← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الموضوع الصفحة ٥٦٠- سلمة بن عباس العامري ١٣٨٥ ٥٦١- سلمة بن عبد الله الهذلي ١٣٨٦ ٥٦٢- سليمان بن أيوب بن محمد المديني ١٣٨٦ ٥٦٣- سليمان بن بنين بن خلف ١٣٨٦ ٥٦٤- سليمان بن خلف، أبو الوليد الباجي ١٣٨٧ ٥٦٥- سليمان بن صالح الكتبي ١٣٨٩ ٥٦٦- سليمان بن أبي شيخ ١٣٩٠ ٥٦٧- سليمان بن أبي طالب الحلواني النهرواني ١٣٩٠ ٥٦٨- سليمان بن عيسى الشنتمري ١٣٩٩ ٥٦٩- سليمان بن الفياض الاسكندراني ١٣٩٩ ٥٧٠- سليمان بن محمد بن أحمد، أبو موسى الحامض ١٤٠٠ ٥٧١- سليمان محمد بن طراوة المالقي ١٤٠٢ ٥٧٢- سليمان بن مسلم بن الوليد ١٤٠٢ ٥٧٣- سليمان بن معبد السنجي المروزي ١٤٠٣ ٥٧٤- سليمان بن موسى، الشريف الكحال ١٤٠٤ ٥٧٥- سنان بن ثابت بن قرة ١٤٠٥ ٥٧٦- سهل بن محمد، أبو حاتم السجستاني ١٤٠٦ ٥٧٧- سهل بن محمد مؤدب سيف الدولة ١٤٠٨ ٥٧٨- سهل بن المرزبان ١٤٠٨ ٥٧٩- سهل بن هارون ١٤٠٩ ٥٨٠- سهم بن ابراهيم الوراق ١٤١٠ [تراجم حرف الشين] ١٤١١ ٥٨١- شاهفور بن طاهر الاسفرايني ١٤١١ ٥٨٢- شبل بن عبد الرحمن النيسابوري ١٤١١

стр. 1437

الموضوع الصفحة ٥٨٣- شبيب بن شبة الأخباري ١٤١١ ٥٨٤- شبيب بن يزيد، شبيب ابن البرصاء ١٤١٢ ٥٨٥- شبيل بن عزرة الضبيعي ١٤١٢ ٥٨٦- شداد بن ابراهيم، الطاهر الجزري ١٤١٤ ٥٨٧- الشرقي بن القطامي الكلبي ١٤١٥ ٥٨٨- شهفيروز بن سعد بن عبد السيد الأصبهاني ١٤٢٠ ٥٨٩- شمر بن حمدويه الهروي ١٤٢٠ ٥٩٠- شهيد بن الحسين البلخي الوراق ١٤٢١ ٥٩١- شهدة بنت أحمد، فخر النساء ١٤٢٢ ٥٩٢- شيبان بن عبد الرحمن التميمي ١٤٢٢ ٥٩٣- شيث بن ابراهيم، ابن الحاج القناوي ١٤٢٤

стр. 1438

[الجزء الرابع] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حرف الصاد [٥٩٤] صاعد بن الحسن بن عيسى الربعي الموصليّ الأصل البغداديّ اللغويّ الأديب أبو العلاء: دخل بغداد وأخذ عن السيرافي وأبي علي الفارسي والخطابي وغيرهم، وكان عارفا باللغة وفنون الأدب والأخبار، سريع الجواب حسن الشعر طيب المعاشرة ممتع المجالسة. دخل الأندلس في أيام هشام بن الحكم المؤيد وولاية المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر واتصل بالمنصور بن أبي عامر فأكرمه وأفرط في الاحسان إليه والإقبال عليه، ثم استوزره. وكان محسنا للسؤال حاذقا في استخراج الأموال طبّا بلطائف الشكر. أخبر بعض المشايخ بالأندلس أن أبا العلاء دخل على المنصور أبي عامر يوما في مجلس أنس، وقد اتخذ قميصا من رقاع الخرائط التي وصلت إليه فيها صلاته، ولبسه تحت ثيابه، فلما خلا المجلس وجد فرصة لما أراد، وتجرّد وبقي في القميص المتخذ من الخرائط، فقال له: ما هذا؟ فقال: هذه رقاع صلات مولانا اتخذتها شعارا، وبكى وأتبع ذلك من الشكر بما استوفاه. فأعجب ذلك المنصور، وقال له: لك عندي مزيد، ونفق عليه.

стр. 1439

قال الحميدي: من عجائب الدنيا التي لا يكاد يتفق مثلها أن صاعد بن الحسن هذا أهدى إلى المنصور أبي عامر أيّلا وكتب معه أبياتا وهي: يا حرز كلّ مخوّف وأمان كلّ مش ... رد ومعزّ كلّ مذلّل جدواك إن تخصص به فلأهله ... وتعمّ بالإحسان كلّ مؤمّل كالغيث طبّق فاستوى في وبله ... شعث البلاد مع المراد المبقل الله عونك ما أبرّك بالهدى ... وأشدّ وقعك في الضلال المشغل ما إن رأت عيني وعلمك شاهدي ... شروى علائك في معمّ مخول أندى بمقربة كسرحان الغضا ... ركضا وأوغل في مثار القسطل مولاي يؤنس غربتي بتخطفي ... من ظفر أيامي بممنع معقل عبد نشلت بضبعه وغرسته ... في نعمة أهدى إليك بأيّل سميته غرسيّة وبعثته ... في حبله ليتاح فيه تفؤّلي فلئن قبلت فتلك أسنى نعمة ... أسدى بها ذو منحة وتطوّل صبحتك غادية السرور وجلّلت ... أرجاء ربعك بالسحاب المخضل فقضي في سابق علم الله، ، وتقديره أن غرسية بن شانجه من ملوك الروم، وهو أمنع من النجم، أسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد بالأيل، وسماه غرسيه متفائلا بأسره، وهكذا فليكن الجدّ للصاحب والمصحوب. قال ابن حيّان: وجمع أبو العلاء للمنصور أبي عامر كتابا سمّاه «الفصوص في الآداب والأشعار» على حكم «كتاب النوادر» لأبي علي القالي فأثابه عليه خمسة آلاف دينار في دفعة واحدة، وأمر أن يسمعه الناس في المسجد الجامع بالزاهرة، واحتشد له جماعة من أهل الأدب ووجوه الناس بسماعه في سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. واتفق لهذا الكتاب حادثة غريبة وهي أنّ أبا العلاء لما أتمه دفعه لغلام له يحمله بين يديه وعبر نهر قرطبة، فزلت قدم الغلام فسقط في النهر هو والكتاب، فقال في ذلك ابن العريف، وكان بينه وبين أبي العلاء شحناء ومناظرات: قد غاص في البحر كتاب الفصوص ... وهكذا كلّ ثقيل يغوص

стр. 1440

فضحك المنصور والحاضرون، فلم يرع ذلك صاعدا وقال على البديهة مجيبا لابن العريف: عاد إلى معدنه إنماتوجد ... في قعر البحار الفصوص وصنف له أيضا كتاب «الجواس بن قعطل المذحجي مع ابنة عمه عفراء» وهو كتاب لطيف ممتع جدا انخرم في الفتن التي كانت بالأندلس فسقطت منه أوراق لم توجد بعد، وكان المنصور كثير الشغف بهذا الكتاب حتى رتب له من يخرجه أمامه كل ليلة «١» وكان كتابا مليحا جدا وصنف له أيضا كتاب «الهجفجف بن غيدقان بن يثربي مع الخنّوت بنت مخرمة بن أنيف» وهو على طراز كتاب أبي السري سهل بن أبي غالب الخزرجي. ولم يحضر صاعد بعد موت المنصور مجلس أنس لأحد ممن ولي الأمر بعده من ولده، وإلى ذلك يشير في قصيدته التي قالها للمظفر بن المنصور الذي ولي بعد أبيه وأولها: إليك حدوت ناجية الركاب ... محملة أماني كالهضاب وبعت ملوك أهل الشرق طرا ... بواحدها وسيدها اللباب وفيها يشير إلى مرض لحق بساقه فمنعه من حضور مجالسه، وهو وجع ادعاه وكان يمشي على عصا واعتذر به من التخلف والخدمة إلى أن ذهبت دولتهم فقال: إلى الله الشكية من شكاة ... رمت ساقي فجلّ بها مصابي وأقصتني عن الملك المرجّى ... وكنت أرمّ حالي باقترابي ومنها: حسبت المنعمين على البرايا ... فألفيت اسمه صدر الحساب وما قدّمته إلا كأني ... أقدّم تاليا أمّ الكتاب وأنشد هذه القصيدة بين يدي المظفر في عيد الفطر سنة ست وتسعين وثلاثمائة. ولصاعد مع المنصور أخبار ولطائف يطول ذكرها.

стр. 1441

وحدّث السلفي عن أبي بكر يحيى بن محمد بن زيدان القرطبي قال: حضرت مجلس أبي الحسين سراج بن عبد الملك بن سراج اللغوي فقرىء عليه في الموطأ: لا قطع في ثمر ولا كثر، فأنشد لصاعد بن الحسن الربعي: ومهفهف أبهى من القمر ... قمر الفؤاد بفاتن النظر خالسته تفاح وجنته ... فأخذتها منه على غرر فأخافني قوم فقلت لهم ... لا قطع في ثمر ولا كثر وخرج أبو العلاء في أيام الفتنة من الأندلس وقصد صقلية فمات بها في سنة سبع عشرة وأربعمائة عن سنّ عالية. [٥٩٥] صالح بن إبراهيم بن رشدين المخزومي يكنى أبا علي: كان من أهل الأدب البارع والشعر الجيد، روى كثيرا من أخبار المصريين. مات في ذي القعدة سنة عشر وأربعمائة، وله أخ اسمه أبو الحسين محمد، مات قبله في سنة أربعمائة، أنشد لصالح بن يونس مولى بني تميم فيه، وكان يميل إليه في حداثته: يا قاتلي علما بأن الحب مطّرح القصاص ... أمّا هواك فزائد والصبر عنك ففي انتقاص ... قلبي رهين في يدي ك فهل لقلبي من خلاص. [٥٩٦] صالح بن إسحاق أبو عمر الجرمي النحوي: فهو مولى جرم بن زبان، وجرم

стр. 1442

من قبائل اليمن، وقيل هو مولى بجيلة بن أنمار بن إراش بن الغوث، وإنما قيل له الجرمي لأنه كان ينزل فيهم. وقيل إنه مولى قريش. مات سنة خمس وعشرين ومائتين في أيام المعتصم، وكانت وفاته بأصبهان، وكان يلقب بالكلب النبّاح لأنه كان يذهب إلى أبي زيد الأنصاري فيناظره ويصايحه فلقب بذلك. وكان يلقب بالمهارش لأنه كان لا يرى إلا ناظرا أو مناظرا. وهو بصري قدم بغداد فأخذ عن يونس بن حبيب العربية وأخذ اللغة عن أبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري والأصمعي ومن في طبقتهم وقرأ كتاب سيبويه على أبي الحسن الأخفش سعيد بن مسعدة وكان رفيقا لأبي عثمان المازني، وأخذ منه المبرد والمازني وغيرهما وناظر الفراء، وانتهى إليه علم العربية في وقته فكان عالما بالعربية واللغة فقيها ورعا، وخولط في آخر عمره لأنه كان توأما ومن خولط في الرحم يصيبه شيء. وقال الجرمي: أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: أنا رجل مكثر من الحديث، وكتاب سيبويه يعلمني القياس، وأنا أقيس الحديث، وأفتي به. قال أبو عمر الجرمي يوما في مجلسه: من سألني عن بيت من جميع ما قالته العرب لا أعرفه، فله عليّ سبق. فسأله بعض من حضر، فقال: كيف تروي (السائل: أبو عثمان المازني) : من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يندبنه ... قد قمن قبل تبلّج الأسحار قد كنّ يخبأن الوجوه تستّرا ... فاليوم حين بدون للنظار فقال: كيف تروي «بدأن» أو «بدين» ؟ فقال له: بدأن. فقال: أخطأت،

стр. 1443

ففكر، ثم قال: إنا لله، هذا عاقبة البغي. قال أبو القاسم الزجاجي: تعني هذه الأبيات أن العرب كانت لا تندب ميّتها، ولا تبكي عليه حتى يقتل قاتله، فإذا قتل بكت عليه النساء وناحت. يقول: من كان مسرورا بمصرع مالك فقد قتلنا قاتله، وهؤلاء نساؤنا يندبنه. والصواب أن يقال «بدون» ، ولا يقال: بدأن ولا بدين، لأنه من «بدا يبدو» إذا ظهر، وكذلك يقال: بدا الرجل يبدو إذا خرج إلى البدو. وصنف كتبا كثيرة منها مختصره في النحو كان كلّما صنّف منه بابا صلى ركعتين بالمقام ودعا بأن ينتفع به. وله كتاب التثنية والجمع. وكتاب السير. وكتاب الأبنية. وكتاب العروض، وكتاب القوافي، وكتاب الفرخ يعني فرخ كتاب سيبويه وغير ذلك. [٥٩٧] صالح بن جعفر بن عبد الوهاب «١» بن أحمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن علي بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي الصالحي الحلبي القاضي أبو طاهر: أحد أعيان أهل حلب المشهورين بالأدب والدين، روى عن ابن خالويه وتأدب به، وأخذ عنه أبو الفتح أحمد بن علي المدائني المعروف بالهائم. مات سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وكان يلقب بالمحبرة لأنه كان قصيرا، وكان أكثر لبسه السواد. له من الكتب: كتاب الحنين إلى الأوطان. وكتاب الصبر والعزاء. [٥٩٨] صالح بن حسّان: أحد رواة الأخبار العالمين بالآثار والأشعار، روى عنه من

стр. 1444

ذلك خلق كثير من أربابه كالهيثم بن عدي وابن الكلبي وغيرهما. حدث الهيثم بن عدي قال، قال لي صالح بن حسّان: هل تعرف بيتا من الشعر نصفه أعرابي في شملة والنصف الآخر مخنث من أهل العقيق يتقصف تقصفا؟ قلت: لا والله. قال: قد أجّلتك حولا قلت له: لو أجلتني حولين ما علمت ما سألتني عنه. فقال: أفّ لك، قد كنت أحسبك أعود علما من ذلك. قلت: ما هو؟ قال لي: أما سمعت قول جميل: ألا أيها النوّام ويحكم هبّوا أعرابي والله يعتف في شملة ثم أدركه النسيب وصريح الحب وما يدرك العاشق، فقال: أسائلكم هل يقتل الرجل الحبّ؟ فكان والله من مخنثي العقيق، يتفكك، وبعد هذا البيت: فقالوا: نعم، حتى تسلّ عظامه ... ويتركه حيران ليس له لبّ [٥٩٩] صالح بن شعيب القاري أبو بكر: أحد أصحاب العربية المتقدمين، وقار هذه التي نسب إليها من قرى الري. قدم بغداد أيام ثعلب. [٦٠٠] صالح بن عبد القدوس بن عبد الله: كان حكيما أديبا فاضلا شاعرا مجيدا، كان يجلس للوعظ في مسجد البصرة ويقصّ عليهم، وله أخبار يطول ذكرها، اتّهم بالزندقة فقتله المهدي بيده، ضربه بالسيف فشطره شطرين وعلّق بضعة أيام للناس ثم

стр. 1445

دفن. وأشهر شعره قصيدته البائية التي مطلعها: صرمت حبالك بعد وصلك زينب ... والدّهر فيه تصرّم وتقلّب وكذاك ذكر الغانيات فإنه ... آل ببلقعة وبرق خلّب فدع الصبا فلقد عداك زمانه ... واجهد فعمرك مرّ منه الأطيب ومنها: واحذر معاشرة الدنيّ فإنها ... تعدي كما يعدي الصحيح الأجرب يلقاك يحلف أنّه بك واثق ... وإذا توارى عنك فهو العقرب ومن شعره أيضا: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبا ... كاسفا باله قليل الرجاء وقال: إذا قلت قدّر أنّ قولك عرضة ... لبادرة أو حجّة لمخاصم وان امرءا لم يخش قبل كلامه ... الجواب فينهى نفسه غير حازم وقال: لا أخون الخليل في السرّ حتى ... ينقل البحر في الغرابيل نقلا أو تمور الجبال مور سحاب ... مثقلات وعت من الماء حملا [٦٠١] صحار العبدي: هو صحار بن العباس، كان خارجيا ناسبا خطيبا، وكان في أيام معاوية بن أبي سفيان، روى عن النبي ﷺ حديثين أو ثلاثة. له كتاب الأمثال.

стр. 1446

[٦٠٢] صدقة بن الحسن بن الحسين بن بختيار أبو الفرج الحداد الناسخ البغدادي: كان فقيها حنبليا، تفقّه على أبي الوفاء ابن عقيل، وسمع الحديث وحدّث، وأقرأ الناس الفقه والحساب وعلم الكلام، وكان قيما بجميع ذلك. مات سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وكان صدقة مع سعة حلمه محدودا خاملا يسكن في المسجد الذي بباب البدرية، وكان يتردد إليه عالم من الطالبيين، فيقرأون عليه فنون العلم. وكان مع ذلك لا يتقوت إلا من أجرة نسخه، وكان لا يؤبه إليه، فلما كان آخر أيامه جرت بين يدي الوزير عضد الدولة أبي الفتوح محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء وزير الإمام المستضيء مسألة في العلم، وهل هو واحد أم أكثر، وكان عنده جماعة من أهل العلم كأبي الفرج ابن الجوزي وغيره، فسألهم عن ذلك فكلّ كتب خطه أن العلم واحد، فلما فرغوا قال: نرى ها هنا من هو قيّم بهذا العلم غير هؤلاء؟ فقال له بعض الحاضرين: هاهنا رجل يعرف بصدقة الناسخ يعرف هذا الفن معرفة لا مزيد عليها، فنفّذ [رقعة] وفيها خطوط الفقهاء، وقال له: انظر في هذه، وقل ما عندك، فلما وقف عليها فكر طويلا متعجبا من اتفاقهم على ما لا أصل له، ثم أخذ القلم وكتب: العلم علمان علم غريزي، وعلم مكتسب، فأما الغريزي فهو الذي يدرك على الفور من غير فكرة كقولنا واحد وواحد، فهذا يعلم ضرورة أنه اثنان. وعلم مكتسب وهو ما يدرك بالطلب والفكرة والبحث، أو كلاما هذا معناه لأنه حدث بذلك مفاوضة. وأنفذ الخط إلى الوزير، فلما وقف عليه أعجب به، وقال: أين يكون هذا الرجل؟ فعرف حاله وفقره، فاستدعاه إليه، وتلقاه بالبشر، وخلع عليه خلعة حسنة، وأعطاه أربعين دينارا، ففرح فرحا عظيما، وقال: يا مولاي، قد حضرني بيتان، فقال له أنشدهما، فقال:

стр. 1447

ومن العجائب والعجائب جمّة ... شكر بطيء عن ندى متسرّع ولقد دعوت ندى سواك فلم يجب ... فلأشكرنّ ندى أجاب وما دعي فاستحسن ذلك منه، وما زال يبرّه إلى أن مات. وحدث عنه العدل أبو يعلى ابن الفراء قال: دخلت إليه يوما قبل أن يموت بيسير، وإلى جانبه طبق مغطى، فقال لي: اكشف ذلك الطبق، وكشفته وإذا فيه دجاج مطبوخ ألوان وسنبوسج وحلاوة وغير ذلك من الأطعمة الطيبة، فقال: ما أراد الله أن يبعث لي هذا، وأنا أقدر على أكله في أيام شبابي، وإنما بعثه إليّ الآن لأبصره حسرة. وكان سيّء الاعتقاد تارة يميل إلى مذهب الفلاسفة وتارة يعترض على القضاء والقدر. وقال أيو يعلى: كتب صدقة كتاب «الشفاء» لابن سينا فتغيّر اعتقاده، قال يوما: والله ما أدري من أين جاءوا بنا، ولا إلى أي مطبق يريدون أن يحملونا. وحكى عنه أبو يعلى قال: كنت عنده فسمع صوت الرعد فقال: فوق خباط وأسفل خباط. قال أبو يعلى، وقال أبياتا أخذتها منه: نظرت بعين القلب ما صنع الدهر ... فألفيته غرا وليس له خبر فنحن سدى فيه بغير سياسة ... نروح ونغدو قد تكنفنا الشر فلا من يحل الزيج وهو منجم ... ولا من عليه الوحي ينزل والذكر يحلّ لنا ما نحن فيه فنهتدي ... وهل يهتدي قوم أضلهم السكر عمى في عمى في ظلمة فوق ظلمة ... تراكمها من دونه يعجز الصبر [٦٠٣] صفوان بن ادريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى التجببي، أبو

стр. 1448

بحر: كان أديبا كاتبا شاعرا سريع الخاطر، أخذ عن أبيه والقاضي ابن ادريس وابن غلبون وأبي الوليد ابن رشد، وهو أحد أفاضل الأدباء المعاصرين بالأندلس، ولد سنة ستين وخمسمائة وتوفي بمرسية سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ولم يبلغ الأربعين. وله تصانيف منها كتاب زاد المسافر. ورحلته. وكتاب العجالة مجلدان يتضمنان طرفا من نثره ونظمه. وديوان شعر. ومن شعره «١» : قد كان لي قلب فلما فارقوا ... سوّى جناحا للغرام وطارا وجرت سحاب للدموع فأوقدت ... بين الجوانح لوعة وأوارا ومن العجائب أنّ فيض مدامعي ... ماء ويثمر في ضلوعي نارا وقال في مدح النبي ﷺ : تحية الله وطيب السلام ... على رسول الله خير الانام على الذي فتّح باب الهدى ... وقال للناس ادخلوا بالسلام بدر الهدى سحب الندى والجدا ... وما عسى أن يتناهى الكلام تحية تهزأ أنفاسها ... بالمسك لا أرضى بمسك الختام تخصّه منّي ولا تنثني ... عن آله الصّيد السّراة الكرام وقدرهم أرفع لكنني ... لم ألف أعلى لفظة من كرام وقال «٢» : احمى الهوى قلبه وأوقد ... فهو على أن يموت أوقد وقال عنه العذول سال ... قلّده الله ما تقلّد

стр. 1449

وباللوى شادن عليه ... جيد غزال ووجه فرقد أسكره ريقه بخمر ... حتى انثنى قدّه وعربد لا تعجبوا لانهزام صبري ... فجيش أجفانه مؤيّد أنا له كالذي تمنّى ... عبد نعم عبده وأزيد له عليّ امتثال أمر ... ولي عليه الجفاء والصّد إن سلّمت عينه لقتلي ... صلّى فؤادي على محمّد وقال «١» : يا قمرا مطلعه أضلعي ... له سواد القلب فيها غسق وربما استوقد نار الهوى ... فناب فيها لونها عن شفق ملكتني بدولة من صبا ... وصدتني بشرك من حدق عندي من حبّك ما لو سرت ... في البحر منه شعلة لاحترق وقال: يقولون لي لمّا ركبت بطالتي ... ركوب فتى جمّ الغواية معتدي أعندك ما ترجو الخلاص به غدا ... فقلت: نعم، عندي شفاعة أحمد

стр. 1450

حرف الضاد [٦٠٤] الضحاك بن سلمان بن سالم بن دهاية «١» أبو الأزهر المرئي- نسبة إلى امرىء القيس بن مالك- الألوسي «٢» الأديب النحوي اللغوي الشاعر، أصله من قرية يقال لها الألوس من سقي الفرات بهيت، قدم نهر عيسى ونزل بغداد وسكن المحول ونظر في النحو واللغة والغريب وقال الشعر، فمما أورده له الكمال أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي قوله «٣» : ما أنعم الله على عبده ... بنعمة أوفى من العافيه وكلّ من عوفي في جسمه ... فإنه في عيشة راضية والمال حلو حسن جيّد على الفتى لكنه عاريه ... وأسعد العالم بالمال من أدّاه للآخرة الباقيه

стр. 1451

ما أحسن الدنيا ولكنها ... مع حسنها غدّارة فانيه مات الضحاك في سنة ثلاث وستين وخمسمائة. [٦٠٥] الضحاك بن مخلد بن مسلم ، أبو عاصم النبيل الشيباني البصري الحافظ الثبت النحوي اللغوي: كان إماما في الحديث سمع من جعفر الصادق وابن جريج والأوزاعي وابن أبي عروبة، وأخرج له البخاري في «صحيحه» وأجمعوا على توثيقه. قيل له يحيى بن سعيد يتكلم فيك فقال: لست بحيّ ولا ميت إذا لم أذكر. مات أبو عاصم سنة اثنتي عشرة ومائتين. [٦٠٦] الضحاك بن مزاحم ، أبو القاسم البلخي المفسر المحدّث النحوي: كان يؤدب الأطفال فيقال كان في مكتبه ثلاثة آلاف صبي، وكان يطوف عليهم على حمار. لقي الضحاك ابن عباس وأبا هريرة وأخذ عن سعيد بن جبير التفسير، وكان عبد الملك بن ميسرة يقول: لم يلق الضحاك ابن عباس وإنما لقي سعيد بن جبير بالريّ فأخذ عنه التفسير. وقال شعبة: قلت لمشاش هل سمع الضحاك من ابن عباس؟

стр. 1452

قال: ما رآه قط. ووثقه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو زرعة وضعفه يحيى بن سعيد. مات الضحاك سنة خمس ومائة وقيل سنة ست ومائة. [٦٠٧] أبو ضمضم النسابة البكري أحد بني عمرو بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. حدث المرزباني ما رفعه إلى رؤبة بن العجاج قال: أتينا النسابة البكري وكان نصرانيا، فقال: من أنت يا غلام؟ قلت: رؤبة بن العجاج. قال: قصّرت أو قال أقصرت وعرّفت، فما جاء بك؟ قلت: العلم. قال: لعلك كقوم عندي، إن حدثتهم لم يفهموا، وإن سكتّ لم يسألوا. قلت: أرجو ألا أكون منهم. قال: فما أعداء المرء؟ قلت: أخبرني. قال: بنو عمّ السّوء إن رأوا حسنا دفنوه، وإن رأوا قبيحا أذاعوه. قال: للعلم آفة ونكد وهجنة، فآفته نسيانه، ونكده الكذب، وهجنته نشره عند غير أهله. ثم ضرب بيده على صدره، ثم قال: [تاموري] هذا ما استودعته شيئا قط ففقدته. حدث المرزباني فيما رفعه: النّسّاب أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبوه وجدّه نفيل بن عبد العزى وإليه تنافر عبد المطلب وحرب بن أمية فنفّر عبد المطلب، ثم دغفل، ثم حنظلة وعميرة أبو ضمضم، وصبيح الحنفي، والكيس النمري، والنخار العذري، وابن القرية، وهؤلاء كلهم أميون. وحدث المرزباني فيما رفعه إلى الأصمعي قال: قعد فتيان أحداث إلى أبي ضمضم فقال: ما جاء بكم يا خبثاء؟ قالوا: جئنا لنحدثك ونؤنسك. فقال: كلا، ولكن قلتم كبر الشيخ نتلعب به، عسى أن نأخذ عليه سقطا. قال فأنشد لمائة شاعر

стр. 1453

كلهم اسمه عمرو. قال الأصمعي: فقعدت أنا وخلف الأحمر فلم نقدر على أكثر من ثلاثين شاعرا. وحدث المرزباني فيما رفعه إلى الأصمعي قال: قيل للنسابة البكريّ: إنك قد نسبت الجنّ والإنس، حتى لو قيل لك: انسب النمل نسبتهم، فقال: أجل، هم ثلاثة أبطن: فاذر «١» ، والذر وعقفان. قال: الذر النمل الصغار، وفاذر التي رأسها كبير ومؤخرها صغير، وعقفان الطوال القوائم.

стр. 1454

حرف الطاء [٦٠٨] طالب بن عثمان بن محمد أبو أحمد بن أبي غالب الأزدي النحوي البصري: أخذ عن أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري، وكان بارعا في العربية عارفا باللغة وكفّ بصره في آخر عمره، ولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة، توفي في خلافة القادر بالله سنة ست وتسعين وثلاثمائة. [٦٠٩] طالب بن محمد بن نشيط «١» أبو أحمد المعروف بابن السراج النحوي: كان عارفا بالعربية قيما بها أخذ عن أبي بكر ابن الأنباري. وله: مختصر في النحو. وكتاب عيون الأخبار وفنون الأشعار. مات سنة إحدى وأربعمائة. [٦١٠] طاهر بن أحمد بن بابشاذ بن داود بن سليمان بن إبراهيم أبو الحسن المصري

стр. 1455

المعروف بابن بابشاذ النحوي اللغوي: أحد الأئمة في هذا الشأن والاعلام في علوم العربية وفصاحة اللسان. ورد العراق تاجرا في اللؤلؤ وأخذ عن علمائها ثم رجع إلى مصر وولي متأملا في ديوان الانشاء بالقاهرة يتأمل ما يصدر منه من السجلات والرسائل فيصلح ما فيها من خطأ، ورزق في كل شهر على ذلك خمسين دينارا. تزهد في آخر عمره فاستعفى من ذلك ولزم منارة الجامع- جامع عمرو بن العاص- بمصر. وكان سبب تزهده أنه كان إذا جلس لأكل الطعام جاء سنّور فوقف بين يديه، فكان إذا ألقى إليه شيئا من الطعام لا يأكله بل يحمله ويمضي. وكثر ذلك منه فتبعه يوما لينظر أين يذهب بما يطعمه فإذا هو يذهب إلى موضع مظلم في داره وفيه سنور أخرى عمياء فيلقيه لها فتأكله، فعجب من ذلك فقال في نفسه: إن الذي سخّر هذا السنّور لذلك ليجيئه بقوته ولم يهمله لقادر على أن يغنيني عن هذا العالم. فلزم منارة الجامع- كما ذكرنا؛ ثم خرج في بعض الليالي لشيء عرض له والليل مقمر، وفي عينيه بقية من النوم، فسقط من المنارة إلى سطح الجامع فمات، ﵀، وذلك صبيحة اليوم الرابع من رجب سنة تسع وستين وأربعمائة. وله من التصانيف: كتاب شرح الجمل للزجاجي. كتاب المحنة «١» ، مختصر في النحو. كتاب شرح المحنة. كتاب التعليق في النحو خمسة عشر مجلدا، سماه تلامذته من بعده تعليق الغرفة، وغير ذلك. [٦١١] طاهر بن أحمد بن محمد القزويني يعرف بالنجار ، ويكنى أبا محمد: أديب فاضل متفنن، له تصانيف جمة في عدة فنون، وكان يغلب عليه علم الكلام. مات سنة ثمانين وخمسمائة.

стр. 1456

[٦١٢] طاهر بن الحسين أبو الوفاء البندنيجي الهمذاني: كان شاعرا مبرزا، له معرفة تامة بالنحو واللغة والعروض، لم يمدح أحدا ابتغاء جائزة «١» ، وكان يعد ذلك عارا. مات سنة ثمانين وأربعمائة. [٦١٣] طراد بن علي بن عبد العزيز أبو فراس السلمي الدمشقي المعروف بالبديع: كان نحويا كاتبا أديبا بارعا في النظم والنثر، ومن شعره «٢» : قيل لي لم جلست في آخر القو ... م وأنت البديع رب القوافي قلت آثرته لأن المنادي ... يل يرى طرزها على الأطراف وقال: يا صاح آنسني دهري وأوحشني ... منهم وأضحكني دهري وأبكاني قد قلت أرض بأرض بعد فرقتهم ... فلا تقل لي جيران بجيران وقال «٣» : يا نسيما هبّ مسكا عبقا ... هذه أنفاس ريّا جلّقا كفّ عني ذا الهوا ما زادني ... برد أنفاسك إلا حرقا

стр. 1457

ليت شعري نقضوا أحبابنا ... يا حبيب النفس ذاك الموثقا يا رياح الشوق سوقي نحوهم ... عارضا من سحب دمعي غدقا وانثري عقد دموع طالما ... كان منظوما بأيام اللّقا وقال «١» : هكذا في حبكم أستوجب ... كبدا حرّى وقلبا يجب وجزا من سهرت أجفانه ... حجّة تمضي وأخرى تعقب زفرات في الحشا محرقة ... وجفون دمعها ينسكب قاتل الله عذولي ما درى ... أنّ في الأعين أسدا تثب لا أرى لي عن حبيبي سلوة ... فدعوني وغرامي واذهبوا وقال: إذا كنت عني في العيان مغيّبا ... فما أنت عن سمعي وقلبي بغائب إذا اشتاقت العينان منك لنظرة ... تمثلت لي في القلب من كل جانب مات البديع الدمشقي سنة أربع وعشرين وخمسمائة. [٦١٤] طريح بن إسماعيل بن عبيد بن أسيد بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى الثقفي، وأمه خزاعية بنت عبد الله بن سباع، أبو الصلت الشاعر المشهور: نشأ في دولة بني أمية واستنفد شعره في الوليد بن يزيد، وأدرك دولة بني العباس، ومات في

стр. 1458

أيام المهدي سنة خمس وستين ومائة، ومن مختار شعره قوله: ألم تر المرء نصبا للحوادث ما ... تنفكّ فيه سهام الدهر تنتضل إن يعجل الموت يحمله على وضح ... لحب موارده مسلوكة ذلل وان تحادث به الأيام في عمر ... يخلق كما رثّ بعد الجدّة الحلل ويستمرّ إلى أن يستقلّ به ... ريب المنون ولو طالت به الطيل والدهر ليس بناج من دوائره ... حيّ جبان ولا مستأسد بطل ولا دفين غيابات له نفق ... تحت التراب ولا حوت ولا وعل بل كلّ شيء سيبلي الدهر جدّته ... حتى يبيد ويبقى الله والعمل وقال: وترى المشيب بدا وأقبل زائرا ... بعد الشباب فنازل ومودّع والشيب للحكماء من سفه الصّبا ... بدل تنال به الفضيلة مقنع والشيب زين بني المروءة والحجى ... فيه لهم شرف ومجد يرفع والبرّ تصحبه المروءة والتّقى ... تبدو بأشيب جسمه متضعضع أشهى إليّ من الشباب مع المنى ... والغيّ يتبعه القويّ المهرع إن الشباب عمى لأكثر أهله ... وتعرّض لمهالك تتوقّع إن تغتبط في اليوم تصبح في غد ... ممّا جني لك واجما تتوجّع وقال: حلّ المشيب ففرق الرأس مشتعل ... وبان بالكره منّا اللهو والغزل فحلّ هذا مقيما لا يريد لنا ... تركا وهذا الذي نهواه مرتحل هذا له عندنا نور ورائحة ... كنشر روض سقاه عارض هطل وجدّة وقبول لا يزال له ... من كلّ خلق هوى أو خلّة نفل والشيب يطوي الفتى حتى معارفه ... نكر ومن كان يهواه به ملل يبلى بلى البرد فيه بعد قوّته ... وهن وبعد تناهي خطوه رمل

стр. 1459

[٦١٥] طلحة بن محمد النعماني أبو محمد وقيل أحمد بن طلحة، من أهل النعمانية: [كان] فاضلا عارفا باللغة والأدب، حسن الشعر، ورد إلى بغداد، وخرج منها إلى خراسان وأقام ببلادها مدة. سمعت أبا عمرو عثمان بن محمد البقال بخوارزم يقول: كنت أنا والشيخ أبو محمد طلحة نمشي ذات يوم في السوق، واستقبلنا عجلة عليها حمار ميّت يحمله الدبّاغون إلى الصحراء ليسلخوا جلده، فقلت مرتجلا: يا حاملا صرت محمولا على عجله فقال أبو محمد مجيبا: وافاك موتك منتابا على عجله ومضت على ذلك أيام قلائل، فلقيني السيد أبو القاسم الفخر بن محمد اليزيدي «١» العلوي، فحكيت له هذه القصة، ففكر سويعة وقال: والموت لا تتخطى الحيّ رميته ... ولو تباطأ عنه الحيّ أزعج له ومن شعر أبي محمد طلحة: يا ملكا في أفق الدّست لاح ... فخاله الناظر ضوء الصباح ليس على من رام نيل الغنى ... بالمدح من جودك يوما جناح يا خاتم الحمد بأوصافه ... جد لي كما كان بك الافتتاح ما بال حظي كلما رضته ... بالمدح أعياني بطول الجماح

стр. 1460

وله يرثي: فقلبي لا يأوي إلى ذكر سلوة ... وإنسان عيني بعد أدمعها يجري ولم يحل إلّا ذكر علياه في فمي ... ولا راق إلا في مدائحه شعري ولم أر بدرا قبله غاب في الثرى ... ولا زاخرا تيّاره غاص في قبر تصاعد أنفاسي عليه كأنها ... شواظ ترامى عن ذكيّ من الجمر وكاتبه الحريريّ صاحب «المقامات» وكان كثير الحفظ جيد الشعر سريع البديهة؛ مات سنة عشرين وخمسمائة. ومن شعره: إذا نالك الدهر بالحادثات ... فكن رابط الجأش صعب الشكيمه ولا تهن النفس عند الخطوب ... إذا كان عندك للنفس قيمه فو الله ما لقي الشامتون ... بأحسن من صبر نفس كريمه [٦١٦] طلحة بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد الله التيمي الطلحي: من أهل البصرة. نادم الموفق الناصر لدين الله. وكان راوية أخباريا. مات سنة إحدى وتسعين ومائتين. له من المصنفات كتاب أخبار المتيمين. كتاب جواهر الأخبار.

стр. 1461

حرف الظاء [٦١٧] ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله بن خلف الجذامي الاسكندري المعروف بالحداد الشاعر الأديب: روى عنه الحافظ السلفي وطائفة من الأعيان، وتوفي بمصر في المحرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة ومن شعره «١» : حكم العيون على القلوب يجوز ... ودواؤها من دائهنّ عزيز كم نظرة نالت بطرف ذابل ... ما لا ينال الذابل المهزوز فحذار من تلك اللواحظ غيرة ... فالسحر بين جفونها مكنوز وكتب إلى أبي الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي بعد أن توجه من مصر إلى المهدية يتشوق إليه «٢» : ألا هل لدائي من فراقك إفراق ... هو السمّ لكن لي لقاؤك درياق فيا شمس فضل غرّبت ولضوئها ... على كلّ قطر بالمشارق إشراق

стр. 1462

سقى العهد عهدا منك عمّر عهده ... بقلبي عهدا لا يضيع وميثاق يجدّده ذكر يطيب كما شدت ... وريقاء كنّتها من الأيك أوراق لك الخلق الجذل الرفيع طرازه ... وأكثر أخلاق الخليقة أخلاق لقد ضاءلتني يا أبا الصلت مذ نأت ... ديارك عن داري هموم وأشواق إذا عزّني إطفاؤها بمدامعي ... جرت ولها ما بين جفنيّ إحراق سحائب يحدوها زفير يجرّه ... خلال التراقي والترائب تشهاق وقد كان لي كنز من الصبر واسع ... ولي منه في صعب النوائب انفاق وسيف إذا جرّدت بعض غراره ... لجيش خطوب صدّها منه إرهاق إلى أن أبان البين أنّ غراره ... غرور وان الكنز فقر وإملاق أخي سيدي مولاي دعوة من صفا ... وليس له من رقّ ودّك إعتاق لئن بعدت ما بيننا شقّة النوى ... ومطّرد طامي الغوارب خفّاق وبيد إذا كلّفتها العيس قصّرت ... طلائح أنضاها ذميل وإعناق فعندي لك الودّ الملازم مثل ما ... يلازم أعناق الحمائم أطواق وهي طويلة نحو ثلاثين بيتا: ومن لطائفه وغرر قصائده أيضا قوله «١» : لو كان بالصبر الجميل ملاذه ... ما سحّ وابل دمعه ورذاذه ما زال جيش الحبّ يغزو قلبه ... حتى وهى وتقطعت أفلاذه لم يبق فيه مع الغرام بقية ... إلا رسيس يحتويه جذاذه من كان يرغب في السلامة فليكن ... أبدا من الحدق المراض عياذه لا تخدعنّك بالفتور فإنه ... نظر يضرّ بقلبك استلذاذه يا أيها الرشأ الذي من طرفه ... سهم إلى حبّ القلوب نفاذه

стр. 1463

درّ يلوح بفيك من نظّامه ... خمر به قد جال من نبّاذه وقناة ذاك القد كيف تقوّمت ... وسنان ذاك اللحظ ما فولاذه هاروت يعجز عن مواقع سحره ... وهو الإمام فمن ترى استاذه تالله ما علقت محاسنك آمرءا ... إلا وعزّ على الورى استنقاذه أغريت حبّك بالقلوب فأذعنت ... طوعا وقد أودى بها استحواذه وهي نحو عشرين بيتا كلّها غرر. ومن مقطعاته قوله في الأقحوان «١» : انظر فقد أبدى الأقاحي مبسما ... يفترّ ضحكا فوق قدّ أملد كفصوص درّ لطّفت أجرامه ... وتنظمت من حول شمسة عسجد وقال في كرسي النسخ ويكتب عليه «٢» : انظر بعينك في بديع صنائعي ... وعجيب تركيبي وحكمة صانعي فكأنني كفّا محبّ شبّكت ... يوم الفراق أصابعا بأصابعي [٦١٨] ظالم بن عمر وأبو الأسود الدؤلي: هو أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان بن

стр. 1464

جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وأمه الطويلة من بني عبد الدار بن قصيّ. وأما نسبه فيقال فيه الدؤلي منسوب إلى الدئل بكسر الهمزة، وإنما فتحوها للنسبة كما نسبوا إلى تغلب تغلبي، وإلى يثرب يثربي، والدئل دابة بين ابن عرس والثعلب، واختلفوا في ذلك. وفي بني ضبة «١» الدّئل، وفي الهون الدئل، وفي ربيعة الديل غير مهموز، وفي الأزد الديل، وفي تغلب الديل، وفي إياد الديل، وفي غيره الدول، وفي الرباب الدول، والنسبة إليهم الدول. ولد أبو الأسود في الجاهلية، ومات في الطاعون الجارف سنة تسع وستين على الأصح في أيام ابن الزبير. وهو أحد سادات التابعين وفقهائهم ومحدثيهم، روى عن عمر وعثمان وعلي، ﵈، والزبير، وأبي ذرّ وأبي موسى وابن عبّاس وغيرهم، وعنه أمية ويحيى بن يعمر واستعمله كل واحد منهم. وهو أول من تكلم في النحو، وهو من أهل البصرة. أسلم على عهد النبي، ﷺ ، وقاتل مع علي يوم الجمل وشهد معه صفين. وكان من وجوه شيعة علي بن أبي طالب، استعمله على البصرة بعد ابن عباس. قال الجاحظ «٢» : أبو الأسود معدود في طبقات الناس، وهو في كلّها مقدم مأثور عنه في جميعها. كان معدودا في التابعين والفقهاء والمحدثين والشعراء والأشراف والفرسان والأمراء والدهاة والنحويين والحاضري الجواب والشيعة والبخلاء والصلع الأشراف والبخر الأشراف. وكان أول من وضع علم العربية، وأسس قواعده علي بن أبي طالب، ﵇، وأخذه عنه أبو الأسود. حدث أبو عثمان المازني «٣» ما رفعه إلى يحيى بن يعمر الليثي أن أبا الأسود الدئلي دخل على ابنته بالبصرة فقالت: يا أبه، ما أشدّ الحرّ، ورفعت أشد، فظنها

стр. 1465

تسأله وتستفهم منه أي زمان الحر أشد؟ فقال لها: شهرا ناجر. فقالت: يا أبه إنما أخبرتك، ولم أسألك، فأتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهبت لغة العرب لمّا خالطت العجم، ويوشك إن طال عليها زمان أن تضمحلّ. فقال له: وما ذاك؟ فأخبره خبر ابنته. فأمر فاشترى صحفا بدرهم وأملى عليه: الكلام كله لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. وهذا القول هو أول كتاب سيبويه. ثم رسم أصول النحو كلها، فنقلها النحويون وفرعوها. فلما كان أيام زياد بن أبيه بالبصرة جاءه أبو الأسود فقال له: أصلح الله الأمير إني أرى العرب قد خالطت الحمراء فتغيرت ألسنتهم. وقد كان علي بن أبي طالب، ﵇، وضع شيئا يصلح به ألسنتهم، أفتأذن لي أن أظهره. فقال: لا. ثم جاء زيادا رجل فقال: أصلح الله الأمير، مات أبانا وخلّف بنون، فقال زياد كالمتعجب: مات أبانا وخلّف بنون! هذا ما ذكره أبو الأسود. ثم مرّ برجل يقرأ القرآن حتى بلغ إلى قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (التوبة: ٣) ، بكسر اللام من رسوله، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هذا والله الكفر. ردّوا إليّ أبا الأسود، فردوه إليه. فقال له: ضع للناس ما كنت نهيتك عنه. فقال: ابغني كاتبا يفهم عني. فجيء برجل من عبد القيس فلم يرضه، فأتي برجل من قريش، فقال له: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط على أعلاه نقطة، وإذا ضممت فانقط بين يدي الحرف، وإذا كسرت فمي فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعت ذلك شيئا من الغنّة فاجعل النقطة نقطتين ففعل. فكان هذا نقط أبي الأسود، وذكر أنه لم يضع إلا باب الفاعل والمفعول به فقط. فجاء بعده ميمون الأقرن فزاد عليه في حدود العربية. ثم زاد فيها عنبسة بن معدان الفيل وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. فلما كان عيسى بن عمر وضع في النحو كتابين «١» ، ثم أبو عمرو بن العلاء، ثم الخليل بن أحمد ثم سيبويه. وحدث آخرون «٢» في سبب وضع النحو أن أبا الأسود دخل على عليّ، ﵇، فوجد في يده رقعة. قال أبو الأسود: فقلت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟

стр. 1466

فقال: إني تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء، يعني الأعاجم، فأردت أن أضع لهم شيئا يرجعون إليه، ويعتمدون عليه، ثم ألقى إليّ الرقعة، وفيها مكتوب: الكلام كلّه اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبىء به، والحرف ما جاء لمعنى؛ وقال لي: انح هذا النحو، وأضف إليه ما وقع إليك. واعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر ومضمر واسم لا ظاهر ولا مضمر. أراد بذلك الاسم المبهم. قال أبو الأسود: فكان ما وقع إليّ إنّ وأخواتها، خلا لكن. فلما عرضتها على عليّ ﵇، قال لي: وأين لكن؟ فقلت: ما حسبتها منها. فقال: هي منها، فألحقتها، ثم قال: ما أحسن هذا النحو الذي نحوته. فلذلك سمي نحوا. ثم إن ابنته أخذت في يوم قائظ شديد الحر فقالت: يا أبت، ما أشدّ الحر، وهي تريد التعجب. فقال: القيظ، وما نحن فيه يا بنية، جوابا عن كلامها، لأنه استفهام عنده، فتحيّرت ابنته منه، فعلم أنها أرادت التعجب، فقال: قولي يا بنية ما أشدّ الحرّ. فعمل باب التعجب. وكان أبو الأسود غاية في الفصاحة، جلس إليه غلام، فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك؟ قال: أخذته الحمّى ففضخته فضخا، وطبخته طبخا، وفتخته فتخا، فتركته فرخا. قال: فما فعلت امرأته التي كانت تشاره وتهارّه وتضارّه وتجاره وتزارّه؟ قال: طلّقها فتزوجت غيره فرضيت وحظيت وبضيت. فقال أبو الأسود: وما بضيت يا بني؟ فقال الغلام: حرف من اللغة لم يبلغك. قال أبو الأسود: يا بني ما لم يبلغ عمك فاستره كما تستر الهرة خرءها. وأخذ النحو عن أبي الأسود جماعة منهم عطاء بن أبي الأسود، ويحيى بن يعمر العدواني، ثم ميمون الأقرن، ثم عنبسة الفيل. وزوج أبو الأسود بنتا له، فلما أراد إهداءها قالت له: أوصني. فقال: أكرمي عينيه وأنفه وأذنيه. وقال أبو الأسود لولده «١» : يا بني، إني قد حفظتكم قبل أن تولدوا وبعد مولدكم. فحفظي إياكم قبل أن تولدوا أني لم أضعكم في أرحام تسبّون بها. وحفظي

стр. 1467

إياكم بعد مولدكم أني لم أخلّف عليكم دينا. فإذا وسّع عليكم فوسّعوا، وإذا أمسك عنكم فاقتصدوا، ولا تجاودوا الله فإنه لا يجاود. وساوم أبو الأسود ببرد فقال له صاحبه: اشتر حتى أقاربك. فقال له أبو الأسود: إن لم تقاربني تباعدت. قال: إني قد أعطيت به كذا وكذا. قال أبو الأسود: ما يزال أحدهم يحدث عن خير فاته. وقال أبو الأسود «١» : ليس شيء أعز من العلم، لأن الملوك حكام على أهل الأرض، والعلماء حكام على الملوك. دخل أبو الأسود على عبيد الله بن زياد فقال «٢» : لقد أصبحت جميلا فلو علّقت معاذة. فعلم أنه يهزأ به، فقال «٣» : أفنى الشباب الذي أبليت جدّته ... مرّ الجديدين من آت ومنطلق لم يبقيا لي في طول اختلافهما ... شيئا يخاف عليه لقعة الحدق قال أبو الأسود لابنته «٤» : إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وعليك بالزينة، وأزين الزينة الكحل. وعليك بالطيب، وأطيب الطيب إسباغ الوضوء، وكوني كما قلت لأمك: خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فإني وجدت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب وقال أبو الأسود «٥» : لو أطعنا المساكين في أموالنا كنّا أسوأ حالا منهم. وقال «٦» : لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد. ولو شاء أن يوسّع على الناس كلهم لفعل، فلا تجهدوا أنفسكم في التوسع فتهلكوا هزلا.

стр. 1468

وحدث المدائني قال «١» : كان أبو الأسود جالسا في دهليزه وبين يديه رطب، فجاز به رجل أعرابي فقال: السلام عليك. فقال أبو الأسود: كلمة مقولة. فقال: أدخل؟ فقال: وراءك أوسع لك. قال: إن الرمضاء أحرقت رجلي. قال: بل عليها أو ائت الجبل يفئ عليك. قال: هل عندك شيء تطعمنيه؟ قال: نأكل ونطعم العيال فإن فضل شيء فأنت أحقّ من الكلب. فقال الأعرابي: ما رأيت الأم منك. قال: بلى ولكنك قد أنسيت، قال: أنا ابن الحمامة. قال كن ابن الطاووس، وانصرف. قال: أسألك بالله إلا أطعمتني مما تأكل. فألقى إليه ثلاث رطبات، فوقعت إحداهن في التراب، فأخذ يمسحها بثوبه. فقال أبو الأسود: دعها، فإن الذي تمسحها منه أنظف من الذي تمسحها به. قال: إنما كرهت أن أدعها للشيطان. فقال: لا والله، ولا تدعها لجبريل وميكائيل. وحدث عنه أنه كان مبخلا، وأنه كان يوما على باب داره وبين يديه طبق فيه رطب تمر، فإنه ليأكل من ذلك التمر إذ وقف به أعرابي قد أوغل في البؤس، فسلّم عليه، ثم قال: أصلحك الله، شيخ همّ غابر ماضين ووافد محتاجين، أكله الفقر وأذله الدهر فأعن ضيفا ضعيفا. فمد أبو الأسود يده فناول الشيخ تمرة فرماها الشيخ في وجهه، وولّى وهو يقول: جعلها الله حظك من حظك، وألجأك إليّ كالجائي إليك ليبلوك بي كما بلاني بك. كانت «٢» له امرأة له منها ولد، فخاصمته إلى زياد بن أبيه، فقال أبو الأسود: أصلح الله الأمير، أنا أحق بالولد منها. فقال زياد: ولم؟ فقال أبو الأسود: حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه. قالت: أصلح الله الأمير، وضعه شهوة ووضعته كرها، وحمله خفا وحملته ثقلا. قال زياد: صدقت، أنت أحق بالولد منه. وحدث المدائني «٣» عن أبي بكر الهذلي أن أبا الأسود كان يحدث معاوية يوما فتحرك فضرط، فقال لمعاوية: استرها عليّ. فقال: نعم. فلما خرج حدث بها

стр. 1469

معاوية عمرو بن العاص ومروان بن الحكم، فلما غدا عليه أبو الأسود قال له عمرو: ما فعلت ضرطتك يا أبا الأسود بالأمس؟ قال: ذهبت كما يذهب الريح من شيخ ألان الدهر أعصابه ولحمه عن إمساكها، وكل أجوف ضروط، ثم أقبل على معاوية وقال: إن امرءا ضعفت أمانته ومروءته عن كتمان ضرطة لحقيق بأن لا يؤمن على أمور المسلمين. وبالإسناد قال «١» : كان لأبي الأسود جار يؤذيه ويرميه بالحجارة، فشكا أبو الأسود ذلك إلى قومه وغيرهم، فكلموه ولاموه فقال: لم أرمه، وإنما يرميه الله لقطعه الرحم وسرعته إلى الظلم في بخله بماله، فقال أبو الأسود: ما أجاور رجلا يقطع رحمي ويكذب على الله ربي. فقيل له: وكيف يكذب على ربك؟ فقال: لأنه ، لو رماني ما أخطأني، وهذا فلا يصيبني. ثم باع داره، واشترى دارا في هذيل. فقيل لأبي الأسود: أبعت دارك؟ قال: ما بعت داري وإنما بعت جاري فأرسلها مثلا. ومن شعر أبي الأسود «٢» : وإني ليثنيني عن الشتم والخنا ... وعن سبّ أقوام خلائق أربع حياء وإسلام وبقيا وأنني ... كريم ومثلي قد يضر وينفع فإن أعف يوما عن ذنوب أتيتها ... فإن العصا كانت لذي الجلم تقرع وشتان ما بيني وبينك إنني ... على كل حال أستقيم وتظلع وقال أبو الأسود لابنه أبي حرب وأمره بالسعي في التجارة فأبى وقال: إن كان لي رزق فسيأتيني. فقال «٣» : وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدلاء تجيء بملئها طورا وطورا ... تجيء بحمأة وقليل ماء

стр. 1470

ولا تقعد على كسل التمني ... تحيل على المقادر والقضاء فإن مقادر الرحمن تجري ... بأرزاق الرجال من السماء مقدرة بقبض أو ببسط ... وعجز المرء أسباب البلاء وأهدى إليه المنذر بن الجارود العبدي ثيابا فقال أبو الأسود «١» : كساك ولم تستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر وإنّ أحق الناس إن كنت حامدا ... بحمدك من أعطاك والعرض وافر وحدث قال: خرج أبو الأسود إلى طلحة الطلحات وهو على سجستان فأقام ببابه أياما لا يصل إليه فلما طال عليه كتب إليه: ورد السعاة العاطشون فأنهلوا ... ريّا وطاب لهم لديك المكرع ووردت بحرك ظامئا متدفقا ... فرددت دلوي شنّها يتقعقع وأراك تمطر جانبا عن جانب ... ومحلّ بيتي من سمائك بلقع ويردني طمعا إلى ما ارتجي ... من قد وصلت فإن لبك مشبع فأذن له فدخل وفي يد طلحة حجران يقلبهما فقال: يا أبا الأسود، اختر أحد هذين الحجرين أو عشرة آلاف درهم. فقال: أصلح الله الأمير، ما كنت لآخذ حجرا على عشرين ألف درهم. فأمر له بعشرين ألفا. فلما قبضها قال: أصلح الله الأمير وأكرمه، إن رأى أن يعطيني أحد هذين الحجرين فليفعل. فرمى إليه بالحجرين جميعا، فقدم بهما العراق فباعهما بمائة وخمسين ألف درهم. وأنشد لمروان بن أبي حفصة «٢» : ثلاثة أحدثوا فينا بفطنتهم ... ما ليس يدفعه علم ولا أدب أخو بني الديل دلتنا هدايته ... على إقامة ما قد قالت العرب والشعر صاغ لنا ميزان قسمته ... ذهن الخليل فلا عيب ولا عتب وللغناء بوزن الشعر تسوية ... كما تثقّف في عيدانها القضب فقد أتانا بنقر الموصلى له ... إيقاع حذق به يستجمع الطرب

стр. 1471

وعن الأصمعي قال «١» : كان أبو الأسود يكثر الركوب فقيل له: يا أبا الأسود، لو قعدت في منزلك كان أودع لبدنك وأروح. فقال أبو الأسود: صدقتم، ولكن الركوب أتفرج فيه وأستمع من الخبر ما لا أسمعه في منزلي، واستنشق الريح فترجع إليّ نفسي، وألاقي الإخوان. ولو جلست في منزلي اغتمّ بي أهلي، واستأنس بي الصبي، واجترأت عليّ الخادم، وكلمني من أهلي من يهاب أن يكلمني. وقيل: أصاب أبا الأسود الفالج فكان يخرج إلى السوق يجر رجله وكان موسرا ذا عبيد، فقيل له: فقد أغناك الله عن السعي في حاجاتك، لو جلست في بيتك. فقال: لا، ولكني أخرج، ثم ادخل، فيقول الخادم قد جاء، ويقول الصبي قد جاء، ولو جلست في البيت فبالت عليّ الشاة ما منعها أحد عني. أراد علي بن أبي طالب «٢» ، ﵇، أن يبعث بأبي الأسود حكما، فقال له معاوية بعد ذلك: ما كنت قائلا يا أبا الأسود لو بعثت حكما؟ فقال: لي الأمان على نفسي؟ قال: نعم. قال: وعلى صديقي وأهلي وولدي ومالي؟ قال: نعم. قال: كنت قائلا: يا معشر المسلمين، المهاجرون الأولون أحقّ بها أم أولاد الطلقاء؟ قال له معاوية: اسكت. دخل أبو الأسود على عبد الملك بن مروان فلما اطمأن به المجلس قال له: يا أبا الأسود، ما مالك؟ فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، إنّ خبر القرشي عن ماله على إحدى منزلتين: إن كان فقيرا حقر، وإن كان غنيّا حسد. قال: أقسمت عليك إلا أخبرتني. قال: فأما إذ أبيت فإني أورث، وإرثي ما ورث حاتم طيء وارثه حيث يقول «٣» : متى ما يجىء يوما إلى المال وارثي ... يجد جمع كفّ غير ملء ولا صفر يجد فرسا مثل العنان وصارما ... حساما إذا ما هز لم يرض بالهر وأسمر خطيا كأنّ كعوبه ... نوى القسب قد أربى ذراعا على العشر

стр. 1472

قال: فلا يفيدك مع هذا مال، قال إني إلى ذلك لمحتاج، فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقال «١» : العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاطلب هديت فنون العلم والأدبا كم سيّد بطل آباؤه نجب ... كانوا رؤوسا فأضحى بعدهم ذنبا ومقرف خامل الآباء ذي أدب ... نال المعالي بالآداب والرّتبا العلم ذخر وكنز لا نفاد له ... نعم القرين ونعم الخدن إن صحبا قد يجمع المال شخص ثم يحرمه ... عمّا قليل فيلقى الذلّ والحربا وجامع العلم مغبوط به أبدا ... فلا يحاذر فيه الفوت والسّلبا يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلنّ به درّا ولا ذهبا وقال «٢» : فلا تشعرنّ النفس يأسا فإنما ... يعيش بجدّ حازم وبليد ولا تطمعن في مال جار لقربه ... فكلّ قريب لا ينال بعيد وقال «٣» : تعوّدت مسّ الضّرّ حتى ألفته ... وأسلمني طول البلاء إلى الصبر ووسّع صدري للأذى كثرة الأذى ... وكان قديما قد يضيق به صدري إذا أنا لم أقبل من الدّهر كلّ ما ... ألاقيه منه طال عتبي على الدهر وقال «٤» : ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكلّ أمر منكر وبقيت في خلف يزكّي بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور فطن لكلّ مصيبة في ماله ... وإذا أصيب بعرضه لم يثر

стр. 1473

حرف العين [٦١٩] عاصم بن أبي النجود: المقرىء أحد القراء السبعة، واسم أبي النجود بهدلة، وقيل بهدلة اسم أمه، وأبو النجود اسمه كنيته. حدث عن أبي وائل وأبي بردة وأبي صالح السمان وزر بن حبيش، والمسيب بن رافع، وأبي رزين وأبي الضحى. وروى عنه جماعة منهم سليمان الأعمش، وشعبة، وحمّاد بن زيد، وحمّاد بن سلمة والثوري، وشريك بن عبد الله، وسفيان بن عيينة، وأبو بكر ابن عياش. ووفد على عمر بن عبد العزيز. قال أبو الحسين ابن فارس: قال لي علي بن إبراهيم القطان: عاصم بن أبي النّجود من أي شيء أخذ؟ قلت: لا أدري. فقال: من قال النّجود بفتح النون فهي الأتان، ومن قال النّجود بالضم فهو جمع نجد، وهو الطريق. مات سنة تسع وعشرين ومائة؛ ومولده في حرّة بني سليم بن منصور، وهو مولى لبني جذيمة بن مالك بن نصر بن قعين ثم من بني أسد بن خزيمة بن مدركة. وهو من أهل الكوفة. قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب، ﵇. قال عاصم: كنت أقرأ على أبي عبد الرحمن، فإذا رجعت

стр. 1474

من عنده عرضت ذلك على زر بن حبيش. وكان زر قد قرأ على عبد الله بن مسعود. وكان أبو عبد الرحمن السلمي جليل القدر، عظيم الخطر، أقام بالكوفة سنة أربعين يقرىء الناس في مسجدها الأعظم في أيام عثمان بن عفان، ثم عرضه على علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت. وكان معلما للحسن والحسين، صلوات الله عليهما، وكذلك زر بن حبيش الأسدي فإنه كان قد جمع بين العلم والعمل، وكان عارفا بالنحو والغريب، عالما بالتأويل والتنزيل. قرأ على عثمان وعلى عبد الله بن مسعود. وكان فصيحا، وبلغ من السنّ عشرين ومائة سنة، وهو معدود في جلة التابعين. ولما مات السلمي جلس عاصم مكانه في المسجد الجامع بالكوفة، وعاصم معدود في الطبقة الثالثة من التابعين بالكوفة. مات بأرض السّماوة يريد الشام. وكان عاصم صاحب همز ومدّ، وقراءة شديدة، وكان شديد التنطع. [٦٢٠] عالي بن عثمان بن جنّي ، أبو سعد البغدادي: كان نحويا أديبا حسن الخط، أخذ عن أبي الفتح ابن جنّي والوزير عيسى بن عليّ، وأخذ عنه الأمير أبو نصر ابن ماكولا وغيره. مات سنة سبع أو ثمان وخمسين وأربعمائة. [٦٢١] عامر بن شراحيل بن مسعود بن قيس ذي لعوة الشعبي منسوب إلى ذي

стр. 1475

الشعبين جبل باليمن، وهم من ولد حسان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن عوف بن قطن بن غريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير. كان الشعبي أعلم خلق الله بأشعار العرب وأنسابها وأيامها ووقائعها، وأما الفقه والأخبار النبوية، فكان فيه أوحد زمانه وفرد أوانه، وهو من أهل الكوفة، وولي القضاء بها، وكان يقول: ولدت عام جلولاء سنة تسع عشرة، لسبع سنين مضت من خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁. وكانت أمه من سبي جلولاء، ومات بالكوفة سنة أربع ومائة. وكان الشعبي كاتبا لعبد الله بن مطيع العدوي، وكتب أيضا لعبد الله بن يزيد الحطمي عامل ابن الزبير على الكوفة، وكان الشعبي في من خرج من القراء على الحجاج، وشهد دير الجماجم مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان في من أفلت. ولّي ابن هبيرة الشعبيّ القضاء وكلفه أن يسمر معه، فقال الشعبي: لا أستطيع هذا، أفردني بأحد الأمرين، لا أستطيع القضاء وسمر الليالي. عامر بن مسلم قال: إني لجالس في مسجد الكوفة، ومعنا هذيل الأشعبيّ والشعبي جالس في مجلس القضاء إذ مرّت بنا أم جعفر بنت عيسى بن جراد، وكانت امرأة حسنة وعليها كساء خزّ إلى مجلس القضاء في خصومة لها، فذهبت إليه ثم رجعت، فقال لها هذيل: ما صنعت؟ فقالت: سألني البينة، ومن يسأل البيّنة فقد فلج، قال هذيل: عليّ بدواة وقرطاس، وكتب إلى الشعبي: بنت عيسى بن جراد ... ظلم الخصم لديها فتن الشعبيّ لمّا ... رفع الطرف إليها فتنته بحديث ... وبياضي معصميها ومشت مشيا رويدا ... ثم هزت كتفيها
следующие страницы →