← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وأفلت. وهو القائل يرثي أبا الحسن بن يحيى عمر الطالبي: فإن يك يا ابن المصطفى قبر سيد ... تعقّر خيل حوله ونجائب فقبرك أولى أن تعقّر حوله ... رجال المعالي والنساء الكواعب وله يهجو ابن أبي حكيم: وتكيد ربّك في مغارس لحية ... الله يزرعها وكفّك تحصد تأبى السجود لمن براك تمردا ... وترى الأيور المنعظات فتسجد [٦٣٩] عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال بن عبد الواحد بن جبريل بن القاسم بن بكر بن سور بن سور بن سور بن سور- أربعة من الملوك- بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جوبين. كنيته أبو محمد، وهو عم أبي الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي: كان رئيس نيسابور، مات بمكة في ذي الحجة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وكان مذكورا بالأدب والكتابة، وحفظ دواوين العرب، ودرس الفقه على قاضي الحرمين وغيره. وكان أوحد زمانه في معرفة الشروط. أكره غير مرة على وزارة السلطان فامتنع وتضرع حتى أعفي، وكان يختم القرآن في ركعتين، ويعول المستورين ببلده سرا. تقلد الرياسة وبقي منفردا بها بلا مانع ولا منازع نيفا وعشرين سنة فلم ير شاك بجميع خراسان. وكان يفتح بابه بعد فراغه من صلاة الصبح إلى أن تصلّى العتمة، فلا يحجب عنه أحد. عقد له مجلس الذكر في حياة إمامي المذهب أبي الوليد القرشي وأبي الحسين القاضي، وحضرا جميعا مجلسه. ثم تقلد الرياسة سنة ست وخمسين وثلاثمائة،

стр. 1507

وكان قد حج سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، ثم تأهب للخروج ثانيا سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، واستصحب شيئا من مسموعاته من أبي حامد ابن الشرقي وأقرانه، وحدث بنيسابور والدامغان والري وهمذان وبغداد والكوفة ومكة. ودخل مكة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وقد حكم المنجمون أنه يموت وهو ابن أربع وسبعين فدعا بمكة في المشاعر الشريفة يقول: اللهم إن كنت قابضي بعد سنتين فاقبضني في حرمك، فاستجاب الله دعاءه وتوفي بمكة في آخر أيام الموسم. وحكي أنه نام على فراشه في الليلة التي مات فيها، وأن كلّ من كان في رحله ناموا وأصبحوا فوجدوه ميتا مستقبل القبلة، فغسلوه وكفنوه، وصلّى عليه أكثر من مائة ألف رجل، ودفن بالبطحاء بين سفيان بن عيينة والفضيل بن عياض «١» : قال الحاكم: قصدني أبو محمد الميكالي، وأنا بباب جنيد في دار لي جديدة، فقال: بلغني أنك هممت ببيع دارك بباب عزيز، فقلت: هو كما بلغ الشيخ الرئيس. فقال: إني قصدتك لأمنعك من هذا، وأبيّن لك عوار ما هممت به: دار كان فيها سلفك، ثم ولدت فيها، ومجلس ختمت في محرابه ونسب إليك، ألم تسمع أبيات ابن الرومي «٢» : ولي وطن آليت الا أبيعه ... وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها وطن إن فات غودرت هالكا وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكرت أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصبا فيها فحنّوا لذلكا ثم لم يفارقني، ﵀، حتى أخذ عهدي «٣» على أن أرجع إلى الدار القديمة وأبيع تلك الحديثة، رضي الله عن ذلك الشيخ، وجزاه عن دينه وشفقته على إخوانه خيرا.

стр. 1508

[٦٤٠] عبد الله بن أسعد بن عيسى بن علي بن الدهان الجزري ثم الموصلي الفقيه الشافعي الأديب الشاعر أبو الفرج: مات بحمص سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، فمما أنشدت من شعره: كأن مقلته صاد وحاجبه ... نون وموضع تقبيلي له ميم فصرت أعشق منه في الورى صنما ... وعاشق الصنم الإنسيّ محروم وقيل إن هذين البيتين لرجل من أهل الأندلس يقال له ابن أسعد أيضا. وحكي أنه دخل يوما على نور الدين محمود بن زنكي، فقال له: كيف أصبحت؟ فقال: كما لا يريد الله ولا رسوله ولا أنت ولا أنا ولا ابن عصرون، فقال له: كيف؟ فقال: لأن الله يريد مني الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، ولست كذلك. وأما رسوله فإنه يريد مني ما يريده الله مني، ولست كذلك. وأما أنت فإنك تريد مني أن لا أسألك شيئا من الدنيا، ولست كذلك. وأما أنا فإنني أريد من نفسي أن أكون أسعد الناس، وملك الدنيا بأجمعها، ولي الدنيا بأسرها، ولست كذلك. وأما ابن عصرون فإنه يريد مني أن أكون مقطّعا إربا إربا، ولست كذلك. فكيف يكون من أصبح لا كما يريد الله ولا رسوله ولا سلطانه ولا نفسه، ولا صديقه ولا عدوّه. فضحك منه، وحباه حباء حسنا. ومن شعره «١» : مولاي لا بتّ في ضرّي ولا سهري ... ولا لقيت الذي ألقى من الفكر باتت لوعدك عيني غير ساجعة ... والليل حيّ الدياجي ميّت السحر

стр. 1509

أودّ من قمر في الأفق غيبته ... وأرقب الشمس من شوقي إلى القمر هذا وقد بتّ من وعد على ثقة ... فكيف لو بتّ من هجر على خطر [٦٤١] عبد الله بن برّي بن عبد الجبّار بن برّي أبو محمد المقدسي الأصل المصري المولد والمنشأ، عرف بابن بري النحوي اللغوي الأديب: كان نحويا لغويا شائع الذكر، مشهورا بالعلم. قال القاضي الأكرم في «أخبار النحاة» شاع ذكره واشتهر ولم يكن للمصريين ممن تقدم أو تأخر مثله. مات بمصر سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. قرأ كتاب سيبويه على أبي بكر محمد بن عبد الملك الشنتريني المغربي النحوي، وتصدّر للإقراء بجامع عمرو بن العاص. وكانت عنايته تامة في تصحيح الكتب وكتب الحواشي عليها بأحمر، فإذا رأيت كتابا قد ملكه فهو الغاية في الصحة والإتقان. وله على كتاب «الصحاح» لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري حواش [له] أخذ عليه في بعضها وشرح في بعضها وزيادات فيما أخل به، ولو تمّت كان عجيبا «١» . وكان مع علمه وغزارة فهمه ذا غفلة وسلامة صدر، وكان وسخ الثوب، زريّ الهيئة واللبسة. يحكي المصريون عنه حكايات عجيبة، منها أنه اشترى لحما وخبزا وبيضا وحطبا، وحمل الجميع في كمه، وجاء إلى منزله، فوجد أهله قد ذهبوا لبعض شأنهم والباب مغلقا، فتقدم إلى كوة هناك تقضي إلى داره، فجعل يلقي منها الشيء بعد الشيء، ولم يفكر في كسر البيض وأكل السنانير اللحم والخبز إذا خلت به.

стр. 1510

وحدثني بعض المصريين قال: كنت يوما أسير مع الشيخ محمد بن برّي وقد اشترى عنبا، وجعله في كمه، فجعل يحادثني وهو يعبث بالعنب ويقبضه حتى جرى على رجليه، فقال لي: تحسّ المطر، فقلت: لا. فقال لي: فما هذا الذي ينقط على رجليّ؟ فتأملته فإذا هو ماء العنب. فأخبرته، فخجل واستحيا ومضى. ويحكون عنه من الحذق وحسن الجواب عما يسأل عنه، ومواضع المسائل من كتب العلماء ما يتعجّب منه. فسبحان الجامع بين الأضداد. وله حواش انتصر فيها للحريري على ابن الخشاب «١» ، وكان له تصفح ديوان الانشاء فيما يكتبونه ليزيل الغلط واللحن فيه كما كان ابن بابشاذ. وقرأ عليه جماعة منهم أبو العباس ابن الحطيئة، وكان ثقة، والجزولي من تلامذته، وأجاز لجميع من أدرك عصره من المسلمين. [٦٤٢] عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان أبو محمد الفارسي النحوي، من أهل فسا: أحد من اشتهر اسمه، وعلا قدره، وكثر علمه. جيد التصنيف، مليح التأليف، قرأ على المبرد وصحبه، ولقي ابن قتيبة، وأخذ عنه. مات سنة سبع وأربعين وثلاثمائة في خلافة المطيع. قال أبو محمد ابن درستويه النحوي، قال البحتري، وقد اجتمعنا على خلوة عند المبرد، وسلكنا مسلكا في المذاكرة: أشعرت أنني سبقت الناس إلى قولي «٢» :

стр. 1511

سقى الغيث أكناف الحمى من محلة ... إلى الخيف «١» من رمل اللوى والمعاهد ولا زال مخضرّ من الأرض يانع ... عليه بمحمرّ من الأرض «٢» جاسد يذكّرنا ريّا الأحبة كلّما ... تنفّس في جنح من الليل بارد شقائق يحملن الندى وكأنها ... دموع التصابي في خدود الخرائد ومن لؤلؤ في الأقحوان منظّم ... على لمة «٣» مصفرّة كالفرائد كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... إليها بتلك البارقات الرواعد فاستحسن المبرّد ذلك استحسانا أسرف فيه [وقال] ما صيغت مثل هذه الألفاظ الرطبة، والعبارة العذبة لأحد تقدمك أو تأخر عنك، فاعترته أريحية جرّ بها رداء العجب، فكأنه أعجبني ما يعجب الناس من مراجعة القول. فقلت: يا أبا عبادة، لم تسبق إلى هذا، بل سبقك إلي قولك: «شقائق يحملن الندى» سعيد بن حميد الكاتب في قوله «٤» : عذب الفراق لنا قبيل وداعنا ... وكم اجترعناه كسمّ ناقع فكأنما أثر الدموع بخدها ... طلّ سقيط فوق ورد ناصع وشركك فيه صاحبنا أبو العباس الناشىء مما أنشدنيه آنفا «٥» : بكت للفراق وقد راعني ... بكاء الحبيب لبعد الديار كأن الدموع على خدها ... بقية طلّ على جلنّار وما أساء ابن الرومي بل أحسن في زيادته عليك حيث يقول «٦» : لو كنت يوم الفراق شاهدنا ... وهنّ يطفئن لوعة الوجد

стр. 1512

لم تر إلا دموع باكية ... تسفح من مقلة على خد كأن تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد وسبقك أبو تمام الطائي إلى الخروج فقال «١» : من كل زاهرة ترقرق بالندى ... فكأنها عين عليه تحدّر تبدو ويحجبها الجميم كأنها ... عذراء تبدو تارة وتخفّر خلق أطل من الربيع كأنه ... خلق الإمام وهديه المستبشر في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن الربيع الغضّ سرج تزهر فشق ذلك عليه وحلّ حبوته ونهض، وكان آخر عهدي بمؤانسته، وغلظ ذلك على المبرد وكدح في حالي عنده «٢» . [٦٤٣] عبد الله بن الحسن بن محمد بن الحسن بن الحسين بن عيسى بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇، أبو الغنائم النسابة بن القاضي أبي محمد الزيدي: تصانيفه تدل على التشيع والاعتزال، وصنّف كتابا في النسب يزيد على عشر مجلدات، سماه «نزهة عيون المشتاقين إلى وصف السادة الغرّ

стр. 1513

الميامين» «١» . لقي جماعة من النسابين، أخذ عنهم علم النسب، وسافر [في] البلاد، ولقي الأشراف والعلويين، واستقصى أنسابهم «٢» . قال الشريف أبو الغنائم: أردت المسير إلى دمشق، فودّعت الشريف أبا يعلى حمزة بن الحسن بن العباس القاضي المعروف بفخر الدولة، وكان إذا ذاك بمصر، وقلت وقت توديعي: استودع الله مولاي الشريف وما ... يحويه من نعم يبقى ويبليها كأنني وقت توديعي لحضرته ... ودّعت من أجله الدنيا وما فيها فلما سمع البيتين أقسم عليّ أن أقيم فأقمت، وأنعم عليّ. [٦٤٤] عبد الله بن الحسين بن سعد القطربلي ، صاحب التاريخ: تقلد عمالة بلد إسكاف، وكان من أهل العلم والأدب، وقد حفظ وسمع، وكان راوية لأشعار المحدثين، وكانوا يقصدونه لبره لهم وصلاته، فمما أنشدت من شعره: جارية أذهلها اللعب ... عما يلاقي الهائم الصبّ شكوت ما ألقاه من حبّها ... فأقبلت تسأل ما الحب

стр. 1514

[٦٤٥] عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين أبو البقاء العكبري البغدادي الأزجي الحنبلي النحوي اللغوي الفرضي، محب الدين: شيخ زمانه، وفرد أوانه، منحة الدهر، وحسنة العصر، إمام في كل علم من النحو واللغة والفقه والفرائض والكلام، يقرىء ذلك كله وهو ضرير، أضرّ وهو في صباه بالجدري، إمام مسجد ابن حمدون ببغداد بالريحانيين ومتقدم الاقراء به، ولد سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ومات في سنة ست عشرة وستمائة. أدرك ابن الخشاب وأخذ عنه، وقرأ الأدب على عبد الرحيم بن العصار. وقرأ الفقه على الشيخ أبي حكيم إبراهيم بن دينار النهاوندي وسمع في صباه من أبي الفتح ابن البطي وأبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي وأبي بكر عبد الله بن النقور وأبي العباس أحمد بن المبارك بن المرقعاني وغيرهم. وكان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي يفزع إليه فيما يشكل عليه من علم الأدب. واستنشدته من شعره فقال: وقتي أعزّ من أن أفكر في قول شعر. ولا أعرف لي شعرا إلا أربعة أبيات أنسيت بيتا منها، فاستنشدته ذلك فأنشدني يمدح الوزير نصير الدين بن مهدي العلوي وزير الإمام الناصر لدين الله: بك أضحى جيد الزمان محلّى ... بعد أن كان من حلاه مخلّى لا يجاريك في نجاريك خلق ... أنت أعلى قدرا وأعلى محلا دمت تحيي ما قد أميت من الفض ... ل وتنفي فقرا وتطرد محلا

стр. 1515

وكان الشيخ أبو البقاء ﵀ دينا ورعا صالحا حسن الخلق قليل الكلام فيما لا يجدي نفعا «١» . وكان ﵀ رقيق القلب سريع الدمع. رأيته مرارا ينشد من أشعار المتأدبين الرقيقة وأدمعه تتحدر على شيبته، فما أذكر ذلك منه أبدا إلا ويخشع قلبي، وأترحّم عليه. وكان قد تفرّد في عصره بالعلوم خصوصا علم العربية والفرائض، وكان الناس يقصدونه من أقصى الشرق والغرب لأجلها. وكان إذا أراد أن يصنف شيئا أحضرت إليه مصنفات ذلك الفن وقرئت عليه، فإذا حصل ما يريد في خاطره أملاه. فكان يقال: أبو البقاء تلميذ تلامذته. وقال: جاء إلي جماعة من الشافعية وقالوا: انتقل إلى مذهبنا ونعطيك تدريس النحو واللغة بالنظامية، فقلت: لو أقمتموني وصببتم الذهب عليّ حتى واريتموني ما رجعت عن مذهبي. وله من التصانيف: تفسير القرآن. إعراب القرآن «٢» . إعراب الشواذ من القراءات، متشابه القرآن، عدد آي القرآن، إعراب الحديث «٣» ، المرام في نهاية الأحكام في المذهب. الكلام على دليل التلازم. تعليق في الخلاف. الملقّح من الخطل في الجدل. شرح الهداية لأبي الخطّاب. الناهض في علم الفرائض، البلغة في الفرائض. التلخيص في الفرائض. الاستيعاب في أنواع الحساب. مقدّمة في الحساب. شرح الفصيح. المشوف المعلم في ترتيب كتاب إصلاح المنطق على حروف المعجم. شرح الحماسة. شرح المقامات الحريريّة. شرح الخطب النباتيّة. المصباح في شرح الإيضاح والتكملة. المتّبع في شرح اللّمع. لباب الكتاب. شرح أبيات كتاب سيبويه. إعراب الحماسة. الإفصاح عن معاني أبيات الإيضاح. تلخيص أبيات الشعر لأبي عليّ. المحصّل في إيضاح المفصّل. نزهة الطرف في إيضاح قانون الصرف. الترصيف في علم التصريف. اللّباب في علل البناء والإعراب. الإشارة في

стр. 1516

النحو- مختصر. مقدمة في النحو، أجوبة المسائل الحلبيّات. التلخيص في النحو. التلقين في النحو. التهذيب في النحو. شرح شعر المتنبّي «١» . شرح بعض قصائد رؤبة. مسائل في الخلاف في النحو. تلخيص التنبيه لابن جنّي. العروض- معلّل. العروض- مختصر. مختصر أصول ابن السرّاج. مسائل نحو مفردة. مسألة في قول النبيّ ﷺ : «إنّما يرحم الله من عباده الرحماء» المنتخب من كتاب المحتسب. لغة الفقه «٢» . [٦٤٦] عبد الله بن حمّود الزبيدي أبو محمد الأندلسي : من مشاهير أصحاب أبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي. رحل إلى الشرق، ولم يعد إلى الأندلس. لازم ببغداد أبا سعيد السيرافي إلى أن توفي السيرافي فلازم أبا علي الفارسي، واتبعه إلى فارس. وكان إذا سمع كلام الجاحظ تخدّر وتسدّر عجبا به. وكان يقول: قد رضيت في الجنة بكتب الجاحظ عوضا من نعيمها. وكان من فرسان النحو والشعر واللغة «٣» . وأنشد لبعض شعراء المغرب بيتا ذكر فيه أشياء زعم أنه لا حقيقة لها، وهو «٤» : الجود والغول والعنقاء ثالثة ... أسماء في الناس لم تخلق ولم تكن

стр. 1517

وأنشد «١» : وأحور إن كلمته فهو شاعر ... بيانا، وإن لا حظته فهو ساحر على خدّه للياسمين غلائل ... عليها من الورد النضير ظهائر حسام بجفنيه ونطع بخده ... وصبغ دم العشاق في النطع ظاهر [٦٤٧] عبد الله بن خليد أبو العميثل، مولى جعفر بن سليمان: والعميثل من صفات الخيل، وهو السبط الذيال المتبختر في مشيته. وكان يؤدب ولد عبد الله بن طاهر. وأصله من الري. مات سنة أربعين ومائتين. كان يفخّم كلامه ويعربه ويتقعر فيه، ويجيد قول الشعر. فمن شعره، وقد حجب في باب عبد الله بن طاهر «٢» : سأترك هذا الباب مادام إذنه ... على ما أرى حتى يخفّ قليلا إذا لم أجد يوما إلى الإذن سلّما ... وجدت إلى ترك اللقاء سبيلا وهو القائل «٣» : أمّا والراقصات بذات عرق ... ومن صلّى بنعمان الأراك لقد أضمرت حبّك في فؤادي ... وما أضمرت حبا من سواك أطعت الآمرين بقطع حبلي ... مريهم في أحبتهم بذاك فإن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وإن عاصوك فاعصي من عصاك

стр. 1518

دخل أبو العميثل «١» يوما على عبد الله بن طاهر، فقبّل يده، فقال له ممازحا: خدشت كفّي بخشونة شاربك. فقال له أبو العميثل: إن شوك القنفذ لا يؤلم كف الأسد. فأعجبه قوله، وأمر له بجائزة. قال الصولي: ولأبي العميثل ديوان شعر في خمسمائة ورقة. ومصنفاته: كتاب البسالة، كتاب الأبيات السائرة، كتاب معاني الشعر، كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه. [٦٤٨] عبد الله بن ذكوان الفارسي، قرشي فهري: وهو قارىء، مات سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، وكان يصلي بالناس في الجامع الخمس، وكان متبسطا مرحا، ولم يكن في زمانه أقرأ منه. [٦٤٩] عبد الله بن رستم: مستملي ابن السكيت. [٦٥٠] عبد الله بن الزبير وهو ابن المعتز ، قيل، واسم المعتز محمد بن جعفر بن المتوكل بن أبي إسحاق المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله

стр. 1519

المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ويكنى أبا العباس. مات في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين مقتولا. زعموا أن مولده في شعبان سنة سبع وأربعين ومائتين. كان غزير الأدب وافر الفضل، نفيس النفس، حسن الأخلاق، وقد أخذ من كل فن من العلوم بنصيب. فأما شعره فهو الغاية في الأوصاف والتشبيهات، يقر له بذلك كل ذي فضل، وقد لقي طائفة من جلة العلماء كأبي العباس المبرد وثعلب، وتأدب عليهما، ولقي أبا علي الحسن بن عليل العنزي، وروى عنه. وروى عنه شعره جماعة منهم أبو بكر الصولي. فمن أشعاره ما كتبه إلى أبي العنبس بن أبي عبد الله بن حمدون المغني: حتّام يا من أهوى مودته ... ينقطع الوصل حين يتصل إذا التقينا فالهجر ناحية ... يضحك منا والوصل محتفل فأجابه: لم ينأ من لم تزل مودّته ... ولا افترقنا والحبل متصل وليس ودّي مما يغيّره الد ... هر بأحداثه فينتقل وكتب إلى أبي الطيب القاسم بن محمد النميري في يوم عيد، وكان النميري من أهل الأدب والعقل، مليح الشعر، رقيق الطبع، وكان له نعمة واسعة، وكان ابن المعتز يأنس به: بأبي هل حلا بعينيك شيء ... هو أسلاك يا خليلي بعدي كلّ شيء مرّ إذا لم تزرني ... وهو عذب إذا رأيتك عندي فأجابه: سيدي أنت لم تردني فماذا ... حيلتي إذ شقيت منك بصدّ يعلم الله ما أعالج من شو ... قي ومن حسرتي وغمّي ببعدي وكتب إليه أيضا ابن المعتز: يا أبا العباس قد شم ... مّر شعبان إزاره

стр. 1520

ومضى يسعى فما يل ... حق إنسان غباره فاغد نشرب صفوة الكأ ... س ونسلبه وقاره وإذا ذكر العذ ... ل شربنا بادكاره قال ابن المعتز وقد تواترت أمطار كثيرة: روينا فما نزداد يا ربّ من حيا ... وأنت على ما في النفوس شهيد سقوف بيوتي صرن أرضا أدوسها ... وحيطان داري ركّع وسجود حدث جعفر بن قدامة قال «١» : كنا يوما عند عبد الله بن المعتز، وكان له جارية اسمها مسرّة، وكان يحبّها ويهيم بها، فخرجت علينا من صدر البستان في زمن الربيع، وعليها غلالة معصفرة، وفي يدها حيّاني من باكورة باقلاء، فقالت له: يا سيدي، تلعب معي حياني؟ فالتفت إلينا، وقال على بديهته من غير توقف ولا تفكّر: فديت من مرّ يمشي في معصفرة ... عشية فسقاني ثم حياني وقال تلعب حياني فقلت له ... من جاد بالوصل لم يلعب بهجران عن المبرد قال «٢» : كان لعبد الله غلام اسمه نشوان، وكان يهواه ويحبه حبا مفرطا، وكان من أحسن الناس وجها وغناء، فجدر ثم عوفي. قال المبرد: فدخلت على ابن المعتزذات يوم، فقال لي: قد عوفي نشوان، وعاد إلى أحسن ما كان، وقد قلت فيه بيتين: لي قمر جدّر لما استوى ... فزاده حسنا وزالت هموم أظنه غنّى لشمس الضحى ... فنقّطته طربا بالنجوم قال المبرد «٣» : وغضب نشوان هذا عليه، فاجتهد في إصلاحه فأعياه فقال: بأبي أنت قد تمادي ... ت في الهجر والغضب

стр. 1521

واصطباري على صدو ... دك يوما من العجب ليس لي إن فقدت وج ... هك في العيش من أرب رحم الله من أعا ... ن على الصلح واحتسب قال المبرد: فمضيت إلى الغلام فلم أزل أداريه وأرفق به حتى ترضّيته، وجئت به، فجلس يغني وغنّت ارياف جارية ابن المعتز في هذا الشعر ومرّ لنا يوم ما رأيت أحسن منه ولا أطيب. وكانت «١» بنت الكراعة المغنية تألف ابن المعتز، ثم انقطعت عنه، فقال: ليت شعري بمن تشاغلت عني ... فهو لا شكّ جاهل مغرور هكذا كنت مثله في سرور ... وغدا بالهموم مثلي يصير وحدث أبو منصور الثعالبي قال: لما ورد أبو حفص السهروردي على الصاحب ابن عباد، وقدمه إليه بعض كتابه فجاراه الصاحب في مسائل لم يحمد أثره فيها، وكان في بصره سوء، فقال الصاحب يداعبه: وكاتب جاءنا بأعمى ... لم يحو علما ولا نفاذا فقلت للحاضرين كفوا ... فقلب هذا كعين هذا ثم استنشده فأنشده أبياتا: دعوت على ثغره بالقلح ... وفي شعر طرته بالجلح لعل غرامي به أن يقلّ ... فقد برّحت بي تلك الملح فقال الصاحب: نسجت على منوال جميل في قوله: رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغرّ من أنيابها بالقوادح وما أحسنت بعض إحسان ابن المعتز في قوله «٢» : يا ربّ إن لم يكن في وصله طمع ... وليس لي فرج من جور هجرته فاشف السقام الذي في سحر مقلته ... واستر ملاحة خديه بلحيته

стр. 1522

ولعبد الله بن المعتز في عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد وولده القاسم أشعار كثيرة، منها في الوزير «١» : عليم بأعقاب الأمور كأنه ... بمختلسات الظنّ يسمع أو يرى إذا أخذ القرطاس ظلت يمينه ... تفتّح نورا أو تنظّم جوهرا وله «٢» : لآل سليمان بن وهب صنائع ... إليّ ومعروف لديّ تقدّما هم علّموا الأيام كيف تبرّني ... وهم غسلوا من ثوب والدتي الدما ومن شعره: إني غريب بدار لا أنيس بها ... كغربة الشعرة السوداء في الشّمط ما أطلق العين في شيء أسرّ به ... فلست أبدي الرضى إلا على سخط وله: أليس من الحرمان حظّ سلبته ... وأحوجني منه البلاء إلى العذر فصبرا فما هذا بأول حادث ... رمتني به الأيام من حيث لا أدري وحدث ابن المعتز، قال: كانت جدتي أم المعتز بالله لما تعرضت للشعر تعيبه عندي وتقبّحه إلي، وأنشدتني «٣» : الكلب والشاعر في حالة ... يا ليت أني لم أكن شاعرا هل هو إلا باسط كفّه ... يستمطر الوارد والصادرا أول ما صنف في صنعة الشعر عبد الله بن المعتز كتابا صغيرا سماه كتاب البديع «٤» . وذكر أن البديع اسم لفنون الشعر يذكرها الشعراء ونقاد المتأخرين منهم. فأما العلماء باللغة والشعر القديم الجاهلي والمخضرمي والعربي، فلا يعرفون هذا

стр. 1523

الاسم، ولا يدرون ما هو، قال: وما جمع فنون البديع غيري، وما سبقني إليه أحد. ومن شعره «١» : والريح تجذب أطراف الرداء كما ... أفضى الشفيق إلى تنبيه وسنان ومن منثور كلامه «٢» : الحكمة شجرة تنبت في القلب، وتثمر في اللسان. النصح بين الملأ تقريع. المتواضع من العلماء أكثرهم علما، كما أن المنخفض من الأرض أكثر البقاع ماء. إذا زاد العقل نقص الكلام. الشفيع جناح الطالب. الدار الضيقة العمى الأصغر. المرض حبس البدن، والهم حبس الروح. المعرفة بالفضيلة عليك فضيلة منك. من لم يتعرض للنوائب تعرضت له. النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن يخمدها أن لا تجد حطبا، وكذلك العلم لا يفنيه الاقتباس منه، ولكن فقد الحاملين سبب عدمه. المعروف غلّ لا يفكّه إلا شكر أو مكافأة. ما عفا عن الذنب من قرّع به. ما أدري ماذا أمرّ، موت الغنيّ أو حياة الفقير؟ كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد قبحا فيها. العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم. وكتب النميري إلى ابن المعتز في يوم خميس صامه: أبا العباس يا خير الأنام ... تصوم وليس ذا وقت الصيام فهل لك في ندام أخ ظريف ... يساعد في الحلال وفي الحرام قال ابن المعتز: وكتب إليّ بعض أهلي من النساء: فهبني مسيئا كالذي قلت ظالما ... فعفوا جميلا كي يكون لك الفضل وهذا الشعر مقولها فأجبتها: غفرت ولو كانت ذنوبك كالحصى ... وعندي إذا جربتني خلق سهل وفي القلب مني شافع من هواكم ... وجيه فلا قول يعاب ولا فعل قرأت بخط أبي علي بن أبي إسحاق الصابي لابن المعتز «٣» :

стр. 1524

دعوا الأسد تفرس في غابها ... ولا تدخلوا بين أنيابها قتلنا أمية في دارها ... وكنا أحقّ بأسلابها ورثنا ثياب نبيّ الهدى ... فلم تجذبون بأهدابها لكم حقكم يا بني بنته ... ولكن بنو العم أولى بها ولابن المعتز في أبي تمام «١» : لست تنفكّ طالبا لوصال ... من حبيب أو راغبا في نوال أيّ ماء لحرّ وجهك يبقى ... بين ذلّ الهوى وذل السؤال وله: أيا أسفا على ما فات مما ... أشاهد من خلائقك الكرام وما في القرب منك من المعاني الل ... واتي قد فقدن من الأنام ومن شعره: كم تائه بولاية ... وبعزله يغدو البريد سكر الولاية طيب ... وخماره صعب شديد كان عبد الله بن المعتز يقول: لو لم تقل العرب إلا هذا البيت الواحد لكان لها الفضل على الناس: أمستوحش أنت لما أسأت ... فأحسن متى شئت واستأنس ولما قتل قال فيه ابن بسّام يرثيه «٢» : لله درك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب ما فيه لولا ولا ليت فتنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب ومن شعره: أشكو إلى الله أحداثا من الزمن ... برينني مثل بري الدرج بالسّفن لم تبق في العيش لي إلا مرارته ... إذا تذوقته والحلو منه فني يا نفس صرا وإلا فاهلكي جزعا ... إن الزمان على ما تكرهين بني

стр. 1525

لا تحسبي نعما سرّتك صحبتها ... إلا مفاتيح أبواب من الحزن ما المرء إلا كعنز السوء يضربه ... سوط الزمان ولا يمشي على سنن قال بعض من كان يخدمه: إن عبد الله بن المعتز، خرج يوما يتنزه ومعه ندماؤه وقصد باب الحديد وبستان الناعورة، وكان ذلك آخر أيامه، فأخذ خزفة وكتب بالجص «١» : سقيا لظل زماني ... ودهري المحمود ولّى كليلة وصل ... قدّام يوم صدود قال: وضرب الدهر ضربانه، ثم عدت بعد قتل ابن المعتز، فوجدت خطه خفيّا، وتحته مكتوب: أف لظل زماني ... وعيشي المنكود فارقت أهلي وإلفي ... وصاحبي وودودي ومن هويت جفاني ... مطاوعا لحسود يا رب موتا وإلا ... فراحة من صدود ومصنفاته: كتاب الزهر والرياض. كتاب البديع في صناعة الشعر. كتاب مكاتبات الإخوان بالشعر. كتاب الجوارح والصيد. كتاب السرقات. كتاب أشعار الملوك.. كتاب الآداب. كتاب حلى الأخبار. كتاب التفات الشعراء المحدثين، كتاب الجامع في الغناء. كتاب أرجوزة في ذم الصبوح. [٦٥١] عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو محمد: أحد الفضلاء العلماء، وكان من علماء الكوفيين. له من المصنفات: كتاب النوادر. كتاب رحل البعير.

стр. 1526

[٦٥٢] عبد الله بن سعيد بن مهدي الخوافي، أبو منصور: أديب شاعر فاضل لغوي مصنف في فنون من الأدب، فرضي حاسب من أتمّ الناس مروءة وأكثرهم نفعا. دخل بغداد واستوطنها وسكنها، وحدث بها. وكان أكثر رواياته الكتب الأدبية. قال الرئيس أبو منصور الخوافي: أنشدت لأبي فراس ابن حمدان: لا عيب للطّرف إن زلّت قوائمه ... وليس ينقصه من عائب دنس حملت حلما وبأسا فوقه وندى ... وليس يحمل هذا كله فرس فعملت في معنى ذلك، وكتبت بها إلى العميد أبي الفتح المظفر بن محمد بن الحسين الكندري: فدتك عميد الحضرتين نفوسنا ... من السوء إذ لم تأل فضلا وإنعاما أإن عثر الطرف المعثر لمته ... ظلمت فهذا عذره منه قد قاما ولم يستطع بحرا وبدرا وشاهدا ... وليثا وإنسانا وغيثا وصمصاما ومن شعره: بقاؤك لي يمن وأمن ونعمة ... وعزّ وتأييد وسعد وإقبال فماذا من الأيام أرجو وأتقي ... وجاهك لي مال ووجهك لي فال ومن مصنفاته: كتاب خلق الإنسان مرتبة على حروف المعجم. كتاب رجم العفريت ردّ فيه على أبي العلاء المعري في كتبه في الفصول والغايات ولزوم ما لا يلزم وغير ذلك. [٦٥٣] عبد الله بن السّيد البطليوسي وقيل عبد الله بن محمد بن السّيد النحوي،

стр. 1527

وبطليوس مدينة في جزيرة الأندلس: إمام في علم العربية، محقق في فنون الأدب، متقدم على أهل عصره في بلاده. مات سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. من شعره: أخو العلم حيّ خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظنّ من الأحياء وهو عديم وكان بقرطبة «١» مقيما في أيام ابن الحاج صاحب قرطبة، وكان لابن الحاج بنون ثلاثة، يسمّى أحدهم عزون، والثاني رحمون، والثالث حسنون. وكانوا صغارا في حدّ الحلم، وكانوا من أجمل الناس صورة، وكانوا يقرأون القرآن على المقرىء، ويختلفون إليه في الجامع. وكان أبو محمد البطليوسي قد أولع بهم، ولم تمكنه صحبتهم إذ كان من غير صنفهم وشكلهم. وكان يجلس في الجامع تحت شجرة كانت في وسط الجامع، بكتاب يقرأ فيه يتحيّن وقت دخولهم وخروجهم من الجامع، ولم يكن له حظ منهم غير ذلك، فقال فيهم: أخفيت سقمي حتى كاد يخفيني ... وهمت في حبّ عزون فعزّوني ثم ارحموني برحمون فإن ظمئت ... نفسي إلى ريق حسنون فحسوني ثم خاف على نفسه بسبب أبيهم، ففرّ من قرطبة، وخرج من حينه إلى بلنسية، فأقرأ بها، وألف تواليفه إلى أن مات. وحكي عنه أنه قال: كان سبب طلبتي للعلم أن والدي كان رجلا من أهل القرى، وكان له ثروة، فسلّم إليّ مالا لأدخل به إلى الحاضرة للتجارة، فدخلت إلى [قرطبة] فاتفق أني اجتزت في السوق فوجدت حلقة تباع فيها الكتب، فوقفت عليها، واستحسنت الكتب، وشريت منها بمقدار مائتي دينار للتجارة، فلما خلوت بها جعلت أفتقدها وأقول: هذا جيد لا ينبغي أن يباع، وهذا جيد إلى أن اخترت

стр. 1528

لنفسي أكثرها، ثم جعلت أطالعها فلا أفهم معانيها، فيضيق صدري. فسألت بعض الطلبة، وقلت له: أي العلوم أنفق؟ فقال: الناس في الأدب أرغب منهم في غيره. قلت له: وأيّ الكتب أشهر من كتب الأدب؟ فقال: كتاب العين. فشرعت فيه على شيخ هناك. فلم تمض لي شهور حتى حفظته، ثم حفظت كتابا في النحو. ولذّ لي العلم، فلم تمض إلا مدة قليلة حتى صرت ممن يشار إليه. فاشتقت إلى أهلي بعد أن أنفقت جميع ما كان معي، فخرجت إليهم واجتمعت بوالدي، فسألني عن الحال، فأخبرته بقصتي، فلم ينكره عليّ بل سرّه، وقال: يا ولدي، هذه نعمة من الله في حقك حيث ألهمك بالعلم. وأمدني بشيء آخر من المال، ورجعت إلى المدينة، وطلبت المشايخ حتى بلغت إلى ما ترون. وكان يقول: المتأدب أحوج إلى تأديب نفسه وخلقه منه إلى تأديب لسانه. وكذلك: إنك تجد في العامة الذين لم ينظروا في شيء من الأدب من هو حسن اللقاء، جميل المعاملة، حلو الشمائل، مكرم لجليسه، وتجد في ذوي الأدب من أفنى دهره في القراءة والنظر، وهو مع ذلك قبيح اللقاء سيء المعاملة، جافي الشمائل، غليظ الطبع. والأدب نوعان: أدب خبرة، وأدب عشرة، قال الشاعر: يا سائلي عن أدب الخبره ... أحسن منه أدب العشره كم من فتى تكثر آدابه ... أخلاقه من علمه صفره [٦٥٤] عبد الله بن سليمان بن يخلف الصقلي أبو القاسم الكلبي أحد الأدباء المجيدين، والشعراء المعدودين: وله تأليفات وكتب مصنفات في الرد على العلماء. فمن مختار شعره قوله: نعيمي أحلى بتلك الديار ... رواحي إلى لذة وابتكاري فليت ليالي الصدود الطوال ... فداء ليالي الوصال القصار

стр. 1529

زمان أبيت طليق الرقاد ... وأغدو خليا خليع العذار ولم يكن الهجر مما أخاف ... ولا العاذل الفظ ممن أداري أسابق صبحي بصبح الدنان ... وأصرف ليلي بصرف الكبار ألا ربّ يوم لنا بالمروج ... بخيل الضياء جواد القطار كأن الشقيق بها وجنة ... بآخرها لمعة من عذار كأن البنفسج في لونه ... اختلاط الظلام بضوء النهار وسوسنها مثل بيض القباب ... بأوساطها عمد من نضار ترى النرجس الغض فوق الغصون ... مثل المصابيح فوق المنار ونارنجها كحقاق النضار ... تصفف أو كثديّ الجواري أقمنا نسابق صرف الزمان ... بدارا إلى عيشنا المستعار نجيب بصوت القناني القيان ... إذا ما أجابت غناء القماري وتصبح عيداننا في اصطخاب ... يلذّ وأطيارنا في اشتجار نشمّ الخدود شميم الرياض ... ونجني النهود اجتناء الثمار ونسقى على النّور مثل النجوم ... ومثل البدور اعتلت للمدار عقارا هي النار في نورها ... فلولا المزاج رمت بالشرار إذا ما لقيت الليالي بها ... فأنت على صرفها بالخيار نعمنا بها وكأن النجوم ... دراهم من فضة في نثار وله من أخرى: شربت على الرياض النّيرات ... وتغريد الحمام الساجعات معتقة ألذّ من التصابي ... وأشرف في النفوس من الحياة تسير إلى الهموم بلا ارتفاع ... كما سار الكميّ إلى الكماة وتجري في النفوس شفاء داء ... مجاري الماء في أصل النبات كأن حبابها شبك مقيم ... لصيد الألسن المتطايرات لنا من لونها شفق العشايا ... ومن أقداحها قلق العداة

стр. 1530

على روض يدلّه من رآه ... بأصناف المناظر واللغات ويبكيه ابتسام الصبح فيه ... ويضحكه عبوس المدجنات كأن الأقحوان فصوص تبر ... تركّب في اللجين موسطات ونارنجا على الأغصان يحكي ... كؤوس الخمر في أيدي السّقاة إذا ما لم تنعّمني حياتي ... فما فضل الحياة على الممات شربت بسدفة كظلام جدّي ... وأحداث الزمان المبهمات إلى أن بان فتق مثل لفظي ... وأخلاقي الحسان المشرقات وله أيضا: أرحت النفس من همّ براح ... وهان عليّ إلحاح اللواحي وصاحبت المدام وصاحبتني ... على لذّاتها وعلى سماحي فما يبقى على طرب مصون ... ولا أبقي على مال مباح ثوت في دنّها ولها هدير ... هدير الفحل ما بين اللقاح وصفّتها السنون ورقّقتها ... كما رقّ النسيم مع الرواح إلى أن كشّفت عنها الليالي ... ونالتها يد القدر المتاح فأبرزها بزال الدنّ صرفا ... كما انبعث النجيع من الجراح [٦٥٥] أبو عبد الله العروضي الصقلي: أحد العلماء الرواة الحفاظ الثقات العالمين بجميع التواريخ والأخبار، وملح الآداب والأشعار. كان مسامر الملوك والأمراء، ومنادم السادات والوزراء، عالما بالغناء، أربى فيه على المتقدمين. وعلمه بالعروض والقوافي والأوزان كعلم الخليل، وله شعر منه من أبيات: وسنان طرف يبيت في دعة ... وليس طرفي عنه بوسنان كأنّ أجفان عينه حلفت ... أن لا تذوق الرقاد أجفاني

стр. 1531

[ومنه] «١» : لما نظرت إليّ من حدق المها ... وبسمت عن متفتّح النوّار وحللت أطراف الخمار كأنه ... عن جنح ليل فاحم ونهار وشددت بين قضيب بان ناعم ... وكثيب رمل عقدة الزنّار عفّرت وجهي في الثرى لك ساجدا ... وعزمت فيك على دخول النار [٦٥٦] عبد الله بن عامر المقري: يحصبيّ منسوب إلى يحصب: بن دهمان بن عامر بن حمير بن سبأ بن يشجب، ويقال يحصب بضم الصاد وكسرها. واختلف في كنيته، فقيل أبو نعيم. وهو أحد القراء السبعة. قيل إنه قرأ على عثمان بن عفان، ﵁، وقيل: إنه قرأ على أبي الدرداء. وقيل: على معاذ بن جبل. وقيل: إن قراءة أهل الشام موقوفة على ابن عامر اليحصبي. وقيل: قرأ على معاوية بن أبي سفيان، وروى الحديث عن عثمان وأبي الدرداء وزيد بن ثابت، وكان شيخا كبيرا، وكان إماما عالما حافظا قيما بالعلوم، وشهرته تغني عن وصفه. روى القرآن «٢» عن عبد الله بن ذكوان، وهشام بن عمار السلمي، والوليد بن عتبة الأشجعي وغيرهم. مات سنة ثماني عشرة ومائة وعمره تسع وتسعون سنة في أيام هشام بن عبد الملك، وهو من الطبقة الثانية من التابعين. وكان على بناء مسجد دمشق وكان رئيس المسجد لا يرى فيه بدعة إلا غيرها. وقيل: إنه كان راوية لعثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه.

стр. 1532

[٦٥٧] عبد الله بن عبد الله الصفري، يكنى أبا العباس: أديب فاضل أريب شاعر ناثر. لقي أعيان المشايخ وأخذ عنهم الأدب، منهم ابن خالويه، وأبو علي الفارسي [والزجاجي] وكان من شعراء سيف الدولة بن حمدان. مرض أبو فراس ابن حمدان فلم يعده أبو العباس الصفري فكتب إليه أبو فراس يستبطئه عن عيادته «١» . إني مرضت فلم يعدني عائد ... ممن قضيت حقوقه فيما مضى إن الحقوق وإن تطاول عهدها ... دين يحلّ وواجبات تقتضى لولا الجميل وحفظ ما أسلفتم ... يا ظالميّ لقلت لا بعد الرضى يا تاركين عيادتي بتعمد ... إن تمرضوا لا تعدموا مني القضا فأجابه أبو العباس الصفري: شكوى الأمير لما شكاه مودع ... أحشاءنا وقلوبنا جمر الغضا ما في السويّة أن نراه يشتكي ... ما العدل إلا أن تصحّ ونمرضا عوّضت من ألم ألمّ سلامة ... إن السلامة خير شيء عوّضا فانهض بمجد أنت محيي رسمه ... فالمجد ليس بناهض أو تنهضا وحضر مجلس سيف الدولة، وعنده القاضي أبو حفص قاضي حلب وجرى ذكر هذين البيتين المشهورين: وليس صرير النعش ما تسمعانه ... ولكنه أصلاب قوم تقصّف وليس نسيم المسك ريّا حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلّف

стр. 1533

فاستحسنها الجماعة، وقال سيف الدولة هما لبعض المحدثين قد ذهب عني اسمه، فقال أبو حفص: هما للخنساء. فقال سيف الدولة للصفري: أتعرف لمن هما؟ قال: نعم، هما لأبي عبد الرحمن العطوي، قال: صدقت. وأمره بإجازتهما. فقال ارتجالا، وذكر فيها أباه أبا الهيجاء: لقد ضمّ منه قبره كلّ سؤدد ... وكلّ علاء حدّه ليس يوصف وأضحى الندى مذ غاب عنّا خياله ... وأركانه من شدة الوجد تضعف على أن صرف الدهر لا درّ درّه ... يسرّ أناسا بالحمام ويسعف ألا يا أميرا عمّ ذا الخلق جوده ... وأضحى به شعري على الشعر يشرف حسامك يجري من دم القرن حدّه ... ورمحك في يوم الكريهة يرعف وأنت إذا عدّ الكرام مقدّم ... وغيرك إن عدّ الكرام مخلّف [٦٥٨] عبد الله بن عبد العزيز البكري أبو عبيد الأندلسي: كان أميرا بساحل كورة لبلة، وصاحب جزيرة شلطيش، بلد صغير من قرى اشبيلية على البحر. وكان مقدما من مشيخة أولي البيوتات وأرباب النعم بالأندلس، فغلبه ابن عباد صاحب اشبيلية على سلطانه ببلده المذكور، فلاذ بقرطبة، ثم صار إلى محمد بن معن صاحب المرية، فاصطفاه لصحبته، وآثر مجالسته والأنس به، ووسّع راتبه. قال ابن خاقان: رأيته وأنا غلام في مجلس ابن منظور وله شيبة يروق العيون إيماضها، ويفوق السواد بياضها، وقد بلغ سن ابن محلم «١» ، وهو يتكلم فيفوق كلّ

стр. 1534

متكلم. فجرى ذكر ابن مقلة وخطّه، وأفيض في رفعه وحطه، فقال: خطّ ابن مقلة من أرعاه مقلته ... ودّت جوارحه لو أصبحت مقلا وكان ملوك الأندلس تتهادى مصنفاته تهادي المقل للكرى، والآذان للقرى «١» . ومن شعره: أجدّ هوى لم يبل دهرا تجددا ... ووجدا إذا ما أتهم الوجد أنجدا وما زال هذا الدهر يلحن في الورى ... فيرفع مجرورا ويخفض مبتدا ومن لم يحط بالناس علما فإنني ... بلوتهم شتّى مسودا وسيّدا وكان، ﵀، معاقرا للراح لا يصحو من خمارها، ولا يمحو رسم داره «٢» من مضمارها، ولا يريح إلا على تعاطيها، ولا يستريح إلا إلى معاطيها، وقد اتخذ إدمانها هجيراه، فلما دخل رمضان طالبته نفسه بها، وخاف واشيا يشي به، فقال يخاطب نديمين له «٣» : خليلي إني قد طربت إلى الكاس ... وتقت إلى شمّ البنفسج والآس فقوما بنا نلهو ونستمع الغنا ... ونسرق هذا اليوم سرّا من الناس فإن فطنوا كنا نصارى ترهّبوا ... وإن غفلوا عدنا إليهم من الراس وليس علينا في التعلّل ساعة ... وإن وقعت في عقب شعبان من باس بيت «٤» : متى تخطىء الأيام فيّ بأن أرى ... بغيضا تنائي أو حبيبا تقرّب فصل من كلامه يهنىء الوزير أبا بكر ابن زيدون بالوزارة: أسعد الله بوزارة سيدنا الدنيا والدين، وأجرى لها الطير الميامين، ووصل بها التأييد والتمكين، والحمد لله على أمل قد بلغه، وجذل قد سوّغه، وضمان حقّقه، ورجاء صدقه، وله المنّة في ظلام كان أعزه الله صبحه، ومستبهم غدا شرحه، وعطل نحر عاد حليه،

стр. 1535

وضلال دهر صار هديه: فقد عمر الله الوزارة باسمه ... وردّ إليها أهلها بعد إقصار جمع كتابا في أعلام نبوّة نبيّنا، ﵇، أخذه الناس عنه إلى غير ذلك من تواليفه. توفي في شوال سنة سبع وثمانين وأربعمائة. [٦٥٩] عبد الله بن عبد الأعلى [النحوي] : هو أحد أصحاب أبي علي الفارسي. صحبه وخرج في صحبته إلى فارس وأصبهان. وكان عبد الأعلى أبوه من كبار أصحاب الحديث ببغداد. قال أبو الفضل الفسوي: حضرنا جنازة عبد الأعلى ببغداد، وحضر جنازته الكبير والصغير، وتقدم ابنه عبد الله، فصلّى عليه، وكبّر عليه خمسا. فلما انصرف من الصلاة عليه، قيل له: أظهرت اليوم خلاف مذهبك. فقال للناس: اعلموا أنني لو تركت ورأيي لم أزل أكبّر عليه تكبيرة بعد أخرى، وأخصّه بأدعية بعد أدعية من نية صادقة، وطويّة صافية، فقد وقذني فراقه، ولذعني انطلاقه، ثم بكى وأفرط، وشهق شهقة، وأنشأ يقول: صحبتك قبل الروح إذ أنا نطفة ... مصان فلا يبدو لخلق مصونها فماذا بقاء الفرع من بعد أصله ... ستلقى الذي لاقى الأصول غصونها [٦٦٠] عبد الله بن عبد الرحمن الدينوري، أبو القاسم: من رؤساء الأدباء، ورؤوس الكتاب، ووجوه العمال بخراسان، قيل إنه من أولاد العباس بن عبد المطلب.

стр. 1536

له مصنفات وأشعار، منها في وصف الخمر: كأنّها في يد الساقي المدير لها ... عصارة الخدّ «١» في ظرف من الآل لم تبق منها الليالي في تصرفها ... إلا كما أبقت الأيام من حالي وله: يا لعصر الخلاعة المحمود «٢» ... ولظلّ الشبيبة الممدود وللهوي ولذّتي وسروري ... ولسفكي دم ابنة العنقود وارتشافي الرضاب من برد الثغ ... ر وشمي عليه ورد الخدود وغدوّي إلى مجالس علم ... ورواحي إلى كواعب غيد في قميص من السرور مذال ... ورداء من الشباب جديد ولأيامي القصار اللواتي ... كنّ بيضا قد حلّيت بالسعود غيّر الدهر حالها فاستحالت ... مظلمات من الليالي السود وأتاني من المشيب نذير ... غضّ مني وفتّ في مجلودي وتدانت له خطاي برغمي ... وتحانى لها خضوعا «٣» عمودي وتيقّنت أنني من مسيري ... إثر شرخ الشباب غير بعيد وله: شوقي إليك كشوق المدنف الحرض ... إلى الطبيب الذي يشفي من المرض فإن يكن لك عني يا أخي عوض ... فلا وحقك ما لي عنك من عوض وله من أبيات يسترجع بها كتابا معارا «٤» : أنا أشكو إليك فقد نديم ... قد فقدت السرور منذ تولّى كان لي مؤنسا يسلّي همومي ... بأحاديث من منى النفس أحلى فتفضّل به عليّ فإني ... لست إلا بمثله أتسلى

стр. 1537

وله «١» : أشكو إلى الله ضيق ذات يدي ... قد مات صبري وخانني جلدي وقد جفاني الأنام قاطبة ... حتى عبيدي وعقّني ولدي وله في ولده طاهر: لو كنت أعلم أني والد ولدا ... يكون لا كان في عينيّ كالرّمد فلا أسرّ على طول الحياة به ... جببت نفسي كي أبقى بلا ولد وقد تمنيت لو أن المنى نفعت ... ولا مردّ لحكم الواحد الصمد وقلت لو أن قولي كان ينفعني ... يا ليت أني لم أولد ولم ألد وله في النارنج: أما ترى شجر النارنج طالعة ... نجومها في غصون لدنة ميل كأنها بين أوراق تحفّ بها ... زهر المصابيح في خضر القناديل وله: بأبي أنت وقد طب ... ت لنا ضمّا وشمّا طاب فوك العذب و ... العين وشيء لا يسمّى [٦٦١] عبد الله بن عطية بن عبد الله بن حبيب أبو محمد المفسّر المقرىء المعدل. مات سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. قيل: إنه كان يحفظ خمسين ألف بيت من الشعر للاستشهاد على معاني القرآن

стр. 1538

وغيره. وكان ثقة، وقرأ القرآن على أبي الحسن الأخرم. حدث عبد الله بن عطية قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد الزبيدي قال: سمعت أبي يقول، سمعت أحمد بن العبدي يقول: سمعت قنان الذراع يقول: الطلاق الثلاث له لازم إن لم يكن سمع أبا عبيدة معمر بن المثنى يقول: الطلاق الثلاث لازم له، إن كانت العرب قالت أحكم من هذه الأبيات: كن للمكاره بالعزا متلقيا ... فلعل يوما لا ترى ما تكره ولربما استتر الفتى فتنافست ... فيه العيون، وإنه لمموّه ولربما خزن البليغ لسانه ... حذر الجواب، وإنه لمنوّه ولربما ابتسم الكريم مع الأذى ... وفؤاده من حرّه يتأوّه وله: احذر مودة ماذق ... مزج الحلاوة بالمراره يحصي الذنوب عليك أيا ... م الصداقة للعداوة وله من أبيات: كنت الضنين بمن فجعت به ... فسلوت حين تقادم الأمر ولخير حظك في المصيبة أن ... يلقاك عند نزولها الصبر [٦٦٢] عبد الله بن علي بن أحمد بن عبد الله المقرىء أبو محمد ابن بنت الشيخ أبي منصور الخياط، إمام مسجد ابن جردة: قرأ القرآن بروايات، وتخرج عليه جماعة كبيرة. وله معرفة بالنحو واللغة

стр. 1539

يقرئهما الناس. مات سنة إحدى وأربعين وخمسمائة في أيام المقتفي. كان متواضعا، حسن القراءة والتلاوة في المحراب، خصوصا في ليالي رمضان. وكان يحضر عنده الناس لاستماع قراءته، وتخرج عليه جماعات كثيرة ختموا كتاب الله. قرأ القرآن على جماعة منهم الشريف عبد القاهر بن عبد السلام العباسي المكي، وأبو الحسن ابن الفاعوس. وروى الحديث عن أبي الحسن ابن النقور واللالكائي. وكان يتعاطى قول الشعر. وصنف تصانيف في القرآن وعلومه وأغرب فيها وخولف في بعضها، وشنعوا عليه، ورجع عن ذلك. ومن مصنفاته: المبهج والكفاية والاختيار والإيجار «١» . فمما أنشده السمعاني من شعره: ومن لم تؤدّبه الليالي وصرفها ... فما ذاك إلا غائب العقل والحسّ يظن بأن الأمر جار بحكمه ... وليس له علم أيصبح أم يمسي ومنه: تقول أميمة لما رأت ... بياضا أبهرجه بالخضاب وقد صار شيبي بعد البياض ... محلولك اللون مثل الغراب فهبك رددت سواد العذار ... فكيف تردّ زمان الشباب ومنه: أرى ظاهر الودّ الذي كان بيننا ... تقضّى وقد كانت به النفس تخدع وغرّك ما غرّ السراب لذي الظما ... فلما أتاه خانه وهو يطمع وهو شيخ شيخنا تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي ومخرّجه. قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي، كان أبو محمد يقول: لو قلت إنه ليس بالعراق مقرىء إلا وقد قرأ عليّ أو على جدي، أو قرأ على من قرأ علي لظننت أنني صادق. وأمّ بمسجد ابن جردة خمسا وخمسين سنة لم يسمع قط أطيب من صوته، ولا

стр. 1540

أحسن على كبر سنّه. وكان لطيف الأخلاق، ظاهر الكيس والظرافة، حسن المعاشرة للعوام والخواص. وقال الشيخ أبو الفرج: وقد رأيت جماعة من الأعيان ماتوا، فما رأيت أكثر جمعا من جنازته، وغلّقت الأسواق لأجله، ودفن عند جده أبي منصور الخياط بدكة الإمام أحمد بن حنبل، ﵁. ومن شعره: أيها الزائرون بعد وفاتي ... جدثا ضمّني ولحدا عميقا سترون الذي رأيت من المو ... ت عيانا وتسلكون الطريقا وله أيضا: أأنصحكم على أوفى يقيني ... وسوء الظن منكم يعتريني إذا ما جئتكم لأداء نصح ... أتاني الغشّ منكم في الكمين سأصبر ما حييت على أذاكم ... وأحفظ ودكم في كل حين [٦٦٣] عبد الله بن عيّاش المنتوف الهمداني الكوفي كنيته أبو الجراح: حدث عن الشعبي وغيره، وروى عنه الهيثم بن عديّ فأوعب، وكان أحد أصحاب الأخبار ورواة الأنساب والأشعار مع دراية وفهم. وكان كيّسا مطبوعا صاحب نوادر. وكان ينتف لحيته، وكان أبرص. مات سنة ثمان وخمسين ومائة في السنة التي مات فيها أمير المؤمنين المنصور بالله. كتب معن بن زائدة إلى المنتوف من اليمن: قد بعثت إليك بخمسمائة دينار، ومن ثياب اليمن بخمسين ثوبا أشتري بها دينك. فكتب إليه عبد الله: قد بعتك ديني كلّه ما خلا التوحيد لعلمي بقلّة رغبتك فيه؛ قال ابن عياش: فحدثت بها المنصور،

стр. 1541

فما زال يضحك منها ويعجب لها. قال ثعلب: كان ابن عيّاش المنتوف عالما بالمثالب والأنساب شاعرا هجاء، وكان يتقى لسانه، وكان ينتف لحيته كلما طالت. فقال المنصور له يوما: انظر إلى لحية عبد الله بن الربيع، ما أحسنها! فحلف ابن عياش أنه أحسن منه. فقال ابن الربيع: ما أجرأك على الله، أيها الشيخ. فقال: يا أمير المؤمنين: احلق لحيته، وأقمني إلى جنبه حتى ترى. وقيل: إنه كان يطعن في الربيع الحاجب في نسبه طعنا قبيحا، ويقول له: فيك شبه من المسيح، يخدعه بذلك. فكان يكرمه لذلك، حتى أخبر المنصور بما قاله. فقال له المنصور: إنه يريد أنه لا أب لك. فتنكّر له بعد ذلك. وحدث ابن عياش أن رجلا أخذ من لحية عمر بن الخطاب، ﵁ شيئا. فقال له: ليكن لسانك أطول من يديك. قال رجل لابن عياش: لي إليك حاجة صغيرة؟ قال: اطلب لها صغيرا مثلها. وحدث ابن شبرمة قال «١» : بكرت على أبي جعفر المنصور ذات يوم، وقد خرج عليه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن فدخلت عليه في آخر الليل، فإذا ابن عياش المنتوف واقف، وهيلانة جاريته، فقال لها: يا لخناء، ما وراءك؟ قالت: يا أمير المؤمنين: إن هاتين العروستين اللتين جاء بهما إسحاق الأزرق من الكوفة: الطلحية والتميمية، قد ساءت ظنونهما، وخبثت أنفسهما إذ لم يدعهما أمير المؤمنين فيبسط من آمالهما، وينظر في حوائجهما، فقال: أخسئي يا لخناء، لا والله، لا أطعم الطعام الطيب، ولا أشرب الشراب البارد حتى أعلم رأسي في يد إبراهيم، أو رأس إبراهيم في يدي. ثم التفت فلحظ ابن عياش يبتسم، فقال: ما هذا التبسّم، ويلك يا ابن عياش؟ فقال: يا أمير المؤمنين: ذكرت بيت الأخطل في عبد الملك بن مروان. قال: وما هو؟ قال: قوله «٢» :

стр. 1542

قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار قال: يا مسيّب، إذا خرج ابن عياش فادفع إليه درهمين. وحدث ابن طاهر عن أبيه عن سلمان البرمكي قال: كان المنصور قد أخذ عهد عبد الله بن عياش بإعفاء لحيته، فلما كان اليوم الذي مات فيه المنصور جعل يصرخ عليه، وينتف لحيته، ويقول: وا أمير المؤمنيناه، حتى أتى عليها فهلبها. قال المرزباني: لم يرو شيء من الشعر لابن عياش، بلى قوله في أخي أبي عمرو بن العلاء: صحبت أبا سفيان ستين حجة ... خليلي صفاء ودّنا غير كاذب فأمسيت لما حالت الأرض بيننا ... على قربه مني كمن لم أصاحب وقيل: إن هذا الشعر لسلمة بن عياش القرشي البصري. وحدث ابن عياش قال، قال لنا المنصور: أخبروني عن خليفة جبّار أول اسمه عين قتل ثلاثة جبابرة أول أسمائهم عين. قال، فقلت له: عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. قال: فخليفة أول أسمه عين فعل ذلك بثلاثة جبابرة أول أسمائهم عين، فقلت: أنت يا أمير المؤمنين، عبد الله بن محمد قتلت أبا مسلم، واسمه عبد الرحمن وقتلت عبد الجبار بن عبد الرحمن. قال: وأدركني ذهني، قلت: وسقط البيت على عمك عبد الله بن علي فقتله. فضحك، وقال: ويلك، وما ذنبي إذا سقط البيت عليه فقتله «١» ؟ فسكت وكأني آنست منه لينا فقلت: أي والله، وهذا الآخر حائطه مائل عليه أريد عمده بشيء وإلّا خفت أن يسقط عليه البيت فيقتله أعني عيسى بن موسى عمّه «٢» . فلما قلت: وحائطه مائل، تبسّم حتى كاد يغلبه الضحك، واستتر مني بكمّه، وتغافل كأنه لم يفهم ما قلت.

стр. 1543

[٦٦٤] عبد الله بن القاسم بن علي بن محمد بن عثمان ابن صاحب المقامات المعروف بالحريري: يكنى أبا القاسم، من أهل البصرة. سكن بغداد بباب المراتب. له حظ وافر من الأدب واللغة، مليح الخط، قليل الخطأ. مولده سنة تسعين وأربعمائة. مات [ ... ] «١» قال عبد الله بن القاسم: أنشدني والدي لنفسه: لا تخطونّ إلى خطء ولا خطأ ... من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا فأي عذر لمن شابت ذوائبه ... إذا جرى في ميادين الصّبا وخطا [٦٦٥] عبد الله بن كثير القارىء بن عمرو بن عبد الله بن زاذان بن فيروزان بن هرمز: أحد القراء السبعة المشهورين. واختلفوا في كنيته، وأشهرها أبو معبد. مات بمكة سنة عشرين ومائة في أيام هشام بن عبد الملك. وكان واعظا يعظ الناس. وهو مولى عمرو بن علقمة الكناني، ويقال لابن كثير «الداري» ، لأنه كان عطارا، وقيل هو منسوب إلى بطن من لخم، منهم تميم الداري. والأول أصح. واختلف العلماء في قراءة عبد الله بن كثير، فزعمت طائفه أنها موقوفة عليه لم يجاوزها إلى أحد، وقيل موقوفة على مجاهد بن جبر لم يجاوز بها أحدا فوقه، وقيل موقوفة على ابن عباس لم تتجاوزه، وقيل موقوفة على أبيّ بن كعب. وقيل: قرأ على

стр. 1544

درباس عن ابن عباس، وأهل مكة تقول درباس خفيفة، وأهل الحديث يقولون: درّباس، مشددة. وقيل: قرأ على درباس عن مجاهد عن ابن عباس عن أبيّ عن النبي، ﷺ . وقرأ أبو عمرو ابن العلاء وعيسى بن عمر والخليل بن أحمد وحماد بن سلمة وحماد بن زيد البصري على ابن كثير. وكان إمام أهل مكة وقارئهم، وكان يبيع العطر قديما، وأهل مكة يسمون العطار الداريّ. وقيل: سمي داريا نسبة إلى دارين. وقيل: سمّي داريا من الدراية، لأنه كان عالما. وقيل: سمّي داريا لمقامه في داره بجدّة وطاعة ربه «١» . وقيل: إنه تصدق بماله مرارا. وكان يؤم بالصلوات الخمس بالمسجد الحرام. وكان إذا أراد أن يقرىء أصحابه جمعهم ووعظهم، ثم أخذ عليهم بعد ذلك. وكان يقول: إنما أفعل ذلك حتى يقدموا على قراءة كتاب الله بقلوب خاشعة، وأنفس خاضعة، وأعين دامعة. وقد نظم بعض الشعراء أسماء القراء السبعة: يحلّي كتاب الله في الأرض سبعة ... مصابيح أنوار كرام سمادع عليّ وعبد الله منهم وعاصم ... وحمزة وابن للعلاء ونافع وقد جمعهم أيضا محمد بن الحسين البرياني، فقال: ألا إن قرّاء الأئمة سبعة ... بهم يهتدي في الذكر كلّ كبير عليّ أبو عمرو وحمزة عاصم ... ونافع عبد الله وابن كثير أنشد عنه ما كان يقوله في ذم نفسه حين سأله أهل مكة أن يقرئهم القرآن: بنيّ كثير كثير الذنوب ... ففي الحلّ والبلّ من كان سبّه بنيّ كثير دهته اثنتان ... رياء وعجب يخالطن قلبه بنيّ كثير أكول نؤوم ... وليس كذلك من خاف ربّه بنيّ كثير تعلّم علما ... لقد أعوز الصوف من جزّ كلبه

стр. 1545

[٦٦٦] عبد الله بن أبي مالك القيسي الصقلي، أبو المصيب: أحد رجال اللغة والعربية المطابيع في أجناس القريض، العالمين بالأوزان والأعاريض، فمنه قوله: غلط الذي سمّى الحجارة جوهرا ... إن الكريم أحقّ باسم الجوهر إن الجواهر قد علمت صوامت ... والمرء جوهره جميل المحضر [٦٦٧] عبد الله بن محمد بن هارون التوّزي: ويقال التوجي، أبو محمد، مولى قريش. وإنما قيل له التوزي لنزوله في أصحاب التوزي بالبصرة. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين. أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد. وهو من أكابر أهل اللغة. قرأ على أبي عمر الجرمي كتاب سيبويه، وكان في طبقته في غير ذلك من العلوم. قال المبرد: كان التوزي أعلم من الرياشي والمازني. حدث محمد بن يزيد المبرد، قال «١» : قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى، وأبو محمد التوّزي حاضر، كلمة جرير التي أولها: طرب الحمام بذي الأراك فشاقني ... لا زلت في فنن وأيك ناضر
следующие страницы →