، وحضرت جنازته عشاء، ودفن في مقابر باب الكوفة وصلّى عليه البربهاري [١] . وكان يخضب بالوسمة. قال [٢] : وكان من طهارة الأخلاق وحسن المجالسة والصّدق فيما يرويه على حال ما شاهدت عليها أحدا ممن لقيناه. وكان يقول: جلست إلى هذه الأسطوانة مذ خمسون- يعني محلّته بجامع المدينة- وكان حسن الحفظ للقرآن، أول ما يبتدىء به في مجلسه بمسجد الأنباريين بالغدوات إلى أن يقرىء القرآن على قراءة عاصم ثم الكتب بعده. وكان فقيها عالما بمذهب داود الأصبهاني رأسا فيه يسلّم له ذلك جميع أصحابه، وكان مسندا في الحديث من أهل طبقته، ثقة صدوقا لا يتعلّق عليه بشيء من سائر ما رووه، وكان حسن المجالسة للخلفاء والوزراء، متقن الحفظ للسير وأيام الناس وتواريخ الزمان ووفاة العلماء، وكانت له مروءة وفتوة وظرف. ولقد هجم علينا يوما ونحن في بستان كان له بالزبيدية [٣] في سنة عشرين أو إحدى وعشرين وثلاثمائة فرآنا على حال تبذّل، فانقبضت وذهبت أعتذر إليه فقال: في التعاقل على النبيذ سخف، ثم أنشدنا لنفسه: لنا صديق غير عالي الهمم ... يحصي على القوم سقاط الكلم ما استمتع الناس بشيء كما ... يستمتع الناس بحسم الحشم قال المرزباني [٤] : وكان يقول من الشعر المقطعات في الغزل وما يجري مجراها كما يقول المتأدبون، وسنورد من ذلك فيما بعد إن شاء الله حسب الكفاية. وكان بين أبي عبد الله نفطويه وبين محمد بن داود الأصبهاني مودة أكيدة وتصاف تام، وكان ابن داود يهوى أبا الحسين محمد بن جامع الصيدلاني هوى أفضى به إلى التلف، قال ابن عرفة نفطويه: فدخلت عليه في مرضه الذي مات فيه فقلت: يا

стр. 116

سيدي ما بك؟ فقال: حبّ من تعلم أورثني ما ترى، فقلت: ما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع نوعان محظور ومباح، أما المحظور فمعاذ الله منه، وأما المباح فهو الذي صيّرني إلى ما ترى. ثم قال: حدثني سويد بن سعيد الحدثاني عن أبي يحيى القتّات عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من حبّ فعفّ وكتم ثم مات مات شهيدا» [١] ؛ ثم غشي عليه ساعة وأفاق ففتح عينيه، فقلت له: أرى قلبك قد سكن، وعرق جبينك قد انقطع، وهذا أمارة العافية، فأنشأ يقول: أقول لصاحبّي وسلّياني ... وغرّهما سكون حمى جبيني تسلّوا بالتعزي عن أخيكم ... وخوضوا في الدعاء وودّعوني فلم أدع الأنين لضعف سقم ... ولكنّي ضعفت عن الأنين ثم مات من ليلته وذلك في سنة سبع وتسعين ومائتين، فيقال إن نفطويه تفجع عليه وجزع جزعا عظيما، ولم يجلس للناس سنة كاملة، ثم ظهر بعد السنة فجلس، فقيل له في ذلك فقال: إن أبا بكر ابن داود قال لي يوما وقد تجارينا حفظ عهود الأصدقاء، فقال: أقلّ ما يجب للصديق أن يتسلّب على صديقه سنة كاملة عملا بقول لبيد [٢] : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر فحزنّا عليه سنة كاملة كما شرط. قال المؤلف لهذا الكتاب: وأخبار أبي بكر ابن داود كثيرة مليحة رائقة، وقد أفردنا له بابا في هذا الكتاب فقف عليه تطرب وتعجب [٣] .

стр. 117

قال المرزباني: ومما أنشدنا لنفسه في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة [١] : غنج الفتور يجول في لحظاته ... والورد غضّ النبت في وجناته وتكلّ ألسنة الورى عن وصفه ... أو أن تروم بلوغ بعض صفاته لا يعرف الإسعاف إلا خطرة ... لكنّ طول الصدّ من عزماته لا يستطيع «نعم» ولا يعتادها ... بل لا تسوغ «لعل» في لهواته قال وأنشدنا لنفسه [٢] : تشكو الفراق وأنت تزمع رحلة ... هلّا أقمت ولو على جمر الغضا فالآن عذ بالصبر أو مت حسرة ... فعسى يردّ لك النوى ما قد مضى قال وأنشدنا لنفسه [٣] : أتخالني من زلة أتعتّب ... قلبي عليك أرقّ مما تحسب قلبي وروحي في يديك وإنما ... أنت الحياة فأين منك المذهب قال مؤلف الكتاب: ولم يورد أبو عبيد الله إلا هذين البيتين، وأنشدني بعض الأصدقاء البيت الأول منهما وأتبعه بما لا أعلم أهو من قول نفطويه أو غيره وهو: لا يوحشنّك ما صنعت فتنثني ... متجنبا فهواك لا يتجنّب أنت البريء من الإساءة كلّها ... ولك الرضى وأنا المسيء المذنب وحياة وجهك وهو بدر طالع ... وسواد شعرك وهو ليل غيهب ما أنت إلا مهجني وهي التي ... أحيا بها فترى على من أغضب قال المرزباني، وأنشدني لنفسه: كفى بالهوى بلوى وبالحبّ محنة ... وبالهمّ تعذيبا وبالعذل مغرما أما والذي يقضي الأمور بأمره ... فما شاء أمضاه وما شاء أحكما

стр. 118

لقد حمّلتني صبوتي وصبابتي ... من الشوق ما أضنى الفؤاد وتيّما قال وأنشدنا لنفسه: تجلّ بلواي عن البلوى ... ويذهل القلب عن الشكوى يظلمني من لا أرى ظلمه ... وما عليه لي من عدوى عذّبني الحبّ ولكنني ... لا أطلب الراحة بالسلوى [١] سلّط من أهوى عليّ الضنى ... لا واخذ الله الذي أهوى قال وله: لك خدّ تذيبه الأبصار ... يخجل الورد منه والجلّنار لا تغيبن عن ناظريّ فإني ... أنا من لحظتي عليك أغار وكان بين نفطويه وابن دريد مماظّة، فقال فيه لما صنف «كتاب الجمهرة» . ابن دريد بقره ... وفيه لؤم وشره قد ادّعى بجهله ... جمع كتاب الجمهره وهو كتاب العى ... ن إلّا أنه قد غيره فبلغ ذلك ابن دريد فقال يجيبه [٢] : لو أنزل الوحي على نفطويه ... لكان ذاك الوحي سخطا عليه وشاعر يدعى بنصف اسمه ... مستأهل للصفع في أخدعيه أحرقه الله بنصف اسمه ... وصيّر الباقي صراخا عليه ضو حدث ابن شاذان قال [٣] : بكّر نفطويه يوما إلى درب الرواسين فلم يعرف الموضع، فتقدم إلى رجل يبيع البقل فقال له: أيها الشيخ، كيف الطريق إلى درب الرواسين؟ قال: فالتفت البقليّ إلى جار له فقال: يا فلان ألا ترى الى الغلام- فعل الله به وصنع- قد احتبس علي، فقال: وما الذي تريد منه؟ فقال عوّق السلق عليّ

стр. 119

فما عندي ما أصفع به هذا العاضّ بظر أمه، فانسلّ ابن عرفة ولم يجبه. وأنشد الخطيب لنفطويه [١] : كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والقدر [٢] كم قد خلوت بمن أهوى فتقنعني ... منه الفكاهة والتحديث والنظر أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر كذلك الحبّ لا إتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر ومنه [٣] : أستغفر الله مما يعلم الله ... إنّ الشقيّ لمن لم يرحم الله هبه تجاوز لي عن كلّ مظلمة ... واسوءتا من حيائي يوم ألقاه وذكره الزبيدي في كتابه فقال [٤] : كان بخيلا ضيقا في النحو واسع العلم بالشعر. قال أبو هلال في «كتاب الأوائل» [٥] حدثني أبو أحمد قال: كنا في مجلس نفطويه وهو يملي، فدخل غلام وضيء الوجه [فقطع الاملاء] وقال: قال رجل من أهل عصرنا: كم خاس ميعادك يا مخلف ... كم تخلف الوعد وكم تحلف قد صرت لا أدعو على كاذب ... ولا ظلوم الفعل لا ينصف فما شكّ أحد ممن حضر أن الغلام كان وعده وأخلفه، وأن الشعر له. وكان [٦] نفطويه، مع كونه من أعيان العلماء وعلماء الأعيان، غير مكترث

стр. 120

باصلاح نفسه، فكان يفرط به الصّنان فلا يغيّره، فحضر يوما مجلس حامد بن العباس وزير المقتدر فتأذى هو وجلساؤه بكثرة صنانه، فقال حامد: يا غلام أحضرنا مرتكا [١] فجاء به، فبدأ الوزير بنفسه فتمرتك وأداره على الجلساء فتمرتكوا، وفطنوا ما أراد بنفطويه، وأنه أراد من نفطويه أن يتمرتك فيزول صنانه من غير أن يجبهه بما يكره، فقال نفطويه: لا حاجة بي إليه فراجعه فأبى، فاحتدّ حامد واغتاظ وقال له: يا عاضّ كذا من أمه إنما تمرتكنا جميعا لتأذينا بصنانك، قم لا أقام الله لك وزنا، ثم قال: أخرجوه عني، أو أبعدوه إلى حيث لا أتأذى به. وقال ابن بشران أبو محمد عبيد الله في تاريخه: ومن شعر نفطويه: الجدّ أنفع من عقل وتأديب ... إن الزمان ليأتي بالأعاجيب كم من أديب يزال الدهر يقصده ... بالنائبات ذوات الكره والحوب وآخر غير ذي دين ولا أدب ... معمّر بين تأهيل وترحيب ما الرزق من حيلة يحتالها فطن ... لكنّه من عطاء غير محسوب قال: وكان كثير النوادر، ومن نوادره: قيل لبهلول في كم يوسوس الانسان فقال: ذاك إلى صبيان المحلة. قال: وقيل لبعض الشيعة: معاوية خالك فقال: لا أدري أمي نصرانية والأمر إليه. بخط الوزير المغربي: قال نفطويه [٢] : أما سائر العلوم فهاهنا من يشركنا فيها، وأما الشعر فإذا متّ مات على الحقيقة. وقال: من أغرب عليّ ببيت لجرير لا أعرفه فأنا عبده. وقال ابن خالويه، وقال لي يوما وقد حضرته الوفاة: قد جالستني فما رأيت منك إلا خيرا فادع لي، ثم قال: وضئوني. وقد كنت آخذ بيده فمرّ بمسجد هشام بن خلف البزار فقال: هذا مسجد هشام مقرىء أهل بغداد، والله ما كان بأعلم مني، ولكنه أطاع الله فرفع [منه] وعصيت الله فوضع مني.

стр. 121

قال الحسين بن أبي قيراط: انصرفت من عند أبي عبد الله نفطويه وقد كتبت عنه شيئا، فجئت إلى أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج فقال لي: ما هذا الكتاب؟ فأريته إياه، وكان على ظهره مقطوعتان أنشدنيهما نفطويه لنفسه، فلما قرأهما الزجاج استحسنهما وكتبهما بخطه على ظهر «كتاب غريب الحديث» وكان بحضرته: تواصلنا على الأيام باق ... ولكن هجرنا مطر الربيع يروعك صوته لكن تراه ... على روعاته داني النزوع كذا العشّاق هجرهم دلال ... ومرجع وصلهم حسن الرجوع معاذ الله أن نلفى غضابا ... سوى دلّ المطاع على المطيع والأخرى: وقالوا شانه الجدريّ فانظر ... إلى وجه به أثر الكلوم فقلت ملاحة نثرت عليه ... وما حسن السماء بلا نجوم وذكر الفرغاني أن نفطويه كان يقول بقول الحنابلة: إن الاسم هو المسمّى وجرت بينه وبين الزجاج مناظرة أنكر الزجاج عليه موافقته الحنابلة على ذلك. قرأت في «تاريخ خوارزم» قال أبو سعيد الحمديجي [١] ، سمعت نفطويه يقول: إذا سلّمت على اليهوديّ والنصراني فقلت له: أطال الله بقاءك وأدام سلامتك وأتمّ نعمته عليك فإنما أريد به الحكاية أي أن الله قد فعل بك إلى هذا الوقت وأعتقد به الدعاء للمسلم. قال الحمديجي، وأنشدنا نفطويه لنفسه: إذا ما الأرض جانبها الأعادي ... وطاب الماء فيها والهواء وساعد من تحبّ بها وتهوى ... فتلك الأرض طاب بها الثّواء يرى الأحباب ضنك العيش وسعا ... ولا يسع البغيضين الفضاء وعقل المرء أحسن حليتيه ... وزين المرء في الدنيا الحياء

стр. 122

قال محمد بن إسحاق النديم [١] : وله من الكتب: كتاب التاريخ. كتاب الاقتصارات [٢] . كتاب البارع. كتاب غريب القرآن. كتاب المقنع في النحو. كتاب الاستثناء والشرط في القراءة [٣] . كتاب الوزراء [٤] . كتاب الملح. كتاب الأمثال. كتاب الشهادات. كتاب المصادر. كتاب القوافي. كتاب أمثال القرآن. كتاب الرد على من يزعم أن العرب يشتقّ كلامها بعضه من بعض. كتاب الردّ على من قال بخلق القرآن. كتاب الردّ على المفضّل بن سلمة في نقضه [٥] على الخليل. كتاب في أن العرب تتكلم طبعا لا تعلما. - ٣٣- إبراهيم بن محمد الكلابزي : أدرك المازني وأخذ عن المبرد ومات في سنة ست عشرة وثلاثمائة. قال الزبيدي [٦] : وإبراهيم بن محمد بن العلاء الكلابزي اللغوي من أهل العراق بصريّ المذهب؛ حكي عن [ابن] [٧] المبرد أنه قال: في تلاميذ أبي رجلان أحدهما يسفل والآخر يعلو، فقيل: ومن هما؟ قال المبرمان [٨] يقرأ على أبي ويأخذ عنه «كتاب سيبويه» ثم يقول قال الزجاج، فهذا يسفل، والكلابزيّ يقرأ عليه ثم يقول قال المازني، فهذا يعلو. وكان الكلابزي قد أدرك المازني.

стр. 123

وقال ابن بشران: إبراهيم بن حميد الكلابزي مات بالبصرة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة [١] وكان متقدما في النحو واللغة وقد ولي القضاء بالشام. - ٣٤- إبراهيم بن محمد بن زكريا الزهري الاندلسي أبو القاسم ، يعرف بابن الافليلي: حدث عن أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي النحوي بكتاب «النوادر» عن القالي، وكان متصدرا في العلم ببلده يقرأ عليه الأدب ويختلف إليه، وله كتاب شرح معاني شعر المتنبي حسن جيد. قال الحميدي: وكان مع علمه بالنحو واللغة يتكلم في معاني الشعر وأقسام البلاغة والنقد لها، روى عنه جماعة. وحكي عنه باسناد له أنه قال: كان شيوخنا من أهل الأدب يتعالمون أنّ الحرف إذا كتب عليه صحّ- بصاد وحاء- أن ذلك علامة لصحة الحرف لئلا يتوهم متوهم عليه خللا ولا نقصا، فوضع حرف كامل على حرف صحيح، وإذا كان عليه صاد ممدودة دون حاء كان علامة على ان الحرف سقيم إذ وضع عليه حرف غير تام ليدلّ نقص الحرف على اختلال الحرف، ويسمى ذلك الحرف أيضا ضبة أي أن الحرف مقفل بها لم يتّجه لقراءة كما أن الضبة مقفل بها. قال المؤلف: وهذا كلام عليه طلاوة من غير فائدة تامة، وإنما قصدوا بكتبهم على الحرف «صحّ» إن كان شاكّا في صحّة اللفظة، فلما صحّت له بالبحث خشي أن يعاوده الشكّ فكتب عليها «صح» ليزول شكّه فيما بعد ويعلم هو أنه لم يكتب عليها صح الا وقد انقضى اجتهاده في تصحيحها، وأما الضبّة التي صورتها (ص) فانما هو نصف «صح» كتبه على شيء فيه شكّ ليبحث عنه فيما يستأنفه، فإذا صحّت له أتمها

стр. 124

بحاء فيصير صح، ولو علّم عليها بغير هذه العلامة لتكلّف الكشط وإعادة كتبة «صح» مكانها. قال أبو مروان ابن حيان [١] : كان أبو القاسم المعروف بابن الإفليلي فريد أهل زمانه بقرطبة في علم اللسان العربي والضبط لغريب اللغة في ألفاظ الأشعار الجاهلية والاسلامية والمشاركة في بعض معانيها، وكان غيورا على ما يحمل من ذلك الفنّ كثير الحسد فيه راكبا رأسه في الخطأ البين إذا تقلده أو نشب فيه، يجادل عليه ولا يصرفه صارف عنه، وعدم علم العروض ومعرفته مع احتياجه إليه وإكمال صناعته به، ولم يكن له شروع فيه، وكان لحق الفتنة البربرية بقرطبة، ومضى الناس بين حائن وظاعن [٢] ، فازدلف إلى الأمراء المتداولين بقرطبة من آل حمّود ومن تلاهم إلى أن نال الجاه، واستكتبه محمد بن عبد الرحمن المستكفي [٣] بعد ابن برد [٤] فوقع كلامه جانبا من البلاغة لأنه كان على طريقة المعلمين المتكلّفين، فلم يجر في أساليب الكتاب المطبوعين، فزهد فيه. وما بلغني أنه ألف في شيء من فنون المعرفة إلا كتابه في شعر المتنبي لا غير، ولحقته تهمة في دينه في أيام هشام المرواني [٥] في جملة من تتبع من الأطبّاء في وقته كابن عاصم والشبانسي [٦] والحمار [٧] وغيرهم، وطلب ابن الافليلي وسجن بالمطبق، ثم أطلق، وفيه يقول موسى بن الطائف [٨] من قصيدة:

стр. 125

يا مبصرا عميت نواظر فهمه ... عن كنه عرضي في البديع وطولي لو كنت تعقل ما جهلت مقاومي ... من ضاق فرسخه بخطوة ميلي ولئن ثلبت الشعر وهو أباطل ... فلقد ثلبت حقائق التنزيل وخلعت ربق الدين عنك منابذا ... ولبست ثوب الزيغ والتعطيل فأقمت للجهال مثلك في الغبا ... علما مشيت أمامه برعيل ومن المغايظ أن تكون مقلّدا ... علما ولو مقدار وزن فتيل تعتلّ في الأمر الصحيح معاندا ... أبدا وفهمك علة المعلول وتظن أنك من فنوني موسر ... وكثير شأنك لا يفي بقليلي سيسلّ روحك من خبيث قراره ... تأثير هذا الصارم المصقول وأخصّ سيف الدولة الملك الرضى ... ليعيد عقد رباطك المحلول وأريك رأي العين أنك ذرّة ... عبثت بها منّي قوائم فيل - ٣٥- إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو علي، والد أبي البركات عمر النحوي صاحب «كتاب شرح اللمع» : من أهل الكوفة، له معرفة حسنة بالنحو واللغة والأدب وحظّ من الشعر جيد من مثله؛ مات فيما ذكره السمعاني عن ابنه أبي البركات في شوّال سنة ست وستين وأربعمائة، ودفن بمسجد السهلة عن ست وستين سنة، وكان قد سافر إلى الشام ومصر وأقام بها مدة، ونفق على الخلفاء بمصر، ثم رجع إلى وطنه الكوفة إلى أن مات بها. وجدت بخط أبي سعد السمعاني، سمعت أبا البركات عمر بن إبراهيم، سمعت والدي يقول: كنت بمصر وضاق صدري بها فقلت [١] :

стр. 126

فإن تسأليني كيف أنت فإنني ... تنكرت دهري والمعاهد والصحبا وأصبحت في مصر كما لا يسرّني ... بعيدا من الأوطان منتزحا غربا وإنّي فيها كامرىء القيس مرة ... وصاحبه لما بكى ورأى الدربا فإن أنج من بابي زويلا فتوبة ... إلى الله أن لا مسّ خفّي لها تربا قال السمعاني، قال لي الشريف، قال أبي: قلت هذه الأبيات بمصر، وما كنت ضيق اليد، وكان قد حصل لي من المستنصر خمسة آلاف دينار مصرية. قال وقال الشريف: مرض أبي إما بدمشق أو بحلب، فرأيته يبكي ويجزع، قلت له: يا سيدي ما هذا الجزع فانّ الموت لا بدّ منه، قال: أعرف ذلك، ولكن أشتهي أن أموت بالكوفة وأدفن بها، حتى إذا نشرت يوم القيامة أخرج رأسي من التراب فأرى بني عمي ووجوها أعرفها، قال الشريف: وبلغ ما أراد. قال: وانشدني أبو البركات لوالده [١] : راخ لها زمامها والأنسعا ... ورم بها من العلا ما شسعا وارحل بها مغتربا عن العدا ... توطئك من أرض العدا متّسعا يا رائد الظّعن بأكناف الحمى ... بلّغ سلامي إن وصلت لعلعا وحيّ خدرا بأثيلات الغضا ... عهدت فيه قمرا مبرقعا كان وقوعي في يديه ولعا ... وأوّل العشق يكون ولعا ماذا عليها لو رثت لساهر ... لولا انتظار طيفها ما هجعا تمنّعت من وصله فكلّما ... زاد غراما زادها تمنعا أنا ابن سادات قريش وابن من ... لم يبق في قوس الفخار منزعا وابن عليّ والحسين وهما ... أبرّ من حجّ ولبّى وسعى نحن بنو زيد وما زاحمنا ... في المجد إلّا من غدا مدسّعا الأكثرين في المساعي عددا ... والأطولين في الضراب أذرعا

стр. 127

من كلّ بسّام المحيّا لم يكن ... عند المعالي والعوالي ورعا طابت أصول مجدنا في هاشم ... فطال فيها عودنا وفرعا قال: وأنشدني لأبيه [١] : لما أرقت بجلّق ... وأقضّ فيها مضجعي نادمت بدر سمائها ... بنواظر لم تهجع وسألته بتوجّع ... وتخضّع وتفجّع صف للأحبة ما ترى ... من فعل بينهم معي واقر السلام على الحبي ... ب ومن بتلك الأربع - ٣٦- إبراهيم بن محمد بن إبراهيم النسوي أبو إسحاق الشيخ العميد: مات فجأة في شهور سنة تسع عشرة وخمسمائة بنيسابور، رجل فاضل شاعر كاتب، حسن المحاورة كريم الصحبة، سمع الحديث الكثير في أسفاره وصنّف في «غريب الحديث» (لأبي عبيد) [٢] تصنيفا مفيدا. - ٣٧- إبراهيم بن مسعود بن حسان : المعروف بالوجيه الصغير، ويعرف جده بالشاعر، وإنما سمي بالوجيه الصغير لأنه كان ببغداد حينئذ نحويّ آخر يعرف بالوجيه

стр. 128

الكبير، وهو شيخي ﵀ وقد ذكرته في باب المبارك بن المبارك، وكانا ضريرين معا. وكان هذا من أهل الرصافة ببغداد، وكان عجبا في الذكاء وسرعة الحفظ، وكان قد حفظ كتاب سيبويه، وقيل بل حفظ أكثره، وكان يحفظ غير ذلك من كتب الأدب، وأخذ النحو عن مصدق بن شبيب، وكان أعلم منه وأصفى ذهنا، واعتبط شابا في جمادى الأولى سنة تسعين وخمسمائة ولو قدّر الله أن يعيش لكان آية من الآيات. - ٣٨- إبراهيم بن محمد بن حيدر بن علي أبو إسحاق نظام الدين المؤذن الخوارزمي: سألته عن مولده فقال: كانت ولادتي في ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمسمائة وله من التصانيف: كتاب ديوان الانشاء. كتاب شرح كليلة بالفارسية. كتاب الوسائل إلى الرسائل من نثره. كتاب ديوان شعره بالعربية. كتاب ديوان شعره بالفارسية. كتاب الخطب في دعوات ختم القرآن سماه يتيمة اليتيمة. كتاب الطرفة في التحفة بالفارسية. رسائل. وكتاب أساس نامه في المواعظ بالفارسية. كتاب تعريف شواهد التصريف. كتاب انموذار [١] نامه يشتمل على أبيات غريبة من كليلة ودمنة شرحها بالفارسية. كتاب كفتار نامه منطق. كتاب مرتع الوسائل ومربع الرسائل. - ٣٩- إبراهيم بن ممشاذ أبو إسحاق المتوكلي الأصبهاني ، قال حمزة: ومن بلغاء أصبهان أبو إسحاق المتوكلي وكان من رستاق جي، من قرية اسيجان، فخرج الى العراق وكتب للمتوكل، ثم صار من ندمائه فسمي المتوكلي، ولم يكن بالعراق في أيامه أبلغ منه، وله رسالة طويلة في تقريظ المتوكل والفتح بن خاقان يتداولها كتّاب العراق الى الآن. وتسخّط صحبة أولاد المتوكل فتركهم ولحق بيعقوب بن الليث. وقال حمزة أيضا فيما رواه عن عمارة بن حمزة: حضر المتوكليّ مجلس المتوكل

стр. 129

وقد نثر على المنتصر مال جليل تناهبه الأمراء والقوّاد بين يديه، وإبراهيم لا يتحرك، فقال له المتوكل: ولم لا تنبسط فيه؟ فقال: جلالة أمير المؤمنين منعتني منه، ونعمته عليّ أغنتني عنه، فأقطعه إقطاعات. وكان أحد البلغاء في زمانه حتى لم يتقدمه أحد، ونفذ في أيام المعتمد رسولا عنه وعن الموفق إلى يعقوب بن الليث فاحتبسه عنده وقدّمه على كل من ببابه حتى حسده قواد يعقوب وحاشيته، فأخبروا يعقوب أنه يكاتب الموفق في السرّ فقتله. قلت والأولى من هاتين الروايتين أوضح في أنه هو الذي لحق بيعقوب، يدلّ على ذلك أنه كتب من عند يعقوب إلى المعتمد: أنا ابن الأكارم من نسل جم ... وحائز إرث ملوك العجم ومحيي الذي باد من عزّهم ... وعفّى عليه طوال القدم وطالب أوتارهم جهرة ... فمن نام عن حقّهم لم أنم يهمّ الأنام بلذاتهم ... ونفسي تهمّ بسوق الهمم إلى كلّ أمر رفيع العماد ... طويل النجاد منيف العلم وإني لآمل من ذي العلا ... بلوغ مرادي بخير القسم معي علم الكائنات الذي ... به أرتجي أن أسود الأمم فقل لبني هاشم أجمعين ... هلمّوا إلى الخلع قبل الندم ملكناكم عنوة بالرماح ... طعنا وضربا بسيف خذم وأولادكم الملك آباؤنا ... فما إن وفيتم بشكر النعم فعودوا إلى أرضكم بالحجاز ... لأكل الضباب ورعي الغنم فإني سأعلو سرير الملوك ... بحدّ الحسام وحرف القلم وقال يرثي الفضل بن العباس بن مافروخ [١] : أخ لم تلدني أمّه كان واحدي ... وأنسي وهمّي في الفراغ وفي الشّغل مضى فرطا لما استتمّ شبابه ... ومن قبل أن يحتلّ منزلة الكهل

стр. 130

فعلّمني كيف البكاء من الجوى ... وكيف حزازات الفؤاد من الثكل إذا ندب الأقوام إخوان دهرهم ... بكيت أخي فضلا أخا الجود والفضل وقال يهجو إسحاق بن سعد القطربلي عامل أصبهان وقد كان أساء معاملة إخوته بأصبهان: أين الذين تقوّلوا أن لا يروا ... ضدّين مختلفين في ذا العالم هذا ابن سعد قد أزال قياسكم ... وأباد حجّتكم بغير تخاصم أبدى لنا متحرّكا في ساكن ... منه وأظهر قائما في نائم وإذا تذكر أصلعا هشم استه ... يبكي يقول فديت أصلع هاشم بالله ما اتخذ الإمامة مذهبا ... إلا لكي يبكي لذكر القائم قال حمزة: ومن هذا أخذ ابن الناصر قوله: قل لمن كان إمامي ... اإلى كم تتردّد التمس ما في سراوي ... ل فتى الناصر أحمد فهو القائم يا ... مغرور من آل محمد - ٤٠- إبراهيم بن موسى الواسطي الكاتب له كتاب في أخبار الوزراء عارض فيه كتاب محمد بن داود بن الجراح في الوزراء، قاله المسعودي. - ٤١- إبراهيم بن هلال بن زهرون أبو إسحاق الحراني : أوحد الدنيا في إنشاء

стр. 131

الرسائل والاشتمال على جهات الفضائل، مات يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وثمانين وثلاثمائة عن إحدى وسبعين سنة، ومولده في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، كذا ذكره حفيده أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم في تاريخه. وكان قد خدم الخلفاء والأمراء من بني بويه والوزراء، وتقلد أعمالا جليلة، ومدحه الشعراء، وعرض عليه عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه الوزارة إن أسلم فامتنع، وكان حسن العشرة للمسلمين عفيفا في مذهبه، وكان ينوب أوّلا عن الوزير أبي محمد المهلبي في ديوان الإنشاء وأمور الوزارة. ولما ورد عضد الدولة بغداد في سنة سبع وستين وثلاثمائة نقم عليه أشياء من مكتوباته عن الخليفة وعن عز الدولة بختيار فحبسه، فسئل فيه وعرّف فضله، وقيل له: مثل مولانا لا ينقم على مثله ما كان منه، فإنه كان في خدمة قوم لا يمكنه إلا المبالغة في نصحهم، ولو أمره مولانا بمثل ذلك إذا استخدمه في ابنه ما أمكنه المخالفة، فقال عضد الدولة: قد سوّغته نفسه فإن عمل كتابا في مآثرنا وتاريخنا أطلقته، فشرع في محبسه في «كتاب التاجي» في أخبار بني بويه. وقيل إنّ بعض أصدقائه دخل عليه الحبس وهو في تبييض وتسويد في هذا الكتاب، فسأله عما يعمله فقال: أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفّقها، فخرج الرجل وأنهى ذلك إلى عضد الدولة فأمر بإلقائه تحت أرجل الفيلة، فأكب أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف ونصر بن هارون على الأرض يقبّلانها ويشفعان إليه في أمره حتى أمر باستحيائه، وأخذ أمواله واستصفائه، وتخليق السجن بدمائه، فبقي في السجن بضع سنين إلى أن تخلّص في أيام صمصام الدولة ابن عضد الدولة. وكان بينه وبين الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد مراسلات ومواصلات ومتاحفات، وكذلك بينه وبين الرضّي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي مودة ومكاتبات- أذكر منها ما يليق باختصارنا هذا [١]- مع اختلاف الملل وتباين النّحل، وإنما كان ينظمهم سلك الأدب، مع تبدد الدين والنسب. وذكر أبو منصور الثعالبي في كتابه [٢] أنه بلغ من العمر تسعين سنة، والذي

стр. 132

أوردته من تاريخ حفيده وهو أعلم به، فأما بلاغته وحسن ألفاظه فقد أغنتنا شهرتها عن صفتها، وذكرتها الشعراء فقال [بعض أهل عصره] : أصبحت مشتاقا حليف صبابة ... برسائل الصابي أبي إسحاق صوب البلاغة والحلاوة والحجى ... ذوب البراعة سلوة العشاق طورا كما رقّ النسيم وتارة ... تحكي لنا الأطواق في الأعناق لا يبلغ البلغاء شأو مبرّز ... كتبت بدائعه على الأحداق ولآخر فيه: يا بؤس من يمنى بدمع ساجم ... يهمي على حجب الفؤاد الواجم لولا تعلّله بكاس مدامة ... ورسائل الصابي وشعر كشاجم قال أبو منصور: وكان يصوم شهر رمضان مساعدة وموافقة للمسلمين وحسن عشرة منه لهم، ويحفظ القرآن حفظا يدور على طرف لسانه، وبرهان ذلك في رسائله. قال: وكان أبو إسحاق في عنفوان شبابه أحسن حالا منه في أيام اكتهاله، وفي ذلك يقول [١] : عجبا لحظّي إذ أراه مصالحي ... عصر الشباب وفي المشيب مغاضبي أمن الغواني كان حتى خانني [٢] ... شيخا وكان على صباي [٣] مصاحبي أمع [٤] التضعضع ملّني متجنبا ... ومع الترعرع كان غير مجانبي يا ليت صبوته إليّ تأخّرت ... حتى تكون ذخيرة لعواقبي من قصيدة في فنّها فريدة، كتبها إلى الصاحب يشكو فيها عجره وبجره، ويستمطر سحبه ودرره، بعد أن كان يخاطبه بالكاف، ولا يرفعه عن رتبة الأكفاء. وكان المهلبّي لا يرى إلا به الدنيا، ويحنّ إلى براعته ويصطنعه لنفسه، ويستدعيه في أوقات أنسه، وتوفي المهلبي وأبو إسحاق يلي ديوان الرسائل والخلافة على ديوان

стр. 133

الوزارة لأنّ المهلبي مات بعمان، وكان قد مضى لافتتاحها، واستخلف أبا إسحاق على ديوان الوزارة فاعتقل في جملة عمال المهلبي وأصحابه، فقال وهو معتقل [١] : يا أيّها الرؤساء دعوة خادم ... أربت [٢] رسائله على التعديد أيجوز في حكم المروءة عندكم ... حبسي وطول تهدّدي ووعيدي قلّدت ديوان الرسائل فانظروا ... أعدلت في لفظي عن التسديد أعليّ رفع حساب ما أنشأته ... فأقيم فيه أدلّتي وشهودي أنسيتم كتبا شحنت فصولها ... بفصول درّ عندكم منضود ورسائلا نفذت إلى أطرافكم ... عبد الحميد بهنّ غير حميد قال الثعالبي: وكانت الرسالة التي نقمها عليه عضد الدولة كتابا أنشأه عن الخليفة في شأن عز الدولة بختيار وهو: «وقد جدّد له أمير المؤمنين مع هذه المساعي السوابق، والمعالي السوامق، التي يلزم كلّ دان وقاص، وعامّ وخاصّ، أن يعرف له حقّ ما كرّم به منها، ويتزحزح له عن رتبة المماثلة فيها» فإن عضد الدولة أنكر هذه اللفظة أشدّ الإنكار [٣] وأسرّها في نفسه إلى أن ملك العراق فحبسه كما تقدم ذكره. وقال حفيده هلال بن المحسن في «أخبار الوزراء» : حدثني أبو إسحاق جدي قال: لما توفي أبو الحسين هلال أبي جاءني أبو محمد المهلبي معزيا به، فحين عرفت خبره في تعديته [إلى] مشرعة داري الشاطئة بالزاهر بادرت لتلقيه واستعفائه من الصعود فامتنع من الإجابة الى ذلك، وصعد وجلس ساعة يخاطبني فيها بكلّ ما يقوّي النفس ويشرح الصدر، ويصف والدي ويقرظه لي ويقول: ما مات من كنت له خلفا، ولا فقد من كنت منه عوضا، ولقد قرّت عين أبيك بك في حياته، وسكنت مضاجعه الى مكانك بعد وفاته، فقبّلت يده ورجله، وأكثرت من الثناء عليه والدعاء له، وحضرتني في الحال ثلاثة أبيات أنشدته إياها وهي: لو وثقنا بأن عمرك يمت ... دّ بأعمارنا قتلنا النفوسا

стр. 134

قد تركت الموت الزؤام مغيظا ... يتلظّى لجرحه كيف يوسى فغدت عندنا المصيبة نعمى ... بأياديك وهي من قبل بوسى ثم نهض، وأقسم علينا ألا يتبعه أحد منا، وأنفذ إليّ في بقية ذلك اليوم خمسة آلاف درهم وقال: استعن بها على أمرك. ولم يبق أحد من أهل الدولة إلا جاءني بعده معزيا. ثم اجتاز بي من الغد في طيّاره ووقف واستدعاني وأمرني بالنزول معه، فبعد جهد ما تركني بقية اليوم. حدث أبو منصور قال [١] ، حكى أبو إسحاق الصابىء قال: طلب مني رسول سيف الدولة ابن حمدان عند قدومه الحضرة شيئا من شعري وذكر أنّ صاحبه رسم له ذلك فدافعته أياما ثم ألحّ عليّ وقت الخروج فأعطيته هذه الثلاثة الأبيات: إن كنت خنتك في المودة [٢] ساعة ... فذممت سيف الدولة المحمودا وزعمت أن له شريكا في العلا ... وجحدته في فضله التوحيدا قسما لو اني حالف بغموسها ... لغريم دين ما أراد مزيدا فلما عاد الرسول إلى الحضرة ودخلت عليه مسلّما أخرج لي كيسا بختم سيف الدولة مكتوبا عليه اسمي وفيه ثلاثمائة دينار. ووجدت بخط أبي علي بن أبي إسحاق قال: لما غنّي ابن حمدان بهذا الشعر سأله عن قائله فعرفه، قال والدي ﵀: فأنفذ إليّ في الوقت عشرة دنانير من دنانير الصلة وزنها خمسمائة مثقال، وأضاف إلى ذلك رسما كان ينفذه إليّ في كلّ سنة إلى أن مات ﵀. قال [٣] : وأهدى أبو إسحاق الصابىء إلى عضد الدولة في يوم مهرجان الصطرلابا بقدر الدرهم محكم الصنعة، وكتب إليه (وفي «كتاب الوزراء» لحفيده أنه أهدى الاصطرلاب إلى المطهر بن عبد الله وزير عضد الدولة وكتب إليه) بهذه الأبيات:

стр. 135

أهدى إليك بنو الحاجات واحتفلوا ... في مهرجان جديد أنت مبليه لكنّ عبدك إبراهيم حين رأى ... علوّ قدرك لا شيء يباريه لم يرض بالأرض يهديها إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه ولقابوس أبيات تشبه هذه مذكورة في بابه. ذكر القبض على أبي إسحاق الصابىء والسبب فيه، وما جرى عليه من أمره إلى أن أطلق: قال هلال بن المحسن: قبض عليه في يوم السبت لأربع بقين من ذي العقدة سنة سبع وستين وثلاثمائة، وأفرج عنه يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الأولي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، فكان مدة حبسه ثلاث سنين وسبعة أشهر وأربعة عشر يوما. قال [١] : وكان السبب في القبض عليه أنه كان قد خدم عضد الدولة عند كونه بفارس بالشعر والمكاتبة والقيام بما يعرض من أموره بالحضرة، فقبله وأنفق عليه وأرفده في أكثر نكباته بمال حمله إليه. وورد عضد الدولة في سنة أربع وستين وثلاثمائة فزاد قربه منه وخصوصه به وتأكّد حاله عنده، فلما أراد العود إلى فارس عمل على الخروج معه إشفاقا من المقام بعده، ثم علم أنه متى فعل ذلك أسلم أهله وولده وتعجّل منهم ما عسى الله أن يدفعه عنه، فاستظهر له عضد الدولة بأن ذكره في الاتّفاق الذي كتب بينه وبين عزّ الدولة وعمدتها [٢]- أخيه-، واليمين التي حلفا بها، وشرط عليهما حراسته في نفسه وماله، وترك تتبعه في شيء من أحواله، وانحدر عضد الدولة فلم يأمن على نفسه من عز الدولة وأبي طاهر ابن بقية وزيره [٣] واستتر وأقام على الاستتار مدة، ثم توسط أبو محمد ابن معروف [٤] أمره معهما، وأخذ له العهد عليهما والأمان منهما، واستوثق بغاية ما يستوثق به من مثلهما، وظهر فتركاه مديدة ثم قبضا

стр. 136

عليه، وذلك بإغراء ابن السراج [١] لهما به، وتجدد منه في العداوة له أمور تجنّى فيها عليه، وجرت له في هذه النكبة خطوب أشفى فيها على ذهاب النفس، ثم كفاه الله بأن فسد أمر ابن السّراج مع ابن بقية بما عامله بالعلة التي عرضت له، فقبض عليه ونقل القيد من رجل أبي إسحاق إلى رجله، وعاد إلى خدمة عز الدولة، وكتب عنه في أيام المباينة بينه وبين عضد الدولة الكتب التي تضمّنت الوقيعة والاستهتار عليه ومنها: الكتاب عن الطائع لله بتقديم عز الدولة وإنزاله منزلة ركن الدولة، وهو أعظم ما نقمه عليه. فلما ورد عضد الدولة إلى بغداد في الدفعة الثانية وحصل بواسط، استظهر بأن خرج إلى أبي سعد بهرام بن أردشير، وهو يتردّد في الرسائل، بما يتخوّفه من تشعب رأي عضد الدولة، وسأله إجراء ذكره، وإقامة عذره، والاحتياط له بأمان تسكن إليه نفسه، وكتب على يده كتابا عاد جوابه بما نسخته: «كتابنا، أيدك الله، من المعسكر بجبل يوم الجمعة لست ليال بقين من شهر ربيع الأول عن سلامة ونعمة، والحمد لله ربّ العالمين، ووصل كتابك، أيدك الله، وفهمناه وعرفنا ما يحمل، واستمعنا من أبي سعد بهرام بن أردشير، أعزه الله، ما أورده عنك، ومن كانت به حاجة إلى إقامة معذرة أو استقالة من عثرة، أو الاستظهار في مثل هذه الأحوال بوثيقة، فأنت مستغن عن ذلك بسابقتك في الخدمة، ومنزلتك من الثقة، وموقعك لدينا من الخصوص والزلفة. وذكر أبو سعد، أعزه الله، التماسك أمانا، فقد بذلناه لك على غناك عنه، وأنت آمن على نفسك ودمك وشعرك وبشرك وأهلك وولدك وسائر ما تحويه يدك، حالّ في كلّ حال بكنف الأثرة والخصوص والإحسان والقبول عندنا، محروس في جاهك وموقعك وحالك، فاسكن إلى ذلك واعتمده، ولك علينا في الوفاء به عهد الله وميثاقه. وقد حمّلنا أبا سعد، أعزه الله، في هذا الباب ما يذكره لك، والله نستعين على النية فيك، وهو حسبنا» والتوقيع بخط عضد الدولة: «اعتمد ذلك واسكن إليه وثق بالله إن شاء الله تعالى» . ودخل عضد الدولة إلى بغداد فأجراه على رسمه، ووقع بإقرار إقطاعه وإمضاء

стр. 137

تقريراته. فلما حصل بالموصل كتب إلى أبي القاسم المطهر بالقبض عليه؛ فحدثني أبو الحسن فهد بن عبد الله، وكان يكتب لأبي عمرو بن [ ... ] عند نظره في الموصل، قال: أخرج في الموصل إلى الديوان ما وجد في قلاع أبي تغلب من الحسابات ليتأمّل ويميّز، وكان فيها الشيء الكثير من كتب عزّ الدولة إلى أبي تغلب بخطّ أبي إسحاق جدك، فكان أبو عمرو إذا رأى ما فيه ذكر عضد الدولة أيام المباينة بينه وبين عز الدولة [نحّاه] حتى جمع من ذلك شيئا كثيرا وحمله إلى عضد الدولة لعداوة كانت بينه وبينه فأظنّ ما وقف عليه حرّك ما كان في نفسه حتى كتب من هناك بالقبض عليه. قال: وحدثني جدّي قال: كنت جالسا بحضرة أبي القاسم المطهر بن عبد الله وزير عضد الدولة في يوم القبض عليّ إذ وردت النوبة ففضّت بين يديه، وبدأ منها بقراءة كتاب عضد الدولة، فلما انتهى إلى فصل منه وجم وجوما بان في وجهه، فقال لي أبو العلاء صاعد بن ثابت: أظنّ في هذا الكتاب ما ضاق صدرا به. وقمت من مجلسه لأنصرف فتبعني بعض حجّابه وعدل بي إلى بيت من داره، ووكل بي، وراسلني يقول: «لعلك قد عرفت مني الانزعاج عند الوقوف على الكتاب الوارد من الحضرة اليوم، وكان ذلك لما تضمّن من القبض عليك وأخذ مائة ألف درهم منك، وينبغي أن تكتب خطّك بهذا المال، ولا تراجع فيه، فوالله لا تركت ممكنا في معونتك وتخليصك إلّا بذلته، وقد جعلت اعتقالك في داري، ومقامك في ضيافتي، فطب نفسا بقولي، وثق بما يتبعه من فعلي» . وقبض على ولديه أبي علي المحسن والدي وأبي سعيد سنان عمي، فلما تقدم عضد الدولة إلى أبي القاسم المطهر بالانحدار لقتال صاحب البطيحة سأل عضد الدولة إطلاقه والإذن له في استخلافه بحضرته فقال له: أما العفو فقد شفّعناك فيه، وينبغي أن تعرّفه ذلك وتقول له: إننا قد غفرنا لك عن ذنب لم نعف عما دونه لأهلنا- يعني عز الدولة والديلم- ولأولاد نبيّنا- يعني أبا الحسن محمد بن عمر وأبا أحمد الموسوي [١] ، ولكنا وهبنا إساءتك لخدمتك

стр. 138

وغلّبنا المحافظة فيك على الحفيظة منك؛ وأما استخلافك إياه بحضرتنا فكيف يجوز أن ننقله من السخط والنكبة إلى النظر في الوزارة، ولنا في أمره تدبير. وبالعاجل فتحمل إليه من عندك ثيابا ونفقة، وتطلق ولديه، وتقدّم إليه عنّا بعمل كتاب في مفاخرنا. فحمل إليه المطهر ثيابا ونفقة، وأطلق ولديه والدي وعمي، ورسم له تأليف الكتاب في الدولة الديلمية. وانحدر المطهر وبقي أبو إسحاق في محبسه، وعمل الكتاب، فكان إذا ارتفع جزء منه حمل إلى الحضرة العضدية حتى يقرأه ويتصفحه ويزيد فيه وينقص منه، فلما تكامل على ما أراده حرّر وحمل كلاما محررا فيقال إنه قرىء عليه في أسبوع، وتركه في الحبس بعد ذلك سنة، واتفق أن خرج إلى الزيارة وعاد، فعمل فيه قصيدة يهنئه فيها بمقدمه ويذكّره بأمره، منها [١] : أهلا بأشرف أوبة وأجلّها ... لأجلّ ذي قدم يلاذ بنعلها شاهانشاه تاج ملّته التي ... زيدت به في قدرها ومحلّها يا خير من زهت المنابر باسمه ... في دولة علقت يداه بحبلها وأقمت فينا سيرة عمرية [٢] ... هيهات لا تأتي الملوك بمثلها يردى غويّ فاجر في بأسها ... ويعيش برّ صالح في فضلها مولاي عبدك حالف لك حلفة ... تعيا مناكب يذبل عن حملها لقد انتهى شوقي إليك إلى التي ... لا أستطيع أقلّها من ثقلها طوبى لعين أبصرتك ومن لها ... بغبار دارك جازيا عن كحلها ضلو بعتني بجميع عمري لفظة ... أو لحظة بالطرف لم أستغلها أترى أمرّ بخطرة من بالها ... أترى أعود إلى كثافة ظلها لي ذمّة محفوظة في ضمنها ... ووثائق محروسة في كفلها وإذا رأيت سحائبا لك ثرّة ... تروي النفوس الحائمات بهطلها لا في الرجال الناقعين بوبلها ... كلّا ولا في القانعين بطلّها

стр. 139

قابلت بالزفرات هبّة ريحها ... وحكيت بالعبرات درّة سجلها فلو أن عيني راهنت بدموعها ... يمناك في السقيا لفزت بخصلها قال: قد كان أبو إسحاق يكاتب عضد الدولة في الحبس بالأشعار ويرقّقه، فما رققه شيء كقصيدته القافيّة، ومنها: أجل في البنين الزّهر طرفك إنهم ... حووا كلّ مرأى للأحبة مؤنق وتمّت لك النعمى بقرب كبيرهم ... فأهلا به من طارق خير مطرق موال لنا مثل النجوم مطيفة ... بمولى موال منك كالبدر مشرق وقد ضمّهم شمل لديك مؤلّف ... فأرث لذي الشمل الشتيت المفرق وإن كنت يوما عنهم متصدّقا ... فمن مثل ما خوّلت فيهم تصدّق فلي مقلة تقذى إذا ما مددتها ... إلى حلّة ممن أعول ودردق إناث وذكران أبيت من أجلهم ... على كمد بين الحجابين مقلق رسائلهم تأتي بما يلذع الحشا ... ويصدع قلب النازع المتشوق فباكية ترثي أباها ولم يمت ... وبائنة من بعلها لم تطلّق وزغب من الأطفال أبناء منزل ... شوارد عنه كالقطا المتمزق إذا حرّقوا قلبي بنجواهم انثنت ... علاك تناجيني فتطفي تحرّقي شهدت لئن أنكرت أنك صنتني ... ولم أرع ما أوليتني من ترفّق لقد ضيّع المعروف عندي وأصبحت ... ودائعه مودوعة عند أحمق وحبسك لي جاه عريض ورفعة ... وقيدك في ساقيّ تاج لمفرقي وما موثق لم تطّرحه بموثق ... ولا مطلق لم تصطنعه بمطلق خلا أن أعواما كملن ثلاثة ... تعرقت البقيا أشدّ تعرق وقد ظمئت عيني التي أنت نورها ... إلى نظرة من وجهك المتألق فيا فرحتي إن ألقه قبل ميتتي ... ويا حسرتي إن متّ من قبل نلتقي خدمتك مذ عشرون عاما موفقا ... فهب لي يوما واحدا لم أوفّق

стр. 140

فإن يك ذنب ضاق عندي عذره ... فعندك عفو واسع غير ضيق قال: وسمعت أبا الريان حامد [١] بن محمد الوزير يقول لجدي، وهما في مجلس أنس وأنا حاضر معهما، لما أنفذت القصيدة اللامية [٢] بالتهنئة عند قدوم عضد الدولة من الزيارة عرضتها عليه في وقت كان عبد العزيز بن يوسف غير حاضر فيه، فقرأها ثمّ رفع رأسه إليّ وإلى [أبي] عبد الله ابن سعدان، وكنت آمنه عليك وأعلم أنّ اعتقاده يوافق اعتقادي فيك، فقال: قد طال حبس هذا المسكين ومحنته، فقبّلت أنا وهو الأرض عند ذلك، فقال لنا: كأنكما تؤثران إطلاقه، قلنا: إنّ من أعظم حقوقه علينا وذرائعه عندنا أن عرفناه في خدمتك وخالطناه في أيامك، قال: فإذا كان هذا رأيكما فيه فانفذا وأفرجا عنه، وتقدّما إليه عنا بملازمة منزله إلى أن يرسم له ما [يليق] بمثله. قال أبو الريان، فخرجت مبادرا وأنفذت لشكرستان صاحبي، وأنفذ ابن سعدان محمدا لاواتيه [؟] وانتظرت عودهما بما فعلاه من صرفك إلى دارك، فأبطا عليّ، وكنت أعرف من عادة عضد الدولة أنه يتقدم بالأمر ثم يسأل عنه، فإن كان قد فعل أمضاه ولم يرجع، وإن تأخر فربما بدا له رأي مستأنف في التوقف عنه، فدخلت إلى عضد الدولة في عرض ما أطالعه به [وقلت] : سمع الله في مولانا ما دعي له، فقال: ما تجدد؟ قلت: شاهد الناس أبا إسحاق الصابىء وقد أخرج من محبسه ومضى إلى داره فأكثروا من الدعاء والشكر، فسكت. وشغلت عضد الدولة علته وما أفضى إليه من منيته عن النظر في أمره إلا أنه وصل إلى حضرته فيما بين الإطلاق واشتداد العلة في أيام متفرقة فتفقده بثياب ونفقات عدة دفعات. وكان [٣] الصاحب ابن عباد يحبّه أشدّ الحبّ ويتعصّب له ويتعاهده على بعد الدار بالمنح، وكان الصابىء منذ حبسه عضد الدولة متعطلا إلى أن مات، فكان يواصل حضرة الصاحب بالمدح؛ قال أبو منصور: فقرأت له فصلا من كتاب في ذكر صلة وصلت منه إليه استطرفته جدا وهو: «ورد- أطال الله بقاء سيدنا- أبو العباس أحمد بن

стр. 141

الحسن [١] وأبو محمد جعفر بن شعيب حاجّين، فعرّجا إليّ ملمّين، وعاجا عليّ مسلّمين، فحين عرفتهما وقبل أن أردّ السلام عليهما مددت اليد إلى ما معهما [٢] ، كما مدّها حسان بن ثابت إلى رسول جبلة بن الأيهم، ثقة مني بصلته، وتشوقا إلى تكرمته، واعتيادا لإحسانه، وإلفا لموارد إنعامه، وتيقنا أن الخطرة مني على باله مقرونة [٣] بالنصيب من ماله، وأن ذكراه لي مشفوعة بجدواه علي، وقمت عند ذلك قائما، وقبّلت الأرض ساجدا، وكررت الدعاء والثناء مجتهدا، وسألت الله أن يطيل له البقاء كطول يده بالعطاء، ويمدّ له في العمر كامتداد يده على الحر، وأن يحرس [على] هذا البدد القليل العدد من مشيخة الكتاب ومنتحلي الآداب ما كنفهم به من ذراه، وأفاءه عليهم من نداه، وأسامهم فيه من مراتعه، وأعذبه لهم من شرائعه التي هم محلأون إلا عنها ومحرومون إلا منها» . وكان [٤] الصاحب يتمنى انحياز أبي إسحاق إلى جنبته، وقدومه إلى حضرته، ويضمن له الرغائب على ذلك إما تشوقا وإما تشرفا. وكان أبو إسحاق يحتمل ثقل الخلّة وسوء أثر العطلة ولا يتواضع للاتصال بجملة الصاحب بعد كونه من نظرائه وتحلّيه بالرياسة في أيامه. قال [٥] وأخبرني ثقات منهم أبو القاسم علي بن محمد الكرخي، وكان شديد الاختصاص بالصاحب أنه كثيرا ما كان يقول: كتاب الدنيا وبلغاء العصر أربعة: الأستاذ ابن العميد وأبو القاسم عبد العزيز بن يوسف وأبو إسحاق الصابىء، ولو شئت لذكرت الرابع، يعني نفسه. فأما الترجيح بين هذين الصدرين [٦] ، أعني الصاحب والصابىء، في الكتابة فقد خاض فيه الخائضون وأطنب المحصلون [٧] ؛ ومن أشفى [٨] ما سمعته في ذلك أن الصاحب كان يكتب كما يريد، وأبو إسحاق يكتب

стр. 142

كما يؤمر، وبين الحالين بون بعيد. وكيف جرى الأمر فهما هما، ولقد وقف فلك البلاغة بعدهما. ومما يدلّ على إناخة كلكل الزمان عليه، وصرف صروفه بعد النباهة إليه، فصل كتبه إلى صديق له يستميحه وهو [١] : «ولما صارت صروف الدهر تتوغل بعد التطرّف، وتجحف بعد التحيّف، وصادف ما تجدّد عليّ في هذا الوقت منها أشلاء مني منهوكة، وعظاما مبرية، وحشاشة مشفية، وبقيّة مودية، جعلت أختار الجهات، وأعتام الجنبات، لأنحو منها ما لا يعاب سائله إذا سأل، ولا يخيب آمله إذا أمل، وكان سيّدي أوّلها إذا عدّدت وأولاها إذا اعتمدت، وكتبت كتابي هذا بيد يكاد وجهي، يتظلّم منها إذ تخطه، إشفاقا على مائه مما يريقه، لولا الثقة بأنه يحقن مياه الوجوه ويحميها، ويجمّها ولا يقذيها» . فصل من كتاب إلى عضد الدولة في تهنئة بتحويل سنته [٢] : «أسأل الله مبتهلا لديه، مادّا يدي إليه، أن يحيل على مولانا هذه السنة وما يتلوها من أخواتها بالصالحات الباقيات، والزيادات الغامرات، ليكون كلّ دهر يستقبله وأمد يستأنفه موفيا [٣] على المتقدّم له، قاصرا عن المتأخر عنه، ويوفّيه من العمر أطوله وأبعده، ومن العيش أعذبه وأرغده، عزيزا منصورا، محميّا موفورا [٤] باسطا يده فلا يقبضها إلا على نواصي أعداء وحسّاد، ساميا طرفه فلا يغضّه إلا على لذة غمض ورقاد، مستريحة ركابه فلا يعملها إلا لاستضافة عزّ وملك، فائزة قداحه فلا يجيلها إلا لحيازة مال وملك، حتى ينال أقصى ما تتوجّه إليه أمنيته جامحة، وتسمو له همّته طامحة» . وحدث هلال بن المحسن، حدثني جدي أبو إسحاق- ثم وجدت هذا الخبر بخطّ المحسن بن ابراهيم- قال حدثني والدي أبو إسحاق قال: كان والدي أبو الحسن يلزمني في الحداثة والصبا قراءة كتب الطبّ والتحلّي بصناعته، وينهاني عن التعرّض

стр. 143

لغير ذلك، فقويت فيها قوة شديدة، وجعل لي برسم الخدمة في البيمارستان عشرون دينارا في كلّ شهر، وكنت أتردد إلى جماعة من الرؤساء خلافة له ونيابة عنه، وأنا مع ذلك كاره للطب ومائل إلى قراءة كتب الأدب كاللغة والشعر والنحو والرسائل والأدب، وكان إذا أحسّ بهذا مني يعاتبني عليه وينهاني عنه، ويقول: يا بني لا تعدل عن صناعة أسلافك. فلما كان في بعض الأيام ورد عليه كتاب من بعض وزراء خراسان يتضمّن أشياء كثيرة كلّفه إياها ومسائل في الطبّ وغيره سأله عنها، وكان الكتاب طويلا بليغا قد تأنّق [فيه] منشئه وتغارب. فأجاب عن تلك المسائل، وعمل جملا لما يريده، وأنفذها على يديّ إلى كاتب لم يكن في ذلك العصر أبلغ منه، وسأله إنشاء الجواب عنه، قال: فمضيت وأنشأت أنا الجواب وأطلته وحرّرته وجئت به إليه، فلما قرأه قال: يا بني سبحان الله ما أفضل هذا الرجل وأبلغه، قلت له: هذا من إنشائي، فكاد يطير فرحا وضمّني إليه وقبّل بين عيني وقال: قد أذنت لك الآن فامض فكن كاتبا. كان أبو إسحاق الصابىء واقفا بين يدي عضد الدولة وبين يديه كتب قد وردت عليه من ابن سمجور صاحب خراسان، وعلى رأسه غلام تركي حسن الوجه جميل الخلقة، وكان مائلا إليه، ورأيت الشمس إذا وجبت عليه حجبها عنه إلى أن استتمّ قراءة ما كان في يده، ثم التفت إليه فقال له: هل قلت شيئا يا إبراهيم؟ فقال: وقفت لتحجبني عن الشمس ... نفس أعزّ عليّ من نفسي ظلّت تظللني ومن عجب ... شمس تغيّبني عن الشمس فسرّ بذلك وطوى الكتب، وجعله مجلسا للشرب، وألقى على الجواري الستائر يغنّونه به في ذلك اليوم، وهو الخامس من شوّال سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وكتب إلى بعض أصدقائه: «ولو حملت نفسي على الاستشفاع والسؤال، لضاق علي فيه المرتكض والمجال، لأنّ الناس عندنا- ما خلا الأعيان الشواذّ الذين أنت بحمد الله أولهم- طائفتان: مجاملة ترى أنها قد وفّتك خيرها إذا كفتك شرها، وأجزلت لك رفدها إذا جنبتك كيدها، ومكاشفة تنزو إلى القبيح نزو الجنادب، أو تدبّ دبيب العقارب، فإن عوتبوا حسروا قناع الشقاق، وإن غولظوا تلثّموا بلثام

стр. 144

النفاق، والفريقان في ذاك كما قلت منذ أيام: أيا ربّ كلّ الناس أبناء علّة ... أما تعثر الدنيا لنا بصديق وجوه بها من مضمر الغلّ شاهد ... ذوات أديم في النفاق صفيق اذا اعترضوا عند اللقاء فانهم ... قذى لعيون أو شجى لحلوق وإن أظهروا برد الودود وظلّه ... أسرّوا من الشحناء حرّ حريق أخو وحدة قد آنستني كأنني ... بها نازل في معشر ورفيق فذلك خير للفتى من ثوائه ... بمسبعة من صاحب وصديق ومن خط أبي علي المحسن بن إبراهيم بن هلال: حدثني والدي ﵀ قال: وصفت وأنا حدث للوزير أبي محمد المهلبي، وهو يومئذ يخاطب بالأستاذ، فاستدعى عمي أبا الحسن ثابت بن إبراهيم وسأله عني، والتمس منه [إلحاقي به] ووعده فيّ بكلّ جميل، فخاطبني عمي في ذلك وأشار عليّ به، فامتنعت لانقطاعي إلى النظر في العلوم. وكنت مع هذه الحال شديد الحاجة إلى التصرّف لقرب العهد بالنكبة من توزون التي أتت على أموالنا، فلم يزل بي أبي حتى حملني إليه، فلما رآني تقبّلني وأقبل عليّ ورسم لي الملازمة، وبحضرته في ذلك الوقت جماعة من شيوخ الكتّاب، فلما كان في بعض الأيام وردت عليه عدة كتب من جهات مختلفة، فاستدعاني وسلّمها إليّ، وذكر لي المعاني التي تتضمنها الأجوبة، وأطال القول، فمضيت وأجبت عن جميعها من غير أن أخلّ بشيء من المعاني التي ذكرها، فقرأها حتى أتى على آخرها، وتقدّم إليّ في الحال بإحضار دواتي والجلوس بين يديه متقدما على الجماعة، فلزم بعضهم منزله وجدا وغضبا، وأظهر بعضهم التعالل، فلم أزل أتلطّف وأداري وأغضي على قوارص تبلغني حتى صارت الجماعة إخواني وأصدقائي. وقرأت بخطه أيضا، وفي «كتاب الوزراء» لابنه- قال المحسن: حدثني والدي، وقال هلال: حدثني جدي، واللفظ والمعنى يزيد وينقص، والاعتماد على ما في كتاب هلال لأنه أتم- قال أبو إسحاق: كنت في مجلس الوزير أبي محمد المهلبي في بعض أيام الحداثة جالسا في مجلس أنسه، وبين يديه أبو الفضل العباس ابن الحسين وأبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن وأبو علي الحسين بن محمد الأنباري

стр. 145

وأبو الفرج ابن أبي هشام وغيرهم من خلفائه وكتابه، وقد أخذ الشراب من الجماعة، وزاد بهم على حدّ النشوة، وكانت لي في ذلك مزية لأنني شربت معه أرطالا عدة، إذ حضر رسول الأمير معزّ الدولة يذكر أن معه مهما، فقال أبو محمد: يدخل، فدخل وقال: الأمير يقول: تكتب عني الساعة كتابا إلى محمد بن إلياس صاحب كرمان تخطب فيه ابنته لبختيار، فقال الوزير: هذا كتاب يحتاج إلى تأمل وتثبت، وما في الكتّاب من فيه مع السكر فضل له، ثم التفت إلى أبي علي [ابن] الأنباري فقال له: تتمكن يا أبا علي من كتبه؟ فقال: أما الليلة وعلى مثل هذه الحالة والصورة فلا، ورآني الوزير مصغيا إلى القول متشوفا لما يرسمه لي في ذلك فقال: تكتبه يا أبا إسحاق؟ قلت: نعم، قال: افعل، فقمت إلى صفّة يشاهدني فيها واستدعيت دواتي ودرجا منصوريا وكتبت كتابا اقتضبته بغير رويّة ولا نسخة، والوزير والحاضرون يلاحظوني، ويعجبون من إقدامي ثم اقتضابي و [عدم] إطالتي، فلما فرغت منه أصلحته وعنونته وحملته إليه، فوقف عليه ووجهه متهلّل في أثناء القراءة والتأمّل، ورمى به إلى أبي علي ابن الأنباري ثم قال للجماعة: هذا كتاب حسن دالّ على الكفاية المبرّزة، ولو كتبه صاحيا مروّيا لكان عجبا، فكيف إذ يكتبه منتشيا مقتضبا، ولكنه كاتبي وصنيعتي، قم يا أبا إسحاق من موضعك واجلس هاهنا حيث أجلستك الكفاية، وأومأ إلى جانب أبي الغنائم ابنه، فقبّلت يده ورجله وشكرته ودعوت له، وجلست بحيث أجلسني، وشرب لي سارا، ثم استدعى حاجبه وقال: تقدّم دابته إلى حيث تقدّم دوابّ خلفائي، ويوفّى من الإكبار والإكرام ما يوفونه؛ فحسدني على ذلك كلّ من كان حاضرا، ووفوني من الغد حكم المساواة في المخاطبة والمعاملة، واستشعروا عندها أسباب العداوة والمنافسة. ثم قلدني دواوين الرسائل والمظالم والمعاون تقليدا سلطانيا كتب به عن المطيع لله إلى أصحاب الأطراف. وحدث هلال بن المحسن، قال حدثني جدي أبو إسحاق قال: كان أبو طاهر ابن بقية واقفا بين يدي عضد الدولة في سنة أربع وستين وثلاثمائة التي ورد فيها للمعاونة على الأتراك، فقال لي عضد الدولة: لو عرضت علينا أبياتك إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف التي هي- وأنشدها وكانت-:
следующие страницы →