النحوي: ذكره الخطيب فقال: مات في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة في أيام المطيع، قال: وحدّث عن محمد بن الجهم السمري بكتاب «المعاني» للفراء وعن مسلم بن عيسى الصفار وأبي بكر ابن أبي الدنيا وابن قتيبة. روى عنه المعافى بن زكرياء الجريري وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري وغيرهما.
حدثنا عنه ابن رزقويه قال: وسألت أبا يعلى محمد بن الحسين السراج المقرىء عن الأزدي فقال ضعيف، وقال غير الخطيب: له كتاب الاختلاف. وكتاب النطق.
[٦٨٥] عبيد الله بن محمد بن جر والاسدي
أبو القاسم النحوي العروضي المعتزلي: ذكره ابن المقدر في المعتزلة من أهل الموصل، قدم بغداد وقرأ على شيوخها، فأخذ علم الأدب عن أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي وغيرهما، وكان ذكيا حاذقا جيد الخط صحيح الضبط صنف كتبا، ومات فيما ذكره هلال بن المحسن في يوم الثلاثاء لأربع بقين من رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وكان يقول الشعر، فوجدت له في بعض الكتب:
قطعت من السنين مدى طويلا ... ولم تعرف عدوّك من صديقك
فسرت على الغرور ولست تدري ... أماء أم سراب في طريقك
قرأت في كتاب «الموضح في العروض» من تصنيف ابن جرو هذا أخبارا أوردها عن نفسه فيه ومناظرات جرت له مع الشيوخ في العروض منها: قرأت على شيخنا أبي سعيد ﵀ كتاب «الوقف والابتداء» عن الفراء روايته عن أبي بكر ابن مجاهد عن ابن الجهم عنه فمضى فيه بيت أنشده الفراء:
بابي امرؤ ألشام بيني وبينه ... أتتني ببشرى برده ورسائله
стр. 1577
فقلت: هذا البيت لا يستقيم، فقال أبو سعيد: كذا أنشده ابن مجاهد عن الفراء، وهو كما قال، أنشدناه غيره من شيوخنا عن أبي بكر وعن ابن بكير عن ابن الجهم وعن ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى عن سلمة عن الفراء هكذا. فقال أبو سعيد: ما عندك فيه؟ فقلت: رأيت هذا البيت بخط أبي سهل النحوي في هذا الكتاب بأبوي امرؤ وقال: ردّ الأب إلى أصله لأنه في الأصل عند الكوفيين أبو على فعل مثل نحو وغزو، فقال لي أبو سعيد: لا ينبغي أن تلتفت إلى هذا لأنّ الرواة والناقلين أجمعوا على أنه مكتوب بأبي، وكذلك لفظوا به، ولكن إصلاحه أن يكون بأبي امرؤ فيكون بأبيم فعولن، وسكن كسرة الباء من أبي لأنه قدّره تقدير فخذ، وهذا لعمري تشبيه حسن لأنهم قد أجروا هذا في المنفصل مجرى المتصل فقالوا اشترلنا، جعل ترل بمنزلة فخذ، وأشدّ من هذا قراءة حمزة ومكر السّيّىء ولا، جعل سيوءا بمنزلة فخذ ثم اسكن كما يقال فخذ، والحركة في السيىء حركة إعراب، ففي هذا ضربان من التجوز جعله المنفصل بمنزلة المتصل وتشبيهه حركة الإعراب بحركة البناء.
وله من التصانيف كتاب الموضح في العروض جوّد في تصنيفه. وكتاب المفصح في القوافي. وكتاب الأمد في علوم القرآن، لا أدري هل تم أم لا، لأنه قال في كتاب الموضح في العروض «وقد شرعنا في كتاب الأمد في علوم القرآن» ثم وجدت في فوائد نقلت عن أبي القاسم المغربي أن كتابه في تفسير القرآن لم يتم وأنه ذكر في «بسم الله الرّحمن الرّحيم» مائة وعشرين وجها. قال: ومات قبل الأربعمائة.
ذكر الشيخ أبو محمد ابن الخشاب في بعض كتبه «١» في معرض كلام: وحكى بعض الأشياخ من أهل صناعة النحو أنّ عضد الدولة الديلمي التمس من أبي علي الفارسي إماما يصلّي به، واقترح عليه أن يكون جامعا إلى العلم بالقراءة العلم بالعربية، فقال: ما أعرف من قد اجتمعت فيه مطلوبات «٢» الملك إلا ابن جرو، لأحد
стр. 1578
أصحاب أبي علي، وهو أبو القاسم عبيد الله بن جرو الأسدي، فقال: ابعثه إلينا، فجاء به وصلّى بعضد الدولة، فلما كان الغد وافى أبو علي وسأل الملك عنه فقال: هو كما وصفت إلا أنه لا يقيم الراء، أي يجعلها غينا، كعادة البغداديين في الأغلب، فقال أبو علي لابن جرو ورآه كما قال عضد الدولة: لم لا تقيم الراء؟ فقال: هي عادة للساني لا أستطيع تغييرها، فقال له أبو علي: ضع ذبابة القلم تحت لسانك لترفعه به، وأكثر مع ذلك ترديد اللفظ بالراء، ففعل واستقام له إخراج الراء من مخرجها.
قال: هذا معنى الحكاية التي حكيت لي في هذا، فقلت للشيخ الحاكي لي ﵀، وأنا إذ ذاك حدث: ما أحسن ما تلطف أبو علي في طبّه هذا، فما الذي دلّه على هذه المعالجة؟ ومن أين استنبط هذه المداواة؟ وكيف احتال لهذا البرء؟
فقال: هذا الذي حكي لنا فما عندك فيه؟ فأجبت بما استحسنه الشيخ وحاضروه فقلت: لا شبهة بأنّ الغين حرف حلقي لا عمل للسان فيه، والراء حرف من حروف اللسان، وله فيه عمل، فمن نطق بالغين مكان الراء لم يكن للسان فيه عمل بل هو قارّ في فجوته، والحرف الحلقي منطوق به مع سكون اللسان واستقراره، فإذا رفعه بطرف القلم أو غيره مما يقوم مقامه في رفعه ولفظ بالحرف جعل له عملا في الحرف فبطل أن يكون حلقيا أي غينا، لأن حروف الحلق لا عمل للسان فيها، وإذا بطل أن يكون غينا كان راء وهو الحرف الذي تلفّط بالغين بدلا منه، فافهمه وداو به ما جرى هذا المجرى من الحروف، فلو كان واصل بن عطاء الغزال حاذقا حذق أبي علي ﵀ فداوى رأرأته ولثغته بهذا الدواء لأراحه من تكلفه إخراج الراء من كلامه حتى شاع عنه من إبدال بعض الكلم ما شاع.
قال: وقد حكي أن الزجاج أبا إسحاق كان بهذه الصفة، أعني رأراء، وذلك فيما قرأته بخط ابن برهان النحوي.
[٦٨٦] عبيد الله أبو بكر الخياط الأصبهاني:
ذكره حمزة فقال: هو واحد زمانه في
стр. 1579
علم النحو ورواية الشعر، أتقن «كتاب سيبويه» صغيرا ثم «كتاب مسائل الأخفش» ثم «كتاب حدود الفراء» وهو في الأخبار والأيام وسائر الآداب متقدم على كل من تفرد بفن «١» منها وله كتابان في النحو: أحدهما بسيط والآخر لطيف، لم يصنّف مثلهما في الزمان.
ولما مات أبو بكر الخياط رثته الشعراء، فمن ذلك قول أبي مسلم ابن جحا الكوفاني:
سآتي باكيا شطّ الفرات ... لعيني أستمدّ مدى حياتي
فأبكي ثم أبكي ثم أبكي ... على من قد توسّد جندلات
على قمر الزمان وزين علم ... عبيد الله كنز الفائدات
وله يرثيه «٢» :
ودّعت بعد أبي بكر ودنياه ... ديوان شعر ونحوا ملك يمناه
طوى الثرى معه كلّ العلوم فلا ... نشر يرجّى له من بعد مثواه
من لي بمثل عبيد الله يوم ثوى ... رهن الحمام وهل في الناس شرواه
ومن كتاب الوزراء لهلال «٣» بن المحسن: حدثني أبو السري الأصبهاني ابن أخت أبي بكر الخياط الأصبهاني قال: كان أبو بكر خالي يحفظ دواوين العرب ويقوم عليها قياما تاما، ويتصرف في كتاب سيبويه ومسائل الأخفش تصرفا قويا، فحدثني أن أبا الفضل ابن العميد كان يقرأ عليه «كتاب الطبائع» لأبي عثمان الجاحظ، فاتفق أن كان في بعض الأيام عنده وقد نزع نعله، فأخذه كلب زيني في الدار وأبعده عن موضعه، وأراد أبو بكر الطهارة فقام ولم يره، وطلبه فلم يجده، فتقدم أبو الفضل أن يقدّم إليه نعل نفسه، فاستسرف ذلك من فعله استسرافا بلغه، فقال: ألام على تعظيم رجل ما قرأت عليه شيئا من «الطبائع» إلّا عرف ديوان قائله وقرأ القصيدة من أولها
стр. 1580
حتى ينتهي إليه؟! ولقد كنت وغيري نتهم أبا عثمان الجاحظ فيما يستشهد به من غريب الشعر حتى دلّنا على مواضعه وأنشد القصيدة حتى انتزع منها من حفظه، أفما يستحقّ من هذه الصفة صفته هذه الكرامة اليسيرة في جنب هذه الفضيلة الكبيرة؟! وذكر ابن العميد يوما أبا بكر الخياط النحوي فقال: أفادني في نقد الشعر ما لم يكن عندي، وذاك أنه جاءني يوما باختيارات له، فكنت أرى المقطوعة بعد المقطوعة لا تدخل في مرتضى الشعر، فأعجب من إيراده لها واختياره إياها، فسألته عنها فقال:
لم يقل في معناها غيرها فاخترتها لانفرادها في بابها.
[٦٨٧] عبيد الله بن محمد بن علي بن شاهمردان
أبو محمد: لا أعرف من حاله شيئا إلا أنني وجدت له كتابا في اللغة في مجلّد سمّاه «حدائق الآداب» .
[٦٨٨] عبيد بن سرية
، ويقال ابن سارية، ويقال ابن شرية الجرهمي: ذكره ابن عساكر في «تاريخ دمشق» وقال: وفد على معاوية، وقيل إنه لم يفد عليه وإنه لقيه بالحيرة لما توجّه معاوية إلى العراق، ثم حدث باسناد رفعه إلى أبي حاتم السجستاني قال: وعاش عبيد بن سارية الجرهمي ثلاثمائة سنة، وقال بعضهم مائتين وعشرين سنة، إلا أننا نظن أنه عاشها في الجاهلية وأدرك الإسلام فأسلم، وقدم على معاوية بن أبي سفيان فبلغنا أن معاوية قال له: كم أتى عليك؟ قال: مائتان وعشرون سنة، قال: ومن أين علمت ذاك؟ قال: من كتاب الله، قال: ومن أي كتاب الله؟ قال من قول الله سبحانه
стр. 1581
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
(الإسراء: ١٢) الآية؛ فقال له معاوية: وما أدركت؟
قال: أدركت يوما في أثر يوم وليلة في أثر ليلة متشابها كتشابه الحذف يحدوان بقوم في ديار قوم يكدحون «١» ما يبيد عنهم، ولا يعتبرون بما مضى منهم، حيّهم يتلف، ومولودهم يخلف، في دهر يصرّف، أيامه تقلّب بأهلها كتقلبها دهرها، بينا أخوها في الرخاء إذ صار في البلاء، وبينا هو في الزيادة إذ أدركه النقصان، وبينا هو حرّ إذ أصبح قنّا لا يدوم على حال، من مسرور بمولود، ومحزون بمفقود، فلولا أن الحيّ يتلف لم يسعهم بلد، ولولا أن المولود يخلف لم يبق أحد. قال معاوية: أخبرني عن المال أيه أحسن في عينك؟ قال: أحسن المال في عيني وأنفعه غناء، وأقله عناء، وأجداه على العامة عين خرارة في أرض خوّارة، إذا استودعت أدّت، وإذا استحلبتها درّت وأفعمت، تعول ولا تعال. قال معاوية: ثم ماذا؟ قال: فرس في بطنها فرس تتبعها فرس قد ارتبطت منها فرسا. قال معاوية: فأيّ النعم أحبّ إليك؟ قال: النعم لغيرك يا أمير المؤمنين، قال: لمن؟ قال: لمن فلاها بيده وباشرها بنفسه. قال معاوية:
حدثني عن الذهب والفضة، قال: حجران إن أخرجتهما نفدا وإن خزنتهما لم يزيدا.
قال معاوية: فأخبرني عن قيامك وقعودك، وأكلك وشربك، ونومك وشهوتك للباءة، قال: أما قيامي فان قمت فإن السماء تبعد، وان قعدت فالأرض تقرب، وأما أكلي وشربي فان جعت كلبت، وإن شبعت بهرت، وأما نومي فإن حضرت مجلسا حالفني، وان خلوت أطلبه فارقني، وأما الباءة فإن بذل لي عجزت، وإن منعته غضبت. قال معاوية: فأخبرني عن أعجب شيء رأيته، قال: إني نزلت بحيّ من قضاعة فخرجوا بجنازة رجل من عذرة يقال له حريث بن جبلة، فخرجت معهم، حتى إذا واروه انتبذت جانبا عن القوم وعيناي تدمعان «٢» ثم تمثلت بأبيات شعر كنت رويتها «٣» قبل ذلك:
يا قلب إنك في أسماء مغرور ... اذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
стр. 1582
قد بحت بالحبّ ما تخفيه من أحد ... حتى جرت بك أطلاقا محاضير «١»
تبغي أمورا فما تدري أعاجلها ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرا وارضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
حتى كأن لم يكن إلا تذكّره ... والدهر أيتما حال دهارير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيّ مسرور
وذاك آخر عهد من أخيك إذا ... ما المرء ضمنه اللحد الخناسير
(الواحد خنسير والجمع الخناسير ويقال الخناسرة وهم الذين يتبعون الجنازة) «٢» فقال رجل إلى جانبي يسمع ما أقول: يا عبد الله من قائل هذه الأبيات؟
قلت: والذي أحلف به ما أدري إلا أني «٣» قد رويتها منذ زمان، قال: قائلها الذي دفنّاه آنفا، وأنا هذا ذو قرابته أسرّ الناس بموته، وانك للغريب الذي وصف تبكي عليه، قال: فعجبت لما ذكر في شعره والذي صار إليه من قوله، كأنه كان ينظر إلى موضع قبره، فقلت: إن البلاء موكل بالمنطق.
قال المؤلف: وذكره محمد بن إسحاق النديم في «كتاب الفهرست» فقال:
عبيد بن شرية الجرهمي أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئا، ووفد على معاوية بن أبي سفيان فسأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة وأمر افتراق الناس في البلاد، وكان استحضره من صنعاء اليمن، فأجابه بما أمر به معاوية أن يدوّن وينسب إلى عبيد بن شرية، ثم عاش عبيد إلى أيام عبد الملك بن مروان. وله من الكتب: كتاب الأمثال. كتاب الملوك وأخبار الماضين.
وقال غير النديم: كان عبيد بن شرية يروي عن الكيس النمري وابنه زيد بن الكيس وعن الكسير الجرهمي وعبد ودّ الجرهمي.
стр. 1583
[٦٨٩] عبيد بن مسعدة
يعرف بابن أبي الجليد، قال المرزباني: أبو الجليد الفزاري المنظوري المدني اسمه مسعدة، وابنه ابن أبي الجليد نحويّ أهل البصرة «١» اسمه عبيد بن مسعدة، وكان أبو الجليد أعرابيا بدويا علامة، وكان الضحاك بن عثمان يروي عنه؛ وأبو الجليد هو القائل ورأى جارية سوداء غليظة الجسم:
إن لا يصبني أجلي فأخترم ... أشتر من مالي صناعا كالصّتم «٢»
عريضة المعطس خشناء القدم ... تكون أمّ ولد وتختدم
إذا ابنها جاء بشرّ لم يلم ... يقتّل الناس ولا يوفي الذمم.
[٦٩٠] عتاب بن ورقاء الشيباني:
نقلت من خط أبي سعد السمعاني: أنبأنا إبراهيم بن نبهان الغنوي، حدثنا أبو عبد الله الحميدي عن أبي العباس أحمد بن عمر العذري بالمغرب عن أبي البركات محمد بن عبد الواحد الزبيري بالأندلس عن أبي سعيد السيرافي عن أبي إسحاق الزجاج عن المبرد قال: لما وصل المأمون إلى بغداد وقرّ بها قال ليحيى بن أكثم: وددت لو أني وجدت رجلا مثل الأصمعيّ ممن عرف أخبار العرب وأيامها وأشعارها فيصحبني كما صحب الأصمعيّ الرشيد. فقال له يحيى: ها
стр. 1584
هنا شيخ يعرف هذه الأخبار يقال له عتاب بن ورقاء من بني شيبان، قال: فابعث لنا فيه. فحضر فقال له يحيى: إن أمير المؤمنين يرغب في حضورك مجلسه ومحادثته، فقال: أنا شيخ كبير ولا طاقة لي لأنه ذهب مني الأطيبان، فقال له المأمون: لا بد من ذلك، فقال الشيخ، فاسمع ما حضرني، فقال اقتضابا:
أبعد ستين أصبو ... والشيب للمرء حرب
شيب وسنّ وإثم ... أمر لعمرك صعب
يا ابن الإمام فهلّا ... أيام عودي رطب
وإذ مشيبي قليل ... ومنهل العيش عذب
فالآن لما رأى بي ... عواذلي ما أحبوا
آليت أشرب راحا ... ما حجّ لله ركب
فقال المأمون: ينبغي أن تكتب بالذهب، وأعفى الشيخ وأمر له بجائزة.
[٦٩١] عثمان بن جني أبو الفتح النحوي:
وكان جني أبوه مملوكا روميا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي: من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، وصنّف في ذلك كتبا أبرّ بها على المتقدمين وأعجز المتأخرين، ولم يكن في شيء من علومه أكمل منه في التصريف، ولم يتكلم أحد في التصريف أدقّ كلاما منه، ومات لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، في خلافة القادر، ومولده قبل الثلاثين وثلاثمائة؛ وهو القائل:
стр. 1585
فإن أصبح بلا نسب ... فعلمي في الورى نسبي
على أني أؤول إلى ... قروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقوا ... أرمّ الدهر في الخطب
ألاك دعا النبيّ لهم ... كفى شرفا دعاء نبي
وحدث غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسن قال: حدثني أبي قال: كان من كتّاب الانشاء في أيام عضد الدولة وبعدها في أيام صمصام الدولة ابنه كاتب يعرف بأبي الحسين القمي، قال: وشاهدته في ديوان الإنشاء يكتب بين يدي جدي أبي إسحاق لما ولاه صمصام الدولة، فاتفق أن حضر يوما عند جدي أبي إسحاق أبو الفتح عثمان بن جني النحوي في الديوان، وجلس يتحدث مع جدي تارة ومعي- إذا اشتغل جدي- أخرى، وكانت له عادة في حديثه بأن يميل بشفته ويشير بيده، فبقي أبو الحسين القميّ شاخصا ببصره يتعجّب منه، فقال له ابن جني: ما بك يا أبا الحسين تحدّق إليّ النظر «١» وتكثر مني التعجب؟ قال: شيء طريف، قال: ما هو؟
قال شبهت مولاي الشيخ وهو يتحدث ويقول ببوزه كذا وبيده كذا بقرد رأيته اليوم عند صعودي إلى دار المملكة وهو على شاطىء دجلة يفعل مثل ما يفعل مولاي الشيخ، فامتعض أبو الفتح وقال: ما هذا القول يا أبا الحسين أعزّك الله؟ ومتى رأيتني أمزح فتمزح معي أو أمجن فتمجن بي؟! فلما رآه أبو الحسين قد حرد واشتاط «٢» وغضب قال: المعذرة أيها الشيخ إليك وإلى الله تعالى عن أن أشبهك بالقرد وإنما شبهت القرد بك، فضحك أبو الفتح وقال: ما أحسن ما اعتذرت!! وعلم أبو الفتح أنها نادرة تشيع فكان يتحدث بها هو دائما.
قال: واجتاز أبو الفتح يوما وأبو الحسين في الديوان وبين يديه كانون فيه نار، والبرد شديد، فقال له أبو الحسين: تعال أيها الشيخ إلى النير فقال: أعوذ بالله، والنير هو صماد البقر.
وذكره أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي في «دمية القصر» فقال: ليس
стр. 1586
لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات وشرح المشكلات ما له، ولا سيما في علم الاعراب، فقد وقع منها على «١» ثمرة الغراب «٢» . ومن تأمّل مصنفاته، وقف على بعض صفاته، فو ربّي إنه كشف الغطاء عن شعره، وما كنت أعلم أنه ينظم القريض، أو يسيغ ذلك الجريض، حتى قرأت له مرثية في المتنبي أولها:
غاض القريض وأودت نضرة الأدب ... وصوّحت بعد ريّ دوحة الكتب
[منها] :
سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه ... لمّا تخطّفت بالخطيّة السّلب
ما زلت تصحب في الجلى إذا انشعبت ... قلبا جميعا وعزما غير منشعب
وقد حلبت لعمري الدهر أشطره ... تمطو بهمة لا وان ولا نصب
من للهواجل يحيي ميت أرسمها ... بكلّ جائلة التصدير والحقب
قبّاء خوصاء محمود علالتها ... تنبو عريكتها بالجلس والقتب
أم من لبيض الظبا توكافهنّ دم ... أم من لسمر القنا والزّعف واليلب
أم للجحافل يذكي جمر جاحمها ... حتى يقرّبها من جاحم اللهب
أم للمحافل إذ تبدو لتعمرها ... بالنظم والنثر والأمثال والخطب
أم للصواهل محمرّا سرابلها ... من بعد ما غبرت «٣» معروفة الشهب
أم للمناهل والظلماء عاكفة ... تواصل الكرّ بين الورد والقرب
أم للقساطل تعتمّ الحزون «٤» بها ... أم من لضغم الهزبر الضيغم الحرب
أم للملوك تحلّيها وتلبسها ... حتى تمايس في أبرادها القشب
стр. 1587
نابت وسادي أطراب تؤرّقني ... لما غدوت لقى «١» في قبضة النوب
عمرت خدن المساعي غير مضطهد ... كالنصل لم يدّنس يوما «٢» ولم يعب
فاذهب عليك سلام المجد ما قلقت ... خوص الركائب بالأكوار والشعب
وحدث أبو الحسن الطرائفي قال: كان أبو الفتح عثمان بن جني يحضر بحلب عند المتنبي كثيرا ويناظره في شيء من النحو من غير أن قرأ عليه شيئا من شعره أنفة وإكبارا لنفسه، وكان المتنبي يقول في أبي الفتح: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس.
وسئل المتنبىء بشيراز عن قوله:
وكان ابنا عدوّ كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان
فقال: لو كان صديقنا أبو الفتح حاضرا لفسّره.
وحدث أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري في «كتاب النورين» : وقال بعض أهل العصر وهو أبو الفتح عثمان بن جني النحوي «٣» :
غزال غير وحشيّ ... حكى الوحشيّ مقلته
رآه الورد يجني الور ... د فاستكساه حلّته
وشمّ بأنفه الريحا ... ن فاستهداه زهرته
وذاقت ريحه «٤» الصهبا ... ءفاختلسته نكهته
وكان أبو الفتح ابن جني ممتّعا باحدى عينيه، فلذلك يقول في صديق له «٥» :
صدودك عنّي ولا ذنب لي ... دليل على نية فاسده
فقد وحياتك مما بكيت ... خشيت على عيني الواحده
ولولا مخافة أن لا أراك ... لما كان في تركها فائده
стр. 1588
وحدثت «١» أنه صحب أبا علي الفارسي أربعين سنة، وكان السبب في صحبته له أن أبا علي اجتاز بالموصل، فمرّ بالجامع وأبو الفتح في حلقة يقرىء النحو وهو شابّ، فسأله أبو علي عن مسألة في التصريف فقصّر فيها، فقال له أبو علي: زبّبت قبل أن تحصرم، فسأل عنه فقيل له: هذا أبو علي الفارسي، فلزمه من يومئذ واعتنى بالتصريف، فما أحد أعلم منه به، ولا أقوم بأصوله وفروعه، ولا أحسن أحد إحسانه في تصنيفه. فلما مات أبو علي تصدر أبو الفتح في مجلسه ببغداد فأخذ عنه الثمانيني وعبد السلام البصري وأبو الحسن السمسمي.
وكان لابن جني من الولد عليّ وعال وعلاء، وكلهم أدباء فضلاء قد خرّجهم والدهم وحسّن خطوطهم، فهم معدودون في الصحيحي الضبط وحسن الخط.
ومن «كتاب سرّ السرور» لأبي الفتح ابن جني:
رأيت محاسن ضحك الربيع ... أطال عليها بكاء السحاب
وقد ضحك الشيب في لمتي ... فلم لا أبكّي ربيع الشباب
أأشرب في الكأس كلا وحاشا ... لأبصره في صفاء الشراب
وأنشد له:
تجبّب أو تدرّع أو تقبّا ... فلا والله لا أزداد حبّا «٢»
أخذت ببعض حبك كلّ قلبي ... فان رمت المزيد فهات قلبا
قرأت بخط أبي علي ابن إبراهيم الصابىء: ولأبي نصر بشر بن هارون في ابن جني النحوي، وقد جرى بينه وبينه في معنى شيطان يقال إنه يظهر بالراية اسمه العدار، وإذا لقي إنسانا وطئه، فقال له ابن جني: بودك لو لقيك فإنه إن كان لأمنيتك، فقال أبو نصر:
زعمت أن العدار خدني ... وليس خدنا لي العدار
عفر من الجنّ أنت أولى ... به وفيهم لك افتخار
стр. 1589
فالجنّ جنّ ونحن إنس ... شتان هذان يا حمار
ونحن من طينة خلقنا ... ما خلق الجن منه نار
العرّ والعار فيك تمّا ... والعور التام والعوار
ونقل من خط أبي الفتح ابن جني خطبة نكاح من إنشائه: الحمد لله فاطر السماء والأرض، ومالك الإبرام والنقض، ذي العزة والعلاء، والعظمة والكبرياء، مبتدع الخلق على غير مثال، والمشهود بحقيقته في كل حال، الذي ملأت حكمته القلوب نورا، فاستودع علم الأشياء كتابا مسطورا، وأشرق في غياهب الشبه خصائص نعوته، واغترقت «١» أرجاء الفكر بسطة ملكوته؛ أحمده حمد معترف بجزيل نعمه، وأخاطبه ملتبسا بسنيّ قسمه، وأعاطيه وأومن به في السرّ والعلن، واستدفع بقدرته ملمات الزمن، وأستعينه على نوازل الأمور، وادّارأه في نحر كلّ محذور، وأشهد شهادة تخضع لعلوها السموات وما أظلّت، وتعجز عن حملها الأرضون وما أقلّت، إنه مالك يوم البعث والمعاد، والقائم على كلّ نفس بالمرصاد، وأن لا معبود سواه، ولا إله إلّاه «٢» ، وأنّ محمدا ﷺ ، وبجّل وكرّم، عبده المنتخب، وحجته على العجم والعرب، ابتعثه بالحقّ إلى أوليائه ضياء لامعا، وعلى المرّاق من أعدائه شهابا ساطعا، فابتذل في ذات الله نفسه وجهدها «٣» ، وانتحى مناهج الرشد وقصدها، مستسهلا ما يراه الأنام صعبا، ومستخصبا ما يرعونه بينهم جدبا. يغافس «٤» أهل الكفر والنفاق، ويمارس البغاة وأولي الشقاق، بقلب غير مذهول، وعزم غير مفلول، يستنجز الله صادق وعده، ويسعى في خلود الحقّ من بعده، إلى أن وطد بواني الدين وأرساها، وشاد شرف الاسلام وأسماها، فصرّم مدته التي أوتيها في طاعة الله موفّقا حميدا، ثم انكفأ إلى خالقه مطمئنا به فقيدا، صلى الله عليه ما ومض في الظلام برق، أو نبض «٥» في الأنام عرق، وعلى الخيرة المصطفين من آله، والمقتدين بشرف فعاله.
стр. 1590
وإن مما أفرط الله تعالى به سابق حكمه، وأجرى بكونه قلم علمه، ليضمّ بوقوعه متباين الشمل، ويزمّ به شارد الفرع إلى الأصل، أن فلان بن فلان، وهو كما يعلم من حضر، من ذوي الستر وصدق المختبر، مسجوح الخليقة، مأمون الطريقة، متمسك «١» بعصام الدين، آخذ بسنّة المسلمين، خطب للأمر المحموم، والقدر المحتوم، من فلان بن فلان الظاهر العدالة والعفاف، أهل البرّ وحسن الكفالة والكفاف، عقيلته فلانة بنت فلان خيرة نسائها، وصفوة آبائها، في زكاء منصبها، وطيب مركّبها، وقد بذل لها من الصداق كذا وكذا فليشهد على ذلك أهل مجلسنا، وكفى بالله شهيدا (ثم تقريرهما) ثم يقال: لاءم الله على التقوى كلمتيكما، وأدم «٢» بالحسنى بينكما، وخار لكما فيما قضى، ولا ابتزّكما صالح ما كسا. وهو حسبنا وكفى.
قرأت بخط الشيخ أبي منصور موهوب بن الخضر الجواليقي ﵀، أنشدنا الشيخ الامام أبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي قال: أنشدنا عال بن عثمان بن جني، قال أنشدنا أبي لنفسه:
وحلو شمائل الأدب ... منيف مراتب الحسب
أخي فخر مفاخره ... عقائل عقلة الإرب
له كلف بما كلفت ... به العلماء م العرب
يبيت يفاتش الأنقا ... ب عن أسرارها الغيب
فمن جدد الى جلد ... الى صعد إلى صبب
ويسرب في مغابنها «٣» ... بضيض رواشح الثّغب
ويفرع فكره الأبكا ... ر منها من حمى الحجب
فيبرزها «٤» كأنّ بها ... وإن خفيت سنا لهب
يغازل من تأمّلها ... غزال الخرّد العرب
стр. 1591
يجدّ بها وتحسبه ... للطف الفكر في لعب
سباطة مذهب سكبت «١» ... عليه ماءة الذهب
ورقّة مأخذ شهدت ... بغلظة كلّ منتجب
وطردا «٢» للفروع على ... أصول وطّد رتب
إذا ما انحطّ غائرها ... سما فرعا على الرتب
قياسا مثل ما وقدت ... بليل برزة الشهب
وألفاظا مهدّبة ... الحواشي ثرّة السحب
فطورا من ذرى علم ... وطورا من ذرى طنب
إذا حازت لنا سلبا ... فعدّ عن القنا السّلب
تركت مساجلي أدبي ... طوال الدهر في تعب
إذا أجروا إلى أمد ... فقل في هافة لغب
وإن راموا مبادهتي ... سبقت وأوطأوا عقبي
وكيف يروم منزلتي ... نزيل أخابث «٣» الترب
وهل يسمو لفارعتي ... خفيض الخدّ ذو حدب
وهل ينتاط بي سببا ... ضعيف معاقد السبب
أغرة وجه سابقها ... تقاس بشعلة الذنب
شكرت الله نعمته ... وما أولاه من أرب
زكت عندي صنائعه ... فوفقني وأحسن بي
تخوّلني وخوّلني ... ونوّلني ونوّه بي
وأخّر من يقادمني ... وأعلاني وأرغم بي
فيا بأبي منائحه ... وقلّ لهن يا بأبي
стр. 1592
ضفون عليّ عطف علا ... برفل جدّ منسحب
فإن أصبح بلا نسب ... فعلمي في الورى نسبي
على أني أؤول إلى ... قروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقوا ... أرمّ الدهر ذو الخطب
أولاك دعا النبيّ لهم ... كفى شرفا دعاء نبي
وإما فاتني نشب ... كفاني ذاك من نشب
وإن اركب مطا سفر ... مجدّ الورد والقرب
كأني «١» مخلد خلفا ... يضاوي الشمس من كثب
إذا لم يبق لي عقب ... أقامت خير ما عقب
موشحة مرشحة ... لنيل الغاي «٢» من كثب
يصمّ صدى الحسود لها ... ويخرق أطرق الركب
إذا اهتزت كتائبها ... هفت خفاقة العذب
أزول وذكرها باق ... على الأيام والحقب
تناقلها الرواة لها ... على الأجفان من حدب
فيرتع «٣» في أزاهرها ... ملوك العجم والعرب
فمن مغن الى مدن ... الى مثن الى طرب
كفاها أن يقول لها ... بهاء الدولة اقتربي
إلى الله المصير غدا ... وعند الله مطلبي
له ظهري ومعتملي ... ومتّجهي ومنقلبي
فقل للغامطي نعمي ... وما راعيت من قربي
стр. 1593
وتثميري وتنشئتي ... ومحتالي ومضطربي
ونهضي عنك أطعن في ... نحور أوابد النوب
ورفعي من رذائلك اللواتي بعضها سببي ... ولولا أنت كان أديم مأثرتي بلا ندب
ألمّا أن أشرت وان ... نزت بك بطنة الكلب
وأكرمك الأكابر لي ... وخالطت الأماثل بي
ورفّعت الذلاذل عن ... معاطف تائه حرب
وأنسيت الأوائل بال ... أواخر نزقة العجب
وقلت أنا وأين أنا ... ومن مثلي وحسبك بي
وقال لي الوزير: هنا ... وأدناني ورحّب بي
وقدّمني ولقّمني ... ووسّطني وصدّر «١» بي
أسأت جوار عارفتي ... فثق بطوارق العقب
وحسبي أن ألم ببك ... ر مثلك جارحا حسبي
ولكن الدواء على ... كراهته شفا الوصب
حدث أبو الحسن الطرائفي ببغداد قال: كان أبو الفتح عثمان بن جني في حلب يحضر عند المتنبي الكثير ويناظره في شيء من النحو من غير أن قرأ عليه ديوان شعره إكبارا لنفسه عن ذلك، وكان المتنبي يعجب بأبي الفتح وذكائه وحذقه ويقول: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس؛ وسئل أبو الطيب بشيراز عن قوله:
وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان
فقال: لو كان صديقنا أبو الفتح ابن جني حاضرا فسّره. قلت: وتفسيره أن لفظة إنسان خمسة أحرف إذا كانت مكبرة، فإذا صغر قيل أنيسيان، فزاد عدد حروفه وصغر معناه، فيقول للممدوح ان عدوك الذي له ابنان فيكاثرك بهما كانا زائدين في
стр. 1594
عدده ناقصين من فضله وفخره لأنهما ساقطان خسيسان كياءي أنيسيان تزيدان في عدد الحروف وتنقصان من معناه.
قرأت بخط الشيخ ابي منصور ابن الجواليقي قال لنا أبو زكرياء «١» : رأيت بخط ابن جني، أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد القرميسيني عن أبي بكر محمد بن هارون الروياني عن أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني قال: قرأ عليّ أعرابي «طيبى لهم وحسن مآب» فقلت: «طوبى» ، فقال: «طيبى» فقلت ثانيا: «طوبى» ، فقال:
«طيبى» فلما طال عليّ قلت «طوطو» ، فقال: الأعرابي: «طي طي» ، أما ترى إلى هذه النحيزة ما أبقاها وأشد محافظة هذا البدوي عليها حتى إذا استكره على تركها فأبى إلا إخلادا إليها، ونحو ذلك قال عمار «٢» الكلبي وقد أنشد بعض أهل الأدب بيتا قاله، وهو:
بانت نعيمة والدنيا مفرقة ... وحال من دونها غيران مزعوج
فقيل له: لا يقال مزعوج، إنما يقال مزعج، فجفا ذلك عليه وقال يهجو النحويين:
ماذا لقينا من المستعربين ومن ... قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا
إن قلت قافية بكرا يكون بها ... بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا
قالوا لحنت وهذا ليس منتصبا ... وذاك خفض وهذا ليس يرتفع
وحرّضوا بين عبد الله من حمق ... وبين زيد فطال الضرب والوجع
كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قوم على إعرابهم طبعوا
ما كلّ قولي مشروحا لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
لان أرضي أرض لا تشبّ بها ... نار المجوس ولا تبنى بها البيع
قال ابن جني «٣» : وعلى نحو ذلك فحضرني قديما بالموصل أعرابي عقيلي جوثيّ تميمي يقال له محمد بن العساف الشجري، وقلّما رأيت بدويا أفصح منه،
стр. 1595
فقلت له يوما، شغفا بفصاحته والتذاذا بمطاولته وجريا على العادة معه في إيقاظ طبعه واقتداح زند فطنته: كيف تقول: «أكرم أخوك أباك» . فقال كذاك، فقلت له:
أفتقول «أكرم أخوك أبوك» فقال: لا أقول «أبوك» أبدا؛ قلت فكيف تقول:
«أكرمني أبوك» فقال: كذاك، قلت ألست تزعم أنك لا تقول «أبوك» أبدا؟ فقال:
أيش هذا، اختلفت جهتا الكلام. فهل قوله «اختلفت جهتا الكلام» إلا كقولنا نحن «هو الآن فاعل وكان في الأول مفعولا» فانظر إلى قيام معاني هذا الأمر في أنفسهم وإن لم تطع به عبارتهم.
أخبرني أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس قال «١» : سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقرأ «ولا الليل سابق النهار» فقلت له: ما أردت؟ قال:
أردت «سابق النهار» . فقلت له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن، أي أقوى وأفصح. ففي هذه الحكاية من فقه العربية ثلاثة أشياء: أحدها أنهم قد يراعون من معانيهم ما ننسبه إليهم ونحمله عليهم، والثاني أنهم قد ينطقون بالشيء وفي أنفسهم غيره، ألا ترى أنه لما نصّ أبو العباس عليه واستوضح ما عنده قال: «أردت كذا» وهو خلاف ما لفظ به، والثالث أنهم قد ينطقون بالشيء غيره أقوى منه استلانة وتخفيفا، ألا تراه كيف قال: لو قلته لكان أوزن، أي أقوى وأعرب.
قال ابن جني: وسألت الشجريّ صاحبنا هذا الذي قد مضى ذكره، قلت له:
كيف يا أبا عبد الله تقول: «اليوم كان زيد قائما» فقال: كذلك، فقلت: فكيف تقول «اليوم انّ زيدا قائم» فأباها البتة، وذلك أن ما بعد «إن» لا يعمل فيما قبلها لأنها إنما تأتي أبدا مستقبلة قاطعة لما قبلها عما بعدها وما بعدها عما قبلها.
قلت له يوما ولابن عم له يقال غصن، وكان أصغر منه سنّا وألين لسانا «٢» : كيف تحقّران «حمراء» ؟ فقالا: «حميراء» ، قلت: «فصفراء» ؟ قالا: «صفيراء» قلت: «فسوداء» ؟ قالا «سويداء» ، واستمررت بهما في نحو هذا فلما استويا عليه دسست بين ذلك «علباء» فقلت «فعلباء» ؟ فأسرع ابن عمه على طريقته فقال
стр. 1596
«عليباء» ، وكاد الشجريّ يقولها معه، فلما همّ بفتح الباء استرجع مستنكرا فقال: اه «عليبي» وأشمّ الضمة دائما للحركة في الوقف وتلك عادة له.
قال ابن جني: فسألته يوما يا أبا عبد الله كيف تجمع محرنجما؟ وكان غرضي من ذلك أن أعلم ما يقوله أيكسر فيقول حراجم أم يصحّح فيقول محرنجمات، فذهب هو مذهبا غير ذين فقال: وايش فرّقه حتى أجمعه، وصدق، وذلك أنّ المحرنجم هو المجتمع، يقولها مارا على شكيمته غير محسّ لما أريده منه، والجماعة معي على غاية الاستغراب لفصاحته، قلت له: فدع هذا، إذا أنت مررت بابل محرنجمة، وأخرى محرنجمة، وأخرى محرنجمة، تقول مررت بابل ماذا؟ فقال، وقد أحس الموضع: يا هذا هكذا أقول: مررت بابل محرنجمات، وأقام على الصحيح البتة استيحاشا من تكسير ذوات الأربعة لمصاقبتها ذوات الخمسة التي لا سبيل إلى تكسيرها لا سيما إذا كان فيها زيادة، والزيادة قد تعتدّ في كثير من المواضع اعتداد الأصول، حتى إنها لتلزم لزومها نحو كوكب وحوشب وضيون وهزنبران ودودرى وقرنفل، وهذا موضع يحتاج إلى إصغاء إليه وإرعاء عليه، والوقت لتلاحمه وتقارب أجزائه مانع منه، ويعين الله فيما يليه على المعتقد المنوي فيه بقدرته.
وسألته يوما كيف تجمع سرحانا؟ فقال سراحين، قلت: فدكانا، قال دكاكين، قلت: فقرطانا، قال: قراطين، قلت: فعثمان، قال: عثمانون، قلت: هلا قلت عثامين كما قلت سراحين وقراطين؟ فأباها البتة وقال: أيش ذا، أرأيت انسانا يتكلم بما ليس من لغته، والله لا أقولها أبدا، استوحش من تكسير العلم إكبارا له لا سيما وفيه الألف والنون اللتان بابهما فعلان الذي لا يجوز فيه فعالين نحو سكران وغضبان.
فهرست كتب ابن جنيّ:
كتب ابن جني إجازة بما صورته. بسم الله الرّحمن الرّحيم: قد أجزت للشيخ أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن نصر- أدام الله عزه- أن يروي عني مصنفاتي وكتبي مما صححه وضبطه عليه أبو أحمد عبد السلام بن الحسين البصري- أيد الله عزه:
عنده منها كتابي الموسوم بالخصائص «١» وحجمه ألف ورقة. وكتابي التمام في تفسير
стр. 1597
أشعار هذيل «١» مما أغفله أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري ﵀ وحجمه خمسمائة ورقة بل يزيد على ذلك. وكتابي في سرّ الصناعة «٢» وهو ستمائة ورقة.
وكتابي في تفسير تصريف أبي عثمان بكر بن محمد بن بقية المازني «٣» وحجمه خمسمائة ورقة. وكتابي في شرح مستغلق أبيات الحماسة واشتقاق أسماء شعرائها «٤» ومقداره خمسمائة ورقة. وكتابي في شرح المقصور والممدود عن يعقوب بن إسحاق السكيت وحجمه أربعمائة ورقة. وكتابي في تعاقب العربية وأطرف به وحجمه مائتا ورقة. وكتابي في تفسير ديوان المتنبي الكبير «٥» وهو ألف ورقة ونيف. وكتابي في تفسير معاني هذا الديوان وحجمه مائة ورقة وخمسون ورقة. وكتابي اللمع في العربية وان كان لطيفا «٦» . وكذلك كتابي مختصر التصريف على إجماعه. وكتابي مختصر العروض والقوافي «٧» . وكتاب الألفاظ المهموزة «٨» . وكتابي في اسم المفعول المعتل العين من الثلاثي على إعرابه في معناه وهو المقتضب. وما بدأت بعمله من كتاب تفسير المذكر والمؤنث ليعقبوب أيضا أعان الله على إتمامه. وكتاب ما خرّج عني من تأييد التذكرة عن الشيخ أبي علي أدام الله عزه. وكتابي في المحاسن في العربية وإن كان ما جرى أزال يدي عنه حتى شذ عنها ومقداره ستمائة ورقة. وكتابي النوادر الممتعة في العربية وحجمه ألف ورقة، وقد شذّ أيضا أصله عني فإن وقعا كلاهما أو شيء منهما فهو لا حق بما أجزت روايته هنا. وكتاب ما أحضرنيه الخاطر من المسائل المنثورة مما أمللته أو حصل في آخر تعاليقي عن نفسي وغير ذلك مما هذه حاله وصورته. فليرو-
стр. 1598
أدام الله عزه- ذلك عني أجمع إذا صحّ عنده وأنس بتثقيفه وتسديده، وما صح عنده أيده الله من جميع رواياتي مما سمعته من شيوخي ﵏ وقرأته عليهم بالعراق والموصل والشام وغير هذه البلاد التي أتيتها وأقمت بها مباركا له فيه منفوعا به بإذن الله؛ وكتب عثمان بن جني بيده حامدا لله سبحانه في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
والحمد لله حق حمده عودا على بدء.
ومن كتبه ما لم تتضمنه هذه الاجازة: كتاب المحتسب في شرح الشواذ «١» .
وكتاب تفسير أرجوزة أبي نواس «٢» . وكتاب تفسير العلويات وهي أربع قصائد للشريف الرضي كل واحدة في مجلد وهي: قصيدة رثى بها أبا طاهر إبراهيم بن ناصر الدولة أوّلها «٣» :
ألقي الرماح ربيعة بن نزار ... أودى الردى بقريعك المغوار
ومنها قصيدته التي رثى بها الصاحب بن عباد وأولها «٤» :
أكذا المنون تقنطر «٥» الأبطالا ... أكذا الزمان يضعضع الأجبالا
وقصيدته التي رثى بها الصابىء وأولها «٦» :
أعلمت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا زناد النادي
وكتاب البشرى والظفر صنعه «٧» لعضد الدولة ومقداره خمسون ورقة في تفسير بيت واحد من شعر عضد الدولة:
أهلا وسهلا بذي البشرى ونوبتها ... وباشتمال سرايانا على الظفر
стр. 1599
وكتاب رسالة في مدد الأصوات ومقادير المدات كتبها إلى أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري مقدارها ست عشرة ورقة بخط ولده عالي. كتاب المذكر والمؤنث. كتاب المنتصف. كتاب مقدمات أبواب التصريف. وكتاب النقض على ابن وكيع في شعر المتنبي وتخطئته. كتاب المغرب في شرح القوافي. كتاب الفصل بين الكلام الخاصّ والكلام العامّ. كتاب الوقف والابتداء. كتاب الفرق. كتاب المعاني المجرّدة. كتاب الفائق. كتاب الخطيب. كتاب مختار الأراجيز. وكتاب ذي القد في النحو. وكتاب شرح الفصيح. وكتاب شرح الكافي في القوافي «١» .
وجد على ظهر نسخة ذكر ناسخها أنه وجد بخط أبي الفتح عثمان بن جني، ﵀، على ظهر نسخة «كتاب المحتسب في علل شواذّ القراءات» : أخبرني بعض من يعتادني للقراءة عليّ والأخذ قال: رأيتك في منامي جالسا في مجلس لك على حال كذا وبصورة كذا، وذكر من الجلسة والشارة جملا «٢» وإذا رجل له رواء ومنظر وظاهر نبل وقدر قد أتاك، فحين رأيته أعظمت مورده وأسرعت القيام له، فجلس في صدر مجلسك وقال لك: اجلس، فجلست، فقال كذا (شيئا ذكره) ثم قال لك: أتمم كتاب الشواذ الذي عملته فإنه كتاب يصل إلينا، ثم نهض، فلما ولّى سألت بعض من كان معه عنه فقال: علي بن أبي طالب ﵇، ذكر هذا الرائي لهذه الرؤيا لي، وقد بقيت من نواحي هذا الكتاب أميكنات تحتاج إلى معاودة نظر وأنا على الفراغ منها. وبعده ملحق في الحاشية بخطه أيضا: ثم عاودتها فصحّت بلطف الله ومشيئته. تمت الحكاية.
وقرأت بخط الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحيم السلمي، أنشدني الرئيس أبو منصور ابن دلال، قال أنشدنا أبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي، قال أنشدني أبو العباس محمد بن الفضل بن محمد القصباني النحوي البصري بها لابن الزمكدم
стр. 1600
الموصلي يهجو أبا الفتح ابن جني النحوي:
يا أبا الفتح قد أتيناك للتد ... ريس والعلم في فنائك رحب
فوجدنا فتاة بيتك أنحى ... منك والنحو مؤثر مستحب
قدماها مرفوعة وهي خفض ... فلم الأير فاعل وهو نصب
مذهب خالفت شيوخك فيه ... فهي تصبي به الحليم وتصبو.
[٦٩٢] عثمان بن ربيعة الأندلسي:
ذكره الحميدي فقال: هو مؤلف «كتاب طبقات الشعراء بالأندلس» مات قريبا من سنة عشر وثلاثمائة.
[٦٩٣] عثمان بن سعيد بن عدي بن غزوان
بن داود بن سابق المصري القبطي المعروف بورش المقرىء: وقيل هو عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان بن إبراهيم القرشي مولى لآل الزبير بن العوام، وقبط بلد بصعيد مصر، وأصله من القيروان، وقيل من ناحية أفريقية، والأول أشهر، وأما كنيته فقيل أبو سعيد وقيل أبو القاسم وقيل أبو عمرو، وأشهرها أبو سعيد. مات فيما نقلناه من كتاب الحافظ أبي العلاء الهمذاني عن أبي سعيد عبد الرحمن بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري وأبي علي الحسن بن علي الأهوازي في سنة سبع وتسعين ومائة في أيام المأمون (الأهوازي خاصة) ، ومولده بمصر سنة عشر ومائة في أيام هشام بن عبد الملك، وقرأ على نافع في سنة خمس وخمسين ومائة في أيام المنصور، ومات وعمره سبع وثمانون سنة.
стр. 1601
وأما تلقيبه بورش فقيل إنما لقّب به لأنه كان في حداثة سنّه رآسا «١» ثم إنه اشتغل بقراءة القرآن وتعلّم العربية ورحل إلى المدينة فقرأ بها على نافع القرآن، وكان أزرق أبيض اللون قصيرا ذا كدنة، وكان نافع يلقبه بالورشان وهو طائر معروف لأنه كان على قصره يلبس ثيابا قصارا فكان إذا مشى بدت رجلاه مع اختلاف ألوانه، وكان نافع يقول له: اقرأ يا ورشان وهات يا ورشان وأين الورشان، ثم خفّف فقيل ورش ولزمه ذلك حتى صار لا يعرف إلّا به؛ وقيل إن الورش شيء يصنع من اللبن لقّب به لبياضه.
وحدث الحافظ بإسناده ورفعه إلى محمد بن سلمة العثماني قال، قلت لأبي سلمة: أكان بينك وبين ورش مودة؟ قال: نعم. قلت: كيف كان يقرأ «٢» ورش على نافع؟ قال قال لي ورش: خرجت من مصر إلى المدينة لأقرأ على نافع، فإذا هو لا تطاق القراءة عليه من كثرة أبناء المهاجرين والأنصار، وإنما يقرأ ثلاثين آية، فجلست خلف الحلقة فقلت لانسان: من أكبر الناس عند نافع؟ فقال: كبير الجعفريين، قال قلت: فكيف لي به؟ قال: أنا أجيء معك إلى منزله، فقام الرجل معي حتى جاء إلى منزل الجعفري «٣» ، فدقّ الباب، فخرج إلينا شيخ تامّ من الرجال، قال فقلت: أعزك الله أنا رجل من مصر جئت لأقرأ على نافع فلم أصل إليه، وأخبرت أنك من أصدق الناس له، وأنا أريد أن تكون الوسيلة إليه، فقال: نعم وكرامة، وأخذ طيلسانه ومضى معنا إلى منزل نافع، وكان نافع له كنيتان: كان يكنى بأبي رويم وأبي عبد الله فبأيتهما نودي أجاب، فقال له الجعفري: إن هذا وسّلني إليك، جاءك من مصر ليقرأ عليك ليس معه تجارة ولا جاء لحجّ إنما جاء للقراءة خاصة، فقال نافع لصديقه الجعفري: هلّا «٤» ترى ما ألقى من ولد المهاجرين والأنصار؟ قال فقال له صديقه:
تحتال له، فقال له نافع: يمكنك أن تبيت في المسجد؟ قال قلت: نعم إنما أنا إنسان غريب، قال: فبتّ في المسجد، فلما كان الفجر تقاطر الناس ثم قالوا: قد جاء نافع، فلما أن قعد قال: ما فعل الغريب؟ قال قلت: هذا أنا رحمك الله، قال قال: أبتّ في المسجد؟ قلت: نعم، قال: فأنت أولى بالقراءة، قال: وكنت مع
стр. 1602
ذلك حسن الصوت مدّادا به، قال: فاستفتحت فملأ صوتي مسجد رسول الله ﷺ فقرأت ثلاثين آية فقال لي بيده: أن اسكت، فسكتّ، فقام إليه شابّ من الحلقة فقال: يا معلم أعزك الله، نحن معك، وهذا رجل غريب، وإنما رحل للقراءة عليك وأنت تقرىء ثلاثين، وأنا أحبّ أعزك الله أن تجعل لي فيه نصيبا فقد وهبت له عشرا وأقتصر أنا على عشرين، وكان ذلك ابن كبير المهاجرين، فقال له: نعم وكرامة، ثم قال لي: اقرأ فقرأت عشرا ثم أوما إليّ بيده بالسكوت فسكتّ، فقام إليه فتى آخر فقال:
يا معلم أعزك الله إني أحبّ أن أهب لهذا الرجل الغريب عشرا وأقتصر على عشرين فقد تفضل عليه ابن كبير المهاجرين وأنت تعلم أني ابن كبير الأنصار فأحببت أن يكون لي أيضا مثل ما له من الثواب، قال لي: اقرأ، فلما أن قرأت خمسين آية قعدت حتى لم يبق أحد ممن له قراءة إلا قال لي: اقرأ، فأقرأني خمسين، فما زلت أقرأ عليه خمسين في خمسين حتى قرأت عليه ختمات قبل أن أخرج من المدينة.
[٦٩٤] عثمان بن سعيد بن عثمان الأندلسي أبو عمرو
المقرىء يعرف بابن الصيرفيّ: ذكره الحميدي فقال: محدّث مكثر ومقرىء مقدّم، سمع بالأندلس محمد بن عبد الله بن أبي زمنين الالبيري وغيره، ورحل إلى المشرق قبل الأربعمائة فسمع خلقا وطلب علم القراءات وقرأ وسمع الكثير، وعاد إلى الأندلس فتصدر للقراءات، وألّف فيها تواليف معروفة ونظمها في أرجوزة مشهورة، ومات في شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة بدانية من بلاد الأندلس؛ ومن مذكور شعره:
قد قلت إذ ذكروا حال الزمان وما ... يجري على كلّ من يعزى إلى الأدب
لا شيء أبلغ من ذلّ يجرّعه ... أهل الخساسة أهل الدين والحسب
стр. 1603
القائمين بما جاء الرسول به ... والمبغضين لأهل الزيغ والريب
وله كتب منها: كتاب التيسير في القراءات السبع وكتاب الاقتصاد في القراءات السبع «١» ..
[٦٩٤ ب] عثمان بن سعيد بن عثمان أبو عمرو
الداني المقرىء: قرأت في فوائد أحمد بن سلفة المنقولة من خطه ما صورته: قرأت على أبي عبد الله محمد بن الحسن بن سعيد المقرىء الداني بالاسكندرية عن أبي داود سليمان بن نجاح المقرىء المؤيدي، قال: كتبت من خط أستاذي أبي عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان المقرىء بعد سؤالي عن مولده: يقول عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي القرطبي الصيرفي أخبرني أبي أني ولدت في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة وابتدأت في طلب العلم سنة ست وثمانين وتوفي أبي في سنة ثلاث وتسعين في جمادى الأولى، فرحلت إلى المشرق في اليوم الثاني من المحرم يوم الأحد في سنة سبع وتسعين ومكثت بالقيروان أربعة أشهر، ولقيت جماعة وكتبت عنهم، ثم توجهت إلى مصر ودخلتها اليوم الثاني من الفطر من العام المؤرخ، ومكثت بها باقي العام والعام الثاني. وهو عام ثمانية [وتسعين] ، إلى حين خروج الناس إلى مكة، وقرأت بها القرآن وكتبت الحديث والفقه والقراءات وغير ذلك عن جماعة من المصريين والبغداديين والشاميين وغيرهم، ثم توجهت إلى مكة وحججت، وكتبت بها عن أبي العباس أحمد البخاري وعن أبي الحسن ابن فراس، ثم انصرفت إلى مصر ومكثت بها أشهرا، ثم انصرفت إلى المغرب ومكثت بالقيروان أشهرا، ووصلت إلى الأندلس أول الفتنة بعد قيام البرابر
стр. 1604
على ابن عبد الجبار بستة أيام في ذي القعدة سنة تسع وتسعين، ومكثت بقرطبة إلى سنة ثلاث وأربعمائة، وخرجت منها إلى الثغر فسكنت سرقسطة سبعة أعوام، ثم خرجت منها إلى الوطة ودخلت دانية سنة تسع وأربعمائة، ومضيت منها إلى ميرقة في تلك السنة نفسها فسكنتها ثمانية أعوام، ثم انصرفت إلى دانية سنة سبع عشرة وأربعمائة. قال أبو داود: وتوفي ﵁ يوم الاثنين للنصف من شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة ودفن بالمقبرة عند باب اندارة وقد بلغ اثنتين وسبعين سنة.
[٦٩٥] عثمان بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد
أبو عمرو الطرسوسي الكاتب القاضي: كان من الأدباء الفضلاء، رأيت بخطه الكثير من كتب الأدب والشعر، وجمع شعر جماعة من أهل عصره منهم أبو العباس الصفري وأبو العباس الناشىء وغيرهما من شعراء سيف الدولة وابنه شريف، وصنف كتبا منها: كتاب في أخبار الحجّاب.
وكان متقن الخط سريع الكتابة، وولي القضاء بمعرة النعمان، وسمع الحديث الكثير ورواه، فسمع بدمشق أبا علي محمد بن أحمد بن آدم الفزاري وأبا هاشم عبد الجبار بن عبد الصمد السلمي، وبأطرابلس خيثمة بن سليمان، وبطرسوس أبا عبد الله محمد بن عيسى التميمي البغدادي المعروف بابن العلاف وأبا بكر محمد بن سعيد بن الشفق وأبا الحسن أحمد بن محمد بن سلام الطرسوسي والقاضيين: أبا عمران موسى بن القاسم الأشيب وأبا العباس أحمد بن أبي بكر الطبري المعروف بالقاص «١» وأبا الفرج أحمد بن القاسم البغدادي الخشاب الحافظ وجماعة غير هؤلاء كثيرة.
стр. 1605
وسمع منه أبو حصين عبد الله بن محسن بن عبد الله بن محسن «١» بن عبد الله ابن عمرو المعرّي وعبد الرحمن «٢» بن محمد بن الحسين الكفرطابي وأبو علي الأهوازي والقاضي أبو الفضل ابن السعدي.
قال أبو القاسم الدمشقي: قرأت على أبي القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل عن سهل بن بشر قال: سمعت القاضي أبا الفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعدي يقول: توفي شيخنا أبو الحسين ابن جميع في رجب سنة اثنتين وأربعمائة، وتوفي شيخنا عثمان الطرسوسي القاضي بكفر طاب قبله بسنة أو نحوها.
[٦٩٦] عثمان بن علي بن عمر السرقوسي النحوي
الصقلي أبو عمرو: قال السلفي: كان من العلم بمكان، نحوا ولغة، وقرأ القرآن على ابن الفحام وابن بليمة «٣» وغيرهما، وله تواليف في القراءات والنحو والعروض، وصارت له في جامع مصر حلقة للاقراء وانتفع به، ولازمني مدة مقامي بمصر، وقرأ عليّ كثيرا وعلى من كنت أقرأ عليه كأبي صادق وابن بركات والفراء الموصلي وآخرين؛ وأنشدني لنفسه «٤» :
إنّ المشيب من الخطوب خطيب ... إلّا هوى بعد الشباب يطيب
أبيات غير جيدة.
قال أحمد بن سلفه «٥» : كتبت إلى المقرىء أبي عمرو عثمان بن علي بن عمر
стр. 1606
الصقلي الانصاري بالاسكندرية كتابا يشتمل على نظم ونثر من جملته:
ما وقعت عيني على مثله ... في فضله الوافي وفي نبله
وليس بدعا مثل أخلاقه ... منه وممن كان في شكله
فإنه من عنصر طيب ... ويرجع الفرع إلى أصله
فأجاب بهذه الورقة: وقفت على ما تفضّلت به حضرته، وانتهت إليه من الآداب همته، فمن نثر رأيت العلم مضمونه، والدرّ مكنونه، والحكمة قرينه، ومن نظم كانت الفصاحة يمينه، وفصل الخطاب عرينه، وودّ فصيح الكلام أن يكونه، وأحيا القلوب، وكشف لها المحجوب، من كل حكمة لم تكن لتصل إليه لولاه، وسحر بلاغة له منحه إياها الله، فقلت والخاطر لسفري خاطر، وماء مزني بعد شآبيبه قاطر:
توّجني مولاي من قوله ... تاجا علا التيجان من قبله
لأنها تبلى وهذا إذا ... مرّت به الأيام لم تبله
فنثره الإكليل في فرعه ... ونظمه الجوهر من أصله
وهو فقيه حافظ في الورى ... مهذّب يجري على رسله
كلّا وأما إن جرى فالورى ... عذر لهم ما جاب من سبله
فعلمه يشتقّ من لفظه ... ولفظه يشتقّ من فضله
تكاملت أوصافه كلّها ... ومثله من كان من مثله
وما أنا إلا كمهد إلى ... بغداد والبصرة من نخله
وأما ما ذكرت حرسها الله تعالى من كتاب الهدى لأولي النهى في المشهور من القراءات وما تضمن من الروايات:
فلو تفرغت إلى نقله ... أو كان عندي الأمّ من شكله
عذري إلى مولاي أني امرؤ ... مسافر والشغل من فعله
لكلّه من بعضه شاغل ... وبعضه المشغول من كله
стр. 1607
وأما ما يتعلق ببيت الأحوص من كلام، وما قلت فيه من نثر ونظام، فأنا آتي إليها، وأتلوه لديها، والله يديم النعمة عليها.
[٦٩٧] عثمان بن علي بن عمر الخزرجي الصقلي أبو عمرو النحوي:
روى عنه الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي وأبو محمد ابن بري النحوي وأبو البقا صالح بن عادي العذري الانماطي المصري نزيل قفط، وقال: أنشدني أبو عمرو عثمان بن علي الصقلي لنفسه:
هين عليها أن ترى الصبّا ... يتجرّع الأوصاب والكربا
من لم يصد بتكلّف قنصا ... وتعمّد للصيد لم يعبا
لا تعبثي يا هذه بفتى ... أخذت جفونك قلبه غصبا
أو ما علمت بأنه رجل ... لما دعاه هواكم لبّى
وقال في «مختصر العمدة» وقد ذكر قول الشماخ:
إذا بلّغتني وحملت رحلي
وما ناقضه به أبو نواس من قوله:
أقول لناقتي إذ بلّغتني ... لقد أصبحت مني باليمين
فلم أجعلك للغربان نحلا ... ولا قلت اشرقي بدم الوتين
وذكر غير ذلك من هذا الباب ثم قال: ولي قصيدة أولها:
رحلت فعلّمت الفؤاد رحيلا ... وبكت فصيرت الأسيل مسيلا
وحدا بها حاد حدا بي للنوى ... لكنّ منّا قاتلا وقتيلا
وإذا الحبيب أراد قتل محبه ... جعل الفراق إلى الممات سبيلا
стр. 1608
اذكر فيها خطابي الناقة، واحترست مما يؤخذ على الشماخ بأخذ من مذهب أبي نواس:
وإذا بلغت المرتضى فتسيبي ... إذ ليس يحوجني أسوم رحيلا
والمرتضى يحيى بن تميم بن المعز بن باديس.
وله كتاب مختصر في القوافي رواه عنه السلفي في سنة سبع عشرة وخمسمائة.
وله كتاب مخارج الحروف مختصر أيضا. وكتاب مختصر العمدة لابن رشيق. وكتاب شرح الايضاح.
وقال عثمان الصقلي في «مختصره للعمدة» وقد ذكر السرقات فقال: لي من قصيدة أولها (ونقلتها من خطه وقد أعلم عليه ع وهي علامة لنفسه) .
دمع رأى برق الحمى فتحدّرا ... وجوى ذكرت له الحمى فتسعّرا
لو لم يكن هجر لما عذب الهوى ... أنا أشتهي من هاجري أن يهجرا
بيني وبين الحبّ نسبة عنصر ... فمتى وصلت وصلت ذاك العنصرا
قال: ثم وجدت للموصلي:
إذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
قال: ولله در القائل:
بني الحبّ على الجور فول ... أنصف المحبوب فيه لسمج
ليس يستحسن في دين الهوى ... عاشق يحسن تلفيق الحجج
ومما ذكره الصقلي لنفسه في هذا الكتاب أيضا، وقد ذكر المواردة قال: وهو ما ادّعي في شعر امرىء القيس وطرفة في كونهما لم يفرق بين بيتيهما إلا بالقافية، قال امرؤ القيس «تجمّل» وقال طرفة «تجلّد» قال الصقلي ومن أعجب من ذلك أني صنعت قصيدة أولها:
يهون عليها أن أبيت متيما ... وأصبح محزونا وأضحي مغرما
ومنها:
صلي مدنفا أو واعديه وأخلفي ... فقد يترجّى الآل من شفّه الظما
стр. 1609
ضمان على عينيك قتلي وإنما ... ضمان على عينيّ أن تبكيا دما
ليفدك ما أسأرت مني فإنها ... حشاشة صبّ أزمعت أن تصرما
قال: ثم قرأت بعد ديوان البحتريّ فوجدت معظم هذه الألفاظ مبدّدة فيه.
قال: فإذا كانت أكثر المعاني يشترك فيها الناس حتى قطع ابن قتيبة ان قوله تعالى:
يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ
(الكهف: ٧٧) لا يعبر عنه إلا بهذه العبارة ونحوها فغير مستنكر أن يشتركوا وتتفق ألفاظهم في العبارة عنها ولكن أبي المولدون إلا أنها سرقة.
قلت: لو قال في موضع «أضحي» من البيت الأول «أمسي» كان أجود ليقابل به «أصبح» ، ولو قال في البيت الثاني «وقد يشتفي بالآل من شفّه الظما» كان أحسن في الصنعة وأجود.
[٦٩٨] عثمان بن عيسى بن منصور بن محمد البلطي ،
أبو الفتح النحوي: هكذا ينسبونه وهو من بلد «١» التي تقارب الموصل. ذكره العماد في «كتاب الخريدة» فقال: انتقل إلى الشام وأقام بدمشق برهة يتردد إلى الزبداني للتعليم، فلما فتحت مصر انتقل إليها فحظي بها، ورتّب له صلاح الدين يوسف بن أيوب على جامع مصر جاريا يقرىء به النحو والقرآن حتى مات بها لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وهي آخر سني الغلاء الشديد بمصر، لأن أولها كان في أواخر سنة ست وأشدها في سنة سبع وأخفّها سنة تسع. وبقي البلطي في بيته ميتا ثلاثة أيام لا يعلم به أحد لاشتغالهم بأنفسهم عنه وعن غيره، وكان يحب الانفراد والوحدة، فلم يكن له من يخبر بوفاته، وكان قد أخذ النحو عن أبي نزار وأبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان.
قال المؤلف: لم يذكر العماد وفاته، وإنما أخبرني بوفاته وما بعده الشريف أبو
стр. 1610
جعفر محمد بن عبد العزيز بن أبي القاسم بن عمر بن سليمان بن الحسن بن إدريس بن يحيى العالي بن علي المعتلي- وهو الخارج بالمغرب والمستولي على بلاد الأندلس- ابن حمود بن ميمون بن أحمد بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇. وأخبرني الشريف المذكور وكان من تلاميذه «١» قال: كان البلطي رجلا طوالا جسيما طويل اللحية واسع الجبهة أحمر اللون يعتمّ بعمة كبيرة جدّا ويتطلّس بطيلسان لا على زيّ المصريين، بل يلقيه على عمامته ويرسله من غير أن يديره على رقبته، وكان يلبس في الصيف المبطّنة والثياب الكثيرة حتى يرى كأنه عدل عظيم، وكان إذا دخل فصل الشتاء اختفى حتى لا يكاد يظهر، وكان يقال له أنت في الشتاء من حشرات الأرض، وكان إذا دخل الحمام يدخل إلى داخله وعلى رأسه مزدوجة مبطّنة بقطن، فإذا حصل عند الحوض الذي فيه الماء الحارّ كشف رأسه بيده الواحدة وصبّ على رأسه الماء الحارّ الشديد الحرارة بيده الأخرى، ثم يغطيه إلى أن يملأ السطل، ثم يكشفه ويصبّ عليه، ثم يغطيه، يفعل ذلك مرارا، فإذا قيل له في ذلك قال: أخاف من الهواء.
قال الإدريسي: هذه كانت حاله في هيئته وسمته، فأما علمه فكان عالما إماما نحويّا لغويّا أخباريّا مؤرخا شاعرا عروضيّا قلّ ما سئل عن شيء من العلوم الأدبية إلا وأحسن القيام بها، وكان يخلط «٢» المذهبين في النحو ويحسن القيام بأصولهما وفروعهما، وكان مع ذلك خليعا ماجنا شرّيبا للخمر منهمكا على اللذّات.
قال الشريف الإدريسي: فحدثني الفقيه ابن أبي المالك قال: خرجت إلى بعض المتنزهات بضواحي مصر فلقيت البلطيّ مع جماعة من أهل الخلاعة، ومطرب يغنّيهم ببعض الملاهي، وهو ثمل يتمايل سكرا، فتقدمت إليه وقلت له، وكانت بيني وبينه مباسطة تقتضي ذلك، فقلت له: يا شيخ أما آن لك أن ترعوي وتقلع عن هذه الرذائل مع تقدمك في العلم وفضلك؟! فنظر إليّ شزرا ولم يكترث بقولي، وأنشدني بعد ما نتريده من يدي شعر أبي نواس «٣» :
стр. 1611
كفيت الصبا من لا يهشّ إلى الصبا ... وجمعت منه ما أضاع مضيع
لعمرك ما فرطت «١» في جنب لذة ... ولا قلت للخمار كيف تبيع
وحدثني الإدريسي قال: ومن نوادره ما أخبرني به صاحبنا الفقيه أبو الجود ندى بن عبد الغني الحنفي الأنصاري قال: حضر يوما عند البلطي بعض المطربين المحسنين فغناه صوتا أطربه به، فبكى البلطي فبكى المطرب، فقال له البلطي: أما أنا فأبكي «٢» من استفزاز الطرب، أنت ما أبكاك؟ فقال له: تذكرت والدي فإنه كان إذا سمع هذا الصوت بكى، فقال له البلطي: فأنت والله إذن ابن أخي، وخرج فأشهد على نفسه جماعة من عدول مصر بأنه ابن أخيه ولا وارث له سواه، ولم يزل يعرف بابن أخي البلطي إلى أن فرق الدهر بينهما.
وللبلطي من التصانيف: كتاب العروض الكبير في نحو ثلاثمائة ورقة. كتاب العروض الصغير. كتاب العظات الموقظات. [كتاب النير في العربية. كتاب أخبار المتنبي. كتاب المستزاد على المستجاد من فعلات الأجواد] . كتاب علم أشكال الخط. كتاب التصحيف والتحريف. كتاب تعليل العبادات.
قال العماد في «كتاب الخريدة» : وللبلطي موشحة عملها في القاضي الفاضل بديعة مليحة سلك فيها طريق المغاربة وحافظ فيها على أحرف الغين والضاد والذال والظاء، وصرّع التوشيح، وهي:
ويلاه من روّاغ ... بجوره يقضي
ظبي بني يزداذ ... منه الجفا حظّي
قد زاد وسواسي ... مذ زاد في التيه
لم يلق في الناس ... ما أنا لاقيه
من قيّم قاسي ... بالهجر يغريه
أروم إيناسي ... به ويثنيه
стр. 1612
إذا وصال ساغ ... بقربه يرضي
أبعده الأستاذ ... لا حيط بالحفظ
وكلّ ذا الوجد ... بطول إيراقه
مضرج الخدّ ... من دم عشّاقه
مصارع الأسد ... في لحظ أحداقه
لو كان ذا ودّ ... رقّ لعشاقه
شيطانه النزاغ «١» ... علّمه بغضي
واستحوذ استحواذ ... بقلبه الفظّ
دع ذكره واذكر ... خلاصة المجد
الفاضل الأشهر ... بالعلم والزهد
والطاهر المئزر ... والصادق الوعد
وكيف لا أشكر ... مولى له عندي
نعمى لها إسباغ ... صائنة عرضي
من كفّ كاس غاذ ... والدهر ذو عظّ «٢»
منة مستبقي ... ضاق بها ذرعي
قد أفحمت نطقي ... واستنفدت وسعي
وملكت رقي ... لمكمل الصّنع
دافع عن رزقي ... في موطن الدفع
لما سعى إيتاغ ... دهري في دحضي «٣»
أنقذني إنقاذ ... من همّه حفظي
стр. 1613
ذو المنطق الصائب ... في حومة الفصل
ذكاؤه الثاقب ... يجلّ عن مثل
فهو الفتى الغالب ... كلّ ذوي النبل
من عمرو والصاحب ... ومن أبو الفضل «١»
لا يستوي الافراغ ... بواحد الأرض
أين من الآزاذ ... نفاية المظّ «٢»
يا أيها الصدر ... فتّ الورى وصفا
قد مسني الضرّ ... والحال ما تخفى
وعبدك الدهر ... يسومني الخسفا
وليس لي عذر ... ما دمت لي كهفا
من صرف دهر طاغ ... أنّى له أغضي
من بك أمسى عاذ ... لم يخش من بهظ
قد كنت ذا إنفاق ... أيام ميسوري
فعيل لما ضاق ... رزقي تدبيري
والعسر بي قد حاق ... عقيب تبذيري
يا قاسم الأرزاق ... فارث لتقتيري
لا زلت كهف الباغ ... ودمت في خفض
أمرك للانفاذ ... والسعد في لظّ «٣»
ومن جيد شعر البلطي «٤» :
دعوه على ضعفي يجور ويشتطّ ... فما بيدي حلّ لذاك ولا ربط
стр. 1614
ولا تعتبوه فالعتاب يزيده ... ملالا وإني لي اصطبار إذا يسطو
فما الوعظ فيه والعتاب بنافع ... وان يشرط الإحسان لا ينفع الشرط
ولما تولّى معرضا بجنابه ... وبان لنا منه الاساءة والسخط
بكيت دما لو كان ينفعني البكا ... ومزقت ثوب الصبر لو نفع العطّ
تنازعت الآرام والدرّ والمها ... لها شبها والغصن والبدر والسقط
فللرئم منه اللحظ واللون والطلى ... وللدرّ منه اللفظ والثغر والخطّ
وللغصن منه القدّ والبدر وجهه ... وعين المها عين بها أبدا يسطو
وللسقط منه ردفه فإذا مشى ... بدا خلفه كالموج يعلو وينحطّ
قال العماد الكاتب وأنشدني البلطي لنفسه «١» :
حكّمته ظالما في مهجتي فسطا ... وكان ذلك جهلا شبته بخطا
هلا تجنبته والظلم شيمته ... ولا أسام به خسفا ولا شططا
ومن أضلّ هدى ممن رأى لهبا ... فخاض فيه وألقى نفسه وسطا
ويلاه من تائه أفعاله صلف ... ملوّن كلّما أرضيته سخطا
أبثّه ولهي صدقا ويكذبني ... وعدا وأقسط عدلا كلما قسطا
وله في القاضي الفاضل وكان قد أسدى إليه معروفا من قصيدة «٢» :
لله عبد رحيم ... يدعى بعبد الرحيم
على سراط سويّ ... من الهدى مستقيم
نسك ابن مريم عيسى ... وهدي موسى الكليم
رأى التهجد أنسا ... في جنح ليل بهيم
مسهّد الطرف يتلو ... آي القران العظيم
стр. 1615
ومن أطبع ما قاله في طبيب، وكان ابن عمه «١» :
لي ابن عمّ حوى «٢» الجهالة ... للحكمة أضحى يطبّ في البلد
قد اكتفى مذ نشا به ملك الم ... وت فما إن يبقي على أحد
تجسّ نبض المريض منه يد ... أسلم منها براثن الأسد
يقول لي الناس خلّه عضدا ... فقلت يا ليتني بلا عضد «٣»
ومن شعره في غلام أعرج «٤» :
أنا يا مشتكي القزل ... منك في قلبي الشّعل
أصبح الجسم ناحلا ... بك والقلب مشتغل
دلّني قد عدمت صب ... ري وضاقت بي الحيل
آن أن تجفو الجفا ... ء وان تملل الملل
وقال عثمان بن عيسى بن منصور البلطي، وسئل أن يعمل على وزن بيتي الحريري اللذين وصفهما فقال: «اسكتا كل نافث. وأمنا أن يعززا بثالث» ، وهو «٥» :
سم سمة تحمد «٦» آثارها ... واشكر لمن أعطى ولو سمسمه
فقال:
محلمة العاقل عن ذي الخنا ... توقظه إن كان في محلمه
مكلمة الخائض في جهله ... لقلب من يردعه مكلمه
مهدمة العمر لحرّ إذا ... أصبح بين الناس ذا مهدمه (الثياب الخلقة)
محرمة الملحف أولى به ... إياك ان ترعى له محرمه (أي حرمة)
مسلمة يمنعها غاصب ... حقّا فأمسى جوره مسلمه (أي خاذله)