لا تركنن إلى الفرا ... ق فإنه مر المذاق
والشمس عند غروبها ... تصفرّ من ألم الفراق
وكتب إلى الصاحب كافي الكفاة [١] :
أكافي كفاة الأرض ملكك خالد ... وعزّك موصول فأعظم بها نعمى
نثرت على القرطاس درا مبددا ... وآخر نظما قد فرعت به النجما
جواهر لو كانت جواهر نظّمت ... ولكنها الأعراض لا تقبل النظما
وهذه رسالة من نثره كتبها إلى أبي سعيد الشيبي [٢] : أتاني كتاب شيخ الدولتين فكان في الحسن روضة حزن بل جنة عدن، وفي شرح النفس وبسط الأنس برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب.
ومنها: وبعد فإن المنازعين للأمير حسام الدولة نسور قد أفنتها [٣] العصور، ودولته حرسها الله في إبان شبابها واعتدالها، وريعان إقبالها واقتبالها، قد أسّست على صلاح وسداد، وعمارة دنيا ومعاد، وهي مؤذنة بالدوام في ظلّ السلامة والسلام.
وأما سبب هربه إلى بروجرد فإن أمّ مجد الدولة اتهمته أنه سم أخاه، وطلبت منه مائتي ألف دينار نفقة في مأتمه، فلم يفعل والتجأ إلى بروجرد، وهي من أعمال بدر بن حسنويه الكردي، ثم بدا له في الرجوع إلى الوزارة، فبذل مائتي ألف دينار ليعاد إلى وزارته لمجد الدولة، فلم يجب إلى ذلك، فلما مات احتوى ابنه أبو القاسم سعد على تركته، وكانت عظيمة، ومات بعده بشهور، فاحتوى أبو بكر محمد بن عبد العزيز بن رافع على المال، وورد تابوت أبي العباس إلى بغداد مع أحد حجابه، وكتب ابنه إلى أبي بكر الخوارزمي شيخ أصحاب أبي حنيفة يعرّفه أنه وصّى بدفنه في مشهد الحسين بن علي ﵄، ويسأله القيام بأمره وابتياع تربة له، فخاطب الشريف الطاهر أبا أحمد في ذلك وسأله أن يبيعهم تربة بخمسمائة دينار، فقال: هذا
стр. 177
رجل التجأ الى جوار جدي ولا آخذ لتربته ثمنا، وكتب [على] نفسه الموضع الذي طلب منه، وأخرج التابوت إلى براثا، وخرج الطاهر أبو أحمد ومعه الأشراف والفقهاء وصلّى عليه، وأصحب خمسين رجلا من رجاله حتى أوصلوه ودفنوه هنالك. وقد مدحه مهيار بقصائد منها [١] :
أجيراننا بالغور والركب متهم ... أيعلم خال كيف بات المتيم
رحلتم وعمر الليل فينا وفيكم ... سواء ولكن ساهرون ونوم
بنا أنتم من ظاعنين وخلّفوا ... قلوبا أبت أن تعرف الصبر عنهم
يقون الوجوه الشمس والشمس فيهم ... ويسترشدون النجم والنجم منهم
أناشد نعمان الأخابير عنهم ... كفى حيرة مستفصح وهو أعجم
ولما جلا التوديع عمّن أحبّه ... ولم يبق إلا نظرة تتغنّم
بكيت على الوادي فحرّمت ماءه ... وكيف يحلّ الماء أكثره دم
ونفّرت بالأنفاس عنّي حدوجهم ... كأن مطاياهم بهنّ توسم
وإن ملوكا في بروجرد كرمت ... هم بذلوا الإنصاف حين تكرموا
يميّز من أعدائهم أولياؤهم ... إذا انتقموا يوم الجزاء وانعموا
أسادتنا والجود صيّرنا لكم ... عبيدا وعن قوم نعز ونكرم
إلام وكان البرّ منكم سجية ... تواصلنا يجفى وكم نتظلم
من اعتضتم عنا خطيبا لفضلكم ... وهل مثل شعري عن علاكم يترجم
وهل غير مدحي طبّق الأرض فيكم ... وإن كان ملء الأرض ما قد مدحتم
ولما مات رثاه مهيار أيضا بقصيدة منها [٢] :
أبكيك لي ولمن بلين بفرقة الأيتام بعدك والنساء أرامل
стр. 178
ولمستجير والخطوب تنوشه ... مستطعم والدهر فيه آكل
ولمعشر طرق العلوم ذنوبهم ... في الناس وهي لهم إليك وسائل
قد كنت ملتحفا بمدحك حلّة ... فخرا تجرّ لها عليك ذلاذل
فاليوم أشكرك الصنيع مراثيا ... خرس المشبّب عندها والعاذل
قال هلال [١] : في عصر الجمعة لست بقين من صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة توفي الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عباد بالريّ، ودفن من غد في داره، ونظر في الأمور بعده أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي المتلقب بالكافي الأوحد، ومنزلة الصاحب وعلو قدره وما شاع من ذكره يغني عن الإطالة في وصف أمره. فحدثني [٢] القاضي أبو العباس أحمد بن محمد الباوردي قال: اعتلّ الصاحب أبو القاسم فكان أمراء الديلم ووجوه الحواشي وأكابر الناس يغادون بابه ويراوحونه، ويخدمونه بالدعاء وتقبيل الأرض وينصرفون، وجاءه فخر الدولة عدة دفعات، فيقال إن الصاحب قال له وهو على يأس من نفسه: قد خدمتك أيها الأمير الخدمة التي استفرغت فيها الوسع، وسرت في دولتك وأيامك السيرة التي حصّلت لك حسن الذكر بها، فإن أجريت الأمور بعدي على رسومها علم أن ذلك منك، ونسب الجميل فيه إليك، واستمرت الأحدوثة الطيّبة لك، ونسيت أنا في أثناء ما يثنى به عليك، وإن غيّرت ذلك وعدلت عنه، وسمعت أقوال من يحملك على خلافه ويسلك به في طريقه، كنت المذكور بما تقدم والمشكور عليه، وقدح في دولتك وذكرك ما يشيع آنفا عنك، فقال له في جواب [٣] ذلك ما أراه به قبول رأيه. فلما كان وقت غروب الشمس من ليلة الجمعة المذكورة قضى نحبه، وكان أبو محمد خازن الكتب ملازما داره على سبيل الخدمة له وهو عين لفخر الدولة في مراعاة الدار وما فيها، فأنفذ في الحال وعرّفه الخبر، فأنفذ فخر الدولة خواصّه وثقاته حتى احتاطوا على الدار والخزائن ووجدوا له كيسا فيه رقاع أقوام بمائة ألف وخمسين ألف دينار مودعة عندهم، فاستدعاهم وطالبهم بذلك فأحضروه، وكان فيه ما هو بختم مؤيد الدولة، ورجّمت الظنون فيه فقيل إنه
стр. 179
أخذه من خيانة، وقيل: إنه أودعه لولد مؤيد الدولة عن وصية منه إليه، ونقل ما كان في الدار والخزائن إلى دار فخر الدولة، وجهّز الصاحب وأخرج تابوته وسط الناس، وقد جلس أبو العباس الضبي للعزاء به، فلما بدا على أيدي الحاملين له قامت الجماعة إعظاما له وقبلوا الأرض، ثم وقعت الصلاة عليه وعلّق بالسلاسل في بيت كبير إلى أن نقل إلى تربته بأصبهان. وكان القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد قد قال: لا أرى الرحمة عليه لأنه مات من غير توبة ظهرت منه، فطعن عليه بذلك، ونسب إلى قلّة الرعاية فيه. وقبض فخر الدولة على القاضي عبد الجبار وأسبابه وقرر أمرهم على ثلاثة آلاف ألف درهم، فأدّوا ذلك ورقا وعينا وقيمة عقار سلّموه، وباع في جملة ما باع ألف طيلسان محشّى وألف ثوب مصري، وقلد القضاء بعده علي بن عبد العزيز، وطالب أبا العباس الضبي أن يحصّل من الأعمال [١] والمتصرفين فيها ثلاثين ألف ألف درهم، وقال له: إن الصاحب أضاع الأموال وأهمل الحقوق، وينبغي أن يستدرك ما فات ويتتبّع ما مضى، فامتنع من ذاك مع تردّد القول فيه. وكتب أبو علي الحسن بن أحمد بن حمولة، وكان من أعلام [٢] الكتاب المتقدمين الذين استخصهم [٣] الصاحب وأقر لهم بالفضل، وقد قاد الجيوش الكثيرة فهزمهم، فقامت له الهيبة التامة في قلوب العساكر والملوك المجاورين، وكان عند موت الصاحب بجرجان مقيما مع الجيوش لمدافعة قابوس بن وشمكير وجيوش خراسان، فكتب يخطب الوزارة ويضمن ثمانية آلاف ألف درهم عنها، فأجيب بالحضور، فلما قرب قال فخر الدولة لأبي العباس الضبي: قد ورد أبو علي وعزمت على الخروج من غد لتلقّيه، وأمرت الجماعة من قوادي وأصحابي بالنزول له، ولا بد من خروجك وفعلك مثل ذلك، فثقل هذا القول على أبي العباس، وقال له خواصه وأصحابه: هذا ثمرة امتناعك عليه وتقاعدك عما دعاك له، وسيكون لهذه الحال ما بعدها، فراسل فخر الدولة وبذل له ستة آلاف ألف درهم على إقراره على الوزارة وإعفائه من تلقي أبي علي، وخرج فخر الدولة وتلقاه ولم يخرج أبو العباس، ورأى فخر الدولة أن من الصلاح لأمره الإشراك بينهما في وزارته، فسامح أبا علي بألفي ألف درهم من جملة الثمانية التي بذلها،
стр. 180
وسامح أبا العباس بألفي ألف درهم من جملة الستة التي ذكرناها، وقرر عليهما عشرة آلاف ألف درهم، وجمع بينهما في النظر، وخلع عليهما خلعتين متساويتين، ورتب أمرهما على أن يجلسا في دست واحد، ويكون التوقيع لهذا في يوم والعلامة للآخر وتجعل الكتب باسمهما يقدم هذا على عنواناتها يوما وهذا يوما، ووقع التراضي بذلك، وجرت الحال عليه، ونظرا في الأعمال وتحصيل الأموال، وقبضا على أصحاب الصاحب أبي القاسم ومن لحقته المسامحة في أيامه، وقرّرا عليهم المصادرات. وذكر القاضي أبو العباس عن أبي العلاء ابن المقرن أنه حدثه أنهما استخرجا من أصبهان وحدها جملة وافرة، وجرت حال غيرها من النواحي إلى مصادرة أهلها إلى مثل هذه الصورة، وأنفذا أبا بكر ابن رافع إلى استراباذ ونواحيها لاستيفاء ما يستوفيه من المعاملين والتنّاء فيها، فقيل إنه جمع الوجوه وأرباب الأحوال وأخّر الإذن لهم حتى تعالى النهار واشتد الحر، ثم أطعمهم طعاما أكثر ملحه ومنعهم الماء عليه وبعده، وقدّم إليهم الدواة والكاغد وطالبهم بكتب خطوطهم بما يصححونه، ولم يزل يستام عليهم فيه وهم يتلهفون عطشا إلى أن التزموا له عشرة آلاف ألف درهم، وتوقّف العمال والمتصرفون عن الخروج إلى قزوين لأن أهلها أهل امتناع وقوة، فبذل الفاراضي بن شير مردي الخروج إليها، وذكر أنه يعرف وجوه أموال فيها، وخرج وحاول مطالبة أهلها ومعاملتهم بمثل ما عومل به غيرهم، فاجتمعوا وهجموا عليه في داره وقتلوه. واجتمع لفخر الدولة من الأموال في الخزائن والقلاع ما كثّره المقللون، ثم تمزق بعد وفاته فلم يبق منه بقية في أسرع وقت. ثم مات فخر الدولة وولي الأمر بعده ابنه مجد الدولة أبو طالب رستم، واستولت السيدة والدته على الأمر. وأجري أمر الوزيرين على حاله في أيام فخر الدولة من التشارك في تدبير المملكة، ومزقا أموال فخر الدولة وبذّراها غاية التبذير، ثم نجم قابوس واستولى على جرجان وضام جيوش خراسان. فدعت الضرورة إلى تجهيز [١] جيش إليه وأن يخرج معه أحد الوزيرين، فتقارعا على من يخرج منهما، فوقعت القرعة على الجليل أبي علي الحسن بن أحمد بن حمولة، فخرج ومعه العساكر الحميلة، ووقعت بينه وبين قابوس وقائع
стр. 181
استنفدت الأموال التي صحبته واحتاج إلى الإمداد من الريّ، فتقاعد به أبو العباس الضبي فرجع إلى الري مفلولا، وأقاما على أمرهما من الاشتراك مدة، ثم سعت بينهما السعاة وقالوا: فساد الأمر إنما هو من اشتراكهما واختلاف آرائهما، والرأي أن يعزل أحدهما ويبقى الآخر. وكان ابن حمولة شديد الثقة بنفسه معتقدا أن العساكر لا تختار غيره ولا تريد سواه، فكان متغافلا، حتى دبّر أبو العباس الضبى عليه، وقبض عليه بأمر السيدة، وحمله إلى قلعة استوناوند، ثم أنفذ [١] إليه من قتله. واستبد أبو العباس بالأمر وجرت له خطوب عجز في أمرها، ومات قرابة للسيدة فاتهم أنه سقاه السم [٢] ، فهرب حتى لحق بروجرد في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة ملتجئا إلى بدر بن حسنويه، فلم يزل عنده إلى أن مات في بروجرد في سنة سبع وتسعين أو ثمان وتسعين، وتبعه ابنه أبو القاسم سعد لاحقا به، وكانت المدة قريبة بينهما. وقيل: إن أبا بكر ابن رافع واطأ أحد غلمانه فسقاه سما كان فيه حتفه، ونهض أبو بكر من همذان إلى بروجرد لاحتمال تركته، فذكر أنه حصل له ما زاد على ستمائة ألف دينار.
- ٥١-
أحمد بن إبراهيم أبو رياش
: وجدت بخطّ الحميدي فيما رواه عن التنوخي في كتاب «نشوار المحاضرة» قال: هو أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي.
ووجدت بخط بعض أدباء مصر قال: أبو رياش أحمد بن إبراهيم الشيباني، ولعل أبا هاشم كنية إبراهيم. مات فيما ذكره أبو غالب همام بن الفضل بن مهذب المعرّي في تاريخه في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
قال أبو علي المحسن بن علي التنوخي: ومن رواة الأدب الذين شاهدناهم
стр. 182
أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي، وكان يقال إنه يحفظ خمسة آلاف ورقة لغة، وعشرين ألف بيت شعر، إلا أن أبا محمد المافروخي أبرّ عليه لأنهما اجتمعا أول ما تشاهدا بالبصرة، فتذاكرا أشعار الجاهلية، وكان أبو محمد يذكر القصيدة فيأتي أبو رياش على عيونها فيقول أبو محمد: لا، إلا أن تهذّها من أولها إلى آخرها، فينشد معه ويتناشدان إلى آخرها، ثم أتى أبو محمد بعدة قصائد لم يتمكن أبو رياش أن يأتي بها إلى آخرها، وفعل ذلك في أكثر من مائة قصيدة. حدثني بذلك من حضر ذلك المجلس معهما.
وحكى أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في كتابه المعروف ب «الرياش المصطنعي» أن أبا رياش كان طويل الشخص جهير الصوت يتكلّم بكلام البادية، ويظهر أنه على مذهب الزيدية، ويتزوج كثيرا ويطلق، وكان يقول: ولدت بالبادية، ولعبت بالخضرمة، وتأدبت بالبصرة- والخضرمة بستان في ناحية اليمامة له خاصية في عظم البصل. والريش والرياش حسن الهيئة والشارة.
وقال أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي في اليتيمة [١] : كان أبو رياش باقعة في حفظ أيام العرب وأنسابها وأشعارها، غاية بل آية في هذّ دواوينها وسرد أخبارها، مع فصاحة وبيان، وإعراب واتقان، ولكنه كان عديم المروءة وسخ اللبسة كثير التقشّف وقليل التنظف. وفيه يقول أبو عثمان الخالدي [٢] :
كأنما قمل أبي رياش ... ما بين صئبان قفاه الفاشي
وذا وذا قد لجّ في انتعاش ... شهدانج بدّد في خشخاش
وكان مع ذلك شرها على الطعام، رجيم شيطان المعدة حوتيّ الالتقام، ثعبانيّ الالتهام، سيء الأدب في المواكلة، دعاه أبو يوسف البريدي [٣] والي البصرة إلى مائدته، فلما أخذ في الأكل مدّ يده إلى بضعة لحم فانتهشها ثم ردّها إلى القصعة، فكان بعد ذلك إذا حضر مائدته أمر بأن يهيأ له طبق ليأكل عليه وحده. ودعاه يوما المهلبي الوزير
стр. 183
إلى طعامه فبينما هو يأكل إذ امتخط في منديل الغمر [١] وبصق فيه، ثم أخذ زيتونة من قصعة فغمزها بعنف حتى طفرت نواتها فأصابت وجه الوزير، فتعجّب من سوء أدبه، فاحتمله لفرط علمه، ففي شره أبي رياش يقول ابن لنكك:
يطير إلى الطعام أبو رياش ... مبادرة ولو واراه قبر
أصابعه من الحلواء صفر ... ولكنّ الأخادع منه حمر
وله فيه:
أبو رياش بغى والبغي مصرعه [٢] ... فشدّد الغين ترميه بآبدته
عبد ذليل هجا للحين سيّده ... تصحيف كنيته في صدغ والدته
وله فيه وقد ولّاه المافروخي عملا بالبصرة:
قل للوضيع أبي رياش لا تبل ... ته كلّ تيهك بالولاية والعمل
ما ازددت حين وليت إلا خسة ... كالكلب أنجس ما يكون إذا اغتسل [٣]
ولابن لنكك فيه أشعار كثيرة، بعضها في أخبار ابن لنكك من «كتاب الشعراء» .
وجدت في موضع آخر من كتاب «نشوار المحاضرة» للقاضي التنوخي: كان أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي اليماميّ رجلا من حفاظ اللغة، وكان جنديا في أول أمره مع المسمعيّ برسم العرب، ثم انقطع إلى العلم والشعر وروايته لنا بالبصرة، وأنا حدث مع عمي حتى صرت رجلا وكتبت عنه وأخذت منه علما صالحا، وكان يتعصب على أبي تمام الطائي. وقال بعض الحاضرين لأبي إن من عيون شعر أبي رياش قوله في أبيات عند ذكر امرأة شبّب بها:
لها فخذا بختيّة تعلف النوى ... على شفة لمياء أحلى من التمر
стр. 184
فغضب أبو رياش ونهض، فأمر أبي بإجلاسه وقال للحاضر القائل: ولا كلّ ذا، وترضّاه ووهب له دراهم صالحة القدر.
قال: وأخبرني من حضر مجلس أبي محمد المافروخيّ عامل البصرة، وقد تناظرا في شيء من اللغة اختلفا فيه، فقال أبو رياش: كذا أخبرتني عمتي أو جدتي في البادية عن العرب ووجدتها تتكلم به، فقال له أبو الحسين محمد بن محمد بن جعفر بن لنكك الشاعر، وكان حاضرا: اللغة لا تؤخذ عن البغيّات، فأمسك خجلا.
وكان أبو محمد المافروخي قد ولّاه الرسم على المراكب بعبادان بحار سابع [؟] وأحسن إليه واختاره عصبية منه للعلم والأدب، فقال ابن لنكك:
أبو رياش ولي الرسما ... وكيف لا يصفع أو يعمى
يا ربّ جدي دقّ في خصره ... ثم أتانا بقفا يدمى
قال: وحدثني أبو رياش قال مدحت الوزير المهلبي فتأخرت صلته وطال ترددي إليه، فقلت [١] :
وقائلة قد مدحت الوزير ... وهو المؤمّل والمستماح
فماذا أفادك ذاك المديح ... وهذا الغدوّ وذاك الرواح
فقلت لها ليس يدري امرؤ ... بأيّ الأمور يكون الصلاح
عليّ التقلب والإضطراب ... جهدي وليس علي النجاح
قال المؤلف: وأما أبو محمد المافروخي الذي تقدم ذكره مكررا فهو أبو محمد عبد العزيز بن أحمد المافروخي، كان يتقلّد عمالة البصرة، وكان من العلم والجلالة على ما تقدم ذكره، وكان مع ذلك تمتاما يكرّر الحرف في كلامه، وهو الذي تسميه العامة فأفاء، وكان مستغلقا جدا. فحدث التنوخي أنه اعترض جملا يسير في صحن الدار بحضرته ووقف ليخاطب عليه، فلم يرضه فقال: أخرجوه عني، وكرر أخ أخ لأجل عقلة لسانه، فبرك الجمل لأنه ظنّ أنه يقال له ذلك، كما يقال إذا أريد منه البروك. قال: وكان إذا أنشد الشعر أو قرأ القرآن قرأه وأورده على أحسن ما يكون من
стр. 185
حسن الأداء وطيب الحنجرة، فقيل له: لو كان كلامك كله شعرا أو كقراءة القرآن تخلّصت من هذه الشدة، فقال: يكون ذلك طنزا. قال: وكان أحد خلفائه قد خرج إلى بعض الأعمال واستخلف بحضرته ابنا له كان مثل المافروخي في التمتمة، فخاطبه المافروخي أول ما دخل إليه في أمر شيء قال فيه ووو مرارا، فأجابه ذلك الابن بمثل كلامه، فقال: يا غلمان، قفاه، كأنه يحكيني، فصفع صفعا محكما حتى حضره أقوام وحلفوا له أن ذلك عادته، فأخذ يعتذر إليه، قال: الذنب لأبيه لما ترك في حضرتي مثله. فهذا خبر المافروخي لتعرفه.
- ٥٢-
أحمد بن إبراهيم الأديبي
الخوارزمي أبو سعيد: من مشاهير فضلاء خوارزم وأدبائها وشعرائها، قال أبو محمد في «تاريخ خوارزم» : ذكره أبو الفضل الصفّاري في كتابه، قرأت بخطه أنه كان كاتبا بارعا حسن التصرّف في الترسّل، وافر الحظ من حسن الكتابة وفصاحة البلاغة، وكان خطه في الدرجة العليا من أقسام الحسن والجودة. فمن كلامه: الزيادة فوق الحدّ نقصان، والإساءة بلسان الحق إحسان.
قال: وكان إذا رأى كتابة متعقدة متكلفة قال: الكتابة تسكن سكة أخرى.
وكتب إلى بعض الرؤساء في شكاية رجل ثقيل: قد منيت من هذا الكهل الرازيّ صاحب الجبة الكهباء، واللحية الشهباء، بالداهية الدهياء، والصيلم الصماء، جعل لسانه سنانه، وأشفار عينيه الصلبة شفاره، فإذا تكلم كلم بلسانه أكثر مما يكلم بسنانه، وإذا لمح ببصره جرح القلوب بلحظه أشدّ مما جرح الآذان بلفظه، يظهر للناس في زي مظلوم وإنه لظالم، ويشكو إليهم وجع السليم وإنه لسالم.
وكتب إلى بعض الرؤساء وقد حجب عنه:
ومحجّب بحجاب عزّ شامخ ... وشعاع نور جبينه لا يحجب
حاولته فرأيت بدرا طالعا ... والبدر يبعد بالشعاع ويقرب
стр. 186
قبّلت نور جبينه متعززا ... باللحظ منه وقد زهاه الموكب
كالشمس في كبد السماء ونورها ... من جانبيه مشرّق ومغرّب
إن بان شخصي عن مجالس غيره ... فالنفس في ألطافه تتقلب
وإذا تقاربت النفوس وإن نأت ... أشخاصها فهو الجوار الأقرب
وكتب إلى واحد وقد بعث إليه شاة: وصلت الشاة فكانت شاة الشياه، حسنة الحلي والشّيات، ففرح الفراريج بمكانها وملأوا منها حواصلهم، وثنوا بالثناء والدعاء أناملهم.
وله: ساعدت الأيام بالمراد، ووفت بالميعاد، وجمعت لي بين طرفي الإصعاد والإسعاد.
وله: حضرة مولانا الحضرة التي تضرب إليها أكباد الابل من كلّ فجّ عميق، وتمدّ نحوها أعناق الأمل من كلّ فوج وفريق.
وله: أيام مولانا مشرقة كأخلاقه، وأخباره عبقة كأعراقه، تزهى بجلال مكانه الرتب والمعارج، وتزّيّن بكرم وجهه وبهائه الأعياد والمهارج.
وله: لا يليق خاتم العزّ والجلال إلا بخناصره، ولا يرجع الباطل إلى الحق إلا عند ناصره.
وله: من لحظته عين إقباله، وسقته عين أفضاله، قابلته سعودها بإشراق، وآذنت عوده بإيراق.
وله: إن كانت الوزارة دثرت رسومها وآثارها، ودرست أعلامها ومنارها، فلقد قيض الله لها مولانا فمدّ باعها، وعمر رباعها، فأنّست بتدابيره الثاقبة من وحشة نفارها، واستروحت من آرائه الصائبة إلى كنفها وقرارها.
وله: كتابي وأنا في سلامة إلّا من الشوق إلى طلعته المسعودة، والنزاع إلى أخلاقه المشهودة، وملاحظة تلك الهمم العلية، ومطالعة تلك الحركات الشهية، ومجاري تلك الأنامل بالأقلام فإنها إذا جرت نثرت الدرر، وأسالت على جباه الأنام الغرر، وسنّت للبلغاء والكتاب، سنن الفقر والآداب.
стр. 187
- ٥٣-
أحمد بن إبراهيم بن محمد السجزي
أبو نصر، أحد الأدباء الفضلاء: قرأ على أبي بكر عبد القاهر، ثم قرأت بخط سلامة بن عياض الكفرطابي النحوي ما صورته: وجدت في آخر نسخة «المقتصد» لعبد القاهر الجرجاني بالري مكتوبا ما حكايته: قرأ عليّ الأخ الفقيه أبو نصر أحمد بن إبراهيم بن محمد السجزي، أيده الله، هذا الكتاب من أوله إلى آخره قراءة ضبط وتحصيل، وكتبه عبد القاهر بن عبد الرحمن بخطه في شهر الله المبارك من شهور سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
- ٥٤-
أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد
الطبيب، يعرف بابن الجزار القيرواني: كان طبيبا حاذقا دارسا، كتبه جامعة لتواليف الأوائل، فيه حسن الفهم لها. وله مصنفات فيه وفي غيره. فمن أشهر كتبه في الطب: كتابه في علاج الأمراض سماه «زاد المسافر» وكتابه في الأدوية المفردة المعروف ب «الاعتماد» وكتابه في الأدوية المركبة المعروف ب «البغية» ورسائله في النفس وذكر اختلاف الأوائل فيها. وكان أيضا له عناية بالتاريخ [١] ألف فيه كتابا رأيته في مجلد يزيد [٢] على العشر سماه «التعريف بصحيح التاريخ» وذاك الذي أوجب ذكره في هذا الكتاب. وكان مع ذلك حسن المذهب فاضل [٣] السيرة، صائنا لنفسه منقبضا عن الملوك ذا ثروة، ولم يكن يقصد
стр. 188
أحدا إلى بيته، وكان له معروف وأدوية يفرّقها، وكان في أيام المعز بالله [١] في حدود سنة خمسين وثلاثمائة أو ما قاربها.
- ٥٥-
أحمد بن أحمد ابن أخي الشافعي
: هو رجل من أهل الأدب، رأيت جماعة من أعيان العلماء يفتخرون بالنقل من خطه، ورأيت خطه وليس بجيد المنظر لكن متقن الضبط، ولم أر أحدا ذكر شيئا من خبره، لكني وجدت خطّه في آخر كتاب وقد قال فيه: كتبه أحمد بن أحمد المعروف بابن أخي الشافعي وراق ابن عبدوس الجهشياري، والجهشياري هذا قد ذكر في بابه [٢] ، وقد جمع ديوان البحتري وغيره [٣] .
- ٥٦-
أحمد بن إسحاق بن البهلول
بن حسان بن سنان أبو جعفر التنوخي: أنباري الأصل، ولي القضاء بمدينة المنصور عشرين سنة، ومات لأحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وثلاثمائة ومولده بالأنبار سنة إحدى وثلاثين ومائتين عن ثمان وثمانين سنة.
قال أبو بكر الخطيب [٤] : وحدث حديثا كثيرا، وكان عنده عن أبي كريب محمد بن العلاء حديث واحد، وروى عنه الدارقطني وأبو حفص ابن شاهين
стр. 189
والمخلص [١] وجماعة، وكان ثقة. قال: وذكر طلحة بن محمد بن جعفر في تسمية قضاة بغداد أحمد بن إسحاق بن البهلول [وقال] : عظيم القدر، واسع الأدب، تامّ المروءة، حسن الفصاحة، حسن المعرفة بمذهب أهل العراق، ولكن غلب عليه الأدب. وكان لأبيه إسحاق مسند كبير حسن، وكان ثقة، وحمل الناس عن جماعة من أهل هذا البيت منهم البهلول بن حسان ثم ابنه إسحاق ثم أولاد إسحاق. ولم يزل أحمد بن إسحاق على قضاء المدينة من سنة ست وتسعين ومائتين إلى شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وثلاثمائة، ثم صرف؛ وكان ثبتا في الحديث ثقة مأمونا جيد الضبط لما حدّث به، وكان متفننا في علوم شتى منها الفقه على مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وربما خالفهم في مسيلات يسيرة. وكان تامّ العلم باللغة حسن القيام بالنحو على مذهب الكوفيين، وله فيه كتاب ألفه، وكان تامّ الحفظ للشعر القديم والمحدث والأخبار الطوال والسير والتفسير، وكان شاعرا كثير الشعر جدا، خطيبا حسن الخطابة والتفوّه بالكلام لسنا، صالح الحظ في الترسل والمكاتبة، والبلاغة في المخاطبة، وكان ورعا متخشّنا في الحكم، تقلّد القضاء بالأنبار وهيت وطريق الفرات من قبل الموفق بالله الناصر لدين الله في سنة ست وسبعين ومائتين، ثم تقلده للناصر دفعة أخرى، ثم تقلده للمعتضد، ثم تقلد بعض كور الجبل للمكتفي في سنة اثنتين وتسعين ولم يخرج إليها، ثم قلده المقتدر بالله في سنة ست وتسعين بعد فتنة ابن المعتز القضاء بمدينة المنصور من مدينة السلام وطسّوجي قطر بّل ومسكن والأنبار وهيت وطريق الفرات، ثم أضاف له إلى ذلك بعد سنين القضاء بكور الأهواز مجموعة لما مات قاضيها إذ ذاك محمد بن خلف المعروف بوكيع، فما زال على هذه الأعمال إلى أن صرف عنها في سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
وحدث [٢] أبو نصر يوسف بن عمر ابن القاضي أبي عمر محمد بن يوسف قال:
كنت أحضر دار المقتدر بالله وأنا غلام حدث، بالسواد، مع أبي الحسين [٣] ، وهو
стр. 190
يومئذ قاضي القضاة، فكنت أرى في بعض المواكب القاضي أبا جعفر يحضر بالسواد، فإذا رآه أبي عدل إلى موضعه فجلس عنده، فيتذاكران الشعر والأدب والعلم حتى يجتمع عليهما من الخدم عدد كثير كما يجتمع على القصّاص استحسانا لما يجري بينهما، فسمعته يوما وقد أنشد بيتا لا أذكره الآن، فقال له أبي: أيها القاضي إني أحفظ هذا البيت بخلاف هذه الرواية، فصاح عليه صيحة عظيمة وقال: اسكت، ألي تقول هذا؟ أنا أحفظ لنفسي من شعري خمسة عشر ألف بيت، وأحفظ للناس أضعاف ذلك وأضعافه وأضعفاه، يكررها مرارا؛ وفي رواية ابن عبد الرحيم [١] عن التنوخي قال، قال له: هات ألي تقول هذا وأنا أحفظ من شعري نيفا وعشرين ألف بيت سوى ما أحفظه للناس؟ قال: فاستحيى أبي منه لسنّه ومحلّه وسكت.
قال [٢] : وحدثني القاضي أبو طالب محمد ابن القاضي أبي جعفر بن البهلول قال: كنت مع أبي في جنازة بعض أهل بغداد من الوجوه، وإلى جانبه في الحقّ [٣] جالس أبو جعفر الطبري، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسلّيه وينشده أشعارا ويروي له أخبارا، فداخله الطبريّ في ذلك ودأب معه، ثم اتسع الأمر بينهما في المذاكرة وخرجا إلى فنون كثيرة من الأدب والعلم استحسنها الحاضرون وعجبوا منها، وتعالى النهار وافترقنا، فلما جعلت أسير خلفه قال: يا بني هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة من هو أتعرفه؟ فقلت: يا سيدي كأنك لم تعرفه؟ فقال: لا، فقلت: هذا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، فقال: إنا لله ما أحسنت عشرتي يا بني، فقلت: كيف يا سيدي؟ فقال: ألا قلت لي في الحال فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة، هذا رجل مشهور بالحفظ والاتساع في صنوف من العلم وما ذاكرته بحسبها. قال: ومضت على هذا مدة فحضرنا في حقّ آخر، وجلسنا وإذا بالطبري يدخل إلى الحقّ، فقلت له قليلا قليلا: أيها القاضي هذا أبو جعفر الطبري قد جاء مقبلا، قال: فأومأ إليه بالجلوس عنده، فعدل إليه، فأوسعت له حتى جلس إلى
стр. 191
جنبه، وأخذ أبي يجاريه، فكلّما جاء إلى قصيدة ذكر الطبري منها أبياتا، قال أبي:
هاتها يا أبا جعفر إلى آخرها، فيتلعثم الطبري فينشدها أبي إلى آخرها، وكلما ذكر شيئا من السير قال أبي: كان هذا في قصة فلان ويوم بني فلان مرّ يا أبا جعفر، فربما مرّ وربما تلعثم، فيمرّ أبي في جميعه حتى يسبقه، قال: فما سكت أبي يومه ذاك إلى الظهر، وبان للحاضرين تقصير الطبري، ثم قمنا فقال لي أبي: الآن شفيت صدري.
ولأبي جعفر هذا كتاب في النحو على مذهب الكوفيين.
حدث أبو عليّ التنوخي [١] حدثني أبو الحسين علي بن هشام بن عبد الله المعروف بابن أبي قيراط كاتب ابن الفرات وأبو محمد عبد الله بن علي دلويه كاتب نصر القشوري [٢] وأبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني كاتب ابن الفرات قالوا: كنّا مع أبي الحسن ابن الفرات في دار المقتدر في وزارته الثالثة في يوم الخميس لخمس ليال بقين من جمادى الآخرة من سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وقد استحضر ابن قليجة رسول علي بن عيسى إلى القرامطة في وزارته الأولى، فواجه عليّ بن عيسى في المجلس بحضرتنا بأنه وجّهه إلى القرامطة مبتدئا، فكاتبوه يلتمسون منه المساحي والطلق وعدة حوائج، فأنفذ جميع ذلك إليهم، وأحضر ابن الفرات معه خطه (أي ابن عيسى) في نسخة أنشأها ابن ثوابة إلى القرامطة جوابا عن كتابهم إليه، وقد أصلح علي بن عيسى فيها بخطه، ولم يقل إنكم خارجون عن ملة الإسلام بعصيانكم أمير المؤمنين، ومخالفتكم إجماع المسلمين، وشقكم العصا، ولكنكم خارجون عن جملة أهل الرشاد والسداد، وداخلون في جملة أهل العناد والفساد، فهجّن ابن الفرات عليا بذلك وقال: ويحك تقول القرامطة مسلمون والإجماع قد وقع على أنهم أهل ردة لا يصلون ولا يصومون، وتوجّه إليهم بالطلق وهو الذي إذا طلي به البدن أو غيره لم تعمل فيه النار، قال: أردت بهذا المصلحة واستعادتهم إلى الطاعة بالرفق وبغير حرب، فقال ابن الفرات لأبي عمر القاضي: ما عندك في هذا يا أبا عمر؟
стр. 192
اكتب به، فأفحم وجعل مكان ذلك أن أقبل على علي بن عيسى فقال: يا هذا لقد أقررت بما لو أقرّ به إمام لما وسع الناس طاعته، قال: فرأيت عليّ بن عيسى وقد حدّق إليه تحديقا شديدا لعلمه بأنّ المقتدر في موضع يقرب منه بحيث يسمع الكلام ولا يراه الحاضرون، فاجتهد ابن الفرات بأبي عمر أن يكتب بخطّه شيئا فلم يفعل، وقال: قد غلط غلطا وما عندي غير ذلك، فأخذ خطه بالشهادة عليه بأنّ هذا كتابه. ثم أقبل على أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول القاضي فقال: ما عندك يا أبا جعفر في هذا؟ فقال: إن أذن الوزير أن أقول ما عندي فيه على شرح [١] قلته، قال:
افعل، قال: صحّ عندي أن هذا الرجل- وأومأ إلى علي بن عيسى- افتدى [٢] بكتابين كتبهما إلى القرامطة في وزارته الأولى ابتداء وجوابا ثلاثة آلاف رجل من المسلمين كانوا مستعبدين وهم أهل نعم وأموال، فرجعوا إلى أوطانهم ونعمهم، فإذا فعل الإنسان مثل هذا الكتاب [٣] على جهة طلب الصلح والمغالطة للعدوّ لم يجب عليه شيء [٤] ، قال: فما عندك فيما أقرّ به أن القرامطة مسلمون؟ قال: إذا لم يصحّ عنده كفرهم وكاتبوه بالتسمية لله ثم الصلاة على رسوله محمد ﷺ وانتسبوا إلى أنهم مسلمون وإنما ينازعون في الإمامة فقط لم يطلق عليهم الكفر، قال: فما عندك في الطلق ينفذ إلى أعداء الإمام فإذا طلي به البدن أو غيره لم تعمل فيه النار، وصاح بها كالمنكر على أبي جعفر، فأخبرني؛ فأقبل ابن البهلول على علي بن عيسى فقال له:
أنفذت الطلق الذي هذه صفته [٥] إلى القرامطة؟ فقال علي بن عيسى: لا، فقال ابن الفرات: هذا رسولك وثقتك ابن قليجة قد أقرّ عليك بذلك، فلحق عليّ بن عيسى دهشة فلم يتكلم، فقال ابن الفرات لأبي جعفر ابن البهلول: احفظ إقراره بأن ابن قليجة ثقته ورسوله وقد أقر عليه بذلك، فقال: أيها الوزير لا يسمّى هذا مقرا، هذا مدّع وعليه البينة، فقال ابن الفرات: فهو ثقته بإنفاذه إياه، قال: إنما وثقه في حمل كتاب
стр. 193
فلا يقبل قوله عليه في غيره، فقال ابن [الفرات: يا] أبا جعفر أنت وكيله ومحتجّ عنه لست إلا حاكما، فقال: لا ولكنّي أقول الحقّ في هذا الرجل كما قلته في حقّ الوزير- أيده الله- لما أراد حامد بن العباس في وزارته ومن ضامّه الحيلة على الوزير- أعزه الله- بما هو أعظم من هذا الباب، فإن كنت لم أصب حينئذ فلست مصيبا في هذا الوقت. فسكت ابن الفرات والتفت إلى عليّ بن عيسى وقال: أقرمطي؟ فقال له علي بن عيسى: أيها الوزير، أنا قرمطي، أنا قرمطي!! يعرض به، (وذكر قصة طويلة ليست من خبر ابن البهلول في شيء) .
وحدث أبو الحسن [١] علي بن هشام بن أبي قيراط قال: دخلت مع أبي إلى أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول عقيب عيد لنهنئه به، وتطاول الحديث، فقال له أبي: قد كنت أكاتب الوزير- أيده الله- إلى محبسه، يعني ابن الفرات لأنه هو كان الوزير إذ ذاك الوزارة الثالثة، وأعرّفه ما عليه القاضي من موالاته في كذا وكذا، والآن هو على شكر القاضي والاعتداد به، قال: فلما سمع ذلك فرّق الغلمان ومن كان في مجلسه من أصحابه حتى خلا وقال: ليس يخفى عليّ التغير في عين الوزير، وإن كان لم ينقصني من رتبة ولا عمل، وبالله أحلف لقد لقيت حامد بن العباس بالمدائن لما جيء به للوزارة فقام لي في حرّاقته قائما، وقال لي: هذا الأمر لك ولولدك، وسيبين لك ما أفعله في زيادتك من الأعمال والأرزاق، ثم لقيته يوم الخلع عليه بعد لبسه إياها فتطاول [لي] ، فلما فعلت به في أمر الوزير أيده الله ما فعلته بحضرة أمير المؤمنين عاداني وصار لا يعير لي طرفه، وتعرّضت منه لكلّ بلية، فكنت خائفا له حتى أراح الله منه بتفرّد علي بن عيسى بالأمور، واشتغاله هو بالضمان، وسقوط حاجتنا إلى لقائه؛ وما لي إلى هذا الوزير أيده الله ذنب يوجب انقباضه إلا أني أدّيت الوديعة التي كانت له عندي، وبالله لقد ورّيت عن ذكرها جهدي، ودافعت بما يدافع به مثلي ممن لا يمكنه الكذب، فلما جاء ابن حماد كاتب موسى بن خلف [٢] أقرّ بها وأحضر الدليل باحضار
стр. 194
المرأة التي حملتها لم أجد بدّا عن أدائها، وقد فعل مثلي أبو عمر في الوديعة التي كانت له عنده، إلا أن أبا عمر فعل ما قد علمته من حيلة بشراء فصّ بنصف درهم نقش عليه علي بن محمد، ووضع مالا من عنده في أكياس ختمها به، وقال للوزير:
وديعتك عندي بحالها، وإنما غرمت ما أدّيت عنك من مالي، وأراد التقرب إليه ففعل هذا، وأنت تعلم فرق ما بيني وبين أبي عمر في كثرة المال فأريد أن تسلّ سخيمته، وتستصلح لي نيته، وتذكّره بحقي القديم عليه، ومقامي له بين يدي الخليفة إذ ذاك، وأن مثل ذلك لا ينسى بتجنّ لا يلزم. فقال له أبي: أنا أفعل ولا أقصّر، وقد اختلفت الأخبار علينا فيما جرى ذلك اليوم، فإن رأى القاضي- أعزه الله- أن يشرحه لي فعل، فقال أبو جعفر: كنت أنا وأبو عمر وعلي بن عيسى وحامد بن العباس بحضرة الخليفة مع جماعة من خواصّه، وكلهم منحرف عن الوزير- أيده الله- ومحبّ لمكروهه، إذ أحضر حامد الرجل الجندي الذي ادّعى أنه وجده راجعا من أردبيل إلى قزوين ثم إلى أصبهان ثم إلى البصرة، وأنه أقرّ له عفوا أنه رسول ابن الفرات إلى ابن أبي الساج [١] في عقد الامامة لرجل من الطالبيين المقيمين بطبرستان ليقوّيه ابن أبي الساج ويسيره إلى بغداد ويعاونه ابن الفرات بها، وأنه مخبر أنه تردّد في ذلك دفعات، ويخاطبه بحضرة الخليفة في أن يصدق عما عنده في ذلك، فذكر الرجل مثل ما أخبر به عنه حامد، ووصف أن موسى بن خلف كان يتخبّر لابن الفرات لأنه من الدعاة الذين يدعون إلى الطالبيين، وأنه كان يمضي في وقت من الأوقات الى ابن أبي الساج في شيء من هذا، فلما استتم الخليفة سماع هذا الكلام اغتاظ غيظا شديدا، وأقبل على أبي عمر وقال: ما عندك فيمن فعله هذا؟ فقال: لئن كان فعل ذلك لقد أتى أمرا فظيعا، وأقدم على أمر يضرّ بالمسلمين جميعا واستحقّ كذا- كلمة عظيمة لا أحفظها- قال أبو جعفر: وتبينت في عليّ بن عيسى كراهية لما جرى، والانكار للدعوى، والطنز [٢] بما قيل فيها، فقويت بذلك نفسي، وأقبل الخليفة عليّ فقال: ما عندك يا أحمد في من فعل هذا؟ فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني، فقال: ولم؟
стр. 195
فقلت: لأن الجواب ربما أغضبت به من أنا محتاج إلى رضاه أو خالف ما يوافقه من ذلك ويهواه ويضرّبي، فقال: لا بدّ أن تجيب، فقلت: الجواب ما قال الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
(الحجرات: ٦) ومثل هذا يا أمير المؤمنين لا يقبل فيه خبر واحد والتمييز [١] يمنع من قبول مثل هذا على ابن الفرات، أتراه يظن به أنه رضي أن يكون تابعا لابن أبي الساج، ولعله ما كان يرضى وهو وزير أن يستحجبه، ثم أقبلت على الرجل فقلت له: صف لي أردبيل، عليها سور أم لا؟ فإنك على ما تدعيه من دخولها لا بدّ أن تكون عارفا بها، واذكر لنا صفة باب دار الإمارة: هل هو حديد أم خشب؟
فتلجلج فقلت له: كاتب ابن أبي الساج- ابن محمود- ما اسمه ما كنيته؟ فلم يعرف ذلك، فقلت له: فأين الكتب التي معك؟ فقال: لما أحسست بأني قد وقعت في أيديهم رميت بها خوفا من أن توجد معي فأعاقب، قال: فأقبلت على الخليفة وقلت:
يا أمير المؤمنين هذا جاهل متكسّب مدسوس من قبل عدوّ غير محصل، فقال علي بن عيسى مؤيدا لي: قد قلت هذا للوزير فلم يقبل قولي، وليس يهدّد هذا فضلا عن أن ينزل به مكروه إلا أقرّ بالصورة، فأقبل الخليفة على نذير الحرمي وعدل عن أن يأمر نصرا الحاجب بذلك لما يعرفه بينه وبين ابن الفرات: بحقنا عليك لما ضربته مائة مقرعة أشدّ الضرب إلى أن يصدق عن الصورة، فعدّي بالرجل عن حضرة الخليفة ليبعد ويضرب، فقال: لا إلا هاهنا، فضرب بالقرب منه دون العشرة، فصاح:
غررت وضمنت لي الضمانات وكذبت، والله ما دخلت أردبيل قط. فطلب نزار بن محمد الضبي أبو معد، وكان صاحب الشرطة وقد انصرف، فقال الخليفة لعلي بن عيسى: وقّع إليه بأن يضرب هذا مائة سوط، ويثقله بالحديد، ويحبس في المطبق، فوالله لقد رأيت حامدا وقد كاد يسقط انخزالا وانكسارا ووجدا واشفاقا، وخرجنا وجلسنا في دار نصر الحاجب، وانصرف حامد، وأخذ علي بن عيسى ينظر في الحوائج، وأخّر أمر الرجل، فقال له حاجبه ابن عبدوس [٢] : قد وجّه نذير [٣]
стр. 196
بالمضروب المتكذب، فقلت له: إنه وإن كان قد جهل فقد غمّني ما لحقه خوفا من أن أكون سببه، فإن أمكنك أن تسقط عنه المكروه أو بعضه أجرت، فقال: ما في هذا لعنه الله أجر، ولكن أقتصر على خمسين مقرعة وأعفيه من السياط، ثم وقع بذلك الى نزار وانصرفنا. فصار حامد من أعدى الناس لي.
وقال ابن عبد الرحيم [١] حدثني القاضي أبو القاسم التنوخي، وله بأمره الخبرة التامة لما يجمعهما من النسب في الصناعة قال: كان أبو جعفر من جلّة الناس وعظمائهم وعلمائهم، وتقلد قضاء الأنبار وهيت والرحبة وسقي [٢] الفرات في أيام المعتمد بعد كتبة الموفق أبي أحمد سنة سبعين ومائتين وأقام يليها إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة، وأضيف له إليها الأهواز وكورها السبع [٣] وخلفه عليها جدّي أبو القاسم علي بن محمد التنوخي في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وقلّده ماه الكوفة وماه البصرة [٤] مضافات إلى ما تقدم ذكره، ثم ردّ عليه مدينة المنصور وطسّوج مسكن وقطر بل بعد فتنة ابن المعتز في سنة ست وتسعين ومائتين، ولم يزل على هذه الولايات إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة، وأسنّ وضعف، فتوصل أبو الحسين الأشناني [٥] إلى أن ولي قضاء المدينة، فكانت له أحاديث قبيحة، وقيل إن الناس سلموا عليه بالقبا [٦] إيماء الى البغاء، وكان اليه الحسبة ببغداد، فصرف في اليوم الثالث وأعيد العمل إلى أبي جعفر فامتنع من قبوله، ورفع يده عن النظر في جميع ما كان إليه وقال: أحبّ أن يكون بين الصرف والقبر فرجة، ولا أنزل من القلنسوة [٧] إلى الحفرة، وقال في ذلك:
стр. 197
تركت القضاء لأهل القضاء ... وأقبلت أسمو إلى الآخره
فإن يك فخرا جليل الثناء ... فقد نلت منه يدا فاخره
وان كان وزرا فأبعد به ... فلا خير في إمرة وازره
فقيل له: فابذل شيئا حتى يردّ العمل إلى ابنك أبي طالب [١] فقال: ما كنت لأتحمّلها حيا وميتا، وقد خدم ابني السلطان وولاه الأعمال، فإن استوفق خدمته قلّده، وإن لم يرتض مذاهبه صرفه، وهذا يفتضح ولا يخفى، وأنشدهم:
يقولون همّت بنت لقمان مرّة ... بسوء وقالت يا أبي ما الذي يخفى
فقال لها ما لا يكون فأمسكت ... عليه ولم تمدد لمنكرة كفا
وما كلّ مستور تغلّق دونه ... مصاريع أبواب ولو بلغت الفا
بمستتر والصائن العرض سالم ... وربتما لم يعدم الذمّ والقرفا
على أن أثواب البريء نقية ... ولا يلبث الزور المفكك أن يطفا
قال: ولست أعلم هذا الشعر له أم تمثل به.
قال التنوخي: وكان أبو جعفر يقول الشعر تأدبا وتطربا [١] ، وما علمت أنه مدح أحدا بشيء منه، وله قصيدة طردية مزدوجة طويلة، وحمل الناس عنه علما كثيرا، ومن شعره:
رأيت العيب يلصق بالمعالي ... لصوق الحبر في يقق الثياب
ويخفى في الدنيء فلا تراه ... كما يخفى السواد على الإهاب
وله في الوزير ابن الفرات [٣] :
قل لهذا الوزير قول محقّ ... بثّه النصح أيّما إبثاث
قد تقلّدتها ثلاثا [٤] ثلاثا ... وطلاق البتات عند الثلاث
стр. 198
وكان الأمر على ما قاله، فإن ابن الفرات قتل بعد الوزارة الثالثة في محبسه.
وله أيضا:
أقبلت الدنيا وقد ولّى العمر ... فما أذوق العيش إلا كالصّبر
لله أيام الصبا لو تفتكر ... لاقت لدينا لو تؤوب ما يسر
وله أيضا:
ويجزع من تسليمنا فيردنا ... مخافة أن نبغي نداه فيبخلا [١]
وما ضره ان يجتبينا ببشره ... فنقنع بالبشر الجميل ونرحلا
وله أيضا:
وحرقة أورثتها فرقة دنفا ... حيران لا يهتدي إلا إلى الحزن
في جسمه شغل عن قلبه وله ... في قلبه شغل عن سائر البدن
وله أيضا:
أبعد الثمانين أفنيتها ... وخمسا وسادسها قد نما
ترجّي الحياة وتسعى لها ... لقد كاد دينك أن يكلما
وله أيضا:
إلى كم تخدم الدنيا ... وقد جزت الثمانينا
لئن لم تك مجنونا ... لقد فقت المجانينا
وقد ذكر أبو عبد الله ابن بشران في تاريخه قال: دخل على القاضي أحمد بن إسحاق بن البهلول أبو القاسم عمر بن شاذان الجوهري فقال له: ارتفع يا أبا حفص، فقال له بعض من حضر: هو أبو القاسم، فأنشأ ابن البهلول يقول:
فإن تنسني الأيام كنية صاحب ... كريم فلم أنس الإخاء ولا الودا
ولكن رأيت الدهر ينسيك ما مضى ... إذا أنت لم تحدث إخاء ولا عهدا
стр. 199
- ٥٧-
أحمد بن إسحاق
، يعرف بالجفر: حميريّ النسب مصريّ الدار، لم أجد له ذكرا إلا في كتاب أبي بكر الزبيدي فإنه ذكره في نحاة مصر وقال: مات سنة إحدى وثلاثمائة.
- ٥٨-
أحمد بن إسماعيل بن سمكة
، أبو عبد الله أبو علي: بجلي عربي من أهل قمّ: ذكره أبو جعفر في مصنّفي الامامية، من أهل الفضل والأدب والعلم، وعليه قرأ أبو العباس محمد بن الحسين بن العميد، وله عدة كتب لم يصنّف مثلها، منها كتاب العباسي، وهو كتاب عظيم في عشرة آلاف ورقة في أخبار الخلفاء والدولة العباسية مستوفى لم يصنّف مثله وغير ذلك. وكان نحويا لغويا أخباريا. من شعره في أبي الفضل ابن العميد:
خلّط فهذا زمان فيه تخليط ... والناس إثنان محسود ومغبوط
ولا تقيمن بأرض لا انتفاع بها ... فالأرض واسعة والرزق مبسوط
فأجابه ابن العميد:
لا تضجرن بزمان فيه تخليط ... إن القضاء بجدّ المرء مربوط
واصبر على الدهر لا تغضب على أحد ... فلن ترى غير ما في اللوح مخطوط
- ٥٩-
أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخصيب
نطاحة من أهل الأنبار: كان
стр. 200
كاتب عبيد الله بن عبد الله بن طاهر [١] ، وكان بليغا مترسلا شاعرا أديبا متقدما في صناعة البلاغة، وكان في الأكثر يكتب عن نفسه إلى إخوانه، وبينه وبين ابن المعتز مراسلات وجوابات عجيبة.
ذكره محمد بن إسحاق النديم وقال: له من التصانيف: كتاب ديوان رسائله نحو ألف ورقة يحتوى على كلّ حسن من الرسائل. كتاب الطبيخ. كتاب طبقات الكتاب.
كتاب أسماء المجموع المنقول من الرقاع يشتمل على سماعاته من العلماء وما شاهد من أخبار الجلة. كتاب صفة النفس. كتاب رسائله إلى إخوانه.
قال المرزباني في «المعجم» وجدّه الخصيب بن عبد الحميد صاحب مصر وأصلهم من المذار [٢] ، وهو القائل:
خير الكلام قليل ... على كثير دليل
والعيّ معنى [٣] قصير ... يحويه لفظ طويل
وفي الكلام عيون ... وفيه قال وقيل
وللبليغ فصول ... وللعييّ فضول
وله أيضا:
لا تجعلن بعد داري ... مخسّسا لنصيبي
فربّ شخص بعيد ... إلى الفؤاد قريب
وربّ شخص قريب ... إليه غير حبيب
ما القرب والبعد إلا ... ما كان بين القلوب
وله يمدح كاتبا:
وإذا نمنمت بنانك خطّا ... معربا عن إصابة وسداد
عجب الناس من بياض معان ... يجتنى من سواد ذاك المداد
стр. 201
وله أيضا:
ماذا أقول لمن إن زرته حجبا ... وان تخلّفت عنه مكرها عتبا
وان أردت خلاصا من تعتّبه ... ظلما فعاتبته في فعله غضبا
قال أحمد بن يحيى: كان أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الكاتب علّامة شاعرا حسن المعرفة بالشعر، وكان من الظرفاء الخلعاء، قال لي مرة: يا أبا العباس ما بنات مخر؟ فقلت: بنات مخر سحائب بيض يأتين قبل الصيف تشبّه النساء في بياضهنّ وحسنهنّ بها، لأنّ سحاب الصيف لا ماء فيه فيسودّ ويتغير، فقال لي: قلبك عربي.
واستهدى من أحمد بن إسماعيل كتاب «حدود الفراء» فأهداه وكتب على ظهره:
خذه فقد سوّغت منه مشبها ... بالروض أو بالبرد في تفويفه
نظمت كما نظم السحاب سطوره ... وتأنّق الفرّاء في تأليفه
وشكلته ونقطته فأمنت من ... تصحيفه ونجوت من تحريفه
بستان خطّ غير أن ثماره ... لا تجتنى إلا بشكل حروفه
- ٦٠-
أحمد بن أبي الأسود القيرواني
: ذكره الزبيدي فقال: كان غاية في النحو واللغة، وهو من أصحاب عبد الملك المهري [١] ، وله تصانيف في النحو والغريب ومؤلفات حسان، وكان شاعرا مجيدا.
стр. 202
- ٦١-
أحمد بن أعثم الكوفي أبو محمد الأخباري المؤرخ
: كان شيعيا وهو عند أصحاب الحديث ضعيف وله كتاب المألوف، وكتاب الفتوح [١] معروف، ذكر فيه إلى أيام الرشيد، وله كتاب التاريخ إلى آخر أيام المقتدر ابتدأه بأيام المأمون ويوشك أن يكون ذيلا على الأول، رأيت الكتابين. وقال أبو علي الحسين بن أحمد السلامي البيهقي أنشدني ابن أعثم الكوفي:
إذا اعتذر الصديق إليك يوما ... من التقصير عذر أخ مقرّ
فصنه عن جفائك وارض عنه ... فإنّ الصفح شيمة كلّ حرّ
- ٦٢-
أحمد بن بختيار بن علي بن محمد الماندائي
أبو العباس الواسطي: وكان له معرفة جيدة بالأدب والنحو واللغة، مات ببغداد في جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ومولده في ذي الحجة سنة ست وسبعين وأربعمائة بأعمال واسط، وقد ولي القضاء بواسط، وكان فقيها فاضلا له معرفة تامة بالأدب واللغة ويد باسطة في كتب السجلات والكتب الحكمية. سمع أبا القاسم ابن بيان وأبا علي ابن نبهان وغيرهما.
قال أبو الفرج ابن الجوزي [٢] : وكان يسمع معنا على الفضل بن ناصر. صنف كتبا منها: كتاب القضاة. كتاب تاريخ البطائح.
قرأت بخط حجة الاسلام أبي محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشاب،
стр. 203
أنشدني صديقنا الشيخ أبو العباس أحمد بن بختيار بن علي بن محمد الماندائي لنفسه في ابن المرخم:
قد نلت بالجهل أسبابا لها خطر ... يضيق فيها على العقل المعاذير
مصيبة عمّت الاسلام قاطبة ... لا يقتضي مثلها حزم وتدبير
إذا تجارى ذوو الألباب جملتها ... قالوا جهول أعانته المقادير
وقال ابن الخشاب: ومما انشده ابن بختيار في مجلس ابن ناصر لنفسه:
خلق أرقّ من النسيم إذا جرى ... سحرا على نور الربيع الزاهر
لو جاور البحر الأجاج أعاده ... عذبا يروق صفاؤه للناظر
وله:
لما كسا وجهه عذار ... خلعت في وصله العذارا
داريته فاستقام حتى ... صار إذا لم أدره دارا
- ٦٣-
أحمد بن أمية بن أبي أمية أبو العباس الكاتب
: ذكره المرزباني فقال: من أهل بيت الكتابة والغزل والظرف والأدب، حدثنا أحمد بن القاسم النيسابوري أنه لقيه بعد الخمسين والمائتين أو حواليها وأخذ عنه علما كثيرا وأدبا.
قلت: وأمية مولى لهشام بن عبد الملك واتصل في دولة بني العباس بالربيع حاجب المنصور وكتب بين يديه، وله شعر حسن، وولده أهل بيت علم منهم أحمد هذا وأخوه محمد وقد ذكرته في «أخبار الشعراء» .
قال المرزباني وأحمد هو القائل:
خبّرت عن تغيري الأترابا ... ومشيبي فقلن بالله شابا
نظرت نظرة إليّ فصدّت ... كصدود المخمور شمّ الشرابا
стр. 204
إن أدهى مصيبة نزلت بي ... أن تصدّي وقد عدمت الشبابا
وكان أبو هفان يقول: ليس في الدنيا هجاء أشرف ولا أظرف من قول أحمد بن أمية:
إذا ابن شاهك قد ولّيته عملا ... أضحى وحقّك عنه وهو مشغول
بسكة أحدثت ليست بشارعة ... في وسطها عرصة في وسطها ميل
يرى فرانقها في الركض مندفعا ... تهوي خريطته والبغل مشكول
- ٦٤-
أحمد بن بشر بن علي التجيبي
: يعرف بابن الأغبس، ذكره الحميدي وقال:
مات سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وكان فقيها على مذهب الشافعي مائلا إلى الحديث عالما بكتب القرآن، قد أتقن كلّ ما قيل فيها من جهة العربية والتفسير واللغة والقراءة، وكان حافظا للغة العربية كثير الرواية جيّد الخط والضبط للكتب، وأخذ عن العجلي والخشنّي وابن الغازي.
- ٦٥-
أحمد بن بكران بن الحسين الزجاج
: كتب عنه علي بن محمد الأزدي في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
- ٦٦-
أحمد بن بكر العبديّ أبو طالب
، صاحب كتاب «شرح الايضاح» لأبي علي
стр. 205
الفارسي: كان نحويا لغويا قيما بالقياس والافتنان في العلوم العربية، أخذ عن القاضي أبي سعيد السيرافي وأبي الحسن الرماني وأبي علي الفارسي، ومات في سنة ست وأربعمائة في خلافة القادر بالله، لم أجد له خبرا فأحكيه إلا ما حكى هو عن نفسه في كتاب «شرح الإيضاح» أنه تكلم مع أبي محمد يوسف بن أبي سعيد الحسن السيرافي (قال العبدي: وكان ابن السيرافي مكينا في هذا الشأن على شهرته عند الناس في اللغة) في تاء تفعلين فقال: هي علامة التأنيث والفاعل مضمر، فقلت له: ولو كانت بمنزلة التاء في ضربت علامة للتأنيث فقط لثبتت مع ضمير الاثنين وعلم أن فيها مع دلالتها على التأنيث معنى الفاعل، فلما صار للاثنين بطل ضمير الواحد الذي هو الياء وجاءت الألف وحدها، فقال هذا إذا زبيل الحوالج كذا وكذا، وانقطع الوقت بالضحك من ابن شيخنا في قلة تصرفه.
وقرأت في فوائد نقلت عن أبي القاسم المغربي الوزير أن العبدي أصيب بعقله واختل في آخر عمره. وله من التصانيف كتاب شرح الايضاح. كتاب شرح الجرمي.
- ٦٧-
أحمد بن أبي بكر بن أبي محمد الخاوراني
، النحوي الأديب أبو الفضل يلقب بالمحدويه: لقيته بعرف سرين [١] ، وهو شاب فاضل بارع متفنن قيّم بعلم النحو محترق بالذكاء حافظ للقرآن، كتب بخطه العلوم وقرأها على مشايخه، ورأيته قد صنّف كتابين صغيرين في النحو، وشرع في أشياء لم تمهله المنية ليتمها، منها فيما ذكر لي «شرح المفصل» للزمخشري، وكتب عني الكثير وفارقته في سنة سبع عشرة
стр. 206
وستمائة ثم بلغني أنه اعتبط فمات في سنة عشرين وستمائة وعمره نحو ثلاثين سنة، وله رسالة صالحة.
- ٦٨-
احمد بن جعفر الدينوري
ختن ثعلب على ابنته، يكنى أبا علي: أحد النحاة المبرزين المصنفين [ذكره الزبيدي] في نحاة مصر وقال: انه مات بمصر سنة تسع وثمانين ومائتين قال: وكان أبو عليّ الدينوري يخرج من منزل ثعلب وهو جالس على باب داره فيتخطى أصحابه ومعه محبرته فيقرأ كتاب سيبويه على أبي العباس المبرد، فيعاتبه ثعلب ويقول: إذا رآك الناس تمضي إلى هذا الرجل وتقرأ عليه وتتركني يقولون ماذا؟ فلم يكن يلتفت إلى قوله. قال: وكان أبو علي هذا حسن المعرفة، قال قال المصعبي: فسألت أبا علي كيف صار المبرد أعلم بكتاب سيبويه من ثعلب؟ فقال: لأن المبرد قرأه على العلماء وثعلب قرأه على نفسه.
قال الزبيدي: وأصله من الدينور، وقدم البصرة وأخذ عن المازني وحمل عنه كتاب سيبويه، ثم دخل إلى بغداد فقرأ على المبرد، ثم قدم مصر، وألف «كتاب المهذب» في النحو، وكتب في صدره اختلاف البصريين والكوفيين وعزا كلّ مسألة إلى صاحبها، ولم يعتلّ لكلّ واحد منهم ولا احتجّ لمقالته، فلما أمعن في الكتاب ترك الاختلاف ونقل مذهب البصريين، وعوّل في ذلك على كتاب الاخفش سعيد بن مسعدة. وله كتاب مختصر في ضمائر القرآن استخرجه من «كتاب المعاني» للفراء.
ولما قدم علي بن سليمان الأخفش إلى مصر خرج أبو علي منها، فلما رجع الأخفش إلى بغداد عاد أبو علي إلى مصر فأقام بها حتى مات في السنة المقدم ذكرها. وله كتاب إصلاح المنطق.
стр. 207
- ٦٩-
أحمد بن جعفر جحظة
: هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي النديم. قال أبو عبد الله الحسن بن علي بن مقلة: سألت جحظة عمّن لقّبه بهذا اللقب فقال: ابن المعتز لقبني به، فإنه لقبني يوما فقال لي: ما حيوان إذا قلب [١] صار آلة للبحرية؟ فقلت: علق إذا عكس صار قلعا، فقال: أحسنت يا جحظة، فلزمني هذا اللقب، وهو من في عينيه نتوء جدا؛ وكان قبيح المنظر وكان له لقب آخر يلقبه به المعتمد، وهو خنياكر [٢] ، وما أدري أيّ شيء معناه.
كان حسن الأدب كثير الرواية للأخبار متصرفا في فنون من العلم كالنحو واللغة والنجوم، مليح الشعر مقبول الألفاظ حاضر النادرة، وكان طنبوريا حاذقا فيه فائقا، مات في شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة [٣] بجبّل ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين.
ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: ولجحظة من التصانيف: كتاب الطبيخ، لطيف. كتاب الطنبوريين. كتاب فضائل السكباج. كتاب الترنم. كتاب المشاهدات. كتاب ما شاهده من أمر المعتمد على الله. كتاب ما جمعه مما جرّبه المنجمون فصحّ من الأحكام. كتاب ديوان شعره.
قال [٤] : كان جحظة وسخا قذرا دنيء النفس في دينه قلّة، وهو القائل:
إذا ما ظمئت إلى ريقه ... جعلت المدامة منه بديلا
وأين المدامة من ريقه ... ولكن أعلّل قلبا عليلا
стр. 208
ومن سائر شعره قوله:
لي صديق مغرى بقربي وشدوي ... وله عند ذاك وجه صفيق
قوله إن شدوت أحسنت زدني ... وبأحسنت لا يباع الدقيق
حدث الخطيب قال [١] ، قال جحظة: أنشدت عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قولي:
قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع
كم واثق بالعمر أوثقته [٢] ... وجامع بددت ما يجمع
فقال لي: ذنبك إلى الزمان الكمال.
ومن شعر جحظة [٣] :
أقول لها والصبح قد لاح ضوءه ... كما لاح ضوء البارق المتألق
شبيهك قد وافى ولاح افتراقنا ... فهل لك في صوت وكأس مروّق
فقالت شفائي في الذي قد ذكرته ... وان كنت قد نغصته بالتفرّق
قال جحظة: صك لي بعض الملوك بصلة [٤] ، فدافعني الجهبذ به حتى ضجرت، فكتبت إليه [٥] :
إذا كانت صلاتكم رقاعا ... تخطّط بالأنامل والأكفّ
ولم تكن الرقاع تجرّ نفعا ... فها خطّي خذوه بألف ألف
وأنشد جحظة لنفسه في أماليه:
طرقنا بزوغى [٦] حين أينع زهرها ... وفيها لعمر الله للعين منظر
стр. 209
وكم من بهار يبهر العين حسنه ... ومن جدول بالبارد العذب يزخر
ومن مستحثّ بالمدام كأنه ... وإن كان ذميا أمير مؤمّر
وفي كفّه اليمنى شراب مورّد ... وفي كفّه اليسرى بنان معصفر
شقائق تندى بالندى فكأنها ... خدود عليهنّ المدامع تقطر
وكم ساقط سكرا يلوك لسانه ... وكم قائل هجرا وما كان يهجر
وكم منشد بيتا وفيه بقيّة ... من العقل إلا أنه متحير
«فكان مجنّي دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر»
وكم من حسان جسّ أوتار عوده ... فألهب نارا في الحشا تتسعر
يغنّي وأسباب الصواب تمدّه ... بصوت جليل ذكره حين يذكر
أحنّ حنين الواله الطّرب الذي ... ثنى شجوه بعد الغداء التذكر
أجحظة إن تجزع على فقد معشر ... فقدت بهم من كان للكسر يجبر
وأصبحت في قوم كأنّ عظامهم ... إذا جئتهم في حاجة تتكسّر
فصبرا جميلا إن في الصبر مقنعا ... على ما جناه الدهر والله أكبر
وأنشد أيضا لنفسه:
يا من بعدت من الكرى ببعاده ... الصبر مذ غيّبت عنّي غائب
أصبحت أجحد أنني لك عاشق ... والعين مخبرة بأني كاذب
وأنشد أيضا لنفسه:
قد قلّل الإدمان أكلي فما ... أطعم زادا قيس إبهام
فالحمد لله وشكرا له ... قد صرت من بابة أقوام
قوم ترى أولادهم بينهم ... للجوع في حلية أيتام
وأنشد أيضا لنفسه:
أرى الأيام ترمز لي بخير ... ولكن بعد أيام طوال
فمن ذا ضامن لدوام عمري ... إلى دهر يغيّر سوء حالي
стр. 210
هي التسعون قد عطفت قناتي ... ونفّرت الغواني عن وصالي
وفيها لو عرفت الحق شغل ... عن الأمر الذي أضحى اشتغالي
كأني بالنوادب قائلات ... وجسمي فوق أعناق الرجال
ألا سقيا لجسمك كيف يبلى ... وذكرك في المجالس غير بالي
وأنشد أيضا لنفسه [١] :
أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمت ... بين العباد مع الآجال أرزاق
لا ينفع البخل مع دنيا مولية ... ولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
وأنشد أيضا لنفسه:
تعجبت إذ رأتني فوق مكسور ... من الحمير عقير الظهر مضرور
من بعد كلّ أمين الرّسغ معترض ... في السير تحسبه إحدى التصاوير
فقلت لا تعجبي منّي ومن زمن ... أنحى عليّ بتضييق وتقتير
بل فاعجبي من كلاب قد خدمتهم ... تسعين عاما بأشعاري وطنبوري
ولم يكن في تناهي حالهم بهم ... حرّ يعود على حالي بتغيير
وقيل لجحظة: كيف حالك؟ فقال: كما قال الشاعر [٢] :
أيّ شيء رأيت أعجب من ذا ... إن تفكرت ساعة في الزمان
كلّ شيء من السرور بوزن ... والبلايا تكال بالقفزان
وأنشد جحظة لنفسه:
الحمد الله ليس لي كاتب ... ولا على باب منزلي حاجب
ولا حمار إذا عزمت على ... ركوبه قيل جحظة راكب
ولا قميص يكون لي بدلا ... مخافة من قميصي الذاهب
стр. 211
وأجرة البيت فهي مقرحة ... أجفان عيني بالوابل الساكب
إن زارني صاحب عزمت على ... بيع كتاب لشبعة الصاحب
أصبحت في معشر تشمتهم ... فرض من الله لازب واجب
فيهم صديق في عرسه عجب ... إذا تأملت أمرها عاجب
تحسبها حرة وحافرها ... أرقّ من شعر خالد الكاتب
وأنشد لنفسه:
أحمد الله لم أقل قطّ يا بد ... رويا منصفا ويا كافور
لا ولا قلت أين أين الشواهين ... ووزّاننا [١] وأين البدور
لا ولا قيل قد أتاك من الضي ... عة برّ موفّر وشعير
وأتاك العطّار بالند لما ... قيل ما في الخزانتين بخور
أنا خلو من المماليك و ... الأملاك جلد على البلاء صبور
ليس إلا كسيرة وقديح ... وخليق أتت عليه الدهور
قال جحظة: ومررت بوقاد يوقد في التنور ويغني [٢] :
أنا أهواك بنور الله ... فافعل ما بدا لك
إن تكن تمنعني شخ ... صك فابذل لي خيالك
قد أخذت الدن والطن ... بور والكلب فمالك
قل لمن جنبك القم ... عوث من دسّك والك
وله أيضا [٣] :
ولي صاحب زرته للسلام ... فقابلني بالحجاب الصّراح
وقالوا تغيّب عن داره ... لخوف غريم ملحّ وقاح
ولو كان عن داره غائبا ... لأدخلني أهله للنكاح
стр. 212
وقال يستزير بعض إخوانه [١] :
لنا يا أخي زلّة وافره ... وقدر معجّلة حاضره
وراح تريك [٢] إذا صفّقت ... سنا البرق في الليلة الماطره
وما شئت من زهر يانع ... أطافت به الديمة الماطره
ومسمعة [٣] لم يخنها الصواب ... وزامرة أيما زامره
وما شئت من خبر نادر ... ونادرة بعدها نادره
فايت ولو كنت يا ابن الكرام ... وحاشاك من ذاك في الآخره
وأنشد لنفسه أيضا:
ما زارني في الحبس من نادمته ... كأسين كاس مودة ومدام
بخلوا عليّ وقد طلبت سلامهم ... فكأنني طالبتهم بطعام
وأنشد أيضا لنفسه:
وذي جدة طلبت إليه برّا ... من الجلساء مذموم الخلائق
فأقسم أنه رجل فقير ... أرانيه المهيمن وهو صادق
كأني بالمنازل عن قليل ... خلون من المطرّزة النمارق
وقد ظفر النساء بما تركتم ... فصار لماهر بالنيك حاذق
وأنشد أيضا لنفسه في أماليه:
وقائل قال لي من أنت قلت له ... مقال ذي حكمة دانت له الحكم
لست الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم
أنا الذي دينه إسعاف سائله ... والضرّ يعرفه والبؤس والعدم
انا الذي حبّ أهل البيت أفقره ... فالعدل مستعبر والجور مبتسم
стр. 213
وله أيضا [١] :
ولى كبد لا يصلح الطبّ سقمها ... من الوجد لا تنفكّ دامية حرّى
فياليت شعري والظنون كثيرة ... أيشعر بي من بتّ أرعى له الشعرى
وله أيضا:
شكري لإحسانك شكر امرىء ... يستوهب الإحسان من واهبه
وكيف لا أشكر من لا أرى ... في منزلي إلا الذي جاد به
وأنشد جحظة لنفسه في أماليه:
حسبي ضجرت من الأدب ... ورأيته سبب العطب
وهجرت إعراب الكلام ... وما حفظت من الخطب
ورهنت ديوان النقا ... ئض واسترحت من التعب
وله أيضا [٢] :
لا تعجبي يا هند من ... حالي فما فيها عجب
إن الزمان بمن تقدّ ... م في النباهة منقلب
فالجهل يضطهد الحجى ... والراس يعلوه الذنب
حدث غرس النعمة في كتاب الهفوات [٣] قال: كان جحظة لما أسنّ يفسو في مجالسه فيلقى من يعاشره منه جهدا، قال أبو الحسين ابن عياش [٤] : وكنت أحبّ غناءه والكتابة عنه لما عنده من الآداب، وكان يستطيب عشرتي، وكنت إذا جلست عنده أخذت عليه الريح، [وجلست فوقها] ، فجئته يوما في مجلس الأدب والناس عنده وهو يملي، فلما خفّوا قال لي ولآخر كان معي، اجلسا عندي حتى أقعدكما على
стр. 214
لبود، وأطعمكما طباهجة بكبود، وأسقيكما من معتقة اليهود، وأبخّركما بعنبر وعود، أطيب من الندود، وأغنيكما غناء المسدود [١] . فقلت: هذا موضع السجود. وجلسنا وصديقي لا يعرف خلّته في الفساء، وأنا قد أخذت الريح [٢] ، فوفى لنا بجميع ما ذكره، وقال لنا وقد غنى وشربنا: نحن بالغداة علماء وبالعشي في صورة المخنكرين [٣] . فلما أخذ النبيذ منه أخذ يفسو وصديقي يغمزني ويتعجب، فأقول له: إن ذلك عادته وخلّته، وأن سبيله أن يحتمل إلى أن غنّى صوتا من الشعر والصنعة له فيه وكان يجيده:
إن بالحيرة قسا قد مجن ... فتن الرهبان فيها وافتتن
ترك الإنجيل حينا للصبا ... ورأى الدنيا مجونا فركن
قال: فطرب عليه صديقي طربا شديدا واستحسنه كثيرا وأراد أن يقول له:
أحسنت والله يا أبا الحسن، فقال له ما في نفسه يتردد من أمر الفساء: افس عليّ يا أبا الحسن كيف شئت، فخجل جحظة وخجل الفتى وانصرفنا.
وحدث الخطيب عن أبي الفرج الاصبهاني قال [٤] : حدثني جحظة قال:
اتصلت عليّ إضافة أنفقت فيها كلّ ما أملكه حتى بقيت ليس في داري سوى البواري [٥] فأصبحت يوما وأنا أفلس من طنبور بلا وتر- كما يقال في المثل- ففكرت كيف أعمل فوقع لي أن أكتب إلى محبرة بن أبي عباد [٦] الكاتب، وكنت أجاوره، وكان قد ترك التصرّف قبل ذلك بسنتين وحالفه النقرس فأزمنه حتى صار لا يتمكن من التصرف إلا محمولا على الأيدي أو في محفة، وكان مع ذلك على غاية الظّرف وكبر النفس وعظم
стр. 215
النعمة ومواصلة الشرب والقصف، فأردت أن أتطايب عليه ليدعوني فآخذ منه ما أنفقه مدة، فكتبت إليه:
ماذا ترى في جديّ ... وفي غضار بوارد [١]
وقهوة ذات لون ... يحكي خدود الخرائد
ومسمع يتغنّى ... من آل يحيى بن خالد
إن المضيع لهذا ... نزر المروءة بارد
فما شعرت إلا بمحفة محبرة يحملها غلمانه إلى داري، وأنا جالس على بابي، فقلت له: لم جئت؟ ومن دعاك؟ فقال: أنت، فقلت: إنما قلت لك ماذا ترى في هذا، وعنيت في بيتك، وما قلت لك إنه في بيتي، وبيتي والله أفرغ من فؤاد أمّ موسى، فقال: الآن قد جئت ولا أرجع، ولكن أدخل إليك وأستدعي من داري ما أريد، قلت: ذاك إليك، فدخل فلم ير في بيتي إلا بارية، فقال يا ابا الحسن هذا والله فقر نصيح، هذا ضرّ مدقع، ما هذا؟ قلت: هو والله ما ترى، فأنفذ إلى داره فاستدعى فرشا وآلة وقماشا وغلمانا، وجاء فراشوه ففرشوا ذلك، وجاءوا من الصفر والشمع وغير ذلك بما يحتاج إليه، وجاء طباخه بما كان في مطبخه، وهو شيء كثير بآلات ذلك، وجاء شرابيّه بالأواني والمخروط والفاكهة وآلة التبخير والبخور وألوان الأنبذة، وجلس يومه ذلك وليلته عندي يشرب على غنائي وغناء مغنية أحضرتها كنت ألفتها، فلما كان من الغد سلّم إلى غلامه كيسا فيه ألف درهم ورزمة ثياب صحاح ومقطوعة من فاخر الثياب، واستدعى محفته فجلس فيها وشيعته، فلما بلغ آخر الصحن قال: مكانك يا أبا الحسن، احفظ بابك فكلّ ما في دارك لك، فلا تدع أحدا يحمل منه شيئا، وقال للغلمان: اخرجوا، فخرجوا بين يديه، وأغلقت الباب على قماش بألوف كثيرة.
وأنشد السلامي لجحظة في سعد الحاجب [٢] :
يا سعد إنك قد خدمت ثلاثة ... كلّ عليه منك وسم لائح