وعن الأصمعي قال «١» : كان أبو الأسود يكثر الركوب فقيل له: يا أبا الأسود، لو قعدت في منزلك كان أودع لبدنك وأروح. فقال أبو الأسود: صدقتم، ولكن الركوب أتفرج فيه وأستمع من الخبر ما لا أسمعه في منزلي، واستنشق الريح فترجع إليّ نفسي، وألاقي الإخوان. ولو جلست في منزلي اغتمّ بي أهلي، واستأنس بي الصبي، واجترأت عليّ الخادم، وكلمني من أهلي من يهاب أن يكلمني.
وقيل: أصاب أبا الأسود الفالج فكان يخرج إلى السوق يجر رجله وكان موسرا ذا عبيد، فقيل له: فقد أغناك الله عن السعي في حاجاتك، لو جلست في بيتك.
فقال: لا، ولكني أخرج، ثم ادخل، فيقول الخادم قد جاء، ويقول الصبي قد جاء، ولو جلست في البيت فبالت عليّ الشاة ما منعها أحد عني.
أراد علي بن أبي طالب «٢» ، ﵇، أن يبعث بأبي الأسود حكما، فقال له معاوية بعد ذلك: ما كنت قائلا يا أبا الأسود لو بعثت حكما؟ فقال: لي الأمان على نفسي؟ قال: نعم. قال: وعلى صديقي وأهلي وولدي ومالي؟ قال: نعم. قال:
كنت قائلا: يا معشر المسلمين، المهاجرون الأولون أحقّ بها أم أولاد الطلقاء؟ قال له معاوية: اسكت.
دخل أبو الأسود على عبد الملك بن مروان فلما اطمأن به المجلس قال له: يا أبا الأسود، ما مالك؟ فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، إنّ خبر القرشي عن ماله على إحدى منزلتين: إن كان فقيرا حقر، وإن كان غنيّا حسد. قال: أقسمت عليك إلا أخبرتني. قال: فأما إذ أبيت فإني أورث، وإرثي ما ورث حاتم طيء وارثه حيث يقول «٣» :
متى ما يجىء يوما إلى المال وارثي ... يجد جمع كفّ غير ملء ولا صفر
يجد فرسا مثل العنان وصارما ... حساما إذا ما هز لم يرض بالهر
وأسمر خطيا كأنّ كعوبه ... نوى القسب قد أربى ذراعا على العشر
стр. 1472
قال: فلا يفيدك مع هذا مال، قال إني إلى ذلك لمحتاج، فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وقال «١» :
العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاطلب هديت فنون العلم والأدبا
كم سيّد بطل آباؤه نجب ... كانوا رؤوسا فأضحى بعدهم ذنبا
ومقرف خامل الآباء ذي أدب ... نال المعالي بالآداب والرّتبا
العلم ذخر وكنز لا نفاد له ... نعم القرين ونعم الخدن إن صحبا
قد يجمع المال شخص ثم يحرمه ... عمّا قليل فيلقى الذلّ والحربا
وجامع العلم مغبوط به أبدا ... فلا يحاذر فيه الفوت والسّلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلنّ به درّا ولا ذهبا
وقال «٢» :
فلا تشعرنّ النفس يأسا فإنما ... يعيش بجدّ حازم وبليد
ولا تطمعن في مال جار لقربه ... فكلّ قريب لا ينال بعيد
وقال «٣» :
تعوّدت مسّ الضّرّ حتى ألفته ... وأسلمني طول البلاء إلى الصبر
ووسّع صدري للأذى كثرة الأذى ... وكان قديما قد يضيق به صدري
إذا أنا لم أقبل من الدّهر كلّ ما ... ألاقيه منه طال عتبي على الدهر
وقال «٤» :
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكلّ أمر منكر
وبقيت في خلف يزكّي بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور
فطن لكلّ مصيبة في ماله ... وإذا أصيب بعرضه لم يثر
стр. 1473
حرف العين
[٦١٩] عاصم بن أبي النجود: المقرىء
أحد القراء السبعة، واسم أبي النجود بهدلة، وقيل بهدلة اسم أمه، وأبو النجود اسمه كنيته. حدث عن أبي وائل وأبي بردة وأبي صالح السمان وزر بن حبيش، والمسيب بن رافع، وأبي رزين وأبي الضحى. وروى عنه جماعة منهم سليمان الأعمش، وشعبة، وحمّاد بن زيد، وحمّاد بن سلمة والثوري، وشريك بن عبد الله، وسفيان بن عيينة، وأبو بكر ابن عياش. ووفد على عمر بن عبد العزيز.
قال أبو الحسين ابن فارس: قال لي علي بن إبراهيم القطان: عاصم بن أبي النّجود من أي شيء أخذ؟ قلت: لا أدري. فقال: من قال النّجود بفتح النون فهي الأتان، ومن قال النّجود بالضم فهو جمع نجد، وهو الطريق.
مات سنة تسع وعشرين ومائة؛ ومولده في حرّة بني سليم بن منصور، وهو مولى لبني جذيمة بن مالك بن نصر بن قعين ثم من بني أسد بن خزيمة بن مدركة. وهو من أهل الكوفة. قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب، ﵇. قال عاصم: كنت أقرأ على أبي عبد الرحمن، فإذا رجعت
стр. 1474
من عنده عرضت ذلك على زر بن حبيش. وكان زر قد قرأ على عبد الله بن مسعود.
وكان أبو عبد الرحمن السلمي جليل القدر، عظيم الخطر، أقام بالكوفة سنة أربعين يقرىء الناس في مسجدها الأعظم في أيام عثمان بن عفان، ثم عرضه على علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت. وكان معلما للحسن والحسين، صلوات الله عليهما، وكذلك زر بن حبيش الأسدي فإنه كان قد جمع بين العلم والعمل، وكان عارفا بالنحو والغريب، عالما بالتأويل والتنزيل. قرأ على عثمان وعلى عبد الله بن مسعود. وكان فصيحا، وبلغ من السنّ عشرين ومائة سنة، وهو معدود في جلة التابعين.
ولما مات السلمي جلس عاصم مكانه في المسجد الجامع بالكوفة، وعاصم معدود في الطبقة الثالثة من التابعين بالكوفة. مات بأرض السّماوة يريد الشام. وكان عاصم صاحب همز ومدّ، وقراءة شديدة، وكان شديد التنطع.
[٦٢٠] عالي بن عثمان بن جنّي
، أبو سعد البغدادي: كان نحويا أديبا حسن الخط، أخذ عن أبي الفتح ابن جنّي والوزير عيسى بن عليّ، وأخذ عنه الأمير أبو نصر ابن ماكولا وغيره. مات سنة سبع أو ثمان وخمسين وأربعمائة.
[٦٢١] عامر بن شراحيل بن مسعود بن قيس ذي لعوة الشعبي
منسوب إلى ذي
стр. 1475
الشعبين جبل باليمن، وهم من ولد حسان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن عوف بن قطن بن غريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير.
كان الشعبي أعلم خلق الله بأشعار العرب وأنسابها وأيامها ووقائعها، وأما الفقه والأخبار النبوية، فكان فيه أوحد زمانه وفرد أوانه، وهو من أهل الكوفة، وولي القضاء بها، وكان يقول: ولدت عام جلولاء سنة تسع عشرة، لسبع سنين مضت من خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁. وكانت أمه من سبي جلولاء، ومات بالكوفة سنة أربع ومائة. وكان الشعبي كاتبا لعبد الله بن مطيع العدوي، وكتب أيضا لعبد الله بن يزيد الحطمي عامل ابن الزبير على الكوفة، وكان الشعبي في من خرج من القراء على الحجاج، وشهد دير الجماجم مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان في من أفلت.
ولّي ابن هبيرة الشعبيّ القضاء وكلفه أن يسمر معه، فقال الشعبي: لا أستطيع هذا، أفردني بأحد الأمرين، لا أستطيع القضاء وسمر الليالي.
عامر بن مسلم قال: إني لجالس في مسجد الكوفة، ومعنا هذيل الأشعبيّ والشعبي جالس في مجلس القضاء إذ مرّت بنا أم جعفر بنت عيسى بن جراد، وكانت امرأة حسنة وعليها كساء خزّ إلى مجلس القضاء في خصومة لها، فذهبت إليه ثم رجعت، فقال لها هذيل: ما صنعت؟ فقالت: سألني البينة، ومن يسأل البيّنة فقد فلج، قال هذيل: عليّ بدواة وقرطاس، وكتب إلى الشعبي:
بنت عيسى بن جراد ... ظلم الخصم لديها
فتن الشعبيّ لمّا ... رفع الطرف إليها
فتنته بحديث ... وبياضي معصميها
ومشت مشيا رويدا ... ثم هزت كتفيها
стр. 1476
وقضى جورا على الخص ... م ولم يقض عليها
قال للجلواز قدّم ... ها وأحضر شاهديها
كيف لو أبصر منها ... نحرها أو ساعديها
لسعى حتى تراه ... ساجدا بين يديها
فلما قرأ الشعبي الأبيات قال: أرغم الله أنفه ما قضينا إلا بالحق. وفي رواية أن الشعبي قال: إن كنت كاذبا فأعمى الله بصرك، فعمي الرجل.
ومن طريف الأخبار قال ابن شاهين، ما رفعه إلى إسماعيل بن مسلم قال:
رأيت الشعبي قد قمر في الشطرنج، وقد أقيم في الشمس وفي لحيته ريشة.
وحدث الشعبي قال «١» : أرسلني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم فلما قدمت إليه ودفعت إليه كتابه جعل يسألني عن أشياء فأخبره بها فأقمت عنده أياما، ثم أخذت جواب كتابي، فلما انصرفت دفعت الكتب إلى عبد الملك فجعل يقرأها، ويتغير لونه ويصفر ويخضر، قال: يا شعبي: علمت ما كتب الطاغية؟ قلت: يا أمير المؤمنين كانت الكتب مختومة، ولو لم تكن مختومة لما قرأتها، وهي إليك. قال:
إنه كتب إليّ أنه لم يكن ينبغي للعرب أن تملّك عليها إلا من أرسلت به إليّ. قال:
فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه لم يرك قال: فسرّي عنه ما كان به، وضحك.
قدم الشعبي من البصرة فقالوا له: كيف تركت إخواننا؟ قال: تركتهم وقد سادهم مولاهم، يعني الحسن البصري. وذلك أنه استغنى عنهم في دنياهم، فاحتاجوا إليه في دينهم.
وقال الشعبي: البس من الثياب ما لا يزدريك فيه السفهاء ولا يعيبه عليك العلماء.
وقيل: حضر عبد الله بن عمر ﵄ والشعبي يورد المغازي فقال ابن عمر: إنه يحدث بأمر قد شهدناه وغاب فكأنه قد شهد وغبنا.
وحدث الأعمش قال، قال لي الشعبي: يا أعمش، إن أكرم الناس أسرعهم
стр. 1477
مودة وأبطأهم عداوة مثل الكوز من الفضة بطيء الانكسار سريع الانجبار، وإن لئام الناس أبطأهم مودة، وأسرعهم عداوة مثل الكوز من الفخار يسرع الانكسار ويبطىء الانجبار.
وحدث داود بن أبي هند عن الشعبي قال: صاد رجل قنبرة، فلما صارت في يده قالت: ما تريد أن تصنع بي؟ قال: أريد أن أذبحك لآكلك. قالت: فإني لا أشفي من قرم، ولا أشبع من جوع، وإن تركتني علّمتك ثلاث كلمات هي خير لك من أكلي. أما الأولى فأعلمك وأنا في يدك، وأما الثانية فأعلمك وأنا على الشجرة، وأما الثالثة فأعلمك وأنا على الجبل. فقال: هات. قالت: لا تتلهفنّ على ما فاتك، ثم تركها، فصارت على الشجرة، ثم قالت: لا تصدق بما لا يكون حتى يكون، ثم قالت: يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درّتين هما خير كنز لك. فعض على شفته وتلهّف. ثم قال علميني الثالثة فقالت: [لقد علمتك] الاثنتين فكيف أعلمك الثالثة؟ ألم أقل لك: لا تتلهف على ما فاتك، ولا تصدق ما لا يكون أنه يكون. أما ريشي ولحمي وزن درهمين فكيف يكون في حوصلتي درتان؟ ثم طارت فذهبت.
قال الشعبي: كنت مع قتيبة بن مسلم بخراسان على مائدته فقال لي: يا شعبي، من أي شراب تريد أن أسقيك؟ قلت: أهونه موجودا وأعزه مفقودا، فقال: يا غلام:
اسقه الماء.
قال الشعبي لبعض أصحابه يوما: تعال حتى نفر من أصحاب الحديث قال:
فمضينا حتى أتينا الجبانة. قال: فلزم كوما من التراب ثم اتكأ عليها، فمر بنا شيخ من أهل الحيرة عبادي، فقال له الشعبي: يا عبادي ما صناعتك؟ قال له: رفّاء. قال:
عندنا دنّ مكسور ترفوه لنا؟ قال: إن هيأت لي سلوكا من رمل رفيت لك ذلك.
فضحك الشعبي حتى استلقى، ثم قال: هذا أحب إلينا من مجالسة أصحاب الحديث البغضاء.
وكان الشعبي ينشد «١» :
стр. 1478
أرى أناسا بأدنى الدين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا بالعيش بالدون
فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدين
قال خالد: تذاكرنا الشعر بحضرة الشعبي فأنشدنا «١» :
خليليّ مهلا طالما لم أقل مهلا ... وما سرفا مني أقول ولا جهلا
وإن صبا ابن الأربعين سفاهة ... فكيف مع اللاتي مثلن به مثلا
يقول لي المفي وهنّ عشية ... بمكة يسحبن المهدّبة السّحلا
تق الله لا تنظر إليهنّ يا فتى ... وما خلتني في الحج ملتمسا وصلا
منها:
فو الله لا أنسى وقد شطت النوى ... عرانينهن الشمّ والأعين النّجلا
ولا المسك من أعرافهن ولا البرى ... جواعل في أعناقها قصبا خدلا
خليليّ لو ما الله ما قلت مرحبا ... لأوّل شيبات طلعن ولا أهلا
خليليّ إن الشيب داء كرهته ... فما أحسن المرعى وما أقبح المحلا
[٦٢٢] عامر بن عمران بن زياد أبو عكرمة الراوية الضبي السرمري
من أهل سرّ من رأى: كان نحويا لغويا أخباريا حدث عن العتبي وأخذ عن ابن الأعرابي وإسحاق بن إبراهيم الموصلي وعنه القاسم بن محمد بن بشار الأنباري. وكان أعلم الناس بأشعار العرب وأرواهم لها، وكان في أخلاقه شراسة. وصنف كتاب الخيل. وكتاب الابل والغنم. مات سنة خمسين ومائتين.
стр. 1479
[٦٢٣] عامر بن محمد بن كسنين أبو العلاء
رجل أديب عالم بالنحو واللغة وأخبار الناس. من شعره:
وفتيان صدق صباح الوجوه ... لا يجدون لشيء ألم
ولا ينظرون لذي نعمة ... إذا نظر الناس عند النعم
من آل المغيرة لا يشهدون ... عند المجازر لحم الوضم
فإما تريني عز [يز الرقاد] ... طويل السهاد كثير السقم
كثير التقلب فوق الفراش ... وما إن أقلّ لساق قدم
فذاك لفقدان أهل الوفاء ... وأهل السماح وأهل الكرم
[٦٢٤] عبادة بن عبد الله بن ماء السماء أبو بكر:
من فحول شعراء الأندلس متقدم فيهم. مات سنة تسع عشرة وأربعمائة، وسبب موته أنه ضاعت منه مائة دينار فاغتمّ عليها غمّا كان سبب وفاته. ومن شعره يستأذن على الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم بديهة، ويسأله الوصول إليه:
يا قمرا ليلة إكماله ... ومغرقي في بحر أفضاله
عبد أياديك وإحسانها ... يسألك المنّ بإيصاله
فإن تفضلت فكم نعمة ... جدت بها لصلح أحواله
وإن يكن عذر فيكفيه أن ... عرّف مولاه بإقباله
له كتاب في أخبار شعراء الأندلس.
стр. 1480
[٦٢٥] العباس بن أحمد بن مطروح بن سراج بن محمد الأزدي أبو عيسى الأحمدي
الأديب: من أهل مصر. مات سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
[٦٢٦] العباس بن أحمد بن موسى بن أبي موسى أبو الفضل النحوي اللغوي:
من أصحاب أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي في طبقة أبي الفتح ابن جنّي. مات سنة إحدى وأربعمائة.
[٦٢٧] العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة، أبو الفضل الحنفي اليمامي:
شاعر مجيد رقيق الشعر من شعراء الدولة العباسية إلا أن كل شعره غزل لا مديح فيه ولا هجاء ولا شيئا من سائر ضروب الشعر، توفي سنة اثنتين وتسعين ومائة ببغداد، ومن شعره «١» :
لا بدّ للعاشق من وقفة ... تكون بين الصدّ «٢» والصرم
стр. 1481
حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم
وقال «١» :
قلبي إلى ما ضرني داعي ... يكثر أشجاني وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي
وقال «٢» :
وإني ليرضيني قليل نوالكم ... وان كنت لا أرضى لكم بقليل
بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الودّ إلا عدتم بجميل
وقال «٣» :
يا فوز يا منية عبّاس ... قلبي يفدي قلبك القاسي
أسأت إذ أحسنت ظني بكم ... والحزم سوء الظن بالناس
يقلقني الشوق فآتيكم ... والقلب مملوء من الياس
وقال «٤» :
أبكي الذين أذاقوني مودّتهم ... حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا
واستنهضوني فلما قمت منتصبا ... بثقل ما حملوني منهم قعدوا
وشعره كله غاية في الجودة والانسجام والرقة، وله ديوان لطيف يتداوله الناس وفي بعض نسخه اختلاف.
стр. 1482
[٦٢٨] العباس بن الفرج أبو الفضل الرياشي:
كان مولى لبني رياش، ورياش مولى عباسة زوجة محمد بن سليمان الهاشمي، وقيل إنما قيل له الرياشي لأن أباه كان عند رجل يقال له رياش فبقي عليه نسبه. كان من كبار النحاة وأهل اللغة راوية للشعر، أخذ عن الأصمعي وكان يحفظ كتبه وكتب أبي زيد، وقرأ على المازني النحو، وقرأ عليه المازني اللغة.
قال المبرد: سمعت المازني يقول: قرأ الرياشي عليّ «كتاب سيبويه» فاستفدت منه أكثر مما استفاد مني، يعني أنه أفاد منه لغته وشعره، وأفاده هو النحو.
وأخذ عنه أبو العباس المبرّد وأبو بكر محمد بن دريد. وكان الرياشي ثقة فيما يرويه وله تصانيف منها: كتاب الخيل. وكتاب الإبل. وكتاب ما اختلفت أسماؤه من كلام العرب، وغير ذلك. مات مقتولا في واقعة الزنج بالبصرة في خلافة المعتمد على الله سنة سبع وخمسين ومائتين.
حدث ابن دريد قال «١» : سألت الرياشي عن الوامق والعاشق، وكان شكسا لا سيما إذا سئل عن الشعر والغريب. فقال: أخبرنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: نزل عثمان بن قيس مكة على أروى بنت كريز أم عثمان بن عفان، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب وهي توأمة عبد الله أبي النبي، ﷺ ، فأكرمت مثواه، فرحل عنها وأنشأ يقول:
стр. 1483
خلّف على أروى السلام فإنما ... جزاء الثّويّ أن يعفّ ويحمدا
سأرحل عنها وامقا غير عاشق ... جزى الله خيرا ما أعفّ وأمجدا
قال ابن دريد: ولم يزدني على هذا الجواب، فسألت أبا حاتم فقال: المقة محبة الوالد لولده والأخ لأخيه، والصاحب لصاحبه. والعشق عشق الرجل المرأة للحب والنكاح.
وحدث المبرد قال، قال الرياشي: خرجت يوما نصف النهار في يوم صائف بالبصرة فإذا أنا بحبشي متلفّف بكسائه فضربته برجلي فثار كما يثور البعير «١» ، قلت:
ما قرأ لي أحد خوف البين، (فقلت له) فهل قلت في ذلك شعرا؟ قال: نعم، وأنشدني:
نمّت بأسرار القلوب عيون ... ونفى ظنون ذوي الظنون يقين
وتحدثت فرق بأن فراقنا ... لا كان بعد تواصل سيكون
فبليت من ألم الفراق ولم تحن ... أسباب ذاك فكيف حين تحين
وأنشدوا للرياشي «٢» :
أنكرت من بصري ما كنت أعرفه ... واسترجع الدهر ما قد كان يعطينا
أبعد سبعين قد ولّت وسابعة ... أبغي الذي كنت أبغيه ابن عشرينا
وكان الرياشي ديّنا. وكان لأبي حاتم إلى الأمير الفضل بن إسحاق حاجة وكان يرى أنه واجد عليه، فأتى أبو حاتم إلى الرياشي وقال له: لم آت أحدا غيرك، قال الرياشي: فكتبت عن أبي حاتم إلى الأمير:
أبت لك أن يخشى عدوّك صولة ... عليه إذا ما أمكنتك مقاتله
سما بك عفو من أبيك ورثته ... ومن حسن أخلاق الرجال شمائله «٣»
قال الرياشي: وما جاءت إلا بتعب، ثم قال: وأستغفر الله منها.
فأما مقتله «٤» فإن الزنج لما دخلوا البصرة دخلوا مسجده بأسيافهم، وكان
стр. 1484
الرياشي قائما يصلي، فضربوه بالسيوف، وقالوا: هات المال، فجعل يقول: أي مال، أي مال؟ حتى مات. فلما دخلوا بعد سنتين دخلوا ذلك المسجد وهو ملقى مستقبل القبلة كأنما وجّه إليها، وجميع خلقه صحيح لم يتغير له حال، إلا أن جلده قد لصق بعظمه ويبس.
وقال الحسن بن عليل العنزي: ثم رأيته في النوم بعد قتله فقلت: ما صنع الله بك يا أبا الفضل؟ قال: غفر لي ورحمني وأدخلني جنته. فقلت له: أدخلك الجنة؟
فقال: إي والله، وأقعدني بين سفيان الثوري والأعمش.
حدث المبرد قال «١» : كان الرياشي والله أحمق، ومن حمقه أنه كان إذا صام لا يبلع ريقه.
[٦٢٩] العباس بن محمد بن أبي محمد اليزيدي:
قد مرّ ذكر أبيه وجده، وذكر جماعة من أهل هذا البيت فإنه نسب معروف بالأدب. مات هذا العباس سنة إحدى وأربعين ومائتين.
[٦٣٠] العباس بن محمد أبو الفضل:
يعرف بعرّام. كان رقيقا، له رسيلات تجري مجرى الطنز واللهو.
стр. 1485
[٦٣١] عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن حكيم أبو حكيم الخبري
- بفتح المعجمة، وسكون الموحدة- المعلم، وخبر في بلاد فارس: كان يسكن درب الشاكرية، عارفا بالنحو والأدب واللغة والفرائض.
قال القاضي الأكرم أبقى الله مهجته في «أخبار النحاة» «١» : كان متمكنا من علم العربية ويكتب الخط الحسن، تفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وبرع في الفرائض والحساب وصنف فيهما، وشرح الحماسة وديوان البحتري وعدة دواوين، وسمع الحديث من أبي محمد الجوهري «٢» وجماعة، وحدّث باليسير. وكان مرضيّ الطريقة ديّنا صدوقا. روى عنه سبطه أبو الفضل ابن ناصر أنه كان يكتب يوما وهو مستند فوضع القلم من يده وقال: إن هذا موت مهنّأ طيّب، ثم مات، وكان ذلك يوم الثلاثاء ثاني عشرين ذي الحجة سنة ست وسبعين وأربعمائة.
[٦٣٢] أبو هفان عبد الله بن أحمد بن حرب بن خالد بن مهزم
بن العرد بن مهزم بن الجوين بن مخاشن بن الصيق بن مالك بن مرة بن عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو ابن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن حاشد بن
стр. 1486
ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وهو جد أبي هفّان المهزمي لأمّه، وهو شاعر خطيب، كان على البصرة أيام المأمون، وهو القائل:
كريم له نفس تثبّى بلينها ... لتدفع عن سلطانها عظم القدر
إذا ما دعته نفسه عظم قدره ... دعاه إلى تسكينها عظم القدر «١»
أبو هفان نحوي لغوي أديب راوية من أهل البصرة، وكان مقترا عليه ضيق الحال متهتكا شرابا للنبيذ، روى عنه جماعة من أهل العلم منهم يموت بن المزرع وروى هو عن الأصمعي.
قيل: زار أبو هفان سعيد بن حميد إلى عمل قد كان تولاه فأقام عنده واشتغل عنه ابن حميد أياما بقوم من أهل عمله إلى منازلهم فأجابهم، فقال أبو هفان:
وأغرّ من ولد الملوك كأنه ... في عين حاسده الربيع المبقل «٢»
قد كان أنزلني ففرّ من القرى ... وغدا على أهل القرى يتنزل
فأكرمه سعيد وأرضاه وأقام عنده مدة. ثم أنكر أبو هفان تغيرا من أنس كان منه، فانصرف عنه عاتبا عليه، وقال:
قل لابن كسرى سعيد في تتايهه ... ما كان كسرى على هذا من الصلف
سعيد يا ابن حميد كنت واسطة ... من جوهر العقد فاستأخرت في الطرف
قد كنت تسرف في ذكري وفي صفتي ... فاليوم صرت ترى ذكري من السّرف
أراك ذا كلف بالمال تجمعه ... وإنني بالمعالي دائم الكلف
فاذهب فما أنت من شكلي فتصحبني ... ولا تداني في نفس وفي سلف
حجبت عنك ولم أحسبك تحجبني ... عن حرمة ما حمي أنف من الأنف
تيه الفتى بالغنى لؤم ومفسدة ... للدين والعرض ماح آية الشرف
لقد عهدتك لي دهرا أخا ثقة ... تودّ أنك تفديني من التلف
فغيّرت ودّك الدنيا وزخرفها ... وكان ذاك بأدناها على نطف
стр. 1487
ما زلت مذ كنت مسموم السهام وما ... قصّرت عن غرّة القرطاس في الهدف
إني أعيذك بي من مجتنى غضبي ... كما أعوذ بودّ منك مؤتنف
لي منك في كلّ من أحببته خلف ... وليس مني لو استخلفت من خلف
حدث أحمد بن أبي طاهر قال: لما قدم أبو هفان من البصرة اشتملنا عليه فلم يكن يفارقنا، وكنا إذا تمازحنا ذهب بنفسه وقال: أنا لا أمزح باليدين ولا الوالدين، فغاظنا ذلك منه، وكنا نجلّه لمكانه من الأدب والرواية، فلما كثر ذلك علينا من قوله شربنا معه يوما حتى عمل فينا النبيذ وفيه، وكنا نتهيّب الإقدام عليه، فلم نزل حتى صفعناه وصافعنا وترك ما كان عليه.
ومن شعر أبي هفان في إبراهيم بن المدّبر «١» :
يا ابن المدبّر أنت علّمت الورى ... بذل النوال وهم به بخلاء
لو كان مثلك في البرية آخر ... في الجود لم يك بينهم فقراء
ومن شعره من أبيات:
ألا يا عاشق الظبيات جهلا ... أترضى أن تكون أبا السّفول «٢»
أترضى للهوى من ليس يرضى ... على ضيق الهوى ألفي خليل
ومن شعره «٣» :
لعمري لئن بيّعت في دار غربة ... ثيابي لمّا أعوزتني المآكل
فما أنا إلا السيف يأكل جفنه ... له حلية من نفسه وهو عاطل
وله:
ومغن يورث الندمان ... بالبرد زكاما
لو تغنّى في حريق ... صار بردا وسلاما
وجدت «٤» في بعض الكتب أن دعبل بن علي الخزاعي دعا أبا هفان في دعوة أطعمه ألوانا كثيرة من الحبوب، وسقاه نبيذا حلوا، وغمز الجواري أن لا يدللنه على
стр. 1488
الخلاء، ثم تركه وتناوم فلما أجهده الأمر قال لبعض الجواري: أين الخلاء؟ فقالت لها الأخرى: ما يقول سيدي قالت: يقول غنوني:
خلا من آل عاتكة الديار ... فمثوى أهلها منها قفار
فغنت هذه وزمرت هذه وضربت هذه، وشربوا أقداحا وسقوه فقال: أحسنتم وجوّدتم غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي وسكت. فلما أجهده الأمر قال: لعلّ الجارية بغدادية، فالتفت إلى الأخرى فقال لها: فداك أبوك، اين المستراح؟ فقالت الأخرى: ما يقول سيدي، فقالت: يقول غني:
وأستريح إلى من لست آلفه ... كما استراح عليل من تشكّيه
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحا وسقوه فقال: أحسنتم، غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي، ثم أجهده الأمر فقال: لعلّ الجارية بصرية لم تفهم ما قلت، فقال للأخرى: أين المتوضا؟ فقالت الأخرى: ما يقول سيدي؟ قالت:
يقول غنوني:
توضأ للصلاة وصلّ خمسا ... وباكر بالمدام على النديم
فضربت هذه وزمرت هذه وغنت هذه وشربوا أقداحا وسقوه فقال: أحسنتم وجودتم، غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي، ثم قال: لعلهن حجازيات، فقال لاحداهن: فداك أبوك أين الحشّ؟ فقالت الأخرى: ما يقول سيدي؟ فقالت: يقول غنوني:
وحاشاك أن أدعو عليك وإنما ... أردت بهذا القول أن تقبلي عذري
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحا وسقوه فقال: أحسنتم وجودتم، غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي، ثم أجهده الأمر فقال: لعلهن كوفيات فقال: فداكن أبوكن، أين الكنيف؟ فقالت واحدة للأخرى، ما يقول؟ قالت: يقول غنوني:
تكنّفني الواشون من كلّ جانب ... ولو كان واش واحد لكفاني
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحا، فما تمالك حتى وثب قائما
стр. 1489
وحلّ سراويله وزرق على وجوههن، فتصارخن، فانتبه دعبل فقال: ما شأنك يا أبا هفان؟ فقال:
تكنّفني السّلاح وأضجروني ... على ما بي بنّيات الزواني
فلما قلّ عن حمل اصطباري ... رميت به على وجه الغواني
فقام دعبل فدلّه على الخلاء، فدخل واغتسل، وخلع عليه خلعا، وتضاحكوا مليا.
قال سعيد بن حميد لأبي هفان «١» : لئن ضرطت عليك ضرطة لا بلغنك إلى فيد، فقال له أبو هفان: بادرني بأخرى تبلغني إلى مكة فإني صرورة «٢» .
[٦٣٣] عبد الله بن أحمد بن علي بن هبة الله بن المأمون الهاشمي البغدادي
القاضي الأديب، [قوام الدين] :
«اجتمعت «٣» به ببغداد سنة اثنتي عشرة وستمائة. وسمع كتاب الجمهرة لابن دريد عن أبي المعالي أحمد بن عبد الغني بن حنيفة الباجسري بروايته عن ثابت بن إبراهيم البقال عن ابن رزمة. وله أشعار حسنة فصيحة» [وكانت وفاته بمدينة السلام في المحرم سنة عشرين وستمائة] .
стр. 1490
[٦٣٤] عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي أبو القاسم
البلخي المتكلم، المفسر، الأديب شيخ المعتزلة ورئيسهم في زمانه وراعيتهم، من نظراء أبي علي الجبائي، مات سنة تسع عشرة وثلاثمائة.
وكان يكتب الانشاء لبعض الأمراء وهو أحمد بن سهل متولي نيسابور، فثار أحمد ورام الملك فلم يتم له، وأخذ الكعبي وسجن مدة ثم خلصه وزير بغداد علي بن عيسى، فقدم بغداد وناظر بها، وأقام بها مدة طويلة وانتشرت كتبه، ثم عاد إلى بلخ وأقام بها إلى حين وفاته.
وناهيك من فضله وتقدمته إجماع العالم على حسن تآليفه من الكتب الكلامية، وتصانيفه الحكمية التي بذت أكثر كتب الحكماء، وصارت ملاذا للبصراء، وعمدة للأدباء، ونزهة في مجالس الكبراء التي هي أشهر في ديار العراق منها في ديار خراسان. وأئمة الدنيا مولعون بها، مغرمون بفوائدها، حتى إنه لما دخل أبو الحسن علي بن محمد الحشّائي البلخي تلميذه، لما دخل مدينة السلام حاجا، جعل أهلها يقول بعضهم لبعض: قد جاء غلام الكعبيّ، فتعالوا ننظر إليه، فاحتوشه أهل الفضل، وعصابة الكلام، وجعلوا يتبركون بالنظر إليه، ويتعجبون منه، وينظرون إلى وجهه، ويسألونه عن الكعبي، ويسألونه عن خصاله وشمائله. وكان مدة مقامه بها كأنه نبي مرسل، بلغهم على لسانه وحي منزل.
стр. 1491
وكان الكعبي يذهب مذاهب المعتزلة لا يخفي ذلك، وكان صلحاء أهل بلخ ينالون منه لذلك، ويقدحون في دينه ومعتقده، ويرمونه بالزندقة.
لما صنف أبو زيد «كتاب السياسة» ليانس الخادم، وهو إذ ذاك والي بلخ، قال أبو القاسم الكعبي: قد جمع الله تعالى السياسة كلها في آية من القرآن، حيث يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
(الأنفال: ٤٥- ٤٦) .
وذكر المرزباني قال «١» : كانت بيننا وبين أبي القاسم البلخي صداقة قديمة وكيدة، وكان إذا ورد مدينة السلام قصد أبي وكثر عنده، وإذا رجع إلى بلده لم تنقطع كتبه عنا.
وحضر البلخي «٢» مجلس أبي أحمد يحيى بن علي الذي يحضره المتكلمون، وهم مجتمعون، فأعظموه ورفعوه، ولم يبق أحد إلا وامر إليه، ودخل يهودي، وقد تكلم بعضهم في نسخ الشرع فبلغوا إلى موضع حكموا فيه أبا القاسم، وكان الكلام على اليهودي، فقال أبو القاسم: الكلام عليك، فقال له اليهودي: وما يدريك ما هذا؟
فقال له أبو القاسم: انتظر يا هذا، أتعرف ببغداد مجلسا للكلام أجلّ من هذا؟ قال:
لا، قال: أفتعلم من المتكلمين أحدا لم يحضره؟ قال: لا، قال: فرأيت أحدا منهم لم يقم إليّ ويعظمني، فتراهم فعلوا ذلك وأنا فارغ؟!.
ومما أنشد أبو القاسم لمحمد بن عبد الله بن طاهر:
يا طالب النار في زناد ... وقادح النار بالزناد
دع عنك شكا وخذ يقينا ... واقتبس النار من فؤادي
وكان إذا أنشد شيئا من شعر أبي العباس عبد الله بن طاهر يقول: هذا شعر شريف بنفسه وبقائله.
وأنشد لمحمد بن يسير، وكان يستحسنه، في البرامكة:
وما الدهر إلا دولة بعد دولة ... تخوّل ذا نعمى وتعقب ذا بلوى
стр. 1492
إذا أنزلت هذا منازل رفعة ... من الملك حطته إلى الغاية السفلى
على أنها ليست تدوم لأهلها ... ولو أنها دامت لكنتم بها أحرى
وله من المصنفات «١» :
كتاب تفسير القرآن على رسم لم يسبق إليه، اثنتا عشرة مجلدة. كتاب مفاخر خراسان ومحاسن آل طاهر. كتاب عيون المسائل تسع مجلدات. كتاب أوائل الأدلة. كتاب المقالات. كتاب جواب المسترشد في الإمامة. كتاب الآلاء والأحكام. كتاب نقض النقض على المجبرة. كتاب الجوابات. كتاب تحديد الجدل. كتاب نقض كتاب أبي علي الجبائي في الارادة. كتاب أدب الجدل. كتاب السنة والجماعة. كتاب الفتاوى الواردة من جرجان والعراق. كتاب انتقاد العلم الإلهي على محمد بن زكريا. كتاب تحفة الوزراء «٢» . [كتاب الغرر والنوادر. كتاب الاستدلال بالشاهد على الغائب. كتاب في الرد على متنبىء خراسان. كتاب المجالس الكبير. كتاب المجالس الصغير. كتاب نقض كتاب الخليل على برغوث.
كتاب مسائل الخجندي فيما خالف فيه أبا علي. كتاب المضاهاة على برغوث. كتاب تأييد مقالة أبي الهذيل في الجزء. كتاب النهاية في الأصلح على أبي علي] .
[٦٣٥] عبد الله بن أحمد بن جعفر بن خذيان بن حامس أبو محمد الفرغاني
، الأمير القائد، صاحب أبي جعفر الطبري: مات بمصر سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. روي عن أبي جعفر الطبري وذيّل على تاريخ الطبري. وقدم دمشق، وحدث بها، وروى عنه جماعة من أهلها، وجده خذيان جلب من فرغانة إلى المعتصم فأسلم، ونزل عبد الله مصر، وحدث بها، وكان ثقة، وأرسله الراضي إلى مصر، وحمّله الخلع
стр. 1493
إلى أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد، وتفسير طغج عبد الرحمن، وكان ابن طغج يحب الطيب حبا مفرطا حتى كانت خزانة طيبه على نيّف وخمسين جملا.
[٦٣٦] عبد الله بن أحمد بن الحسين الساماني
الأديب أبو الحسين: مات في رجب سنة خمس وسبعين وأربعمائة، مشهور بالتأديب بنيسابور، وصنف كتاب شرح [ديوان] المتنبي. كتاب شرح الحماسة. كتاب مواد أمثال أبي عبيد.
[٦٣٧] عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله
بن نصر، أبو محمد بن الخشاب: قال القاضي الأكرم أيضا «١» : كان أعلم أهل زمانه بالنحو حتى يقال إنه كان في درجة أبي عليّ الفارسي، وكانت له معرفة بالحديث والتفسير واللغة والمنطق والفلسفة والحساب والهندسة، وما من علم من العلوم إلا وكانت له فيه يد حسنة. قرأ الأدب على أبي منصور موهوب الجواليقي وغيره، والحساب والهندسة على أبي بكر ابن عبد الباقي الأنصاري، والفرائض على أبي بكر المرزوقي، وسمع الحديث من أبي الغنائم النرسي وأبي القاسم ابن الحصين وأبي العز ابن كادش وجماعة. ولم يزل يقرأ حتى علا أقرانه، وقرأ العالي والنازل، وكان يكتب خطا مليحا، وجمع كتبا كثيرة جدا، وقرأ عليه الناس وانتفعوا به وتخرج به جماعة.
وروى كثيرا من الحديث: سمع منه الحافظ أبو سعد السمعاني وأبو أحمد ابن
стр. 1494
سكينة وأبو محمد ابن الأخضر، وكان ثقة في الحديث صدوقا نبيلا حجة، إلا أنه لم يكن في دينه بذاك، وكان بخيلا متبذّلا في ملبسه وعيشه، قليل المبالاة بحفظ ناموس العلم، يلعب بالشطرنج مع العوام على قارعة الطريق، ويقف في الشوارع على حلق المشعوذين واللاعبين بالقرود والدّباب، كثير المزاح واللعب طيب الأخلاق، سأله شخص وعنده جماعة من الحنابلة: أعندك كتاب الجبال؟ فقال له:
يا أبله أما تراهم حولي؟! وسأله آخر عن القفا يمد أو يقصر فقال له: يمد ثم يقصر.
وقرأ عليه بعض المعلّمين قول العجاج:
أطربا وأنت قنسريّ ... وإنما يأتي الصّبا الصبّيّ
فقال وإنما يأتي الصبيّ الصّبي، فقال له ابن الخشاب: هذا عندك في المكتب وأما عندنا فلا، فخجل المعلّم وقام.
وكان يتعمم بالعمامة فتبقى مدة على حالها حتى تسودّ مما يلي رأسها وتنقطع من الوسخ، وترمي عليها الطيور ذرقها. ولم يتزوّج قط ولا تسرّى. وكان إذا حضر سوق الكتب وأراد شراء كتاب غافل الناس وقطع منه ورقة وقال: إنه مقطوع ليأخذه بثمن بخس، وإذا استعار من أحد كتابا وطالبه به قال: دخل بين الكتب فلا أقدر عليه.
وصنف: شرح الجمل للزجاجي. وشرح اللمع لابن جنّي لم يتم. والردّ على ابن بابشاذ في شرح الجمل. والردّ على الخطيب التبريزي في «تهذيب إصلاح المنطق» . وشرح مقدمة الوزير ابن هبيرة في النحو، يقال إنه وصله عليها بألف دينار. والردّ على الحريري في مقاماته «١» .
توفي عشية يوم الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة، ووقف كتبه على أهل العلم، ورؤي بعد موته بمدة في النوم على هيئة حسنة فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قيل: ودخلت الجنة؟ قال: نعم إلا أن الله أعرض عني، قيل: أعرض عنك؟ قال: نعم، وعن كثير من العلماء ممن لا يعمل بعلمه.
ومن شعره:
لذّ خمولي وحلا مرّه ... إذ صانني عن كلّ مخلوق
стр. 1495
نفسي معشوقي ولي غيرة ... تمنعني من بذل معشوقي
وقال ملغزا في كتاب «١» :
وذي أوجه لكنه غير بائح ... بسرّ وذو الوجهين للسرّ مظهر
يناجيك بالأسرار أسرار وجهه ... فتفهمها ما دمت بالعين تنظر
وله في شمعة «٢» .
صفراء لا من سقم مسّها ... كيف وكانت أمها الشافيه
عريانة باطنها مكتس ... فاعجب لها كاسية عاريه
وقيل:
إذا عنّ أمر فاستشر فيه صاحبا ... وان كنت ذا رأي تشير على الصحب
فإني رأيت العين تجهل نفسها ... وتدرك ما قد حلّ في موضع الشهب
[٦٣٧ ب] عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب
النحوي: أوحد زمانه، وفريد أوانه. مولده ومنشأه بغداد: مولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. مات سنة سبع وستين وخمسمائة، ودفن بباب حرب، خلف قبر بشر الحافي. وذكر جماعة من أهل الحديث منهم الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النجار أنهم قرأوا [عليه] جزءا من أمالي أبي الحسن محمد بن محمد بن مخلد البزار، وقد سمع على أبي القاسم علي بن الحسين الربعي، وقد سمعه في سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وقد سمي فيه بأبي محمد بن أبي الكرم الكريدي الخشاب.
стр. 1496
أما علمه فكان غاية في الذكاء والفهم، آية في علم العربية خاصة، وفي سائر العلوم عامة. ورأيت قوما من نحاة بغداد يفضلونه على أبي عليّ الفارسي- زعموا أنه كان يعرف جميع ما عرفه أبو علي الفارسي، وزاد عليه في علم الأدب وغيره، لتفننه في جميع العلوم. وقد سمع حديث النبي، ﷺ وأكثر، وتفقّهه وعرف صحيحه من سقيمه، وبحث عن أحكامه، وتبحّر في علومه. ورأيت بخطه كثيرا من كتب الحكمة. وكان حسن السيرة، سالكا طريق الأوائل في هديه وسمته، لا يتكلّف في شيء من أمر ملبوسه وهيئته. وإذا سمعت كلامه ظننته عاميا لا يفقه شيئا. فمما يحكى عنه أنه كان له تلميذ يعرف بابن الزاهد، أرسله يوما إلى السوق ليشتري له نور كوش (؟) فقال له ابن الزاهد: تعرفه يا سيدي؟ فقال له: إلا بعرفه؟ أراد لفظة العامة، وترك التفاصح. وكان مع ما شاع من فضله مشتهرا بلعب الشطرنج، وكان رؤساء زمانه ووزراء وقته يودّون مجالسته، ويتمنّون محاضرته، فيتركهم ويمضي إلى حريف له زنجي قبيح الصورة سمج الألفاظ، يعرف بشبيل، فيجلس معه على قارعة الطريق في بعض الدكاكين، ويلاعبه ويسافهه، ويهزأ به، أو يمضي إلى الرحبة، أو إلى شاطىء دجلة فيقف على حلق أرباب الحكايات والشعبذة وما ناسبهم فكان إذا لاموه على ذلك يقول: إنه يندر منهم نوادر لا يكون أحسن منها ولا ألطف، في صحة قرائحهم وتصديهم لما هم بصدده، وتراح النفس لذلك. وكان مع ذلك لا يخلو كمه قطّ من الكتب وأنواع العلوم، وكان بينما هو يمشي في الطريق يخطر له قراءة شيء، فيجلس كيف اتفق، ويخرج الدفاتر، فيطلع فيها، وكان معدودا في القذري الملبس والزي. وسمعت عنه ممن لا أحصي أنه كان يعتمّ العمّة فتبقى أشهرا معتمة حتى تتسخ أطرافها من عرقه فتسودّ. وكان إذا رفعها عن رأسه ثم أراد لبسها تركها على رأسه كيف اتفق، فتارة تجيء عذبتها من تلقاء وجهه، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله فلا يغيرها، فإذا قيل له في ذلك، فيقول: ما استوت العمة على رأس عاقل. هذه كانت حجته. وكان يعجب بمناداة عامة بغداد على معايشهم، وتفننّهم فيها، وإتيانهم بالمعاني الغريبة. وكان يقول: كم خلف هذه الطرازدانات من الخواطر المظلومة لو اشتغلت بالعلوم برّزت على العلماء. وكان الوزير عون الدين بن هبيرة وزعيم الدين ابن جعفر، صاحب المخزن يعاتبانه على تبذله، ويلومانه على ما قدمنا ذكره، فلا
стр. 1497
يلتفت إلى لومهما، ولا يترك سجيّته.
ومن نوادره أن بعض من كان يحضر مجلسه قال له يوما: القفا يقصر أو يمدّ؟
فقال: يمد ويقصر. ومنها أنه لما صنف الكمال عبد الرحمن بن الأنباري كتاب «الميزان» في النحو، وعرض على ابن الخشاب، قال: احملوا هذا الميزان إلى المحتسب، ففيه عيب.
وكان بينه وبين ابن الشجريّ العلوي النحوي مفاوضة، وصنّف في الردّ عليه كتبا. وكان يشنأ أصحابه، ويقع فيهم، وكان من أصحاب ابن الشجري محمد بن علي العتابي النحوي، فاتفق أن أهدى ملك كيس إلى بغداد هدايا في جملتها حمار عتابي، فجعل من حضر مجلسه يتفاوضون في [أمره] ويعجبون من حسنه، فقال يا قوم: لا تعجبوا من الحمار العتابي فهوذا عندنا عتابي حمار فلا تعجبون منه.
ومنها أنه كان يوما في داره في وقت القيلولة، والحرّ شديد وقد نام، إذ طرق الباب عليه طرقا مزعجا فانتبه وخرج مبادرا، وإذا رجلان من العامة، فقال: ما خطبكما؟ فقالا: نحن شاعران، وقد قال كل واحد منا قصيدة، وزعم أنها أجود من قصيدة صاحبه، وقد رضينا بحكمك. فقال: ليبدأ أحدكما. قال: فأنشد أحدهما قصيدته، وهو مصغ إليه، إلى أن فرغ منها، وهمّ الآخر بالإنشاد، فقال له ابن الخشاب: على رسلك، شعرك أجود، فقال: كيف خبرت شعري ولم تسمعه؟
فقال: لأنه لا يمكن أن يكون شيء أنحس من شعر هذا.
وجدت على ظهر كتاب بخط ابن الخشاب: أنشدني ابن الخازن الكاتب لابن الحجاج:
والسعيد الرشيد من شكر النا ... س له سعيه بمال الناس
فقلت في الحال هادما ومقابلا:
والشقيّ الشقي من ذمّه الناس ... على بخله بمال الناس
فأنشدته ذلك، فقال ابن الخازن: هذا والله خير من قول ابن الحجاج. وصدق هو خير منه، هكذا قال الشيخ عن شعر نفسه.
ومن شعره ملغزا في الكتابة:
وذي أوجه لكنه غير بائح
البيتان
стр. 1498
ومما قيل: إن الإمام أبا شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي قال ببخارى: لما دخلت بغداد، قرأ عليّ أبو محمد ابن الخشاب كتاب «غريب الحديث» لأبي محمد القتبي قراءة ما سمعت قبلها مثلها في السرعة والصحة. وحضر جماعة من الفضلاء سماعها، وكانوا يريدون أن يأخذوا عليه فلتة لسان، فما قدروا على ذلك.
وسمعت جماعة كثيرة من أهل بغداد ينسبون إلى الشيخ أبي محمد ابن الخشاب هذه القصيدة في التصحيف والتحميض، وسمعت من يقول إنها منحولة إليه:
ما بال عينك يجري دمعها دررا ... لما علا الرأس شيب لاح كالقطن
تبكي وقد سلبتك الغانيات به ... عيشا رغيدا فأضحى القلب في رهن
تبكي الشباب وقد أخلقت جدّته ... ويهلك الدهر منك العظم بالوهن
كم قد تجرّعت من شرخ الصبا قدحا ... من خمر عانة ينفي طارق الوسن
فالآن قد قرعتك الحادثات وقد ... جرّبت فيها أعاجيبا من الزمن
جربت فيما خلا ما حنكتك به ... يد التجارب حتى العمر منك فني
فأصبح الشيب فاش في العذار وهل ... من بعد ذلك من أمر لذي فطن
سارت بقلبك أظعان هوادجها ... فيها حرائر لم تبذل ولم تهن
نواهد قاصرات الطرف إن طرقت ... وهنا عليك أزالت لذة الوسن
وربّ جارية فيها إذا انتسبت ... تعزى إلى خير بطن من بني الحسن
تسقيك من يدها في القحف صافية ... حمراء تنسيك طعم الخمر واللبن
قست عليك فأضحى قلبها حجرا ... فاخضع لتحرز حسن الوصل فامتتن
تشتمّ من ثغرها مسكا إذا فتقت ... نوافج المسك شابته ولم تزن
دع ذا وكن بالذي أوصيك محتفظا ... إن كنت حرا فخذ وصلا بلا ثمن
اصبر لطارق أيام نوازلها ... تزعزع الطّود من ثهلان أو حضن
وإن جرى قدر فيها بنازلة ... ساءت فعن قدر يأتيك بالحسن
لا تلو رأسك للأضياف إن طرقوا ... واخفض جناحك من ذلّ لهم ولن
стр. 1499
واذكر إذا قمت يوم العرض منتفضا ... من التراب بلا قطن ولا كفن
وجيء بالنار قد مدوا السراط على ... حافاتها تتلظى فعل مضطغن
وتنشر الصحف فيها كلّ محتقب ... من المخازي وما قدمت من حسن
قد كنت تنسى وتلك الصحف محصية ... ما كنت تأتي ولم تظلم ولم تخن
احرز لسانك في استجلاب فائدة ... فالصامت البرّ خير من ذوي اللسن
هناك إن كنت قد قدّمت مدّخرا ... تسقى من الحوض ماء غير ذي أسن
عند الجزاء تعضّ الكفّ من ندم ... على تخطيك في سرّ وفي علن
بالبذل تعرف فابذل ما حويت تحز ... ذكرا جميلا فثق بالله واستعن
واستصف عمرك واحذر أن تكدّره ... تسلم بذلك من غبن ومن غبن
وإن أتى باسطا كفيه مختبطا ... لما وراءك من مال ومختزن
فجد فبالجود تعطى الحقّ في غرف ... فيها مقاعد صدق عند ذي المنن
لا تركننّ إلى الدنيا ففي جدث ... يكون دفنك بين الطين واللّبن
واستغن بالكفّ كالماضي وكن رجلا ... مبرءا من دواعي الغيّ والفتن
ودع مذاهب قوم أحدثت إثما ... فيها خلاف على الآثار والسنن
كل من جرابك واقنع بالذي قسم ... القسّام فالله ذو فضل وذو منن
لا تحسدنّ فما للحاسدين سوى ... عضّ الأنامل من غيظ ومن إحن
ومن شعرة قصيدة نظمها في زعيم الدين ابن جعفر صاحب المخزن، وكان قد ورد من مكة، يعتذر فيها عن تأخره عن قصده بطريق مرض عرض له في رجله:
لئن قعدت بي عن تلقّيك علّة ... غدوت بها حلسا لربعي من شهر
رمتني في رجلي بقيد تقاصرت ... خطاي له والقيد ما زال ذا قصر
إذا قلت قد أفرقت منها تجدّدت ... فأودى بها نهضي وهيض لها كسري
فما قعدت بي عن دعاء أفيضه ... ولا قصّرت بي عن ثناء وعن شكر
قدمت علينا مثل ما قدم الحيا ... على بلد ميت فقير إلى القطر
стр. 1500
فأصبح مغبرّ البلاد مؤزّرا ... به زهر غضّ كأخلاقك الزّهر
وعدت وبالبيت الحرام صبابة ... إليك وبالركن المعظم والحجر
وللحجر المسودّ نحوك صبوة ... للثمك إياه بأبيض ذي نشر
وقد صحب الحجاج منك مباركا ... غزير الندى طلقا محيّاه ذا بشر
أخا كرم إن أخلف الغيث أخلفت ... يداه بمنهلّ من البيض والصّفر
فكلّهم مثن عليك وشاكر ... لنعماك مغمور بنائلك الغمر
خصصتك بالمدح الذي أنت أهله ... فجاءك من صدر امرىء ناحل الصدر
وأيسر ما أخفيه ما أنا مظهر ... فدع عنك شعري، جلّ قدرك عن شعري
ومن شعره في زعيم الدين المذكور، من أبيات وقد ورد كتابه من فيد «١» :
فإن تك محرما من ذات عرق ... فقد حرّمت غمضي بالعراق
فها فتوى أتتك فقل سريعا ... تبرّز سابقا يوم السباق
شمائلك الشّمول فكيف تقضي ... فروض الحج بالكأس الدهاق
وأنت الطيب إن صافحت كفا ... تحلل محرما بدم مراق
ولما جاءت البشرى بكتب ... فكانت كالقميص على الحداق
ضممت إلى الفؤاد كتاب فيد ... فضاعف برده حرّ اشتياقي
وقبلت المداد فخلت أني ... أقبّل ذا لمى حلو العناق
فخبّر بالسلامة ثم نبىء ... فإن الماء ضاق عن الرفاق
وكيف يضيق ماء عن حجيج ... وسحب يديك ماء ذو انبعاق
سلمت على الأنام ولي خصوص ... وحاطك رافع السبع الطباق
اجتمع جماعة من الحنابلة بمسجد ابن شافع الحنبلي برأس درب المطبخ يسمعون كتاب ابن مندة في فضائل أحمد بن حنبل ومحنته في القرآن، وما جرى له مع الخلفاء من بني العباس، فذموهم ولعنوهم، وذموا أبا حنيفة والأشعري، وكان
стр. 1501
الكتاب يقرأ على ابن الخشاب، فأنكر عليهم إنسان دمشقي فقيه وقال: هذا لا يجوز. تلعنون أئمة المسلمين، وفقهاء الدين. فقاموا إليه وسبّوه، وهموا به.
ووصل الخبر إلى الخليفة، فتقدم إلى حاجب الباب بأخذهم وأخذ ابن الخشاب، وأن يركبوا بقرا ويشهّروا بالبلد. فقبض على جماعة منهم، وهرب ابن الخشاب، فلحق بالحلة إلى أن شفع فيه، فعاد، فقال ابن الخشاب في غيبته:
إذا دار السلام نبت بمثلي ... فجنّبت السلامة والسلاما
ولا جرت الصّبا إلا سموما ... بها وهمت سحائبها سماما
وكتب إلى الخليفة يستعطفه، وهو المستنجد بالله:
ألا قل لمستنجد بالإله ... بعدلك أصبحت مستنجدا
وما لي ذنب سوى أنني ... شأوت بني زمني أمردا
وإني وإن عدّت المشكلات ... كنت الهزار وكانوا الصدى
حدث الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود النجار في مجلس مفاوضة، قال: حدثني شيخنا مصدق بن شبيب الواسطي النحوي قال: قدمت من واسط إلى بغداد في طلب العلم والنحو، وكان الشيخ أبو محمد هو المشار إليه في الدنيا بهذا الشأن، فأحببت مكاثرته والأخذ عنه، ولم يكن له مجلس في وقت معلوم فأقصده إليه، وإنما كان على حسب أغراضه تارة يلعب بالشطرنج، وتارة يجلس إلى عطار في السوق، وتارة في دار الوزير والأكابر، فكنت له بالرصد، ليس همي إلا تتبعه. فقال لي يوما: يا هذا قد أبرمتني وآذيتني بكثرة اتباعك لي، وما مثلي ومثلك إلا رجل من أبناء الثروة والصلاح، وكان له ولد في غاية التخلف والإدبار، قد ألهم محبة القمار، وكان يفسد أموال أبيه، ولا يزال يجيئه عريان وقد قمر ثيابه وجميع ما عنده، ويسرق أمواله، ويفسدها في ذلك، فحضرت الشيخ الوفاة فاستدعى ولده، وقال له: يا بنيّ، يقال أنفك منك وإن كان أجدع، والله ما كنت أحبّ أن يكون لي ولد مثلك، ولكنّ أمر الله لا يرفع، وقد علمت أنك لا تترك هذه العادة السيئة بعد موتي إذ كنت لم تتركها في حياتي، ولكن أحب أن تطيعني في شيء واحد، وتقسم لي بالله وبأيمان البيعة أنك تعمل بها: إذا أنا مت وملكت مالي فلا تقامر إلا مع من يجمع الناس على
стр. 1502
أنه أحذق الناس بالقمار وأعرفهم به، فهذا ما لا ضرر عليك فيه، وتكون قد بررتني بقبولك قولي. فحلف له الغلام على ذلك، وتوثق منه بجهده. ثم مات الشيخ، واستولى الغلام على أمواله، وحازها، وشرع فيما يحبّ، وجعل يسأل عن أحذق الناس به، فدلّ على رجل بالكرخ، فجاءه وسأله أن يلاعبه. فقال: ما بيني وبينك من المودة ما يقتضي هذا فما سبب اختيارك ملا عبتي من دون الناس؟ فخبره بوصية أبيه واليمين التي أخذها عليه. فقال له: إذا كان الأمر على هذا فلا يجوز لك اللعب معي، فإن أستاذي بواسط وهو أحذق مني، ومنه تعلمت فسر إليه. فانحدر إلى واسط فلقي كهلا من الرجال محارفا ضيّق المعيشة، فسأله الملاعبة فجرى الأمر معه كما جرى مع الأول. فقال له: لا يحلّ لك ملاعبتي، فإن أستاذي وأستاذ الناس كلهم بالبصرة، فامض إليه، وبرّ يمينك. فسار الغلام حتى دخل البصرة، وسأل عن الرجل فدلّ عليه فوجده يوقد في بعض أتاتين الحمامات، فسلّم عليه، وسأله الملاعبة، فقال: دعني حتى أتفرغ مما أنا بصدده، فجلس ينتظره حتى إذا تمّ أخذه ودخل إلى منزله، فوجده على غاية الحرفة والشّعث وسوء الحال، ومدّ يده فأخذ آلة القمار وهي في زاوية البيت قد علاها الغبار، ثم قال له: يا ولدي، أضاقت الدنيا عليك ما وجدت غيري يلاعبك؟ فأخبره بالقصة، فرمى الشيخ الفصّ من يده، وأفكر ساعة، ثم قال: يا ولدي أتدري ما أراد والدك بما أحلفك عليه؟ فقال: لا. قال:
إنه أراد أن يعرفك أن مثلي وهو أستاذ الدنيا في هذا الشأن يوقد في الأتون، ومنزله وحاله كما ترى. وإن عاقبة أمرك تصير إلى الوقيد في الحمام. فارتدع يا ولدي، وانظر فيما تصلح به أمر دنياك. قال فانتفع الغلام بذلك، وتاب إلى الله منه، وراجع التجارة في دكان أبيه وصلح حاله. وكذا يا مصدق أنا، وأنت تتبعني وتضجرني حتى تصير مثلي، وأنا بزعمك شيخ الدنيا، فأيش أعجبك من أحوالي واكتسابي:
أحشمي؟ أغلماني؟ أدوري أم عقاري؟ اعلم يا ولدي أنّ طلب النحو أكثر من إصلاح اللسان حرفة.
قال الشيخ أبو محمد: قصدت الغريّ في بعض الأعوام لزيارة مشهد أمير المؤمنين علي، ﵇، وكان خروجنا من الحلّة السيفية، وكان في الصحبة علويّ يعرف بابن الشوكية، وهو من سكان المشهد، وكان نعم المصاحب، فنزل بنا
стр. 1503
ليلا على بطن من خفاجة ليستصحب معنا منهم خفيرا، فأكرموا نزلنا، وجاء منهم في الليل صبيّ ما أظنه بلغ سبعا، وعليه آثار مرض قد نهكه فسلّم علينا، فقال له العلوي: ما بك يا فلان وسمّى الصبيّ، فقال مجيبا له: بي أنّ لي كذا وكذا- وعدّ مدة- أجهد وأمعد. يريد بأجهد أفعل من قولك: رجل مجهود ومن جهد الحمى، وأمعد أي يصيبني وجع في المعدة. يقال: معد فهو ممعود، كما يقال كبد فهو مكبود إذا أصاب كبده مرض، وكذا فئد فهو مفؤود، وباقي الأعضاء على ذاك. وكذا يقال في من أصيب هذا العضو منه برمّته. يقال في الصيد: أميدّى أم مرجول أي أصيبت يده أم رجله، فتعجبت من فصاحة الصبي. وكان معنا في الرفقة شيخ من أهل المشهد، فسمعته، وقد أعيا من السير يقول لعبد له: يا مقبل فرّكنى، فقلت لبعض من معنا:
ما معنى قوله: فركني؟ فقال: يريد غمّزني ليزول تعبي. فقلت: لا إله إلا الله، خالق ذلك الصبيّ وهذا الشيخ واحد، فكم بين اللسانين والسنّين.
وكان الشيخ أبو محمد يؤدب أولاد المستنجد: المستضيء وأخاه الأمير أبا القاسم. وكان يشتدّ عليهما في التعليم. فلما أفضى الأمر إلى المستضيء رضي ابن الخشاب أن يخلص منه رأسا برأس، وذلك أنه كان يظهر منه تفضيل أخيه عليه، فلم يذكّره بنفسه. قال العدل مسعود بن يحيى بن النادر: وكنت يوما بين يدي المستضيء فقال: كلّ من نعرفه قد ذكّرنا بنفسه، ووصل إليه برّنا إلا ابن الخشاب.
فما خبره؟ فاعتذرت عنه بعذر اقتضاه الحال. ثم خرجت فعرّفت ابن الخشاب ذلك، فكتب إليه هذين البيتين:
ورد الورى سلسال جودك فارتوى ... ووقفت دون الورد وقفة حائم
ظمآن أطلب خفّة من زحمة ... والورد لا يزداد غير تزاحم
قال ابن النادر: فأخذتها منه، وعرضتها على المستضيء، فأمر له بمائتي دينار، فقال لو زادنا لزدناه.
وما أنشد لنفسه:
أفديه من متعجّب متجنب ... قد ضنّ ضنا بالخيال الطارق
ما زال يمطلني بوعد كاذب ... حتى تكشّف عن صدود صادق
стр. 1504
وله:
أقطّع الليل بلا رقاد ... بل بسهاد دائما سهاد
لذا تراني أرقا أنادي ... قد أسر النوم فهل من فادي
كان أبو محمد ابن الخشاب كثير الكتب جدا، وكان له دار في باب المراتب، وكان عنده صفّة عظيمة ملأى جزازا ودفاتر، وقطّ ما استعار من أحد كتابا فردّه عليه، وكان إذا طلبه صاحبه منه يقول له: هو في هذا الجزاز، ومن يقدر على تخليصه منه؟
فيأيس صاحبه ويسكت.
وكان حادّ الخاطر جدا، جاءه يوما الشيخ مكي بن أبي القاسم الحافظ، وهو في مجلسه، وبين يديه جماعة يقرأون عليه، فقال: يا سيدي، بلغني أن للأصمعي كتابا سماه «الجبال» ، هل هو عندك؟ فقال له: أنت أعمى، أما ترى الجبال قدامي؟ أشار به إلى تلك الجماعة التي تقرأ عليه.
قرأت بخطّ النقيب قثم بن طلحة بن الأنفي، قال لي الصدر بن الزاهد: دخلت على الفخر بن المطلب يوما فقال لي: من أين جئت؟ فقلت: من العودة. فقال:
واجتزت بعقد المصطنع؟ قلت: نعم، فقال: من أي عقديها دخلت؟ فتوقفت، لأنه كان كثير الولع بالناس. فقال: من العقد الذي حزّوا فيه رأس الحسين بن علي، ﵇، وتكره الشيعة الدخول فيه أم العقد الآخر؟ فقلت: العقد الآخر.
قال: يا سبحان الله، أنا أذكر بناء هذين العقدين في أيام المستظهر بالله، وأعرف هذا الموضع، وليس به عقد أصلا، فما أعلم من أين أحدث الناس هذا الخبر، والحسين، ﵇، قتل قبل بناء بغداد بأعوام كثيرة. فقلت: حكى ابن الخشاب قال، قالت أمي: ما أراك تصلي صلاة الرغائب على عادة الناس. فقلت:
يا أمي، إنما أوثر من الصلوات ما ورد عن النبي ﷺ ، أو صحابته، وهذه الصلاة لم ترو عن النبي، ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه. فقالت: لا أسمع ذلك منك، فاسأل لي ابن عمتي- وكان الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي ابن عمتها- فاتفق أني لقيته، فقلت له: الوالدة تسلّم عليك، وتسألك عن صلاة الرغائب، هل وردت عن الرسول أو صحابته؟ فقال لي: فهلا أخبرتها بحقيقة ذلك؟ فقلت: قد أبت إلّا أن
стр. 1505
أخبرها عنك. فقال: سلّم عليها، وقل لها، أنا أسنّ منها، فإنها أحدثت في زمني وعصري، وقد مضت برهة، ولا أرى أحدا يصليها، وإنما وردت من الشام، وتداولها الناس حتى أجروها مجرى ما ورد من الصلوات المأثورة.
كان بعض المعلمين يقرأ على الشيخ أبي محمد شيئا من الأدب فجاء فيه قول العجاج:
أطربا وأنت قنّسريّ ... وإنما يأتي الصبا الصبيّ
فقال المعلم: إنما يأتي الصبيّ الصبيّ. فقال له: هذا عندك في الكتاب، وفقك الله، وأما عندنا فلا. فاستحيا المعلم.
ومن تصانيفه: كتاب شرح اللمع إلى باب النداء في ثلاث مجلدات ضخمة رأيتها بخطه. كتاب شرح المقدمة التي ألفها الوزير ابن هبيرة. وبلغني أنه وصله بألف دينار حتى شرحها له. كتاب هادية الهادية في الرد على ابن بابشاذ في شرح الجمل.
كتاب الرد على أبي زكريا التبريزي في تهذيب «إصلاح المنطق» ، ردود على العنماء كثيرة، لم تتم إذا تأملها العالم عرف موضعه من العلم. كتاب ما غلط فيه أبو القاسم ابن الحريري في المقامات. كتاب المرتجل في شرح جمل عبد القاهر.
[٦٣٨] عبد الله بن إسحاق بن سلام المكاري، أبو العباس:
كان جيد العلم بالغريب والأشعار والرواية والآثار، فقيها شاعرا صدوقا، مات سنة إحدى وسبعين ومائتين.
وكان يتشيع. وهجا المتوكل بقصيدة «١» ، فأمر بقتله، فعوجل بالحادث عليه،
стр. 1506
وأفلت. وهو القائل يرثي أبا الحسن بن يحيى عمر الطالبي:
فإن يك يا ابن المصطفى قبر سيد ... تعقّر خيل حوله ونجائب
فقبرك أولى أن تعقّر حوله ... رجال المعالي والنساء الكواعب
وله يهجو ابن أبي حكيم:
وتكيد ربّك في مغارس لحية ... الله يزرعها وكفّك تحصد
تأبى السجود لمن براك تمردا ... وترى الأيور المنعظات فتسجد
[٦٣٩] عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد
بن ميكال بن عبد الواحد بن جبريل بن القاسم بن بكر بن سور بن سور بن سور بن سور- أربعة من الملوك- بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جوبين. كنيته أبو محمد، وهو عم أبي الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي: كان رئيس نيسابور، مات بمكة في ذي الحجة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وكان مذكورا بالأدب والكتابة، وحفظ دواوين العرب، ودرس الفقه على قاضي الحرمين وغيره. وكان أوحد زمانه في معرفة الشروط. أكره غير مرة على وزارة السلطان فامتنع وتضرع حتى أعفي، وكان يختم القرآن في ركعتين، ويعول المستورين ببلده سرا. تقلد الرياسة وبقي منفردا بها بلا مانع ولا منازع نيفا وعشرين سنة فلم ير شاك بجميع خراسان. وكان يفتح بابه بعد فراغه من صلاة الصبح إلى أن تصلّى العتمة، فلا يحجب عنه أحد.
عقد له مجلس الذكر في حياة إمامي المذهب أبي الوليد القرشي وأبي الحسين القاضي، وحضرا جميعا مجلسه. ثم تقلد الرياسة سنة ست وخمسين وثلاثمائة،
стр. 1507
وكان قد حج سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، ثم تأهب للخروج ثانيا سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، واستصحب شيئا من مسموعاته من أبي حامد ابن الشرقي وأقرانه، وحدث بنيسابور والدامغان والري وهمذان وبغداد والكوفة ومكة. ودخل مكة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وقد حكم المنجمون أنه يموت وهو ابن أربع وسبعين فدعا بمكة في المشاعر الشريفة يقول: اللهم إن كنت قابضي بعد سنتين فاقبضني في حرمك، فاستجاب الله دعاءه وتوفي بمكة في آخر أيام الموسم. وحكي أنه نام على فراشه في الليلة التي مات فيها، وأن كلّ من كان في رحله ناموا وأصبحوا فوجدوه ميتا مستقبل القبلة، فغسلوه وكفنوه، وصلّى عليه أكثر من مائة ألف رجل، ودفن بالبطحاء بين سفيان بن عيينة والفضيل بن عياض «١» :
قال الحاكم: قصدني أبو محمد الميكالي، وأنا بباب جنيد في دار لي جديدة، فقال: بلغني أنك هممت ببيع دارك بباب عزيز، فقلت: هو كما بلغ الشيخ الرئيس.
فقال: إني قصدتك لأمنعك من هذا، وأبيّن لك عوار ما هممت به: دار كان فيها سلفك، ثم ولدت فيها، ومجلس ختمت في محرابه ونسب إليك، ألم تسمع أبيات ابن الرومي «٢» :
ولي وطن آليت الا أبيعه ... وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها وطن إن فات غودرت هالكا
وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكرت أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصبا فيها فحنّوا لذلكا
ثم لم يفارقني، ﵀، حتى أخذ عهدي «٣» على أن أرجع إلى الدار القديمة وأبيع تلك الحديثة، رضي الله عن ذلك الشيخ، وجزاه عن دينه وشفقته على إخوانه خيرا.
стр. 1508
[٦٤٠] عبد الله بن أسعد بن عيسى بن علي بن الدهان
الجزري ثم الموصلي الفقيه الشافعي الأديب الشاعر أبو الفرج: مات بحمص سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، فمما أنشدت من شعره:
كأن مقلته صاد وحاجبه ... نون وموضع تقبيلي له ميم
فصرت أعشق منه في الورى صنما ... وعاشق الصنم الإنسيّ محروم
وقيل إن هذين البيتين لرجل من أهل الأندلس يقال له ابن أسعد أيضا.
وحكي أنه دخل يوما على نور الدين محمود بن زنكي، فقال له: كيف أصبحت؟ فقال: كما لا يريد الله ولا رسوله ولا أنت ولا أنا ولا ابن عصرون، فقال له: كيف؟ فقال: لأن الله يريد مني الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، ولست كذلك. وأما رسوله فإنه يريد مني ما يريده الله مني، ولست كذلك. وأما أنت فإنك تريد مني أن لا أسألك شيئا من الدنيا، ولست كذلك. وأما أنا فإنني أريد من نفسي أن أكون أسعد الناس، وملك الدنيا بأجمعها، ولي الدنيا بأسرها، ولست كذلك. وأما ابن عصرون فإنه يريد مني أن أكون مقطّعا إربا إربا، ولست كذلك.
فكيف يكون من أصبح لا كما يريد الله ولا رسوله ولا سلطانه ولا نفسه، ولا صديقه ولا عدوّه. فضحك منه، وحباه حباء حسنا. ومن شعره «١» :
مولاي لا بتّ في ضرّي ولا سهري ... ولا لقيت الذي ألقى من الفكر
باتت لوعدك عيني غير ساجعة ... والليل حيّ الدياجي ميّت السحر
стр. 1509
أودّ من قمر في الأفق غيبته ... وأرقب الشمس من شوقي إلى القمر
هذا وقد بتّ من وعد على ثقة ... فكيف لو بتّ من هجر على خطر
[٦٤١] عبد الله بن برّي بن عبد الجبّار بن برّي
أبو محمد المقدسي الأصل المصري المولد والمنشأ، عرف بابن بري النحوي اللغوي الأديب: كان نحويا لغويا شائع الذكر، مشهورا بالعلم. قال القاضي الأكرم في «أخبار النحاة» شاع ذكره واشتهر ولم يكن للمصريين ممن تقدم أو تأخر مثله. مات بمصر سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
قرأ كتاب سيبويه على أبي بكر محمد بن عبد الملك الشنتريني المغربي النحوي، وتصدّر للإقراء بجامع عمرو بن العاص. وكانت عنايته تامة في تصحيح الكتب وكتب الحواشي عليها بأحمر، فإذا رأيت كتابا قد ملكه فهو الغاية في الصحة والإتقان. وله على كتاب «الصحاح» لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري حواش [له] أخذ عليه في بعضها وشرح في بعضها وزيادات فيما أخل به، ولو تمّت كان عجيبا «١» .
وكان مع علمه وغزارة فهمه ذا غفلة وسلامة صدر، وكان وسخ الثوب، زريّ الهيئة واللبسة. يحكي المصريون عنه حكايات عجيبة، منها أنه اشترى لحما وخبزا وبيضا وحطبا، وحمل الجميع في كمه، وجاء إلى منزله، فوجد أهله قد ذهبوا لبعض شأنهم والباب مغلقا، فتقدم إلى كوة هناك تقضي إلى داره، فجعل يلقي منها الشيء بعد الشيء، ولم يفكر في كسر البيض وأكل السنانير اللحم والخبز إذا خلت به.
стр. 1510
وحدثني بعض المصريين قال: كنت يوما أسير مع الشيخ محمد بن برّي وقد اشترى عنبا، وجعله في كمه، فجعل يحادثني وهو يعبث بالعنب ويقبضه حتى جرى على رجليه، فقال لي: تحسّ المطر، فقلت: لا. فقال لي: فما هذا الذي ينقط على رجليّ؟ فتأملته فإذا هو ماء العنب. فأخبرته، فخجل واستحيا ومضى.
ويحكون عنه من الحذق وحسن الجواب عما يسأل عنه، ومواضع المسائل من كتب العلماء ما يتعجّب منه. فسبحان الجامع بين الأضداد. وله حواش انتصر فيها للحريري على ابن الخشاب «١» ، وكان له تصفح ديوان الانشاء فيما يكتبونه ليزيل الغلط واللحن فيه كما كان ابن بابشاذ.
وقرأ عليه جماعة منهم أبو العباس ابن الحطيئة، وكان ثقة، والجزولي من تلامذته، وأجاز لجميع من أدرك عصره من المسلمين.
[٦٤٢] عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان
أبو محمد الفارسي النحوي، من أهل فسا: أحد من اشتهر اسمه، وعلا قدره، وكثر علمه. جيد التصنيف، مليح التأليف، قرأ على المبرد وصحبه، ولقي ابن قتيبة، وأخذ عنه. مات سنة سبع وأربعين وثلاثمائة في خلافة المطيع.
قال أبو محمد ابن درستويه النحوي، قال البحتري، وقد اجتمعنا على خلوة عند المبرد، وسلكنا مسلكا في المذاكرة: أشعرت أنني سبقت الناس إلى قولي «٢» :