وله [١] :
لجت عواذله تعاتبه ... وخلون دون مواقع العذر
وتصرّمت أيام لذته ... فمضين عنه بجدّة العمر
وخلت منازل من أحبّته ... قذفت بهم عنها يد الدهر
وأشد ما لاقيت بعدهم ... أني فجعت بهم مع الصبر
وولي ديوان الرسائل في أيام المستعين رئاسة، فقال فيه بعض الكتاب [٢] :
يا حجة الله في الأرزاق والقسم ... ومحنة لذوي الأخطار والهمم
تراك أصبحت في نعماء سابغة ... إلّا وربّك غضبان على النعم
وله من الكتب: كتاب انتصاف العجم من العرب، ويعرف بالتسوية. كتاب رسائله. كتاب ديوان شعره.
- ٥٣٤-
سعيد بن حميد بن البختكان:
يكنى أبا عياض، كاتب شاعر مترسل وله أصل في الفرس قديم، شديد العصبية على العرب، له من الكتب كتاب افتخار العجم على العرب. وكتاب رسائله.
- ٥٣٥-
سعيد بن سعيد الفارقي، أبو القاسم النحوي:
أخذ عن الربعي وابن
стр. 1367
خالويه، وكان بارعا في العربية أديبا فاضلا له تصانيف منها كتاب تقسيمات العوامل وعللها. وكتاب تفسير المسائل المشكلة في أول «المقتضب» للمبرد، وغير ذلك.
مات مقتولا بالقاهرة عند بستان الخندق يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ومن شعره:
من آنسته البلاد لم يرم ... منها ومن أوحشته لم يقم
ومن يبت والهموم قادحة ... في صدره بالزناد لم ينم
- ٥٣٦-
سعيد بن طلحة بن الحسين بن أبي ذر
بن إبراهيم بن علي الصالحاني:
تخرج به أكثر أهل أصبهان، وسمع الحديث. مات سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.
- ٥٣٧-
أبو سعيد ابن عبد الصمد المقري:
له تواليف في تفسير القرآن جيدة، منها التبصرة في القراءات، كتاب شرح الغاية. كتاب قراءة يعقوب خاصة.
- ٥٣٨-
سعيد بن عبد الله بن دحيم:
سكن إشبيلية والأندلس، أبو عثمان. [كان] عالما بالنحو إماما في كتاب سيبويه، ذا حظ وافر من علم اللغة وشرح الأشعار. مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
стр. 1368
- ٥٣٩-
سعيد بن عبد العزيز بن عبد الله بن محمد
بن إبراهيم بن عبد المؤمن بن طيفور، أبو سهل النيلي: كان أديبا نحويا فقيها طبيبا عالما بصناعة الطب، وله من التصانيف: اختصار كتاب المسائل لحنين. تلخيص شرح فصول بقراط لجالينوس مع نكت من شرح أبي بكر الرازي، وغير ذلك، مات سنة عشرين وأربعمائة، ومن شعره:
يا مفدّى العذار والخدّ والقدّ ... بنفسي وما أراها كثيرا
ومعيري من سقم عينيه سقما ... دمت مضنى به ودمت معيرا
اسقني الراح تشف لوعة قلب ... بات مذ بنت للهموم سميرا
هي في الكاس خمرة فإذا ما ... أفرغت في الحشا استحالت سرورا
- ٥٤٠-
سعيد بن عثمان بن سعيد بن محمد بن سعيد
بن عبد الله بن يوسف البربري اللغوي المعروف بابن القزاز ويلقب بلحية الزبل: وهو من أهل قرطبة من بلاد الأندلس. روى عن أبي علي القالي، ومات في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة [١] .
وكان من أهل الأدب البارع.
стр. 1369
- ٥٤١-
سعيد بن عيسى الأصفر أبو عثمان النحوي:
سكن طليطلة من بلاد الأندلس. [كان] عالما بالنحو واللغة والأشعار، ومشاركا في المنطق وكتب الأخبار.
له شرح كتاب الجمل، يسير. توفي سنة ستين وأربعمائة.
- ٥٤٢-
سعيد بن الفرج أبو عثمان الرشاش مولى بني أمية:
كان أديبا فاضلا عالما باللغة والشعر، وكان يحفظ أربعة آلاف أرجوزة للعرب، ويضرب المثل بفصاحته، إلا أنه كان كثير التقعر في كلامه، رحل إلى المشرق ودخل بغداد ومصر فأقام بها مدة؛ توفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
- ٥٤٣-
سعيد بن المبارك بن علي بن عبد الله بن سعيد
بن محمد بن نصر بن عاصم بن عباد بن عاصم وينتهي نسبه إلى كعب بن عمرو الأنصاري، أبو محمد المعروف بابن الدهان النحوي: كان من أعيان النحاة وأفاضل اللغويين، كثير التصنيف جيد الشعر، أخذ عن الرماني اللغة والعربية، وسمع الحديث من أبي غالب أحمد بن البناء وأبي القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين وغيرهما، وأخذ عنه الخطيب التبريزي وجماعة. ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة بنهر طابق، وكان أصله من بغداد من محلة المقتديّة، وانتقل إلى الموصل وأقام بها إلى أن مات بها في
стр. 1370
رمضان- ليلة عيد الفطر- سنة تسع وخمسين وخمسمائة.
وكان سبب إصعاده من بغداد أن ابن الصوفي صاحب دمشق سمع به فكتب إليه عدّة مكتوبات يسأله إصعاده وقصده ويرغّبه في رفده، وهو يدافع إلى أن حركه القدر فأصعد إلى الموصل ليفد عليه، فأقام بها مديدة حتى قدم جمال الدين أبو الفرج محمد بن علي بن أبي منصور الأصبهاني الجواد صحبة سيف الدين غازي بن زنكي، واستقرت قدمه في الوزارة له، والتحكم في أمواله فسمع به جمال الدين الوزير فأحضره مجلسه، واصطفاه لنفسه، وأفاض عليه من إنعامه ما منعه عن قصد سواه، وأجرى عليه الجرايات، وقال له: جميع ما ترجوه من ابن الصوفي عندي أضعافه.
وجعله من جملة جلسائه.
فمما أنشدت من شعره ما ألقاه إليّ أمين الدين أبو محمد ياقوت الموصلي الكاتب، وكان من أعيان تلاميذه، وسمع أكثر تصانيفه، في مدح الفقر [١] :
أتعجب أنني أمسي فقيرا ... ويحظى بالغنى الغمر الحقير
كذا الأطواق يكساها حمام ... وتعطل حكمة منها الصقور
وله أيضا [٢] :
أهوى الخمول لكي أعيش مرفّها ... مما يعانيه بنو الأزمان
إن الرياح إذا عصفن رأيتها ... تولي الأذيّة شامخ الأغصان
وله [٣] :
بادر إلى العيش والأيام راقدة ... ولا تكن لصروف الدهر تنتظر
فالعمر كالكأس يبدو في أوائله ... صفوا وآخره في قعره كدر
وله:
ومسائلي ماذا المقام كذا ... فذا بلا مال ولا نشب
فأجبته هو ما علمت به ... أنا في عزاء مصيبة الأدب
стр. 1371
وله [١] :
قيل لي جاءك نجل ... ولد شهم وسيم
قلت عزّوه بفقدي ... ولد الشيخ يتيم
قال المؤلف: وكان ابن الدهان هذا مع ما أوتي من سعة العلم وشياع الذكر والفهم، سقيم الخطّ، كثير الغلط فيما يكتبه، وهذا عجب من أمره.
وقيل: إن ابن الدهان قال: رأيت في المنام شخصا أعرفه وهو ينشد شخصا كأنه حبيب له [٢] :
أيها الماطل ديني ... أمليّ وتماطل
علّل القلب فإني ... قانع منك بباطل
وقيل: إن هذين البيتين كان ابن الدهان ينشدهما دائما وينسبهما إلى نفسه.
وسألت أمين الدين ياقوت عن مصنفاته فأملى عليّ: كتاب شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي ثلاث وأربعون مجلدة. كتاب الغرة، وهو شرح اللمع في العربية لابن جني ثلاث مجلدات. كتاب تفسير القرآن أربع مجلدات. كتاب النهاية في العروض. كتاب الدروس مقدمة في النحو. كتاب الفصول في النحو. كتاب الدروس في القوافي والعروض. كتاب العقود في المقصور والممدود. كتاب المآخذ الكندية من المعاني الطائية، وهو ما أخذ المتنبي من أبي تمام. كتاب فيه شرح بيت واحد من شعر الملك الصالح ابن رزيك وزير صاحب مصر، عشرين كراسة، أرسله إليه إلى مصر إذ لم يقدر على قصده ومدحه. كتاب إزالة المراء في الغين والراء.
كتاب الغنية في الضاد والظاء. كتاب الأضداد. كتاب النكت والاشارات على ألسن الحيوانات. كتاب في شرح «قل هو الله أحد، مجلد. كتاب في شرح الفاتحة مجلد.
كتاب رسائله. وكتاب ديوان شعره [٣] .
ولما غرقت بغداد في سنة ثمان وستين وخمسمائة في أيام المستضيء بالله،
стр. 1372
وقعت داره على كتبه التي كان قد جمعها في مدة عمره، وكان أكثرها بخطه، فبلغه ذلك فوجّه مملوكه إلى بغداد فوجدها وقد بقيت تحت الهدم أياما كثيرة، وقد تعفّنت وذهب أكثرها، فقد كان من الاتفاق السيء في أمرها أنه كان في جواره مدبغة فسرى إليها روائح الجلود، فصارت آية في النتن وسوء الحال، وجاءوا بها على تلك الصفة. وكان فيما ذهب منها شرح الإيضاح، ولم يبق منه إلا ست عشرة مجلدة لأنها كانت صحبته لما أصعد، وقال: لقد بخّرت كتبي بأربعين رطلا لاذنا لتزول منها روائح العفونة فلم تزل، وأصيب على كتبه مصابا عظيما، وعالجها بالبخرات حتى كان سببا لذهاب بصره، فما مات حتى أضر.
ومن شعره:
لا تحسبن أنّ بالكت ... ب مثلنا ستصير
فللدجاجة ريش ... لكنّها لا تطير
وقال:
وأخ رخصت عليه حتى ملّني ... والشيء مملول إذا ما يرخص
ما في زمانك من يعزّ وجوده ... إن رمته إلا صديق مخلص
- ٥٤٤-
سعيد بن محمد بن جريج أبو عقال القيرواني:
الكاتب الأديب، كاتب القاضي سليمان بن عمران قاضي افريقية [١] ، مات سنة تسع وسبعين ومائتين، ومن شعره أبيات رثى بها القاضي سليمان المذكور قال:
عجبا لموضع لحده في قبره ... للعلم والعرفان كيف توسعا
стр. 1373
رجع الخصوم
وخلّفوا علم الهدى ... في باب سلم لا يزال ممتعا
أتت المنية من تلبّب قاضيا ... خمسين عاما واثنتين وأربعا
- ٥٤٥-
سعيد بن محمد الغساني أبو عثمان المعروف بابن الحداد القيرواني:
[كان] عالما بالعربية واللغة، وكان الجدل غالبا عليه، مات في سنة أربعمائة شهيدا في بعض الوقائع. وكان له في أول دخول الشيعة إلى القيروان مقامات محمودة ناضل فيها عن الدين وذبّ عن السنن حتى شبّهه الناس بأحمد بن حنبل أيام المحنة. وكان يناظرهم ويقول: قد أربيت على التسعين، وما بي إلى العيش من حاجة، وذلك أنهم لما ملكوا البلد أظهروا تبديل الشرائع والسنن وبدروا إلى رجلين من أصحاب سحنون قتلوهما وعرّوا أجسادهما ونودي عليهما: هذا جزاء من ذهب مذهب مالك.
وله من الكتب: كتاب توضيح المشكل في القرآن. كتاب المقالات ردّ فيه على المذاهب جميعها. كتاب الاستيعاب. كتاب الأمالي. كتاب عصمة الأنبياء [١] .
كتاب العبادة الكبرى. كتاب العبادة الصغرى. كتاب الاستواء والاحتجاج على الملاحدة.
- ٥٤٦-
سعيد بن محمد بن علي بن محمد السلامي القرشي الكوفي:
[كان] أديبا فاضلا حسن الخط، جيد الضبط.
стр. 1374
- ٥٤٧-
سعيد بن محمد المعافري أبو عثمان القرطبي
يعرف بابن الحداد: أخذ عن أبي بكر ابن القوطية.
- ٥٤٨-
سعيد بن مسعدة أبو الحسن المعروف بالأخفش
الأوسط البصري، مولى بني مجاشع بن دارم- بطن من تميم: وقيل إنه كان من أهل بلخ، وكان أجلع والأجلع الذي لا تنطبق شفتاه وقيل الأجلع: القصير الشفة العليا، وكان معتزليا، غلام أبي شمر وعلى مذهبه. أحد أئمة النحاة من البصريين، أخذ عن سيبويه، وهو أعلم من أخذ عنه، وكان أخذ عمن أخذ عنه سيبويه لأنه أسنّ منه ثم أخذ عن سيبويه أيضا، وهو الطريق إلى كتاب سيبويه فإنه لم يقرأ الكتاب على سيبويه أحد، ولم يقرأه سيبويه على أحد، وإنما قرىء على الأخفش بعد موت سيبويه. قال المبرد [١] : لم يقرأ أحد كتاب سيبويه على سيبويه وانما قرىء بعده على الأخفش. وكان الأخفش أسن من سيبويه. وكان ممن قرأه عليه أبو عمر صالح بن اسحاق الجرمي وأبو عثمان المازني.
وكان الأخفش يستحسن كتاب سيبويه كل الاستحسان فتوهم الجرميّ والمازني أن الأخفش قد همّ أن يدّعي الكتاب لنفسه فتشاورا في منع الأخفش من ادعائه، فقالا:
نقرأه عليه، فإذا قرأناه عليه أظهرناه وأشعنا أنه لسيبويه فلا يمكن أن يدعيه، فأرغبا الأخفش وبذلا له شيئا من المال على أن يقرآه عليه فأجاب، وشرعا في القراءة، وأخذا الكتاب عنه وأظهراه للناس. وكان الأخفش يقول: ما وضع سيبويه في كتابه
стр. 1375
شيئا إلا وعرضه علي وهو يرى أني أعلم منه وكان أعلم به مني، وأنا اليوم أعلم به منه.
وحكى ثعلب أن الفراء دخل على سعيد بن سلم فقال: قد جاءكم سيد أهل اللغة وسيد أهل العربية، فقال الفراء: أما ما دام الأخفش يعيش فلا.
وحكى الأخفش قال: لما ناظر سيبويه الكسائي ورجع وجّه إليّ فعرّفني خبره معه ومع البغداديين وودعني ومضى إلى الأهواز، فرددت؛ جلست في سميرية حتى وردت بغداد فوافيت مسجد الكسائي، فصليت خلفه الغداة، فلما انفتل من صلاته وقعد في محرابه وبين يديه الفراء والأحمر وابن سعدان سلمت وسألته عن مائة مسألة، فأجاب بجوابات خطأته في جميعها، فأراد أصحابه الوثوب عليّ فمنعهم، ولم يقطعني ما رأيتهم عليه عما كنت فيه، فلما فرغت من المسائل قال لي الكسائي بالله أنت أبو الحسن سعيد بن مسعدة؟ قلت: نعم، فقام إليّ وعانقني وأجلسني إلى جنبه، ثم قال: لي أولاد أحبّ أن يتأدبوا بك ويتخرجوا على يديك وتكون معي غير مفارق لي، فأجبته إلى ذلك، فلما اتصلت الأيام بالاجتماع سألني أن أؤلف له كتابا في معاني القرآن فألفته [١] ، فجعله إماما له وعمل عليه كتابا في المعاني، وعمل الفراء كتابه في المعاني عليهما، وقرأ عليّ كتاب سيبويه سرا ووهب لي سبعين دينارا.
قال أبو حاتم [٢] : أخذ الأخفش كتاب أبي عبيدة في القرآن فأسقط شيئا وزاد شيئا، وجعله لنفسه، وقال: الكتاب لمن أصلحه، وليس الكتاب لمن أفسده.
سأل المؤرّج سعيد بن مسعدة عن قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ
ما العلة في سقوط الياء منه، وإنما تسقط عند الجزم؟ فقال: لا أجيبك ما لم تبت على باب داري مدة. قال: فبتّ على باب داره مدّة، ثم سألته، فقال: اعلم أن هذا مصروف على جهته، وكل ما كان مصروفا على جهته فإن العرب تبخس حظه من الإعراب نحو قوله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
أسقط الهاء لأنها مصروفة من فاعلة إلى فعيل. قلت:
وكيف صرفه؟ قال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه.
قيل: أدّب الأخفش أولاد المعدل بن غيلان العبدي فكتب الأخفش إلى
стр. 1376
المعدل: يستجفي ابنه عبد الله:
أبلغ أبا عمرو حليف الندى ... بأن عبد الله لي جافي
قد أحكم الآداب طرّا فما ... يجهل شيئا غير ألطافي
لم تند من كفيه لي قطرة ... وليس ذا منه بإنصاف
فكتب إليه المعدل:
إن يجف عبد الله أو يعتدي ... يكفك إنصافي وألطافي
فأجابه الأخفش:
ما بعد إنصافك لي غاية ... وبعض إنصافك لي كاف
وكان أبو العباس ثعلب يفضل الأخفش ويقول: هو أوسع الناس علما. وقال المبرد: أحفظ من أخذ عن سيبويه الأخفش ثم الناشىء ثم قطرب. وكان الأخفش أعلم الناس بالكلام وأحذقهم بالجدل. توفي سنة خمس عشرة ومائتين وقيل سنة إحدى وعشرين.
وله من التصانيف: كتاب الأربعة. كتاب الاشتقاق. كتاب الأصوات. كتاب الأوسط في النحو. كتاب تفسير معاني القرآن. كتاب صفات الغنم وألوانها وعلاجها وأسبابها. كتاب العروض. كتاب القوافي [١] . كتاب المسائل الكبير. كتاب المسائل الصغير. كتاب معاني الشعر. كتاب المقاييس. كتاب الملوك. كتاب وقف التمام.
ووضع الأخفش كتبا في النحو ومات قبل اتمامها.
- ٥٤٩-
سعيد بن هارون، أبو عثمان الاشنانداني
مولى عبد الله بن معمر التيمي:
كان نحويا لغويا من أئمة اللغة، أخذ عن أبي محمد التّوزي، وأخذ عنه أبو بكر ابن
стр. 1377
دريد. قال ابن دريد: سألت أبا حاتم السجستاني عن اشتقاق ثادق اسم فرس فقال:
لا أدري، وسألت الرياشي فقال: يا معشر الصبيان إنكم تتعمقون بالعلم، وقال:
سألت أبا عثمان الاشنانداني فقال هو من ثدق المطر من السحاب إذا خرج خروجا سريعا نحو الودق.
وحكى ابن دريد أيضا قال: سألت أبا حاتم السجستاني عن قول الشاعر:
وجفر الفحل فأضحى قد هجف ... واصفرّ ما اخضرّ من البقل وجف
فقلت: ما هجف؟ فقال: لا أدري، فسألت الاشنانداني فقال: هجف اذا التحقت خاصرتاه من التعب وغيره.
وله من التصانيف: كتاب معاني الشعر يرويه عنه ابن دريد [١] . وكتاب الأبيات [٢] ، وغير ذلك. مات سنة ثمان وثمانين ومائتين. والاشنانداني نسبة إلى أشنان محلة ببغداد وزادوا الدال فيها كما زادوا الهاء في الأشنهي نسبة إلى أشنا.
- ٥٥٠-
سعيد بن هاشم بن سعيد
وينتهي نسبة إلى عبد القيس، أبو عثمان الخالدي البصري: كان [هو] وأخوه أبو بكر أديبي البصرة وشاعريها في وقتهما، وكان بينهما وبين السري الرفاء الموصلي ما يكون بين المتعاصرين من التغاير والتضاغن، فكان يدعي عليهما سرقة شعره وشعر غيره، ويدس شعرهما في ديوان كشاجم ليثبت مدّعاه كما بينا ذلك في ترجمة السري.
وقال ابن النديم: قال لي الخالدي وقد تعجبت من كثرة حفظه: أنا أحفظ ألف سفر، كل سفر مائة ورقة. وكان هو وأخوه مع ذلك إذا استحسنا شيئا غصباه صاحبه
стр. 1378
حيّا كان أو ميتا لا عجزا منهما عن قول الشعر ولكن كذا كان طبعهما؛ وكلام ابن النديم هذا فيه موافقة للسري الرفاء أو مجاراة له والله أعلم.
ثم قال ابن النديم: وقد عمل أبو عثمان شعره وشعر أخيه قبل موته، وله تصانيف منها حماسة شعر المحدثين وغير ذلك. توفي أبو عثمان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، ومن شعره [١] :
يا قضيبا يميس تحت هلال ... وهلالا يرنو بعيني غزال
منك يا شمسنا تعلمت الشم ... س دنوّ السنا وبعد المنال
وقال [٢] :
هتف الصبح بالدجى فاسقنيها ... قهوة تترك الحليم سفيها
لست تدري لرقة وصفاء ... هي في كأسها أم الكاس فيها
وقال [٣] :
بغداد قد صار خيرها شرّا ... صيّرها الله مثل سامرّا
اطلب وفتش واحرص فلست ترى ... في أهلها حرة ولا حرا
وقال [٤] :
فهاتها كالعروس قانية ال ... خدين في معجر من الحبب
كادت تكون الهواء في أرج ال ... عنبر لو لم تكن من العنب
فلو ترى الكأس حين يمزجها ... رأيت شيئا من أعجب العجب
نار حواها الزجاج يلهبها ال ... ماء ودرّ يدور في لهب
وقال [٥] :
يا راقدا عاريا من ثوب أسقامي ... هب الرقاد لعين جفنها دامي
لا خلّص الله قلبي من يدي رشأ ... رؤيا رجائي له أضغاث أحلام
стр. 1379
وقال [١] :
أما ترى الغيم يا من قلبه قاسي ... كأنه أنا مقياسا بمقياس
قطر كدمعي وبرق مثل نار جوى ... في القلب مني وريح مثل أنفاسي
- ٥٥٠ ب-
سعيد بن هريم الكاتب:
كان شريك سهل بن هارون في بيت حكمة المأمون. كان بليغا فصيحا مترسلا. له كتاب الحكمة ومنافعها. كتاب رسائله المجموعة.
- ٥٥١-
سكن بن سعيد الأندلسي:
له كتاب في طبقات الكتاب بالأندلس.
- ٥٥٢-
أبو سفيان بن العلاء:
أخو أبي عمرو، مات أبو سفيان في سنة خمس وستين ومائة بعد أخيه، وقيل إن اسمه الحارث.
- ٥٥٣-
سلامة بن عبد الباقي بن سلامة
أبو الخير الانباري المقرىء النحوي الضرير:
كان عالما بالقراءات والعربية وفنون الأدب، قرأ على ابن طاوس المقرىء، وحدث عنه بجزء هلال الحفار عن طراد الزينبي عن هلال، ثم رحل إلى مصر وسكن بها وتصدّر بجامع عمرو بن العاص يقرىء القرآن والنحو. وله مصنفات منها شرح على
стр. 1380
مقامات الحريري. ولد سنة ثلاث وخمسمائة ومات بمصر في ذي الحجة سنة تسعين وخمسمائة.
- ٥٥٤-
سلامة بن غيّاض بن أحمد أبو الخير الكفرطابي النحوي:
كان عالما حاذقا بصيرا بعلوم الأدب، صحيح الكتب جيد الحفظ، ذكره صاحبنا ابن النجار في «تاريخه» فقال: قدم بغداد سنة ست وعشرين وخمسمائة، وكتب عنه أبو محمد ابن الخشاب، وقرأ الأدب بمصر على أبي القاسم علي بن جعفر بن القطاع السعدي المصري. وله مصنفات في النحو منها التذكرة عشر مجلدات. وكتاب في النحو لطيف. وكتاب ما تلحن فيه العامة في زمانه. والرسالة الأدبية في الحض على تعليم العربية. مات سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ومن شعره:
اقنع لنفسك فالقناعة ملبس ... لا يطمع الاشرار في تخريقه
فلربّ مغرور غدا تغريقه ... في حرصه سببا إلى تغريقه
قرأت [١] بخط الشيخ أبي محمد ابن الخشاب: حكى لي سلامة بن غياض الكفرطابي عفا الله عنا وعنه، وكان ممن ينسب إلى الصناعة النحوية أنه سأل صبية من العرب، وقد احتاج إلى خيط يخيط به شيئا فقال لها: أعطني خويطا، فجاءته بغصن صغير من شجرة. فقال: ما هذا؟ فقالت: ما طلبت. فقال: إنما أردت خيطا.
قالت: فهلا قلت خييطا؟ وصدقت: الخويط تصغير خوط، وهو الغصن، والخييط تصغير الخيط.
стр. 1381
- ٥٥٥-
سلامة بن محمد النحوي الحلبي:
له أشعار منها:
أراني في انتقاص كلّ يوم ... ولا يبقى على النقصان شي
طوى العصران ما نشراه مني ... فكم أبقى على نشر وطي
علامات الفناء تحت جسمي ... وحرص ثابت في الجسم حي [١]
- ٥٥٦-
سلمان بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله بن أبي طالب الحلواني النهرواني:
قال صاحبنا ابن النجار: قدم بغداد وقرأ بها النحو على الثمانيني، واللغة على ابن الدهان وغيره، وبرع في النحو، وكان إماما فيه وفي اللغة، وسمع الحديث من القاضي أبي الطيب الطبري وغيره، وجال في العراق ونشر بها النحو، واستوطن أصبهان، وروى عنه السلفي.
وصنف تفسير القرآن. وكتابا في القراءات. والقانون في اللغة عشر مجلدات لم يصنف مثله. وشرح الإيضاح لأبي علي الفارسي. وشرح ديوان المتنبي.
والأمالي، وغير ذلك. مات في ثاني عشر صفر سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة وقيل أربع وتسعين وأربعمائة، ومن شعره:
стр. 1382
إن خانك الدهر فكن عائذا ... بالبيض والادلاج والعيس
ولا تكن عبد المنى إنها ... رؤوس أموال المفاليس
وقال:
تقول بنيّتي أبتي تقنّع ... ولا تطمح إلى الأطماع تعتد
ورض باليأس نفسك فهو أخرى ... وأزين في الورى وعليك أعود
فلو كنت الخليل وسيبويه ... أو الفرّاء أو كنت المبرّد
لما ساويت في حيّ رغيفا ... ولا تبتاع بالماء المبرّد
- ٥٥٧-
سلم بن عمرو بن حماد مولى بني تيم بن مرّة:
شاعر مطبوع من شعراء الدولة العباسية، كان منقطعا إلى البرامكة، وكان يلقب بالخاسر لأن أباه خلّف له مالا فأنفقه على الأدب، فقال له بعض أهله: إنك لخاسر الصفقة فلقّب بذلك؛ ثم مدح الرشيد فأمر له بمائة ألف درهم وقال له: كذّب بهذا المال من لقّبك بالخاسر، فجاءهم بها وقال: هذا ما أنفقته على الأدب ثم ربحت الأدب فأنا سلم الرابح لا سلم الخاسر.
وقيل في تلقيبه بهذا غير ما ذكر [١] .
وكان سلم تلميذا لبشار بن برد وصديقا لأبي العتاهية، فلما قال بشار قصيدته التي يقول فيها:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج
فقال سلم أبياتا أدخل فيها معنى هذا البيت فقال:
من راقب الناس مات غمّا ... وفاز باللذة الجسور
стр. 1383
فبلغ بيته بشارا فغضب وقال: سار والله بيت سلم وخمل بيتنا، وكان الأمر كذلك، لهج الناس ببيت سلم ولم ينشد بيت بشار أحد، فكان ذلك سببا للنفور بينهما، فكان سلم بعد ذلك يقدّم أبا العتاهية ويقول: هو أشعر الجنّ والانس، إلى أن قال أبو العتاهية يخاطب سلما [١] :
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذلّ الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تصير إليك عفوا ... أليس مصير ذلك للزوال
فلما بلغ ذلك سلما غضب على أبي العتاهية وقال: ويلي على الجرّار بن الفاعلة الزنديق، زعم أني حريص وقد كنز البدر وهو لا يزال يطلب وأنا في ثوبيّ هذين لا أملك غيرهما، ثم كتب إليه:
ما أقبح التزهيد من واعظ ... يزهّد الناس ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقا ... أضحى وأمسى بيته المسجد
ورفض الدنيا ولم يلقها ... ولم يكن يسعى ويسترفد
يخاف أن تنفد أرزاقه ... والرزق عند الله لا ينفد
الرزق مقسوم على من ترى ... يناله الأبيض والأسود
كلّ يوفّى رزقه كاملا ... من كفّ عن جهد ومن يجهد
وذكر من اقتدار سلم الخاسر على الشعر أنه اخترع شعرا على حرف واحد ولم يسبق إلى مثل ذلك لأن أقل شعر العرب على حرفين نحو قول دريد بن الصمة:
يا ليتني فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع
فقال سلم الخاسر لأمير المؤمنين موسى الهادي شعرا على ضرب واحد منه:
موسى المطر ... غيث بكر
ثم انهمر ... لمّا اغتفر
ثم غفر ... لما قدر
ثم اقتصر ... عدل السّير
стр. 1384
باقي الأثر ... خير البشر
فرع مضر ... بدر بدر
لمن نظر ... هو الوزر
لمن حضر ... والمفتخر
ولما بويع الهادي بالخلافة وهو بجرجان دخل عليه سلم الخاسر وأنشده:
لما أتت خير بني هاشم ... خلافة الله بجرجان
شمّر للحزم سرابيله ... برأي لا غمر ولا وان
لم يدخل الشورى على رأيه ... والحزم لا يمضيه رأيان
وقال لهارون الرشيد حين ولي الخلافة:
بهارون قرّ الملك في مستقرّه ... وأشرقت الدنيا وأينع نورها
وليس لأيام المكارم غاية ... تتمّ بها إلا وأنت أميرها
وقال في يحيى بن خالد بن برمك:
وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خال
وإذا وأى [١] لك موعدا ... كان الفعال مع المقال
لله درّك من فتى ... ما فيك من كرم الخلال
أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال
ولسلم شعر كثير أجاد في أكثره، وتوفي في خلافة الرشيد سنة ست وثمانين ومائة.
- ٥٥٨-
سلمويه بن صالح الليثي:
هو من رواة الأخبار والأنساب، له كتاب الدولة.
стр. 1385
- ٥٥٩-
سلمة بن عاصم أبو محمد النحوي:
أخذ عن أبي زكريا يحيى الفرّاء، وروى عنه كتبه، وأخذ عن خلف الأحمر وسمع منه «كتاب العدد» ، وأخذ عن سلمة أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وكان يقول: كان سلمة حافظا لتأدية ما في الكتب، والطوال حاذقا بالعربية، وابن قادم [١] حسن النظر في العلل. ولسلمة من التصانيف:
كتاب معاني القرآن. وكتاب المسلوك في العربية. وكتاب غريب الحديث، وغير ذلك.
- ٥٦٠-
سلمة بن عباس العامري أبو حفص
مولى بني حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن النضر بن كنانة: أحد العلماء النبلاء الرواة الفهماء، كان كأنه أبو عمرو بن العلاء في علمه وملاقاته الناس، يكنى أبا حفص. ولقي الفرزدق، وكان يصاحب أبا حية النميري. أخذ العلم عن ابن أبي اسحاق الحضرمي، وكان صالحا ديّنا شاعرا مجيدا، مات سنة ثمان وستين ومائة في خلافة المهدي. فمن شعره يرثي بعض خلانه، وقيل هو أبو سفيان بن العلاء أخو أبي عمرو:
صحبت أبا سفيان عشرين حجة ... خليلي صفاء ودنا غير كاذب
فأمسيت لما حالت الأرض بيننا ... على قربه مني كأن لم أصاحب
أجدك ما تغني كلوم مصيبة ... على صاحب إلا فجعت بصاحب
تقطع أحشائي إذا ما ذكرتهم ... وتنهلّ عيني بالدموع السواكب
стр. 1386
- ٥٦١-
سلمة بن عبد الله أبو بكر الهذلي:
كان عالما بأيام العرب وسيرها وأحد أصحاب الحديث، وكان قد لقي الزهري والحسن البصري ومحمد بن سيرين، وكان بصريا مات في سنة تسع وخمسين ومائة.
- ٥٦٢-
سليمان بن أيوب بن محمد، أبو أيوب المديني:
من ظرفاء أهل المدينة المنورة، كان أديبا أخباريا فاضلا ذا غرام بالغناء وأخبار المغنين. ذكره ابن النديم وقال: له من المصنفات: أخبار عزة الميلاء. كتاب أخبار ابن مسجح. طبقات المغنين. كتاب الغنم والايقاع. كتاب المنادمين. كتاب الاتفاق. كتاب أخبار قيان الحجاز. كتاب قيان مكة. كتاب أخبار ظرفاء المدينة. كتاب أخبار ابن عائشة.
كتاب أخبار حنين الحيري. كتاب أخبار ابن أبي عتيق. كتاب أخبار الغريض. كتاب أخبار ابن سريج.
- ٥٦٣-
سليمان بن بنين بن خلف بن عوض
تقي الدين الدقيقي المصري النحوي الأديب الفرضي العروضي العلامة: اجتمعت به في عدة مجالس بحضرة القاضي الاكرم، وأجازني برواية مصنفاته وهي: الأحكام الشوافي في إحكام القوافي. أخلاق الكرام وأخلاق اللئام. أعذب العمل في شرح أبيات الجمل. الأفلاك السوائر في انفكاك الدوائر. الأقوال العربية في الأمثال النبوية. آلات الجهاد وأدوات الصافنات
стр. 1387
الجياد. تحبير الأفكار في تحرير الأشعار. الاعجاز والايعاز في المعاني والألغاز.
البسط في أحكام الخط. بذل الاستطاعة في الكرم والشجاعة. أنوار الأزهار في معاني الأشعار. استنجاز المحامد في انجاز المواعد. اتفاق المباني وافتراق المعاني. التنبيه على الفرق والتشبيه. الحلّ [١] الكافي في خلل القوافي. الدرّة الأدبية في نصرة العربية. الدّيم الوابليّة في الشيم العادلية. الدرر الفردية في الغرر الطردية. دلائل الأفكار [٢] في فضائل الأشعار. الروض الأريض في أوزان القريض.
سلوان الجلد عند فقدان الولد. الشامل في فضائل الكامل. فرائد الآداب وقواعد الاعراب. فضائل البذل مع العسر ورذائل البخل مع اليسر. عنوان السلوان. كمال المزية في احتمال الرزية. الكواكب الدّرّية في المناقب الصدرية. لباب الألباب في شرح الكتاب (كتاب سيبويه) . منتهى الأدب في منتهى [٣] كلام العرب. محض النصائح ومخض القرائح. معادن التبر في محاسن الشعر. مكارم الأخلاق وطيب الأعراق. الوافي في علم القوافي. الوضاح في شرح أبيات الايضاح.
توفي تقي الدين الدقيقي بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة [٤] .
- ٥٦٤-
سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث
القاضي أبو الوليد الباجي، الفقيه المتكلم المحدث المفسر الأديب الشاعر: أصل آبائه من بطليوس، انتقلوا إلى
стр. 1388
باجة- باجة الأندلس، وثم باجة أخرى بافريقية وأخرى بأصبهان. ولد أبو الوليد سنة ثلاث وأربعمائة، وأخذ بالأندلس عن أبي الاصبغ ومحمد بن إسماعيل وأبي محمد مكي بن حموش وأبي شاكر [١] وغيرهم، ورحل سنة ست وعشرين وأربعمائة إلى المشرق، فأقام في الحجاز مجاورا ثلاثة أعوام ملازما للحافظ أبي ذر المحدث يخدمه ويسمع منه، وحج أربع حجج، وسمع هناك من ابن سنجويه وابن محرز والمطوعي، ورحل إلى بغداد فأخذ فيها عن أبي الطيب الطبري وأبي إسحاق الشيرازي والدامغاني وابن عمروس، وأخذ عن الخطيب البغدادي وأخذ الخطيب عنه. ورحل إلى الشام فأخذ فيها عن السمسار، ودخل الموصل فأخذ بها علم الكلام عن السمناني، ثم رجع إلى الأندلس فحاز الرياسة فيها، وسمع منه خلق كثير منهم: الحافظان الصدفي والجياني، والمعافري والسبتي والمرسي وغيرهم، وولي القضاء بمواضع من الأندلس.
وله مصنفات منها: الاستيفاء شرح الموطأ. والمنتقى مختصر الاستيفاء.
والايماء مختصر المنتقى. والسراج في ترتيب الحجاج. والتعديل والتجريح لمن خرّج عنه البخاري في الصحيح. وإحكام الفصول في أحكام الأصول. والتسديد إلى معرفة التوحيد. والمعاني في شرح الموطأ، عشرون مجلدا. وكتاب اختلاف الموطآت.
وتفسير القرآن. والمقتبس من علم مالك بن أنس. والمهذب في اختصار المدونة.
وكتاب مسائل الخلاف. والحدود في الأصول. والاشارة في الأصول. وكتاب فرق الفقهاء. وكتاب الناسخ والمنسوخ. وكتاب السنن في الرقائق والزهد. وكتاب النصيحة لولده، وغير ذلك. مات بالمرية سنة أربع وتسعين وأربعمائة، ومن شعره [٢] :
ما طال عهدي بالديار وانما ... أنسى معاهدها أسى وتبلّد
لو كنت أنبأت الديار صبابتي ... رقّ الصفا بفنائها والجلمد
وله في المعتضد بالله عباد [٣] :
стр. 1389
عباد استعبد البرايا ... بأنعم فاقت النعائم
مديحه ضمن كلّ قلب ... حتى تغنّت به الحمائم
وقال [١] :
إذا كنت أعلم علم اليقين ... بأنّ جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينا بها ... فأجعلها في صلاح وطاعه
وقال:
ليس عندي شخص النوى بعظيم ... فيه غمّ وفيه كشف غموم
ان فيه اعتناقة لوداع ... وانتظار اعتناقة لقدوم
وقال يرثي ولديه وقد ماتا غريبين [٢] :
رعى الله قبرين استكانا ببلدة ... هما أسكناها في السواد من القلب
لئن غيّبا عن ناظري وتبوّآ ... فؤادي لقد زاد التباعد في القرب
يقرّ بعيني أن أزور ثراهما ... وألصق مكنون الترائب بالترب
وأبكي وأبكي ساكنيها لعلّني ... سأنجد من صحب وأسعد من سحب
ولا استعذبت عيناي بعدهما كرى ... ولا ظمئت نفسي إلى البارد العذب
أحنّ ويثني اليأس نفسي عن الأسى ... كما اضطر محمول على المركب الصعب
- ٥٦٥-
سليمان بن صالح النحوي الكتبي أبو صالح:
أحد أصحاب السير والأخبار الأتقياء. له كتاب فتوح خراسان وهو كتاب الدولة.
стр. 1390
- ٥٦٦-
سليمان بن أبي شيخ، واسم أبي شيخ منصور بن سليمان أبو أيوب:
أخباري راوية لقي جلة الناس، مات سنة ست وأربعين ومائتين. له كتاب الأخبار المجموعة.
- ٥٦٧-
سليمان بن أبي طالب عبد الله بن الفتى الحلواني النهرواني
أبو عبد الله، والد الحسن بن سليمان الفقيه المدرس بالنظامية. له حظ من العربية وافر وآداب تامة. مات بأصبهان سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وأكثر أئمة أصبهان وفضلائها قرأوا عليه الأدب. سمع ببغداد أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري وغيره.
وأمّا الفتى أوله فاء مفتوحة بعدها تاء معجمة فهو أبو عبد الله سليمان بن عبد الله يعرف بابن الفتى من أهل النهروان. دخل بغداد سنة ثلاثين وأربعمائة فتشاغل بالأدب فقرأ على أبي الخطاب الجبلي والثمانيني وغيرهما، فمن شعره [١] :
يا ظبية حلّت بباب الطاق ... بيني وبينك أوكد الميثاق
فوحقّ أيام الحمى ووصالنا ... قسما بها وبنعمة الخلاق
ما مرّ من يوم ولا من ليلة ... إلا إليك تجددت أشواقي
سقيا لأيام جنى لي طيبها ... ورد الخدود ونرجس الأحداق
فإذا أضرّت بي عقارب صدغها ... كانت مراشف ريقها ترياقي
стр. 1391
وأنشد الأديب [ابن] الفتى لنفسه [١] :
تذلّل لمن إن تذلّلت له ... يرى ذاك للفضل [٢] لا للبله
وجانب صداقة من لا يزال ... على الأصدقاء يرى الفضل له
وأنشد ابن الفتى لغيره:
لا تحقرن فاضلا وإن قصرت ... آلته عن عيون رامقه
فالمسك بينا تراه ممتهنا ... في فهر عطاره وساحقه
حتى تراه بعارضي ملك ... أو موضع التاج من مفارقه
وكان ابنه الحسن بن سليمان بن عبد الله بن الفتى فقيها عالما، سكن بغداد، وفوّض إليه التدريس بالمدرسة النظامية. وكان عالما فاضلا يعظ في الأحايين. له معرفة تامة بالنحو واللغة، وينشىء الخطب والشعر. مات في شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة، ودفن بجنب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي بباب أبرز.
وكان لابن الفتى هذا ابن آخر يقال له أبو الحسن علي، كان أديبا فاضلا، وبالأديب كان يخاطب، وكان وجيها بالريّ إما وزيرا لبعض أمراء السلجوقية أو شبيها بالوزير، مدحه أبو يعلى ابن الهبارية عند وروده إلى الري فلم يحمده فكتب إلى بعض أصدقائه وساءله في ذمّه فأبى.
وأما الرسالة التي كتبها إلى ابن أبي الفتى فهي: للأسماع- أطال الله بقاء الشيخ الأديب، العالم اللبيب، الكامل الأريب، الفاضل الحسيب، غرة الدهر البهيم، وواسطة العقد النظيم، وجامع عناديد الشرف وأشتاته، ومحيي رسم الأدب ورفاته:
الألمعيّ اللوذعيّ ... الأريحيّ أبي الحسن
ربّ السماحة والرجا ... حة والفصاحة واللسن
منها: وقد كنت أيام تشريفه بأصبهان، بمقدمه السعيد ومقامه المديد، أجتهد
стр. 1392
في لقائه كلّ الاجتهاد، وأعتد بخدمته غاية الاعتداد، ولم أجد طريقا إلى ذلك إلا بحسن سفارة السيد الوالد، الإمام الماجد، بقية المشايخ والصدور، ومالك أزمة المنظوم والمنثور، علم العلم والأدب، وطود الحلم والحسب، أبي الأدباء، وموئل الغرباء، الذي دقّ فكره، وجلّ قدره:
سلمان أوحد عصره ... وزمانه في كلّ فن
شيخ العلوم وكعبة ... للفضل يقصدها الفطن
فيعتذر أنه حرسه الله مشغول بأمور مهمّة، وحوادث ملمة، ولما نزلنا الريّ أيقنت بالريّ من رؤيته، والتعاطي من بديهته العدّ ورويّته، ووثقت بالظفر بخدمته، فكنت الوامق الخجل لأنني ترددت إلى أن ملّني بواب دار الوزارة، وشكاني دهليز دار الإمارة، والحجاب كثيف، والحاجب عنيف:
لكن غرامي بالأدي ... ب أباح لي خلع الرسن
فكتبت منبسطا لأظ ... هر من غرامي ما بطن
يا سيّد الأدباء قل ... ب الصبّ عندك مرتهن
قلت: فهذا من هذه الرسالة يدل على أنه كان أديبا ذا مكانة من السلطان، وتمكّن من علوّ القدر والشان.
فلما لم يحمد ما كان منه، كتب إلى الفقيه أبي بكر محمد بن الشافعي المعروف بالعيثوري: لو وجدت إلى لقاء الشيخ الفقيه، أطال الله بقاءه ما اهتزّ غصن كعطفه، وجاد سحاب ككفّه، وتبلّج صبح كبشره، وتأرّج روض كذكره، وزخر بحر كعلمه، وشمخ طود كحلمه، ونفذ قدر كعزمه؛ بل أطال الله بقاءه ما قام أير واسبطرّ، واختلج بظر فاقشعر، وتجهّم عيش أديب فاكفهر، واطرد القياس ببؤس الفاضل واستمر؛ بل أطال الله بقاءه لتبادل الصبيان في المكاتب والمعالم، وتساحق النسوان في المقابر والمآتم. بل أطال الله بقاءه ما قدحت زنود الأفراح بالأقداح، وعدل طريق إلى الفقاح عن الأحراح، واتهم كاتب بحامل دواته، وغلام بمولاه أو بمولاته؛ بل أطال الله بقاءه ما خاب أمل عند لئيم ساقط، وحبط عمل في سوق زنيم هابط؛ بل أطال بقاءه ما بذل لئيم فقحته، وكشخان زوجته، وصفعان هامته؛ وأري
стр. 1393
البخل كيسا وفطنة، ونسب السخاء خرقا وهجنة، وفديت الدراهم بالمحارم، والمائدة بالوالدة، والفلس بالعرس، سبيلا [١] لأخفيت القدم، وأعفيت القلم، ولكنت مليا بمحامده في كعبة فضائله حاجا إلى بابه، عاجلا بالاستئذان على حجّابه، فسقى الله [....] وكان الشريف البصري، وكان يجمع شملنا، ويصل حبلنا، ويضم أشتاتنا، ويعمّ بالاجتماع أوقاتنا، فنرتبع من مجلس الشيخ الفقيه في روض أريض، ونشفي بلقائه داء كلّ قلب مريض، ونتجارى في حلبات الفضل، فنتجاذب أطراف الجدّ من الحديث والهزل. وبعدا لهذه الأيام التي منعتنا مشاهدته، وحرمتنا مجاورته ومحاورته، وحجبته عنا، وأخذت له بانقطاعنا عنه فوق حقه منا.
وعلم الله أنني وصلت غرّة ذي الحجة إلى مدينة الري التي أقفر من المروءة جنابها، وصفرت من الفتوّة وطابها، وترأس أذنابها، وتذأب كلابها، ونسخ شرع الافضال في ربوعها، ومسخ كلّ من عرفناه من تابع أهلها ومتبوعها، وكان أول ما بدأت به السؤال عن أخباره، أجراها الله على إيثاره، والشيخ الإمام الحافظ بذلك شاهد، وليس في إقامة هذه الشهادة بواحد، فعرّفني من سلامته ما سكنت إليه نفسي، وشكرت الله عليه، ثم عدت إليها بعد الرحيل، ونزلت منها بربع محيل، فبلغني ما ساءني وأقلقني، وأزعجني وأرّقني، وجدّد سوء ظني بالزمان الجاهل، وأكد قبيح رأيي في الدهر الخامل، إلّا بما يسوء الأحرار، ويسرّ الأغمار، وما استبدعته من ذميم عادته، ولئيم جبلته، وقديم خرقه، وعظيم هوجه:
دفن ابن سلمان كان أولى ... لو وفّق الدهر للصواب
ودفن من يصطفيه أيضا ... من المخانيث والقحاب
لكنّ هذا الزمان كلب ... يفترس الأسد بالكلاب
وما تلك الحلية إلا من جملة الناس، ورب عار أحسن من كاس، وإذا تبلّجت الأرض فالروض يعود، وما دامت السماء فالشهب تطلع على الرسم المعهود. وسلب الحجل خير من قطع الرجل، وما هو إلا نصل جرّد من غمده، وجيد عطل من عقده، وغصن عرّي من ورقه، وورده على غير جريمة، ولا إتيان عظيمة ولا غشيان كريمة:
стр. 1394
ومن نال الكريمة مستعيرا ... لفرط تغافل الشيخان عنه
جدير والأمور إلى معاد ... وإن قطبت بحزّ الرأس منه
فذاك الذي منعني من الحضور، ومواصلة الرواح بالبكور. ولما قيل قد فتح الباب، ورفع الحجاب، واجتمع الإخوان والأصحاب، وقعت هذه الواقعة التي أرغب إلى الله في صرفها، وقشع سحب غمامها وكشفها، وأزف انصرافي، وقصر الليل علي تحت زفافي، فحررت هذه السطور مع كثرة الموانع، وغلبة الصوارف والدوافع، والله تعالى يديم له النعمة الصافية، والمنحة الوافية، ويكفيه المحذور، ويسخّر له الأمور، ويجري المقدار على إرادته، ويحيل لأجله الفلك الأحمق عن عادته. وبعد ذلك فبلغني حرس الله نعمته أنه أنكر قديم مودتي، وسأل عني بعد طول صحبتي، سؤال متعرّف لأمري و [] حبرته من شعري، وذلك عند إطرائه شيخ الظّراف، وإمام اللطاف ابن حجاج. وأين الجدول من البحر، والكوكب من الفجر، والبعرة من الدرّة، والعرة من الغرّة، والعانة من الطرّة، والسّرم من السّرّة، والسّحنة من القرة، والحلوة من المرة، والأمة من الحرّة:
كان ابن حجاج في زمان ... ينطق من ظرفه الجماد
كل وليّ له بقول ... سمح وموجوده جواد
طبّ بداء القريض يعنى ... من كل أمر بها يراد
كابن عباد وابن العميد، والمهلبي والمجيد، وبني حمدان في إمارتهم، وآل المقتدر أيام خلافتهم، وعضد الدولة وعزها، وبني ركنها ومعزها، وغير هؤلاء من كبار القواد وأعيان الأمر الذين لو تعاطوا مساجلته لفضلوه، أو ادّعوا مناضلته لنضلوه، أو جاروه في حلبة الجد والهزل في العلم والفضل لشآه راجلهم ولسبقه، ونتف سباله وحلقه:
عبيدك القن في زمان ... بالجهل قد أخرس الشقاشق
بين كلاب بلا عقول ... ما فيهم واحد موافق
عمي عن المكرمات صمّ ... تعوقهم دونها العوائق
من كلّ تيس جهم المحيّا ... فجّ حديث العلا منافق
стр. 1395
همّته في الحضيض لؤما ... وفرقه في السماك باسق
قد كسد الجهل في رباها ... جهلا لأن النفاق نافق
فكل بيت أجيد فيه ... يشهد أني بالشعر حاذق
فاستكثر الدرّ من كلامي ... فالعذر فيما ذكرت صادق
وكفاني محرسا، وحسبي مقحما ومؤنسا، أنني دخلت فكان ممدوحي ومقصودي من أهلها، ومعتمدي من أغيانها:
عليّ بن سلمان الأديب ومن يكن ... علي بن سلمان الأديب عتاده
فقد خاب مما يرتجيه وحرّمت ... عليه الليالي أن ينال مراده
فأولاني آلا، وأعاد ألفى دالا، وقراني عرضه المبذول، وكذبه المملول:
ولست براتع في عرض كلب ... وبئس الزاد أعراض الكلاب
فإن غرّت بشاشته مديحي ... فكم قد عاد صاد بالشراب
وما هان الهجاء عليّ حتى ... أدنّسه بأزواج القحاب
وأولاد الوزير وأنت أدرى ... سواسية كأسنان الدواب
فما عرفوا جميعهم بعرف ... ولا وصفوا بأفعال الصواب
ولا حفظوا للؤمهم ذماما ... ولا طبعوا على رعي الصحاب
فكيف وأنت أفطن للمعاني ... رعى منصورهم حق الغراب
ثم ذكر قوما لا حاجة لنا بذكرهم ولا أعرفهم. ثمّ رجعنا إلى حديث الكلبي بغير ياء، والاشتغال بذكره أولى، وتقطيع عرضه أحلى وأحرى. ومن أين للمسلمين عرض فيمزق، أو مجد فيهدّم، أو حسب فيوصم، ولكن ذم الزمان الذي قدم مثله وسوّده، وأباح جهله وروّجه:
كلّ يوم يأتي الزمان غريبا ... وبديعا من الفعال عجيبا
وقع السفلة ابن سلمان [ ... ] ... ومن الظلم أن يسمى أديبا
أي معنى فيه سوى الجهل والخر ... ق فيلفى إلى الأمير حبيبا
ناسب الدهر في الحماقة والخسّ ... ة فالدهر منه يدعى نسيبا
стр. 1396
ولقد عرفنا أباه، سلمه الله، بريا من هذه البظرمة، عريّا من هذه العجرفة، سليم الصدر، نقي الجيب، ليّن الجانب، حلو الحركة، دمث التفصيل، لا يتعدىّ طوره، ولا يتجاوز حده:
يعلم أولاد الوزير ففخره ... إذا تاه فخرا أن يقال معلّم
فما بال هذا الجرو لادرّ درّه ... على نقصه مستأسدا يتبظرم
ومن أين وافته الوزارة فاغتدى ... بخسّته في عصرها يتحكّم
وهب أن منصورا دعاه بجهله ... وزير دعاء بالعظائم يرجم
أصار وزيرا أو يجوز لمثله ... يتيه على الأكفاء أو يتقدم
ولولا أن الري مسخت وأهلها، ونسخت وأعيانها، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
، وقيل لهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ*
(البقرة: ٦١) لما تصدر المعلّم في دسوتها، ولا ترأس في ملكها وملكوتها، وجمع بين ناسوت الرياسة ولا هوتها، ولا تحكم في أهلها، ولا تكلم في مجالسها، ولكان بحيث أنزل الله المعلمين، وجعل المؤدبين، أو أنه يرجع إلى مسكة من عقل، أو يعتصم بيسير من لبّ وحزم، أو يتعلق بقليل من تمييز، أو يعود إلى نزر من تحصيل، يعرف محله، ويلتزم حدّه، ولم يتعدّ طوره:
ولكن المعلم ذقن سرم ... خفيف الرأس ليس له دماغ
وقد دبغت رؤوسهم فأضحت ... نواشف قد تحيّفها الدباغ
وما إن كان فيها قط شيء ... فكيف تقول أدركها الفراغ
فما لعلوّ مثلهم مجار ... ولا لنفاق مثلهم مساغ
وقد صنعوا من الحمق المنقّى ... ففيهم كلّ فاحشة تصاغ
هذا، على أنه نشأ في الفقر والفاقة، وربي في البؤس والإضاقة، وولد في الهجرة، وقطعت سرّته في المصاطب، وكدّي عليه في المساجد، فإن شيخنا أباه- أبقاه الله- امتحن بالغربة في الرساتيق، وباع الشعر بالقراريط لا الدوانيق. وكانت
стр. 1397
معه والدة هذا الرقيع من شقاع وشلاق، وحراب وسرماط [١] ، ولعلها حملت به في ليلة غير مزءودة طوعا، وعقد نطاقها محلول، والسّقاع لشهوتها مبلول، في محراب مسجد أو إسطبل قرية، أو خرق شحاذين، أو مسطبة مقيفين. وقد حكى لي الرئيس أبو الحسين علي بن الحسين بن الراحل، وكان صادق اللهجة صحيح الرواية متحريا فيما يورده، مستحرزا فيما يذكره ويسنده، وهو ترب شيخنا أبي عبد الله سلمان والد هذا الأحمق الرقيع، وأبي هذا الخسيس الوضيع: كنّا جميعا في خدمة الأمير حسام الدولة ابن أبي الشوال [فذكر] أن عبد الله الفتى النهرواني والد الشيخ سلمان كان شيخا اصطيلا يتطايب بين يدي حسام الدولة ويتمصفع مع أدب كان فيه وفضل، وجدّ من معرفة وهزل، وظرف مقول، ولطف مقبول، وكان موصوفا بطول الأير، وكان يدسّ عليه بعض الفراشين إذا سكر فيشد في إحليله خيطا، ويقوده في الدار قودة شوطا، فينشد وهو عريان سكران يضرب جنبيه بإبطيه:
أقام قيامتي ذكري ... وأعمى فيشتى بصري
قمد وافر حسن ... شديد اللمس كالحجر
فما يقوى عليه فتى ... ولا لمياء ذات حر
لو ان الفيل وهو الفيل ... يدخل رأسه لخري
وما يقوى عليه سوى ... عروسي ضرّة القمر
بنفسي أمّ سلمان ال ... ذي تعطيه في الدبر
وتأخذه بلا غضب ... ولا سخط ولا ضجر
وتخرجه بمدرعة ... وطرطور من القذر
ولولا أنها صفرا ... ء تحكي صبغة الصّفر
لقال الناس إذ وافى ... أتى القاضي أبو عمر
ثم ينخر ويضرط ويقول:
[إن] رأيت لها شبها فلا تدعني أبا جعل.
стр. 1398
فمن أين جاءتك الرياسة والعلا ... وهذا أبوك الألمعي وجدكا
وأمك لا أغتابها أنت عالم ... بها فبماذا طال ويلك مجدكا
ولو كنت إنسانا يعود إلى حجى ... لحدّك عن هذا التبظرم جدّكا
تبظرم هذا الفتى الزائد، على لؤم عنصره شاهد، ومن أمّه أليست تلك الضروط، ووالدة ذلك الوالد، فكيف يتيه وأنّى له؟! مهلا مهلا أيها الفتى، علام وحتى متى، تعقد أنفك تيها، ولا ترى لك في الرياسة شبيها، وتجري في ميدان حمقك، وتتبع شيطان خرقك؟ كأنك لم تدر أن المعلمين أخسّ خلق الله أقدارا، وأوضعهم فخارا، وأقلّهم عقولا، وألأمهم فروعا وأصولا، وأن الإجماع منعقد، والقول متفق، والاتفاق واقع، على أن المعلمين- وإن رجعوا إلى أدب وعلوم، ومعرفة المنثور والمنظوم- لا عقول لهم ولا حلوم، ولا يذكرون في عير، ولا يعدّون في نفير:
وأن ألأم خلق الله كلهم ... من كان للفضل بالتعليم مشتغلا
الله صاغهم حمقى، وأوجدهم ... نوكى، وصيرهم دون الورى سفلا
شاعت حماقاتهم في الناس، فاشتهرت ... بين البرية حتى أصبحوا مثلا
هذا، أطال الله بقاء الشيخ الفقيه الأديب حالي، وصورة آمالي، فكيف ينطق لساني بمقال مرضيّ، أو يسمح خاطري بمعنى زكي:
لو أنّ ابن حجّاج رأى من رأيته ... وشاهد من شاهدته لم يقل شعرا
وعاصته أبكار المعاني وعونها ... فلم يستطع نظما بديعا ولا نثرا
وأمسك إمساك الغبيّ ولم يفه ... بحرف ولم يكتب إلى أحد سطرا
أنا فاعرفوني أشعر الناس كلهم ... علوت بأشعاري وقد سفلوا الشعرى
لأني أعاني ما ترون وخاطري ... يجيش فيبدي كل قافية بكرا
ولو أنهم ناس أجدت مديحهم ... ولم أقتنع بالدون في مدحهم ذكرا
ولكن على قدر العطاء وقدرهم ... أقول فلا أخشى عتابا ولا نكرا
نظمت لهم بعرا يشاكل لؤمهم ... ولو أنهم ناس نظمت لهم درّا
стр. 1399
ولم أتعاط جيّد الشعر فيهم ... فأبقي لهم من بعد فوتهم فخرا
وأجهد نفسي ظالما في امتداحهم ... وسيان من ذمّ الليالي ومن أطرى
لقد ناكني دهري فشقق مبعري ... بأير كبير كدت من رهزه أخرا
فإن أك في نظمي ونثري مقصّرا ... فلا تعذلنّي سيدي واعذل الدهرا
فهذا، أطال الله بقاءه في نعمة كرويّته صافية، ورتبة كهمّته حالية، ودولة كأيره قائمة، وسعادة كظرفه لازمة دائمة، فرق ما بيني وبين الشعراء السابقين، والأدباء السالفين، وقد رضيت حكما مع شرّة التحكيم على بني هاشم بدفع كل ظالم:
بحياة رأسك أيها ال ... شيخ الفقيه وأنت تدري
أنصف أخاك ولا تمل ... ظلما عليه كمثل دهري
لو عاين الشعراء مم ... دوحيّ من أعيان عصري
نطقوا ببيت واحد ... حلو رشيق مثل شعري
أو أتعبوا أفكارهم ... للقول في نظم ونثر
وسبال من لم يفتني ... بالحقّ في ظلمات جحري
- ٥٦٨-
سليمان بن عيسى الشنتمري النحوي
له تصانيف منها: كتاب شرح الشعراء الفحول الستة.
- ٥٦٩-
سليمان بن الفياض الاسكندراني
أبو الربيع من أهل الاسكندرية: تلميذ الحكيم أبي الصلت أمية بن أبي الصلت المصري وعليه قرأ [وتوفي] سنة ست عشرة وخمسمائة. كان أحد الشعراء المجودين [وشعره] كالسحر يدخل الأذن بغير إذن، خرج من مصر ووافى العراق وخرج منها إلى بلاد خراسان ووصل إلى بلاد الهند وتوفي
стр. 1400
بها. ومن منثور كلامه إلى بعض فلاسفة الهند يستأذنه في المصير إليه: ماذا عسى يصف من شوقه مشتاق يقدم قدما ويؤخر أخرى بين أمر أمير الشوق ونهي نهى الهيبة، فإن رأيت أن تقلّه من علله بالاذن له فما أولاك به وأحوجه إليه. والله المسؤول في بلوغ المأمول بك ولك ومنك.
ومن شعره قصيدة يمدح بها الإمام القاضي البستي:
توجعت إذ رأتني ذاوي الغصن ... وكم أمالت صبا عهد الصّبا فنني
ماذا يريبك من نضو حليف نوى ... لسنّة البين مطروح على سنن
رمى به الغرب عن قوس النوى عرضا ... بالشرق أعيا علي المهريّة الهجن
أرض سحبت وأترابي تمائمنا ... طفلا وجررت فيها ما أشار سني
أنّى التفتّ فكم روض على نهر ... أو استمعت فكم داع على غصن
كم لي بظاهر ذاك الربع من فرج ... ولي بباطن ذاك القاع من حزن
ولي بألاف هاتيك المنازل من ... إلف وسكان تلك الدار من سكن
ما اخترت قط على عهدي بقربهم ... حظا ولا بعت يوما منه بالزمن
كأن أيام عيشي كنّ لي بهم ... جمعن من خلق القاضي أبي حسن
الفارج الكرب قد سدت مطالعه ... والكاشف الخطب قد أعيا بمن ومن
والموسع القول في فصل الخطاب إذا ... ضاق المجال على المهذارة اللسن
- ٥٧٠-
سليمان بن محمد بن أحمد
أبو موسى المعروف بالحامض البغدادي: أحد ائمة النحاة الكوفيين، أخذ عن أبي العباس ثعلب وخلفه في مقامه وتصدّر بعده، وروى عنه أبو عمر الزاهد المعروف بغلام ثعلب وأبو جعفر الأصبهاني برزويه، وقرأ عليه أبو علي النقار «كتاب الادغام» للفرّاء، فقال له أبو علي: أراك يا أبا موسى
стр. 1401
تلخص البيان تلخيصا لا أجده في الكتب، فقال: هذا ثمرة صحبة أبي العباس ثعلب أربعين سنة.
وقال أبو الحسن ابن هارون: أبو موسى أوحد الناس في البيان والمعرفة بالعربية واللغة والشعر، وكان جامعا بين المذهبين الكوفي والبصري، وكان يتعصب للكوفيين، وكان شرس الأخلاق ولذا قيل له الحامض، مات في خلافة المقتدر لسبع وقيل لست بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثمائة، ووصى بدفاتره لابن فاتك المعتضدي ضنا بها أن تصير إلى أحد. وله من التصانيف: كتاب خلق الإنسان. كتاب السبق والنضال. كتاب المختصر في النحو. كتاب النبات. كتاب الوحوش. كتاب غريب الحديث. وغير ذلك [١] .
حدث الصولي [٢] في «أخبار أبي نواس» قال: كنت يوما عند أبي سهل ابن نيبخت ومعنا أبو موسى الحامض فعاب أبا نواس وثلبه وأزرى على شعره، فقلت: ما الذي يستقبح من شعره وما الرديء منه، وأنا اقدّر أنه يأتي عليّ بشيء مما طعن به على أبي نواس فأحتجّ له عنه، فقال: تريد أردى وأقبح من أبياته:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جرّ الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان طريّ ويابس
أقمنا بها يوما ويوما وليلة ... ويوما له يوم الترحل خامس
تدور علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدّريها بالقسيّ الفوارس
فللخمر ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس
فقلت: ويحك، هذا جيد شعره، بل خير أشعار الناس، قال: ما هو عندي كذلك، فقلت له: صدقت، وما يدريك ما علم الشعر، وهو مختل الذهن جدا.
стр. 1402
- ٥٧١-
سليمان بن محمد بن طراوة الشيباني المالقي النحوي
أبو الحسين: إمام عظيم في النحو، قرأ عليه أكثر أهل الأندلس، وكان نحوي الأندلس في عصره. قرأ على أبي الحجاج يوسف الأعلم، ومات سنة ثلاث وخمسمائة وعاش نيفا وتسعين سنة، وكان يعرف بالأستاذ، وذكروا أنه لا يلقب بالغرب بالاستاذ إلا النحوي الأديب؛ أنشد لأبزون بن مهيروز الكاتب:
وقالوا أفق من سكرة اللهو والصبا ... فقد لاح شيب في دجاك عجيب
فقلت أخلائي دعوني ولذتي ... فإن الكرى عند الصباح يطيب
فقال: هذا وهم، فإن هذين البيتين لأبي العباس، وأما التي لأبزون:
وقائلة خلّ الصبا لرجاله ... فإن الصبا بعد المشيب جنون
فقلت لها لا تعذليني فإنما ... ألذّ الكرى عند الصباح يكون
ومما هجاه به أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري:
ولابن طراوة نحو طري ... إذا شمّه الناس قالوا خري
- ٥٧٢-
سليمان بن مسلم بن الوليد
الشاعر الضرير، وهو ابن مسلم بن الوليد المعروف بصريع الغواني الشاعر المشهور: كان كأبيه شاعرا مجيدا، وكان ملازما
стр. 1403
لبشار بن برد يأخذ عنه ولذا كان متهما بدينه. مات سنة تسع وسبعين ومائة، ومن شعره [١] :
إنّ في ذا الجسم معتبرا ... لمريد العلم ملتمسه [٢]
هيكل للروح ينطقه ... عرقه والصوت من نفسه
ربّ مغروس يعاش به ... عدمته كفّ مغترسه
وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
وقال:
جلدي عميرة فيه العار والحوب ... والعجز مطّرح والفحش مسبوب
وبالعراق نساء كالمها خطف ... بأرخص السّوم جذلات مناجيب
وما عميرة من ثدياء حالية ... كالعاج صفّرها الإكنان والطيب
وله:
تبارك الله ما أسخى بني مطر ... هم كما قيل في بعض الأقاويل
بيض المطابخ لا تشكو ولائدهم ... غسل القدور ولا غسل المناديل
وله شعر غير هذا اكتفينا بهذا المقدار منه.
- ٥٧٣-
سليمان بن معبد، أبو داود السنجي المروزي
المحدث الحافظ النحوي:
دخل بغداد فأخذ عن الأصمعي والنضر بن شميل وغيرهما، ورحل إلى مصر والحجاز واليمن، وخرّج له مسلم بن الحجاج في «صحيحه» ، وكان ثقة ثبتا له معرفة تامة بالعربية واللغة. مات في ذي الحجة سنة سبع وخمسين ومائتين وقيل ثمان وخمسين ومائتين.
стр. 1404
- ٥٧٤-
سليمان بن موسى
برهان الدين أبو الفضل بن شرف الدين المعروف بالشريف الكحال المصري: كان أديبا فاضلا بارعا في العربية وفنون الأدب عارفا بصناعة الكحل، خدم بها الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب وتقدم عنده وحظي لديه ونال عنده منزلة عالية وقبولا تاما، وكان بينه وبين القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني وبين شرف الدين محمد بن نصر المعروف بابن عنين الشاعر المشهور صحبة ومودة ومزاح ومداعبة، فأهدى الشريف الكحّال إلى ابن عنين خروفا وكان مهزولا، فكتب إليه ابن عنين يداعبه [١] :
أبو الفضل وابن الفضل أنت وأهله [٢] ... فغير عجيب أن يكون لك الفضل
أتتني أياديك التي لا أعدها ... لكثرتها لا كفر نعمى ولا جهل
ولكنني أنبيك عنها بطرفة ... تروقك ما وافى لها قبلها مثل
أتاني خروف ما شككت بأنه ... حليف هوى قد شفّه الهجر والعذل
إذا قام في شمس الظهيرة خلته ... خيالا سرى في ظلمة ما له ظلّ
فناشدته ما تشتهي؟ قال قتّة ... وقاسمته ما شفّه؟ قال لي الأكل
فأحضرتها خضراء مجّاجة الثرى ... مسلّمة ما حصّ أوراقها الفتل
فظلّ يراعيها بعين ضعيفة ... وينشدها والدمع في العين منهلّ
«أتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل»
وكتب إليه القاضي الفاضل يداعبه وكان قد كحله:
رجل توكّل بي وكحلني ... فدهيت في عيني وفي عيني
وخشيت تنقل نقط كحلته ... عينيّ من عين إلى غين
стр. 1405
ومن شعر الشريف الكحال:
ومذ رمدت أجفانه لا مني العدا ... على حبّه يا ليت عيني لها فدا
فقلت لهم كفوا فإن لحاظه ... سيوف وشرط السيف أن يحمل الصدا
وقال:
كأن لحظ حبيبي في تناعسه ... وقد رماني بسقم في الهوى وكمد
من المجوس تراه كلما قدحت ... نيران وجنته أومى لها وسجد
توفي الشريف الكحال سنة تسعين وخمسمائة.
- ٥٧٥-
سنان بن ثابت بن قرة أبو سعيد:
كان أديبا فاضلا مؤرخا عارفا بعلم الهيئة ماهرا بصناعة الطب، كان في خدمة المقتدر ثم القاهر والراضي، قال ابن النديم: ان القاهر بالله أراد سنان بن ثابت بن قرة على الإسلام فهرب ثم أسلم وخاف القاهر فمضى إلى خراسان ثم عاد، وتوفي ببغداد مسلما صبيحة يوم الجمعة مستهل ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
وله من التصانيف: التاجي [١] في أخبار آل بويه ومفاخر الديلم وأنسابهم وألفه لعضد الدولة ابن بويه. رسالة في أخبار آبائه وأجداده وسلفه. إصلاح كتاب اقليدس في الأصول الهندسية. كتاب تاريخ ملوك السريان. الرسائل السلطانيات والاخوانيات. رسالة في شرح مذهب الصابئة. رسالة في الاشكال ذوات الخطوط المستقيمة التي تقع في الدائرة، صنفها لعضد الدولة. إصلاح كتب أبي سهل القوهي. رسالة في الفرق بين المترسل والشاعر. رسالة في الاستواء. رسالة في النجوم. رسالة في سهيل. رسالة في قسمة أيام الجمعة على الكواكب السبعة، الفها لأبي إسحاق الصابىء، وغير ذلك.