لأميرنا وأمير شرطتنا معا ... لكليهما يا قومنا رجلان
فإذا يكون أميرنا ووزيرنا ... وأنا فجىء بالرابع الشيطان
وقال في بشر بن مروان:
ولو شاء بشر كان من دون بابه ... طماطم سود أو صقالبة حمر
ولكنّ بشرا سهّل الباب للتي ... يكون لبشر بعدها الحمد والأجر
بعيد مراد العين ما ردّ طرفه ... حذار الغواشي باب دار ولا ستر
- ٤١٩-
الحكم بن معمر بن قنبر بن جحاش بن سلمة
بن ثعلبة بن مالك بن طريف بن محارب الخضري: شاعر إسلامي، وكان مع تقدمه في الشعر سجّاعا كثير السجع، وكان هجّاء خبيث اللسان، وكان بينه وبين الرمّاح بن أبرد المعروف بابن ميادة مهاجاة ومواقف كان الغلب في أكثرها على الرماح، فتهاجيا زمانا طويلا، ثم كفّ ابن ميّادة وسأله الصلح فصالحه الحكم.
وكان [١] أول ما بدأ الهجاء بينهما أن ابن ميادة مرّ بالحكم وهو ينشد في مصلى النبي ﷺ في جماعة من الناس قوله:
لمن الديار كأنها لم تعمر ... بين الكناس وبين برق محجّر
حتى انتهى إلى قوله:
يا صاحبيّ ألم تشيما بارقا ... نضح المزار [٢] به فهضب المنحر
стр. 1192
قد بتّ أرقبه وبات مصعّدا ... نهض المقيّد في الدّهاس الموقر [١]
فقال له ابن ميادة: ارفع إليّ رأسك أيها المنشد، فرفع الحكم إليه رأسه فقال له: من أنت؟ قال: أنا الحكم بن معمر الخضري، قال: فو الله ما أنت في بيت حسب ولا في أرومة شعر [٢] فقال له الحكم: وماذا عبت من شعري؟ قال: عبت أنك أدهست وأوقرت، قال له الحكم: ومن أنت؟ قال: أنا ابن ميادة، قال: ويحك فلم رغبت عن أبيك وانتسبت إلى أمك، قبح الله والدين خيرهما ميادة، أما والله لو وجدت في أبيك خيرا ما انتسبت إلى أمك راعية الضأن، وأما إدهاسي وإيقاري فإني لم آت خيبر إلّا ممتارا لا متحاملا [٣] ، وما عدوت أن حكيت حالك وحال قومك، فلو سكتّ عن هذا كان خيرا لك وأبقى عليك، فلم يفترقا إلا عن هجاء.
وقال الحكم يهجو أم جحدر بنت حسان المرية وكانت فضلت ابن ميادة عليه [٤] :
ألا عوقبت [٥] في قبرها أم جحدر ... ولا لقيت إلا الكلاليب والجمرا
كما حادثت عبدا لئيما وخلته ... من الزاد إلا حشو ريطاته صفرا
فيا ليت شعري هل رأت أمّ جحدر ... أكشّك أو ذاقت مغابنك القشرا [٦]
وهل أبصرت أرساغ أبرد أو رأت ... قفا أمّ رمّاح إذا ما استقت ذفرا [٧]
وبالغمر قد صرّت لقاحا وحادثت ... عبيدا فسل عن ذاك زبّان والغمرا [٨]
стр. 1193
ومما قاله الحكم في ابن ميادة [١] :
خليليّ عوجا حيّيا الدار بالجفر ... وقولا لها سقيا لعصرك من عصر
وماذا تحيّي من رسوم تلاعبت ... بها حرجف تذري بأذيالها الكدر
إذا يبست عيدان قوم وجدتنا ... وعيداننا تغشى على الورق الخضر
إذا الناس جاءوا بالقروم أتيتهم ... بقرم يساوي رأسه غرّة البدر
لنا الغور والأنجاد والخيل والقنا ... عليكم وأيام المكارم والفخر
فيا مرّ قد أخزاك في كلّ موطن ... من اللؤم خلّات يزدن على العشر
فمنهنّ أن العبد حامي ذماركم ... وبئس المحامي العبد عن حوزة الثغر
ومنهن أن لم تمسحوا وجه سابق ... جواد ولم تأتوا حصانا على طهر
ومنهن أن الميت يدفن منكم ... فيفسو على دفّانه وهو في القبر
ومنهن أن الجار يسكن وسطكم ... بريئا فيرمى بالخيانة والغدر
ومنهن أن عذتم بأرقط كودن ... وبئس المحامي أنت يا ضرطة الجفر [٢]
ومنهن أن الشيخ يوجد منكم ... يدبّ إلى الجارات محدودب الظهر
تبيت ضباب الضغن يخشى احتراشها ... وان هي أمست دونها ساحل البحر
- ٤٢٠-
الحكم بن موسى السلولي: هو أبو يزيد الحكم
بن موسى بن الحسين بن يزيد السلولي الكوفي أحد الرواة.
стр. 1194
- ٤٢١-
أبو الحكم ابن غلندو الاشبيلي:
ولد بأشبيلية وبها نشأ، وكان أديبا شاعرا جيد الشعر متفننا متميزا بصناعة الطب، خدم بها المنصور [حفيد] أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي [١] فحظي عنده وقدّم، وكان أبوه أيضا في خدمة أبي يعقوب والد المنصور. وكان أبو الحكم حسن الخطّ يكتب الخطين الأندلسي والمشرقي، وتوفي بمراكش سنة سبع وثمانين وخمسمائة ومن شعره:
ماست فأزرت بالغصون الميّس ... وأتتك تخطر في غلالة سندس
وتبرجت جنح الظلام كأنها ... شمس تجلت في دياجي الحندس
تختال بين لداتها فتخالها ... بدرا بدا بين الجواري الكنّس
أرجت برياها الصّبا فتضوّعت ... أنفاسها والصبح لم يتنفّس
وسرت إلينا في ملاءة سندس ... بترفّل وتدلّل وتبهنس
وتزلفت والليل مسبل جنحه ... والجوّ داج من ظلام الحندس
وله:
لئن غبت عن عيني وشطّ بك النوى ... فأنت بقلبي حاضر وقريب
خيالك في وهمي وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب
стр. 1195
- ٤٢٢-
حكيم بن عياش المعروف بالأعور الكلبي:
شاعر مجيد، كان منقطعا إلى بني أمية بدمشق وسكن المزّة بها ثم انتقل إلى الكوفة، وكان بينه وبين الكميت بن زيد مفاخرة [١] . وقدم أسامة خال الأعور على معاوية فقال له: اختر لك منزلا، فاختار المزّة واقتطع فيها هو وعترته، فقال الأعور:
إذا ذكرت أرض لقوم بنعمة ... فبلدة قومي تزدهي وتطيب
بها الدين والإفضال والخير والندى ... فمن ينتجعها للرشاد يصيب
ومن ينتجع أرضا سواها فإنه ... سيندم يوما بعدها ويخيب
تأتّى بها خالي أسامة منزلا ... وكان لخير العالمين حبيب
حبيب رسول الله وابن رديفه ... له ألفة معروفة ونصيب
فأسكنها كلبا فأضحت بليدة ... لنا منزل رحب الجناب خصيب
فنصف على برّ فسيح رحابه ... ونصف على بحر أغرّ يطيب
وكان الأعور يتعصّب لليمن على مضر فقال [٢] :
ما سرّني أن أمّي من بني أسد ... وأن ربي نجّاني من النار
وأنهم زوجوني من بناتهم ... وأنّ لي كلّ يوم ألف دينار
وجاء رجل إلى عبد الله بن جعفر فقال له: يا ابن رسول الله هذا حكيم الكلبي ينشد الناس هجاءكم بالكوفة، فقال: هل حفظت منه شيئا؟ قال: نعم، وأنشده [٣] :
стр. 1196
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة ... ولم نر مهديا على الجذع يصلب
وقستم بعثمان عليا سفاهة ... وعثمان خير من عليّ وأطيب
فرفع عبد الله يديه إلى السماء وهما تنتفضان رعدة فقال: اللهم إن كان كاذبا فسلّط عليه كلبا؛ فخرج حكيم من الكوفة فأدلج فافترسه الأسد فأكله، وأتى البشير عبد الله وهو في مسجد رسول الله ﷺ فخرّ لله تعالى ساجدا وقال: الحمد لله الّذي صدقنا وعده.
- ٤٢٣-
حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي أبو الفضل:
[كان] أديبا راوية فاضلا، شارك أباه إسحاق في كثير من سماعاته، وسمع من أبي عبيدة والأصمعي.
وألف كتبا كثيرة في الأدب. وأصابه في آخر عمره صمم، ومات [] وكان يلقب بالبارد، لأنه كان يجالس أباه، وكان أبوه كالنار الموقدة، ولم يكن كذلك، ولم يكن بعد أبيه من أهله مثله.
- ٤٢٤-
حماد بن عمر بن يونس بن كليب الكوفي المعروف
بحماد عجرد، مولى بني سواءة بن عامر بن صعصعة: شاعر مجيد من طبقة بشار، وكان بينهما مهاجاة، وهو أحد الحمادين الثلاثة. قال إبراهيم العامري: كان بالكوفة ثلاثة نفر يقال لهم
стр. 1197
الحمادون: حماد عجرد وحماد الراوية وحماد بن الزبرقان يتنادمون ويتعاشرون معاشرة جميلة ويتناشدون الأشعار، وكانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا يرمون بالزندقة جميعا.
وحماد عجرد من مخضرمي الدولتين، نادم الوليد بن يزيد ولم يشتهر إلا في الدولة العباسية، قدم بغداد في أيام المهدي هو ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد فاشتهروا بها. وكان حماد ماجنا ظريفا متهما في دينه، وكان أحد الأئمة يتنقّصه، فلما بلغه ذلك كتب إليه [١] :
إن كان نسكك لا يت ... مّ بغير شتمي وانتقاصي
فاقعد وقم بي حيث شئ ... ت لدى الأداني والأقاصي
فلطالما زكّيتني ... وأنا المقيم على المعاصي
أيام تأخذها وتع ... طي في أباريق الرصاص
وسبب تسميته بعجرد أن أعرابيا مرّ به وهو غلام يلعب مع الصبيان في يوم شديد البرد وهو عريان، فقال له الأعرابي: تعجردت يا غلام، فسمي عجردا، والمتعجرد المتعري.
وكتب [٢] أبو النضير الجمحي الشاعر إلى حماد يسأله عن حاله في الشراب ومن يعاشر عليه، فكتب إليه حماد:
أبا النضير اسمع كلامي ولا ... تجعل سوى الإنصاف في بالكا
سألت عن حالي وما حال من ... لم يلف إلا عابدا ناسكا
يظهر نسكا ومتى يفترص ... يكن عليّ عاديا فاتكا
ومرض حماد فعاده أصدقاؤه جميعا إلا مطيع بن إياس، فكتب إليه حماد [٣] :
كفاك عيادتي من كان يرجو ... ثواب الله في صلة المريض
стр. 1198
فإن تحدث لك الأيام سقما ... يحول جريضه دون القريض
يكن طول التأوّه منك عندي ... بمنزلة الطنين من البعوض
ومن شعر حماد عجرد [١] :
إني أحبّك فاعلمي ... إن لم تكوني تعلمينا
حبا أقلّ قليله ... كجميع حبّ العالمينا
وقال [٢] :
فأقسمت لو أصبحت في قبضة الهوى ... لأقصرت عن لومي وأطنبت في عذري
ولكن بلائي منك أنك ناصح ... وأنك لا تدري بأنك لا تدري
وقال في أبي العباس الطوسي [٣] :
أرجوك بعد أبي العباس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقا وعيدانا
فأنت أكرم من يمشي على قدم ... وأنضر الناس عند المحل أغصانا
لو مجّ عود على قوم عصارته ... لمجّ عودك فينا المسك والبانا
وكان بين حماد وبشار بن برد ومطيع بن إياس أهاج كثيرة أعرضنا عن ذكرها لما فيها من السخف والمجون.
وتوفي حماد عجرد بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة في أصح الروايات.
- ٤٢٥-
حماد بن سلمة بن دينار الإمام أبو سلمة البصري:
مولى بني تميم، وهو
стр. 1199
ابن أخت حميد الطويل شيخ أهل البصرة في الحديث والعربية والفقه وأخذ النحو عن الخليل، وكان الخليل يجلس صحبة حماد بن زيد وجرير بن حازم وحماد بن سلمة، وكان حماد بن زيد إذا أخذ نعله للقيام قال القوم: قد ضرب بالطبل، فلا يجلسون.
وحماد بن سلمة كان السبب في اشتغال سيبويه بالنحو وذلك أن سيبويه كان في أول أمره يطلب الحديث- أخذ عنه يونس بن حبيب النحوي، وسئل أيما أسنّ أنت أو حماد فقال: حماد أسنّ مني ومنه تعلمت العربية. فكان سيبويه يستملي على حماد فقال حماد: قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عنه علما ليس أبا الدرداء» فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء، فقال له حماد: لحنت يا سيبويه، ليس أبا الدرداء، فقال: لا جرم لأطلبنّ علما لا تلحنني فيه أبدا، فطلب النحو ولزم الخليل بن أحمد حتى بلغ منه ما بلغ. وجاء سيبويه الى حماد بن سلمة فقال له: أحدثك هشام بن عروة عن أبيه في رجل رعف في الصلاة، فقال: أخطأت إنما هو رعف، فانصرف إلى الخليل بن أحمد فشكا إليه ما لقيه من حماد فقال:
صدق حماد، ألمثل حماد يقال هذا؟
وكان يقول من يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاة ليس فيها شعير.
قال موسى بن اسماعيل المنقري قلت: لحماد بن سلمة أطال الله بقاءك، فقال: مه، هذه تحية الشباب، ما أصنع بالبقاء يجيئني ويجيئني الدجال.
وقال: كنا إذا صرنا إلى حماد قبل أيدينا وقربنا ويقول: بأبي أنتم إذا غبتم عني فإنما أنا صبي ألعب مع الصبيان فإذا رأيتكم أحيا برؤيتكم.
حضر الأصمعي مجلسه فأدناه ورحب به ثم قال: كيف تنشد هذا البيت:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وان عقدوا شدوا
стр. 1200
فقلت: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا بكسر الباء، فقال لي: انظر جيدا فنظرت فقلت: لست أعرف إلا هذا، فقال لي يا بني: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى، القوم إنما بنوا الكلام ولم يبنوا اللبن الطين، قال: فلم أزل أهابه ولزمته.
وكان أبو عمر الجرمي يقول: ما رأيت فقيها قط أفصح من عبد الوارث إلا حماد بن سلمة.
وكان حماد يقول: من لحن في حديثي فقد كذب عليّ.
وكان حماد يمرّ بالحسن البصري في الجامع فيدعه ويذهب إلى أصحاب العربية يتعلم منهم؛ وكان مع تقدمه في العربية إماما في الحديث ثقة ثبتا حتى قالوا: إذا رأيت الرجل يقع في حماد فاتهمه على الإسلام.
روى حماد عن ثابت [١] وأبي عمران الجوني وعبد الله بن كثير وابن [أبي] مليكة وخلق، وعنه مالك وسفيان وشعبة وابن مهدي وعفان وأمم.
وقال عمرو بن سلمة [٢] : كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألف حديث.
وقال ابن المديني: كان عند يحيى بن الضرير عن حماد عشرة آلاف حديث.
وقال يحيى بن معين: هو أعلم الناس بثابت.
وقال أحمد بن حنبل: حماد أعلم الناس بحديث خاله حميد الطويل وأثبتهم فيه.
وقال أحمد ويحيى: هو ثقة.
وقال رجل لعفان: أحدثك عن حماد؟ قال: من حماد، ويلك؟ قال: ابن سلمة، قال: هلّا قلت أمير المؤمنين؟
وقال ابن عدي: حماد إمام جليل وهو مفتي أهل البصرة مع سعيد بن أبي عروبة.
وقال إسحاق بن الطباع، قال لي سفيان بن عيينة: العلماء ثلاثة عالم بالله
стр. 1201
وبالعلم، وعالم بالله ليس بعالم بالعلم، وعالم بالعلم ليس بعالم بالله، قال ابن الطباع: الأول كحماد بن سلمة، والثاني مثل أبي الحجاج، والثالث كأبي يوسف.
وقال ابن المديني: من سمعتموه يتكلّم في حماد فاتهموه.
واحتجّ مسلم بحماد بن سلمة في أحاديث عدة في الأصول من حديثه عن ثابت، وأخرج له الأربعة إلا البخاري، فنكت ابن حبّان على البخاري ولم يسمّه حيث احتجّ بابن دينار وابن عياش وابن أخي الزهري وترك حمادا فقال: لم ينصف من جانب حديث حماد، واحتجّ بأبي بكر ابن عياش وعبد الرحمن بن دينار وابن أخي الزهري.
وقال حماد بن زيد: ما كنا نرى أحدا يتعلم بنيّة غير حماد، وما نرى اليوم من يعلّم بنيّة غيره.
وقال وهيب: كان حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا، وكان إماما في العربية فصيحا مفوها مقرئا فقيها شديدا على المبتدعة. وله تآليف، ولم يكن له كتاب غير كتاب قيس بن سعد، يعني كان يحفظ علمه. مات حماد في ذي الحجة سنة سبع وستين ومائة وقيل سنة تسع وستين في خلافة المهدي ورثاه اليزيدي بأبيات أولها [١] :
يا طالب النحو ألا فابكه ... بعد أبي عمرو وحماد
يعني حماد بن سلمة وأبي عمرو بن العلاء.
- ٤٢٦-
حماد بن ميسرة بن المبارك بن عبيد الديلمي ،
مولى بني بكر بن وائل،
стр. 1202
وقيل مولى مكنف بن زيد الخيل، الكوفي المعروف بالراوية: قال المدائني كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها. وكانت ملوك بني أمية تقدّمه وتؤثره وتستزيده فيفد عليهم ويسألونه عن أيام العرب وعلومها ويجزلون صلته.
وعن الهيثم [١] بن عدي صاحبه وراويته قال، قال الوليد بن يزيد لحماد الراوية:
بم استحققت هذا اللقب فقيل لك الراوية؟ فقال: بأني أروي لكلّ شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن أعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به، ثم لا أنشد شعرا لقديم ولا محدث إلا ميّزت القديم منه من المحدث؛ فقال: إن هذا لعلم وأبيك كثير، فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال: كثيرا، ولكني أنشدك على كلّ حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة، سوى المقطعات، من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام، قال: سأمتحنك في هذا، وأمره بالانشاد فأنشد حتى ضجر الوليد، ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه، فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهليين، وأخبر الوليد بذلك فأمر له بمائة الف درهم.
وروي [٢] عن حماد الراوية أنه قال: كنت منقطعا إلى يزيد بن عبد الملك وكان أخوه هشام يجفوني لذلك دون سائر أهله من بني أمية، فلما مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام خفته فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من إخواني سرّا، فلما لم أسمع أحدا يذكرني أمنت فخرجت وصلّيت الجمعة في الرصافة، ثم جلست عند باب الفيل، فإذا شرطيان قد وقفا عليّ فقالا: يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر، فقلت في نفسي: هذا الذي كنت أحذره، ثم قلت لهما: هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي فأودعهم وداع من لا ينصرف إليهم أبدا ثم أصير معكما إلى الأمير؟ فقالا: ما إلى ذلك سبيل، فاستسلمت إليهما وصرت إلى يوسف بن عمر وهو في الايوان الأحمر، فسلمت عليه فرمى إليّ كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر، أما بعد: فإذا قرأت كتابي هذا
стр. 1203
فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به غير مروّع ولا متعتع، وادفع إليه خمسمائة دينار وجملا مهريّا يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق، فأخذت الدنانير ونظرت فإذا جمل مرحول فركبته وسرت اثنتي عشرة ليلة حتى وافيت باب هشام، فاستأذنت فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرخام وهو في مجلس مفروش بالرخام، بين كل رخامتين قضيب ذهب، وهشام جالس على طنفسة حمراء وعليه ثياب خزّ حمر، وقد تضمّخ بالمسك والعنبر، وبين يديه مسك مفتوت في أواني ذهب يقلّبه بيده فيفوح، فسلمت عليه بالخلافة فردّ عليّ السلام، واستدناني فدنوت منه حتى قبّلت رجله، فإذا جاريتان لم أر مثلهما قطّ، في أذني كلّ واحدة منهما حلقتان فيهما لؤلؤتان تتقدان.
فقال لي: كيف أنت يا حماد وكيف حالك، فقلت: بخير يا أمير المؤمنين، قال:
أتدري فيم بعثت إليك، قلت: لا، قال: بعثت إليك بسبب بيت خطر ببالي لا أعرف قائله، قلت: وما هو؟ قال:
ودعوا بالصّبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق
فقلت: هذا يقوله عديّ بن زيد العباديّ في قصيدة له، قال: فأنشدنيها فأنشدته:
بكر العاذلون في وضح الصب ... ح يقولون لي ألا تستفيق
ويلومون فيك يا ابنة عبد اللّ ... هـ والقلب عندكم موهوق
لست أدري إذ أكثروا العذل فيها ... أعدوّ يلومني أم صديق
زانها حسنها وفرع عميم ... وأثيث صلت الجبين أنيق [١]
وثنايا مفلّجات عذاب ... لا قصار ترى ولا هنّ روق [٢]
ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق
قدّمته على عقار كعين ال ... ديك صفّى سلافها الراووق [٣]
стр. 1204
مزّة قبل مزجها فإذا ما ... مزجت لذّ طعمها من يذوق
وطفا فوقها فقاقيع كالد ... رّ صغار يثيرها التصفيق
ثم كان المزاج ماء سحاب ... لا صرى آجن ولا مطروق [١]
قال: فطرب هشام ثم قال: أحسنت يا حماد، يا جارية اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي، وقال: أعد فأعدت فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي الثاني، فقلت: إن سقتني الثالثة افتضحت، فقال لي هشام: سل حاجتك، قلت: كائنة ما كانت؟
قال: نعم، قلت: إحدى الجاريتين، فقال: هما جميعا لك بما عليهما وما لهما، ثم قال للأولى: اسقيه فسقتني شربة لم أعقل بعدها حتى أصبحت، فإذا بالجاريتين عند رأسي وعدّة من الخدم مع كلّ واحد منهم بدرة، فقال لي أحدهم: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: خذ هذه فأصلح بها شأنك، فأخذتها والجاريتين وانصرفت إلى أهلي.
قال الهيثم بن عدي: ما رأيت رجلا أعلم بكلام العرب من حماد.
وقال الأصمعي: كان حماد أعلم الناس إذا نصح، يعني إذا لم يزد وينقص في الأشعار والأخبار فإنه كان متهما بأنه يقول الشعر وينحله شعراء العرب.
وقال المفضل الضبي [٢] : قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا، فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطىء في رواية أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردّون من أخطأ إلى الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد وأين ذلك.
وذكر أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس [٣] أن حمادا هو الذي جمع السبع
стр. 1205
الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة.
ولحماد اخبار طوال اقتصرنا على ما ذكرناه منها، وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين وتوفي سنة خمس وخمسين ومائة، ورثاه ابن كناسة الشاعر بقوله:
لو كان ينجي من الردى حذر ... نجّاك مما أصابك الحذر
يرحمك الله من أخى ثقة ... لم يك في صفو ودّه كدر
فهكذا يفسد الزمان و ... يفنى العلم فيه ويدرس الأثر
- ٤٢٧-
حماس بن ثامل مولى عثمان بن عفان:
شاعر إسلامي من مخضرمي الدولتين أدرك أيام السفاح، وكان يوما في مجلسه، فذكر إسماعيل بن عبد الله القسري بني أمية فذمّهم وسبهم، فقال حماس للسفاح: يا أمير المؤمنين أيسبّ هذا بني عمك وعمالهم وهو رجل اجتمع والخرّيت في نسب؟ إن بني أمية لحمك ودمك، فكلهم ولا تؤكلهم، فقال له: صدقت، وأمسك إسماعيل فلم يحر جوابا.
ومن شعر حماس:
الله نجّى قلوصي بعد ما علقت ... من الأمير ومن عمرو بن سيّار
بحلفة من يمين غير صادقة ... حلفتها ثم لم تلحقني بالنار
إحلف يمينا إذا ما خفت مضلعة ... وتب إلى غافر للذنب غفّار
- ٤٢٨-
حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي
من ولد زيد بن الخطاب،
стр. 1206
أبو سليمان البستي، نسبة إلى مدينة بست من بلاد كابل: كان محدثا فقيها أديبا شاعرا لغويا أخذ اللغة والأدب عن أبي عمر الزاهد وأبي علي إسماعيل الصفار وأبي جعفر الرزاز وغيرهم من علماء العراق، وتفقّه بالقفال الشاشي، وروى عنه الحافظ أبو عبد الله ابن البيع المعروف بالحاكم النيسابوري والحافظ المؤرخ عبد الغافر بن محمد الفارسي صاحب «السياق لتاريخ نيسابور» وأبو القاسم عبد الوهاب الخطابي وخلق.
قال الحافظ أبو المظفر السمعاني [١] : كان حجة صدوقا رحل إلى العراق والحجاز وجال في خراسان وخرج إلى ما وراء النهر.
وقال الثعالبي [٢] : كان يشبه في عصرنا بأبي عبيد القاسم بن سلام في عصره، علما وأدبا وزهدا وورعا وتدريسا وتأليفا، إلا أنه كان يقول شعرا حسنا وكان أبو عبيد مفحما.
ولأبي سليمان كتب من تآليفه أشهرها وأسيرها: كتاب غريب الحديث وهو في غاية الحسن والبلاغة. وله أعلام السنن في شرح صحيح البخاري. ومعالم السنن في شرح سنن أبي داود. وكتاب إصلاح غلط المحدثين. وكتاب العزلة. وكتاب شأن الدعاء. وكتاب الشجاج وغير ذلك.
ولد في رجب سنة تسع عشرة وثلاثمائة وتوفي ببلده بست سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وقيل سنة ست وثمانين والاول أصح.
ومن شعره:
إذا خلوت صفا ذهني وعارضني ... خواطر كطراز البرق في الظلم
وإن توالى صياح الناعقين على ... أذني عرتني منه لكنة العجم
وقال [٣] :
لعمرك ما الحياة وإن حرصنا ... عليها غير ريح مستعاره
وما للريح دائمة هبوب ... ولكن تارة تجري وتاره
стр. 1207
وقال [١] :
وما غمّة الانسان من شقّة النوى ... ولكنها والله من عدم الشكل
وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
وقال [٢] :
تسامح ولا تستوف حقّك كلّه ... وأبق فلم يستقص قطّ كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقال [٣] :
قد أولع الناس بالتلاقي ... والمرء صبّ إلى هواه
وإنما منهم صديقي ... من لا يراني ولا أراه
وقال [٤] :
شرّ السباع الضواري [٥] دونه وزر ... والناس شرّهم ما دونه وزر
كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع ... وما نرى بشرا لم يؤذه بشر
وقال [٦] :
ما دمت حيا فدار الناس كلهم ... فإنما أنت في دار المداراة
من يدر دارى ومن لم يدر سوف يرى ... عما قليل نديما للندامات
стр. 1208
- ٤٢٩-
حمدان بن عبد الرحيم، أبو الفوارس الأثاربي:
من قرية من أعمال حلب تدعى معراثا الأثارب. وكانت ملكه، ومن أولاده انتقلت إلى ملاكها الآن. أحد الأدباء الشعراء الخلعاء الأطباء الكتاب، كان دائبا في طلب العلم يحضر مجالس العلماء وأهل الأدب ويصحب من لقيه منهم ويلازمه. ولي للسلطان نور الدين أعمالا منها معرة النعمان. ودخل بغداد، وقال فيها:
إن بغداد لمن أبصرها ... ورآها طرفة بين البلاد
فتأمّلها تراها عجبا ... نعم بيض على قوم سواد
توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة [١] .
حدث حمدان بن عبد الرحيم ابن أخي هذا حمدان المذكور قال: جلس يوما عمي حمدان وجماعة من وجوه المعرة، منهم الرئيس نعمان، رئيس المعرة، وكان خال المحدّث حمدان، على مجلس أنس بمعرة النعمان، ومعهم مغنّية تسمى
стр. 1209
«ست النظر» ثم افترقوا بعد هزيع من الليل، فقام عمي حمدان إلى فراش قد هيّأه له الرئيس أبو الفتح ابن أبي حصينة في قبة له، وانتبه في أثناء الليل وأراد الخروج من القبة، فسقط من أعلاها إلى ناحية الدار، فعلم به الرئيس نعمان فجاءه في طائفة من أصحابه، وحملوه إلى فراشه. وأمر نعمان أصحابه ألا يخبره أحد بما جرى، ونام ساعة وهم حوله، ثم دعوا المغنية، فجلست عند رأسه تغني فانتبه من نومه، وجلس واستطاب وقته، فسألوه أن ينظم في ذلك شعرا، فعمل للوقت:
أيا صاح قد صاح ديك الصباح ... وهبّت تغنيك ستّ النّظر
بلفظ هو السحر سحر الحلال ... ووجه حوى الحسن مثل القمر
وتشدوك قم وتنبّه لها ... وباكر صبوحك قبل البكر
أفق كم تنام وهات المدام ... ورقرق لنا الجام وقّيت شر
أما تنظر الفجر خلف الظلام ... محثا وأعلامه قد نشر
وقد سامحتك صروف الزمان ... وكفّت أكفّ القضا والقدر
فما العذر في ترك شرب الشّمول ... ونهب الأباريق كرا وفر
فشرب الشمول بخفق الطبول ... ونفخ الزماري وقرع الوتر
فما رونق الدهر باق عليك ... فخذ ما صفا واجتنب ما كدر
قال: فبقي مدة لا يعلم ما جرى إلى أن قلت له يوما: ما تقول في من سقط من هذا المكان؟ وأشرت إلى (المكان) الذي سقط منه إلى أسفل فقال: ما يجمع الله به شملا. فقلت له: أتذكر ليلة «أيا صاح قد صاح ديك الصباح» ؟ فقال: وما جرى؟ فقصصت عليه القصة. فقال: لهذا تؤلمني أعضائي. ثم وقع مريضا لوقته وبقي مطروحا على الفراش شهرين.
واتفق له الخروج إلى معراثا الأثارب، وكانت حينئذ بيد الإفرنج، فمرض صاحب الاثارب منويل، وهو ابن أخت صاحب أنطاكية، فدخل إليه حمدان فعالجه إلى أن عوفي، فمنّاه فطلب منه قرية فأعطاه معربونية فسكن بها مدة ثلاثين سنة، فسيّر إليه أبو الحسن ابن أبي جرادة من يعتبه على مقامه بين الفرنج، وسوء اختياره في المكوث بينهم، فكتب إليه:
стр. 1210
وقائل عائب لي إذ رأى شغفي ... بقرية ليس سكناها من الشرف
ماذا دعاك إلى هذا؟ فقلت له ... صروف دهر وصرف الدهر غير خفي
بخل الوفيّ وإعراض الرضي وتق ... صير الصفي وظلم المشرف الجنف
فإن أقمت بها فالمسك موطنه ... في جلدة ومقرّ الدرّ في الصّدف
ومن شعره [١] :
لا جلق رقن لي معالمها ... ولا اطّبتني أنهار بطنان
ولا ازدهتني بمنبج فرص ... راقت لغيري من آل حمدان
لكن زماني بالجزر ذكرني ... طيب زماني وفيه أبكاني [٢]
يا حبذا الجزر كم نعمت به ... بين جنان ذوات أفنان
واجتاز [٣] بحمدان في بعض السنين الأمير مهند الدولة بن الحنشي [٤] فأنزله بداره في الأثارب وأقام عنده أشهرا، فلما وافى هلال رمضان قال الأمير:
لله من قمر رآني معرضا ... عنه وإعراضي حذار وشاته
طلع الهلال فقلت أعمل حيلة ... في قبلة تجني جنى وجناته
فمضى وقال تصدّ عن قمر الهوى ... لترى الهلال رقى إلى درجاته
فأنا وحقّ هواك أبعد مرتقى ... منه وتأثيري كتأثيراته
أنا كامل أبدا وذلك ناقص ... فاجهد بوصفي ممعنا [٥] وصفاته
стр. 1211
- ٤٣٠-
حمد بن الحسين وزير منوجهر ،
يكنى أبا علي، وأصله من همذان: وزر لمنوجهر بن قابوس بن وشمكير بجرجان، إلى أن قبض عليه، واستصفى ماله. ومات في اعتقاله سنة عشر وأربعمائة. وكان أديبا فاضلا كاملا بليغا، وله أشعار منها:
عابوه لما التحى فقلنا ... عبتم وغبتم عن الجمال
هذا غزال وهل معيب ... تولّد المسك في غزال
وله:
إذا ولّت الدنيا عن المرء أقبلت ... إليه مذمّات العدى والأصادق
وإن هو لم يدلج إلى المال لم يزل ... على المال مقطوع العرى والعلائق
تصفحت أحوال الزمان فلم أجد ... أعز وجودا من صديق موافق
- ٤٣١-
حمدة ويقال حمدونة بنت زياد بن بقي ،
من قرية بادي من أعمال وادي آش: كان أبوها زياد مؤدّبا، وكانت أديبة نبيلة شاعرة ذات جمال ومال مع العفاف والصون إلا أنّ حبّ الأدب كان يحملها على مخالطة أهله مع نزاهة موثوق بها، وكانت تلقب بخنساء المغرب وشاعرة الأندلس.
стр. 1212
روى عنها أبو القاسم ابن البراق [١] قال: أنشدتنا حمدة العوفية لنفسها وقد خرجت متنزهة بالرملة من نواحي وادي آش فرأت ذات وجه وسيم أعجبها، فقالت:
أباح الدمع أسراري بوادي ... له في الحسن آثار بوادي
فمن نهر يطوف بكلّ روض ... ومن روض يرفّ بكلّ وادي
ومن بين الظباء مهاة أنس ... سبت لبى وقد ملكت فؤادي
لها لحظ ترقّده لأمر ... وذاك الأمر يمنعني رقادي
إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت البدر في أفق السواد
كأن الصبح مات له شقيق ... فمن حزن تسربل بالسواد
وقد نسب إليها أهل المغرب الأبيات الشهيرة المنسوبة للمنازي الشاعر المشهور وهي [٢] :
وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم
حللنا دوحه فحنا علينا ... حنّو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمإ زلالا ... ألذّ من المدامة للنديم
يصدّ الشمس أنى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم
يروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
أجمع أدباء المشرق على نسبة هذه الأبيات للمنازي، وهو أحمد بن يوسف المنازي المتوفى سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وأنه عرضها على أبي العلاء المعري [٣] ، فجعل المنازي كلما أنشده المصراع الأول من كل بيت سبقه أبو العلاء إلى المصراع
стр. 1213
الثاني كما نظمه المنازي. ونسبها أدباء الأندلس ومؤرخوها إلى حمدة، وجزم بذلك طائفة منهم، وفيهم من رواها لها قبل أن يخلق المنازي، والله تعالى أعلم.
ومن شعر حمدة أيضا:
ولما أبى الواشون إلا فراقنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار
وشنّوا على أسماعنا كلّ غارة ... وقلّ حماتي عند ذاك وأنصاري
غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسيف والسيل والنار
- ٤٣٢-
حمران بن أعين بن سنبس مولى الطائيين ،
يكنى أبا عبد الله: نحوي قارىء حسن الصوت، وكان يتشيع. لقي أبا الأسود الدؤلي، وأخذ عنه حمزة الزيات.
وكان يقول: لا تأمننّ قارئا على صحيفة، ولا جمّالا على حبل.
ولما مات جعفر بن محمد الصادق ﵇، رثاه بمراث منها:
بكيت على خير ما لاحق ... بسالفه صفوة الخالق
بكيت على ابن نبيّ الهدى ... بدمع على وجنتي سابق
ربيع البلاد وغيث العباد ... لشارد [١] صبح وللشارق
ووارث علم نبيّ الهدى ... وميزان حقّ به ناطق
فصلّى الإله على روحه ... وأكرم مثواه من صادق
وقيل: حضر ابن أعين عند جعفر بن محمد، ﵈، يقرأ وساءله عن ضروب من العلوم، وكان مقدما، وكان عنده جماعة من القرشيين، فلما خرجوا قالوا: إنما أحبّ أن يرينا أنّ في شيعته مثل هذا.
стр. 1214
- ٤٣٣-
حمزة بن أسد بن علي بن محمد أبو يعلى
المعروف بابن القلانسي التميمي:
العميد الأديب الكاتب الشاعر المؤرخ صاحب الخط الحسن وله نثر ونظم رائق. كان من أعيان دمشق ومن أفاضلها المبرزين، ولي رياسة ديوانها مرتين وكان يكتب له في سماعه أبو العلاء المسلم بن القلانسي وبذلك كان يسمى. وبها توفي في ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة ودفن بجبل قاسيون، وله تاريخ للحوادث ابتدأ به من سنة إحدى وأربعين وأربعمائة إلى حين وفاته [١] ، وكانت له عناية بالحديث، وله كتب عليها سماعه. ومن شعره:
إياك تقنط عند كلّ شديدة ... فشدائد الأيام سوف تهون
وانظر أوائل كلّ أمر حادث ... أبدا فما هو كائن سيكون
وقال أيضا:
يا من تملّك قلبي طرفه فغدا ... معذّبا بين أشواق وأشجان
امنن بوصل لعلّي أستجير به ... من سطوة البين في صدّ وهجران
ما لي منيت بممنوع يعذبني ... ولا يزيد فؤادي غير أحزان
لا برّد الله قلبي من تحرّقه ... إن شبت حبّي له يوما بسلوان
إذا ترنم قمريّ على فنن ... في ليلة زاد في حزني وأشجاني
وكم أسرّ غرامي ثم أعلنه ... وليس يخفى بكم سرّي وإعلاني
لا برّد الله شوقي إن نويت لكم ... تغيّرا ما بأشكال وألوان
стр. 1215
وقال:
يا نفس لا تجزعي من شدة عظمت ... وأيقني من إله الخلق بالفرج
كم شدة عرضت ثم انجلت ومضت ... من بعد تأثيرها في المال والمهج
- ٤٣٤-
حمزة بن بيض الحنفي الكوفي أحد بني بكر
بن وائل: شاعر مقدم مجيد من شعراء الدولة الأموية كان منقطعا إلى المهلب وولده، ثم انقطع إلى الأمير بلال بن أبي بردة، ووفد على سليمان بن عبد الملك وامتدحه قبل الخلافة، فقال [١] :
أتينا سليمان الأمير نزوره ... وكان امرءا يحبى ويكرم زائره
إذا كنت بالنجوى به متفردا ... فلا الجود مخليه ولا البخل حاضره
كفى سائليه سؤلهم من ضميره ... عن البخل ناهيه وبالجود آمره
ودخل عليه وعنده يزيد بن المهلب، فقال [٢] :
حاز الخلافة والداك كلاهما ... ما بين سخطة ساخط أو طائع
أبواك ثم أخوك أصبح ثالثا ... وعلى جبينك نور ملك رابع
سرّيت خوف بني المهلب بعدما ... نظروا السبيل بسمّ موت ناقع
ليس الذي أولاك ربك فيهم ... عند الإله وعندهم بالضائع
فأمر له بخمسين ألف درهم.
стр. 1216
وقال في سليمان أيضا [١] :
لم تدر ما «لا» فلست قائلها ... عمرك ما عشت آخر الأبد
ولم تؤامر بتلك ممتريا ... فيها وفي أختها ولم تكد
وهي على أنها أخفّهما ... أثقل حملا عليك من أحد
لما تعودت من نعم فنعم ... ألذّ في فيك من جنى الشهد
إلا يكن عاجل تعجّله ... لنا لئلا تقولها فعد
وما تعد في غد يكن غدك ... الواجب للسائلين خير غد
ودخل [٢] على يزيد بن المهلب يوم جمعة وهو يتأهب للمضيّ إلى المسجد وجاريته تعممه فضحك فقال له يزيد: ممّ تضحك؟ قال: من رؤيا رأيتها إن أذن لي الأمير قصصتها، قال: قل، فأنشأ يقول:
رأيتك في المنام سننت خزّا ... عليّ بنفسجا وقضيت ديني
فصدّق يا هديت اليوم رؤيا ... رأتها في المنام كذاك عيني
قال: كم دينك؟ قال: ثلاثون ألفا، قال: قد أمرنا لك بها ومثلها، ثم قال:
يا غلمان فتّشوا الخزائن فجيئوه بكل جبة خزّ بنفسج تجدونها، فجاءوا بثلاثين جبة، فنظر إليه يلاحظ الجارية فقال: يا جارية عاوني عمك على قبض الجباب فإذا وصلت إلى منزله فأنت له، فأخذها والجباب وانصرف.
وقال في يزيد بن المهلب أيضا [٣] :
ومتى يؤامر نفسه مستخليا ... في أن تجود لدى السؤال تقول جد
أو أن يعود لنا بنفحة نائل ... بعد الكرامة والحباء تقول عد
أو في الزيادة بعد جزل عطائه ... للمستزيد من العفاة تقول زد
стр. 1217
أو في الوفود على أسير موثق [١] ... بخلت أقاربه عليه تقول فد
أو في ورود شريعة محفوفة ... بالمشرفية والرماح تقول رد
ونعم بفيه ألذّ حين يقولها ... طعما من العسل المدوف بماء ورد
ولما خرج زيد بن علي على هشام منع أهل مكة والمدينة أعطياتهم سنة، فقال حمزة بن بيض في ذلك [٢] :
وصلت سماء الضرّ بالضرّ بعدما ... زعمت سماء الضرّ عنا ستقلع
فليت هشاما كان حيّا يسوسنا ... وكنّا كما كنّا نرجّي ونطمع
ولما ولي أبو لبيد البجلي ابن أخت خالد القسري أصبهان، وكان رجلا متنسكا، خرج حمزة بن بيض في صحبته، فقيل له إن مثل حمزة لا يصحب مثلك لأنه صاحب كلاب ولهو، فبعث إليه ثلاثة آلاف درهم وأمره بالانصراف فقال:
يا ابن الوليد المرتجى سيبه ... ومن يجلّي الحندس الحالكا
سبيل معروفك منّي على ... بال فما بالي على بالكا
حشو قميصي شاعر مفلق ... والجود أمسى حشو سربالكا
يلومك الناس على صحبتي ... والمسك قد يستصحب الرامكا
إن كنت لا تصحب إلّا فتى ... مثلك لن تؤتى بأمثالكا
إني امرؤ حيث يريد الهوى ... فعدّ عن جهلي باسلامكا
قال له أبو لبيد: صدقت، وقرّب منزلته.
وقال النضر بن شميل [٣] : دخلت على المأمون بمرو فقال: يا نضر أنشدني أخلب بيت للعرب، قلت: هو قول ابن بيض في الحكم بن مروان:
стр. 1218
تقول لي والعيون هاجعة ... أقم علينا يوما فلم أقم
أيّ الوجوه انتجعت قلت لها ... وأيّ وجه إلا إلى الحكم
متى يقل حاجبا سرادقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت قبل مقتبلا ... والآن أرحل وأعطني سلمي
فقال المأمون: لله درك فكأنما شقّ لك عن قلبي.
وأودع [١] حمزة عند ناسك ثلاثين ألفا ومثلها عند نبّاذ، فأما الناسك فبنى بها دارا وزوّج بناته فأنفقها وجحدها، وأما النباذ فأدّى إليه ماله، فقال في ذلك:
ألا لا يغرّنك ذو سجدة ... يظلّ بها دائبا [٢] يخدع
كأن بجبهته حبة [٣] ... تسبّح طورا وتسترجع
وما للتقى لزمت وجهه ... ولكن ليغترّ مستودع
ولا تنفرنّ من اهل النبيذ ... وإن قيل يشرب لا يقلع
فعندي علم بما قد خبرت ... إن كان علمي بها ينفع
ثلاثون ألفا طواها السجود ... فليست إلى أهلها ترجع
بنى الدار من غير أمواله ... فأصبح في بيته يرتع
مهائر من مالهم قد حرمن ... ظلما فهم سغّب جوّع
وأدّى أخو الكاس ما عنده ... وما كنت في ردّه أطمع
ونزل [٤] بقوم فأساءوا ضيافته وطرحوا لبغلته تبنا رديئا فعافته، فأشرف عليها فشحجت حين رأته، فقال:
احسبيها ليلة أدلجتها ... فكلي إن شئت تبنا أو ذري
قد أتى مولاك خبز يابس ... فتغدّى فتغدّي واصبري
стр. 1219
ولحمزة بين بيض أخبار حسان مع عبد الملك بن مروان وابنه وآل المهلب يطول ذكرها. توفي سنة ست عشرة ومائة وقيل سنة عشرين ومائة والأول أصح.
- ٤٣٥-
حمزة بن حبيب بن عمارة بن اسماعيل ،
الإمام أبو عمارة التيمي، تيم الله ولاء وقيل نسبا، الكوفي المعروف بالزيات، وقيل له الزيات لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة: وهو الإمام الحبر شيخ القراء وأحد السبعة الأئمة ولد سنة ثمانين [في خلافة عبد الملك بن مروان] ، وأدرك الصحابة بالسن فيحتمل أن يكون رأى بعضهم.
أخذ القراءة عرضا عن الأعمش والإمام جعفر بن محمد الصادق وابن أبي ليلى وحمران بن أعين. وروى عن الحكم وعدي بن ثابت وحبيب بن أبي ثابت وطلحة بن مطرف. وأخذ القراءة عنه إبراهيم بن أدهم وسفيان الثوري وشريك بن عبد الله وعلي بن حمزة الكسائي وغيرهم. وروى عنه يحيى بن آدم وحسين الجعفي وخلق. وإليه المنتهى في الصدق والورع والتقوى، وإليه صارت الامامة في القراءة بعد عاصم والأعمش. وكان إماما حجة ثقة ثبتا رضيا، قيما بكتاب الله، بصيرا بالفرائض، خبيرا بالعربية، حافظا للحديث، عابدا زاهدا خاشعا قانتا لله ورعا عديم النظير.
قال الأعمش يوما، وقد رأى حمزة مقبلا: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
(الحج: ٣٤) وقال ابن فضيل: ما أحسب أنّ الله يدفع البلاء عن أهل الكوفة إلا بحمزة. وعن شعيب بن حرب أنه قال: ألا تسألوني عن الدرّ يعني قراءة حمزة. وكان شيخه إذا رآه مقبلا يقول: هذا حبر القرآن. وقال سفيان الثوري: غلب حمزة الناس على القرآن
стр. 1220
والفرائض. وقال له أبو حنيفة: شيئان غلبتنا عليهما لسنا ننازعك فيهما: القرآن والفرائض. وقد وثّقه يحيى بن معين وقال: حسن الحديث عن أبي إسحاق يعني ابن أبي ليلى، ووثقه آخرون، وقال النسائي: ليس به بأس.
وأما ما ذكر عن أحمد بن حنبل وأبي بكر ابن عياش ويزيد بن هارون وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن إدريس وحماد بن زيد من كراهتهم لقراءة حمزة لما فيها من المدّ المفرط والسّكت واعتبار الهمزة في الوقف والامالة ونحو ذلك من التكلف فإن حمزة أيضا كان يكره ذلك وينهى عنه، وروي أنه كان يقول لمن يفرط في المدّ والهمز: لا تفعل، أما علمت أن ما فوق البياض فهو برص، وما فوق الجعودة فهو قطط، وما فوق القراءة فهو ليس بقراءة.
وبعد فقد انعقد الإجماع على تلقي قراءة حمزة بالقبول، والإنكار على من تكلم فيها. توفي حمزة بحلوان، مدينة في آخر سواد العراق سنة ست وخمسين ومائة [في خلافة المنصور] وقيل سنة ثمان وخمسين وله ست وسبعون سنة.
- ٤٣٦-
حمزة بن الحسن الأصفهاني أبو عبد الله:
مشهور بالفضل، شائع الذكر، له تصانيف جيدة، إلا أنه [] وكان مع ذلك رقيعا ناقص العقل، غير ثبت، ولم ير في عصره أعرف منه بالفارسية، ولا أحسن تصرفا فيها منه. وله مصنّفات كثيرة:
كتاب تاريخ أصفهان. كتاب الأمثال على أفعل [١] . كتاب أصبهان وأخبارها. كتاب التشبيهات. كتاب الأمثال الصادرة عن بيوت الشعر. كتاب أنواع الدعاء. كتاب التنبيه على حدوث التصحيف [٢] . كتاب رسائل. كتاب التماثيل في تباشير السرور.
стр. 1221
كتاب جمع فيه أخبار عشرة من الشعراء المحدثين أولهم بشار. كتاب ديوان شعر أبي نواس [١] . كتاب ديوان شعر أبي تمام. كتاب مضاحك الأشعار. كتاب أعياد بغداد الفرس.
- ٤٣٧-
حمزة بن علي أبو يعلى بن العين زربي ،
نسبة إلى عين زربى [٢] الأديب الشاعر: قتل في الوقعة التي كسر فيها أتسز بن أوق بمصر سنة ست وخمسين وخمسمائة. ومن شعره هذه القصيدة وهي من بحر السلسلة [٣] ، قال:
هل تأمن يبقي لك الخليط إذا بان ... للهمّ فؤادا وللمدامع أجفان
أتطمع في سلوة وجسمك حال ... بالسّقم ومن حبّهم فؤادك ملآن
تبغي أملا دونه حشاشة نفس ... وهوى في الحشا يضاعف أشجان
اعتلّ لأجفاني القريحة أجفان ... إذ بان ركاب من العقيق إلى البان
فالدمع إذا ما استمر فاض نجيعا ... والحبّ إذا ما استمر ضاعف أشجان
لله وجوه بدت لنا كبدور ... حسنا وقدود غدت تميس كاغصان
إذا عزموا عزمة الفراق أعاروا ... للقلب هموما تحلّ فيه وأحزان
سقيا لزمان مضى ففرّق شملا ... أيام خلا لي العيش والوصل بحلوان
يا ساكنة في الحشا ملكت فؤادا ... أضحت حرق الوجد فيه تضرم نيران
حتّام تمنّي الفؤاد منك بوعد ... هل ينقع لمع السراب غلّة عطشان
حتام أرى راجيا وصال حبيب ... قد أسرف في هجره وأصبح خوّان
стр. 1222
وقال [١] :
تناسيتم عهد الوفا [٢] بعد تذكار ... فأجرى حديثي عنكم [٣] مدمعي الجاري
وأنكرتموني بعد عرفان صبوتي [٤] ... فهيّجتم وجدي وأضرمتم ناري
وهل دام في الأيام وصل لهاجر ... وودّ لخوّان وعهد لغدّار
ألا حاكم لي في الغرام يقيلني ... ألا آخذ لي بعد سفك دمي ثاري
وإني لصبّار على ما ينوبني ... ولكن على هجرانكم غير صبار
وقال [٥] :
يا راكبا عرض الفلاة ألا ... بلّغ أحبّاي الذي تسمع
قل لهم ما جفّ لي مدمع ... ولم يطب لي بعدكم مضجع
ولا لقيت الطيف مذ غبتم ... وإنما يلقاه من يهجع
وقال:
المال يرفع ما لا يرفع الحسب ... والودّ يعطف ما لا يعطف النّسب
والحلم آفته الجهل المضرّ به ... والعقل آفته الإعجاب والغضب
- ٤٣٨-
حميد بن ثور بن عبد الله ،
وقيل ابن حزن بن عامر بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال الهلالي، ويتصل نسبه بنزار بن معدّ، أبو المثنى: أحد المخضرمين من
стр. 1223
الشعراء، أدرك الجاهلية والاسلام، وقيل إنه رأى النبي ﷺ .
قال ابن منده: لما أسلم حميد أتى النبي ﷺ فأنشده [١] :
أصبح قلبي من سليمى مقصدا [٢] ... إن خطأ منها وإن تعمّدا
تحمّل الهمّ كلازا جلعدا ... ترى العليفيّ عليها مؤكدا [٣]
وبين نسعيه خدبّا ملبدا ... إذا السراب بالفلاة اطّردا [٤]
ونجد الماء الذي تورّدا ... تورّد السيّد أراد المرصدا [٥]
حتى أرانا ربّنا محمّدا
وقيل إن حميدا قال الشعر في أيام عمر ﵁.
حدّث [٦] محمد بن فضالة النحويّ قال: تقدّم عمر بن الخطاب إلى الشعراء ان لا يشبّب أحد بامرأة، فقال حميد بن ثور:
أبى الله إلا أنّ سرحة مالك ... على كلّ أفنان العضاه تروق
فقد ذهبت عرضا وما فوق طولها ... من السّرح الّا عشّة وسحوق [٧]
فلا الظلّ من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من بعد العشيّ تذوق
فهل أنا إن علّلت نفسي بسرحة ... من السّرح موجود عليّ طريق
كنى عن المرأة التي أرادها بالسرحة، والعرب تكني عن النساء بها. وقال [٨] :
لقد أمرت بالبخل أمّ محمد ... فقلت لها حثّي على البخل أحمدا
стр. 1224
فإني امرؤ عوّدت نفسي عادة ... وكلّ امرىء جار على ما تعوّدا
أحين بدا في الرأس شيب وأقبلت ... إليّ بنو غيلان مثنى وموحدا
رجوت سقاطي واعتلالي ونبوتي ... وراءك عني طالقا وارحلي غدا
وقال [١] :
فلا يبعد الله الشباب وقولنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوب
ليالي سمع الغانيات وطرفها ... إليّ وإذ ريحي لهنّ جنوب [٢]
وقال [٣] :
لو لم يوكل بالفتى ... إلّا السلامة والنعم
وتناوباه لأوشكا ... أن يسلماه إلى الهرم
وقال [٤] :
وما هاج هذا الشوق إلّا حمامة ... دعت ساق حرّ مغرما فترنّما
بكت مثل ثكلى قد اصيب حميمها ... مخافة بين يترك الحبل أجذما
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت اعجما
وقال أيضا لما حظر عمر على الشعراء ذكر النساء [٦] :
تجرّم أهلوها لأن كنت مشعرا ... جنونا بها يا طول هذا التجرّم [٧]
وما لي من ذنب إليهم علمته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي
بلى فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تكلّمي
стр. 1225
وقال لزوجته [١] :
فاقسم لولا أنّ حدبا تتابعت ... عليّ ولم أبرح بدين مطرّدا [٢]
لزاحمت مكسالا كأن ثيابها ... تجنّ غزالا بالخميلة أغيدا
إذا أنت باكرت المنيئة باكرت ... مداكا لها من زعفران وإثمدا [٣]
- ٤٣٩-
حميد بن مالك الأرقط ،
ولقب بالأرقط لآثار كانت بوجهه: وهو شاعر إسلامي مجيد، وكان بخيلا؛ قال أبو عبيدة [٤] : بخلاء العرب أربعة: الحطيئة وحميد الأرقط وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان.
ومن شعر حميد:
قد أغتدي والصبح محمرّ الطّرر ... والليل تحدوه تباشير السمر
وفي تواليه نجوم كالشّرر ... بسحق الميعة ميال العذر
كأنه يوم الرهان المحتضر ... وقد بدا أول شخص ينتظر
دون أثابيّ من الخيل زمر ... ضار غدا ينفض صيبان المطر
عن زفّ ملحاح بعيد المنكدر ... أقنى تظلّ طيره على حذر
يلذن منه تحت أفنان الشّجر ... من صادق الورق طروح بالبصر
стр. 1226
بعيد توهيم الوقاع والنظر ... كأنما عيناه في حرفي حجر
بين مآق لم تخرّق بالإبر
وقال في وصف أفعى [١] :
منهرت الشدق رقود الضحى ... سار طمور بالدجنات
وتارة تحسبه ميّتا ... من طول إطراق وإخبات
يسبته الصبح وطورا له ... نفح ونفث [٢] في المغارات
- ٤٤٠-
حميد بن مالك بن مغيث بن نصر بن
منقذ بن محمد بن منقذ، مكين الدولة أبو الغنائم الكناني: ولد بشيزر سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وبها نشأ ثم انتقل إلى دمشق وسكنها، واكتتب في الجيش وكان يحفظ القرآن، وكان أديبا شاعرا، توفي بحلب في شعبان سنة أربع وستين وخمسمائة. ومن شعره:
أدنو بودّي وحظّي منك يبعدني ... هذا لعمرك عين الغبن والغبن
وإن توخيّتني يوما بلائمة ... رجعت باللوم إبقاء على الزمن
وحسن ظني موقوف عليك فهل ... عدلت في الظنّ بي عن رأيك الحسن
وقال:
وقهوة كدموع الصبّ صافية ... تكاد في الكأس عند الشرب تلتهب
يطفو الحباب عليها وهي راسبة ... كأنه فضة من تحتها ذهب
стр. 1227
وقال:
وسلافة أزرى احمرار شعاعها ... بالورد والوجنات والياقوت
جاءت مع الساقي تنير بكأسها ... فكأنها اللاهوت في الناسوت
وقال:
ما بعد جلّق للمرتاد منزلة ... ولا كسكانها في الأرض سكان
فكلّها لمجال الطرف منتزه ... وكلهم لصروف الدهر أقران
وهم وإن بعدوا منّي بنسبتهم ... إذا بلوتهم بالودّ إخوان
وقال:
وبلدة جمعت من كلّ مبهجة ... فما يفوت لمرتاد بها وطر
بكلّ مشترف من ربعها أفق ... وكلّ مشترف من أفقها قمر
- ٤٤١-
حميدة بنت النعمان بن بشير الأنصاري:
شاعرة ابنة شاعر، كانت تحت خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد، تزوّج بها بدمشق لما قدم على عبد الملك بن مروان، فقالت فيه [١] :
نكحت المدينيّ إذ جاءني ... فيا لك من نكحة غاويه
كهول دمشق وشبانها ... أحبّ إلينا من الجاليه
صنان لهم كصنان التيوس ... أعيا على المسك والغاليه
فقال يجيبها [٢] :
стр. 1228
أسنا ضوء نار ضمرة بالقف ... رة أبصرت أم سنا ضوء برق
قاطنات الحجون أشهى إلى قل ... بي من ساكنات دور دمشق
يتضوّعن لو تضمخن بالمس ... ك صنانا كأنه ريح مرق
ثم طلقها فخلف عليها روح بن زنباع، فنظر إليها يوما تنظر إلى قومه جذام وقد اجتمعوا عنده، فلامها فقالت: وهل أرى إلا جذاما فو الله ما أحبّ الحلال منهم فكيف بالحرام؟ وقالت تهجوه [١] :
بكى الخزّ من روح وأنكر جلده ... وعجّت عجيجا من جذام المطارف
وقال العبا قد كنت حينا لباسهم ... وأكسية كردية وقطائف
فقال روح يجيبها:
فإن تبك منا تبك ممن يهينها ... وما صانها إلا اللئام المقارف [٢]
وقال لها [٣] :
أثني عليّ بما علمت فإنني ... مثن عليك لبئس حشو المنطق
فقالت:
أثني عليك بأنّ باعك ضيق ... وبأن أصلك في جذام ملصق
فقال روح:
أثني عليّ بما علمت فإنني ... مثن عليك بنتن ريح الجورب
стр. 1229
- ٤٤٢-
حيان بن خلف بن حسين بن حيان بن
محمد بن حيان بن وهب بن حيان أبو مروان القرطبي، صاحب تاريخ الأندلس: مات سنة سبع وستين وأربعمائة، وكان من موالي الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان. قال: التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة، والتعزية بعد ثلاث إغراء بالمصيبة.
- ٤٤٣-[.........
حيدرة بن أبي الغنائم المعمر بن محمد بن المعمر بن أحمد بن محمد بن أبي علي بن محمد بن الحسين بن عبد الله بن علي بن عبد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈: مات سنة إحدى وخمسمائة وولي النقابة.
стр. 1230
حرف الخاء
- ٤٤٤-
خالد الزبيدي اليمني:
شاعر إسلامي مقلّ، قال أبو عبيدة معمر بن المثني:
قدم خالد الزبيدي في جماعة معه من زبيد إلى سنجار ومعه ابنا عمّ له يقال لأحدهما ضابىء وللآخر عويد، فشربوا يوما من شراب سنجار فحنّوا إلى بلادهم، فقال خالد:
أيا جبلي سنجار ما كنتما لنا ... مقيظا ولا مشتى ولا متربّعا
ويا جبلي سنجار هلّا بكيتما ... لداعي الهوى منا شتيتين أدمعا
فلو جبلا عوج شكونا إليهما ... جرت عبرات منهما أو تصدّعا
بكى يوم تلّ المحلبية ضابىء ... وألهى عويدا بثّه فتقنعا
فانبرى له رجل من النمر بن قاسط يقال له دثار أحد بني حيي فقال:
أيا جبلي سنجار هلّا دققتما ... بركنيكما أنف الزبيديّ أجمعا
لعمرك ما جاءت زبيد لهجرة ... ولكنّها كانت أرامل جوّعا
تبكّي على أرض الحجاز وقد رأت ... جرائب خمسا في جدال فأربعا [١]
فأجابه خالد يقول:
وسنجار تبكي سوقها كلما رأت ... بها نمريا ذا كساوين أيفعا