الحسن [١] وأبو محمد جعفر بن شعيب حاجّين، فعرّجا إليّ ملمّين، وعاجا عليّ مسلّمين، فحين عرفتهما وقبل أن أردّ السلام عليهما مددت اليد إلى ما معهما [٢] ، كما مدّها حسان بن ثابت إلى رسول جبلة بن الأيهم، ثقة مني بصلته، وتشوقا إلى تكرمته، واعتيادا لإحسانه، وإلفا لموارد إنعامه، وتيقنا أن الخطرة مني على باله مقرونة [٣] بالنصيب من ماله، وأن ذكراه لي مشفوعة بجدواه علي، وقمت عند ذلك قائما، وقبّلت الأرض ساجدا، وكررت الدعاء والثناء مجتهدا، وسألت الله أن يطيل له البقاء كطول يده بالعطاء، ويمدّ له في العمر كامتداد يده على الحر، وأن يحرس [على] هذا البدد القليل العدد من مشيخة الكتاب ومنتحلي الآداب ما كنفهم به من ذراه، وأفاءه عليهم من نداه، وأسامهم فيه من مراتعه، وأعذبه لهم من شرائعه التي هم محلأون إلا عنها ومحرومون إلا منها» .
وكان [٤] الصاحب يتمنى انحياز أبي إسحاق إلى جنبته، وقدومه إلى حضرته، ويضمن له الرغائب على ذلك إما تشوقا وإما تشرفا. وكان أبو إسحاق يحتمل ثقل الخلّة وسوء أثر العطلة ولا يتواضع للاتصال بجملة الصاحب بعد كونه من نظرائه وتحلّيه بالرياسة في أيامه. قال [٥] وأخبرني ثقات منهم أبو القاسم علي بن محمد الكرخي، وكان شديد الاختصاص بالصاحب أنه كثيرا ما كان يقول: كتاب الدنيا وبلغاء العصر أربعة: الأستاذ ابن العميد وأبو القاسم عبد العزيز بن يوسف وأبو إسحاق الصابىء، ولو شئت لذكرت الرابع، يعني نفسه. فأما الترجيح بين هذين الصدرين [٦] ، أعني الصاحب والصابىء، في الكتابة فقد خاض فيه الخائضون وأطنب المحصلون [٧] ؛ ومن أشفى [٨] ما سمعته في ذلك أن الصاحب كان يكتب كما يريد، وأبو إسحاق يكتب
стр. 142
كما يؤمر، وبين الحالين بون بعيد. وكيف جرى الأمر فهما هما، ولقد وقف فلك البلاغة بعدهما.
ومما يدلّ على إناخة كلكل الزمان عليه، وصرف صروفه بعد النباهة إليه، فصل كتبه إلى صديق له يستميحه وهو [١] : «ولما صارت صروف الدهر تتوغل بعد التطرّف، وتجحف بعد التحيّف، وصادف ما تجدّد عليّ في هذا الوقت منها أشلاء مني منهوكة، وعظاما مبرية، وحشاشة مشفية، وبقيّة مودية، جعلت أختار الجهات، وأعتام الجنبات، لأنحو منها ما لا يعاب سائله إذا سأل، ولا يخيب آمله إذا أمل، وكان سيّدي أوّلها إذا عدّدت وأولاها إذا اعتمدت، وكتبت كتابي هذا بيد يكاد وجهي، يتظلّم منها إذ تخطه، إشفاقا على مائه مما يريقه، لولا الثقة بأنه يحقن مياه الوجوه ويحميها، ويجمّها ولا يقذيها» .
فصل من كتاب إلى عضد الدولة في تهنئة بتحويل سنته [٢] : «أسأل الله مبتهلا لديه، مادّا يدي إليه، أن يحيل على مولانا هذه السنة وما يتلوها من أخواتها بالصالحات الباقيات، والزيادات الغامرات، ليكون كلّ دهر يستقبله وأمد يستأنفه موفيا [٣] على المتقدّم له، قاصرا عن المتأخر عنه، ويوفّيه من العمر أطوله وأبعده، ومن العيش أعذبه وأرغده، عزيزا منصورا، محميّا موفورا [٤] باسطا يده فلا يقبضها إلا على نواصي أعداء وحسّاد، ساميا طرفه فلا يغضّه إلا على لذة غمض ورقاد، مستريحة ركابه فلا يعملها إلا لاستضافة عزّ وملك، فائزة قداحه فلا يجيلها إلا لحيازة مال وملك، حتى ينال أقصى ما تتوجّه إليه أمنيته جامحة، وتسمو له همّته طامحة» .
وحدث هلال بن المحسن، حدثني جدي أبو إسحاق- ثم وجدت هذا الخبر بخطّ المحسن بن ابراهيم- قال حدثني والدي أبو إسحاق قال: كان والدي أبو الحسن يلزمني في الحداثة والصبا قراءة كتب الطبّ والتحلّي بصناعته، وينهاني عن التعرّض
стр. 143
لغير ذلك، فقويت فيها قوة شديدة، وجعل لي برسم الخدمة في البيمارستان عشرون دينارا في كلّ شهر، وكنت أتردد إلى جماعة من الرؤساء خلافة له ونيابة عنه، وأنا مع ذلك كاره للطب ومائل إلى قراءة كتب الأدب كاللغة والشعر والنحو والرسائل والأدب، وكان إذا أحسّ بهذا مني يعاتبني عليه وينهاني عنه، ويقول: يا بني لا تعدل عن صناعة أسلافك. فلما كان في بعض الأيام ورد عليه كتاب من بعض وزراء خراسان يتضمّن أشياء كثيرة كلّفه إياها ومسائل في الطبّ وغيره سأله عنها، وكان الكتاب طويلا بليغا قد تأنّق [فيه] منشئه وتغارب. فأجاب عن تلك المسائل، وعمل جملا لما يريده، وأنفذها على يديّ إلى كاتب لم يكن في ذلك العصر أبلغ منه، وسأله إنشاء الجواب عنه، قال: فمضيت وأنشأت أنا الجواب وأطلته وحرّرته وجئت به إليه، فلما قرأه قال: يا بني سبحان الله ما أفضل هذا الرجل وأبلغه، قلت له: هذا من إنشائي، فكاد يطير فرحا وضمّني إليه وقبّل بين عيني وقال: قد أذنت لك الآن فامض فكن كاتبا.
كان أبو إسحاق الصابىء واقفا بين يدي عضد الدولة وبين يديه كتب قد وردت عليه من ابن سمجور صاحب خراسان، وعلى رأسه غلام تركي حسن الوجه جميل الخلقة، وكان مائلا إليه، ورأيت الشمس إذا وجبت عليه حجبها عنه إلى أن استتمّ قراءة ما كان في يده، ثم التفت إليه فقال له: هل قلت شيئا يا إبراهيم؟ فقال:
وقفت لتحجبني عن الشمس ... نفس أعزّ عليّ من نفسي
ظلّت تظللني ومن عجب ... شمس تغيّبني عن الشمس
فسرّ بذلك وطوى الكتب، وجعله مجلسا للشرب، وألقى على الجواري الستائر يغنّونه به في ذلك اليوم، وهو الخامس من شوّال سنة إحدى وستين وثلاثمائة.
وكتب إلى بعض أصدقائه: «ولو حملت نفسي على الاستشفاع والسؤال، لضاق علي فيه المرتكض والمجال، لأنّ الناس عندنا- ما خلا الأعيان الشواذّ الذين أنت بحمد الله أولهم- طائفتان: مجاملة ترى أنها قد وفّتك خيرها إذا كفتك شرها، وأجزلت لك رفدها إذا جنبتك كيدها، ومكاشفة تنزو إلى القبيح نزو الجنادب، أو تدبّ دبيب العقارب، فإن عوتبوا حسروا قناع الشقاق، وإن غولظوا تلثّموا بلثام
стр. 144
النفاق، والفريقان في ذاك كما قلت منذ أيام:
أيا ربّ كلّ الناس أبناء علّة ... أما تعثر الدنيا لنا بصديق
وجوه بها من مضمر الغلّ شاهد ... ذوات أديم في النفاق صفيق
اذا اعترضوا عند اللقاء فانهم ... قذى لعيون أو شجى لحلوق
وإن أظهروا برد الودود وظلّه ... أسرّوا من الشحناء حرّ حريق
أخو وحدة قد آنستني كأنني ... بها نازل في معشر ورفيق
فذلك خير للفتى من ثوائه ... بمسبعة من صاحب وصديق
ومن خط أبي علي المحسن بن إبراهيم بن هلال: حدثني والدي ﵀ قال: وصفت وأنا حدث للوزير أبي محمد المهلبي، وهو يومئذ يخاطب بالأستاذ، فاستدعى عمي أبا الحسن ثابت بن إبراهيم وسأله عني، والتمس منه [إلحاقي به] ووعده فيّ بكلّ جميل، فخاطبني عمي في ذلك وأشار عليّ به، فامتنعت لانقطاعي إلى النظر في العلوم. وكنت مع هذه الحال شديد الحاجة إلى التصرّف لقرب العهد بالنكبة من توزون التي أتت على أموالنا، فلم يزل بي أبي حتى حملني إليه، فلما رآني تقبّلني وأقبل عليّ ورسم لي الملازمة، وبحضرته في ذلك الوقت جماعة من شيوخ الكتّاب، فلما كان في بعض الأيام وردت عليه عدة كتب من جهات مختلفة، فاستدعاني وسلّمها إليّ، وذكر لي المعاني التي تتضمنها الأجوبة، وأطال القول، فمضيت وأجبت عن جميعها من غير أن أخلّ بشيء من المعاني التي ذكرها، فقرأها حتى أتى على آخرها، وتقدّم إليّ في الحال بإحضار دواتي والجلوس بين يديه متقدما على الجماعة، فلزم بعضهم منزله وجدا وغضبا، وأظهر بعضهم التعالل، فلم أزل أتلطّف وأداري وأغضي على قوارص تبلغني حتى صارت الجماعة إخواني وأصدقائي.
وقرأت بخطه أيضا، وفي «كتاب الوزراء» لابنه- قال المحسن: حدثني والدي، وقال هلال: حدثني جدي، واللفظ والمعنى يزيد وينقص، والاعتماد على ما في كتاب هلال لأنه أتم- قال أبو إسحاق: كنت في مجلس الوزير أبي محمد المهلبي في بعض أيام الحداثة جالسا في مجلس أنسه، وبين يديه أبو الفضل العباس ابن الحسين وأبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن وأبو علي الحسين بن محمد الأنباري
стр. 145
وأبو الفرج ابن أبي هشام وغيرهم من خلفائه وكتابه، وقد أخذ الشراب من الجماعة، وزاد بهم على حدّ النشوة، وكانت لي في ذلك مزية لأنني شربت معه أرطالا عدة، إذ حضر رسول الأمير معزّ الدولة يذكر أن معه مهما، فقال أبو محمد: يدخل، فدخل وقال: الأمير يقول: تكتب عني الساعة كتابا إلى محمد بن إلياس صاحب كرمان تخطب فيه ابنته لبختيار، فقال الوزير: هذا كتاب يحتاج إلى تأمل وتثبت، وما في الكتّاب من فيه مع السكر فضل له، ثم التفت إلى أبي علي [ابن] الأنباري فقال له: تتمكن يا أبا علي من كتبه؟ فقال: أما الليلة وعلى مثل هذه الحالة والصورة فلا، ورآني الوزير مصغيا إلى القول متشوفا لما يرسمه لي في ذلك فقال: تكتبه يا أبا إسحاق؟
قلت: نعم، قال: افعل، فقمت إلى صفّة يشاهدني فيها واستدعيت دواتي ودرجا منصوريا وكتبت كتابا اقتضبته بغير رويّة ولا نسخة، والوزير والحاضرون يلاحظوني، ويعجبون من إقدامي ثم اقتضابي و [عدم] إطالتي، فلما فرغت منه أصلحته وعنونته وحملته إليه، فوقف عليه ووجهه متهلّل في أثناء القراءة والتأمّل، ورمى به إلى أبي علي ابن الأنباري ثم قال للجماعة: هذا كتاب حسن دالّ على الكفاية المبرّزة، ولو كتبه صاحيا مروّيا لكان عجبا، فكيف إذ يكتبه منتشيا مقتضبا، ولكنه كاتبي وصنيعتي، قم يا أبا إسحاق من موضعك واجلس هاهنا حيث أجلستك الكفاية، وأومأ إلى جانب أبي الغنائم ابنه، فقبّلت يده ورجله وشكرته ودعوت له، وجلست بحيث أجلسني، وشرب لي سارا، ثم استدعى حاجبه وقال: تقدّم دابته إلى حيث تقدّم دوابّ خلفائي، ويوفّى من الإكبار والإكرام ما يوفونه؛ فحسدني على ذلك كلّ من كان حاضرا، ووفوني من الغد حكم المساواة في المخاطبة والمعاملة، واستشعروا عندها أسباب العداوة والمنافسة. ثم قلدني دواوين الرسائل والمظالم والمعاون تقليدا سلطانيا كتب به عن المطيع لله إلى أصحاب الأطراف.
وحدث هلال بن المحسن، قال حدثني جدي أبو إسحاق قال: كان أبو طاهر ابن بقية واقفا بين يدي عضد الدولة في سنة أربع وستين وثلاثمائة التي ورد فيها للمعاونة على الأتراك، فقال لي عضد الدولة: لو عرضت علينا أبياتك إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف التي هي- وأنشدها وكانت-:
стр. 146
يا راكب الجسرة العيرانة الأجد ... تدمى مناسمها في الحزن والجدد
أبلغ أبا قاسم نفسي الفداء له ... مقالة من أخ للحقّ معتمد
أنصفت فيها ولم أظلم وما حسن ... بالمرء إلا مقال الحقّ والسدد
في كلّ يوم لكم فتح له خطر ... يشاد فيه بذكر السّيد العضد
وما لنا مثله لكننا أبدا ... نجيبكم بجواب الحاسد الكمد
فأنت أكتب منّي في الفتوح وما ... تجري مجيبا إلى شأوي ولا أمدي
إذ لست تعرفها تأتيك من أحد ... ولست أعرفها تمضي إلى أحد
وما ذممت ابتدائي إذ بدأتكم ... ولا جوابكم في القرب والبعد
وإنما رمت أن أثني على ملك ... مستطرد بدليل فيه مطرد
قال: فلما استتمها قال لأبي طاهر: ما قصد أبو إسحاق في هذه الأبيات؟
وسمعها أبو طاهر صفحا، وقد كان شرب أقداحا ولم يعلق بذكره من الأمر إلا ذكر المجلس، واشتهر خبرها عند كلّ أحد، فلما عاد عضد الدولة إلى شيراز سألني أبو طاهر ابن بقية عنها، وطالبني بإنشادها إياه فلم يمكنّي إنكارها فغيرتها في الحال على هذا [الوجه] :
يا راكب الجسرة العيرانة الأجد ... تدمى مناسمها في الحزن والجدد
أبلغ أبا قاسم نفسي الفداء له ... مقالة من أخ للودّ معتقد
أنصفت فيها ولم أظلم ولا حسن ... بالمرء إلا مقال الحقّ والسدد
قد أعجبتك فتوح أنت كاتبها ... تردّد السجع فيها غير متئد
خلا لك الجوّ إذ أصبحت منتشيا ... تشدو بها طربا كالطائر الغرد
تروعني كلّ يوم منك رائعة ... تبغي الجواب لها من موجع كمد
فأنت أكتب مني في الفتوح وما ... تجري مجيبا إلى شأوي ولا أمدي
أعطيتني شرّ قسميها وفزت بما ... فيه الفوائد من قرب ومن بعد
فاشكر إلاهك واعذرني فقد صدئت ... قريحتي من زمان مقرف نكد
ثم سعي بأبي إسحاق إلى عزّ الدولة حتى قبض عليه بعد أن أعطانا أمانا كتبه ابن
стр. 147
بقية بيده، ولم يستقص ابن بقية عليه لحقّ كان قد أوجبه عليه أيام كون عضد الدولة ببغداد، فكتب أبو إسحاق إلى ابن بقية من الحبس:
ألا يا نصير الدين والدولة التي ... رددت إليها العزّ إذ فات ردّه
أيعجزك استخلاص عبدك بعدما ... تخلّصت مولاك الذي أنت عبده
وكتب أبو إسحاق إلى المطهر بن عبد الله وزير عضد الدولة، وقد عرضت له شكاة:
ولو استطعت أخذت علّة جسمه ... فقرنتها مني بعلّة حالي
وجعلت صحّتي التي لم تصف لي ... بدلا له من صحة الإقبال
فتكون عندي العلّتان كلاهما ... والصحتان له بغير زوال
قرأت بخط أبي علي ابن إبراهيم الصابىء، كتب والدي إلى بعض إخوانه:
«كانت رقعتك يا سيدي وصلت إليّ مشتملة من لطيف تفضلك وبرّك، وأنيق نظمك ونثرك، على ما شغلني الاستحسان له، والاسترواح إليه، وتكرير الطرف في مبانيه، والفكر في معانيه، عن الشروع في الإجابة عنه، ثم تعاطيتها فوجدتني بين حالين:
إما أوجزت إيجازا يظنّ معه التقصير، أو أطلت إطالة يظهر فيها القصور، فرأيت أولى الأمرين بذل الممكن واستنفاد الجمهود، بعد تقديم الإقرار والاعتراف بفضلك:
فسبحان ربّ كريم حباك ... بطول اللسان وطول البنان
ووفّاك من فضل إنعامه ... كمالا تقصّر عنه الأماني
فما كنت أحسب أنّ الزمان ... يزان [١] بمثلك لولا عياني
ومن خطه: حدثني والدي أبو إسحاق قال: راسلت أبا الطيب المتنبي ﵀ في أن يمدحني بقصيدتين وأعطيه خمسة آلاف درهم، ووسطت بيني وبينه رجلا من وجوه التجار، فقال: قل له والله ما رأيت بالعراق من يستحقّ المدح غيرك، ولا أوجب عليّ في هذه البلاد أحد من الحق ما أوجبت، وإن أنا مدحتك تنكّر لك الوزير- يعني أبا محمد المهلبي- وتغير عليك. لأنني لم أمدحه، فإن كنت لا تبالي
стр. 148
بهذه الحالة فأنا أجيبك إلى ما التمست، وما أريد منك منالا ولا عن شعري عوضا، قال والدي: فتنبهت على موضع الغلط، وعلمت أنه قد نصح، فلم أعاوده.
ومن شعر أبي إسحاق قوله [١] :
جرت الجفون دما وكاسي في يدي ... شوقا إلى من لجّ في هجراني
فتخالف الفعلان شارب قهوة ... يبكي دما وتشاكل اللونان
فكأنّ ما في الجفن من كاسي جرى ... وكأن ما في الكاس من أجفاني
وله أيضا:
أيها اللائم المضيّق صدري ... لا تلمني فكثرة اللوم تغري
قد أقام القوام حجّة عشقي ... وأبان العذار في الحبّ عذري
وله أيضا وهو في غاية الجودة:
حذّرت قلبي أن يعود إلى الهوى ... لما تبدّل بالنزاع نزوعا
فأجابني لا تخش مني بعد ما ... أفلتّ من شرك الغرام وقوعا
حتى إذا داع دعاه إلى الهوى ... أصغى إليه سامعا ومطيعا
كذبالة أخمدتها فكما دنا ... منها الضّرام تعلقته سريعا
وله أيضا:
مرضت من الهوى حتى إذا ما ... بدا ما بي لإخواني الحضور
تكنّفني ذوو الإشفاق منهم ... ولا ذوا بالدعاء وبالنذور
وقالوا للطبيب أشر فإنا ... نعدّك للعظيم من الأمور
فقال شفاؤه الرمان مما ... تضمنه حشاه من السعير
فقلت لهم أصاب بغير قصد ... ولكن ذاك رمّان الصدور
وله أيضا:
إلى الله أشكو ما لقيت من الهوى ... بجارية أمسى بها القلب يلهج
стр. 149
إذا امتزجت أنفاسنا بالتثامنا ... توهمت أن الروح بالروح يمزج
كأني وقد قبلتها بعد هجعة ... ووجدي ما بين الجوانح يلعج
أضفت إلى النفس التي بين أضلعي ... بأنفاسها نفسا إلى الصدر تولج
فإن قيل لي اختر أيما شئت منهما ... فإني إلى النفس الجديدة أحوج
وله أيضا:
أقول وقد جرّدتها من ثيابها ... وعانقتها كالبدر في ليلة التمّ
وقد آلمت صدري لشدّة ضمها ... لقد جبرت قلبي وإن أوهنت عظمي
وله أيضا:
إن نحن قسناك بالغصن الرطيب فقد ... خفنا عليك به ظلما وعدوانا
لأنّ أحسن ما نلقاه مكتسيا ... وأنت أحسن ما نلقاك عريانا
وله أيضا [١] :
فديت من لا حظني طرفها ... من خيفة الناس بتسليمته
لما رأت بدر الدجى تائها ... وغاظها ذلك من شيمته
نضت له البرقع عن وجهها ... فردّت البدر إلى قيمته
وكتب أبو إسحاق إلى الوزير أبي نصر سابور بن أردشير جوابا عن كتاب إليه:
أتتني على بعد المدى منك نعمة ... تشاكل ما قدّمت من نعم عندي
كتابك مطويا على كلّ منّة ... يمنّ بها المولى الكريم على العبد
فقبّلت إجلالا له الأرض ساجدا ... وعفّرت قدّام الرسول بها خدي
وقابلت ما فيه من الطّول والندى ... بما فيّ من شكر عليه ومن حمد
وعاليت نحو العرش طرفي باسطا ... يدي بدعاء قد بذلت به جهدي
وكم لك عندي من يد قد حفظتها ... ولم ينسنيها ما تطاول من عهد
стр. 150
وقال في غلام له اسمه رشد أسود [١] :
قد قال رشد وهو أسود للذي ... ببياضه استعلى علوّ الخاتن
ما فخر خدّك بالبياض وهل ترى ... أن قد أفدت به مزيد محاسن
ولو أنّ مني فيه خالا زانه ... ولو أنّ منه فيّ خالا شانني
وله فيه أيضا [٢] :
لك وجه كأنّ يمناي خطته ... بلفظ تملّه آمالي
فيه معنى من البدور ولكن ... نفضت صبغها عليه الليالي
لم يشنك السواد بل زاد حسنا ... إنما يلبس السواد الموالي
وله في البق [٣] :
وللة لم أذق من حرّها وسنا ... كأنّ في جوها النيران تشتعل
حاط بي عسكر للبق ذو لجب ... ما فيه إلا شجاع فاتك بطل
من كلّ شائلة الخرطوم طاعنة ... لا تحجب السّجف [٤] مسراها ولا الكلل
صامو علينا وحرّ الصيف يطبخنا ... حتى إذا نضجت أجسادنا أكلوا
وقال يذمّ البصرة وكان قد خرج إليها لاستيفاء مال السلطان:
ليس يغنيك في التطهر بالبص ... رة إن حانت الصلاة اجتهاد
إن تطهرت فالمياه سلاح ... أو تيممت فالصعيد سماد
وقال عند رحيله عنها:
تولّيت عن ارض البصيرة راحلا ... وأفئدة الفتيان حشو حقائبي
؟؟؟ ضيفها كلّ ليلة ... بأمثال غزلان الصريم الربائب
اقمت بها سوق الصبا والندى معا ... لعاشقة حيرى وحيران لاغب
стр. 151
فما تظهر الأسواق إلا صنائعي ... ولا تستر الجدران إلا حبائبي
وقال وقد عتب على بعض ولده:
أرضى عن ابني إذا ما عقنى حدبا ... عليه أن يغضب الرحمن من غضبي
ولست أدري لم استحققت من ولدي ... إقذاء عيني وقد أقررت عين أبي
وكتب إلى بعض الرؤساء يلتمس منه إشغال بعض ولده وإجراء رزق عليه:
وما أنا إلا دوحة قد غرستها ... وسقّيتها حتى تراخى بها المدى
فلما اقشعرّ العود منها وصوّحت ... أتتك بأغصان لها تطلب الندى
وكتب إليه أبو عليّ المحسن ابنه تسلية في إحدى نكباته:
لا تأس للمال إن غالتك غائلة ... ففي جنابك من فقد اللهى عوض
إذ أنت جوهرنا الأعلى وما جمعت ... يداك من طارف أو تالد عرض
وأجابه أبو إسحاق:
يا درة أنا من دون الورى صدف ... لها أقيها المنايا حين تعترض
قد قلت للدهر قولا كان مصدره ... عن نية لم يشب إخلاصها مرض
دع المحسّن يحيا فهو جوهرة ... جواهر الأرض طرّا عندها عرض
والنفس لي عوض عما أصيب به ... وإن أصبت بنفسي فهو لي عوض
اتركه لي وأخاه ثم خذ سلبي ... ومهجتي فهما مغزاي والغرض
وقال يمدح المهلبي [١] :
وكم من يد بيضاء حازت جمالها ... يد لك لا تسودّ إلا من النّقس
إذا رقشت بيض الصحائف خلتها ... تطرّز بالظلماء أردية الشمس
وله فيه وقد فصد من غير علة [٢] :
стр. 152
لهجت يمينك بالندى فبنانها ... أبدا يفيض على العفاة عطاء
حتى فصدت وما بجسمك علة ... كيما تسبّب للطبيب حباء
ولقد أرقت دما زكيا من يد ... حقنت بتدبير الأمور دماء
يجري العلا في عرقه جري الندى ... في عوده فهو اللباب صفاء
لو تقدر الأحرار حين أرقته ... جعلوا له حبّ القلوب وعاء
فانعم وعش في صحة وسلامة ... تحيي الوليّ وتكبت الأعداء
وله أيضا فيه:
لا تحسب الملك الذي أعطيته ... يفضي وإن طال الزمان إلى مدى
كالروح في أفق السماء فروعه ... وعروقه متولجات في الندى
في كلّ عام يستجدّ شبيبة ... فيعود ماء العود فيه كما بدا
حتى كأنك دائر في حلقة ... فلكية في منتهاها المبتدا
وله في ابن سعدان:
ومازلت من قبل الوزارة جابري ... فكن رائشي إذ أنت ناه وآمر
أمنت بك المحذور إذ كنت شافعا ... فبلّغني المأمول إذ أنت قادر
لعمري لقد نلت المنى بك كلّها ... وطرفي إلى نيل المنى لك ناظر
عكس قول المهلبي:
بلغت الذي قد كنت آمله بكم ... وإن كنت لم أبلغ لكم ما أؤمّل
وله إلى الصاحب:
لما وضعت صحيفتي ... في بطن كفّ رسولها
قبّلتها لتمسّها ... يمناك عند وصولها
وتودّ عيني أنها ... اكتحلت ببعض فصولها
حتى ترى في وجهك ... الميمون غاية سولها
стр. 153
وقال لأبي القاسم عبد العزيز بن يوسف:
أبو قاسم عبد العزيز بن يوسف ... عليه من العلياء عين تراقبه
روى ورعى لما رأى قول قائل ... «وشبع الفيى لؤم إذا جاع صاحبه»
وله تهنئة بالعيد:
يا سيدا أضحى الزما ... ن بأسره منه ربيعا
أيام دهرك لم تزل ... للناس أعيادا جميعا
حتى لأوشك بينها ... عيد الحقيقة أن يضيعا
فاسلم لنا ما أشرقت ... شمس على أفق طلوعا
واسعد بعيد ما يزا ... ل إليك معتقدا رجوعا
وله أيضا يهنىء عضد الدولة بالأضحى:
صلّ ياذا العلا لربّك وانحر ... كلّ ضد وشانيء لك أبتر
أنت أعلى من أن تكون ... أضاحيك قروما من الجمال لتعقر
بل قروما من الملوك ذوي السؤ ... دد تيجانها أمامك تنثر
كلما خرّ ساجدا لك رأس ... منهم قال سيفك الله اكبر
وله أيضا:
ولما رأيت الله يهدي وخلقه ... تجاسرت واستفرغت جهد جهيد
فكان احتفالي في الهدية درهما ... يطير على الأنفاس يوم ركود
وجزءا لطيفا ذرعه ذرع محبسي ... وتقييده بالشكل مثل قيودي
ألاطف مولانا وكالماء طبعه ... تسلسل من عذب النطاف برود
وكتب إلى الوزير أبي نصر سابور بن أردشير وقد أعيد إلى الوزارة:
قد كنت طلّقت الوزارة بعدما ... زلّت بها قدم وساء صنيعها
فغدت بغيرك تستحلّ ضرورة ... كيما يحلّ إلى ذراك رجوعها
والآن آلت ثم آلت حلفة ... ألّا يبيت سواك وهو ضجيعها
стр. 154
وله يهجو:
أيها النابح الذي يتصدّى ... بقبيح يقوله لجوابي
لا تؤمّل أني أقول لك اخسأ ... لست أسخو بها لكلّ الكلاب
وله يهجو:
وراكب فوق طرف ... كأنه فوق طرفي
له قذال متين ... يجلّ عن كلّ وصف
يذوب شوقا إليه ... نعلي وخفّي وكفي
وله يهجو:
يبدي اللواط مغالطا وعجانه ... أبدا لأعواد الورى مستهدف
فكأنه ثعبان موسى إذ غدا ... لحبالهم وعصيّهم يتلقّف
وله يصف الشعر:
لقد شان شأن الشعر قوم كلامهم ... إذا نظموا شعرا من الثلج أبرد
فيا ربّ إن لم تهدهم لصوابه ... فأضللهم عن وزن ما لم يجوّدوا
وله أيضا:
إذا جمعت بين امرأين صناعة ... فأحببت أن تدري الذي هو أحذق
فلا تتفقد منهما غير ما جرت ... به لهما الأرزاق حين تفرّق
فحيث يكون النقص فالرزق واسع ... وحيث يكون الفضل فالرزق ضيق
وله أيضا:
كلّ الورى من مسلم ومعاهد ... للدين منه فيك أعدل شاهد
فإذا رآك المسلمون تيقنوا ... حور الجنان لدى النعيم الخالد
وإذا رأى منك النصارى ظبية ... تعطو ببدر فوق غصن مائد
أثنوا على تثليثهم واستشهدوا ... بك إذ جمعت ثلاثة في واحد
وإذا اليهود رأوا جبينك لامعا ... قالوا لدافع دينهم والجاحد
стр. 155
هذا سنا الرحمن حين أبانه ... لكليمه موسى النبيّ العابد
ويرى المجوس ضياء وجهك فوقه ... مسودّ فرع كالظلام الراكد
فتقوم بين ظلام ذاك ونور ذا ... حجج أعدّوها لكلّ معاند
أصبحت شمسهم فكم لك فيهم ... من راكع عند الظلام وساجد
والصابئون يرون أنك فردة ... في الحسن إقرارا لفرد ماجد
كالزهرة الزهراء أنت لديهم ... مسعودة بالمشتري وعطارد
فعلى يديك جميعهم مستبصر ... في الدين من غاوي السبيل وراشد
أصلحتهم وفتنتني فتركتني ... من بينهم أسعى بدين فاسد
قرأت بخط أبي على المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابىء، حدثني أبو الحسن محمد بن عبد الله بن سكرة الهاشمي الشاعر قال: أعانني والدك أبو إسحاق إبراهيم بن هلال في هجائي خمرة المجنونة بالشيء الكثير فمن ذلك [١] :
لخمرة عندي حديث يطول ... رأتني أبول فكادت تبول
وقالت تقول بنا يا فتى ... فقلت وأدليت لم لا أقول
فلما نهضت أتتني رقاع ... وجاءت هدايا ووافى رسول
ومن ذلك أيضا:
نام أيري وقد تولّج فيها ... قائلا فيه من هجير وحرّ
بيت خيش في برده ونداه ... سجفت دونه شريحة بظر
نعم مستبرد الغراميل لولا ... أنه منتن خبيث المقرّ
ومن ذلك أيضا:
ألا هل قائل مني لخمره ... فقدتك كلّ شيء منك عبره
ألا كلّ النوى في السر يخفى ... وقد أخفت نواتك كلّ بسره
إذا وردتك فيشة ذي جمام ... ترفّ نضارة وتروق حمره
стр. 156
تولّت عنك صفراء النواحي ... عليها من ثياب حشاك صدره
فتدخل وهي فيشة جيسوان ... وتخرج وهي كالبرنيّ صفره
ومن خط أبي علي المحسن، حدثني السري بن أحمد الشاعر الرفاء قال:
أنشدني والدك لنفسه:
مازلت في سكري ألمّع كفّها ... وذراعها بالقرص والآثار
حتى تركت أديمها وكأنما ... غرس البنفسج منه في الجمّار
وأخذت هذا المعنى فقلت [١] :
أحبب [٢] إليّ بفتية نادمتهم ... بين المحلّة والقباب البيض
من كلّ محض الجاهلية معرق ... في الخرّميّة بالعدا عرّيض
وسموا الأكفّ بخضرة فكأنما ... غرسوا بها الريحان في الإغريض
ومن خطّه لأبي الحسن ابن سكرة الهاشمي من قصيدة إلى والدي وعمي أبي العلاء رحمهما الله:
إيمنوا يا بني هلال جميعا ... نوب الدهر والزمان المعاند
وارتقوا كيف شئتم في المعالي ... وأذلّوا وأهبطوا كلّ حاسد
لكم في أبي العلاء علو ... وصعود ببدره التمّ صاعد
زاد في عزكم وما زال منكم ... كلّ يوم يزيد في الصّيد واحد
وكتب من الحبس إلى ابنه المحسّن وهو أكثر من هذا في ترجمة أبيه [٢] :
كتبت أقيك السوء من مجلس ضنك ... وعين عدوّي رحمة منه لي تبكي
وقد ملكتني كفّ فظّ مسلّط ... قليل التقى ضار على الفتك والإفك
صليت بنار الهمّ فازددت صفوة ... كذا الذهب الابريز يصفو على السبك
стр. 157
وكتب إلى صديق له من الحبس [١] :
نفسي فداؤك غير معتدّ بها ... إذ قد مللت حياتها وبقاءها
ولو أن لي مالا سواها لم أكن ... أرضى لنفسك أن تكون إزاءها
لكن صغرت فلم أجد إلا التي ... قد آن لي أن استطيل ذماءها
وإذا شكرت لمن فداك فإنني ... لك شاكر أن قد قبلت فداءها
وكأنني المفديّ حين أرحتني ... من نائبات ما أطيق لقاءها
وقال في الحبس [٢] :
إذا لم يكن للمرء بد من الردى ... فأسهله ما جاء والعيش أنكد
وأصعبه ما جاءه وهو راتع ... تطيف به اللذات والحظّ مسعد
فان أك شرّ العيشتين أعيشها ... فإني إلى خير المماتين أقصد
وسيان يوما شقوة وسعادة ... إذا كان غبا واحدا لهما الغد
كان [٣] أبو الحسن محمد بن عبد الله بن سكرة ملازما لأبي إسحاق، فتأخر عنه فكتب إليه أبو إسحاق يتعرف خبره ويستبطىء حضوره، فأجابه:
لست ممن يخاف منك حؤولا ... فألاقيك بكرة وأصيلا
عزّ لقياي أنّ عندي نبيذا ... فإذا ما فني أتيت ذليلا
وقال في الشيب [٤] :
يقول الناس لي في الشيب عزّ ... يزيد به جلال المرء ضعفا
ولولا أنه ذلّ وهون ... لما احتكم المزّين فيه نتفا
أخذه من ابن الرومي [٥] :
كفاك من ذلتي للشيب حين أتى ... أني توليت نتفا لحيتي بيدي
стр. 158
وله أيضا [١] :
وجع المفاصل وهو أى ... سر ما لقيت من الأذى
جعل الذي استحسنته ... واليأس من حظي كذا
والعمر مثل الكاس ير ... سب في أواخرها القذى
حدّث الرئيس أبو الحسن هلال قال: قلت لجدّي أبي إسحاق- تجاوز الله عنه- وهو يشكو زمانه: يا سيدي ما نحن بحمد الله تعالى إلا في خير وعافية، ونعمة كافية، فما معنى هذه الشكوى التي تواصلها، ويضيق صدرك بها، ويتنغّص عيشك معها؟ فضحك وقال: يا بني نحن كدود العسل قد نقلنا منه إلى الخل، فهوذا نحسّ بحموضته ونأسى ونحزن على ما كنّا فيه من العسل ولذته، وأنتم كدود الخلّ ما ذقتم حلاوة غيره، ولا رأيتم طلاوة ضدّه.
ولأبي إسحاق من التصانيف: كتاب رسائله وهو مشهور نحو ألف ورقة. كتاب التاجي في أخبار آل بويه. كتاب أخبار أهله. كتاب اختيار شعر المهلبي. كتاب ديوان شعره.
- ٤٢-
إبراهيم بن علي الحصري القيرواني الأنصاري
: قال ابن رشيق في كتاب «الأنموذج» مات بالمنصورة من أرض القيروان سنة ثلاث عشرة وأربعمائة [٢] وقد جاوز الأشد، قال: وكان شاعرا نقادا عالما بتنزيل الكلام وتفصيل النظام، يحبّ المجانسة
стр. 159
والمطابقة، ويرغب في الاستعارة تشبها بأبي تمام في اشعاره وتتبعا لآثاره، وعنده من الطبع ما لو أرسله على سجيته لجرى جري الماء، ورقّ رقة الهواء، كقوله في بعض مقطعاته [١] :
يا هل بكيت كما بكت ... ورق الحمائم في الغصون
هتفت سحيرا والربى ... للقطر رافعة العيون
فكأنها صاغت على ... شجوي شجى تلك اللحون
ذكّرنني عهدا مضى ... للأنس منقطع القرين
فتصرمت أيامه ... وكأنها رجع الجفون
وله في الغزل:
كتمت هواك حتى عيل صبري ... وأدنتني مكاتمتي لرمسي
ولم أقدر على إخفاء حال ... يحول بها الأسى دون التأسي
وحبك مالك لحظي ولفظي ... وإظهاري وإضماري وحسي
فإن أنطق ففيك جميع نطقي ... وإن أسكت ففيك حديث نفسي
وقوله أيضا [٢] :
إني أحبّك حبا ليس يبلغه ... همّي ولا ينتهي فهمي إلى صفته
أقصى نهاية علمي فيه معرفتي ... بالعجز مني عن إدراك معرفته
وله تآليف [٣] جيدة في ملح الشعر والخبر، قال ابن رشيق [٤] : وقد كان أخذ في عمل طبقات الشعراء على رتب الأسنان وكنت أصغر القوم سنا فصنعت:
رفقا أبا إسحاق بالعالم ... حصلت في أضيق من خاتم
لو كان بالسّن تنال العلا [٥] ... فضّل إبليس على آدم
стр. 160
فبلغه البيتان فأمسك عنه واعتذر منه، ومات وقد سدّ عليه باب الفكرة فيه ولم يصنع شيئا. والذي أعرف أنا من تصانيفه: كتاب زهر الآداب. وكتاب النورين [١] اختصره منها، وهما يتضمنان أخبارا وأشعارا حسانا. وكتاب المصون والدر المكنون. وله عندي كتاب الجواهر في الملح والنوادر، كتبه عبد القادر البغدادي [٢] .
- ٤٣-
إبراهيم بن يحيى بن المبارك بن المغيرة
اليزيدي أبو إسحاق بن أبي محمد العدوي: قد ذكر السبب الذي من أجله سمي باليزيدي في خبر أبيه، وكان إبراهيم عالما بالأدب شاعرا مجيدا نادم الخلفاء، وقدم دمشق صحبة المأمون، كذا ذكر ابن عساكر في «تاريخ دمشق» . مات فيما ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في «كتاب المنتظم» سنة خمس وعشرين ومائتين.
قال ابن عساكر: وكان قد سمع أباه أبا محمد اليزيدي وأبا زيد سعيد بن أوس الأنصاري والأصمعي، روى عنه أخوه أبو علي إسماعيل بن يحيى بن المبارك وابنا أخيه أحمد وعبيد الله ابنا محمد بن أبي محمد.
قال الخطيب: وهو بصريّ سكن بغداد، وكان ذا قدر وفضل وحظّ وافر من الأدب، وله كتاب مصنّف يفتخر به اليزيديون وهو «ما اتفق لفظه واختلف معناه» نحو من سبعمائة ورقة، رواه عنه ابن أخيه عبيد الله بن محمد بن أبي محمد، وذكر إبراهيم أنه بدأ بعمله وهو ابن سبع عشرة سنة، ولم يزل يعمله إلى أن أتت عليه ستون سنة. وله كتاب مصادر القرآن، قال ابن النديم [٣] : بلغ فيه إلى سورة الحديد
стр. 161
ومات. وكتاب في بناء الكعبة وأخبارها. وكتاب النقط والشكل. وله كتاب المقصور والممدود.
حدث ابن عساكر [١] في تاريخه بإسناد رفعه إلى إبراهيم بن أبي أحمد عن أبيه قال: كنت مع أبي عمرو بن العلاء في مجلس إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵇، فسأل عن رجل من أصحابه فقده، فقال لبعض من حضره: اذهب فاسأل عنه، فرجع فقال: تركته يريد أن يموت، فضحك منه بعض القوم وقال: في الدنيا إنسان يريد أن يموت؟! فقال إبراهيم: لقد ضحكتم منها عربية إذ يريد هاهنا بمعنى يكاد قال الله تعالى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ
(الكهف: ٧٧) قال: فقال أبو عمرو بن العلاء: لا نزال بخير مادام فينا مثلك.
وحدث أيضا قال، قال إبراهيم اليزيدي: كنت يوما عند المأمون وليس معنا إلا المعتصم، قال: فذكر كلاما فلم أحتمله منه- يعني من المعتصم- وأجبته، قال:
فأخفى ذلك المأمون ولم يظهره ذلك الإظهار، فلما صرت من غد إلى المأمون كما كنت أصير قال لي الحاجب: أمرت أن لا آذن لك، فدعوت بدواة وقرطاس فكتبت [٢] :
أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
سكرت فأبدت منّي الكاس بعض ما ... كرهت وما إن يستوي السكر والصحو
ولا سيما إذ كنت عند خليفة ... وفي مجلس ما إن يليق به اللغو
ولولا حميّا الكاس كان احتمال ما ... بدهت به لا شكّ فيه هو السرو
تنصّلت من ذنبي تنصّل ضارع ... إلى من لديه [٣] يغفر العمد والسّهو
فإن تعف عني ألف [٤] خطوي واسعا ... وإلا يكن عفو فقد قصر الخطو
стр. 162
قال: فأدخلها الحاجب ثم خرج إليّ فأدخلني، فمدّ المأمون باعيه فأكببت على يديه أقبلهما [١] فضمني إليه وأجلسني.
قال المرزباني: إن المأمون وقّع على ظهر هذه الأبيات:
إنما مجلس الندامى بساط ... للمودات بينهم وضعوه
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا ... من حديث ولذة رفعوه
وحدث أبو الفرج الأصبهاني في كتابه [٢] ورفعه إلى إبراهيم بن اليزيدي قال:
كنت مع المأمون في بلد الروم، فبينا أنا أسير في ليلة مظلمة شاتية ذات غيم وريح وإلى جانبي قبة إذ برقت بارقة [٣] فإذا في القبة عريب المغنية جارية المأمون، فقالت:
إبراهيم بن اليزيدي؟ فقلت: لبيك، فقالت: قل في هذا البرق أبياتا أغني فيها، فقلت:
ماذا بقلبي من أليم الخفق ... إذا رأيت لمعان البرق
من قبل الأردنّ أو دمشق ... لأنّ من أهوى بذاك الأفق
فارقته وهو أعزّ الخلق ... عليّ والزّور خلاف الحق
ذاك الذي يملك منّي رقّي ... ولست أبغي ما حييت عتقي
فتنفّست نفسا ظننت أنه قد قطع حيازيمها، فقلت: ويحك على من هذا؟! فضحكت وقالت: على الوطن، فقلت: هيهات ليس هذا كله للوطن، فقالت:
ويحك أفتراك ظننت أنك تستفزني؟ والله لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس فادعاها أكثر من ثلاثين رئيسا، والله ما علم أحد منهم لمن كانت إلى هذا الوقت.
ووجدت في بعض الكتب أن إبراهيم اليزيديّ دخل يوما على المأمون وعنده يحيى بن أكثم القاضي، فأقبل يحيى على إبراهيم يمازحه وهم على الشراب، فقال له فيما قال: ما بال المعلمين ينيكون الصبيان؟ فرفع إبراهيم رأسه فإذا المأمون يحرّض
стр. 163
يحيى على العبث به، فغاظ ذلك إبراهيم، فقال: أمير المؤمنين أعلم خلق الله بهذا، فإن أبي أدبه، فقام المأمون من مجلسه مغضبا، ورفعت الملاهي وكلّ ما كان بحضرته. فأقبل يحيى بن أكثم على إبراهيم فقال له: أتدري ما خرج من رأسك؟
إني لأرى هذه الكلمة سببا في انقراضكم يا آل اليزيدي، قال إبراهيم: فزال عني السكر وسألت من أحضر لي دواة ورقعة فأحضرهما وكتبت إليه معتذرا بقولي:
أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع
الأبيات المتقدمة، قال: فرضي وعفا عنه.
قال إبراهيم [١] : وكنت يوما بحضرة المأمون فقالت لي عريب على سبيل الولع: يا سلعوس، قال: وكان من يريد العبث بإبراهيم لقبه سلعوس، قال إبراهيم: فقلت لها:
قل لعريب لا تكوني مسلعسه ... وكوني كتتريف وكوني كمؤنسه
هذه أسماء جواري المأمون، قال: فقال المأمون على الفور:
فإن كثرت منك الأقاويل لم يكن ... هنالك شكّ أنّ ذلك وسوسه
فقال إبراهيم: كذا والله يا أمير المؤمنين قدّرت، وإياه أردت، وعجبت من فطنة المأمون وذهنه.
- ٤٤-
الأثرم الفابجاني الأصبهاني
: ذكره في «كتاب أصبهان» فقال: كان أحد
стр. 164
علماء اللغة وممن جال بلدان العراق يجمع اللغة والشعر وتصحيحهما من علمائهما.
- ٤٥-
أحمد بن أبان بن سيّد اللغوي الأندلسي
: أخذ عن أبي علي القالي وغيره من علماء بلاده، وكان عالما حاذقا أديبا، مات فيما ذكره أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال القرطبي في تاريخه [١] في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة وكان يعرف بصاحب الشرطة.
قال أبو نصر الحميدي في آخر كتابه [٢] في باب من يعرف بأحد آبائه: ابن سيد إمام في اللغة والعربية، وكان في أيام الحكم المستنصر، وهو مصنف كتاب العالم في اللغة في نحو مائة مجلد، مرتب على الأجناس، بدأ بالفلك وختم بالذرة. وله في العربية كتاب العالم والمتعلم على المسألة والجواب، وكتاب شرح كتاب الأخفش، وله غير ذلك. ذكره أبو محمد علي بن أحمد [٣] وأثنى عليه ولم يسمّه لنا، ولعله أحمد بن أبان بن سيد المذكور في بابه.
- ٤٦-
أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون
النديم أبو عبد الله:
стр. 165
ذكره أبو جعفر الطوسي في «مصنفي الإمامية» [١] وقال: هو شيخ أهل اللغة ووجههم، وأستاذ أبي العباس ثعلب، قرأ عليه قبل ابن الأعرابي وتخرّج به مديدة [٢] ، وكان خصيصا بأبي محمد الحسن بن علي [٣] ﵉ وأبي الحسن قبله، وله معه مسائل وأخبار.
وله كتب منها: كتاب أسماء الجبال والمياه والأودية. كتاب بني مرة بن عوف.
كتاب بني نمر بن قاسط. كتاب بني عقيل. كتاب بني عبد الله بن غطفان. كتاب طيء. كتاب شعر العجير السلولي وصنعته. كتاب شعر ثابت قطنة.
قال الشابشتي [٤] وكان خصيصا بالمتوكل ونديما له، وأنكر منه المتوكل ما أوجب نفيه عن بغداد ثم قطع أذنه، وكان السبب في ذلك أن الفتح بن خاقان كان يعشق شاهك خادم المتوكل، واشتهر الأمر فيه حتى بلغه، وله فيه أشعار ذكرت بعضها في ترجمة الفتح، وكان أبو عبد الله يسعى فيما يحبّه الفتح، ونمي الخبر إلى المتوكل فاستدعى أبا عبد الله وقال له: إنما أردتك وأدنيتك لتنادمني ليس لتقود على غلماني، فأنكر ذلك وحلف يمينا حنث فيها، فطلّق من كانت حرة من نسائه، وأعتق من كان مملوكا ولزمه حجّ ثلاثين سنة فكان يحج في كلّ عام. قال: فأمر المتوكل بنفيه إلى تكريت فأقام فيها أياما، ثم جاءه زرافة [٥] في الليل على البريد فبلّغه ذلك، فظنّ أن المتوكل لما شرب بالليل وسكر أمر بقتله، فاستسلم لأمر الله، فلما دخل إليه قال له: قد جئتك في شيء ما كنت أحبّ أن أخرج [٦] في مثله، قال: وما هو؟ قال: أمير المؤمنين أمر بقطع أذنك، وقال قل له: لست أعاملك إلا كما يعامل الفتيان، فرأى ذلك هينا في جنب ما كان توهّمه من إذهاب مهجته [٧] فقطع غضروف أذنه من خارج
стр. 166
ولم يستقصه، وجعله في كافور كان معه وانصرف به، وبقي منفيا مدة، ثم أحدر إلى بغداد فأقام بمنزله مدة. قال أبو عبد الله: فلقيت إسحاق بن إبراهيم الموصلي ثمّ لما كفّ بصره، فسألني عن أخبار الناس والسلطان فأخبرته، ثم شكوت إليه غمي بقطع أذني، فجعل يسلّيني ويعزيني، ثم قال لي: من المتقدم اليوم عند أمير المؤمنين الخاصّ من ندمائه؟ قلت: محمد بن عمر البازيار، قال: من هذا الرجل وما مقدار علمه وأدبه؟ فقلت: أما أدبه فلا أدري، ولكني أخبرك بما سمعت منه منذ قريب:
حضرنا الدار يوم عقد المتوكل لأولاده الثلاثة، فدخل مروان بن أبي الجنوب بن أبي حفصة فأنشده قصيدته التي يقول فيها [١] :
بيضاء في وجناتها ... ورد فكيف لنا بشمّه
فسرّ المتوكل بذلك سرورا كثيرا شديدا، وأمر فنثر عليه بدرة دنانير وأن تلقط وتطرح [٢] في حجره، وأمره بالجلوس وعقد له على اليمامة والبحرين، فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم ولا أرى، أبقاك الله ما دامت السماوات والأرض، فقال محمد بن عمر: هذا بعد عمر طويل إن شاء الله [٣] . قال له: فما بلغك من أدبه؟
فقال: أكثر ما يقول للخليفة أبقاك الله يا أمير المؤمنين إلى يوم القيامة وبعد القيامة بشيء كثير. فقال إسحاق: ويلك جزعت على أذنك وغمّك قطعها، لم؟ حتى تسمع مثل هذا الكلام؟ ثم قال: لو أن لك مكّوك آذان أيش كان ينفعك مع هؤلاء؟! قال: ثم أعاده المتوكل إلى خدمته، وكان إذا دعا به قال له: يا عبيد على جهة المزاح. وقال له يوما: هل لك في جارية أهبها لك فأكبر ذلك وأنكره، فوهب له جارية يقال لها «صاحب» من جواريه حسنة كاملة إلا أن بعض الخدم ردّ الطشت [٤] على فمها وقد أرادت أن ترميه فصدع ثنيّتها فاسودّت فشانها ذلك عنده، وحمل كلّ ما كان لها وكان شيئا كثيرا عظيما، فلما مات أبو عبد الله تزوجت «صاحب» بعض
стр. 167
العلويين، قال علي بن يحيى بن المنجم فرأيته في النوم وهو يقول:
أيا عليّ ما ترى العجائبا ... أصبح جسمي في التراب غائبا
واستبدلت صاحب بعدي صاحبا
ومن شعر أبي عبد الله يعاتب فيه علي بن يحيى [١] :
من عذيري من أبي حسن ... حين يجفوني ويصرمني
كان لي خلا وكنت له ... كامتزاج الروح بالبدن
فوشى واش فغيّره ... وعليه كان يحسدني
إنما يزداد معرفة ... بودادي حين يفقدني
قال: واتصل بنجاح بن سلمة [٢] أن أبا عبد الله ابن حمدون يذكره بحضرة المتوكل ويتنادر به، فلقيه نجاح يوما فقال له: يا أبا عبد الله قد بلغني ذكرك لي بغير الجميل في حضرة أمير المؤمنين، أتحبّ أن أنهي إليه قولك إذا خلوت: «أتراني أحبه وقد فعل بي ما فعل؟! والله ما وضعت يدي على أذني الا تجدّدت له عندي بغضة» ، فقال ابن حمدون: الطلاق له لازم إن كان قال هذا قط، وامرأته طالق إن ذكره بغير ما يحبه أبدا.
وكان [٣] أبوه إبراهيم- وأظنّ أنه الملقب بحمدون- ينادم المعتصم ثم الواثق بعده، وكان يعابث المتوكل في أيام أخيه الواثق، وجاءه مرّة بحيّة وأخرج رأسها من كمه تعريضا بأمّه شجاع، وكان ذلك يعجب الواثق. ولما مات الواثق نادم حمدون المتوكل، فلما كان في بعض الأيام أمر المتوكل باحضار «فريدة» جارية أخيه الواثق، فأحضرت مكرهة ودفع إليها عود فغنّت غناء كالنّدبة، فغضب المتوكل وأمرها أن تغني غناء، فغنّت بتحزّن وشجى، فزاد ذلك في طيب غنائها، فوجم حمدون للرقة التي تداخلته، فغضب المتوكل ورأى أنه فعل ذلك بسبب أخيه الواثق حزنا عليه، وكان
стр. 168
يبغض كلّ من مال إليه، فأمر بنفيه إلى السند وضربه ثلاثمائة سوط، فسأل أن يكون الضرب من فوق الثياب لضعفه عن ذلك، فأجيب إلى ذلك، وأقام منفيا ثلاث سنين، وتزوج المتوكل «فريدة» بعد ذلك فولدت له ابنه أبا الحسن.
وحدث حمدون بن إسماعيل قال: دعاني المعتصم يوما فدخلت إليه وهو في بعض مجالسه، وإلى جنبه باب صغير، فحادثته مليا إلى أن رأيت الباب قد حرّك وخرجت منه جارية بيضاء مقدودة حسنة الوجه، وبيدها رطل وعلى عنقها منديل، فأخذ الرطل من يدها فشربه، ثم قال: اخرج يا حمدون، فخرجت فكنت في دهليز الحجرة، فلم ألبث أن دعاني، فدخلت وهو جالس على حاله، فحادثته مليا ثم حرك ذلك الباب فخرجت جارية كأحسن ما يكون من النساء سمراء رقيقة اللون بيدها رطل، فأخذه وشربه، وقال: ارجع إلى مكانك، فخرجت فلبثت ساعة هناك، ثم دعاني فأتيته وحادثته ساعة، وحرك الباب فخرجت أحسن الثلاث بيدها رطل ومعها منديل، فأخذ الرطل فشربه، وقال: ارجع إلى مكانك، فخرجت فلبثت ساعة، ثم دعاني فدخلت فقال لي: أتعرف هؤلاء؟ قلت: معاذ الله أن أعرف أحدا ممن هو داخل دار أمير المؤمنين، فقال: إحداهن ابنة بابك الخرّمي، والأخرى ابنة المازيار، والثالثة ابنة بطريق عمورية، افترعتهن الساعة، وهذا نهاية الملك يا حمدون.
وأما أبو محمد ابن حمدون فذكر جحظة أن مولده في سنة سبع وثلاثين ومائتين، وتوفي ببغداد في رمضان سنة تسع وثلاثمائة، ونادم المعتمد وخصّ به وكان من ثقاته المتقدمين عنده، وله معه أخبار. وأما أبو العنبس بن أبي عبد الله بن حمدون أحد المشهورين بجودة الغناء والصنعة فيه، وابنه إبراهيم بن أبي العنبس أيضا من المجيدين في الغناء وشجاء الصوت، فهؤلاء المعروفون بمنادمة الخلفاء من بني حمدون.
وحدث أحمد بن أبي طاهر أن ابن حمدون النديم حدثه أن الواثق بالله بسط جلّاسه وأمرهم أن لا ينقبضوا في مجلسه وأن يجروا النادرة على ما اتفقت عليه غير محتشمين، وان اتفق وقوعها عليه احتمل، قال: فغبرنا على ذلك مدة، وكان على إحدى عيني الواثق نكتة بياض، فلما كان في بعض الأيام أنشد الواثق أبيات أبي حية النميري:
стр. 169
نظرت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من فرط [١] الصبابة أنظر
فقلت: وإلى غير الدار يا أمير المؤمنين، فتبسم ثم قال لوزيره: قد قابلني هذا الرجل بما لا أطيق أن أنظر إليه بعدها فانظر كم مبلغ جاريه وجرايته وأرزاقه وصلاته فاجمعها، وأقطعه بها إقطاعا بالأهواز، وأخرجه إليها ليبعد عن ناظري، ففعل.
قال: وأخرجت إليها وتبيّغ [٢] بي الدم، فالتمست حجاما كان في خدمتي، فقيل لم يخرج في الصحبة لعلّة لحقته، فقلت: التمسوا حجاما نظيفا حاذقا وتقدموا إليه بقلّة الكلام وترك الانبساط، فأتوني بشيخ حسن على غاية النظافة وطيب الريح، فجلس بين يديّ وأخذ الغلام المرآة، فلما أخذ في إصلاح وجهي قلت له: اترك في هذا الموضع واحذف في هذا الموضع وعدّل هذه الشعرات وسرّح هذا المكان، وأطلت الكلام وهو ساكت، فلما قعد للحجامة قلت له: اشرط في الجانب الأيمن اثنتي عشرة شرطة، وفي الجانب الأيسر أربع عشرة شرطة، فإن الدم في الجانب الأيسر أقلّ منه في الأيمن، لأن الكبد في الأيمن والحرارة هناك أوفر والدم أغزر، فإذا زدت في شرط الأيمن اعتدل خروج الدم من الجانبين، ففعل وهو مع ذلك ساكت، فعجبت من صمته وقلت للغلام: ادفع إليه دينارا، فدفعه إليه فردّه، فقلت: استقلّه ولعمري إن العيون إلى مثلي ممتدة والطمع مستحكم في نديم الخليفة وصاحب إقطاعه، أعطه دينارا آخر، ففعل فردّهما وأبى أن يأخذهما، فاغتظت وقلت: قبحك الله أنت حجّام سواد، وأكثر من يجلس بين يديك يدفع لك نصف درهم، وأنت تستقلّ ما دفعت اليك؟! فقال: وحقك ما رددتها استقلالا، ولكن نحن أهل صناعة واحدة، وأنت أحذق منّي وما كان الله ليراني وأنا آخذ من أهل صناعتي أجرة أبدا، فأخجلني وانصرف ولم يأخذ شيئا. فلما كان في العام القابل خرجت لمثل ما خرجت إليه في العام الماضي واحتجت إلى نقص الدم، فقلت لغلامي: اذهب فجئنا بذلك الحجام فقد عرف الخدمة، وقد انصرف تلك الدفعة ولم يأخذ شيئا، ولعله أيضا قد نسيها فيقع برّنا منه على حاجة منه إليه، قال: فلما جلس بين يديّ أصلح وجهي الإصلاح الذي كنت أوقفته عليه وحجمني أحسن حجامة فلما فرغ قلت: سبحان الله
стр. 170
أنت صانع سواد، فمن أين لك هذا الحذق بهذه الصنعة؟ فقال: وحقّك ما كنت أحسن من هذا شيئا، ولكنّ حجام الخليفة اجتاز بنا بهذا الموضع في العام الماضي فتعلمت منه هذا، فضحكت منه وأمرت له بثلاثين دينارا مع ما تمّ له من معاريض كلامه في الدفعتين جميعا.
وأنشد جحظة في أماليه لنفسه يرثي حمدون النديم، كذا قال ولم يعينه:
أيعذب من بعد ابن حمدون مشرب ... لقد كدّرت بعد الصفاء المشارب
أصبنا به فاستأسد الضّبع بعده ... ودبّت إلينا من أناس عقارب
وقطّب وجه الدهر بعد وفاته ... فمن أيّ وجه جئته فهو قاطب
بمن ألج الباب السديد حجابه ... إذا ازدحمت يوما عليه المواكب
بمن أبلغ الغايات [١] أم من بجاهه ... أنال وأحوي كلّ ما أنا طالب
فأصبحت حلف البيت خلف جداره ... وبالأمر مني تستعيذ النجائب
وقال جحظة في أبي جعفر ابن حمدون، ولا أعرفه إلا أنه كذا أورده في أماليه:
أبا جعفر لا تنال العلا ... بتيهك في المجلس الحاشد
ولا بغلام كبدر التمام ... ركّب في غصن مائد
ولا بازيار إذا ما أتاك ... يخطر بالزّرق الصائد [٢]
فكيف وما لك من شاكر ... وكيف وما لك من حامد
أتذكر إذ أنت تحت الزمان ... وحيدا بلا درهم واحد
وتحدّث جحظة في أماليه قال، قال لي أبو عبد الله ابن حمدون: حسبت ما وصلني به المتوكل في مدة خلافته وهي أربع عشر سنة وشهور فوجدته ثلاثمائة وستين ألف دينار، ونظرت فيما وصلني به المستعين في مدة خلافته وهي ثلاث سنين ونيف فكان أكثر مما وصلني به المتوكل، ثم خلع المستعين وحدر إلى واسط ومنع من كلّ شيء الا القوت، فاشتهى نبيذا فخرجت دايته إلى أهل واسط فتشكّت ذلك اليهم،
стр. 171
فقال لها رجل من التجار: له عندي كلّ يوم خمسة أرطال نبيذ دوشاب، فكانت تمضي إليه في كلّ يوم فتجيئه به سرا إلى أن حمل من واسط فقتل بالقاطول.
- ٤٧-
أحمد بن إبراهيم بن أبي عاصم اللؤلؤي
[قال] أبو بكر الزبيدي: ومن نحاة القيروان ابن أبي عاصم وكان من العلماء النقاد في العربية والغريب والنحو والحفظ والقيام بشرح أكثر دواوين العرب. مات فيما ذكره الزبيدي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وله ست وأربعون سنة. وكان كثير الملازمة لأبي محمد المكفوف النحوي [١] وعنه أخذ، وكان صادقا في علمه وبيانه لما يسأل عنه [٢] ، وله تأليف في الضاد والظاء حسن بين [٣] ، وكان شاعرا مجيدا، وكان أبوه موسرا فلم يكن يمدح أحدا لمجازاة، وترك الشعر في آخر عمره وأقبل على طلب الحديث والفقه، وهو القائل:
أيا طلل الحيّ الذين تحملوا ... بوادي الغضا كيف الأحبّة والحال
وكيف قضيب البان والقمر الذي ... بوجنته ماء الملاحة سيّال [٤]
كأن لم تدر ما بيننا ذهبية ... عبيريّة الأنفاس عذراء سلسال
ولم أتوسّد ناعما بطن كفّه ... ولم يحو جسمينا مع الليل سربال
فبانت به عنّي ولم أدر بغتة ... طوارق صرف البين والبين مغتال [٥]
فلما استقلّت ظعنهم وحدوجهم ... دعوت ودمع العين في الخدّ هطال
стр. 172
«حرمت مناي منك [١] إن كان ذا الذي ... تقوّله الواشون عني كما قالوا»
وهذا البيت الأخير تضمين من أبيات لها قصة أنا ذاكرها: ذكر أبو الفرج علي بن الحسين في كتابه [٢] قال: كان عبد الله بن محمد القاضي المعروف بالخلنجي ابن أخت علويه المغني، وكان تيّاها صلفا، فتقلّد في خلافة الأمين قضاء الشرقية، وكان يجلس إلى أسطوانة من أساطين الجامع فيستند إليها بجميع بدنه ولا يتحرك، فإذا تقدّم إليه الخصمان أقبل عليهما بجميع جسده، وترك الاستناد حتى يفصل بينهما ثم يعود لحاله، وعمد بعض المجّان إلى رقعة من الرقاع التي تكتب فيها الدعاوى فألصقها في موضع دنيّته بالدّبق، فلما جلس الخلنجي إلى السارية وتمكّن منها وتقدم إليه الخصوم وأقبل إليهم بجميع جسده كما كان يفعل انكشف رأسه وبقيت الدنيّة موضعها مصلوبة ملتصقة، فقام الخلنجي مغضبا وعلم أنها حيلة عليه وقعت، فغطّى رأسه بطيلسانه وتركها مكانها حتى جاء بعض أصحابه فأخذها، فقال بعض شعراء عصره:
إن الخلنجيّ من تتايهه ... أثقل باد لنا بطلعته
ما تيه ذي نخوة [٣] مناسبه ... بين أخاوينه وقصعته
يصالح الخصم من يخاصمه ... خوفا من الجور في قضيته
لو لم تدبّقه كفّ قانصه ... لطار فيها على رعيته
واشتهرت الأبيات والقصة ببغداد، وعمل لها علويه حكاية أعطاها الزفّانين والمخنثين فأخرجوه فيها، وكان علويه يعاديه لمنازعة كانت بينهما ففضحه، واستعفى الخلنجي من القضاء ببغداد، وسأل أن يولّى بعض الكور البعيدة، فولّي جند دمشق أو حمص، فلما ولي المأمون الخلافة غناه علويه بشعر الخلنجي وهو:
برئت من الإسلام إن كان ذا الذي ... تقوّله الواشون عنّي كما قالوا
стр. 173
ولكنّهم لما رأوك غريّة ... بهجري تساعوا [١] بالنميمة واحتالوا
فقد صرت أذنا للوشاة سميعة ... ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا
فقال له المأمون: من يقول هذا الشعر؟ قال: قاضي دمشق، فأمر المأمون بإحضاره فكتب إلى والي دمشق بإحضاره [٢] فأشخص، وجلس المأمون للشرب، وأحضر علويه ودعا بالقاضي. فقال له: أنشدني قولك:
برئت من الإسلام إن كان ذا الذي ... تقوّله الواشون عنّي كما قالوا
فقال: يا أمير المؤمنين هذا شيء قلته منذ أربعين سنة وأنا صبي، والذي أكرمك بالخلافة وورّثك ميراث النبوة ما قلت شعرا منذ أكثر من عشرين سنة إلا في زهد أو عتاب صديق، فقال له: اجلس فجلس، فناوله قدحا من نبيذ كان في يده، فقال: يا أمير المؤمنين ما غيّرت الماء بشيء قطّ مما يختلف في تحليله، فقال: لعلك تريد نبيذ التمر أو الزبيب، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أعرف شيئا منها، فأخذ القدح من يده وقال: أما والله لو شربت هذا لضربت عنقك، ولقد ظننت أنك صادق في قولك كلّه، ولكن لا يتولى لي [القضاء] أبدا رجل بدأ في قوله بالبراءة من الإسلام، انصرف إلى منزلك، وأمر علويه أن يغير ذلك ويقول:
حرمت مناي منك إن كان ذا الذي
- ٤٨-
أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله
بن الحسن الفارسي أبو حامد المقرىء الأديب نزيل نيسابور: جمع في القراءات مصنفات كثيرة. قال الحاكم:
стр. 174
وكان من العباد، أقام في منزل أبي إسحاق المزكي سنين لتأديب أولاده وحفظ سماعاتهم عليهم. سمع في بلده من أصحاب أبي الأشعث وعمر بن شبة وأقرانهم، مات بنيسابور سنة ست وأربعين وثلاثمائة [١] .
قال الحاكم: حدثني أبو حامد الفارسي قال حدثنا أبو الحسين ابن زكريا قال:
كنت عند أبي بكر محمد بن داود بن علي الأصبهاني الفقيه وهو يكتب إلى بعض إخوانه بهذه الأبيات:
جعلت فداك قد طال اشتياقي ... وليس تزيدني إلا مطالا
كتبت إليك أستدعي نوالا ... فلم تكتب إليّ نعم ولا لا
نصحت لكم حذارا أن تعابوا ... فعاد عليّ نصحكم وبالا
سأصبر إن أطعت الصبر حتى ... يملّ الصبر أو تهوى الوصالا
- ٤٩-
أحمد بن إبراهيم بن معلى بن أسد العمّي
أبو بشر: ذكره أبو جعفر الطوسي في «مصنفي الإمامية» قال: والعمّ هو مرة بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة، وهو ممن دخل في تنوخ بالحلف وسكنوا الأهواز، وكان مستملي أبي أحمد الجلودي، وسمع كتبه كلها ورواها، وكان ثقة في حديثه حسن التصنيف، وأكثر الرواية عن العامة والاخباريين، وكان جده المعلّى بن أسد من أصحاب صاحب الزنج المختصين به، وروى عنه وعن عمه أسد بن المعلى أخبار صاحب الزنج، وله تصانيف منها: كتاب التاريخ الكبير. كتاب التاريخ الصغير. كتاب مناقب علي ﵇. كتاب أخبار صاحب الزنج. كتاب الفرق وهو كتاب حسن غريب. كتاب أخبار السيد الحميري.
شعر [السيد الحميري] [٢] . كتاب عجائب العالم.
стр. 175
- ٥٠-
أحمد بن إبراهيم الضبي
أبو العباس الملقب بالكافي الأوحد الوزير بعد الصاحب أبي القاسم ابن عباد لفخر الدولة أبي الحسن علي بن ركن الدولة بن بويه:
مات في صفر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ببروجرد من أعمال بدر بن حسنويه على ما نذكره.
ذكره الثعالبي فقال: هو جذوة من نار الصاحب أبي القاسم، ونهر من بحره، وخليفته النائب منابه في حياته، القائم مقامه بعد وفاته، وكان الصاحب استنجبه [١] منذ الصبا، واجتمع فيه الرأي والهوى، فاصطنعه لنفسه وأدّبه بآدابه، وقدّمه بفضل الاختصاص على سائر صنائعه وندمائه، وخرّج منه صدرا يملأ الصدور كمالا، ويجري في طريقه ترسما وترسلا، وفي ذرى المعالي توقلا، ويحقق قول أبي محمد [الخازن] [٢] فيه من قصيدة:
تزهى بأترابها كما زهيت ... ضبّة بالماجد ابن ماجدها
سمائها شمسها غمامتها ... هلالها بدرها عطاردها
يروي كتاب الفخار أجمع عن ... كافي كفاة الورى وواحدها
وقد كانت بلاغة العصر بعد الصاحب والصابىء بقيت متماسكة بأبي العباس، فأشرفت على التهافت بموته، وكادت تشيب بعده لمم الأقلام، وتجف غدر محاسن الكلام، لولا أنّ الله سدّ ببقاء الأمير أبي الفضل عبيد الله بن أحمد ثلم الآداب والكتابة. ثم وصفه بكلام كثير.
ومن شعر أبي العباس الضبي [٣] :
стр. 176
لا تركنن إلى الفرا ... ق فإنه مر المذاق
والشمس عند غروبها ... تصفرّ من ألم الفراق
وكتب إلى الصاحب كافي الكفاة [١] :
أكافي كفاة الأرض ملكك خالد ... وعزّك موصول فأعظم بها نعمى
نثرت على القرطاس درا مبددا ... وآخر نظما قد فرعت به النجما
جواهر لو كانت جواهر نظّمت ... ولكنها الأعراض لا تقبل النظما
وهذه رسالة من نثره كتبها إلى أبي سعيد الشيبي [٢] : أتاني كتاب شيخ الدولتين فكان في الحسن روضة حزن بل جنة عدن، وفي شرح النفس وبسط الأنس برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب.
ومنها: وبعد فإن المنازعين للأمير حسام الدولة نسور قد أفنتها [٣] العصور، ودولته حرسها الله في إبان شبابها واعتدالها، وريعان إقبالها واقتبالها، قد أسّست على صلاح وسداد، وعمارة دنيا ومعاد، وهي مؤذنة بالدوام في ظلّ السلامة والسلام.
وأما سبب هربه إلى بروجرد فإن أمّ مجد الدولة اتهمته أنه سم أخاه، وطلبت منه مائتي ألف دينار نفقة في مأتمه، فلم يفعل والتجأ إلى بروجرد، وهي من أعمال بدر بن حسنويه الكردي، ثم بدا له في الرجوع إلى الوزارة، فبذل مائتي ألف دينار ليعاد إلى وزارته لمجد الدولة، فلم يجب إلى ذلك، فلما مات احتوى ابنه أبو القاسم سعد على تركته، وكانت عظيمة، ومات بعده بشهور، فاحتوى أبو بكر محمد بن عبد العزيز بن رافع على المال، وورد تابوت أبي العباس إلى بغداد مع أحد حجابه، وكتب ابنه إلى أبي بكر الخوارزمي شيخ أصحاب أبي حنيفة يعرّفه أنه وصّى بدفنه في مشهد الحسين بن علي ﵄، ويسأله القيام بأمره وابتياع تربة له، فخاطب الشريف الطاهر أبا أحمد في ذلك وسأله أن يبيعهم تربة بخمسمائة دينار، فقال: هذا
стр. 177
رجل التجأ الى جوار جدي ولا آخذ لتربته ثمنا، وكتب [على] نفسه الموضع الذي طلب منه، وأخرج التابوت إلى براثا، وخرج الطاهر أبو أحمد ومعه الأشراف والفقهاء وصلّى عليه، وأصحب خمسين رجلا من رجاله حتى أوصلوه ودفنوه هنالك. وقد مدحه مهيار بقصائد منها [١] :
أجيراننا بالغور والركب متهم ... أيعلم خال كيف بات المتيم
رحلتم وعمر الليل فينا وفيكم ... سواء ولكن ساهرون ونوم
بنا أنتم من ظاعنين وخلّفوا ... قلوبا أبت أن تعرف الصبر عنهم
يقون الوجوه الشمس والشمس فيهم ... ويسترشدون النجم والنجم منهم
أناشد نعمان الأخابير عنهم ... كفى حيرة مستفصح وهو أعجم
ولما جلا التوديع عمّن أحبّه ... ولم يبق إلا نظرة تتغنّم
بكيت على الوادي فحرّمت ماءه ... وكيف يحلّ الماء أكثره دم
ونفّرت بالأنفاس عنّي حدوجهم ... كأن مطاياهم بهنّ توسم
وإن ملوكا في بروجرد كرمت ... هم بذلوا الإنصاف حين تكرموا
يميّز من أعدائهم أولياؤهم ... إذا انتقموا يوم الجزاء وانعموا
أسادتنا والجود صيّرنا لكم ... عبيدا وعن قوم نعز ونكرم
إلام وكان البرّ منكم سجية ... تواصلنا يجفى وكم نتظلم
من اعتضتم عنا خطيبا لفضلكم ... وهل مثل شعري عن علاكم يترجم
وهل غير مدحي طبّق الأرض فيكم ... وإن كان ملء الأرض ما قد مدحتم
ولما مات رثاه مهيار أيضا بقصيدة منها [٢] :
أبكيك لي ولمن بلين بفرقة الأيتام بعدك والنساء أرامل
стр. 178
ولمستجير والخطوب تنوشه ... مستطعم والدهر فيه آكل
ولمعشر طرق العلوم ذنوبهم ... في الناس وهي لهم إليك وسائل
قد كنت ملتحفا بمدحك حلّة ... فخرا تجرّ لها عليك ذلاذل
فاليوم أشكرك الصنيع مراثيا ... خرس المشبّب عندها والعاذل
قال هلال [١] : في عصر الجمعة لست بقين من صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة توفي الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عباد بالريّ، ودفن من غد في داره، ونظر في الأمور بعده أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي المتلقب بالكافي الأوحد، ومنزلة الصاحب وعلو قدره وما شاع من ذكره يغني عن الإطالة في وصف أمره. فحدثني [٢] القاضي أبو العباس أحمد بن محمد الباوردي قال: اعتلّ الصاحب أبو القاسم فكان أمراء الديلم ووجوه الحواشي وأكابر الناس يغادون بابه ويراوحونه، ويخدمونه بالدعاء وتقبيل الأرض وينصرفون، وجاءه فخر الدولة عدة دفعات، فيقال إن الصاحب قال له وهو على يأس من نفسه: قد خدمتك أيها الأمير الخدمة التي استفرغت فيها الوسع، وسرت في دولتك وأيامك السيرة التي حصّلت لك حسن الذكر بها، فإن أجريت الأمور بعدي على رسومها علم أن ذلك منك، ونسب الجميل فيه إليك، واستمرت الأحدوثة الطيّبة لك، ونسيت أنا في أثناء ما يثنى به عليك، وإن غيّرت ذلك وعدلت عنه، وسمعت أقوال من يحملك على خلافه ويسلك به في طريقه، كنت المذكور بما تقدم والمشكور عليه، وقدح في دولتك وذكرك ما يشيع آنفا عنك، فقال له في جواب [٣] ذلك ما أراه به قبول رأيه. فلما كان وقت غروب الشمس من ليلة الجمعة المذكورة قضى نحبه، وكان أبو محمد خازن الكتب ملازما داره على سبيل الخدمة له وهو عين لفخر الدولة في مراعاة الدار وما فيها، فأنفذ في الحال وعرّفه الخبر، فأنفذ فخر الدولة خواصّه وثقاته حتى احتاطوا على الدار والخزائن ووجدوا له كيسا فيه رقاع أقوام بمائة ألف وخمسين ألف دينار مودعة عندهم، فاستدعاهم وطالبهم بذلك فأحضروه، وكان فيه ما هو بختم مؤيد الدولة، ورجّمت الظنون فيه فقيل إنه
стр. 179
أخذه من خيانة، وقيل: إنه أودعه لولد مؤيد الدولة عن وصية منه إليه، ونقل ما كان في الدار والخزائن إلى دار فخر الدولة، وجهّز الصاحب وأخرج تابوته وسط الناس، وقد جلس أبو العباس الضبي للعزاء به، فلما بدا على أيدي الحاملين له قامت الجماعة إعظاما له وقبلوا الأرض، ثم وقعت الصلاة عليه وعلّق بالسلاسل في بيت كبير إلى أن نقل إلى تربته بأصبهان. وكان القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد قد قال: لا أرى الرحمة عليه لأنه مات من غير توبة ظهرت منه، فطعن عليه بذلك، ونسب إلى قلّة الرعاية فيه. وقبض فخر الدولة على القاضي عبد الجبار وأسبابه وقرر أمرهم على ثلاثة آلاف ألف درهم، فأدّوا ذلك ورقا وعينا وقيمة عقار سلّموه، وباع في جملة ما باع ألف طيلسان محشّى وألف ثوب مصري، وقلد القضاء بعده علي بن عبد العزيز، وطالب أبا العباس الضبي أن يحصّل من الأعمال [١] والمتصرفين فيها ثلاثين ألف ألف درهم، وقال له: إن الصاحب أضاع الأموال وأهمل الحقوق، وينبغي أن يستدرك ما فات ويتتبّع ما مضى، فامتنع من ذاك مع تردّد القول فيه. وكتب أبو علي الحسن بن أحمد بن حمولة، وكان من أعلام [٢] الكتاب المتقدمين الذين استخصهم [٣] الصاحب وأقر لهم بالفضل، وقد قاد الجيوش الكثيرة فهزمهم، فقامت له الهيبة التامة في قلوب العساكر والملوك المجاورين، وكان عند موت الصاحب بجرجان مقيما مع الجيوش لمدافعة قابوس بن وشمكير وجيوش خراسان، فكتب يخطب الوزارة ويضمن ثمانية آلاف ألف درهم عنها، فأجيب بالحضور، فلما قرب قال فخر الدولة لأبي العباس الضبي: قد ورد أبو علي وعزمت على الخروج من غد لتلقّيه، وأمرت الجماعة من قوادي وأصحابي بالنزول له، ولا بد من خروجك وفعلك مثل ذلك، فثقل هذا القول على أبي العباس، وقال له خواصه وأصحابه: هذا ثمرة امتناعك عليه وتقاعدك عما دعاك له، وسيكون لهذه الحال ما بعدها، فراسل فخر الدولة وبذل له ستة آلاف ألف درهم على إقراره على الوزارة وإعفائه من تلقي أبي علي، وخرج فخر الدولة وتلقاه ولم يخرج أبو العباس، ورأى فخر الدولة أن من الصلاح لأمره الإشراك بينهما في وزارته، فسامح أبا علي بألفي ألف درهم من جملة الثمانية التي بذلها،
стр. 180
وسامح أبا العباس بألفي ألف درهم من جملة الستة التي ذكرناها، وقرر عليهما عشرة آلاف ألف درهم، وجمع بينهما في النظر، وخلع عليهما خلعتين متساويتين، ورتب أمرهما على أن يجلسا في دست واحد، ويكون التوقيع لهذا في يوم والعلامة للآخر وتجعل الكتب باسمهما يقدم هذا على عنواناتها يوما وهذا يوما، ووقع التراضي بذلك، وجرت الحال عليه، ونظرا في الأعمال وتحصيل الأموال، وقبضا على أصحاب الصاحب أبي القاسم ومن لحقته المسامحة في أيامه، وقرّرا عليهم المصادرات. وذكر القاضي أبو العباس عن أبي العلاء ابن المقرن أنه حدثه أنهما استخرجا من أصبهان وحدها جملة وافرة، وجرت حال غيرها من النواحي إلى مصادرة أهلها إلى مثل هذه الصورة، وأنفذا أبا بكر ابن رافع إلى استراباذ ونواحيها لاستيفاء ما يستوفيه من المعاملين والتنّاء فيها، فقيل إنه جمع الوجوه وأرباب الأحوال وأخّر الإذن لهم حتى تعالى النهار واشتد الحر، ثم أطعمهم طعاما أكثر ملحه ومنعهم الماء عليه وبعده، وقدّم إليهم الدواة والكاغد وطالبهم بكتب خطوطهم بما يصححونه، ولم يزل يستام عليهم فيه وهم يتلهفون عطشا إلى أن التزموا له عشرة آلاف ألف درهم، وتوقّف العمال والمتصرفون عن الخروج إلى قزوين لأن أهلها أهل امتناع وقوة، فبذل الفاراضي بن شير مردي الخروج إليها، وذكر أنه يعرف وجوه أموال فيها، وخرج وحاول مطالبة أهلها ومعاملتهم بمثل ما عومل به غيرهم، فاجتمعوا وهجموا عليه في داره وقتلوه. واجتمع لفخر الدولة من الأموال في الخزائن والقلاع ما كثّره المقللون، ثم تمزق بعد وفاته فلم يبق منه بقية في أسرع وقت. ثم مات فخر الدولة وولي الأمر بعده ابنه مجد الدولة أبو طالب رستم، واستولت السيدة والدته على الأمر. وأجري أمر الوزيرين على حاله في أيام فخر الدولة من التشارك في تدبير المملكة، ومزقا أموال فخر الدولة وبذّراها غاية التبذير، ثم نجم قابوس واستولى على جرجان وضام جيوش خراسان. فدعت الضرورة إلى تجهيز [١] جيش إليه وأن يخرج معه أحد الوزيرين، فتقارعا على من يخرج منهما، فوقعت القرعة على الجليل أبي علي الحسن بن أحمد بن حمولة، فخرج ومعه العساكر الحميلة، ووقعت بينه وبين قابوس وقائع