← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

حرف الذال - ٤٨١- ذو القرنين بن ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن عبد الله، أبو المطاع ابن حمدان التغلبي المعروف بوجيه الدولة: كان أديبا فاضلا شاعرا ولي إمرة دمشق سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ثم عزل ثم وليها سنة خمس عشرة وأربعمائة وبقي إلى سنة تسع عشرة وأربعمائة، ومن شعره [١] : لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ... وشهدت حين نكرر التوديعا أيقنت أنّ من الدموع محدّثا ... وعلمت أنّ من الحديث دموعا وقال [٢] : يا غانيا عن خلّتي ... أنا عنك إن فكرت أغنى إن التقاطع والعقو ... ق هما أزالا الملك عنّا وأظنّ أن لن يتركا ... في الأرض مؤتلفين منّا يفنى الذي وقع التنا ... زع بيننا فيه ونفنى

стр. 1297

وقال [١] : بأبي من هويته فافترقنا ... وقضى الله بعد ذاك اجتماعا فافترقنا حولا فلما التقينا ... كان تسليمه عليّ وداعا وقال [٢] : أفدي الذي زرته بالسيف مشتملا ... ولحظ عينيه أمضى من مضاربه فما خلعت نجادي للعناق له ... حتى لبست نجادا من ذوائبه فبات [٣] أسعدنا في نيل بغيته ... من كان في الحبّ أشقانا بصاحبه وقال [٤] : من كان يرضى بذلّ في ولايته ... خوف الزوال فإني لست بالراضي قالوا فتركب أحيانا فقلت لهم ... تحت الصليب ولا في موكب القاضي توفي أبو المطاع بمصر في صفر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة [٥] .

стр. 1298

حرف الراء - ٤٨٢- راشد بن إسحاق بن راشد أبو حكيمة الكاتب: كان أديبا كاتبا شاعرا، ذكره ابن المرزبان في «طبقات الشعراء» وقال: كان أكثر شعره في رثاء متاعه، وإنما كان يقول ذلك لتهمة لحقته من الأمير عبد الله بن طاهر أيام كتابته له في خادم لعبد الله. واتصل راشد بالوزير محمد بن عبد الملك الزيات، وله معه أخبار حسان: حدّث يحيى بن عبّاد قال: حج محمد بن عبد الملك في آخر أيام المأمون، فلما قدم من الحج كتب إليه راشد الكاتب يقول [١] : لا تنس عهدي ولا مودتيه ... واشتق إلى طلعتي ورؤيتيه فإن تجاوزت ما أقول إلى ال ... عصب فذاك المأمول منك ليه فأجابه محمد بن عبد الملك: إنك منّي بحيث يطّرد الن ... اظر من تحت ماء دمعتيه ولا ومن زادني تودّده ... على صحابي بفضل غيبتيه ما أحسن التّرك والخلاف لما ... تريد منّي وما تقول ليه

стр. 1299

يا بأبي أنت ما نسيتك في ... يوم دعائي ولا هديتيه ناجيت بالذكر والدعاء لك ال ... لّه لك الله رافعا يديه حتى إذا ما ظننت بالملك ال ... قادر أن قد أجاب دعوتيه قمت إلى موضع النعال وقد ... أقمت عشرين صاحبا معيه وقلت لي صاحب أريد له ... نعلا ولو من جلود راحتيه فانقطع القول عند واحدة ... قال الذي اختارها بشارتيه فقلت عندي لك البشارة وال ... شكر وقلّا في جنب حاجتيه ثم تخيّرت بعد ذاك من ال ... عصب اليماني بفضل خبرتيه موشيّة لم أزل ببائعها ... أرغب حتى زها عليّ بيه يرفع في سومه وأرغبه ... حتى التقى زهده ورغبتيه وقد أتاك الذي أمرت به ... فاعذر بكثر الإنعام قلتيه وقال راشد الكاتب وهو يجود بنفسه في مرضه الذي مات فيه بطريق مكة. ولم ولم أقف له على شعر خال من الفحش والمجون غيرها: أطبقت للنوم جفنا ليس ينطبق ... وبتّ والدمع في خديّ يستبق لم يسترح من له عين مؤرّقة ... وكيف يعرف طعم الراحة الأرق وددت لو تمّ لي حجّي ففزت به ... ما كلّ ما تشتهيه النفس يتفق - ٤٨٣- ربيعة بن عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن زيد بن عبد الله بن عدس بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم الملقب بمسكين: قال أبو عمرو

стр. 1300

الشيباني: وإنما لقب مسكينا لقوله [١] : أنا مسكين لمن أنكرني ... ولمن يعرفني جدّ نطق لا أبيع الناس عرضي إنني ... لو أبيع الناس عرضي لنفق وقال ابن قتيبة: وسمي المسكين لقوله [٢] : وسميت مسكينا وكانت لجاجة ... وإني لمسكين إلى الله راغب وكان مسكين شاعرا مجيدا سيدا شريفا، وكان بينه وبين الفرزدق مهاجاة، فدخل بينهما شيوخ بني عبد الله وبني مجاشع فتكافّا، واتقاه الفرزدق خشية أن يستعين عليه بجرير، واتقى مسكين الفرزدق خوفا من أن يعينه عليه عبد الرحمن بن حسان. وقال الفرزدق: نجوت من ثلاثة أشياء لا أخاف بعدها شيئا: نجوت من زياد حين طلبني، ونجوت من ابني رميلة وقد نذرا دمي وما فاتهما أحد طلباه، ونجوت من مهاجاة مسكين الدارمي لأنه لو هجاني اضطرني أن أهدم شطر حسبي لأنه من بحبوحة نسبي وأشراف عشيرتي، فكان جرير حينئذ ينتصف مني بيدي ولساني. ومن مختارات شعر مسكين الدارمي قوله [٣] : ولست إذا ما سرّني الدهر ضاحكا ... ولا خاشعا ما عشت من حادث الدهر ولا جاعلا عرضي لمالي وقاية ... ولكن أقي عرضي فيحرزه وفري أعفّ لدى عسري وأبدي تجملا ... ولا خير في من لا يعفّ لدى العسر وإني لأستحيي إذا كنت معسرا ... صديقي وإخواني بأن يعلموا فقري وأقطع إخواني وما حال عهدهم ... حياء وإعراضا وما بي من كبر ضو من يفتقر يعلم مكان صديقه ... ومن يحي لا يعدم بلاء من الدهر ومن مستحسن شعره [٤] : أتّق الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق

стр. 1301

كلما رقّعت منه جانبا ... حركته الريح وهنا فانخرق أو كصدع في زجاج بيّن ... أو كفتق هو يعيي من رتق وإذا جالسته في مجلس ... أفسد المجلس منه بالخرق وإذا نهنهته كي يرعوي ... زاد جهلا وتمادى في الحمق وإذا الفاحش لاقى فاحشا ... فهناكم وافق الشنّ الطبق إنما الفحش ومن يعتاده ... كغراب السوء ما شاء نعق أو حمار السوء إن أشبعته ... رمح الناس وإن جاع نهق أو كعبد السوء إن جوّعته ... سرق الجار وإن يشبع فسق أو كغيرى رفعت من ذيلها ... ثم أرخته ضرارا فانمزق أيها السائل عما قد مضى ... هل جديد مثل ملبوس خلق وقدم على معاوية فسأله ان يفرض له فأبى، فخرج من عنده وهو يقول [١] : أخاك أخاك إنّ من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح وان ابن عمّ المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح وقال [٢] : ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر ما ضرّ جارا لي أجاوره ... أن لا يكون لبيته ستر أغضي إذا ما جارتي برزت ... حتى يواري جارتي الخدر ويصمّ عما كان بينهما ... سمعي وما بي غيره وقر مات مسكين الدارمي سنة تسع وثمانين.

стр. 1302

- ٤٨٤- ربيعة بن يحيى بن معاوية بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن تغلب المعروف بأعشى بني تغلب: شاعر من شعراء الدولة الأموية، كان نصرانيا وعلى النصرانية مات سنة اثنتين وتسعين، وكان يتردّد بين البداوة والحضارة، فإذا حضر سكن الشام، وإذا بدا نزل بنواحي الموصل وديار ربيعة حيث منازل قومه. ومن شعره قوله يمدح بني عبد المدان الحارثيين [١] : فكعبة نجران حتم علي ... ك حتى تناخي بأبوابها تزور يزيد وعبد المسيح ... وقيسا هم خير أربابها يبادرنا الورد والياسمي ... ن والمسمعات بأقصابها وبربطنا دائم معمل ... فأيّ الثلاثة أزرى بها ولما التقينا على آلة ... ومدّت إليّ بأسبابها إذا الحبرات تلوّت [٢] بهم ... وجرّوا أسافل هدّابها وقال [٣] : ما روضة من رياض الحزن [٤] معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل يضاحك الشمس فيها كوكب شرق ... مؤزّر بعميم النبت مشتمل يوما بأطيب منها نشر رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل

стр. 1303

- ٤٨٥- ربيعة بن ثابت بن لجأ بن العيزار بن لجأ الأسدي أبو ثابت الرقي الشاعر: استقدمه أمير المؤمنين المهدي فمدحه بعدة قصائد مشهورة فأجازه وأجزل صلته، وهو الذي قال في يزيد بن حاتم المهلبي ويزيد بن أسيد السلمي [١] : لشتّان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغرّ ابن حاتم يزيد سليم سالم المال والغنى ... أخو الأزد للأموال غير مسالم فهمّ الفتى الأزديّ إتلاف ماله ... وهمّ الفتى القيسيّ جمع الدراهم وهو الذي يقول في العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس قصيدته المشهورة التي لم يسبق إليها إجادة، منها [٢] : لو قيل للعباس يا ابن محمد ... قل لا وأنت مخلّد ما قالها ما إن أعدّ من المكارم خصلة ... إلا وجدتك عمّها أو خالها وإذا الملوك تسايروا في بلدة ... كانوا كواكبها وكنت هلالها إن المكارم لم تزل معقولة ... حتى حللت براحتيك عقالها فبعث إليه العباس بدينارين فقال [٣] : مدحتك مدحة السيف المحلّى ... لتجري في الكرام كما جريت فهبها مدحة ذهبت ضياعا ... كذبت عليك فيها وافتريت فانت المرء ليس له وفاء ... كأني إذ مدحتك قد رثيت

стр. 1304

فلما بلغت العباس غضب وتوجه إلى الرشيد فقال: إن ربيعة الرقي قد هجاني، فأحضره الرشيد وهمّ بقتله، فقال: يا أمير المؤمنين مره باحضار القصيدة فأحضرها فلما سمعها استحسنها وقال: والله ما قال أحد في الخلفاء مثلها فكم أثابك؟ قال: دينارين، فغضب الرشيد على العباس وقال: يا غلام أعط ربيعة ثلاثين ألف درهم وخلعة واحمله على بغلة. وقال له: بحياتي لا تذكره في شعرك لا تعريضا ولا تصريحا.. وكان الرشيد قد هم بان يزوج العباس ابنته ففتر عنه لذلك. توفي ربيعة الرقي سنة ثمان وتسعين ومائة. - ٤٨٦- رزق الله بن عبد الوهاب التميمي البغدادي: أديب شاعر مجيد لا أعرف من أمره غير هذا، توفي ببغداد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ومن شعره: بأبي حبيب زارني متنكّرا ... فبدا الوشاة له فولّى معرضا فكأنني وكأنه وكأنهم ... أمل ونيل حال بينهما القضا وقال: شارع دار الرقيق أرّقني ... فليت دار الرقيق لم تكن به فتاة للقلب فاتنة ... أنا فداء لوجهها الحسن - ٤٨٧- رزين بن زندورد العروضي: مات في أيام المتوكل على الله، أبو زهير مولى طيفور بن منصور الحميري خال المهدي. ويقال هو مولى بني هاشم، وهو بغدادي

стр. 1305

كثير الشعر، وأكثر شعره يخرج عن العروض. أخذ عن عبد الله بن هارون بن السميدع البصري العروضي مؤدب آل سليمان، وكان عبد الله بن هارون يقول أوزانا غريبة من العروض فنحا رزين نحوه في ذلك فأتى فيه ببدائع جمة، وكان رزين من أصحاب دعبل الخزاعي الشاعر. حدث دعبل أنه نزل هو ورزين بقوم من بني مخزوم فلم يقروهما ولا أحسنوا ضيافتهما، قال دعبل: فقلت فيهم [١] : عصابة من بني مخزوم بتّ بهم ... بحيث لا تطمع المسحاة في الطين ثم قلت لرزين أجز، فقال: في مضغ أعراضهم من خبزهم عوض ... بني النفاق وأبناء الملاعين وهو القائل [٢] لآل جعفر بن محمد بن الأشعث الخزاعي [٣] : إني أتيتك مرات لتأذن لي ... فكان عندك سهل الاذن محجوبا إن كنت تحجبني بالذنب مزدهيا ... فقد لعمري أبوكم كلّم الذيبا فكيف لو كلّم الليث الهصور إذن ... تركتم الناس مأكولا ومشروبا هذا السّنيدي لا يسوى إتاوته ... يكلّم الفيل تصعيدا وتصويبا فاذهب إليك فإني لا أرى أحدا ... بباب دارك طلّابا ومطلوبا قال الشيخ أبو محمد ابن الخشاب النحوي: أنشدني أبو المظفر محمد بن محمد بن قزما الاسكافي هذه الأبيات، ثم قال [٤] : يا سيدي، هذا هجاء خبيث، وأخبث ما فيه أنه قال: كلم الذئب، ولم يقل: كلمه الذئب، ليسلم له سلخ الفضيلة بما تمثل به في قوله: هذا السنيدي ...

стр. 1306

حدّث ابن العروضي قال [١] : لقيت أبا الحارث جمين فقلت له: ما أغراك إلى هجاء محمد بن يحيى بن خالد البرمكي، وتصفه بالبخل؟ فقال: دع ذا عنك، فإني دخلت عليه الساعة، وبين يديه خوان له من نصف خشخاشة سوى ما يسقط من الحت. قال: قلت له: أما تستحي من هذا الكلام؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو لو أن عصفورا بقي من بيدره حبة من حنطة ما رضي أو جاء بالعصفور مشويا بين رغيفين من عند العصفور. قلت له: أما تستحي من هذا الكلام؟ فقال: والله لأن يرقى إلى السماء على سلّم من زبد حتى يتناول بنات نعش كوكبا كوكبا أيسر عليه من أن يهب لك رغيفا في المنام. قال: فقلت له: أما تستحي، وعذلته، فقال: وأزيدك، والله لو أن له ثمانين طرزا [٢] طول كلّ طرز ما يدخل أوله النهر فلا يبلغ آخره حتى يصير مملوءا إبرا في كل إبرة خيط [٣] ثم جاء يوسف النبي ﵇، ومعه الأنبياء والشهداء يسألونه أن يعيره إبرة يخيط بها قميصه الذي قدّ من دبر ما أعارهم. قال: قلت له: حرم كلامك بعد هذا. ومن شعر رزين أيضا [٤] : كأنّ بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفّة حابل تؤدي إليه أنّ كلّ ثنية ... تيممها ترمي إليه بقاتل وقال: خير الصديق هو الصدوق مقالة ... وكذاك شرّهم المنون الأكذب فإذا غدوت له تريد نجازه ... بالوعد راغ كما يروغ الثعلب توفي رزين العروضي سنة سبع وأربعين ومائتين.

стр. 1307

- ٤٨٨- رسته بن أبي الأبيض الأصبهاني الضرير الشاعر: ذكره حمزة بن الحسن الأصبهاني في «تاريخ أصفهان» فقال: كان مليح الشعر أشبه الناس شعرا ببشار بن برد، حمل من أصفهان إلى بغداد وأدخل على زبيدة بنت جعفر زوج الرشيد وكان دميما، فلما رأته قالت: تسمع بالمعيديّ خير من ان تراه، فقال رسته: أيتها السيدة إنما المرء بأصغريه، ثم أنشدها وأخذ جائزتها، وله شعر كثير ومنه قوله: أيها الإخوة الذين لساني ... من قديم الزمان عنهم كليل جئتكم للسلام حتى إذا ما ... صحت شهرا كما يصيح الدليل قيل قد أدخل الخوان عليهم ... قلت ما لي إذن إليهم سبيل وقال: قد مات كلّ نبيل ... ومات كلّ نبيه ومات كلّ أديب ... وفاضل وفقيه لا يوحشنك طريق ... كلّ الخلائق فيه مات رسته سنة خمس وسبعين ومائة. - ٤٨٩- رفيع بن سلمة بن مسلم بن رفيع أبو غسان دماذ العبدي اللبابي: كاتب أبي عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه المختص به، ودماذ لقب ومعناه الفسيلة. وقيل إن المازني مشى إلى أبي غسان يسمع منه الأخبار. وكان شاعرا هجّاء خبيث اللسان فلمّا أسنّ أنكر ما هجا به الناس، فمن شعره:

стр. 1308

شغلي عن الناس بإنسان ... علّق قلبي وتناساني موّه باب الحبّ حتى إذا ... سقطت في الصبوة خلّاني - ٤٩٠- رمضان بن رستم بن محمد بن علي بن رستم بن هردوز، فخر الدين ابن الساعاتي الخراساني الأصل الدمشقي: وهو أخو بهاء الدين أبي الحسن علي بن رستم بن الساعاتي الشاعر المشهور. وكان فخر الدين هذا طبيبا فاضلا أديبا شاعرا، وله معرفة تامة بالمنطق والعلوم الحكمية، وكان يكتب خطا منسوبا في غاية الجودة، وتلقّى صناعة الطب عن رضي الدين أبي الحجاج يوسف بن حيدر الرحبي الموجود الآن في دمشق ولازمه زمانا طويلا، والعلوم الأدبية عن تاج الدين زيد الكندي، وكان خبيرا بعلم الموسيقى ويحسن الضرب بالعود، لقيته بدمشق وحضرت مجالسه غير مرة، وبلغنا وفاته سنة ثمان عشرة وستمائة. وله من التصانيف حواش على القانون لابن سينا. وتكملة كتاب القولنج له. والمختار من الأشعار، وغير ذلك. ومن شعره: وروضة زاد بالأترجّ بهجتها ... في صفرة اللون يحكي لون مسكين عجبت منه فما أدري أصفرته ... من فرقة الغصن أم من خوف سكين وقال [١] : يحسدني قومي على صنعتي ... لأنني بينهم فارس سهرت في ليلي واستنعسوا ... لن يستوي الدارس والناعس

стр. 1309

وقال: حسب المحبّ تلذذ بغرامه ... من كلّ ما يهوى وما يتحبّب راح المحبة لا تريح بروحها ... من كان في شيء سواها يرغب - ٤٩١- الرماح بن أبرد بن ثوبان بن سراقة بن قيس بن سلمى بن ظالم بن جذيمة بن يربوع، أبو شرحبيل المرّي المعروف بابن ميادة: وهي أمه، وكانت صقلبية [١] وكان يزعم أنها فارسية. وهو شاعر مجيد من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، مات في خلافة المنصور سنة تسع وأربعين ومائة، ومن شعره يفخر بنسب أبيه في العرب ونسب أمه في العجم [٢] : أليس غلام بين كسرى وظالم ... بأكرم من نيطت عليه التمائم لو انّ جميع الناس كانوا بتلعة ... وجئت بجدّي ظالم وابن ظالم لظلّت رقاب الناس خاضعة لنا ... سجودا على أقدامنا بالجماجم ومن مختار شعره قصيدته البائية التي مدح بها الوليد بن يزيد ومطلعها [٣] : هل تعرف الدار بالعلياء غيّرها ... سافي الرياح ومستنّ له طنب دار لبيضاء مسودّ مسائحها ... كأنها ظبية ترعى وتنتصب

стр. 1310

تحنو لأكحل ألقته بمضيعة ... فقلبها شفقا من حوله يجب يا أطيب الناس ريقا بعد هجعتها ... وأملح الناس عينا حين تنتقب ليست تجود بنيل حين أسألها ... ولست عند خلاء اللهو أغتصب في مرفقيها إذا ما عونقت حجم [١] ... على الضجيع وفي أنيابها شنب وليلة ذات أهوال كواكبها ... مثل القناديل فيها الزيت واللهب [٢] قد جبتها جوب ذي المقراض ممطرة ... إذا استوى مغفلات البيد والحدب [٣] بعنتريس كأن الدّبر يلسعها ... إذا ترنّم حاد خلفها طرب [٤] إلى الوليد أبي العباس قد عجلت ... ودونه المعط من لبنان والكثب [٥] أعطيتني مائة صفرا مدامعها ... كالنخل زيّن أعلى نبته الشّرب [٦] يسوقها يافع جعد مفارقه ... مثل الغراب غذاه الصرّ والحلب وذا سبيب صهيبيا له عرف ... وهامة ذات فرق ما بها صخب لما أتيتك من نجد وساكنه ... نفحت لي نفحة طارت بها العرب إني امرؤ أعتفي الحاجات أطلبها ... كما اعتفى سنق يلقى له العشب [٧] ولا ألحّ على الخلّان أسألهم ... كما يلحّ بعظم الغارب القتب ولا أخادع ندماني لأخدعهم ... عن مالهم حين يسترخي بهم لبب وأنت وابناك لم يوجد لكم مثل ... ثلاثة كلّهم بالتاج معتصب الطيبون إذا طابت نفوسهم ... شوس الحواجب والأبصار إن غضبوا

стр. 1311

قسني إلى شعراء الناس كلّهم ... وادع الرواة إذا ما غبّ ما احتلبوا [١] إني وإن قال أقوام مديحهم ... فأحسنوه وما مالوا وما كذبوا أجري أمامهم جري امرىء فلج ... عنانه حين يجري ليس يضطرب وقال أيضا [٢] : لقد سبقتك اليوم عيناك سبقة ... وأبكاك من عهد الشباب ملاعبه وتذكار عيش قد مضى ليس راجعا ... لنا أبدا أو يرجع الدرّ حالبه كأن فؤادي في يد ضبثت [٣] به ... محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه وأشفق من وشك الفراق وأنني ... أظنّ لمحمول عليه فراكبه فو الله ما أدري أيغلبني الهوى ... إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه فإن استطع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه وشعر ابن ميادة كثير اكتفينا بما ذكرناه منه. - ٤٩٢- رؤبة بن العجاج واسم العجاج عبد الله بن رؤبة بن أسد بن صخر بن كنيف بن عميرة، يتصل نسبه بزيد بن مناة: الراجز المشهور من مخضرمي الدولتين ومن أعراب البصرة، سمع من أبي هريرة ﵁ والنسابة البكري، وعداده في

стр. 1312

التابعين. وروى عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى والنضر بن شميل وخلف الأحمر وغيرهم. وله ديوان رجز مشهور. مات في زمن المنصور سنة خمس وأربعين ومائة ومن رجزه [١] : اذا العجوز غضبت فطلّق ... ولا ترضّاها ولا تملّق واعمد لأخرى ذات دلّ مونق ... لينة المسّ كمسّ الخرنق اذا مضت مثل السياط المشّق ومنه وهو مشهور [٢] : من يك ذا بتّ فهذا بتّي ... مقيّظ مصيّف مشتّي أخذته من نعجات ستّ وله شعر قليل منه [٣] : أيها الشامت المعير بالشي ... ب أقلنّ بالشباب افتخارا قد لبست الشباب غضّا طريفا ... فوجدت الشباب ثوبا معارا - ٤٩٣- روح بن عبد الأعلى المؤدّب: بصري يكنى أبا همام، متهم في دينه، يعلم أولاد المسلمين العربية والشعر، ويعلم أولاد المجوس خط الفرس وكتاب مزدك، وعهد أردشير، وهو القائل [٤] : وعين السخط تبصر كل عيب ... وعين أخي الرضا عن ذاك تعمى

стр. 1313

ولو يمنى يديّ تكرّهتني ... إذن لحسمتها بالنار حسما وله أيضا: فما لزمان السوء لا درّ درّه ... وللبين فينا كيف قد طال عمره فراق وبعد واشتياق وزفرة ... كحرّ سعير قد تضرّم جمره سأصبر دهري ما حييت ومن يعش ... بحلو معاش يعقب الحلو مرّه

стр. 1314

حرف الزاي - ٤٩٤- زاكي بن كامل بن علي، أبو الفضائل المعروف بالمهذّب الهيتيّ القطيفي الملقب بأسير الهوى: كان أديبا فاضلا شاعرا رقيق الشعر، مات سنة ست وأربعين وخمسمائة، ومن شعره: عيناك لحظهما أمضى من القدر ... ومهجتي منهما أضحت على خطر يا أحسن الناس لولا أنت أبخلهم ... ماذا يضرّك لو متّعت بالنظر جد بالخيال وإن ضنّت يداك به ... لا تبتلي مقلتي بالدمع والسهر يا من تمكن في قلبي الغرام به ... فقد حذرت وما وقّيت من حذر زوّد بتوديعة أو وقفة فعسى ... تحيي بها نضو أشواق على سفر وقال: أفعال ألحاظه المرضى الصحاح بنا ... أضعاف ما يفعل الصّمصامة الذّكر عجبت من جفنه بالضعف منتصرا ... على القلوب ويقوى وهو منكسر ومن لهيب خدود كلّما سقيت ... ماء الشباب بنار الحسن تستعر ان مجّ في الشرق من فيه الرضاب ترى ... من عرف رياه أهل الغرب قد سكروا شهود صدق غرامي فيك أربعة ... الوجد والدمع والأسقام والسهر

стр. 1315

وقال: سيدي ما عنك لي عوض ... طال بي في حبّك المرض كم بلا ذنب تهدّدني ... فجفوني ليس تغتمض أبغير الهجر تقتلني ... لا أبالي هجرك الغرض ورضائي في رضاك فقل ... ما تشاء لست أعترض أنت لي داء أموت به ... كم أداويه وينتقض - ٤٩٥- زائدة بن نعمة بن نعيم، أبو نعمة القشيري [١] المعروف بالمجفجف [٢] : كان شاعرا جيد الشعر نقيّ الألفاظ مختارها رقيق المعاني يمدح السادات وأهل البيوتات، لقيته بحلب سنة ثمانين وخمسمائة وتوفي سنة ست وثمانين وخمسمائة، ومن شعره [٣] : أصبح الربع من سمية خالي ... غير هيق وناشط وغزال [٤] وثلاث كأنهنّ حمام ... في رماد وأشعث الرأس بالي هلهلته الرياح مما توالى ... نسجها بالغدوّ والآصال من قبول ومن دبور سنوح ... وجنوب ومن صبا وشمال

стр. 1316

تجلب الغيث غير ريث [١] حياه ... برسوم الديار والأطلال كلّ نبت من الربيع وزهر ... مثل جيد من العرائس حالي أو كزيّ [٢] الذي عهدن [٣] لديه ... في ظلال الخيام أو في الحجال كلّ براقة الثنايا تراءى ... برقيق الغروب [٤] عذب زلال وكأن الغمام من بعد وهن ... مازجته بقرقف جريال كنت في عينها كمرود كحل ... صرت في عينها كشوك السّيال حيث صار السواد مني بياضا ... وتبدلت أرذل الأبدال [٥] - ٤٩٦- زبان بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن

стр. 1317

جلهمة بن حجر بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مر بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان: الإمام أبو عمرو بن العلاء التميمي المازني البصري أحد القراء السبعة. واختلف في اسمه على أحد وعشرين قولا. فقيل ربان، وقيل زبان، وقيل يحيى، وقيل العريان وقيل جزء، وقيل اسمه كنيته. قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو ما اسمك؟ قال: أبو عمرو. وقيل للمبرد إن قوما يزعمون أن اسم أبي عمرو زبان. فقال: قد فتشت عن هذا بالبصرة، وسألت من هناك من أهله وولده، فلم يثبت له ولا لأخيه أبي سفيان اسم، ولهما أخ آخر يقال له معاذ، وقيل لجلالته عندهم كان يهاب لأن يسأل عن اسمه فلا يعرف إلا بكنيته [١] . والصحيح انه زبّان لما روي أنّ الفرزدق جاء معتذرا إليه من أجل هجو بلغه عنه، فقال له أبو عمرو: هجوت زبان ثم جئت معتذرا ... من هجو زبان لم تهج ولم تدع ولد أبو عمرو بمكة سنة ثمان أو خمس وستين ومات بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة، أخذ بمكة والمدينة والكوفة والبصرة عن شيوخ كثيرة منهم أنس بن مالك والحسن البصري وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد، وأخذ النحو عن نصر بن عاصم الليثي. وأخذ عنه القراءة عرضا وسماعا جماعة كثيرون منهم عبد الله بن المبارك واليزيدي، وأخذ عنه النحو الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب البصري وأبو محمد اليزيدي، وأخذ عنه الأدب وغيره طائفة منهم أبو عبيدة معمر بن المثنى والأصمعي ومعاذ بن مسلم النحوي وغيرهم، وروى عنه الحروف سيبويه، وكان أعلم الناس بالعربية والقرآن وأيام العرب والشعر. حدث أبو عبيدة [٢] عن أبي عمرو قال [٣] : طلب الحجاج أبي فخرج منه هاربا إلى اليمن فإنّا لنسير بصحراء اليمن فلحقنا لا حق ينشد:

стр. 1318

ربما تكره النفوس من الأمر لها فرجة كحلّ العقال (الفرجة بالفتح في الأمر وبالضم في الحائط وغيره) . قال: فقال أبي: ما الخبر؟ فقالوا: مات الحجاج. قال أبو عمرو: فأنا بقول «فرجة» أشدّ سرورا منّي بموت الحجاج. قال، فقال أبي: أصرف ركابنا إلى البصرة. حدث الأصمعي قال [١] : كان لأبي عمرو كلّ يوم فلسان من غلّته: فلس يشتري به ريحانا، وفلس يشتري به كوزا فيشم الريحان، ويشرب في الكوز يومه، فإذا أمسى تصدق بالكوز وأمر الجارية أن تجفف الريحان وتدقه في الأشنان، ثم يستجد غير ذلك في كل يوم. وكان [٢] أبو عمرو يقرىء الناس في مسجد البصرة والحسن البصري حاضر. ويروى أن الحسن لأجله قال: كاد العلماء يكونون أربابا. قيل: كان نقش خاتم أبي عمرو بن العلاء: وإن امرءا دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور وقيل: إنه لا يعرف له شعر إلا ما رواه بعضهم [٣] : وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا وكان أبو عمرو يقول: هذا البيت أنا قلته وألحقته بشعر الأعشى. قال أبو عمرو بن العلاء: كنت معجبا به حتى لقيت أعرابيا فصيحا فهما فأنشدته إياه، فقال: أخطأت است صاحبه الحفرة، ما الذي يبقى بعد الشيب والصلع؟ فعلمت أنّي لم أصنع شيئا. قال أبو عبيدة: سمعت بشارا قبل ذلك بعشر سنين يقول: ما يشبه هذا شعر الأعشى. حدث سفيان الثوري قال [٤] : كنّا عند الأعمش وعنده أبو عمرو يحدث: كان

стр. 1319

رسول الله، ﷺ يتخولنا بالموعظة. قال الأعمش: ومعنى يتخولنا، يتعاهدنا، فقال له أبو عمرو: إن كان يتعاهدنا فيخوّننا [١] ، فأما يتخوّلنا فيستصلحنا. فقال له الأعمش: وما يدريك؟ فقال له أبو عمرو: إن شئت يا أبا محمد أن أعلمك الساعة أن الله ما علمك شيئا مما تدعيه فعلت. قال أبو الطيب: والصحيح [ما] ذهب إليه أبو عمرو. وقال الأصمعي: لقد ظلمه أبو عمرو. قال: يتخولنا ويتخوننا جميعا، فمن قال: يتخولنا يستصلحنا، ومن قال يتخوننا يتعهدنا؛ قال: والرواية باللام والمعنى متقارب. وحدث أبو الطيب قال [٢] : كان أبو عمرو يميل إلى القول بالإرجاء، فحدث الأصمعي قال: قال عمرو بن عبيد لأبي عمرو: يا أبا عمرو؟ وهل يخلف الله وعده؟ قال لا، قال: أفرأيت من أوعده الله عقابا أيخلف وعده؟ قال من العجمة أتيت يا أبا عثمان، إن الوعد غير الوعيد، لأن العرب لا تعد عارا ولا خلفا أن تعد شرا ثم لا تفعله، ترى ذلك كرما وفضلا وإنما الخلف أن تعد خيرا ولا تفعله. قال له: أوجد هذا في كلامهم، فأنشده: ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتي ... ولا يختتي [٣] من خشية المتهدّد وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي قال المؤلف: هذا جملة ما جرى بينهما من المناظرة على ما توجه في كتب العلماء، ثم أضاف إليها بعض المعتزلة شعرا مولدا أتمّ الخبر به، وجعل الحجة له فيهما. فقال عمرو بن عبيد: بل أنت يا أبا عمرو شغلك الإعراب عن طلب

стр. 1320

الصواب، أما سمعت قول الآخر: إن أبا ثابت لمشترك ال ... خير شريف الآباء والبيت لا يخلف الوعد والوعيد ولا ... يبيت من ثاره على فوت حدث أبو حمزة الشحام قال: وقف علينا أبو عمرو بن العلاء في السوق يساومنا ببعض ما عندنا، ثم قال: الغبن غبنان. قلنا: وما هما يا أبا عمرو؟ قال: الغبن والغلاء، فإذا استجدت ذهب أحدهما. وحدث الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن أرهبته ورهبته، فقال: ليستا سواء. فقلت: رهبته فرقته وأرهبته أدخلت الفرق قلبه. فقال أبو عمرو: ذهب من يحسن هذا من ثلاثين سنة. سئل أبو عمرو [١] : متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ قال: ما دامت الحياة تحسن به. أنشد أبو الحسن علي بن الحسن بن علي الشيرازي لأبي عمرو بن العلاء المقرىء: دع الهمّ بالرزق يا عاقلا ... فربّك منه لنا قد فرغ فما لك منه إذا ما افتكرت ... بعقل صحيح سوى ما مضغ أجاز التراقي [٢] بلا مانع ... وقابل بالخوف لما بلغ فدع ذكر دنيا تبدّت لنا ... كسمّ الشجاع إذا ما لدغ فإني خلوت بذكري لها ... وفارقت إبليس لما نزغ فألفيتها مثل ماء الإناء ... وكلب العشيرة فيها يلغ فخلّيتها عن قلى كلّها ... وعلّلت نفسي بأخذ البلغ سأل رجل [٣] أبا عمرو بن العلاء حاجة فوعده بها، ثم إن الحاجة تعذرت على

стр. 1321

أبي عمرو، فلقيه الرجل بعد ذلك، فقال له: وعدتني يا أبا عمرو وعدا لم تنجزه. قال له أبو عمرو: فمن أولى بالغمّ أنا أو أنت؟ قال الرجل: أنا. قال أبو عمرو: لا والله بل أنا. قال: وكيف ذلك أصلحك الله، وأنا المدفوع عن حاجتي؟ فقال: لأني وعدتك، فأنت بفرح الوعد، وأنا بهمّ الإنجاز، وبتّ ليلتك فرحا مسرورا، وبتّ ليلتي مفكرا مهموما، ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة، فلقيتني مدلا، ولقيتك محتشما، فأنا أولى بالغم منك. قال: صدقت. وحدث الأصمعي قال: غاب أبو عمرو عن البصرة عشرين سنة ثم رجع ففقد إخوانه الذين كانوا يجلسون إليه في مجلسه بجامع البصرة، فأنشأ يقول: يا منزل الحيّ الذي ... ن تفرّقت بهم المنازل أصبحت بعد عمارة ... قفرا تهبّ بك الشمائل فلئن رأيتك موحشا ... فبما رأيت وأنت آهل وحدث الأصمعي قال: كنا عند أبي عمرو بن العلاء فسأله رجل: لم سميت الخيل خيلا؟ فسكت أبو عمرو، فقال فتى في المجلس: سميت خيلا لاختيالها. فقال أبو عمرو: اكتبوا الاختيال من الخيلاء، وهو العجب. قال الأصمعي: صنع أبو عمرو بن العلاء هريسة فكتب إليّ: هلمّ إلى من عذّبت طول ليلها ... بأضيق حبس في وطيس مسعّر وقد جلدت حدين وهي بريّة ... فحيّ على دفن الشهيدة تؤجر وكان يونس بن حبيب يقول: لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله في كلّ شيء كان ينبغي أن يؤخذ بقول أبي عمرو بن العلاء. وقال أبو عبيدة: أبو عمرو أعلم الناس بالقراءات والعربية وأيام العرب والشعر، وكانت دفاتره ملء بيته إلى السقف، ثم تنسك فأحرقها. وأما حاله في أهل الحديث فقد وثقه يحيى بن معين وغيره وقالوا: صدوق حجة في القراءة، وله أخبار حسان، وروي عنه فوائد كثيرة يطول ذكرها.

стр. 1322

- ٤٩٧- الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو عبد الله القرشي الأسدي: كان علّامة نسّابة أخباريا أعلم الناس قاطبة بأخبار قريش وأنسابها ومآثرها وأشعارها، وعلى كتابه في أنساب قريش الاعتماد في معرفة أنساب القرشيين. أخذ عن سفيان بن عيينة وغيره، وروى عنه ابن ماجة وابن أبي الدنيا وغيرهما، وكان ثقة من أوعية العلم، ولا يلتفت لقول أحمد بن علي السليماني فيه إنه منكر الحديث. وولد ونشأ بالحجاز ومات بمكة وهو قاض لها، ليلة الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة ست وخمسين ومائتين عن أربع وثمانين سنة. وكان أبوه أبو بكر بكار على قضاء مكة، ثم ولّى المتوكل الزبير ابنه القضاء بعد أبيه، فلم يزل قاضيها إلى أن مات على ذلك. ودخل بغداد عدة دفعات. حدث موسى بن هارون قال [١] : كنت بحضرة الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر فاستأذن عليه الزبير بن بكار، فلما دخل عليه أكرمه وعظمه وقال له: إن باعدت بيننا الأنساب فقد قرّبت بيننا الآداب، وان أمير المؤمنين أمرني أن أدعوك وأقلدك القضاء [٢] فقال له الزبير بن بكار: أبعد ما بلغت هذه السن ورويت أن من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين أتولى القضاء؟ فقال له: فتلحق بأمير المؤمنين بسر من رأى، فقال له: أفعل، فأمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة تخوت ثياب وظهر يحمله ويحمل ثقله إلى حضرة سرّ من رأى. فلما أراد الانصراف قال له: ان رأيت يا أبا عبد الله أن تفيدنا شيئا نرويه عنك ونذكرك به، قال: نعم، انصرفت من عمرة المحرّم فبينا أنا بأثاية

стр. 1323

العرج إذا أنا بجماعة مجتمعة، فأقبلت اليهم، وإذا برجل كان يقنص الظباء وقد وقع ظبي في حبالته فذبحه فانتفض في يده، فضرب بقرنه صدره فنشب القرن فيه فمات، وإذا بفتاة أقبلت كأنها المهاة، فلما رأت زوجها ميتا شهقت ثم قالت: يا خشن لو بطل لكنّه أجل ... على الأثاية ما أودى به البطل يا خشن جمع أحشائي وأقلقها ... وذاك يا خشن لولا غيره جلل أضحت فتاة بني نهد علانية ... وبعلها في أكفّ القوم محتمل وكنت راغبة فيه أضنّ به ... فحال من دون ظبي الريمة الاجل ثم شهقت فماتت، فما رأيت أعجب من الثلاثة: الظبي مذبوح، والرجل جريح ميت، والفتاة ميتة. فلما خرج قال الأمير محمد بن عبد الله: أيّ شيء أفدنا من الشيخ، قالوا: الأمير أعلم، قال: قوله «أضحت فتاة بني نهد علانية» أي ظاهرة، وهذا حرف لم أسمعه في كلام العرب قبل اليوم. حدث المرزباني فيما أسنده إلى الزبير بن بكار قال [١] عادلت المتوكل على الله من الجوسق إلى المحمدية فلما سرنا قال لي: يا زبير، من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: فورد عليّ شيء لم أروّ فيه، فخفت أن أقول: عليّ، فيقول: تقدّمه على أبي بكر، وخشيت أن أقول أبا بكر فيقول: فضلت على آل رسول الله ﷺ ، غيرهم. قال: فسكتّ فاقتضاني الجواب، فسكتّ. فقال: ما لك لا تجيب؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، سمعت الناس بالمدينة يقولون: أبو بكر خير الصحابة، وعليّ خير القرابة. قال: فأرضاه ذلك وكفّ. حدّث ثعلب قال: كتب رجل إلى الزبير بن بكار يستجفيه، فكتب إليه الزبير: ما غيّر الدهر ودا كنت تعرفه ... ولا تبدلت بعد الذكر نسيانا ولا حمدت وفاء من أخي ثقة ... إلا جعلتك فوق الحمد عنوانا قال الزبير: شيعني إسحاق بن إبراهيم التميمي، وقال: فراقك مثل فراق الحياة ... وفقدك مثل افتقاد الديم

стр. 1324

عليك السلام فكم من وفاء ... أفارق منك وكم من كرم وحدث الزبير قال: شكرت بعض الملوك على عارفة له فما رأيته يقبل الشكر حق قبوله، فأنشدته: فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لعزّة ملك أو علوّ مكان لما ندب الله العباد لشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان قال المؤلف: هذا قول بشع شنع، فإن الله تعالى ليس به فاقة إلى شكر عباده، وإنما أدبهم بما أمرهم، قلت: وإنما هذه استعارة حسنة. قال الزبير: تشوّفت إلى المدينة وأنا بالعراق فقلت: ليت شعري ولليالي صروف ... هل أرى مرّة بقيع الزبير ذاك مغنى ألذّه وقطين ... تشتهي النفس أن تراه بخير قال الزبير [١] : جئت إلى الفتح بن خاقان أسأله أن يستأذن لي أمير المؤمنين المتوكل في الحج فوعدني، فقلت له أنشدك، وأنشدته: ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يرجى الطبيب لساعة الأوصاب قال فاستأذن لي على المتوكل فخرج سعيد بن مسكين فقال: ادخل، فدخلت فودعت أمير المؤمنين، ثم خرجت وخرج الفتح، فقال: جائزتك تلحقك، وعهدك بالقضاء على مكة لاحق بك، فلما صرت إلى منزلي إذا خادم معه ثلاثون ألف درهم فقبضتها وخرجت إلى مكة، فلما أردت الدخول إليها إذا رسوله ومعه عهدي بالقضاء، فدخلتها واليا عليها. ثم مات بمكة في الوقت المقدم ذكره. وكان سبب موته أنه سقط من سطح علوّه عشرة أذرع فانكسرت ترقوته ووركه فمات، وصلى عليه ابنه مصعب، وحضر جنازته محمد بن عيسى بن المنصور ودفن إلى جانب قبر علي بن عيسى الهاشمي في نقرة الحجون.

стр. 1325

وقال الزبير: دخلت على المعتزّ بالله وهو محموم فقال لي: يا أبا عبد الله، إني قد قلت في ليلتي هذه أبياتا، وقد أعيا عليّ إجازة بعضها، ثم أنشدني: إني عرفت علاج القلب من وجع ... وما عرفت علاج الحبّ والجزع جزعت للحبّ والحمّى صبرت لها ... إنّي لأعجب من صبري ومن جزعي من كان يشغله عن حبّه وجع ... فليس يشغلني عن حبكم وجعي قال: فقلت: وما أملّ حبيبي ليلتي أبدا ... مع الحبيب ويا ليت الحبيب معي قال: فأمر لي على البيت بألف دينار. وقال الزبير: خطب إليّ محمد بن الفضل بن الحسن العلوي أختا لي فرددته ردّا جميلا فكتب إليّ يفخر ويكثر فكتبت إليه: وصل كتابك يهدر بشقشقة صلماء (بشقشقة صلماء أي مشقوقة) عن شفة علماء (شفة علماء: الأعلم المشقوق الشفة العليا) تزعم أنك وأني، فدم حيث أنت، ودعني حيث أنا، فلعمري ليبطئن بي عنك الذي أسرع بك إلي، والسلام. قال: وتزوجت امرأة، وعندي أخرى فما زالت بي حتى طلقتها، وأقبلت على بيت فيه كتب، فجاءت المرأة فأخذت بعضادتي الباب، وقالت: لكتبك أشرّ عليّ من أربع ضرّات. وللزبير بن بكار من التصانيف: كتاب نسب قريش وأخبارها. وكتاب أخبار العرب وأيامها. وكتاب نوادر أخبار النسب. وكتاب الموفقيات في الأخبار ألفه للموفق بالله [١] . وكتاب أزواج النبي ﷺ . وكتاب وفود النعمان على كسرى. وكتاب الأوس والخزرج. وكتاب النحل، قال ابن النديم: رأيته بخط ابن السكري. وكتاب نوادر المدينيين. وكتاب الاختلاف. وكتاب العقيق وأخباره. وكتاب إغارة كثيّر على الشعراء. وأخبار ابن ميادة. وأخبار ابن الدمينة. وأخبار ابن قيس الرقيات. وأخبار أبي دهبل الجمحي. وأخبار أبي السائب. وأخبار الأشعث. وأخبار الأحوص.

стр. 1326

وأخبار ابن هرمة. وأخبار توبة بن الحميّر وليلى الأخيلية. وأخبار أمية بن أبي الصلت. وأخبار حاتم. وأخبار حسان. وأخبار جميل. وأخبار عبد الرحمن بن حسان. وأخبار العرجي. وأخبار عمر بن أبي ربيعة. وأخبار كثيّر. وأخبار المجنون. وأخبار نصيب. وأخبار هدبة بن الخشرم وزيادة، وغير ذلك. - ٤٩٨- زكريا بن أحمد بن محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن حمويه النسابة البزاز أبو يحيى: فاضل مشهور له معرفة بالأنساب. مات سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. له تصانيف في علوم الزيدية [١] وأخبارهم، منها كتاب «الابانة عن الإمامة» . - ٤٩٩- زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي البصري أبو يحيى: من أئمة أهل العلم والفضل. مات سنة سبع وثلاثمائة بالبصرة. وكان فيه فكاهة زائدة حتى قيل إنّ له مجلسا للعلم ومجلسا للهو. وكان يقول: أصلحت سريرتي بيني وبين الله، ، لما بلغت الأربعين، فما أبالي من طعن عليّ. وكان يلقّب الناس، وقال: ما لقبتهم حتى لقبت نفسي وأهلي، لقبي أنا الساقول، وابني زيرك. ذكر عنه أن رجلا صار إليه، فقال له قد محنت فخذ بيدي، فأراني رجلا في ثقل

стр. 1327

روح المعروف بفلان، وكان هذا الرجل ينسب إلى ثقل الروح، فحلفت بالطلاق أن حمار بن رزقويه أخف روحا منه، فقال له أبو يحيى: جئني بالحمار فجاءه به، وكان جذعا مربوعا، فخرج من مجلسه في الجامع إلى باب الأحنف، ومعه أهل مجلسه ينظر إلى الحمار، فقال اركبوه فركب، وشوّر بين يديه فقال للرجل: أقم على زوجتك فهذا في الحمير أخف روحا من ذاك في الناس. له من الكتب كتاب في أخبار البصرة، كتاب الأبلة، كتاب في الجرح والتعديل. - ٥٠٠- زند بن الجون المعروف بأبي دلامة الكوفي: أسود من موالي بني أسد، أدرك آخر أيام بني أمية ونبغ في أيام بني العباس، وانقطع إلى السفاح والمنصور والمهدي، ومات في خلافة المهدي سنة إحدى وستين ومائة. وله مع الخلفاء والأمراء أخبار كثيرة ونوادر جمة، فمن ذلك ان أبا جعفر المنصور أمر اصحابه بلبس السواد وقلانس طوال ودراريع كتب عليها فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (البقرة: ١٣٧) وأن يعلقوا السيوف في المناطق، فدخل عليه أبو دلامة في هذا الزيّ، فقال له المنصور: كيف أصبحت يا أبا دلامة قال: بشرّ حال يا أمير المؤمنين، قال: كيف ذلك ويلك؟ قال: وما ظنك يا أمير المؤمنين بمن أصبح وجهه في وسطه، وسيفه على استه، ونبذ كتاب الله وراء ظهره، وصبغ بالسواد ثيابه!! فضحك المنصور ووصله وأمر بتغيير ذلك الزي، وفي ذلك يقول أبو دلامة [١] :

стр. 1328

وكنا نرجّي من إمام زيادة ... فجاد بطول زاده في القلانس تراها على هام الرجال كأنها ... دنان يهود جلّلت بالبرانس وخرج [١] أبو دلامة مع روح بن حاتم المهلبي في بعث لقتال الشراة، فلما نشبت الحرب أمره روح بمبارزة فارس من الشراة يدعو إلى البراز، فقال أبو دلامة: إني أعوذ بروح أن يقدّمني ... إلى البراز فتخزى بي بنو أسد إن البراز إلى الأقران أعلمه ... مما يفرّق بين الروح والجسد قد حالفتك المنايا أن صمدت لها ... وأنها لجميع الخلق بالرصد إن المهلب حبّ الموت أورثكم ... وما ورثت اختيار الموت عن أحد لو أنّ لي مهجة أخرى لجدت بها ... لكنها خلقت فردا فلم أجد فضحك منه روح وأعفاه. ولأبي دلامة شعر كثير كله جيد، وفيما أوردناه منه كفاية. - ٥٠١- زهير بن ميمون الفرقبي الهمداني [أبو محمد] كان من أهل الكوفة، وقيل له الفرقبي لأنه كان يتّجر إلى ناحية فرقب فنسب إليها وكان من أهل القرآن. مات في سنة خمس وخمسين ومائة في زمن المنصور وكان عالما بالنسب.

стр. 1329

- ٥٠٢- زياد بن سلمى بن عبد القيس أبو أمامة العبدي المعروف بزياد الأعجم مولى عبد القيس: قيل له الأعجم للكنة كانت فيه، أدرك أبا موسى الأشعري وعثمان بن أبي العاص وشهد معهما فتح اصطخر، عدّه ابن سلام في الطبقة السادسة [١] من شعراء الاسلام. وهمّ الفرزدق بهجاء عبد القيس فأرسل إليه زياد لا تعجل حتى أهدي إليك هدية، فبعث إليه: فما ترك الهاجون لي إن هجوته ... مصحّا أراه في أديم الفرزدق وما تركوا عظما يرى تحت لحمه ... لكاسره أبقوه للمتعرق سأكسر ما أبقوه لي من عظامه ... وانكت مخّ الساق منه وأنتقي وإنا وما تهدي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق فلما بلغ الفرزدق الشعر قال: ما إلى هجاء هؤلاء من سبيل ما عاش هذا العبد. ودخل زياد على عبد الله بن جعفر فسأله في خمس ديات فأعطاه، ثم عاد فسأله في خمس ديات أخر فأعطاه، ثم عاد فسأله في عشر ديات فأعطاه، فأنشأ يقول: سألناه الجزيل فما تلكّا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا وأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا مرارا لا أعود إليه إلّا ... تبسّم ضاحكا وثنى الوسادا وقال يرثي المغيرة بن المهلّب:

стр. 1330

إنّ السماحة والمروءة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح مات المغيرة بعد طول تعرّض ... للموت بين أسنة وصفائح فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكلّ طرف سابح وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح وهي من أحسن المراثي. توفي زياد في حدود المائة. - ٥٠٣- زياد بن عبد العزيز بن أحمد بن زياد الجذامي الأندلسي [كان] بليغا راوية للأخبار، توفي سنة ثلاثين وأربعمائة. له من المصنفات: كتاب منار السراج في الردّ على القبري [١] . كتاب في الردّ على منذر القاضي. أرجوزة. - ٥٠٤- زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن سعيد بن عضيهة ابن عمير بن الحارث الأصغر: ذي رعين، تاج الدين أبو اليمن الكندي البغدادي ثم الدمشقي النحوي اللغوي المقرىء الحافظ المحدث الجامع لأسباب الفضائل، محط الركبان، حسنة الزمان: ولد ببغداد في شعبان سنة عشرين وخمسمائة، وتوفي بدمشق

стр. 1331

سنة سبع وتسعين وخمسمائة [١] . وكان أبوه من كبار التجار وذوي الجدة واليسار، فاتفق له الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله بن علي بن أحمد المقرىء المعروف بابن بنت الشيخ سبط أبي منصور الخياط فألقى الله محبّته في قلبه فلقّنه القرآن وهو طفل صغير، وأقرأه القراءات العشر، وله من العمر عشر سنين وأربعة أشهر، وشاهده خطّ الشيخ له بذلك. فلما رأى الشيخ ذكاءه وحسن تقبّله للعلم ازداد له حبا، وربّاه تربية الولد البار، ونصحه وحمله إلى مشايخ وقته وعلماء أوانه، فقرأ عليهم القرآن، وصنّف له كتبا في قراءاتهم، وأسمعه الحديث من نفسه ومن أهله في وقته، ووهب له جملة من كتبه، واستجاز له من المشايخ ببغداد واستدعى له من مشايخ الأقطار، وكان ذلك سرا اطّلع عليه الشيخ أبو محمد ظهر به نبأه بعد حين. وكان كلما قرأ عليه القراءات برواية دعا له تارة بطول العمر وتارة بحسن القبول، وتارة بالإفادة، وتارة بالتوفيق والسعادة، إلى غير ذلك من الدعوات، فما منها شيء إلا وقد استجيب له فيه. وبلغ عدد من قرأ عليه من الشيوخ الذين لقيهم وسمع منهم، وأجازوا له من الأقطار سبعمائة ونيّفا وستين شيخا من رجل وامرأة. ومن عجائب ما وقع له من الأسانيد ما أخبرنا به- أيده الله- قال: أخبرنا القاضي أبو بكر ابن محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله الأنصاري العدل قاضي البيمارستان قراءة عليه وأنا أسمع في صفر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة قال: أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد الفقيه الحنبلي الرملي قراءة عليه، وأنا أسمع، قال: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ناس البزار قراءة عليه في المحرم سنة ثمان وستين وثلاثمائة، قال: أنبأنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري اللخمي قال: أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن ابن عون عن الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: «إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وإن بين ذلك أمورا مشتبهات، وربما قال مشتبهة، وسأضرب لكم في ذلك مثلا: إن لله حمى، وإن حمى الله ما حرّم الله، وإن من يرع حول الحمى

стр. 1332

يوشك أن يخالط الحمى، وربما قال: يخالط الريبة، يوشك أن يحشر. وهذا حديث مجمع على صحته، وهو أحد الأحاديث التي اتفق أئمة الحديث على أن مدار السنة عليها، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأبو داود والنسائي في سننه، وغيرهم من الأئمة في كتبهم من عدة طرق. وأخرجه مسلم بن الحجاج في العدد إلى الشعبي. وقد مات مسلم سنة إحدى وستين ومائتين، فيكون من سمعه من تاج الدين أبو اليمن كمن سمعه من مسلم. وله عوال كثيرة يعجز عن تعدادها. وتفرد برواية كثير من الكتب لا يشركه فيها أحد، وفي كثرة ما صحبته وحضرت مجلسه ما رأيت القارىء قرأ عليه كتابا من مروياته وعلى الخصوص الأدبية واللغوية والنحوية ونحوها إلا وهو يسابق القارىء إلى ما يقرأه بالإشارة إلى المعنى أو إيراد اللفظ. وقلّما سئل عن مسألة إلا وأجاب فيها، ثم استدعى الكتاب في الحال وأخرج المسألة منه توافق ما أجاب به، فقيل له: أيّ حاجة إلى إحضار الكتاب وقولك حجة بالغة؟ فقال كلاما معناه يزيد تثبت السائل وتحقّق المسؤول. وتفرّد بالسماع والرواية من جماعة مشايخ، وخرج من بغداد وقصد همذان، وتفقّه على سعد الراوي. واتفق أن والده حجّ وتوفي، فلما بلغه خبر والده عاد إلى بغداد، وأقام بها مدة، ثم أصعد إلى الشام، واتصل بعز الدين فروخ شاه وصحبه عشر سنين ما فارقه ساعة واحدة ثم التحق بأخيه من بعده تقي الدين. وقد قرأ النحو على أبي محمد سبط أبي منصور الخياط وعلى أبي السعادات هبة الله ابن الشجري وابن الخشاب، واللغة على أبي منصور موهوب الجواليقي وسمع الحديث من ابن عبد الباقي وآخرين. ولما قدم دمشق تقدّم فيها وتصدّر وازدحم عليه الطلاب، وانتقل من مذهب الحنابلة إلى مذهب الحنفية فتوغل فيه وأفتى، واستوزره فروخ شاه، ثم اتصل بأخيه صاحب حماة واختص به. وقرأ عليه الملك المعظم عيسى العربية فأقرأه «كتاب سيبويه» و «الإيضاح» لأبي علي الفارسي و «شرح سيبويه» لابن درستويه وقرأ عليه جماعة القراءة والنحو واللغة، وكتب الخطّ المنسوب، وكانت له خزانة كتب جليلة في

стр. 1333

جامع بني أمية. وله تعليقات على ديوان المتنبي وأخرى على خطب ابن نباتة. وكتاب نتف اللحية من ابن دحية ردّ فيه على ابن دحية الكلبي في كتابه الذي سماه «الصارم الهندي في الردّ على الكندي» وكتاب في الفرق بين قول القائل طلقتك إن دخلت الدار وبين إن دخلت الدار طلقتك، ألفه جوابا لسؤال ورد عليه، وله غير ذلك. وقال لي تاج الدين: كنت في صغري وقت اشتغالي بالعلم أبغض إخوتي إلى أبي لأنه كان يريدني أشتغل بالمتجر، وكنت أنا أشتغل بالعلم، وكان ذلك سعادة منحني الله تعالى بها، فإنني اكتسبت بالعلم مقدار أربعين ألف دينار وهبتها جميعها لمن يلوذ بي حتى إن الدار التي أنا مقيم فيها كتبتها لهم. وكان لتاج الدين غلامان أحدهما اسمه ياقوت، وسمي فيما بعد يعقوب، والآخر يحيى، وهو ابن غلام له فخوّلهما جميع ما يملك. وأقول: ما أظن أن أحدا نال من العلم، وبلغ منه ما بلغ تاج الدين، فإني رأيت الملك المعظم ابن الملك العادل، وهو صاحب الشام، والمتملك عليها، وهو يقصد منزله راجلا ليقرأ عليه النحو، ولا يكلّفه مشقة المجيء إلى خدمته. ورأيت على بابه من المماليك الأتراك وغيرهم ما لا يكون إلا على باب ملك، ومن الآدر والبساتين ما لا يحصى. وكان الكندي يكثر الجلوس في دكان رجل عطّار يتطّبب، فجاءته امرأة تستوصفه شيئا فطلبت منه حاجة فأعطاها، وأخرى وأخرى إلى أن ضجر، فقال لها في كلام دار بينهما: يا امرأة، أخذتي والله مخّي، فقال الكندي مسرعا: لا تلمها، فإنها محتاجة إليه تريد تطعمه لزوجها (جعله حمارا) . ومدح الشيخ أبا اليمن شجاع بن الدهان البغدادي، فقال [١] : يا زيد زادك ربّي من مواهبه ... نعماء يقصر عن إدراكها الأمل لا غيّر الله حالا قد حباك بها ... ما دار بين النحاة الحال والبدل النحو أنت أحقّ العالمين به ... لأن باسمك فيه يضرب المثل

стр. 1334

ومن شعر تاج الدين [١] : لامني في اختصار كتبي حبيب ... فرّقت بينه الليالي وبيني كيف لي لو أطلت لكنّ عذري ... فيه أنّ المداد إنسان عيني وكتب إلى القاضي محيي الدين ابن الشهرزوري من أبيات [٢] : إني علقت بمحيي الدين معتضدا ... فعاد تقبيح دهري وهو إحسان وكم رأيت لغيري غيره عضدا ... لكن أولئك مرعى وهو سعدان ووجدت له مقطعات كثيرة من الشعر، إلا أنه كان في باقي الفضائل أطول يدا من الشعر؛ وفيه يقول علم الدين السخاوي [٣] : لم يكن في عصر عمرو [٤] مثله ... وكذا الكنديّ في آخر عصر فهما زيد وعمرو إنما ... بني النحو على زيد وعمرو - ٥٠٥- زيد بن الحسن الأحاظي التميمي أديب شاعر كان بعد الخمسمائة، ومن شعره قوله في سلطان شاحط من بلاد اليمن: قالوا لنا السلطان في شاحط ... يأتي الزنا من موضع الغائط قلت هل السلطان من فوقه؟ ... قالوا بل السلطان من هابط

стр. 1335

- ٥٠٦- زيد بن الربيع بن سليمان الحجري: يعرف بزيد البارد، من أهل الأندلس. مات سنة ثلاث وثلاثمائة. - ٥٠٧- زيد بن عبد الله بن رفاعة الهاشمي أبو الخير: أحد الأدباء العلماء الفضلاء. كان معاصر الصاحب بن عباد، وكان يعتقد رأي الفلاسفة. أقام بالبصرة زمنا طويلا، وصادف بها جماعة جامعة لأصناف العلم منهم أبو سليمان محمد بن مسعر البستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد النهرجوري والعوفي وغيرهم فصحبهم وخدمهم، وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبا، وزعموا أنهم قرّبوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله والمصير إلى جنته وذلك أنهم قالوا: الشريعة قد دنّست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال، وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علمها وعملها، وأفردوا لها
следующие страницы →