← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فما زال يضحك منها ويعجب لها. قال ثعلب: كان ابن عيّاش المنتوف عالما بالمثالب والأنساب شاعرا هجاء، وكان يتقى لسانه، وكان ينتف لحيته كلما طالت. فقال المنصور له يوما: انظر إلى لحية عبد الله بن الربيع، ما أحسنها! فحلف ابن عياش أنه أحسن منه. فقال ابن الربيع: ما أجرأك على الله، أيها الشيخ. فقال: يا أمير المؤمنين: احلق لحيته، وأقمني إلى جنبه حتى ترى. وقيل: إنه كان يطعن في الربيع الحاجب في نسبه طعنا قبيحا، ويقول له: فيك شبه من المسيح، يخدعه بذلك. فكان يكرمه لذلك، حتى أخبر المنصور بما قاله. فقال له المنصور: إنه يريد أنه لا أب لك. فتنكّر له بعد ذلك. وحدث ابن عياش أن رجلا أخذ من لحية عمر بن الخطاب، ﵁ شيئا. فقال له: ليكن لسانك أطول من يديك. قال رجل لابن عياش: لي إليك حاجة صغيرة؟ قال: اطلب لها صغيرا مثلها. وحدث ابن شبرمة قال «١» : بكرت على أبي جعفر المنصور ذات يوم، وقد خرج عليه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن فدخلت عليه في آخر الليل، فإذا ابن عياش المنتوف واقف، وهيلانة جاريته، فقال لها: يا لخناء، ما وراءك؟ قالت: يا أمير المؤمنين: إن هاتين العروستين اللتين جاء بهما إسحاق الأزرق من الكوفة: الطلحية والتميمية، قد ساءت ظنونهما، وخبثت أنفسهما إذ لم يدعهما أمير المؤمنين فيبسط من آمالهما، وينظر في حوائجهما، فقال: أخسئي يا لخناء، لا والله، لا أطعم الطعام الطيب، ولا أشرب الشراب البارد حتى أعلم رأسي في يد إبراهيم، أو رأس إبراهيم في يدي. ثم التفت فلحظ ابن عياش يبتسم، فقال: ما هذا التبسّم، ويلك يا ابن عياش؟ فقال: يا أمير المؤمنين: ذكرت بيت الأخطل في عبد الملك بن مروان. قال: وما هو؟ قال: قوله «٢» :

стр. 1542

قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار قال: يا مسيّب، إذا خرج ابن عياش فادفع إليه درهمين. وحدث ابن طاهر عن أبيه عن سلمان البرمكي قال: كان المنصور قد أخذ عهد عبد الله بن عياش بإعفاء لحيته، فلما كان اليوم الذي مات فيه المنصور جعل يصرخ عليه، وينتف لحيته، ويقول: وا أمير المؤمنيناه، حتى أتى عليها فهلبها. قال المرزباني: لم يرو شيء من الشعر لابن عياش، بلى قوله في أخي أبي عمرو بن العلاء: صحبت أبا سفيان ستين حجة ... خليلي صفاء ودّنا غير كاذب فأمسيت لما حالت الأرض بيننا ... على قربه مني كمن لم أصاحب وقيل: إن هذا الشعر لسلمة بن عياش القرشي البصري. وحدث ابن عياش قال، قال لنا المنصور: أخبروني عن خليفة جبّار أول اسمه عين قتل ثلاثة جبابرة أول أسمائهم عين. قال، فقلت له: عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. قال: فخليفة أول أسمه عين فعل ذلك بثلاثة جبابرة أول أسمائهم عين، فقلت: أنت يا أمير المؤمنين، عبد الله بن محمد قتلت أبا مسلم، واسمه عبد الرحمن وقتلت عبد الجبار بن عبد الرحمن. قال: وأدركني ذهني، قلت: وسقط البيت على عمك عبد الله بن علي فقتله. فضحك، وقال: ويلك، وما ذنبي إذا سقط البيت عليه فقتله «١» ؟ فسكت وكأني آنست منه لينا فقلت: أي والله، وهذا الآخر حائطه مائل عليه أريد عمده بشيء وإلّا خفت أن يسقط عليه البيت فيقتله أعني عيسى بن موسى عمّه «٢» . فلما قلت: وحائطه مائل، تبسّم حتى كاد يغلبه الضحك، واستتر مني بكمّه، وتغافل كأنه لم يفهم ما قلت.

стр. 1543

[٦٦٤] عبد الله بن القاسم بن علي بن محمد بن عثمان ابن صاحب المقامات المعروف بالحريري: يكنى أبا القاسم، من أهل البصرة. سكن بغداد بباب المراتب. له حظ وافر من الأدب واللغة، مليح الخط، قليل الخطأ. مولده سنة تسعين وأربعمائة. مات [ ... ] «١» قال عبد الله بن القاسم: أنشدني والدي لنفسه: لا تخطونّ إلى خطء ولا خطأ ... من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا فأي عذر لمن شابت ذوائبه ... إذا جرى في ميادين الصّبا وخطا [٦٦٥] عبد الله بن كثير القارىء بن عمرو بن عبد الله بن زاذان بن فيروزان بن هرمز: أحد القراء السبعة المشهورين. واختلفوا في كنيته، وأشهرها أبو معبد. مات بمكة سنة عشرين ومائة في أيام هشام بن عبد الملك. وكان واعظا يعظ الناس. وهو مولى عمرو بن علقمة الكناني، ويقال لابن كثير «الداري» ، لأنه كان عطارا، وقيل هو منسوب إلى بطن من لخم، منهم تميم الداري. والأول أصح. واختلف العلماء في قراءة عبد الله بن كثير، فزعمت طائفه أنها موقوفة عليه لم يجاوزها إلى أحد، وقيل موقوفة على مجاهد بن جبر لم يجاوز بها أحدا فوقه، وقيل موقوفة على ابن عباس لم تتجاوزه، وقيل موقوفة على أبيّ بن كعب. وقيل: قرأ على

стр. 1544

درباس عن ابن عباس، وأهل مكة تقول درباس خفيفة، وأهل الحديث يقولون: درّباس، مشددة. وقيل: قرأ على درباس عن مجاهد عن ابن عباس عن أبيّ عن النبي، ﷺ . وقرأ أبو عمرو ابن العلاء وعيسى بن عمر والخليل بن أحمد وحماد بن سلمة وحماد بن زيد البصري على ابن كثير. وكان إمام أهل مكة وقارئهم، وكان يبيع العطر قديما، وأهل مكة يسمون العطار الداريّ. وقيل: سمي داريا نسبة إلى دارين. وقيل: سمّي داريا من الدراية، لأنه كان عالما. وقيل: سمّي داريا لمقامه في داره بجدّة وطاعة ربه «١» . وقيل: إنه تصدق بماله مرارا. وكان يؤم بالصلوات الخمس بالمسجد الحرام. وكان إذا أراد أن يقرىء أصحابه جمعهم ووعظهم، ثم أخذ عليهم بعد ذلك. وكان يقول: إنما أفعل ذلك حتى يقدموا على قراءة كتاب الله بقلوب خاشعة، وأنفس خاضعة، وأعين دامعة. وقد نظم بعض الشعراء أسماء القراء السبعة: يحلّي كتاب الله في الأرض سبعة ... مصابيح أنوار كرام سمادع عليّ وعبد الله منهم وعاصم ... وحمزة وابن للعلاء ونافع وقد جمعهم أيضا محمد بن الحسين البرياني، فقال: ألا إن قرّاء الأئمة سبعة ... بهم يهتدي في الذكر كلّ كبير عليّ أبو عمرو وحمزة عاصم ... ونافع عبد الله وابن كثير أنشد عنه ما كان يقوله في ذم نفسه حين سأله أهل مكة أن يقرئهم القرآن: بنيّ كثير كثير الذنوب ... ففي الحلّ والبلّ من كان سبّه بنيّ كثير دهته اثنتان ... رياء وعجب يخالطن قلبه بنيّ كثير أكول نؤوم ... وليس كذلك من خاف ربّه بنيّ كثير تعلّم علما ... لقد أعوز الصوف من جزّ كلبه

стр. 1545

[٦٦٦] عبد الله بن أبي مالك القيسي الصقلي، أبو المصيب: أحد رجال اللغة والعربية المطابيع في أجناس القريض، العالمين بالأوزان والأعاريض، فمنه قوله: غلط الذي سمّى الحجارة جوهرا ... إن الكريم أحقّ باسم الجوهر إن الجواهر قد علمت صوامت ... والمرء جوهره جميل المحضر [٦٦٧] عبد الله بن محمد بن هارون التوّزي: ويقال التوجي، أبو محمد، مولى قريش. وإنما قيل له التوزي لنزوله في أصحاب التوزي بالبصرة. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين. أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد. وهو من أكابر أهل اللغة. قرأ على أبي عمر الجرمي كتاب سيبويه، وكان في طبقته في غير ذلك من العلوم. قال المبرد: كان التوزي أعلم من الرياشي والمازني. حدث محمد بن يزيد المبرد، قال «١» : قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى، وأبو محمد التوّزي حاضر، كلمة جرير التي أولها: طرب الحمام بذي الأراك فشاقني ... لا زلت في فنن وأيك ناضر

стр. 1546

حتى صرت إلى قوله: أما الفؤاد فلا يزال موكّلا ... بهوى حمامة أو بريّا العاقر قال عمارة للتوّزي: ما يقول صاحبكم، يعني أبا عبيدة، في حمامة والعاقر؟ قال التوزي: يقول: إنهما امرأتان. فضحك عمارة، ثم قال: هما والله رملتان عن يمين بيتي وشماله. فقال لي التوزي: اكتب ما قال، قال: فتوقفت إجلالا لأبي عبيدة، فقال: اكتب، فإن أبا عبيدة لو حضر لأخذ هذا الضرب عنه [هذا بيت الرجل] «١» . قال خالد النجاد يهجو التوجي: يا من يزيد تمقّتا ... وتباغضا في كلّ لحظه والله لو كنت الخلي ... ل لما كتبنا عنك لفظه وحكى المبرد قال: سألت التوجي عن معنى قول العامة: تغافل واسطية، وتغافل كأنك واسطيّ، فقال: أصل ذلك أن الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان: إني قد بنيت لك مدينة في كرش، وكان يصابح الواحد إذا دخل البصرة بالرشا، فيتغافل ولا يلتفت. وأنشد لفضل الرقاشي «٢» :

стр. 1547

[٦٦٨] عبد الله بن محمد، أبو العبّاس الناشىء الشاعر المتكلّم المعروف بابن شرشير: أصله من الأنبار وسكن مصر وبغداد، وهو معدود في طبقة البحتري وابن الرومي، وله قصيدة نحو من أربعة آلاف بيت فيها فنون من العلم وهي على رويّ واحد وقافية واحدة. (قال ياقوت في «معجم الأدباء» ) : وقد قرأت بعض كتبه فدلّتني على هوسه واختلاطه لأنّه أخذ نفسه بالخلاف على أهل المنطق والشعر والعروضيّين وغيرهم، ورام أن يحدث لنفسه أقوالا ينقض بها ما هم عليه، فسقط في بغداد فلجأ إلى مصر وأقام بها بقيّة عمره إلى أن مات سنة ثلاث وتسعين ومائتين. قيل إنّ سبب موته كان عجبا، وهو أنّه كان في جماعة على شراب فجرى ذكر القرآن وعجيب نظمه فقال ابن شرشير: كم تقولون؟! لو شئت ... وتكلّم بكلام عظيم فأنكروا عليه ذلك فقال: إيتوني بقرطاس ومحبرة فأحضر له ذلك فقام ودخل بيتا فانتظروه، فلمّا طال انتظاره قاموا ودخلوا إليه فإذا القرطاس مبسوطا وإذا الناشىء فوقه ممتدّا فحرّكوه فإذا هو ميّت. وكان السبب في تلقّبه بالناشىء أنّه دخل مجلسا فيه أهل الجدل فتكلّم فأحسن على مذهب المعتزلة فجوّد وقطع من ناظره فقام شيخ منهم فقبّل رأسه وقال: لا أعدمنا الله مثل هذا الناشىء أن يكون فينا فينشأ في كلّ وقت لنا مثله، فاستحسن أبو العباس هذا الاسم وتلقّب به. ومن شعره: بكت للفراق وقد راعني ... بكاء الحبيب لبعد الديار كأنّ الدموع على خدّها ... بقيّة طلّ على جلّنار

стр. 1548

وله في داود بن عليّ الظاهري «١» : أقول كما قال الخليل بن أحمد ... وإن قست بين اللفظ واللفظ في الشعر عذلت على ما لو علمت بقدره ... بسطت مكان اللوم والعذل من عذري جهلت ولم تدر بأنّك جاهل ... فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري وقال: أشدد يديك بمن تهوى فما أحد ... يمضي فيدرك حيّ بعده خلفا واستعتب الحرّ إن أنكرت شيمته ... فالحرّ يستأنف العتبى إذا أنفا من ذا الذي نال حظّا دون صاحبه ... يوما فأنصفه في الودّ وانتصفا قال محمد بن خلف بن المرزبان: اجتمع عندي أحمد بن أبي طاهر والناشىء ومحمد بن عروس، فدعوت لهم مغنية فجاءت ومعها رقيبة لم ير الناس أحسن منها، فلمّا شربوا أخذ الناشىء رقعة وكتب فيها: فديتك لو أنّهم أنصفوك ... لردّوا النواظر عن ناظريك تردّين أعيننا عن سواك ... وهل تنظر العين إلا إليك وهم جعلوك رقيبا علينا ... فمن ذا يكون رقيبا عليك ألم يقرأوا ويحهم ما يرون ... من وحي حسنك في وجنتيك وقال الناشىء يصف أصحابه: ولو شهدت مقاماتي وأنديتي ... يوم الخصام وماء الموت مطّرد في فتية لم يلاق الناس مذ وجدوا ... لهم شبيها ولا يلقون إن فقدوا مجاور والفضل أفلاك العلا سبل الت ... قوى محلّ الهدى عمد النهى الوطد كأنهم في صدور الناس أفئدة ... تحسّ ما أخطأوا فيها وما عمدوا يبدون للناس ما تخفي ضمائرهم ... كأنهم وجدوا منها الذي وجدوا

стр. 1549

دلّوا على باطن الدنيا بظاهرها ... وعلم ما غاب عنهم بالذي شهدوا مطالع الحقّ ما من شبهة غسقت ... إلا ومنها لديهم كوكب يقد ومن شعر الناشىء: وشادن ما تولّى وصفه أحد ... إلا تلجلج في الوصف الذي وصفا يلوح في خدّه ورد على زهر ... يعود من حسنه غضّا إذا قطفا لا شيء أعجب من جفنيه إنهما ... لا يضعفان القوى إلا إذا ضعفا [٦٦٩] عبد الله بن محمد بن علي بن الحسن بن علي الميانجي أبو المعالي، من أهل خراسان: يعرف بعين القضاة. كان جدّه علي بن الحسن قاضي همذان واستشهد بها. وحفيده عين القضاة عبد الله كان له فضل وفقه فإنه كان بليغا شاعرا متكلما، تمالأ عليه أعداء له فقتل صبرا (كما ذكرنا في كتابنا أخبار الأدباء) سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وقال فيه ابن السمعاني: أحد فضلاء العصر ومن يضرب به المثل في الذكاء والفضل، وكان يميل إلى الصوفية ويحفظ من كلامهم وإشاراتهم ما لا يدخل تحت الوصف. صنف في فنون من العلم، وكان حسن الكلام والجمع فيها. قال: وكان الناس يعتقدونه ويتبركون به، وظهر له القبول التام عند الخاص والعام حتى حسد وأصابته عين الكمال، وكان العزيز يعتقد فيه اعتقادا خارجا عن الحد ولا يخالفه فيما يشير به، وكانت بينه وبين أبي القاسم الوزير الدركزيني منافسة، فلما نكب العزيز قصده الوزير وكتب عليه محضرا والتقط من أثناء تصانيفه ألفاظا شنيعة تنبو عن الاسماع، ويحتاج في كشفها إلى المراجعة لقائلها، فكتب جماعة من العلماء

стр. 1550

خطوطهم بإباحة دمه، فقبض عليه أبو القاسم وحمل إلى بغداد مقيدا ثم ردّ إلى همذان وصلب بها في اليوم السابع من جمادى الآخرة من السنة المذكورة. قال: وسمعت أبا القاسم محمود بن أحمد الروياني بأندرابه يقول: لما قرب قتل عين القضاة وقدم إلى الخشبة ليصلب قال: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. وله رسالة كتبها من بغداد إلى أصحابه وإخوانه بهمذان، لو قرئت على الصخور لانصدعت من الرقة والسلاسة. ومن شعر عين القضاة: أقول لنفسي وهي طالبة العلا ... لك الله من طلابة للعلا نفسا أجيبي المنايا إن دعتك إلى الردى ... إذا تركت للناس ألسنة خرسا ومنه: فما خدع الأجفان بعدك غفوة ... ولا وطىء الأجفان قبلك أدمع ومن تصانيفه: الرسالة العلائية. وأمالي الاشتقاق. والبحث عن معنى البعث. وكتاب زبدة الحقائق خلط فيه كلام الصوفية بكلام الحكماء. ومقدمة في الحساب الهندي. وغير ذلك. [٦٧٠] عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن عبد الله أبو القاسم الملقب بالكامل: خوارزمي الأصل، وهو من أهل زاوطا في بلاد واسط، ولد بها وقرأ الأدب على أبيه وعلى أبي سعد أحمد بن علي بن الموصلية، وحدث بواسط سنة خمسمائة، وقدم بغداد سنة عشر وخمسمائة، وروى بها شيئا من شعره وتصانيفه. وكان معاصرا لأبي محمد الحريري صاحب المقامات، وكان عنده قوة في البلاغة فاخترع أن عمل

стр. 1551

كتابا سماه «الرحل» وهي ست عشرة رحلة، أهداها إلى هبة الله بن الفضل بن صاعد بن التلميذ في سنة اثنتين وخمسمائة، بنى كل رحلة منها على حادثة تمت ونادرة اتفقت له أو لوالده. فمن رحله «١» : «وصية لكل لبيب، متيقظ أريب، عالم أديب، يكره مواقف السقطات، ويتحفظ من مصادف الغلطات، ويتلطف من مخزيات الفرطات، أن يدّعي دون مقامه، ويقتصر من تمامه، ويغضّ من سهامه، ويظهر بعض شكيمته، ويساوم بأيسر قيمته، ويستر كثيرا من بضاعته، ويكتم دقيق صناعته، ولا يبلغ غاية استطاعته، وأن يعاشر الناس بصدق المناصحة، وجميل المسامحة، وأن لا يحمله الاعجاب بما يحسنه، على الازراء بمن يستقرنه، والافتراء على من يعترضه ويلسنه، ليكون خبره أكثر من خبره، ونظرته أروع من منظره، ويكون أقرب من الاعتذار، وأبعد من الخجلة والانكسار: فليس الفتى من قال إني أنا الفتى ... ولكنه من قيل: أنت كذلكا وكم مدّع ملكا بغير شهادة ... له خجلة إن قيل أن لست مالكا ولقد نصرت بالاتضاع، على ذي نباهة وارتفاع، وذلك أني أصعدت في بعض الأعوام، مع جماعة من العوام، بين تاجر وزائر، إلى الغريّ والحائر، حتى انتهينا إلى قرية شارعة، آهلة زارعة، وما منا إلا من أملّته السميريّة فأغرضته، وأسقمته وأمرضته، وفترته فقبضته، وكثر منا الجؤار، واستولى علينا الدّوار، فخرجنا منها خروج المسجون، وقد تقوسنا تقوّس العرجون، فاسترحنا بالصعود، من طول القعود: كأننا الطير من الأقفاص ... ناجية من أحبل القنّاص طيّبة الأنفس بالخلاص ... منفّضات الريش والنواصي

стр. 1552

فما استتمت الراحة، ولا استقرت بنا الساحة، حتى وقف علينا واقف، وهتف بنا هاتف: أيّكم الخوارزمي؟ فقالوا له: ذلك الغلام المنفرد، والشاب المستند، فأقبل إليّ، وسلّم عليّ، وقال: إن الناظر يستزيرك، فليعجل إليه مصيرك، فقمت معه، يتقدّمني وأتبعه، حتى انتهى بي إلى جلّة من الرجال، ذوي بهاء وجلال، وزينة وجمال، من أشراف الأمصار، وأعيان ذوي الأخطار، من أهل واسط وبغداد، والبصرة والسواد: ترى كلّ مرهوب العمامة لاثما ... على وجه بدر تحته قلب ضيغم فقام إليّ ذو المعرفة لاكرامه، وساعده الباقون على قيامه، وأطال في سؤاله وسلامه، وجذبوني إلى صدر المجلس فأبيت، ولزمت ذناباه واحتبيب، وأخذوا يستخبرونني عن الحال، والمعيشة والمال، وداعية الارتحال، وعن النية والمقصد، والأهل والولد، والجيران والبلد: وما منهم إلا حفيّ مسائل ... وواصف أشواق ومثن بصالح ومستشفع في أن أقيم لياليا ... أروح وأغدو عنده غير بارح ثم قال قائلهم: هل لقيت عين الزمان وقلبه، ومالك الفضل وربّه، وقليب الأدب وغربه، إمام العراق، وشمس الآفاق؟ فقلت: ومن صاحب هذه الصفة المهولة، والكناية المجهولة؟ فقالوا: أو ما سمعت بكامل هيت، ذي الصوت والصيت؟ ذاك الذي لو عاش [قس] إلى ... زمانه ذا وابن صوحان وابن دريد وأبو حاتم ... وسيبويه وابن سعدان وعامر الشعبيّ وابن العلا ... وابن كريز وابن صفوان قالوا محاب كلهم: إنه ... سيدنا. إذ قال: غلماني فقلت لهم: قد قلّدتم المنّة، وهيجتم الحنّة، إلى لقاء هذا العالم المذكور، والسيد المشهور، وقد كانت الرياح تأتيني بنفحات هذا الطّيب، وهدر هذا الخطيب. فالآن لا أثر بعد عين، سأصبح لأجله عن سرى القين، اغتناما للفائدة، والنعم

стр. 1553

الباردة، ووجدانا للضالة الشاردة: أين أمضي وما الذي أنا أبغي ... بعد إدراكي المنى والطّلابا فإذا ما وجدت عندكم العلم ... قريبا فما أريد الثوابا اذهبوا أنتم فزوروا عليا ... لأزور الهيتيّ والآدابا لن أبالي إن قيل [إن] الخوارز ... ميّ أخطا [في] فعله أو أصابا فقالت الجماعة: بل أصبت، ووجدت ما طلبت، وقديما كنّا ننشر أعلاقك، ونتمنى اتفاقك، ونتداول أوصافك، ونحبّ مضافك، ونكبر لديه ذكرك، ونعظّم لديه قدرك، فيتحرك منك ساكنه، وتتقلقل بك أماكنه، ونسأل الله- سبحانه- أن يجمع بينك وبينه بمحضرنا، وتلامح عينك عينه بمنظرنا، ويلتفّ غبارك بغباره، ويمتزج تيارك بتياره، ويختلط مضمارك بمضماره، فيعرف منكما السابق والسّكيت، والسّوذانق والكعيت، ويتبين من الذي يحوي القصب، فانكما كما قال الشاعر: هما رمحان خطيّان كانا ... من السّمر المثقّفة الصعاد تهال الأرض أن يطئا عليها ... بمثلهما نسالم أو نعادي فقلت: لقد تنكبتم الانصاف، وأخطأتم الاعتراف، وأبعدتم القياس، وأوقعتم الالتباس، أين ابن ثلاثين إلى ابن ثمانين، وابن اللبون، من البازل الأمون؟ والرمح الرازح، من الجواد القارح؟ والكودن المبروض، من المجرّب المروض: وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس كيف لربيب بطائح وسباخ، وساكن صرائف وأكواخ، بين يديه سوادية أنباط، وعلوج أشراط، ورعاع أخلاط، وسفل سقاط، في بلدة إن رأيت سورها، وعبرت جسورها، صحت واغربتاه، وإن رأيت وجها غريبا ناديت: وا أبتاه. لا أعرف غير النبطية كلاما، ولا ألفي سوى والدي إماما، في معشر ما عرفوا الترحال، ولا ركبوا السروج والرحال، ولا فارقوا الجدار والظلال: أولئك معشر كبنات نعش ... خوالف لا تغور مع النجوم

стр. 1554

بمصاولة رجل جوّال، رحّال حلال، بهيت وضع، وبالكوفة أرضع، وببغداد أثغر، وبواسط أحفر، وبالحجاز وتهامة فطامه، وبمصر والمغرب كان احتلامه، وبنجد والشام بقل عارضه، وباليمن وعمان قويت نواهضه، وبخراسان بلغ أشدّه، وببخارى وسمرقند تناهى جدّه، وبغزنة والهند شاب واكتهل، ومن سيحون وجيحون علّ ونهل، وبميسان والبصرة عوّد وقرح، وبالجبال جله وجلح، فهو يعدّ المازني إمامه، وابن جني غلامه، والمتنبي من رواته، والمعرّي حامل دواته، والصابي باري قلمه، والصاحب رافع علمه، وابن مقلة من ناقلي غاشيته، وابن أبي حفصة بعض حاشيته، وقد قرأ الكتب وتلاها، وحفظ العلوم ورواها، ودرس الآداب ووعاها، ودوّن الدواوين وألّفها، وأنشأ الحكم وصنفها، وفصّل المشكلات وشرحها، وارتجل الخطب ونقحها، فهو البحر المورود، والامام المقصود، والعلم المصمود، هذا بون بعيد ومرتقى شديد: أتلقون بالأعزل الرامحا ... وبالأكشف الحاسر الدارعا وبالكودن السابق السابحا ... وبالمنجل الصارم القاطعا فما استتم كلامنا حتى أقبل، فإذا نحن به قد طلع مهرولا، وأقبل مستعجلا، فرأيت رجلا أجلح، أهتم أفلح، أفطح أردح، طويلا عنطنط، يحكي ذئبا أمعط، أخمع أخبط، فتلقوه معظمين، وله مفخمين، فقصد من المجلس صدره، وأسند إلى المخدة ظهره، فما استقر به المكان حتى قيل له: هذا فلان. فقبض من أنفه، ونظر إليّ بشطر من طرفه، وقال ببعض فيه: هلموا ما كنتم فيه، تعسا للشوهاء وجالبيها، والقرعاء وحالبيها. قد جاء زيد مجرّرا رسنه ... فحل فلا تمنعنّه سننه أحبه قومه على شوه ... إن القرنبى في عين امّها حسنه [فقال] : كان لنا شيخ بالأنبار، كثير الأخبار، قد بلغ من العمر أملاه، ومن السنّ أعلاه، قرأت عليه جميع الكتاب، وعلم الأنساب، ومسائل ابن السرّاج، وديوان العجاج، وكتاب الاصلاح، وشروح الإيضاح، وشعر الطرماح، والعين للفرهودي، والجمهرة للأزدي. وأكثر من [ذكر] المصنفات، المجهولات

стр. 1555

والمعروفات، ينفخ في شقاشقه، ويزبد في بقابقه، ويتعاظم في مخارقه. وجعل القوم يقسمون بيننا الألحاظ، ويحسبون الألفاظ، وما منهم إلا من اغتاظ لسكوتي وكلامه، وتأخري وإقدامه. ثم هذى الشيخ إذ وصف له رجل على الغيب ثم رآه، فاحتقره وازدراه، وأنشد متمثلا: لعمر أبيك تسمع بالمعيدي ... بعيد الدار خير أن تراه فقال: هذا المعيدي هو ضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّة بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. والمعيديّ تصغير معدي وهو الذي قالت فيه نادبته: أنعى الكريم النهشلي المصطفى ... أكرم من خامر أو تخندفا فقلت: ما بعد هذا المقال، وجه للاحتمال، وما يجب لي بعد هذه المواقحة، غير المكافحة، ولم يبق لي بعد المغالبة، من مراقبة. ما علتي وأنا جلد نابل ... والقوس فيه وتر عنابل تزلّ عن صفحته المعابل ... ما علّتي وأنا [رجل] جلد والقوس فيه وتر عردّ ... مثل ذراع البكر أو أشدّ فعطفت عليه عطف الثائر العاسف، والتفتّ إليه التفات الطائر الخاطف، فقلت له: يا أخا هيت، قد قلت ما شيت، فأجب الآن إذ دعيت، والزم مكانك، وغض عنانك، وقصّر لسانك، إنّ نادبة ضمرة خندفته، لما وصفته، وما سمعت في نسبتك إياه لخندف ذكرا، فأبن عن ذلك عذرا. فقال: إن خندف هي امرأة الياس بن مضر غلبت على بنيها، فنسبوا إليها، كطهيّة ومزينة، وبلعدوية وعرينة، والسلكة وجهينة، وندبة وأذينة، وكشبيب بن البرصاء، وابن الدّعماء. فقلت له: سئلت، فأجبت وأصبت، فأخبرني عن خندف هل هو اسم موضوع؟ فوقف عند ذلك حماره، وخمدت ناره، وركد جريانه، وسكن هذيانه، وفتر غليانه، وظهر حرانه، وذلّ وانقمع، وانطوى واجتمع، فاضطره الحياء، وألجأه الاستخذاء إلى أن قال وهو

стр. 1556

يخفي لفظه، ويطرق لحظه: أظنّه لقبا. فقلت: هو كما ظننت فما معناه وما سببه؟ وكيف كان موجبه. فلم يجد بدا من أن يقول: لا أدري فقال وقد أذقته مرّ الاماتة، وأحسّ من القوم بتظاهر الشماتة: وودّ بجدع الأنف لو أن صحبه ... تنادوا وقالوا في المناخ له قم ثم أقبلوا إليّ، وعكفوا عليّ، بأوجه متهلّلة، وألسنة متوسلة، في شرح الحال، والقيام بجواب السؤال. فقلت: هذا بديع عجيب، أنا أسأل وأنا أجيب، إن إلياس بن مضر تزوج ليلى بنت ثعلبة بن حلوان بن الحاف بن قضاعة بن معدّ (في بعض النسب) ، فولد له منها: عمرو وعامر وعمير، ففقدهم ذات يوم، فألحى على ليلى باللوم، فقال: اخرجي في أثرهم، وأتيني بخبرهم، فأمعنت في طلبهم، وعادت بهم، فقالت: ما زلت أخندف في اتباعهم، حتى ظفرت بلقائهم، فقال لها إلياس: أنت خندف. والخندفة في الاتباع، تقارب الخطو في إسراع، وقال عمرو: يا أبتي أنا أدركت الصيد فلويته. فقال له: أنت مدركة، إذ حويته، وقال عامر: أنا طبخته وشويته، فقال: أنت طابخة إذ شويته، فقال عمير: أنا انقمعت في الخباء، فقال له: أنت قمعة للاختباء، فلصقت بها وبهم هذه الألقاب، وجرت بها إليهم الأنساب. فقال حينئذ: هذا علم استفدته، وفضل استزدته، وقد قال الحكيم: مذاكرة ذوي الألباب، نماء في الآداب، فقلت له متمثلا: أقول له والرمح يأطر متنه ... تأمّل خفافا إنني أنا ذالكا ثم لم يحتبس إلا قليلا، ولم يمسك طويلا، حتى عاد إلى هديره، وأخذ في تهذيره، طمعا بأن يأخذ بالثار، ويعود الفصّ له في القمار، فعدل عن العلوم النسبية، وجال في ميدان العربية، ولم يحسّ أن باعه فيها أقصر، وطرفه دون حقائقها أحسر، فقال: حضرت يوما حلبة من حلبات العلوم، وموسما من مواسم المنثور والمنظوم، وقد غصّ بكل خطيب مصقع، وحكم مقنع، وعالم مصدع، ومليء من كل عتيق صهّال، وفنيق صوّال، ومنطبق جوال، فأخذوا في فنون المعارضات، وصنوف المناقضات، وسلكوا في معاني القريض، كل طويل عريض، حتى أخذ السائل منهم بالمخنّق، بيت [الفرزدق] :

стр. 1557

وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلّف فكثر فيه الجدال، وطال المقال، وما منهم أحد إلا أجاد القياس، وأصاب القرطاس، ووقع على الطريق وأتى بالتحقيق، فلما رأيتهم في غمرتهم ساهون، وفي ضلالتهم يعمهون، ناديتهم إليّ فأرعوا، ومنّي فاسمعوا، فإني أنا ابن بجدتها، وعالم ما تحت جلدتها، ثم إني أبديت لهم سراره، وأثقبت ناره، وحللت عقده، ومخضت زبده، وأطرت لبده، وبجست حجره، وأبثثتهم عجره وبجره، فقالوا: لله أبوك، فانك أسبقنا إلى غاية، وأكشفنا لغياية، وأجلانا لشبهة، وأضوأنا في بدهة، وما أعلم اليوم على ظهرها من يقوم بعلم ما فيه، ويطلع على خافيه. فأدركني الامتعاض، وأخذني الانتفاض، فأنشدته: من ظن أن عقول الناس ناقصة ... وعقله زائد أزرى به الطمع وقلت له: ادعيت، فوق ما وعيت، فأخبرني عن أول هذا البيت، يا مجري الكميت، وكيف ننشده: وعضّ، بالفتح أو: وعضّ، بالضمّ، فقال: كلاهما مرويّ. فقلت: نبتدىء بالفعل ثم نعود إلى الاسم يا ذا الاعجاب، تهيأ للسائل في الجواب، وأخبرني لم فتحت آخر الماضي؟ فأسرع من غير التغاضي، وقال: لأنه مبني عليه، لا يضاف سواه إليه. فقلت: هذا جواب نعلمه، ومن صبيان المكتب لا نعدمه، وإنما ألتمس منك الفائدة فيها، وأطلب كشف خافيها، فقال: ما جاء عن أئمة النحاة، وسائر الرواة في هذا غير ما شرحته، ولا زاد على ما أوضحته، فقلت: دع عنك هذا وأخبرني عن هذا البناء ألعلّة أم لغيرها؟ فأقبل يتردد ويتزحزح، ويتثاءب تارة ويتنحنح، فلما سدّ عليه من طريقه، وحصل في مضيقه، وغصّ بريقه، قال: لا أعلم. فقالت الجماعة: أعذر إليك من ألقى سلاحه، وغضّ جماحه، ومن أدبر بعد إقباله، عدل عن قتاله: والحق أبلج لا يحدّ سبيله ... والحق يعرفه ذوو الألباب والآن فقد فازت قداحك، وبانت غررك وأوضاحك، وأجدت النضال، وأدركت الخصال، فأوضح لنا عما سألت، وأرشدنا إلى ما دللت، لئلا يقال: هذا بهت، ومحال بحت، فقلت: حبا وكرامة، اسمع أنت يا طغامة، إن الفعل من

стр. 1558

فاعله، كالولد من ناجله، لا يخلو الفعل من علامة الفاعل، في لفظ كل قائل، وهي الفتحة من ماضيه وواقعه، والزوائد في مستقبله ومضارعه، وبيان ذلك أن الفتحة من ماضيه لا تكون مع التاء والنون تقول: أخرج فتثبت الفتحة، ثم تقول: أخرجت وأخرجنا، فيسقط ما ذكرنا، وعلامتان لمعنى محال، لا يوجبهما الحال، فإن كانت النون التي مع الألف ضمير المفعول عادت الفتحة، فتقول: أخرجنا الأمير، فهذا بيّن منير. فصفقت الجماعة وشمحت، وحسّنت وبخبخت، وجعل الأديب يضطرب اضطراب العصفور، ويتقلب تقلب المصغور، متيقنا أنّ أسده صار جرذا، وبازيه عاد صردا، ودرره انقلبت مخشلبا، وزيتونه تحوّل غربا، وقناه تغيّر قصبا، وأن مستقيمه تعوّج، وجيده تبهرج، وصحيحه تدحرج، وجديده تكرّج، فقال منشدهم: ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وتحت ثيابه أسد مزير ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير فما عظم الرجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرم وخير فأخذه الإبلاس، وضاقت به الأنفاس، وسكنت منه الحواس، ورفضه الناس، وجعل ينكت الأرض، ويواصل بكفّه العضّ، ويتشاءم ببومه، ويعود على نفسه بلومه، يمسح جبينه، ويكثر أنينه، فقمت فقامت معي الجماعة وتركته، واستهانت به وفركته، فلما بقي وحده، تمنّى لحده، وأسبل دمعته، وود أن الأرض بلعته: وكان كمثل البوّ ما بين روّم ... تلوذ بحقويه السّراة الأكابر فأصبح مثل الأجرب الجلد مفردا ... طريدا فما تدنو إليه الأباعر فقام فتبعني، ووقف وودّعني، وأطال الاعتذار، وأظهر التوبة والاستغفار، وقال: مثلك من ستر الخلل، وأقال العثرة والزلل، فقد اغتررت من سنك بالحداثة، ومن أخلاقك بالدماثة. فقلت: كل ذلك مفهوم معلوم، وأنت فيه معذور لا ملوم، وما جرى بيننا فهو منسيّ غير مذكور، ومطوي غير منشور، ومخفيّ غير مشهور: [وجدال] أهل العلم ليس بقادح ... ما بين غالبهم إلى المغلوب ثم سكت فما أعاد، ونزلت وعاد، وكان ذلك أول عهد به وآخره، وباطن لقاء وظاهره، وكلّ اجتماع وسائره.

стр. 1559

ومن شعره غير ما أودعه رحله: أطاع الهوى فاستعبدته المطامع ... ومالت به له نحو الحبيب النوازع وكان تمادي البعد أنساه وجده ... فهيج ذكراه الحمام السواجع نوائح يبكي شجوها كلّ سامع ... لهن وإن لم تجر منها المدامع كتمت الهوى ما اسطعت فازداد كثرة ... بقلبي حتى لم تسعه الأضالع فواكبدي ما لي أحنّ إلى الصّبا ... وهيهات ما عهد الصّبا لي راجع وإن أك قد ناهزت سبعين حجة ... فقلبي في طبع الصبابة يافع يغيّر مرّ الدهر أجسام أهله ... وتبقى على حالاتهن الطبائع وقوله: رب ليل فريت فروته ... أحسبه وهو بارد بارد على سناء سناء كلكلها ... عند الونى مثل ساعد ساعد وما افتقرت المطيّ مفتقرا ... عمري وما كل واجد واجد إن تنكري يا قتيل قتلك لي ... فلي على ذاك شاهد شاهد تغيير لوني ولمتي شهدا ... أن الذي طلّ عامد عامد أقول إذ زارني وودعني ... قل لي متى أنت عائد عائد [٦٧١] عبد الله بن محمد بن الحسين بن ناقيا أبو القاسم الأديب الشاعر اللغوي:

стр. 1560

كان يعرف بالبندار وتوفي ليلة الأحد رابع محرم سنة خمس وثمانين وأربعمائة ببغداد ودفن في مقابر باب الشام، ومولده في ذي القعدة سنة عشر وأربعمائة. وقد صنف عدة كتب منها ملح الممالحة. وأغاني المحدثين. وملح المكاتب. وتفسير فصيح ثعلب. واختصار الأغاني. وشرح كتاب الوسيط شرحا متوسطا ممتعا، وله مقامات أدبية. وكان مطعونا عليه في دينه وعقيدته، وكان كثير الهزل والمجون، كان يقول: في السماء نهر من خمر ونهر من لبن ونهر من عسل لا ينقط منه شيء، وينقط هذا الذي يخرب البيوت ويهدم السقوف. وكانت بينه وبين ابن الشبل منافرة ومباعدة شائعة ظاهرة، قيل له ألم تكن قرأت على ابن الشبل؟ فقال: بلى وإلا من أين اكتسبت هذه البلادة التي فيّ. وقال أبو الحسن علي بن أحمد الدهان: دخلت على ابن ناقيا بعد موته لأغسله فوجدت يده اليسرى مضمومة، فاجتهدت حتى فتحتها وفيها كتابة بعضها على بعض فتمهلت حتى قرأتها فإذا فيها مكتوب: نزلت بجار لا يخيّب ضيفه ... أرجّى نجاتي من عذاب جهنم وإني على خوفي من الله واثق ... بانعامه والله أكرم منعم وله شعر سائر فمن شعره: أخلاي ما صاحبت في العيش لذة ... ولا زال قلبي عن حنين التذكر ولا طاب لي طعم الرقاد ولا اجتنت ... لحاظي مذ فارقتكم حسن منظر ولا عبثت كفي بكأس مدامة ... يطوف بها ساق ولا جسّ مزهر «١»

стр. 1561

[٦٧١ هـ] عبد الحميد بن عبد الله بن أسامة بن أحمد ، أبو علي ابن التقي الهاشمي العلوي الحسيني الزيدي الشريف النقيب: حدث النقيب شرف الدين يحيى بن أبي زيد نقيب البصرة أنه لم يكن تحت السماء أحد أعرف من ابن التقي بالأنساب وكان يحدث عن معرفته بالعجائب، وكان مع ذلك عارفا بالطب والنجوم وعلوم كثيرة من الفقه والشعر وغيره «١» . [٦٧٢] عبد الرحيم بن القاضي الأشرف بهاء الدين أبي المجد ابن القاضي السعيد أبي محمد الحسن بن الحسن، المعروف بالقاضي الفاضل الملقب مجير الدين: كان أوحد دهره وفريد عصره عقلا ونبلا وفصاحة وبيانا، لم يكن أحد يضاهيه في صناعة الانشاء، وكان هيوبا وقورا نزه المجلس على شراسة كانت في خلقه وتقلل في ملبسه، فإنه كان لا يزيد لباسه على النصفية البغدادية، والدنيا تدبّر برأيه وصلاح الدين سلطان البلاد لا يرد له أمرا. وكان يترفع عن التسمية بالوزارة ويعمل عملها سرا. وتوفي في سابع عشر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة، ومولده وأصله بعسقلان في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وذكروا أن الكتب التي

стр. 1562

خلفها مائة ألف وعشرون ألف مجلدة، وزادت سيرته على عدة مجلدات «١» . مولده «٢» وأصله بعسقلان، وإنما قيل له البيساني لأن والده ولي القضاء ببيسان. قيل لما ولد أخذ طالعه القاضي ابن قريش، وكان خبيرا بعلم النجوم، فقال: هذه والله سعادة لا تسعها الدنيا فضلا عن عسقلان. كان السبب في تقدّمه أن أباه كان يتولّى بعسقلان بعد القضاء ببيسان، وكاتبه السلطان بمصر بالأخبار، فاتّفق أنّ والي عسقلان أطلق أسيرا له قيمة فتعلّل عليه المصريون كونه لم يخبر بخبره، فاستحضر إلى القاهرة وصودر حتى استصفي ماله ولم يبق له شيء، فأصابته فجعة فمات، وبقي الفاضل وأخت له وأخ على غاية من الاختلال وسوء الحال والفقر، فألجأه الحال إلى أن مشى راجلا إلى الإسكندرية، وقصد بها القاضي ابن حديد فالتجأ إليه وعرّفه بنفسه وشكا إليه فاقته، فتوجّع له وفرض له في كل شهر ثلاثة دنانير واستنابه في الكتابة عنه. وفتحت الفرنج عسقلان وخرج أخوه وأخته حتى لحقا به وأقاما عنده، فاختبره القاضي فوجده على غاية من الفصاحة والبلاغة وحسن المقاصد، وكان إذا أراد مكاتبة ديوان مصر أمره بالكتابة عنه، وكانت كتبه ترد كالدرّ النظيم، فحسده الكتّاب الذين ترد كتبه عليه وخافوا منه على منزلتهم، فسعوا به إلى الظّافر بن الحافظ، فحدّث محمد بن محمد بن محمد بن بنان الأنباري كاتب الإنشاء يومئذ، قال: فأحضرني الظافر وأمرني أن أكتب إلى الوالي بالإسكندرية أن يتسلّم ابن البيساني من القاضي ابن حديد ويقطع يده ويسيّرها إلينا، قال: فما علمت السبب ولا عرفت ابن البيساني، ووددت لو كان هذا الكتاب بخط غيري، فأخذت الدواة والقلم والدّرج وكتبت: «بسم الله الرّحمن الرّحيم، وبطّلت الكتابة، فنظر إليّ وقال: ما تنظر؟ قلت: عفو مولانا، قال: تعرف هذا الرجل؟ قلت: لا والله، قال: هذه رقعة وردت من

стр. 1563

الديوان تخبر بسوء أدبه واستخفافه، وذاك أنه كتب كتابا وجعل بين السطر والسطر شبرا وهذا لا يكون إلّا من الفاضل إلى المفضول. وبلغني أيضا أنه يرى انتقاضنا وذهاب دولتنا دينا، فقلت: إن رأى استحضار المكتوب والوقوف عليه، فأحضر فرأيت أبلغ كتاب وأحسن عبارة فقلت: هذا كتاب معدوم المثال وكاتبه أوحد عصره، وما كتبوا في أمره بما كتبوا إلّا حسدا له، فإن رأى إحضار كاتبه وسماع لفظه والعمل بموجب المشاهدة رجوت أن يكون ثوابا وصوابا. فكتبت بتسييره مكرّما، فما كان إلّا مسافة الطريق حتى أحضر إلى مجلس الظافر وأنا حاضر، فرأيت شابا ظريفا بثياب قصار وأكمام لطيفة وطيلسان، فوقف بين يديّ الظافر، فقال الظافر: اختبره في شيء من الرسائل، فقلت له: مولانا يأمرك أن تكتب منشورا لأحد أولياء دولته يتضمّن توليته ما وراء بابه، فقال: السمع والطاعة، فقرّبت منه دواة فأخذ يكتب وهو قائم، وكان إذا أراد أن يستمدّ انكبّ إلى الدواة ثم وقف فكتب، فلما أن رأى الظافر جريان قلمه وثبات جنانه، أمر خادما أن يحمل له الدواة، ثم فرغ من الكتابة وهو قائم على رجله، فتناوله الخادم وعرضه على الظافر، فاستحسن خطّه وكان خطّا مليحا رائقا على طريقة ابن مقلة، وقال لي: اقرأه، فقلت: يا مولانا اسمعه من منشئه فهو أحسن، فقرأه بلسان حادّ وبيان صادق، فلما استتم قراءته أمر الظافر بقلع طيلسانه وأخذ عذبة عمامته وفتلها وتحنيكه بها، ففعل به ذلك. ولم يزل في الديوان مدّة أيام الظافر والفائز والعاضد. فلما استعلى الضرغام على شاور وتولّى الوزارة، وهرب شاور إلى الشام وقبض على ولده الكامل وأودعه السجن خدمه الفاضل ومتّ إليه بخدمة قديمه. ثم إن الضّرغام تنكّر على الفاضل فمضى من فوره إلى ملهم أخي ضرغام واستجار به، وكان ملهم هو الكبير وكان ترفّع عن الولاية، فأمره بملازمة داره حتى يصلح أمره، فاتّفق أن قرن بالكامل بن شاور في محبسه وحبس معه وحصل له بذلك يد بيضاء عنده. ورجع شاور إلى الديار المصرية بصحبة شيركوه، وقتل الضرغام وأخوه ملهم وبنوه، وعادت الوزارة إلى شاور. وركب ابنه الكامل من دار ملهم ومعه القاضي الفاضل حتى دخلا على شاور وعرّف الكامل أباه شاور حقوق الفاضل عليه وحسن ولائه.

стр. 1564

واختصّ الفاضل بالكامل اختصاصا كلّيّا، وكان أولا يدعى بالأسعد فغيّره ولقّبه بالفاضل، ولم يزل معهما على أحسن حال إلى أن عاد أسد الدين إلى مصر في المرّة الأخرى واستولى على الديار المصرية وتولّى الوزارة وقتل شاور وابنه الكامل وطلب الفاضل. وكان في نفسه منه أشياء نقمها عليه في مكاتباته عن شاور، وكان يغلظ القول فيها. ولجأ القاضي إلى القصر مستجيرا ومستخفيا، وطلبه شيركوه من العاضد فشفع فيه فلم يقبل الشفاعة وألحّ في طلبه، فاتفق أنّ العاضد أهدى إلى شيركوه هدايا نفيسة وقعت منه موقعا لطيفا، وسأله مع قبولها أمان الفاضل فأمّنه، فلما حضر أكرمه شيركوه وأمره بالجلوس في حضرته وقال: اكتب كتابا إلى نور الدين محمود بن زنكي عرّفه ما فعل الله بهذا الطاغية الفاسق، يعني شاورا، فكتب ولم يذكره إلّا بالخير فغضب أسد الدين وقال: ما لك لا تكتب بما آمرك به؟ فقال: ما يسعني ذلك أيها الوزير لحقوق له عليّ، فأغلظ له وتهدّده إن لم يكتب وحلف ليوقعنّ به، فوثب حتى صار بين يديه وقال: قد انبسط الآن عذري فيما كنت أكاتب به المولى فإنما أنا آلة أكتب حسبما أومر، فبسط عذره وأعجبه مخرجه من الحجّة وأنس به أنسا تاما. فلما مات أسد الدين شيركوه ترشّح أكابر الدولة لمكانه وطمع فيها من هو أهل لذلك، ولم يكن صلاح الدين ممن تطمع نفسه في تلك الرتبة، واتفق أنه اجتمع بالفاضل في دار السلطان وجرى حديث من ترشّح للولاية، وبسط صلاح الدين الحديث في ذكرهم ولم يذكر نفسه، فجذبه الفاضل إليه وقال له سرا: هل عندك قوة لأن تلي هذا الأمر؟ فقال صلاح الدين: وأنّى لي بذلك وهنا مثل فلان وفلان وعدّد الأكابر، فقال له: لا عليك فإني أدبّر أمرك فاستعدّ لذلك. فبينا هما في الحديث، استدعي الفاضل إلى مجلس العاضد واستشير فيمن يولّى، ولم يكن شيركوه دفن بعد، لأن من عادتهم أنّ الذي يتولى يلبس في الجنازة أخضر دون كلّ من فيها وهي إمارة الولاية، فقال الفاضل: رأي أمير المؤمنين أعلى وهو أعرف، فقال العاضد: ما تقول في فلان فوهّى أمره وذكر شيئا صدفه عنه، إلى أن ذكر جماعة كلّهم كذلك، فقال للفاضل: فمن ترى أنت؟ قال: ما رأيت في الجماعة أحسن طريقة من يوسف ابن أيوب ابن أخي الميّت، فإني اختبرته ورأيته يرجع إلى دين وأمانة، فقال العاضد:

стр. 1565

إني أخاف أن لا يرضى به القوم، فقال الفاضل: يا أمير المؤمنين أنت ألبسه وأجلسه وهو يبذل الأموال ويصلح حال الرجال، ففعل ذلك. وخرج الناس وعلى صلاح الدين الأخضر من دون الجماعة فعرفوا أنه صاحب الأمر، وساعدته السعادة فلم يقل أحد كلمة، وفرّق خزائن شيركوه، وعامل الناس بالإحسان، وبذل المال فأحبّوه، وتمّ أمره وصار القبض والبسط إلى الفاضل. وفوّض صلاح الدين إليه أمور دولته وصار لا يصدر إلّا عن رأيه، واستنابه في جميع أموره، ورعى له تلك الحال، فجرى في تصاريفه على أحسن قانون، وأحسن إلى أرباب البيوت، وجمع كتبا مشهورة بلغني أنها تكون سبعين ألف مجلد في فنون العلم وأنواعه. وأما ابن بنان الذي كان السبب فى خلاصه وعلوّ منزله فإنه اطّرح في دولة بني شادي حتى احتاج إلى الناس، فدخل يوما إلى الفاضل وقد انقادت الدولة لأمره ونهيه، فعدّد إحسانه إليه واشتماله في الدولة الذاهبة عليه، فاعترف الفاضل بذلك واستخلص له رزقا كان يقوم عليه إلى أن مات. وكان القاضي الفاضل شابا مليحا من أظرف الرجال، فلما كانت وقعة الباب بين شيركوه وشاور بالصعيد، نفرت به فرسه فوقع على ظهره على قربوس السرج فأوهنه، فلما رجع إلى القاهرة عمل عليه وكان يمرّضه ويداويه وقد مدّ وانتفخ، فلما كان يوم جلوسه بين يدي أسد الدين وهو يكتب انفجرت عليه وهو بين يديه فما راعه إلّا والمدّة والدم يسيلان بين يديّ أسد الدين، فارتاع من ذلك وقال: احملوه ورقّ له وعولج وانفسدت إحدى خرزات ظهره ثم اندملت وكانت له حدبة، وفي ذلك يقول ابن عنين: قد أصبح الملك ما له سبب ... في الناس إلّا البغاء والحدب سلطاننا أعرج وكاتبه ... ذو عمش والوزير منحدب معايب كلّها لو اجتمعت ... في فلك لم تحلّه الشّهب

стр. 1566

[٦٧٣] «١» عبد العزيز بن إبراهيم بن بيان بن داود أبو الحسين المعروف با بن حاجب النعمان، وكان أبوه حاجب النعمان أبي عبد الله الكاتب؛ وكان عبد العزيز أبو الحسين أحد افراد الزمان في الفضل والنبل ومعرفة الكتابة بالدواوين، وكان إليه أيام معز الدولة ديوان السواد. وكانت وفاته يوم الجمعة لسبع بقين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. قال المحسن التنوخي «ولقد شاهدت مجلسا في شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كأنه من مجالس البرامكة، ما شهدت مثله قط، قبله ولا بعده، وذلك أن كاتب الوزير أبي محمد الحسن المهلبي على ديوان السواد أبا الحسين عبد العزيز بن إبراهيم المعروف بابن حاجب النعمان سقط من روشن «٢» في دار أبي محمد على دجلة فمات في اليوم الثامن من السقطة، فجزع عليه أبو محمد وجاء من غد إلى أولاده لأنهم كانوا دفنوه عشيا، وكنت معه، فعزاهم بأعذب لسان، وأحسن بيان، ووعدهم الاحسان وقال: أنا أبوكم وما فقدتم من ماضيكم غير شخصه. ثم قال لابنه الأكبر أبي عبد الله: قد وليتك موضع أبيك ورددت إليك عمله؛ ووليت أخاك أبا الحسين- وكان هذا صبيا سنه عشر سنين أو نحوها كتبة ابن أبي الغنائم- وأجريت عليه كذا وكذا (رزقا كبيرا وقد ذهب عني) ، فليلزمه

стр. 1567

فإن سنيهما متقاربة ليتعلم بتعلمه وينشأ بنشوئه فيجب حقه عليه. ثم قال لأبي العلاء صاعد بن ثابت خليفته على الوزارة: اكتب عهدا لأبي عبد الله واستدع كل من كان أبو الحسين- ﵀ مستأجرا منه شيئا فخاطبه في تجديد الاجارة للورثة، فانّ أكثر نعمه إنما كانت دخالات وإجارات ومزارعات قد انحلت الآن بموته، ومن امتنع فزده من مالي واسأله ولا تقنع إلا بتجديد العقد كيف جرت الحال. ثم قال لأبي المكارم ابن ورقاء- وكان سلف «١» الميت-: إن ذيل أبي الحسين طويل، وقد كنت أعلم أنه يجري على أخواته وأولادهنّ وأقاربه شيئا كثيرا في كلّ شهر، وهؤلاء الآن يهلكون بموته، ولا حصة لهم في إرثه، فقم إلى ابنة أبي محمد الماذرائي- يعني زوجة المتوفّى- فعزّها عني، واكتب عنها جريدة بأسماء جميع النساء اللواتي كان أبو الحسين يجري عليهنّ وغيرهن من الرجال وضعفاء حاشيته، وقال لأبي العلاء: إذا جاءك بالجريدة فأطلقها عاجلا لشهر، وتقدم باطلاقها على الادرار، فبلغت الجريدة ثلاثة آلاف وكسرا في الشهر، وعملت في المجلس وأطلق مثلها وامتثل جميع ما رسم به أبو محمد. فلم يبق أحد إلا بكى رقة واستحسانا لذلك ... وقلت أنا لأبي محمد في ذلك اليوم: لو كان الموت يستطاب في وقت من الأوقات لطاب لكلّ ذي ذيل طويل في أيام سيدنا الوزير، فإن هذا الفعل تاريخ الكرم، وبه يتحقق ما يروى عن الأسلاف من الأجواد، والماضين من الكرماء الأفراد، وغير ذلك مما حضر في الحال. ثم نهض أبو محمد- ﵀ فارتفعت الضجة من النساء والرجال وأهل الدار والشارع بالدعاء له والشكر. قال ابن النديم: ولم يشاهد خزانة للكتب أحسن من خزانته لأنها كانت تحتوي على كل كتاب عين وديوان فرد بخطوط العلماء المنسوبة. وله من الكتب كتاب نشوة النهار في أخبار الجوار. كتاب الصبوة. كتاب أشعار الكتاب. كتاب أخبار النساء ويعرف بكتاب ابن الدكاني. كتاب الغرر ومنتهى الزهر. كتاب أنس ذوي الفضل في الولاية والعزل «٢» .

стр. 1568

[٦٧٤] عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر عين الدين أبو الحسين الفارسي المحدث المؤرخ: كان أديبا فاضلا لم ير بخراسان والعراق أجمع منه للفضائل وهو سبط أبي القاسم القشيري، مولده سنة إحدى وخمسين وأربعمائة وتوفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وقد خرج له الحفاظ الفوائد كالإمام أبي الفضل محمد بن أحمد الجارودي؛ وهو الذي صنف الذيل على تاريخ الحاكم منذ وفاة الحاكم سنة خمس وأربعمائة، وقرأ الكثير على المشايخ، وكتب عن الإمام أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي، واختلف إلى إمام الحرمين الجويني، وخرج إلى النواحي ونسا، ودخل خوارزم وغزنة ومنها إلى لوهور، وقرأ عليه الناس تصانيف القشيري، وصنف كتبا منها: المفهم لصحيح مسلم وغير ذلك. وله شعره حسن منه قوله: من يبغ مالا في الورى فأنا إلى ... طلب المعالي رائح [أو] غادي نفسي وإن فقدت أمانيها فقد ... أبت أن تلين لخدمة الأوغاد [٦٧٥] عبد الكافي الهاروني اليهودي: صاحب الخط المليح إلى الغاية على طريقة ابن البواب؛ كان موجودا بعد الأربعمائة، وأنشدت من شعره:

стр. 1569

قلبي معنّى عميد ... بين الهوى والهواء هذا يقود زمامي ... وذا يصد هوائي وله أيضا: يا من يقرب وصلي منه موعده ... لولا عوائق من خلف تباعده لا تحسبنّ دموعي البيض غير دمي ... وإنما نفسي الحامي يصعده [٦٧٦] عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد، أبو القاسم القشيري النيسابوري، شيخ خراسان وأستاذ الجماعة ومقدم الطائفة، توفي سادس عشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وأربعمائة. مات أبوه وهو طفل فنشأ وقرأ الأدب والعربية، وكان يميل إلى أبناء الدنيا، فدخل على أبي علي الدقاق فأعجبه حاله فصحبه فجذبه من ذلك، أخذ طريق التصوف عن الأستاذ أبي علي وأخذ هو عن أبي القاسم الفيروز بادي، وأخذ هو عن الشبلي، عن الجنيد عن السري عن معروف الكرخي عن داود الطائي عن التابعين. وتفقه على أبي بكر محمد بن بكر الطوسي وأخذ علم الكلام عن ابن فورك، وكان يحب الصوفية وأهل الدين والطريقة، عظيما عند أهل نيسابور، يعظ ويتكلم بكلام الصوفية؛ وكان ثقة حسن الوعظ مليح الإشارة. ودخل بغداد وعقد مجلس التذكير فروى عن النبي ﷺ قوله: السفر قطعة من العذاب، فقام إليه سائل فقال: لم سماه ﷺ قطعة من العذاب؟ فأجاب بديها: لأنه

стр. 1570

سبب فراق الأحباب، فصاح الناس وماجوا ولم يقدر على إتمام المجلس. وله من الكتب: كتاب آداب الصوفية. وكتاب بلغة الفاضل. وكتاب التحبير في علم التذكير، وله أيضا الرسالة في رجال الطريقة. والتفسير الكبير المسمّى التيسير في علم التفسير. وكتاب لطائف الإشارات. وكتاب الجواهر. وكتاب عيون الأجوبة. وكتاب أحكام السماع، وغير ذلك. ومن شعره قوله: يا من تشكى رمدا مسّه ... لا ترفع الشكوى إلى خالقك موجب ما مسّك من عارض ... أنك لم تنظر إلى وامقك وقوله: الأرض أوسع رقعة ... من أن يضيق بك المكان وإذا نبا بك منزل ... ويظل يلحقك الهوان فاجعل سواه معرّسا ... ومن الزمان لك الأمان وله أيضا: قالوا بثينة لا تفي بعداتها ... روحي فداء عداتها ومطالها إن كان نجز عداتها مستأخرا ... فلقد تسّوفنا بنقد مقالها. [٦٧٧] عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي الموصلي البغدادي موفق الدين الأديب الحكيم المتكلم الفيلسوف أبو محمد، المعروف قديما بابن اللبان، ولقبه تاج

стр. 1571

الدين الكندي بالجدي المطجن لرقة وجهه وتجعده ويبسه؛ ولد ببغداد سنة تسع وخمسين وخمسمائة؛ وأسمعه والداه الكثير في صباه من أبي الفتح ابن البطي وأبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، وقرأ العربية على ابن الانباري وصحب أبا النجيب الضرير النحوي، وبرع في النحو وتميز على أقرأنه، وقرأ الطب والحكمة، وكان يكتب خطا مليحا، وسافر إلى الشام ودخل مصر ولقي قبولا، وقرأ الناس عليه الأدب والطب، ودخل بلاد الروم وأقام بها مدة وكان يطبب ملكها، ولما توفي الملك عاد إلى حلب وحدث بها، وحجّ وأقام ببغداد مريضا بعلة الذرب. لبس الخرقة من ضياء الدين أبي النجيب عبد القاهر السهروردي، وقرأ على الشيخ الحسن بن علي بن عبيدة الكرخي، وكان دميم الخلقة نحيلها قليل لحم الوجه. وذكره الفاضل في رسالة كتبها إلى الوزير نجم الدين بن المجاور يقول فيها في حق الشيخ موفق الدين: أديب ملأ فنه الأسماع، وفاضل لا بأخبار الآحاد ولكن بتواطؤ الاجماع، عينه فراره، وفي لسانه من العبارة عياره، وفي قلبه من الذكاء ناره. وله من التصانيف: كتاب غريب الحديث. وكتاب الواضحة في الفاتحة. وشرح بانت سعاد. وذيل الفصيح. وخمس مسائل نحوية. وشرح مقدمة ابن بابشاذ. وشرح الخطب النباتية. وشرح سبعين حديثا. وشرح أربعين حديثا طبية. والرد على فخر الدين الرازي في تفسير سورة الإخلاص. وكتاب شرح نقد الشعر لقدامة. وكتاب قوانين البلاغة. وكتاب الانصاف بين ابن بري وابن الخشاب في كلامهما على المقامات. وكتاب قبسة العجلان في النحو. وكتاب اختصار العمدة لابن رشيق. وكتاب أخبار مصر (الكبير) . وكتاب الافادة في أخبار مصر «١» . ومقالة في الرد على اليهود والنصارى. ومقالة في النفس. ومقالة في العطش. وكتابه في العلم

стр. 1572

الإلهي. وكتاب الجامع الكبير في المنطق والطبيعي والإلهي. واختصار مادة البقاء للتميمي. وكتاب بلغة الحكيم. واختصار كتاب النبات. واختصار كتاب الحيوان لأرسطا طاليس، واختصر كتبا كثيرة في الطب، وله كتاب يتضمن سيرته، وغير ذلك كثير «١» . [٦٧٨] عبد الواحد بن محمد بن علي بن زكريا أبو القاسم: قال ياقوت: وقفت على كتاب شرح فيه أشعار أبي الطيب المتنبي فأجاده وكبره، وهو من أهل أصبهان. [٦٧٩] عبيد الله بن أحمد بن خرداذبه أبو القاسم الكاتب: كان جده خرداذبه مجوسيا فأسلم على يد البرامكة، وتولى عبيد الله هذا البريد والخبر بنواحي الجبل. ونادم المعتضد وخصّ به، وكان راوية للأخبار والآداب، ويأتي في تصانيفه بالغرائب حتى قال بعضهم في شيء نقله عنه: كذا زعم ابن خرداذبه وإن يكن كاذبا فعليه كذبه؛ وكان أبو الفرج الأصبهاني إذا أورد عنه شيئا في كتابه أرفقه بالوقيعة فيه والتنقص له بقوله إنه قليل التصحيح لما يرويه ويضمنه كتبه. وفي كتاب أحمد بن أبي طالب الكاتب أنبأنا أبو عبد الله حمد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي، أنبأني عبيد الله بن أحمد بن خرداذبه قال حدثني أبي قال: كان

стр. 1573

كسرى ابرويز قد قال له منجموه إنك تقتل، فقال: لأقتلن الذي يقتلني، فأمر بسم فخلط له في أدوية ثم كتب عليه: «دواء للجماع مجرب، من أخذ منه وزن كذا وكذا مرة.. وصيره في خزانة الطب، فلما قتله ابن شيرويه وفتش خزائنه مرّ به فقال في نفسه: أبهذا الدواء كان يقوى على شيرين؟ فأخذ منه فمات، فقتله أبوه وهو ميت. ومما أنشده أبو بكر محمد بن خلف المرزبان لابن خرداذبة: في مثل وجهك يحسن الشعر ... ويكون فيه لذي الهوى عذر ما إن نظرت إلى محاسنه ... إلا تداخلني له كبر تتزين الدنيا بطلعته ... ويكون بدرا حين لا بدر وله من الكتب: كتاب أدب السماع. كتاب جمهرة أنساب الفرس والنواقل. كتاب المسالك والممالك. كتاب الطبيخ. كتاب اللهو والملاهي. كتاب الشراب. كتاب الأنوار. كتاب الندام والجلساء. [٦٨٠] عبيد الله بن أحمد بن محمد ، أبو الفتح النحوي المعروف بجخجخ (بجيم ثم خاء ثم جيم ثم خاء) : سمع البغوي وابن دريد، وكان ثقة صحيح الكتابة، وصنف: مجالسة العلماء، والعزلة والانفراد. وأخبار جحظة وغير ذلك. [ومولده سنة ست وثمانين ومائتين، وتوفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة] . [٦٨١] عبيد الله بن عبد الرحيم أبو القاسم الأصبهاني: أحد فضلاء أصبهان وأدبائها، له تصانيف منها كتاب أخبار أبي الطيب، وكتاب استدرك فيه على ابن جني في كتابه الصغير المسمى بالواضح؛ ولا أعرف من حاله شيئا إلا أنه كان حيا سنة إحدى وأربعمائة.

стр. 1574

[٦٨٢] عبيد الله بن أبي بردة أبو محمد القصري: من قصر الزيت بالبصرة، قاضي فارس، نحوي لغوي معتزلي، ذكره أبو الفتح منصور بن المقدر «١» النحوي المعتزلي محتجا به وبأمثاله على أبي بكر الباقلاني لأنه قال: إن الكلابية «٢» تقول إن النظر إذا قرن بإلى لم يحتمل إلا الرؤية، وان المعتزلة تبطل ذلك بقول الشاعر: إني إليك لما وعدت لناظر ... نظر الفقير إلى الغنيّ الموسر قال: هذا اعتراض باطل، لأن الشاعر قال إليك، والله قال: إِلى رَبِّها (القيامة: ٢٣) وأحدهما غير الآخر لأن أحدهما بالياء والآخر بالألف؛ قال: من يخاصم المعتزلة الذين هم ذوو اللسن والفصاحة بهذا الكلام لا يكون غبيا بل أنقص حالة من الأغبياء. وقد كان يحضر منهم في زمن أمراء المؤمنين المطيع والطائع والقادر نحو من مائة المجالس، كلّ منهم أو جمهورهم قد قرأ كتاب سيبويه وإليه انتهى، كعلي بن عيسى الرماني وأبي سعيد السيرافي، وذكر جماعة، ثم قال: وأبو محمد عبيد الله بن محمد بن أبي بردة القصري، من قصر الزيت بالبصرة، قاضي فارس، وله الانتصار لسيبويه على أبي العباس في كتاب الغلط، وله مسائل سألها الشيخ أبا عبد الله البصري «٣» في إعجاز القرآن وغير ذلك.

стр. 1575

[٦٨٣] عبيد الله بن محمد بن أبي محمد اليزيدي واسم أبي محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة، وكنية عبيد الله أبو القاسم، يعرف بابن اليزيدي، ذكره الخطيب فقال: مات في سنة أربع وثمانين ومائتين قال: وسمع محمد بن منصور الطوسي وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي. وروى عن عمّه إبراهيم بن يحيى وأخيه أحمد بن محمد عن جده أبي محمد اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء حروفه في القرآن. حدث عنه ابن أخيه محمد بن العباس وأحمد بن عثمان الأدمي، وكان ثقة. حدث عبيد الله عن عمه إبراهيم قال حدثني أبي قال: كنت مع أبي عمرو بن العلاء في مجلس إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵈، فسأل عن رجل من أصحابه فقده، فقال لبعض من حضره: اذهب فسل عنه، فرجع فقال: تركته يريد أن يموت، قال: فضحك منه بعض القوم وقال: في الدنيا إنسان يريد أن يموت؟! فقال إبراهيم: لقد ضحكتم منها عربية، إنّ يريد في معنى يكاد قال الله تعالى: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ (الكهف: ٧٧) أي يكاد، قال فقال أبو عمرو: لا نزال بخير ما كان فينا مثلك. قال أبو القاسم الزجاجي: أنشدني أبو عبد الله اليزيدي لعمه عبيد الله بن محمد «١» : قد ضقت ذرعا بك مستصلحا ... وأنت مزورّ عن الواجب من لي بأن تعقل حتى ترى ... كم لك في العالم من عائب [٦٨٤] عبيد الله بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله الأزدي أبو القاسم

стр. 1576

النحوي: ذكره الخطيب فقال: مات في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة في أيام المطيع، قال: وحدّث عن محمد بن الجهم السمري بكتاب «المعاني» للفراء وعن مسلم بن عيسى الصفار وأبي بكر ابن أبي الدنيا وابن قتيبة. روى عنه المعافى بن زكرياء الجريري وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري وغيرهما. حدثنا عنه ابن رزقويه قال: وسألت أبا يعلى محمد بن الحسين السراج المقرىء عن الأزدي فقال ضعيف، وقال غير الخطيب: له كتاب الاختلاف. وكتاب النطق. [٦٨٥] عبيد الله بن محمد بن جر والاسدي أبو القاسم النحوي العروضي المعتزلي: ذكره ابن المقدر في المعتزلة من أهل الموصل، قدم بغداد وقرأ على شيوخها، فأخذ علم الأدب عن أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي وغيرهما، وكان ذكيا حاذقا جيد الخط صحيح الضبط صنف كتبا، ومات فيما ذكره هلال بن المحسن في يوم الثلاثاء لأربع بقين من رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وكان يقول الشعر، فوجدت له في بعض الكتب: قطعت من السنين مدى طويلا ... ولم تعرف عدوّك من صديقك فسرت على الغرور ولست تدري ... أماء أم سراب في طريقك قرأت في كتاب «الموضح في العروض» من تصنيف ابن جرو هذا أخبارا أوردها عن نفسه فيه ومناظرات جرت له مع الشيوخ في العروض منها: قرأت على شيخنا أبي سعيد ﵀ كتاب «الوقف والابتداء» عن الفراء روايته عن أبي بكر ابن مجاهد عن ابن الجهم عنه فمضى فيه بيت أنشده الفراء: بابي امرؤ ألشام بيني وبينه ... أتتني ببشرى برده ورسائله

стр. 1577

فقلت: هذا البيت لا يستقيم، فقال أبو سعيد: كذا أنشده ابن مجاهد عن الفراء، وهو كما قال، أنشدناه غيره من شيوخنا عن أبي بكر وعن ابن بكير عن ابن الجهم وعن ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى عن سلمة عن الفراء هكذا. فقال أبو سعيد: ما عندك فيه؟ فقلت: رأيت هذا البيت بخط أبي سهل النحوي في هذا الكتاب بأبوي امرؤ وقال: ردّ الأب إلى أصله لأنه في الأصل عند الكوفيين أبو على فعل مثل نحو وغزو، فقال لي أبو سعيد: لا ينبغي أن تلتفت إلى هذا لأنّ الرواة والناقلين أجمعوا على أنه مكتوب بأبي، وكذلك لفظوا به، ولكن إصلاحه أن يكون بأبي امرؤ فيكون بأبيم فعولن، وسكن كسرة الباء من أبي لأنه قدّره تقدير فخذ، وهذا لعمري تشبيه حسن لأنهم قد أجروا هذا في المنفصل مجرى المتصل فقالوا اشترلنا، جعل ترل بمنزلة فخذ، وأشدّ من هذا قراءة حمزة ومكر السّيّىء ولا، جعل سيوءا بمنزلة فخذ ثم اسكن كما يقال فخذ، والحركة في السيىء حركة إعراب، ففي هذا ضربان من التجوز جعله المنفصل بمنزلة المتصل وتشبيهه حركة الإعراب بحركة البناء. وله من التصانيف كتاب الموضح في العروض جوّد في تصنيفه. وكتاب المفصح في القوافي. وكتاب الأمد في علوم القرآن، لا أدري هل تم أم لا، لأنه قال في كتاب الموضح في العروض «وقد شرعنا في كتاب الأمد في علوم القرآن» ثم وجدت في فوائد نقلت عن أبي القاسم المغربي أن كتابه في تفسير القرآن لم يتم وأنه ذكر في «بسم الله الرّحمن الرّحيم» مائة وعشرين وجها. قال: ومات قبل الأربعمائة. ذكر الشيخ أبو محمد ابن الخشاب في بعض كتبه «١» في معرض كلام: وحكى بعض الأشياخ من أهل صناعة النحو أنّ عضد الدولة الديلمي التمس من أبي علي الفارسي إماما يصلّي به، واقترح عليه أن يكون جامعا إلى العلم بالقراءة العلم بالعربية، فقال: ما أعرف من قد اجتمعت فيه مطلوبات «٢» الملك إلا ابن جرو، لأحد

стр. 1578

أصحاب أبي علي، وهو أبو القاسم عبيد الله بن جرو الأسدي، فقال: ابعثه إلينا، فجاء به وصلّى بعضد الدولة، فلما كان الغد وافى أبو علي وسأل الملك عنه فقال: هو كما وصفت إلا أنه لا يقيم الراء، أي يجعلها غينا، كعادة البغداديين في الأغلب، فقال أبو علي لابن جرو ورآه كما قال عضد الدولة: لم لا تقيم الراء؟ فقال: هي عادة للساني لا أستطيع تغييرها، فقال له أبو علي: ضع ذبابة القلم تحت لسانك لترفعه به، وأكثر مع ذلك ترديد اللفظ بالراء، ففعل واستقام له إخراج الراء من مخرجها. قال: هذا معنى الحكاية التي حكيت لي في هذا، فقلت للشيخ الحاكي لي ﵀، وأنا إذ ذاك حدث: ما أحسن ما تلطف أبو علي في طبّه هذا، فما الذي دلّه على هذه المعالجة؟ ومن أين استنبط هذه المداواة؟ وكيف احتال لهذا البرء؟ فقال: هذا الذي حكي لنا فما عندك فيه؟ فأجبت بما استحسنه الشيخ وحاضروه فقلت: لا شبهة بأنّ الغين حرف حلقي لا عمل للسان فيه، والراء حرف من حروف اللسان، وله فيه عمل، فمن نطق بالغين مكان الراء لم يكن للسان فيه عمل بل هو قارّ في فجوته، والحرف الحلقي منطوق به مع سكون اللسان واستقراره، فإذا رفعه بطرف القلم أو غيره مما يقوم مقامه في رفعه ولفظ بالحرف جعل له عملا في الحرف فبطل أن يكون حلقيا أي غينا، لأن حروف الحلق لا عمل للسان فيها، وإذا بطل أن يكون غينا كان راء وهو الحرف الذي تلفّط بالغين بدلا منه، فافهمه وداو به ما جرى هذا المجرى من الحروف، فلو كان واصل بن عطاء الغزال حاذقا حذق أبي علي ﵀ فداوى رأرأته ولثغته بهذا الدواء لأراحه من تكلفه إخراج الراء من كلامه حتى شاع عنه من إبدال بعض الكلم ما شاع. قال: وقد حكي أن الزجاج أبا إسحاق كان بهذه الصفة، أعني رأراء، وذلك فيما قرأته بخط ابن برهان النحوي. [٦٨٦] عبيد الله أبو بكر الخياط الأصبهاني: ذكره حمزة فقال: هو واحد زمانه في

стр. 1579

علم النحو ورواية الشعر، أتقن «كتاب سيبويه» صغيرا ثم «كتاب مسائل الأخفش» ثم «كتاب حدود الفراء» وهو في الأخبار والأيام وسائر الآداب متقدم على كل من تفرد بفن «١» منها وله كتابان في النحو: أحدهما بسيط والآخر لطيف، لم يصنّف مثلهما في الزمان. ولما مات أبو بكر الخياط رثته الشعراء، فمن ذلك قول أبي مسلم ابن جحا الكوفاني: سآتي باكيا شطّ الفرات ... لعيني أستمدّ مدى حياتي فأبكي ثم أبكي ثم أبكي ... على من قد توسّد جندلات على قمر الزمان وزين علم ... عبيد الله كنز الفائدات وله يرثيه «٢» : ودّعت بعد أبي بكر ودنياه ... ديوان شعر ونحوا ملك يمناه طوى الثرى معه كلّ العلوم فلا ... نشر يرجّى له من بعد مثواه من لي بمثل عبيد الله يوم ثوى ... رهن الحمام وهل في الناس شرواه ومن كتاب الوزراء لهلال «٣» بن المحسن: حدثني أبو السري الأصبهاني ابن أخت أبي بكر الخياط الأصبهاني قال: كان أبو بكر خالي يحفظ دواوين العرب ويقوم عليها قياما تاما، ويتصرف في كتاب سيبويه ومسائل الأخفش تصرفا قويا، فحدثني أن أبا الفضل ابن العميد كان يقرأ عليه «كتاب الطبائع» لأبي عثمان الجاحظ، فاتفق أن كان في بعض الأيام عنده وقد نزع نعله، فأخذه كلب زيني في الدار وأبعده عن موضعه، وأراد أبو بكر الطهارة فقام ولم يره، وطلبه فلم يجده، فتقدم أبو الفضل أن يقدّم إليه نعل نفسه، فاستسرف ذلك من فعله استسرافا بلغه، فقال: ألام على تعظيم رجل ما قرأت عليه شيئا من «الطبائع» إلّا عرف ديوان قائله وقرأ القصيدة من أولها

стр. 1580

حتى ينتهي إليه؟! ولقد كنت وغيري نتهم أبا عثمان الجاحظ فيما يستشهد به من غريب الشعر حتى دلّنا على مواضعه وأنشد القصيدة حتى انتزع منها من حفظه، أفما يستحقّ من هذه الصفة صفته هذه الكرامة اليسيرة في جنب هذه الفضيلة الكبيرة؟! وذكر ابن العميد يوما أبا بكر الخياط النحوي فقال: أفادني في نقد الشعر ما لم يكن عندي، وذاك أنه جاءني يوما باختيارات له، فكنت أرى المقطوعة بعد المقطوعة لا تدخل في مرتضى الشعر، فأعجب من إيراده لها واختياره إياها، فسألته عنها فقال: لم يقل في معناها غيرها فاخترتها لانفرادها في بابها. [٦٨٧] عبيد الله بن محمد بن علي بن شاهمردان أبو محمد: لا أعرف من حاله شيئا إلا أنني وجدت له كتابا في اللغة في مجلّد سمّاه «حدائق الآداب» . [٦٨٨] عبيد بن سرية ، ويقال ابن سارية، ويقال ابن شرية الجرهمي: ذكره ابن عساكر في «تاريخ دمشق» وقال: وفد على معاوية، وقيل إنه لم يفد عليه وإنه لقيه بالحيرة لما توجّه معاوية إلى العراق، ثم حدث باسناد رفعه إلى أبي حاتم السجستاني قال: وعاش عبيد بن سارية الجرهمي ثلاثمائة سنة، وقال بعضهم مائتين وعشرين سنة، إلا أننا نظن أنه عاشها في الجاهلية وأدرك الإسلام فأسلم، وقدم على معاوية بن أبي سفيان فبلغنا أن معاوية قال له: كم أتى عليك؟ قال: مائتان وعشرون سنة، قال: ومن أين علمت ذاك؟ قال: من كتاب الله، قال: ومن أي كتاب الله؟ قال من قول الله سبحانه
следующие страницы →