← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قام السعاة وكان الخوف أقعدهم ... واستيقظوا بعد ما نام الملاعين لا يعجب الناس لما متّ وانتشروا [١] ... مضى سليمان فانحلّ الشياطين - ٤٠١- الحسين بن محمد بن الحسين، أبو عبد الله الضراب الصوري: نحوي دمشق ومدرسها، مات سنة أربع عشرة وأربعمائة. - ٤٠٢- الحسين بن محمد الراغب أبو القاسم الأصبهاني: أحد أعلام العلم، ومشاهير الفضل متحقق بغير فن من العلوم وله تصانيف كثيرة: كتاب تفسير القرآن. كتاب أحداق عيون الشعر. كتاب المحاضرات [٢] . كتاب الذريعة إلى معالم الشريعة [٣] . كتاب المفردات من تفسير القرآن [٤] .

стр. 1157

- ٤٠٣- الحسين بن محمد بن الحسين بن الحسن الهروي ، أبو عبد الله الحاكم: مات سنة ست وتسعين وأربعمائة. - ٤٠٤- الحسين بن مطير بن مكمل الأسدي ، مولى بني أسد بن خزيمة: وكان جده مكمّل عبدا فعتق وقيل كوتب. وابن مطير من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية فصيح متقدم في الرجز والقصيد، يعدّ من فحول المحدثين، يشبه كلامه كلام الاعراب وأهل البادية، وفد [١] على الأمير معن بن زائدة الشيباني لما ولي اليمن، فلما دخل عليه أنشده: أتيتك إذ لم يبق غيرك جابر ... ولا واهب يعطي اللها والرغائبا فقال له: يا أخا بني أسد ليس هذا بمدح، إنما المدح قول نهار بن توسعة في مسمع بن مالك: قلّدته عرى الأمور نزار ... قبل أن يهلك السّراة البحور فغدا إليه بأرجوزة يمدحه بها [٢] فاستحسنها وأجزل صلته.

стр. 1158

وحدث جعفر بن منصور قال: حدثني أبي قال: حجّ المهديّ فنزل زبالة فدخل الحسين بن مطير الأسدي عليه فقال [١] : أضحت يمينك من جود مصوّرة ... لا بل يمينك منها صورة الجود من حسن وجهك تضحي الأرض مشرقة ... ومن بنانك يجري الماء في العود فقال المهدي: كذبت، قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: هل تركت في شعرك موضعا لأحد بعد قولك في معن بن زائدة [٢] : ألمّا على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للمكارم مضجعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا بلى قد وسعت الجود والجود ميّت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدّعا ولما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا وما كان إلا الجود صورة وجهه ... فعاش ربيعا ثم ولّى وودّعا وكنت لدار الجود يا معن عامرا ... وقد أصبحت قفرا من الجود بلقعا فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا تمنى أناس شأوه من ضلالهم ... فأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا تعزّ أبا العباس عنه ولا يكن ... جزاؤك من معن بأن تتضعضعا أبى ذكر معن أن يميت فعاله ... وان كان قد لاقى حماما ومصرعا فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي ... له مثل ما أبقى أبوك وما سعى فقال: يا أمير المؤمنين إنما معن حسنة من حسناتك وفعلة من فعلاتك، فأمر له بألف دينار ثم قال: سل حاجتك، فقال [٣] :

стр. 1159

بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو جعد أسحم فكانّها منه نهار مشرق ... وكأنه ليل عليها مظلم قال: خذ بيدها، لجارية كانت على رأسه، فأولدها مطير بن الحسين بن مطير. وقال الرياشي حدثني أبو العالية عن أبي عمران المخزومي قال [١] : أتيت مع أبي واليا كان بالمدينة من قريش وعنده ابن مطير، وإذا بمطر جود فقال له الوالي: صف لي هذا المطر، قال: دعني أشرف عليه، فأشرف عليه ثم نزل فقال [٢] : كثرت لكثرة قطره أطباؤه ... فإذا تحلّب فاضت الأطباء وله رباب هيدب لذفيفه ... قبل التبعّق ديمة وطفاء [٣] وكأن ريّقه ولمّا يحتفل ... ودق السماء عجاجة كدراء [٤] وكأن بارقه حريق تلتقي ... ريح عليه وعرفج وألاء [٥] مستضحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء فله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك يؤلف بينه وبكاء حيران متّبع صباه تقوده ... وجنوبه كنف له ووعاء غدق ينتّج في الأباطح فرّقا ... تلد السيول وما لها أسلاء [٦] غرّ محجلة دوالح ضمّنت ... حمل اللقاح وكلّها عذراء [٧] سحم فهنّ إذا كظمن سواجم ... سود وهنّ إذا ضحكن وضاء

стр. 1160

لو كان من لجج السواحل ماؤه ... لم يبق في لجج السواحل ماء وقال ابن دريد: أنشدنا أبو حاتم السجستاني وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه للحسين بن مطير الأسدي، وقال عبد الرحمن قال عمي: لو كان شعر العرب هكذا ما أثم منشده [١] : ألا حبّذا البيت الذي أنت هاجره ... وأنت بتلماح من الطرف ناظره لأنك من بيت لعينيّ معجب ... وأملح في عيني من البيت عامره أصدّ حياء ان يلمّ بي الهوى ... وفيك المنى لولا عدو أحاذره وفيك حبيب النفس لو تستطيعه ... لمات الهوى والشوق حين تجاوره فإن آته لم أنج إلا بظنّة ... وإن يأته غيري تنط بي جرائره وكان حبيب النفس للقلب واترا ... وكيف يحبّ القلب من هو واتره فإن يكن الأعداء أحموا كلامه ... علينا فلن تحمى علينا مناظره أحبّك يا سلمى على غير ريبة ... ولا بأس في حبّ تعفّ سرائره ويا عاذلي لولا نفاسة حبّها ... عليك لما باليت أنك خابره بنفسي من لا بدّ أنّي هاجره ... ومن أنا في الميسور والعسر ذاكره ومن قد لحاه الناس حتى اتقاهم ... ببغضي إلا ما تجنّ ضمائره أحبّك حبا لن أعنّف بعده ... محبّا ولكنّي إذا ليم عاذره لقد مات قبلي أول الحبّ فانقضى ... ولو متّ أضحى الحبّ قد مات آخره كلامك يا سلمى وإن قلّ نافعي ... فلا تحسبي أني وإن قلّ حاقره ألا لا أبالي أيّ حيّ تحملوا ... إذا إثمد البرقاء لم يخل حاضره وحدث المرزباني عن الأخفش قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب عن ابن الأعرابي لحسين بن مطير الأسدي [٢] :

стр. 1161

لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى ... على كبدي نارا بطيئا خمودها ولو تركت نار الهوى لتصرّمت ... ولكنّ شوقا كلّ يوم وقودها وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ... إذا قدمت أيامها وعهودها فقد جعلت في حبة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها بمرتجة الأرداف هيف خصورها ... عذاب ثناياها عجاف قيودها [١] وصفر تراقيها وحمر أكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها مخصّرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زيّنته عقودها يمنّيننا حتى ترفّ قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طلّ يجودها وفيهن مقلاق الوشاح كأنها ... مهاة بتربان [٢] طويل عقودها وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها هل الله عاف عن ذنوب تسلّفت ... أم الله إن لم يعف عنها معيدها وقال [٣] : رأت رجلا أودى بوافر لحمه ... طلاب المعالي واكتساب المكارم خفيف الحشا ضربا كأنّ ثيابه ... على قاطع من جوهر الهند صارم فقلت لها لا تعجبنّ فإنني ... أرى سمن الفتيان إحدى المشائم وأنشد له ابن قتيبة [٤] : يضعّفني حلمي وكثرة جهلهم ... عليّ وأني لا أصول بجاهل دفعتكم عنّي وما دفع راحة ... بشيء إذا لم تستعن بالأنامل

стр. 1162

وأنشد له المبرد [١] : ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح أباها عليّ الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علّة بصحيح - ٤٠٥- الحسين بن هبة الله ضياء الدين أبو علي ابن زاهر الموصلي الملقب بدهن الحصى: أحد نحاة العصر، تصدر لإقراء العربية في بلده، وتقدم عند صاحب الموصل، ثم تغير عليه فرحل إلى الملك الناصر صلاح الدين، ثم وفد على ابنه في حلب فقربه ورتّب له معلوما على إقراء العربية. وكان أديبا شاعرا متفننا لقيته بحلب وبها مات سنة ثمان وستمائة. ومن شعره: مرضت ولي جيرة كلهم ... عن الرّشد في صحبتي حائد فأصبحت في النقص مثل الذي ... ولا صلة لي ولا عائد وقال: يبتهج النّاس بأعيادهم ... لأجل ذبح أو لإفطار وإنما عظم سروري بها ... للثم من أهوى بلا عار أرقبها حولا إلى قابل ... لأنها غاية أوطاري وقال: وإني وإن أخّرت عنكم زيارتي ... لعذر فإني في المودة أوّل فما الودّ تكرير الزيارة دائما ... ولكن على ما في القلوب المعوّل

стр. 1163

- ٤٠٦- الحسين بن هداب بن محمد بن ثابت الديري الأصل، نسبة إلى الدير- قرية من قرى النعمانية- ويعرف بالنوري، والنورية قرية من قرى الحلة السّيفية من سيف الفرات، نزل بها، أبو عبد الله الضرير: توفي يوم الأربعاء ثاني عشر رجب سنة اثنتين وستين وخمسائة. كان نحويا لغويا مقرئا فقيها شاعرا متفننا، قرأ بالروايات على أبي العز محمد بن الحسين بن بندار الواسطي وأبي بكر محمد بن الحسين بن علي المزرفي. سكن بغداد منعكفا على نشر العلم والاقراء، فكان يقرىء النحو واللغة والقراءات، وكان يحفظ عدة دواوين من شعر العرب، وكان كثير الافادة والعبادة عفيفا دينا، وله شعر جيد منه: فيك يا أغلوطة الفكر ... تاه عقلي وانقضى عمري سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا عنا السفر رجعت حسرى وما وقفت ... لا على عين ولا أثر وقال: بأبي ريم تبلّج لي ... عن رضى في طيّه غضب وأراني صبح طلعته ... بظلام الصّدغ ينتقب وسقى بالكاس مترعة ... خمرة صهباء [١] تلتهب فهي شمس في يدي قمر ... وكلا عقديهما الشّهب ولها من ذاتها طرب ... ولهذا يرقص الحبب وقال: قال لي من رأى صباح مشيبي ... عن شمال من لمتي ويمين أيّ شيء هذا فقلت مجيبا ... ليل شكّ محاه صبح يقين

стр. 1164

- ٤٠٧- الحسين بن الوليد بن نصر أبو القاسم المعروف بابن العريف النحوي الأديب الشاعر: له «شرح كتاب الجمل في النحو» للزجاج. وكتاب «الرد علي أبي جعفر النحاس في كتابه الكافي» وغير ذلك. وكان مقدّما في العربية إماما فيها عارفا بصنوف الآداب. أخذ العربية عن ابن القوطية وغيره، ورحل إلى المشرق فأقام بمصر مدة طويلة وسمع فيها من الحافظ ابن رشيق وأبي طاهر الذهلي وغيرهما، ثم عاد إلى الأندلس فاختاره المنصور محمد بن أبي عامر صاحب الأندلس مؤدبا لأولاده، وكان يحضر مجالسه. ومناظراته مع أبي العلاء صاعد اللغوي البغدادي مشهورة، فمن ذلك أنّ المنصور جلس يوما وعنده أعيان مملكته من أهل العلم كالزبيدي صاحب الطبقات، والعاصمي وابن العريف صاحب الترجمة وغيرهم [١] فقال لهم المنصور: هذا الرجل الوافد علينا يزعم أنه متقدّم في هذه العلوم، وأحبّ أن يمتحن، فوجّه إليه، فلما مثل بين يديه والمجلس قد غصّ بالعلماء والأشراف خجل صاعد واحتشم، فأدناه المنصور ورفع محلّه وأقبل عليه، وسأله عن أبي سعيد السيرافي فزعم أنه لقيه وقرأ عليه كتاب سيبويه، فبادره العاصميّ بالسؤال عن مسألة من الكتاب فلم يحضره جوابها، واعتذر بأنّ النحو ليس جلّ بضاعته، فقال له الزبيدي: فما تحسن أيها الشيخ؟ فقال: حفظ الغريب، قال: فما وزن أولق؟ فضحك صاعد وقال: أمثلي يسأل عن هذا، إنما يسأل عنه صبيان المكتب، قال الزبيدي: قد سألناك ولا نشكّ أنك تجهله، فتغيّر لونه فقال: وزنه أفعل فقال الزبيدي: صاحبكم ممخرق، فقال له صاعد: إخال الشيخ صناعته الأبنية، فقال له: أجل، فقال صاعد: وبضاعتي أنا حفظ الأشعار ورواية الأخبار وفكّ المعمّى وعلم الموسقي، قال: فناظره ابن العريف

стр. 1165

(صاحب الترجمة) فظهر عليه صاعد وجعل لا يجري في المجلس كلمة إلا أنشد عليها شعرا شاهدا، وأتى بحكاية تناسبها، فأعجب المنصور فقربه وقدمه. وكان يوما [١] بمجلس المنصور أيضا فأحضرت إليه وردة في غير أوانها لم يكمل فتح ورقها فقال فيها صاعد مرتجلا: أتتك أبا عامر وردة ... يذكّرك المسك أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطّت بأكمامها راسها فسرّ بذلك المنصور، وكان ابن العريف حاضرا فحسده وجرى إلى مناقضته وقال للمنصور: هذان البيتان لغيره، وقد أنشدنيهما بعض البغداديين لنفسه بمصر، وهما عندي على ظهر كتاب بخطه، فقال له المنصور: أرنيه، فخرج ابن العريف وركب وحرّك دابته حتى أتى مجلس ابن بدر، وكان أحسن أهل زمانه بديهة، فوصف له ما جرى، فقال ابن بدر هذه الأبيات، ودسّ فيها بيتي صاعد: غدوت إلى قصر عبّاسة ... وقد جدّل النوم حرّاسها فألفيتها وهي في خدرها ... وقد صدع السكر أنّاسها فقالت أسرت على هجعة ... فقلت بلى فرمت كاسها ومدّت يديها إلى وردة ... يحاكي لك الطيب أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطّت بأكمامها راسها وقالت خف الله لا تفضحنّ ... في ابنة عمّك عباسها فوليت عنها على خجلة ... وما خنت ناسي ولا ناسها فطار ابن العريف بها وعلّقها على ظهر كتاب بخطّ مصري ومداد أشقر، ودخل بها على المنصور، فلما رآها اشتد غيظه وقال للحاضرين: غدا أمتحنه، فإن فضحه الامتحان أخرجته من البلاد، ولم يبق في موضع لي عليه سلطان، فلما أصبح أرسل

стр. 1166

إليه فأحضر وحضر جميع الندماء والجلساء، فدخل بهم إلى مجلس قد أعدّ فيه طبقا عظيما فيه سقائف مصنوعة من جميع النواوير، ووضع على السقائف لعب من ياسمين في شكل الجواري، وتحت السقائف بركة ماء قد ألقي فيها اللآلىء مثل الحصباء، وفي البركة حية تسبح فلما دخل صاعد ورأى الطبق قال له المنصور: إن هذا يوم إما أن تسعد فيه معنا وإما أن تشقى، لأنه قد زعم هؤلاء القوم أن كلّ ما تأتي به دعوى، وهذا طبق ما توهمت أنه حضر بين يدي ملك قبلي شكله فصفه بجميع ما فيه، فقال له صاعد على البديهة: أبا عامر هل غير جدواك واكف ... وهل غير من عاداك في الأرض خائف يسوق إليك الدهر كلّ غريبة ... وأعجب ما يلقاه عندك واصف وشائع نور صاغها هامر الحيا ... على حافتيها عبقر ورفارف ولما تناهى الحسن فيها تقابلت ... عليها بأنواع الملاهي وصائف كمثل الظباء المستكنّة كنّسا ... تظللها بالياسمين السقائف وأعجب منها أنّهنّ نواظر ... إلى بركة ضمّت إليها الطرائف حصاها اللآلي سابح في عبابها ... من الرّقش مسموم الثعابين زاحف ترى ما تراه العين في جنباتها ... من الوحش حتى بينهن السلاحف فاستغربوا له تلك البديهة في مثل ذلك الموضع، وكتبها المنصور بخطه، وكان إلى ناحيته من تلك السقائف سفينة فيها جارية من النوار تجذّف بمجاذيف من ذهب لم يرها صاعد، فقال له المنصور: أحسنت إلا انك أغفلت ذكر السفينة والجارية، فقال للوقت: وأعجب منها غادة في سفينة ... مكلّلة تصبو إليها المهاتف إذا راعها موج من الماء تتقي ... بسكّانها ما هيّجته العواصف متى كانت الحسناء ربّان مركب ... تصرّف في يمنى يديه المجاذف ولم تر عيني في البلاد حديقة ... تنقّلها في الراحتين الوصائف ولا غرو أن انشت معاليك روضة ... وشتها أزاهير الربى والزخارف

стр. 1167

فأنت امرؤ لو رمت نقل متالع ... ورضوى ذرتها من سطاك نواسف إذا قلت قولا أو بدهت بديهة ... فكلني له إني لمجدك واصف فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب، ورتب له في كل شهر ثلاثين دينارا وألحقه بندمائه. توفي أبو القاسم ابن العريف بطليطلة في رجب سنة تسعين وثلاثمائة. - ٤٠٨- حرملة بن المنذر بن معديكرب بن حنظلة بن النعمان بن حية بن سعنة بن الحارث بن ربيعة، ويتصل نسبه بيعرب بن قحطان، أبو زبيد الطائي: شاعر معمّر عاش خمسين ومائة سنة، وعداده في المخضرمين، أدرك الإسلام ولم يسلم ومات نصرانيا. وكان أبو زبيد طوالا من الرجال ينتهي إلى ثلاثة عشر شبرا، وكان حسن الصورة، فكان إذا دخل مكة دخلها متنكرا لجماله. وكان أبو زبيد يزور الملوك، وملوك العجم خاصة، وكان عالما بسيرهم، ووفد على الحارث بن أبي شمر الغساني والنعمان بن المنذر. حدث عمارة بن قابوس قال [١] : لقيت أبا زبيد الطائي فقلت له: يا أبا زبيد هل أتيت النعمان بن المنذر؟ قال: أي والله لقد أتيته وجالسته، قلت: فصفه لي، فقال: كان أحمر أزرق أبرش قصيرا، فقلت له: أيسرّك أنه سمع مقالتك هذه وأنّ لك حمر النّعم؟ قال: لا والله ولا سودها، فقد رأيت ملوك حمير في ملكها، ورأيت ملوك غسّان في ملكها، فما رأيت أشدّ عزا منه: كان ظهر الكوفة ينبت الشقائق فحمى ذلك المكان فنسب إليه فقيل شقائق النعمان؛ فجلس ذات يوم هناك وجلسنا بين يديه كأن

стр. 1168

على رؤوسنا الطير [١] ، فقام رجل من الناس فقال له: أبيت اللعن أعطني فإني محتاج، فتأمّله طويلا ثم أمر به فأدني حتى قعد بين يديه، ثم دعا بكنانة فاستخرج منها مشاقص فجعل يجأ بها وجهه حتى سمعنا قرع العظام، وخضب بالدم، ثم أمر به فنحّي. ومكثنا مليا فنهض رجل آخر فقال له: أبيت اللعن أعطني، فتأمله ساعة ثم قال: أعطوه ألف درهم، فأخذها وانصرف، ثم التفت النعمان عن يمينه ويساره وخلفه فقال: ما قولكم في رجل أزرق أحمر يذبح على هذه الأكمة، أترون دمه سائلا حتى يجري في هذا الوادي؟ فقلنا له: أنت أبيت اللعن أعلى برأيك، فدعا برجل على هذه الصفة فأمر به فذبح، ثم قال: ألا تسألوني عما صنعت؟ فقلنا: ومن يسألك عن أمرك وما تصنع؟ فقال: أما الأول فإني خرجت مع أبي نتصيّد فمررنا به وهو بفناء بابه وبين يديه عسّ من لبن، فتناولته لأشرب منه فثار إليّ فهراق الإناء، فملأ وجهي وصدري، فأعطيت الله عهدا لئن أمكنني منه لأخضبنّ لحيته وصدره من دم وجهه، وأما الآخر فكانت له عندي يد فكافأته بها، وأما الذي ذبحته فإن عينا لي بالشام كتب إليّ أنّ جبلة بن الأيهم بعث إليك برجل صفته كذا وكذا ليقتلك [٢] فطلبته فلم أقدر عليه حتى كان اليوم، فرأيته بين القوم فأخذته. وكان عثمان بن عفان ﵁ يقرّب أبا زبيد ويدني مجلسه لمعرفته بسير من أدركهم من ملوك العرب والعجم، فدخل عليه يوما وعنده المهاجرون والأنصار، فتذاكروا مآثر العرب وأخبارها وأشعارها، فالتفت إليه عثمان وقال له: يا أخا تبع المسيح أسمعنا بعض قولك، فقد أنبئت أنك تجيد الشعر، فأنشده قصيدته التي أولها [٣] : من مبلغ قومنا النائين إذ شحطوا ... أنّ الفؤاد إليهم شيّق ولع ووصف فيها الأسد، فقال له عثمان: تالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت، والله إني

стр. 1169

لأحسبك جبانا هدانا [١] قال: كلا يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت منه منظرا وشهدت مشهدا لا يبرح ذكره يتجدّد في قلبي، ومعذور أنا بذلك يا أمير المؤمنين غير ملوم، فقال له عثمان: وأين كان ذلك وأنى؟ فقال: خرجت في صيّابة [٢] من أشراف العرب وفتيانهم ذوي هيئة وشارة حسنة، ترتمي بنا المهارى بأكسائها [٣] القيروانات على قنو البغال تسوقها العبدان [٤] ، ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروّط [٥] بنا السير في حمارّة القيظ، حتى إذا عصبت [٦] الأفواه وذبلت الشفاه وشالت المياه [٧] وأذكت الجوزاء المعزاء [٨] ، وذاب الصّيهد [٩] وصرّ الجندب، وضاف العصفور الضبّ في وكره، وجاوره في جحره، قال قائل: أيها الركب غوروا [١٠] بنا في ضوج [١١] هذا الوادي، وإذا واد قد بدا لنا [١٢] كثير الدغل دائم الغلل [١٣] ، شجراؤه مغنّة [١٤] وأطياره مرنّة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات [١٥] وأصبنا من فضلات المزاود [١٦] وأتبعناها الماء البارد. فلما انتصف حرّ يومنا ذلك وبينما نحن كذلك [١٧] ، إذ صرّ أقصى الخيل أذنيه [١٨] وفحص الأرض بيديه،

стр. 1170

فو الله ما لبث أن جال ثم حمحم فبال، ثم فعل فعله الذي يليه واحدا فواحدا، فتضعضعت الخيل وتكعكعت الإبل [١] وتقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله وشارد [٢] بعقاله، فعلمنا أنه السبع، ففزع كلّ منّا إلى سيفه فسلّه من قرابه [٣] ثم وقفنا رزدقا [٤] ، فأقبل أبو الحارث من أجمته يتظالع في مشيته [٥] كأنه مجنوب أو في هجار معصوب [٦] لطرفه وميض، ولصدره نحيط [٧] ، ولبلعومه غطيط، ولأرساغه نقيض [٨] كأنما يخبط هشيما أو يطأ صريما [٩] له هامة كالمجنّ وخدّ كالمسن، وعينان سجراوان كأنهما سراجان يقدان، وقصرة ربلة ولهزمة رهلة، وكتد مغبط، وزور مفرط، وساعد مجدول، وعضد مفتول [١٠] وكفّ شثنة البراثن إلى مخالب كالمحاجن، فضرب بيديه فأرهج [١١] ، وكشّر فأفرج، عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة، وفم أشدق كالغار الأخرق [١٢] ثم تمطى [فأشرع] بيديه وحفز بوركيه حتى صار ظلّه مثليه، ثم أقعى فاقشعرّ، ثم أقبل [١٣] فاكفهر، ثم تجهم فازبأر [١٤] ، فلا وذو بيته في السماء ما اتقيناه إلا بأخ لنا من فزارة كان ضخم الجزارة [١٥] ، فوقصه

стр. 1171

ثم نفضه نفضة فقضقض متنيه وجعل يلغ في دمه [١] ، فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا، فهجهجنا به، فكرّ مقشعرا بزبرته كأن به شيهما حوليا فاختلج رجلا أعجز ذا حوايا فنفضه نفضة تزايلت بها مفاصله [٢] ، ثم همهم ففرفر وزفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ فأشزر [٣] ، فو الله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه، من عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي واصطكت الأرجل، وأطّت الأضلاع وارتجت الأسماع، وشخصت العيون وتحققت الظنون وانخزلت المتون [٤] . فقال له عثمان اسكت قطع الله لسانك فقد أرعبت قلوب المسلمين. وقال يصف الأسد [٥] : فباتوا يدلجون وباب يسري ... بصير بالدجى هاد هموس [٦] إلى أن عرّسوا وأغبّ عنهم ... قريبا ما يحسّ له حسيس [٧] خلا أنّ العتاق من المطايا ... حسسن به فهنّ لذا شموس [٨] فلما أن رآهم قد تدانوا ... أتاهم وسط رحلهم يميس فثار الزاجرون فزاد قربا ... إليهم ثم واجهه ضبيس [٩] بنصل السيف ليس له مجنّ ... فصدّ ولم يصادفه جبيس [١٠] فيضرب بالشمال إلى حشاه ... وقد نادى فأخلفه الأنيس

стр. 1172

بسمر كالمحاجن في قنوب ... يقيها قضّة الأرض الدخيس [١] فخرّ السيف واختلفت يداه ... وكان بنفسه وقيت نفوس [٢] وطار القوم شتّى والمطايا ... وغودر في مكرهم الرئيس [٣] وجال كأنه فرس صنيع ... يجرّ جلاله ذبل شموس [٤] كأن بنحره وبساعديه ... عبيرا ظلّ تعبؤه عروس [٥] فذلك إن تلاقوه تفادوا ... ويحدث عنكم أمر شكيس [٦] وقال ابن الأعرابي [٧] : كان لأبي زبيد كلب يقال له أكدر [٨] ، وكان له سلاح يلبسه إياه، فكان لا يقوم له الأسد، فخرج ليلة ولم يلبسه سلاحه، فلقيه الأسد فقتله، فقال أبو زبيد: أحال أكدر مختالا [٩] كعادته ... حتى إذا كان بين البئر والعطن [١٠] لاقى لدى ثلل الأطواء داهية ... سرت وأكدر تحت الليل في قرن

стр. 1173

حفّت به شيمة ورهاء تطرده ... حتى تناهى إلى الحولات [١] في سنن إلى مقابل فتل الساعدين له ... فوق السّراة كذفرى الفالج القمن [٢] رئبال غاب فلا قحم ولا ضرع ... كالبغل يحتطم العجلين [٣] في شطن وهي قصيدة طويلة، فلامه قومه على كثرة وصفه للأسد وقالوا: قد خفنا أن تسبنا العرب بوصفك له، فقال: لو رأيتم منه ما رأيت أو لقيتم منه ما لقي أكدر لما لمتموني. ثم أمسك عن وصفه فلم يصفه حتى مات. وقال [٤] ابن الأعرابي: كان أبو زبيد يقيم أكثر أيامه في أخواله بني تغلب، وكان له غلام يرعى إبله، فغزت بهراء، وهم من قضاعة، بني تغلب فمروا بغلامه فدفع إليهم إبل أبي زبيد وانطلق معهم يدلّهم على عورة القوم ويقاتل معهم، فهزمت تغلب بهراء وقتل الغلام، فقال أبو زبيد في ذلك: هل كنت في منظر ومستمع ... عن نصر بهراء غير ذي فرس [٥] تسعى إلى فتية الأراقم واس ... تعجلت قيل الجمان والقبس [٦] في عارض من جبال بهرا بها الأ ... لّ مرين الحروب عن درس [٧] فنهزة من لقوا حسبتهم ... أحلى وأشهى من بارد الدّبس [٨] لا ترة عندهم فتطلبها ... ولا هم نهزة لمختلس

стр. 1174

جود كرام إذا هم ندبوا ... غير لئام ضجر ولا كسس [١] صمت عظام الحلوم إن سكتوا ... من غير عيّ بهم ولا خرس تقوت [٢] أفراسهم نساؤهم ... يزجون أجمالهم مع الغلس صادفت لما خرجت منطلقا ... جهم المحيا كباسل شرس تخال في كفّه مثقّفة ... تلمع فيها كشعلة القبس بكفّ حرّان ثائر بدم ... طلّاب وتر في الموت منغمس إما تقاذف [٣] بك الرماح فلا ... أبكيك إلا للدلو والمرس [٤] حمدت أمري ولمت أمرك إذ ... أمسك جلز السنان بالنفس [٥] وقد تصلّيت حرّ نارهم ... كما تصلّى المقرور من قرس [٦] تذبّ عنه كفّ بها رمق ... طيرا عكوفا كزوّر العرس [٧] عما قليل علون جثّته ... فهنّ من والغ ومنتهس فلما بلغ شعره بني تغلب بعثوا إليه بدية غلامه وما نهب من إبله، فقال في ذلك [٨] : ألا أبلغ بني عمرو رسولا ... فإني في مودتكم نفيس فما أنا بالضعيف فتظلموني ... ولا جافي اللقاء ولا خسيس

стр. 1175

أفي حقّ مواساتي أخاكم ... بمالي ثم يظلمني السّريس [١] وحدث ابن الأعرابي قال: كان أبو زبيد الطائي نديما للوليد بن عقبة والي الكوفة من قبل عثمان، فلما شهدوا عليه بشرب الخمر وعزل عن عمله وخرج من الكوفة قال أبو زبيد [٢] : من يرى العير لابن أروى على ظهر ... المرورى حداتهنّ عجال [٣] مصعدات والبيت بيت أبي وه ... ب خلاء تحنّ فيه الشّمال يعرف الجاهل المضلّل أن ال ... دهر فيه النكراء والزلزال ليت شعري كذاكم العهد أم كا ... نوا أناسا ممن يزول فزالوا بعد ما تعلمين يا أمّ زيد ... كان فيهم عزّ لنا وجمال ووجوه بودّنا مشرقات ... ونوال إذا أريد النوال أصبح البيت قد تبدّل بالحيّ ... وجوها كأنها الأقتال [٤] كلّ شيء يحتال فيه الرجال ... غير أن ليس للمنايا احتيال ولعمر الإله لو كان للسي ... ف مصال أو للسان مقال ما تناسيتك الصفاء ولا الو ... دّ ولا حال دونك الأشغال ولحرّمت لحمك المتعضّى [٥] ... ضلة ضلّ حلمهم ما اغتالوا قولهم شربك الحرام وقد كا ... ن شراب سوى الحرام حلال وأبى الظاهر العداوة إلا ... شنآنا وقول ما لا يقال من رجال تقارضوا منكرات ... لينالوا الذي أرادوا فنالوا

стр. 1176

غير ما طالبين ذحلا ولكن ... مال دهر على أناس فمالوا من يخنك الصفاء أو يتبدل ... أو يزل مثل ما تزول الظلال فاعلمن أنني أخوك أخو الو ... دّ حياتي حتى تزول الجبال ليس بخل عليك عندي بمال ... أبدا ما أقلّ نعلا قبال [١] ولك النصر باللسان وبالك ... فّ إذا كان لليدين مصال ولأبي زبيد في مدح الوليد بن عقبة شعر كثير تركناه خوف الإطالة. ومن جيد شعره [٢] : إنّ نيل الحياة [٣] غير سعود ... وضلال تأميل نيل الخلود علّل المرء بالأماني [٤] ويضحي ... غرضا للمنون نصب العود كلّ يوم ترميه منها برشق ... فمصيب أو صاف غير بعيد [٥] كلّ ميت قد اعترفت [٦] فلا أو ... جع [٧] من والد ومن مولود غير أن اللجلاج [٨] هدّ جناحي ... يوم فارقته بأعلى الصعيد وكان أبو زبيد يحمل في كل أحد إلى البيع مع النصارى، فبينا هو يوم أحد يشرب والنصارى حوله رفع بصره إلى السماء، فنظر نظرا طويلا ثم رمى الكأس من يده وقال [٩] : إذا جعل المرء الذي كان حازما ... يحلّ به حلّ الحوار ويحمل

стр. 1177

فليس له في العيش خير يريده ... وتكفينه ميتا أعفّ وأجمل أتاني رسول الموت يا مرحبا به ... واني لآتيه أما سوف أفعل ثم مات فجأة ودفن هناك. - ٤٠٩- حسنون بن جعفر بن حسنون بن عبد الرحمن بن مروان السهمي الشاعر: من أهل مصر. - ٤١٠- حصن بن ربيعة بن صعير بن كلاب بن عامر بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، المعروف بلسان الحمّرة. وابنه أبو كلاب عبد الله، كانا من أعلم الناس بعلم النسب، وأخبار الأوائل. قال لرؤبة بن العجّاج: للعلم آفة وهجنة وإضاعة. فأما آفته فنسيانه، وأما هجنته فالكذب فيه، وأما إضاعته فوضعه عند من لا يستأهله. - ٤١١- حفص الأموي مولاهم: شاعر من شعراء الدولة الأموية عاش حتى أدرك دولة

стр. 1178

بني العباس ولحق بعبد الله بن علي فاستأمنه، فهو من مخضرمي الدولتين، وكان يختلف إلى كثيّر بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة الشاعر يروي عنه شعره، وكان هجّاء لبني هاشم فطلبه عبد الله بن علي فلم يقدر عليه، ثم جاءه حفص مستأمنا فقال: أنا عائد بالأمير، فقال له: ومن أنت؟ قال: حفص الأموي، فقال: أنت الهجّاء لبني هاشم؟ فقال: أنا الذي أقول أعز الله الأمير: وكانت أمية في ملكها ... تجور وتكثر عدوانها فلما رأى الله أن قد طغت ... ولم يحمل الناس طغيانها رماها بسفاح آل الرسول ... فجذّ بكفّيه أعيانها ولو آمنت قبل وقع العذاب ... فقد يقبل الله إيمانها فلما أتم الإنشاد قال له عبد الله بن علي: اجلس، فجلس فتغدّى بين يديه، ثم دعا عبد الله خادما له فساره بشيء، ففزع حفص وقال: أيها الأمير قد تحرمت بك وبطعامك وفي أقلّ من هذا كانت العرب تهب الدماء، فقال له عبد الله: ليس شيء مما ظننت، فجاء الخادم بخمسمائة دينار فقال: خذها ولا تقطعنا وأصلح ما شعّثت منا. وروى ابن السائب الكلبي أن هشام بن عبد الملك قال يوما لقوّامه على خيله كم أكثر ما ضمّت حلبة من الخيل في الجاهلية والاسلام؟ قالوا: ألف فرس وقيل ألفان، فأمر أن يؤذّن بالناس بحلبة تضمّ أربعة آلاف فرس، فقيل له: يا أمير المؤمنين يحطم بعضها بعضا فلا يتسع لها طريق، فقال: نطلقها ونتوكل على الله والله الصانع، فجعل الغاية خمسين ومائتي غلوة، والقصب مائة، والمقوّس ستة أسهم، وقاد إليه الناس من كلّ أوب، ثم برز هشام إلى دهناء الرصافة قبيل الحلبة بأيام، فأصلح طريقا واسعا لا يضيق بها، فأرسلت يوم الحلبة بين يديه وهو ينظر إليها تدور حتى ترجع، وجعل الناس يتراءونها حتى أقبل الزابد [١] كأنه ريح لا يتعلّق به شيء حتى دخل سابقا وأخذ القصبة، ثم جاءت الخيل بعد ذلك أفذاذا وأفواجا، ووثب الرجّاز يرتجزون

стр. 1179

منهم المادح للزابد، ومنهم المادح لفرسه، ومنهم المادح لخيل قومه، فوثب حفص الأموي مولاهم وقام مرتجزا يقول: إنّ الجواد السابق الامام ... خليفة الله الرّضى الهمام أنجبه السوابق الكرام ... من منجبات ما لهنّ ذام كرائم يجلى بها الظلام ... أمّ هشام جدّها القمقام وعائش يسمو بها الأقوام ... خلائف من نجلها أعلام إن هشاما جدّه هشام ... مقابل مدابر هضّام جرى به الأخوال والأعمام ... نجل كنجل كلّهم قدّام سنّوا له السبق وما استقاموا ... حتى استقام حيثما استقاموا وأحرز المجد الذي أقاموا ... أطلق وهو يفع غلام في حلبة تمّ لها التمام ... من آل فهر وهم السنام فبذّها سبقا وما ألاموا ... كذلك الزابد يوم قاموا أتى ببدء الخيل ما يرام ... مجلّيا كأنه حسام سبّاق غايات لها ضرام ... لا يقبل العفو ولا يضام ويل الجياد منه ماذا راموا ... سهم تفرّ دونه السهام فأعطاه هشام يومئذ ثلاثة آلاف درهم وخلع عليه ثلاث حلل من جيّد وشي اليمن وحمله على فرس من خيله السوابق، وانصرف معه ينشده هذا الرجز حتى قعد في مجلسه، وأمره بملازمته فكان أثيرا [١] عنده. وقال حفص أيضا [٢] : لا خير في الشيخ إذا ما اجلخّا ... وسال غرب دمعه فلخّا [٣]

стр. 1180

وكان أكلا كلّه وشخّا ... تحت رواق البيت يغشى الدخّا [١] - ٤١٢- حفص بن سليمان بن المغيرة أبو عمر بن أبي داود الأسدي الكوفي الغاضري [٢] البزاز، نسبة لبيع البز: الإمام القارىء راوي عاصم بن أبي النجود، كان ربيب عاصم ابن زوجته فأخذ عنه القراءة عرضا وتلقينا؛ قال حفص قال لي عاصم: القراءة التي أقرأتك بها فهي التي قرأتها عرضا على أبي عبد الرحمن السلمي عن علي والتي أقرأتها أبا بكر ابن عياش فهي التي كنت أعرضها على زرّ بن حبيش عن ابن مسعود. ولد حفص سنة تسعين ونزل بغداد فأقرأ بها وأخذ عنه الناس قراءة عاصم تلاوة، وجاور بمكة فأقرأ بها أيضا. قال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة من قراءة عاصم رواية حفص، وكان أعلمهم بقراءة عاصم، وكان مرجحا على شعبة بضبط القراءة. توفي حفص بن سليمان سنة ثمانين ومائة. - ٤١٣- حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان بن عيسى بن صهبان، ويقال صهيب، أبو عمر الدوري الأزدي البغدادي المقرىء النحوي الضرير، نزيل سامرّا،

стр. 1181

راوي الامامين أبي عمرو والكسائي: إمام القراء وشيخ العراق في زمانه، ثقة ثبت كبير ضابط، رحل في طلب القراءات وقرأ بالحروف السبعة وبالشواذّ، وسمع من ذلك شيئا كثيرا، وقرأ على أبي عمرو بن العلاء والكسائي وروى عنهما، وقرأ العربية على أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي. قال أبو داود: رأيت أحمد بن حنبل يكتب عن أبي عمر الدوري. وصنف «كتاب ما اتفقت ألفاظه ومعانيه من القرآن» و «كتاب أجزاء القرآن» وغير ذلك. والدوري نسبته إلى الدور، موضع ببغداد ومحلة بالجانب الشرقي. توفي أبو عمر الدوري سنة ست وأربعين ومائتين. - ٤١٤- حفص بن عمر العنبري: صاحب الهيثم بن عديّ، له مصنفات، حكي عنه قال: أراد عيسى بن موسى أن يضمه إلى أولاده فقيل له إنه مأبون فتركه، فلقيه حماد الرواية، فقال له: يا ابن أبي ودة، ألم يكن الأمير أراد ضمّك إلى ولده؟ قال: بلى. قال: فما الذي ثناه عن ذلك؟ قال: سعي بي عنده، وأخبر أني خائن قال: إن امرا فررت منه إلى الخيانة لشديد. - ٤١٥- أبو حفص الزكرمي العروضي الأديب الشاعر: قال الحافظ أبو طاهر السلفي في معجم السفر [١] أنشدني أبو القاسم ذوبان بن عتيق بن تميم الكاتب [٢] قال:

стр. 1182

أنشدني أبو حفص الزكرمي بافريقية مما قاله بالأندلس وقد طولب بمكس يتولّاه يهودي: يا أهل دانية لقد خالفتم ... حكم الشريعة والمروءة فينا ما لي أراكم تأمرون بضدّ ما ... أمرت ترى نسخ الاله الدينا كنا نطالب لليهود بجزية ... وأرى اليهود بجزية طلبونا ما إن سمعنا مالكا أفتى بذا ... كلّا ولا من بعده سحنونا لا هؤلاء ولا الأئمة كلّهم ... حاشاهم بالمكس قد أمرونا أيحوز مثلي أن يمكّس عدله [١] ... لو كان يعدل وزنه قاعونا [٢] ولقد رجونا أن ننال بعدلكم ... رفدا يكون على الزمان معينا فالآن نقنع بالسلامة منكم ... لا تأخذوا منا ولا تعطونا - ٤١٦- حفصة بنت الحاج الركوني: شاعرة أديبة من أهل غرناطة مشهورة بالحسب والأدب والجمال والمال، جيدة البديهة رقيقة الشعر أستاذة وليت تعليم النساء في دار المنصور [حفيد] أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، وسألها يوما أن تنشده فقالت ارتجالا: يا سيد الناس يا من ... يؤمّل الناس رفده

стр. 1183

امنن علي بطرس ... يكون للدهر عده تخطّ يمناك فيه ... «الحمد لله وحده» أشارت بذلك إلى العلامة السلطانية، فإن السلطان كان يكتب بيده في رأس المنشور بخط غليظ «الحمد لله وحده» فمنّ عليها وكتب لها بيده ما طلبت. وتولع بها [عثمان بن] [١] أمير المؤمنين عبد المؤمن المذكور وتغير بسببها على أبي جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي، وكان عاشقا لها متصلا بها يتبادلان رسائل الغرام ويتجاوبان تجاوب الحمام، وقد أدى [عثمان بن] عبد المؤمن ولعه بها إلى قتل أبي جعفر. ومما كتبته حفصة إلى أبي جعفر: رأست فما زال العداة بظلمهم ... وحقدهم النامي يقولون لم رأس وهل منكر أن ساد أهل زمانه ... جموح إلى العليا نقيّ من الدنس وبات معها أبو جعفر في بستان بحوز مؤمل فلما حان وقت التفرق قال: رعى الله ليلا لم يرع بمذمم ... عشية وارانا بحوز مؤمّل وقد خفقت من نحو نجد أريجة ... إذا نفحت جاءت بريا القرنفل وغرّد قمريّ على الدوح وانثنى ... قضيب من الريحان من فوق جدول يرى الروض مسرورا بما قد بدا له ... عناق وضمّ وارتشاف مقبّل فقالت: لعمرك ما سرّ الرياض بوصلنا ... ولكنه أبدى لنا الغلّ والحسد ولا صفّق النهر ارتياحا لقربنا ... ولا غرّد القمريّ إلا لما وجد فلا تحسن الظنّ الذي أنت أهله ... فما هو في كلّ المواطن بالرّشد فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه ... لأمر سوى كيما تكون لنا رصد

стр. 1184

وقالت: سلوا البارق الخفّاق والليل ساكن ... أظلّ بأحبابي يذكّرني وهنا لعمري لقد أهدى لقلبي خفوقه ... وأمطر كالمنهلّ من مزنه الجفنا وبلغها أن أبا جعفر ابن سعيد علق بجارية سوداء فأقام معها أياما فكتبت إليه: يا أظرف الناس قبل حال ... أوقعه وسطه القدر عشقت سوداء مثل ليل ... بدائع الحسن قد ستر لا يظهر البشر في دجاها ... كلا ولا يبصر الخفر بالله قل لي وأنت أدرى ... بكلّ من هام في الصور من الذي حبّ قبل روضا ... لا نور فيه ولا زهر فكتب إليها معتذرا: لا حكم إلا لأمر ناه ... له من الذنب يعتذر له محيا به حياتي ... أعيذ مجلاه بالسّور كضحوة العيد في ابتهاج ... وطلعة الشمس والقمر بسعده لم أمل إليه ... إلا طريفا له خبر عدمت صبحي فاسودّ عشقي ... وانعكس الفكر والنظر إن لم تلح يا نعيم روحي ... فكيف لا تفسد الفكر وكتبت إلى بعض أصحابها: أزورك أم تزور فإن قلبي ... إلى ما تشتهي أبدا يميل فثغري مورد عذب زلال ... وفرع ذؤابتي ظلّ ظليل وهل تخشى بأن تظما وتضحى ... إذا وافى إليك بي المقيل فعجّل بالجواب فما جميل ... إباؤك عن بثينة يا جميل وكان أبو جعفر ابن سعيد يوما في منزله وقد خلا ببعض أصحابه وجلسائه، فضرب الباب فخرجت جاريته تنظر من بالباب، فوجدت امرأة فقالت لها: ما تريدين؟ فقالت: ادفعي لسيدك هذه البطاقة، فإذا فيها:

стр. 1185

زائر قد أتى بجيد غزال ... طامع من محبّه بالوصال بلحاظ من سحر بابل صيغت ... ورضاب يفوق بنت الدوالي يفضح الورد ما حوى منه خدّ ... وكذا الثغر فاضح للآلي أتراكم باذنكم مسعفيه ... أم لكم شاغل من الأشغال فما قرأ الرقعة قال: وربّ الكعبة ما صاحب هذه الرقعة إلا حفصة، فبادر إلى الباب فلم يجدها، فكتب إليها: أيّ شغل عن المحبّ يعوق ... يا صباحا قد آن منه الشروق صل وواصل فأنت أشهى إلينا ... من لذيذ المنى فكم ذا نشوق لا وحبيك لا يطيب صبوح ... غبت عنه ولا يطيب غبوق لا وذلّ الجفا وعزّ التلاقي ... واجتماع إليه عزّ الطريق وقالت: أغار عليك من عيني وقلبي ... ومنك ومن زمانك والمكان ولو أني جعلتك في عيوني ... إلى يوم القيامة ما كفاني ماتت حفصة بمراكش سنة ست وثمانين وخمسمائة. - ٤١٧- حفصويه: من أفاضل كتاب الخراج وهو أول من صنف في الخراج. - ٤١٨- الحكم بن عبدل بن جبلة بن عمرو بن ثعلبة بن عقال بن بلال بن سعد بن

стр. 1186

حبال بن نصر بن غاضرة، وينتهي نسبه إلى خزيمة بن مدركة الأسدي الغاضري [١] الكوفي: شاعر مجيد هجّاء من شعراء الدولة الأموية، كان ممن نفاه ابن الزبير من العراق كما نفى منها عمّال بني أمية، فقدم دمشق ونال من عبد الملك بن مروان حظوة، فكان يدخل عليه ويسمر عنده، فقال ليلة لعبد الملك [٢] : يا ليت شعري وليت ربّما نفعت ... هل أبصرنّ بني العوام قد شملوا بالذلّ والأسر والتشريد إنهم ... على البرية حتف حيثما نزلوا أم هل أراك بأكناف العراق وقد ... ذلّت لعزك أقوام وقد نكلوا فقال عبد الملك: إن يمكن الله من قيس ومن جرش [٣] ... ومن جذام ويقتل صاحب الحرم تضرب جماجم أقوام على حنق ... ضربا ينكّل عنّا غابر الأمم ودخل [٤] يوما على عبد الملك فقعد بين السماطين وقال: أصلح الله الأمير رؤيا رأيتها بالمنام أقصّها عليك؟ فقال: هات، فأنشأ يقول: طلعت عليّ الشمس بعد غضارة ... في نومة ما كنت قبل أنامها فرأيت أنك جدت لي بوليدة ... مغنوجة حسن علي قيامها وببدرة حملت إليّ وبغلة ... شهباء ناجية يصلّ لجامها فسألت ربّي أن يثيبك جنّة ... يلقاك فيها روحها وسلامها فقال: كلّ ما رأيت عندنا إلا البغلة فإنها دهماء فارهة، فقال: امرأته طالق إن- والفوات ١: ٣٩٠ وقد وردت له ترجمة في ابن خلكان ٢: ٢٠١ وهي ليست من شرط ابن خلكان لأنه لا يعرف سنة وفاته؛ وورود ترجمته في معجم الأدباء مستغرب، فإنه بمعجم الشعراء أليق) .

стр. 1187

كان رآها إلا دهماء ولكنّه نسي، فأمر عبد الملك أن يحمل إليه كلّ ما ذكره في شعره. ودخل [١] ابن عبدل على محمد بن حسان بن سعد وكان على خراج الكوفة، فكلمه في رجل من العرب أن يضع عنه ثلاثين درهما من خراجه، فقال محمد بن حسان: أماتني الله إن كنت أقدر أن أضع من خراج أمير المؤمنين شيئا، فانصرف ابن عبدل وهو يقول: دع الثلاثين لا تعرض لصاحبها ... لا بارك الله في تلك الثلاثينا لما علا صوته في الدار مبتكرا ... كأشتفان [٢] يرى قوما يدوسونا أحسن فانك قد أعطيت مملكة ... إمارة صرت فيها اليوم مفتونا لا يعطك الله خيرا مثلها أبدا ... أقسمت بالله إلا قلت آمينا فلم يضع من خراج الرجل شيئا فقال ابن عبدل فيه: رأيت محمدا شرها ظلوما ... وكنت أراه ذا ورع وقصد يقول أماتني ربّي خداعا ... أمات الله حسان بن سعد ركبت إليه في رجل أتاني ... كريم يبتغي المعروف عندي فقلت له وبعض القول نصح ... ومنه ما أسرّ له وأبدي توقّ كرائم البكريّ إني ... أخاف عليك عاقبة التعدّي فما صادفت في قحطان مثلي ... ولا صادفت مثلك في معدّ أقلّ براعة وأشدّ بخلا ... وألأم عند مسألة وحمد فقدت محمدا ودخان فيه ... كريح الجعر فوق عطين جلد [٣] فأقسم غير مستثن يمينا ... أبا بخر لتتّخمنّ ردّي فلو كنت المهذب من تميم ... لخفت ملامتي ورجوت حمدي

стр. 1188

نكهت عليّ نكهة أخدريّ ... شتيم أعصل الأنياب ورد [١] فما يدنو إلى فمه ذباب ... ولو طليت مشافره بقند [٢] فإن أهديت لي من فيك حتفا ... فإني كالذي أهديت مهدي ولولا ما وليت لكنت فسلا ... لئيم الكسب شأنك شأن عبد وخطب [٣] محمد بن حسان هذا بنتا لطلبة بن قيس بن عاصم المنقريّ فقال ابن عبدل: لعمري ما زوجتها لكفاءة ... ولكنما زوجتها للدراهم [٤] وما كان حسّان بن سعد ولا ابنه ... أبو البخر [٥] من أكفاء قيس بن عاصم ولكنه ردّ الزمان على استه ... وضيّع أمر المحصنات الكرائم له ريقة بخراء تصرع من دنا ... وتنتن خيشوم الضجيع الملازم خذي دية منه تكوني غنية ... وروحي [٦] إلى باب الأمير فخاصمي وكان بالكوفة [٧] امرأة موسرة لها على الناس ديون كثيرة بالسواد، فأتت الحكم بن عبدل وعرّضت له بأنها تتزوجه إذا اقتضى لها ديونها، فقام ابن عبدل بدينها حتى اقتضاه، ثم طالبها بالوفاء فكتبت إليه: سيخطيك الذي حاولت مني ... فقطّع حبل وصلك من حبالي كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنت تعدّ ذلك رأس مال

стр. 1189

وكان ابن عبدل يأتي ابن بشر بن مروان بالكوفة فيسأله، فيقول له: أخمسمائة أحبّ إليك العام أم ألف في قابل؟ فيقول: ألف في قابل، فإذا أتاه من قابل قال له: ألف أحبّ إليك العام أم الفان في قابل؟ فيقول: ألفان فلم يزل كذلك حتى مات ابن بشر ولم يعطه شيئا. فدخل ابن عبدل على عبد الملك بن مروان [١] بعد ما جرى مع المرأة فقال له عبد الملك: ما أحدثت بعدي؟ قال: خطبت امرأة من قومي فردّت عليّ بيتي شعر، قال: وما هما؟ قال قالت: سيخطيك الذي حاولت مني ... البيتان، فضحك عبد الملك وقال له: لحاك الله أذكرت [٢] بنفسك وأمر له بألفي درهم. وعن ابن الكلبي [٣] قال كان الحكم بن عبدل منقطعا إلى بشر بن مروان، وكان يأنس به ويقربه، وأخرجه معه إلى البصرة لما وليها، فرأى منه الحكم جفاء لشغل عرض له فانقطع عنه شهرا ثم أتاه، فلما دخل عليه قال له بشر: يا ابن عبدل ما لك انقطعت عنا وقد كنت لنا زوارا؟ فقال ابن عبدل: كنت أثني عليك خيرا فلما ... أضمر القلب من نوالك ياسا كنت ذا منصب قنيت حيائي ... لم أقل غير أن هجرتك باسا لم أطق ما أردت بي يا ابن مروا ... ن ستلقى إذا أردت أناسا يقبلون الخسيس منك ويثنو ... ن ثناء مدخمسا دخماسا [٤] فقال له: لا نسومك الخسيس ولا نريد منك ثناء مدخمسا، ووصله وكساه. ولما مات بشر جزع عليه ابن عبدل فقال يرثيه [٥] : أصبحت جمّ بلابل الصدر ... متعجبا لتصرّف الدهر ما زلت أطلب في البلاد فتى ... ليكون لي ذخرا من الذخر

стр. 1190

ويظلّ يسعدني وأسعده ... في كلّ نائبة من الأمر حتى إذا ظفرت يداي به ... جاء القضاء بحينه يجري إني لفي همّ يباكرني ... منه وهمّ طارق يسري فلأصبرنّ وما رأيت دوا ... للهمّ غير عزيمة الصبر والله ما استعظمت فرقته ... حتى أحاط بفضله خبري وعن النضر بن شميل قال: دخلت على أمير المؤمنين المأمون بمرو فقال أنشدني أقنع بيت للعرب، فأنشدته قول الحكم بن عبدل [١] : إني امرؤ لم أزل وذاك من الله ... أديبا أعلّم الأدبا أقيم بالدار ما اطمأنت بي ... الدار وإن كنت نازعا طربا لا أجتوي خلّة الصديق ولا ... أتبع نفسي شيئا إذا ذهبا أطلب ما يطلب الكريم من ... الرزق بنفسي وأجمل الطلبا وأحلب الثرّة الصفيّ ولا ... أجهد أخلاف غيرها حلبا إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغّبته في صنيعة رغبا والعبد لا يحسن العطاء ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا مثل الحمار المعقب [٢] السّوء لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا ولم أجد عزة الخلائق إلا ... الدين لما اعتبرت والحسبا قد يرزق الخافض المقيم وما ... شدّ لعيس رحلا ولا قتبا ويحرم الرزق ذو المطية وال ... رحل ومن لا يزال مغتربا وكان الحكم بن عبدل أعرج فدخل على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو أعرج أيضا، وكان صاحب شرطه أعرج كذلك، فقال [٣] : ألق العصا ودع التخامع [٤] والتمس ... عملا فهذي دولة العرجان

стр. 1191

لأميرنا وأمير شرطتنا معا ... لكليهما يا قومنا رجلان فإذا يكون أميرنا ووزيرنا ... وأنا فجىء بالرابع الشيطان وقال في بشر بن مروان: ولو شاء بشر كان من دون بابه ... طماطم سود أو صقالبة حمر ولكنّ بشرا سهّل الباب للتي ... يكون لبشر بعدها الحمد والأجر بعيد مراد العين ما ردّ طرفه ... حذار الغواشي باب دار ولا ستر - ٤١٩- الحكم بن معمر بن قنبر بن جحاش بن سلمة بن ثعلبة بن مالك بن طريف بن محارب الخضري: شاعر إسلامي، وكان مع تقدمه في الشعر سجّاعا كثير السجع، وكان هجّاء خبيث اللسان، وكان بينه وبين الرمّاح بن أبرد المعروف بابن ميادة مهاجاة ومواقف كان الغلب في أكثرها على الرماح، فتهاجيا زمانا طويلا، ثم كفّ ابن ميّادة وسأله الصلح فصالحه الحكم. وكان [١] أول ما بدأ الهجاء بينهما أن ابن ميادة مرّ بالحكم وهو ينشد في مصلى النبي ﷺ في جماعة من الناس قوله: لمن الديار كأنها لم تعمر ... بين الكناس وبين برق محجّر حتى انتهى إلى قوله: يا صاحبيّ ألم تشيما بارقا ... نضح المزار [٢] به فهضب المنحر

стр. 1192

قد بتّ أرقبه وبات مصعّدا ... نهض المقيّد في الدّهاس الموقر [١] فقال له ابن ميادة: ارفع إليّ رأسك أيها المنشد، فرفع الحكم إليه رأسه فقال له: من أنت؟ قال: أنا الحكم بن معمر الخضري، قال: فو الله ما أنت في بيت حسب ولا في أرومة شعر [٢] فقال له الحكم: وماذا عبت من شعري؟ قال: عبت أنك أدهست وأوقرت، قال له الحكم: ومن أنت؟ قال: أنا ابن ميادة، قال: ويحك فلم رغبت عن أبيك وانتسبت إلى أمك، قبح الله والدين خيرهما ميادة، أما والله لو وجدت في أبيك خيرا ما انتسبت إلى أمك راعية الضأن، وأما إدهاسي وإيقاري فإني لم آت خيبر إلّا ممتارا لا متحاملا [٣] ، وما عدوت أن حكيت حالك وحال قومك، فلو سكتّ عن هذا كان خيرا لك وأبقى عليك، فلم يفترقا إلا عن هجاء. وقال الحكم يهجو أم جحدر بنت حسان المرية وكانت فضلت ابن ميادة عليه [٤] : ألا عوقبت [٥] في قبرها أم جحدر ... ولا لقيت إلا الكلاليب والجمرا كما حادثت عبدا لئيما وخلته ... من الزاد إلا حشو ريطاته صفرا فيا ليت شعري هل رأت أمّ جحدر ... أكشّك أو ذاقت مغابنك القشرا [٦] وهل أبصرت أرساغ أبرد أو رأت ... قفا أمّ رمّاح إذا ما استقت ذفرا [٧] وبالغمر قد صرّت لقاحا وحادثت ... عبيدا فسل عن ذاك زبّان والغمرا [٨]

стр. 1193

ومما قاله الحكم في ابن ميادة [١] : خليليّ عوجا حيّيا الدار بالجفر ... وقولا لها سقيا لعصرك من عصر وماذا تحيّي من رسوم تلاعبت ... بها حرجف تذري بأذيالها الكدر إذا يبست عيدان قوم وجدتنا ... وعيداننا تغشى على الورق الخضر إذا الناس جاءوا بالقروم أتيتهم ... بقرم يساوي رأسه غرّة البدر لنا الغور والأنجاد والخيل والقنا ... عليكم وأيام المكارم والفخر فيا مرّ قد أخزاك في كلّ موطن ... من اللؤم خلّات يزدن على العشر فمنهنّ أن العبد حامي ذماركم ... وبئس المحامي العبد عن حوزة الثغر ومنهن أن لم تمسحوا وجه سابق ... جواد ولم تأتوا حصانا على طهر ومنهن أن الميت يدفن منكم ... فيفسو على دفّانه وهو في القبر ومنهن أن الجار يسكن وسطكم ... بريئا فيرمى بالخيانة والغدر ومنهن أن عذتم بأرقط كودن ... وبئس المحامي أنت يا ضرطة الجفر [٢] ومنهن أن الشيخ يوجد منكم ... يدبّ إلى الجارات محدودب الظهر تبيت ضباب الضغن يخشى احتراشها ... وان هي أمست دونها ساحل البحر - ٤٢٠- الحكم بن موسى السلولي: هو أبو يزيد الحكم بن موسى بن الحسين بن يزيد السلولي الكوفي أحد الرواة.

стр. 1194

- ٤٢١- أبو الحكم ابن غلندو الاشبيلي: ولد بأشبيلية وبها نشأ، وكان أديبا شاعرا جيد الشعر متفننا متميزا بصناعة الطب، خدم بها المنصور [حفيد] أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي [١] فحظي عنده وقدّم، وكان أبوه أيضا في خدمة أبي يعقوب والد المنصور. وكان أبو الحكم حسن الخطّ يكتب الخطين الأندلسي والمشرقي، وتوفي بمراكش سنة سبع وثمانين وخمسمائة ومن شعره: ماست فأزرت بالغصون الميّس ... وأتتك تخطر في غلالة سندس وتبرجت جنح الظلام كأنها ... شمس تجلت في دياجي الحندس تختال بين لداتها فتخالها ... بدرا بدا بين الجواري الكنّس أرجت برياها الصّبا فتضوّعت ... أنفاسها والصبح لم يتنفّس وسرت إلينا في ملاءة سندس ... بترفّل وتدلّل وتبهنس وتزلفت والليل مسبل جنحه ... والجوّ داج من ظلام الحندس وله: لئن غبت عن عيني وشطّ بك النوى ... فأنت بقلبي حاضر وقريب خيالك في وهمي وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب

стр. 1195

- ٤٢٢- حكيم بن عياش المعروف بالأعور الكلبي: شاعر مجيد، كان منقطعا إلى بني أمية بدمشق وسكن المزّة بها ثم انتقل إلى الكوفة، وكان بينه وبين الكميت بن زيد مفاخرة [١] . وقدم أسامة خال الأعور على معاوية فقال له: اختر لك منزلا، فاختار المزّة واقتطع فيها هو وعترته، فقال الأعور: إذا ذكرت أرض لقوم بنعمة ... فبلدة قومي تزدهي وتطيب بها الدين والإفضال والخير والندى ... فمن ينتجعها للرشاد يصيب ومن ينتجع أرضا سواها فإنه ... سيندم يوما بعدها ويخيب تأتّى بها خالي أسامة منزلا ... وكان لخير العالمين حبيب حبيب رسول الله وابن رديفه ... له ألفة معروفة ونصيب فأسكنها كلبا فأضحت بليدة ... لنا منزل رحب الجناب خصيب فنصف على برّ فسيح رحابه ... ونصف على بحر أغرّ يطيب وكان الأعور يتعصّب لليمن على مضر فقال [٢] : ما سرّني أن أمّي من بني أسد ... وأن ربي نجّاني من النار وأنهم زوجوني من بناتهم ... وأنّ لي كلّ يوم ألف دينار وجاء رجل إلى عبد الله بن جعفر فقال له: يا ابن رسول الله هذا حكيم الكلبي ينشد الناس هجاءكم بالكوفة، فقال: هل حفظت منه شيئا؟ قال: نعم، وأنشده [٣] :
следующие страницы →