← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

باعها أبو الحسن الفالي بخمسة دنانير من القاضي أبي بكر ابن بديل التبريزي وحملها إلى تبريز، فنسخت أنا منها نسخة، فوجدت في بعض المجلدات رقعة بخط الفالي فيها: أنست بها عشرين حولا وبعتها ... فقد طال شوقي بعدها وحنيني وما كان ظنّي أنني سأبيعها ... ولو خلّدتني في السجون ديوني ولكن لضعف وافتقار وصبية ... صغار عليهم تستهلّ شؤوني فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... مقالة مشويّ الفؤاد حزين «وقد تخرج الحاجات يا أمّ مالك ... كرائم من ربّ بهنّ ضنين» فأريت القاضي أبا بكر الرقعة والأبيات فتوجع وقال: لو رأيتها قبل هذا لرددتها عليه، وكان الفالي قد مات. قال المؤلف: والبيت الأخير من هذه الأبيات تضمين قاله أعرابيّ في ما ذكره الزبير بن بكار عن يوسف بن عياش قال: ابتاع حمزة بن عبد الله بن الزبير جملا من أعرابي بخمسين دينارا ثم نقده ثمنه، فجعل الأعرابي ينظر إلى الجمل ويقول: وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من ربّ بهنّ ضنين «١» فقال له حمزة: خذ جملك والدنانير لك، فانصرف بجمله وبالدنانير. وله أرجوزة في عدد آي القرآن أولها: قال عليّ مذ أتى من فاله ... قصيدة واضحة المقاله وأنشد له السمعاني في «المذيل» باسناد له لأبي الحسن الفالي: فرّحت صبياني ببستانكم ... فأكثروا التصفيق والرقصا فقلت يا صبيان لا تفرحوا ... فبسرهم في نخلهم يحصى لو قدم الليث على نخلهم ... لكان من ساعته يخصى لو أن لي من نخلهم بسرة ... جعلتها في خاتمي فصّا

стр. 1647

وأنشد أبو القاسم الدمشقي الحافظ باسناد له لأبي الحسن الفالي: رمى رمضان شملنا بالتفرق ... فيا ليته عنّا تقضّى لنلتقي لئن سرّ أهل الأرض طرّا قدومه ... فإنّ سروري بانسلاخ الذي بقي. [٧١٩] علي بن أحمد بن سيده اللغوي الأندلسي أبو الحسن الضرير وكان أبوه أيضا ضريرا، من أهل الأندلس. هكذا قال الحميدي «علي بن أحمد» ، وفي كتاب ابن بشكوال «علي بن إسماعيل» ، وفي كتاب القاضي صاعد الجياني «علي بن محمد» في نسخة، وفي نسخة «علي بن إسماعيل» فاعتمدنا على ما ذكره الحميدي لان كتابه أشهر. مات ابن سيده بالأندلس سنة ثمان وخمسين وأربعمائة عن ستين سنة أو نحوها. قال القاضي الجياني: كان مع إتقانه لعلم الأدب والعربية متوفرا على علوم الحكمة وألف فيها تأليفات كثيرة، ولم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بعلومها، وكان حافظا، وله في اللغة مصنفات منها: كتاب المحكم والمحيط الأعظم مرتب على حروف المعجم اثنا عشر مجلدا «١» . وكتاب المخصص مرتب على الأبواب كغريب المصنف «٢» . وكتاب شرح إصلاح المنطق. وكتاب الأنيق في شرح الحماسة عشرة أسفار. وكتاب العالم في اللغة على الأجناس

стр. 1648

في غاية الإيعاب نحو مائة سفر بدأ بالفلك وختم بالذرّة «١» . وكتاب العالم والمتعلم على المسألة والجواب. وكتاب الوافي في علم أحكام القوافي. وكتاب شاذ اللغة في خمس مجلدات. وكتاب العويص في شرح إصلاح المنطق. وكتاب شرح كتاب الأخفش وغير ذلك. قال الحميدي وابن بشكوال: روى ابن سيده عن أبيه وعن صاعد بن الحسن البغدادي. قال أبو عمر الطلمنكي: دخلت مرسية فتشبث بي أهلها ليسمعوا عليّ «غريب المصنف» فقلت لهم: انظروا من يقرأ لكم وأمسك كتابي، فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده فقرأه عليّ من أوّله إلى آخره من حفظه فعجبت منه. وقال الحميدي: كان ابن سيده منقطعا إلى الأمير أبي الجيش مجاهد بن عبد الله العامري ثم حدثت له نبوة بعد وفاته في أيام إقبال الدولة بن الموفق فهرب منه، ثم قال يستعطفه «٢» : ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى ... سبيل فإن الأمن في ذاك واليمنا ضحيت فهل في برد ظلك نومة ... لذي كبد حرّى وذي مقلة وسنى ونضو هموم «٣» طلّحته ظباته ... فلا غاربا أبقين منه ولا متنا غريب نأى أهلوه عنه وشفّه ... هواهم فأمسى لا يقرّ ولا يهنا فيا ملك الأملاك إني محلّأ ... عن الورد لا عنه أذاد ولا أدنى تحيّفني دهري فأقبلت شاكيا ... لعمري أمأذون لعبدك أن يعنى «٤» فإن تتأكد في دمي لك نية ... بسفك «٥» فإني لا أحبّ له حقنا»

стр. 1649

إذا ما غدا من حرّ سيفك باردا ... فقدما غدا من برد نعمائكم سخنا وهل هي إلّا ساعة ثم بعدها ... ستقرع ما عمّرت من ندم سنا وما لي من دهري حياة ألذّها ... فتعتدّها نعمى عليّ وتمتنّا إذا ميتة أرضتك منا فهاتها ... حبيب إلينا ما رضيت به عنّا وهي طويلة، وقع عنه الرضى مع وصولها إليه فرجع. [٧٢٠] علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن سفيان بن يزيد الفارسي مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، القرشي الأندلسي الإمام العلامة، يكنى أبا محمد، مات فيما ذكره صاعد بن أحمد الجياني في «كتاب أخبار الحكماء» في سلخ شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة. قال: وكتب إليّ بخط يده أنه ولد بعد صلاة الصبح في آخر يوم من شهر رمضان سنة ثلاث

стр. 1650

وثمانين وثلاثمائة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة إلا شهرا. قال: وأصل آبائه من قرية منت ليشم من إقليم الزاوية من عمل أونبة من كورة لبلة من غرب الأندلس، وسكن هو وآباؤه قرطبة ونالوا فيها جاها عريضا. وكان أبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم أحد العلماء من وزراء المنصور محمد بن أبي عامر ووزراء ابنه المظفر بعده والمدبرين لدولتيهما، وكان ابنه الفقيه أبو محمد وزيرا لعبد الرحمن المستظهر بالله بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لدين الله ثم لهشام المعتد بالله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، ثم نبذ هذه الطريقة وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن فعني بعلم المنطق وألّف فيه كتابا سماه «كتاب التقريب لحدود المنطق» بسط فيه القول على تبيين طرق المعارف، واستعمل فيه مثلا فقهية وجوامع شرعية، وخالف أرسطاليس واضع هذا العلم في بعض أصوله مخالفة من لم يفهم غرضه ولا ارتاض في كتبه، فكتابه من أجل هذا كثير الغلط بيّن السقط، وأوغل بعد هذا في الاستكثار من علوم الشريعة حتى نال منها ما لم ينله أحد قطّ بالأندلس قبله، وصنّف فيه مصنفات كثيرة العدد شرعية المقصد معظمها في أصول الفقه وفروعه على مذهبه الذي ينتحله وطريقه الذي يسلكه، وهو مذهب داود بن علي بن خلف الأصبهاني ومن قال بقوله من أهل الظاهر ونفاة القياس والتعليل. قال: ولقد أخبرني ابنه الفضل المكنيّ أبا رافع أن مبلغ تواليفه في الفقه والحديث والأصول والنّحل والملل وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والردّ على المعارض نحو أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة، وهذا شيء ما علمناه لأحد ممن كان في دولة الإسلام قبله إلا لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفا، فذكر ما ذكرناه في ترجمة ابن جرير من أن أيام حياته حسبت وحسبت تصانيفه فكان لكلّ يوم أربع عشرة ورقة. ثم قال: ولأبي محمد ابن حزم بعد هذا نصيب وافر من علم النحو واللغة، وقسم صالح من قرض الشعر وصناعة الخطابة. ذكر أن ابن حزم اجتمع يوما مع الفقيه أبي الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب الباجي صاحب كتاب «المنتقى» و «الاستغناء» وغيرهما من التواليف، وجرت

стр. 1651

بينهما مناظرة، فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد: تعذرني فإن أكثر مطالعتي كانت على سرج الحرّاس؛ قال ابن حزم: وتعذرني أيضا فإن أكثر مطالعتي كانت على منائر الذهب والفضة، أراد أن الغنى أمنع لطلب العلم من الفقر. قرأت بخطّ أبي بكر محمد بن طرخان بن يلتكين بن بجكم، قال الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي الأندلسي: توفي الشيخ الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بقريته، وهي من غرب الأندلس على خليج البحر الأعظم في شهر جمادى الأولى من سنة سبع وخمسين وأربعمائة، والقرية التي له على بعد نصف فرسخ من أونبه يقال له متليجم، وهي ملكه وملك سلفه من قبله. قال: وقال لي أبو محمد ابن العربي: إن أبا محمد ابن حزم ولد بقرطبة، وجده سعيد ولد بأونبه ثم انتقل إلى قرطبة وولي فيها الوزارة [ابنه أحمد] ثم ابنه علي الإمام، وأقام في الوزارة من وقت بلوغه إلى انتهاء سنه ستا وعشرين سنة «١» وقال: إنني بلغت إلى هذا السن وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات. قال: قال لي الوزير أبو محمد ابن العربي أخبرني الشيخ الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أنّ سبب تعلّمه الفقه أنه شهد جنازة لرجل كبير من إخوان أبيه، فدخل المسجد قبل صلاة العصر والحفل فيه، فجلس ولم يركع، فقال له أستاذه- يعني الذي رباه- باشارة- أن قم فصلّ تحية المسجد فلم يفهم، فقال له بعض المجاورين له: أبلغت هذه السنّ ولا تعلم أن تحية المسجد واجبة؟! وكان قد بلغ حينئذ ستة وعشرين عاما، قال: فقمت وركعت وفهمت إذن إشارة الأستاذ إليّ بذلك؛ قال، فلما انصرفنا من الصلاة على الجنازة إلى المسجد مشاركة للأحياء من أقرباء الميت دخلت المسجد فبادرت بالركوع فقيل لي اجلس اجلس ليس هذا وقت صلاة، فانصرفت عن الميت وقد خزيت ولحقني ما هانت عليّ به نفسي، وقلت للأستاذ، دلني على دار الشيخ الفقيه المشاور أبي عبد الله ابن دحون، فدلّني فقصدته من ذلك المشهد وأعلمته بما جرى فيه، وسألته الابتداء بقراءة العلم واسترشدته فدلّني على «كتاب الموطأ» لمالك بن أنس ﵁، فبدأت به عليه

стр. 1652

قراءة من اليوم التالي لذلك اليوم، ثم تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوام وبدأت بالمناظرة. قال: وقال لي الوزير الإمام أبو محمد ابن العربي: صحبت الشيخ الإمام أبا محمد علي بن حزم سبعة اعوام، وسمعت منه جميع مصنفاته حاشا المجلد الأخير من «كتاب الفصل» وهو يشتمل على ست مجلدات من الأصل الذي قرأنا منه، فيكون الفائت نحو السدس. وقرأنا من «كتاب الإيصال» أربع مجلدات من كتاب الإمام أبي محمد ابن حزم في سنة ست وخمسين وأربعمائة، ولم يفتني من تواليفه شيء سوى ما ذكرته من الناقص وما لم أقرأه من «كتاب الإيصال» ، وكان عند الإمام أبي محمد ابن حزم كتاب الإيصال في أربع وعشرين مجلدة بخطّ يده وكان في غاية الادماج. قال: وقال لي الوزير أبو محمد ابن العربي: وربما كان للإمام أبي محمد ابن حزم شيء من تواليفه ألفه في عير بلده في المدة التي تجوّل فيها بشرق الأندلس فلم أسمعه، ولي بجميع مصنفاته ومسموعاته إجازة منه مرات عدة كثيرة؛ آخر ما كان بخط البجكمي ﵀. وأورد له صاحب «المطمح» أشعارا منها: وذي عذل فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول أمن حسن وجه لاح لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل فقلت له أسرفت في اللوم فاتئد ... فعندي ردّ لو أشاء طويل ألم تر أني ظاهريّ وأنني ... على ما بدا حتى يقوم دليل وأنشد له: هل الدهر إلّا ما عرفنا وأدركنا ... فجائعه تبقى ولذاته تفنى إذا أمكنت فيه مسرّة ساعة ... تولّت كمرّ الطرف واستخلفت حزنا إلى تبعات في المعاد وموقف ... نودّ لديه أننا لم نكن كنا حصلنا على همّ وإثم وحسرة ... وفات الذي كنّا نلذّ به عنا حنين لما «١» ولّى وشغل بما أتى ... وغمّ لما يرجى فعيشك لا يهنا «٢»

стр. 1653

كأنّ الذي كنّا نسرّ بكونه ... إذا حققته «١» النفس لفظ بلا معنى وله: ولي نحو أكناف العراق صبابة ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصبّ فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسف والكرب هنالك تدري أن للبعد قصة ... وأنّ كساد العلم آفته القرب وله: لا تشمتن حاسدي إن نكبة عرضت ... فالدهر ليس على حال بمتّرك ذو الفضل كالتبر طورا تحت ميقعة ... وتارة قد يرى تاجا على ملك وله: لئن أصبحت مرتحلا بشخصي ... فروحي عندكم أبدا مقيم ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم ومن شعر أبي محمد ابن حزم: أنا العلق الذي لا عيب فيه ... سوى بلدي وأني غير طاري تقرّ لي العراق ومن يليها ... وأهل الأرض إلا أهل داري طووا حسدا على أدب وفهم ... وعلم ما يشق له غباري فمهما طار في الآفاق ذكري ... فما سطع الدخان بغير نار قال «٢» أبو مروان ابن حيان «٣» : كان أبو محمد حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب وما يتعلّق بأذيال الأدب، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله في بعض تلك الفنون كتب كثيرة، غير أنه لم يخل فيها من غلط وسقط لجراءته في التسوّر على الفنون لا سيما المنطق فانهم زعموا أنه زلّ هنالك وضل في سلوك [تلك] المسالك «٤» ، وخالف أرسطاطاليس واضعه مخالفة من لم يفهم

стр. 1654

غرضه ولا ارتاض [في كتبه] . ومال أوّلا النظر به في الفقه إلى رأي محمد بن إدريس الشافعيّ ﵀، وناضل عن مذهبه وانحرف عن مذهب سواه حتى وسم به ونسب إليه، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالشذوذ، ثم عدل في الآخر إلى قول أصحاب الظاهر مذهب داود بن علي ومن اتبعه من فقهاء الأمصار، فنقّحه ونهجه وجادل عنه ووضع الكتب في بسطه وثبت عليه إلى أن مضى لسبيله، ﵀. وكان يحمل علمه هذا ويجادل من خالفه فيه، على استرسال في طباعه ومذل بأسراره واستناد إلى العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه، لم يك يلطّف صدعه بما عنده بتعريض، ولا يزفّه بتدريج، بل يصكّ به معارضه صكّ الجندل، وينشقه متلقيه «١» إنشاق الخردل، فينفر «٢» عنه القلوب، ويوقع به الندوب، حتى استهدف إلى فقهاء وقته فتمالأوا على بغضه وردّ أقواله «٣» ، فأجمعوا على تضليله وشنعّوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته «٤» ، ونهوا عوامّهم عن الدنّو إليه والأخذ عنه، وطفق الملوك يقصونه عن قربهم ويسيّرونه عن بلادهم إلى أن انتهوا به [إلى] منقطع أثره بتربة بلده من بادية لبلة، وبها توفي ﵀ سنة ست وخمسين وأربعمائة، وهو في ذلك غير مرتدع ولا راجع إلى ما أرادوا به، يبثّ علمه فيمن ينتابه من بادية بلده من عامة المقتبسين منهم من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة، يحدّثهم ويفقههم ويدار سهم ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف والإكثار من التصنيف حتى كمل من مصنفاته في فنون من العلم وقر بعير لم يعد أكثرها عتبة باديته «٥» لتزهيد الفقهاء طلاب العلم فيها حتى لأحرق بعضها باشبيلية ومزّقت علانية، لا يزيد مؤلفها في ذلك إلا بصيرة في نشرها وجدالا للمعاندة «٦» فيها، إلى أن مضى لسبيله.

стр. 1655

وأكثر معايبه- زعموا- عند المنصف له جهله بسياسة العلم التي هي أعوص من إتقانه «١» ، وتخلفه عن ذلك على قوة سبحه [في] غماره «٢» ، وعلى ذلك كلّه فلم يكن بالسليم من اضطراب رأيه ومغيب شاهد علمه عنه عند لقائه إلى أن يحرّك بالسؤال فيفجر منه بحر علم لا تكدّره الدلاء ويقصّر عنه الرّشاء، له على كلّ ما ذكرنا دلائل ماثلة وأخبار مأثورة. وكان مما يزيد في شنآنه تشيعه لأمراء بني أمية، ماضيهم وباقيهم، بالشرق والأندلس، واعتقاده لصحة إمامتهم وانحرافه عن سواهم من قريش حتى نسب إلى النّصب «٣» لغيرهم. وقد كان من غرائبه انتماؤه في فارس واتباع أهل بيته له في ذلك بعد حقبة من الدهر تولّى فيها أبوه الوزير المعقّل في زمانه الراجح في ميزانه أحمد بن سعيد بن حزم لبني أمية أولياء نعمته لا عن صحّة ولاية لهم عليه، فقد عهده الناس خامل الأبوة مولّد الأرومة من عجم لبلة جدّه الأدنى حديث الاسلام «٤» لم يتقدم لسلفه نباهة، فأبوه أحمد على الحقيقة هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدهر برأس رابية، وعمّده بالخلال الفاضلة من الرجاحة والمعرفة والدهاء والرجولة والرأي، فاغتدى جرثومة سلف لمن نماهم أغنتهم عن الرسوخ في أول السابقة، فما من شرف إلا مسبوق «٥» عن خارجية، ولم يكن إلا كلا ولا «٦» حتى تخطى عليّ هذا رابية لبلة فارتقى قلعة إصطخر من أرض فارس، فالله أعلم كيف ترقاها إذ لم يكن يؤتى من خطل ولا جهالة، بل وصله بها وسع علم وشجنة «٧» رحم معقومة بلّها بمستأخر الصلة، ﵀؛ فتناهت حاله مع فقهاء عصره إلى ما وصفته، وحسابه وحسابهم على الله

стр. 1656

الذي لا يظلم الناس مثقال ذرة، عزّ وجهه. ولهذا الشيخ أبي محمد مع يهود لعنهم الله ومع غيرهم من أولي المذاهب المرفوضة من أهل الاسلام مجالس محفوظة وأخبار مكتوبة. وله مصنفات في ذلك معروفة من أشهرها في علم الجدل: كتابه المسمى كتاب الفصل بين أهل الآراء والنحل. كتاب الصادع والرادع على من كفّر أهل التأويل من فرق المسلمين والردّ على من قال بالتقليد. وله كتاب في شرح حديث الموطأ والكلام على مسائله. وله كتاب الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد والاقتصار على أصحّها واجتلاب أكمل ألفاظها وأصح معانيها. وكتاب التلخيص والتخليص في المسائل النظرية وفروعها التي لا نصّ «١» عليها في الكتاب ولا الحديث. وكتاب منتقى الاجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف. وكتاب الامامة والسياسة في قسم سير الخلفاء ومراتبها والندب والواجب منها. وكتاب أخلاق النفس. وكتابه الكبير المعروف بالايصال إلى فهم كتاب الخصال. وكتاب كشف الالتباس ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس، إلى تواليف غيرها ورسائل في معان شتى كثير عددها. ومن شعره يصف ما أحرق له من كتبه ابن عبّاد قوله: وان تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلّت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويدفن في قبري دعوني من إحراق رقّ وكاغد ... وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري وإلا فعودوا في المكاتب بدأة ... فكم دون ما تبغون لله من ستر وله: كأنك بالزوّار لي قد تبادروا «٢» ... وقيل لهم أودى عليّ بن أحمد فيا ربّ محزون هناك وضاحك ... وكم أدمع تذرى وخدّ مخدد عفا الله عني يوم أرحل ظاعنا ... عن الأهل محمولا إلى ضيق ملحد وأترك ما قد كنت مغتبطا به ... وألقى الذي آنست منه بمرصد

стр. 1657

فوارا حتي إن كان زادي مقدّما ... ويا نصبي إن كنت لم أتزود ويا لبدائع هذا الحبر، على وعورة ما أوضحنا «١» ، على كثرة الدافنين لها والطامسين لمحاسنها، وعلى ذلك فليس ببدع فيما أضيع منه، فأزهد الناس في عالم أهله وقبله أردى العلماء تبريزهم «٢» على من يقصر عنهم، والحسد داء لا دواء له؛ (آخر كلام ابن حيان) . ولأبي محمد قصيدة يخاطب بها قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن بن بشر «٣» يفخر فيها بالعلم ويذكر أصناف ما علم، يقول فيها «٤» : أنا الشمس في جوّ السماء منيرة ... ولكنّ عيبي أن مطلعي الغرب ولو أنني من جانب الشرق طالع ... لجدّ على ما ضاع من ذكري النهب ولي نحو أكناف العراق صبابة ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصبّ فإن ينزل الرحمن رحلي فيهم ... فحينئذ يبدو التأسّف والكرب فكم قائل أغفلته وهو حاضر ... وأطلب ما عنه تجيء به الكتب هنالك تدري أن للبعد قصة ... وأن كساد العلم آفته القرب فواعجبا من غاب عنهم تشوقوا ... له ودنوّ المرء من دارهم ذنب وإن مكانا ضاق عنّي لضيّق ... على أنه فيح مذاهبه سهب وإن رجالا ضيعوني لضيّع ... وإن زمانا لم أنل خصبه جدب ولكنّ لي في يوسف خير أسوة ... وليس على من بالنبيّ اتّسى ذنب يقول مقال الحقّ والصدق «إنني ... حفيظ عليم» ما على صادق عتب وله: لا تشتمن حاسدي ..... البيتان

стр. 1658

وله: لئن أصبحت مرتحلا .... البيتان وله مثله: يقول أخي شجاك رحيل جسم ... وروحك ما له عنّا رحيل فقلت له المعاين مطمئنّ ... لذا طلب المعاينة الخليل قال الحميدي وأنشدته قول أبي نواس «١» : عرّضن للذي تحبّ بحبّ ... ثم دعه يروضه إبليس فقل «٢» أنت في طريق التحقيق، فقال: أبن قول وجه الحقّ في نفس سامع ... ودعه فنور الحقّ يسري ويشرق سيؤنسه رفقا وينسى نفاره ... كما نسي القيد الموثّق مطلق. [٧٢١] علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي ، أبو الحسن: أصلهم من ساوة، وهم أولاد التجار، وكانا أخوين: علي هذا وعبد الرحمن، وكلّ قد روى العلم وحدث. ذكرهما عبد الغافر بن إسماعيل في «السياق» قال: مات أبو الحسن عليّ الواحدي سنة ثمان وستين وأربعمائة، ومات أخوه عبد الرحمن سنة سبع وثمانين

стр. 1659

وأربعمائة كلاهما بنيسابور. قال عبد الغافر: فأما أبو الحسن فهو الامام المصنف المفسر النحوي أستاذ عصره وواحد دهره، أنفق صباه وأيام شبابه في التحصيل، فأتقن الأصول على الأئمة، وطاف على أعلام الأمة، فتلمذ لأبي الفضل العروضي الأديب، وقرأ النحو على أبي الحسن الضرير القهندزي، وسافر في طلب الفوائد، ولازم مجالس الثعالبي «١» في تحصيل التفسير، وأدرك الزيادي «٢» وأكثر عن أصحاب الأصم. وأخذ في التصنيف فجمع كتاب الوجيز «٣» . وكتاب الوسيط. وكتاب البسيط، كلّ في تفسير القرآن المجيد، وأحسن كل الاحسان في البحث والتنقير. وله كتاب أسباب النزول» . وكتاب الدعوات والمحصول «٥» . وكتاب المغازي. وكتاب شرح [ديوان] المتنبي «٦» . وكتاب الإغراب في الاعراب في النحو. وكتاب تفسير النبي ﷺ . وكتاب نفي التحريف عن القرآن الشريف. وقعد للافادة والتدريس سنين، وتخرج به طائفة من الأئمة سمعوا منه وقرأوا عليه وبلغوا محلّ الافادة. وعاش سنين ملحوظا من النظام وأخيه بعين الاعزاز والاكرام، وكان حقيقا بكلّ احترام وإعظام، لولا ما كان فيه من غمزه وإزرائه على الأئمة المتقدمين، وبسطه اللسان فيهم بغير ما يليق بمناصبهم، عفا الله عنا وعنه. قال عبد الغافر: وأجاز لي جميع مسموعاته. ذكره الحسن بن المظفر النيسابوري فقال: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري هو الذي قيل فيه: قد جمع العالم في واحد ... عالمنا المعروف بالواحدي

стр. 1660

قال: ومن غرر شعره: أيا قادما من طوس أهلا ومرحبا ... بقيت على الأيام ما هبّت الصّبا لعمري لئن أحيا قدومك مدنفا ... بحبّك صبا في هواك معذبا يظلّ أسير الوجد نهب صبابة ... ويمشي على جمر الغضا متقلبا فكم زفرة قد هجتها لو زفرتها ... على سدّ ذي القرنين أمسى مذوّبا وكم لوعة قاسيت يوم تركتني ... ألاحظ منك البدر حين تغيبا وعاد النهار الطّلق أسود مظلما ... وعاد سنا الإصباح بعدك غيهبا وأصبح حسن الصبر عنّي ظاعنا ... وحدّد نحوي البين نابا ومخلبا فأقسم لو أبصرت طرفي باكيا ... لشاهدت دمعا بالدماء مخضبا مسالك لهو سدّها الوجد والجوى ... وروض سرور عاد بعدك مجدبا فداؤك روحي يا ابن أكرم والد ... ويا من فؤادي غير حبّيه قد أبى وأنشد له: تشوّهت الدنيا وأبدت عوارها ... وضاقت عليّ الأرض بالرّحب والسعه وأظلم في عيني ضياء نهارها ... لتوديع من قد بان عني بأربعه فؤادي وعيشي والمسرة والكرى ... فإن عاد عاد الكلّ والأنس والدعه وقال أبو الحسن الواحدي في مقدمة «البسيط» : وأظنّني «١» لم آل جهدا في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا وتسعه سنو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله وله الحمد حتى اقتبست كلّ ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانّه، وأخذته من معادنه. أما اللغة فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي ﵀، وكان قد خنّق التسعين في خدمة الأدب، وأدرك المشايخ الكبار وقرأ عليهم وروى عنهم، كأبي منصور الأزهري روى عنه «كتاب التهذيب» وغيره من الكتب، وأدرك أبا العباس العامري وأبا القاسم الأسدي

стр. 1661

وأبا نصر طاهر بن محمد الوزيري وأبا الحسن الرخّجي، وهؤلاء كانوا فرسان البلاغة وأئمة اللغة، وسمع أبا العباس الأصمّ وروى عنه، واستخلفه الأستاذ أبو بكر الخوارزمي على درسه عند غيبته، وله المصنفات الكبار والاستدراكات على الفحول من العلماء باللغة والنحو، وكنت قد لازمته سنين أدخل عليه عند طلوع الشمس وأخرج لغروبها، أسمع وأقرأ وأعلّق وأحفظ وأبحث وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار. وقرأت عليه الكثير من الدواوين واللغة حتى عاتبني شيخي ﵀ يوما وقال: إنك لم تبق ديوانا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرّغ لتفسير كتاب الله العزيز تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقصى البلاد وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار- يعني الأستاذ الامام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، فقلت: يا أبت إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجدّ وتعب، لم أرم في غرض التفسير من كثب، ثم لم أغبّ زيارته يوما من الأيام، حتى حال بيننا قدر الحمام. وأما النحو فإني لما كنت في ميعة صباي وشرخ شبيتي وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وأعلمهم بمضايق طرق العربية وحقائقها، ولعله تفرّس فيّ وتوسّم الخير لديّ، فتجرّد لتخريجي، وصرف وكده إلى تأديبي، ولم يدّخر عني شيئا من مكنون ما عنده حتى استأثرني بأفلاذه، وسعدت به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه، وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل، وخصّني بكتابه الكبير في «علل القراءة المرتبة في كتاب الغاية» لابن مهران. ثم ورد علينا الشيخ أبو عمران المغربي المالكي، وكان واحد دهره وباقعة عصره في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الاعراب، ولقد صحبته مدة في مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده. وأما القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة فإني اختلفت إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي ﵀، وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران،

стр. 1662

ثم ذهبت إلى الامامين أبي عثمان سعيد بن محمد الحيري وأبي الحسن علي بن محمد الفارسي، وكانا قد انتهت إليهما الرياسة في هذا العلم وأشير إليهما بالأصابع في علوّ السن ورؤية المشايخ وكثرة التلامذة وغزارة العلوم وارتفاع الأسانيد والوثوق بها، فقرأت عليهما وأخذت من كلّ واحد منهما حظا وافرا بعون الله وحسن توفيقه. وقرأت على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي عنه، وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج بحقّ روايته عن ابن مقسم عنه، وسمع بقراءتي الخلق الكثير. ثم فرغت للأستاذ أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ﵀ وكان حبر العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء بل بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم. وله التفسير الملقب ب «الكشف والبيان عن تفسير القرآن» الذي رفعت به المطايا في السهل والأوعار، وسارت به الفلك في البحار، وهبت هبوب الريح في الأقطار: فسار مسير الشمس في كلّ بلدة ... وهبّ هبوب الريح في البرّ والبحر وأصفقت عليه كافّة الأمة على اختلاف نحلهم، وأقرّوا له بالفضيلة في تصنيفه ما لم يسبق إلى مثله، فمن أدركه وصحبه علم أنه منقطع القرين، ومن لم يدركه فلينظر في مصنفاته ليستدلّ بها أنه كان بحرا لا ينزف، وغمرا لا يسبر. وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء منها تفسيره الكبير وكتابه المعنون ب «الكامل في علم القرآن» وغيرهما. ولو أثبتّ المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطئتها طال الخطب، وملّ الناظر. وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدّني الله فيه بتوفيقه مشتمل على ما نقمت على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، لا يدع لمن تأمله حارّة في صدره حتى يخرجه عن ظلمة الريب والتخمين، إلى نور العلم واليقين، هذا بعد أن يكون المتأمل مرتاضا في صنعة الأدب والنحو، مهتديا بطرق الحجاج، قارحا في سلوك المنهاج، فأما الجذع المرخى من المقتبسين، والريّض الكزّ «١» من المبتدئين، فإنه مع هذا الكتاب كمزاول غلقا ضاع

стр. 1663

عنه المفتاح، ومتخبط في ظلماء «١» ليل خانه المصباح: يحاول فتق غيم وهو يأبى ... كعنّين يريد نكاح بكر ثم قال بعد كلام: ثم إن هذا الكتاب عجالة الوقت، وقبسة العجلان، وتذكرة يستصحبها الرجل حيث حلّ وارتحل، وان أنسىء الأجل، وأرخي الطّول، وأنظرني الليل والنهار، حتى يتلفع بالمشيب العذار، أردفته بكتاب أنضجه بنار الرويّة، وأردّده على رواق الفكرة، وأضمنه عجائب ما كتبته ولطائف ما جمعته، وعلى الله المعوّل في تيسير «٢» ما رمت، وله الحمد كلما قعدت أو قمت. [٧٢٢] علي بن أحمد الفنجكردي: وفنجكرد قرية من قرى نيسابور على حدّ الدرب؛ كان أديبا فاضلا ذكره الميداني في خطبة «كتاب السامي» «٣» وأثنى عليه، ومات سنة اثنتي عشرة وخمسمائة عن ثمانين سنة. وذكره البيهقي في «الوشاح» فقال: الامام علي بن أحمد الفنجكردي الملقب بشيخ الأفاضل أعجوبة زمانه وآية أقرانه وشيخ الصناعة والممتطي غوارب البراعة. وذكره عبد الغافر الفارسيّ فقال: علي بن أحمد الفنجكردي الأديب البارع صاحب النظم والنثر الجاريين في سلك السلاسة، قرأ اللغة على يعقوب بن أحمد الأديب وغيره وأحكمها وتخرج فيها، وأصابته علة لزمته في آخر عمره، ومات بنيسابور في ثالث عشر رمضان سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. قال البيهقي: وأنشدني لنفسه:

стр. 1664

زماننا ذا زمان سوء ... لا خير فيه ولا صلاحا هل يبصر الملبسون فيه ... لليل أحزانهم صباحا وكلهم منه في عناء ... طوبى لمن مات فاستراحا وله: ولّى الشباب بحسنه وبهائه ... وأتى المشيب بنوره وضيائه الشيب نور للفتى لكنه ... نور مهيب مؤذن بفنائه فالهج بذكر الله وارض بحكمه ... لا روح للفقراء دون لقائه وله: الحكم لله ما للعبد منقلب ... إلا إليه ولا عن حكمه هرب والمرء ما عاش في الدنيا أخو محن ... تصيبه الحادثات السود والنوب فإن يساعده في أثنائها فرج ... تسارعت نحوه في إثره كرب حتى إذا ملّ من دنياه فاجأه ... في أرضه كان أو في غيرها العطب. [٧٢٣] علي بن أحمد بن محمد بن الغزّال النيسابوري أبو الحسن: ذكره عبد الغافر في «السياق» فقال: مات في شعبان سنة ست عشرة وخمسمائة ووصفه فقال: الامام المقرىء الزاهد العامل، من وجوه أئمة القراءة المشهورين بخراسان والعراق. العارف بوجوه القراءات واختلاف الروايات، الامام في النحو وما يتعلق به من العلل، وإليه الفتوى فيه، عهدناه شابّا كثير الاجتهاد مقبلا على التحصيل ملازما لأستاذ أبي نصر الرامشي المقرىء حتى تخرج به فزاد عليه في الفقه والورع وقصر اليد عن الدنيا، ولزم طريق العبادة وطريق التصوف والزهد حتى كان يقصد من البلاد ويستفاد منه، وقلّ ما كان يخرج من بيته إلا في الجنائز ثم اختلّ بصره في آخر عمره، ثم

стр. 1665

أصابه مرض طويل فبقي فيه مدة إلى أن سقطت قوته وضعف وأدركه قضاء الله عديم النظير فمات. وله تصانيف مفيدة في النحو والقراءات. سمع [من] الحفصي وأحمد بن منصور بن خلف المغربي. [٧٢٤] علي بن أحمد بن بكري- وقيل علي بن عمر بن أحمد بن عبد الباقي بن بكري- أبو الحسن خازن دار الكتب بالنظامية: مات في ثامن عشري شهر رمضان سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ودفن في الوردية، ولم يعقب، وكان من أهل باب الأزج. له معرفة جيدة بالأدب، قرأ النحو على أبي السعادات ابن الشجري، وقرأ اللغة على أبي منصور الجواليقي وغيره، وكان فاضلا عارفا حسن الأمر مليح الخطّ جيد الضبط، قد كتب من كتب الأدب الكثير الذي يفوت الحصر. [٧٢٥] علي بن بريد أبو دعامة القيسي «١» أبو الحسن: أحد الكبراء من الأدباء الرواة النبلاء، مات [ ... ] ذكره الأمير أبو نصر فقال: وعلي بن بريد أبو دعامة القيسي صاحب أدب، وهو بكنيته مشهور، وله أخبار كثيرة، روى عن أبي نواس وأبي العتاهية، روى عنه ابن أبي طاهر وعون بن محمد الكندي وغيرهما «٢» .

стр. 1666

[٧٢٦] علي بن بسام أبو الحسن: من أهل الأندلس، له كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، يعني جزيرة الأندلس، في سبعة أسفار. [٧٢٧] علي بن ثروان بن الحسن الكندي أبو الحسن ، وهو ابن عم تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي شيخنا. ذكره العماد في «الخريدة» قال: وأصله من الخابور، قال: ورأيته بدمشق مشهودا لفضله بالوفور، مشهورا بالمعرفة بين الجمهور، موثوقا بقوله، مصبوحا مغبوقا من نور الدين بطوله. وكان أديبا فاضلا، أريبا كاملا، قد أتقن اللغة وقرأ الأدب على أبي منصور ابن الجواليقي وغيره من معاصريه، وله شعر كثير. قال: ولم يقع إليّ ما أشدّ يد الانتقاد عليه. ومات بدمشق بعد سنة خمس وستين وخمسمائة، وكان قد قصد الأمير حجي بن عبيد الله بالزبداني «١» فلم يجده وكتب على بابه هذين البيتين «٢» : حضر الكنديّ مغناكم فلم ... يركم من بعد كدّ وتعب لو رآكم لتجلّى همّه ... وانثنى عنكم بحسن المنقلب

стр. 1667

وله من قصيدة: هتك الدمع بصوب هتن «١» ... كلّ ما أضمرت من سرّ خفي يا أخلائي على الخيف أما ... تتقون الله في حثّ المطي. [٧٢٨] علي بن جعفر الكاتب، أبو الحسن الفارسي الكاتب النحوي الشاعر: قال الحاكم في «كتاب نيسابور» وكان من أعيان الأدباء، ومن أهل العلم، علّقت عنه من كلامه ولم أعرفه بالرؤية «٢» ؛ سكن نيسابور. قال الحاكم: سمعت أبا الحسن الفارسي يقول: إن اللئيم إذا لم يصطنع تجنّى كما أنشدونا لعلي بن الجهم «٣» : وخافوا أن يقال لهم خذلتم ... أخاكم فادّعوا قدم الجفاء قال: سمعت أبا الحسن الكاتب يقول: كتب حميد بن مهران إلى أبي أيوب الهاشمي يستزيره: أقيك الردى يا قريع الورى ... ومن حلّ من هاشم في الذرى ويفديك من ودّه في المغيب ... إذا امتحن الودّ واهي القوى وصالك يعدل صدق الرجاء ... وصفو المدام وطعم الكرى فقد تاقت النفس من وامق ... إلى أن يراك فماذا ترى؟

стр. 1668

[٧٢٩] علي بن جعفر بن علي السعدي ، يعرف بابن القطّاع الصقلي، وكان مقيما بالقاهرة من مصر يعلّم ولد الأفضل ابن أمير الجيوش بدر الجمالي وزير المتلقب بالآمر بالله الذي كان بمصر متغلّبا. ومات ابن القطاع سنة أربع عشرة وخمسمائة بمصر ومولده سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وكان إمام وقته ببلده وبمصر في علم العربية وفنون الأدب. قرأ على أبي بكر محمد بن البر الصقلي، وكان مما روى عنه «كتاب الصحاح» لإسماعيل بن حماد الجوهري، ومن طريقه اشتهرت رواية هذا الكتاب في جميع الآفاق. ولابن القطاع عدة تصانيف منها: كتاب الدرّة الخطيرة في شعراء الجزيرة يعني جزيرة صقلية، اشتملت على مائة وسبعين شاعرا وعشرين ألف بيت شعر «١» . وكتاب الأسماء في اللغة جمع فيه أبنية الأسماء كلها. وكتاب الأفعال هذّب فيه أفعال ابن القوطية وأفعال ابن طريف وغيرهما في ثلاث مجلدات «٢» . وله حواش على كتاب الصحاح نفيسة وعليها اعتمد أبو محمد ابن بريّ النحوي المصري في ما تكلم عليه من حواشي الصحاح. وكتاب فرائد الشذور وقلائد النحور في الأشعار. وكتاب العروض والقوافي. وكتاب ذيل تاريخ صقلية. وكتاب الأبنية، أبنية الأسماء والأفعال. ولابن القطاع أشعار ليست على قدر علمه ومن أجودها قوله: إياك أن تدنو من روضة ... بوجنتيه تنبت الوردا واحذر على نفسك من قربها ... فإنّ فيها أسدا وردا

стр. 1669

ومنه: ألا إنّ قلبي قد تضعضع للهجر ... وقلبي من طول الصدود على الجمر تصارمت الأجفان منذ صرمتني ... فما تلتقي إلا على دمعة تجري ومنه: يا ربّ قافية بكر نظمت بها ... في الجيد عقدا بدرّ المجد قد رصفا يودّ سامعها لو كان يسمعها ... بكلّ أعضائه من حسنها شغفا. [٧٣٠] علي بن الحسن الأحمر صاحب الكسائي: قال الجعابي، قال محمد بن يحيى الصولي: الأحمر أبو الحسن علي بن الحسن مؤدب الأمين لم يصر إلى أحد قطّ من التأديب ما صار إليه. وقال محمد بن داود: الأحمر اسمه علي بن المبارك. ومات الأحمر فيما ذكره الصولي عن أحمد بن فرج قال سمعت أبا سعيد الطوال يقول: مات الأحمر قبل الفرّاء بمدة، قال: أحسبه سنة أربع وتسعين ومائة ومات الفرّاء سنة أربع ومائتين. وحدث المرزباني قال: روى عبد الله بن جعفر عن علي بن مهدي الكسروي عن ابن قادم صاحب الكسائي قال: كان الأحمر صاحب الكسائي رجلا من الجند من رجّالة النّوبة على باب الرشيد، وكان يحبّ علم العربية، ولا يقدر على مجالس الكسائي إلا في أيام غير نوبته، وكان يرصد مصير الكسائي إلى الرشيد ويعرض له في طريقه كلّ يوم، فإذا أقبل تلقاه وأخذ بركابه ثم أخذ بيده وماشاه إلى أن يبلغ الستر، وساءله في طريقه عن المسألة بعد المسألة، فإذا دخل الكسائي رجع إلى مكانه، فإذا خرج الكسائي من الدار تلقاه إلى الستر وأخذ بيده، وما شاه يسائله «١» حتى يركب

стр. 1670

ويجاوز المضارب، ثم ينصرف إلى الباب. فلم يزل كذلك يتعلم المسألة بعد المسألة حتى قوي وتمكن، وكان فطنا حريصا، فلما أصاب الكسائيّ الوضح في وجهه وبدنه كره الرشيد ملازمته أولاده، فأمر أن يرتاد لهم من ينوب عنه ممن يرتضي به وقال: إنك قد كبرت ونحن نحبّ أن نودّعك، ولسنا نقطع عنك جاريك، فجعل يدافع بذلك ويتوقّى أن يأتيهم برجل فيغلب على موضعه، إلى أن ضيّق عليه الأمر وشدّد، وقيل له إن لم تأتنا أنت من أصحابك برجل ارتدنا نحن لهم من يصلح، وكان قد بلغه أن سيبويه يريد الشخوص إلى بغداد والأخفش، فقلق لذلك، ثم عزم على أن يدخل إلى أولاد الرشيد من لا يخشى ناحيته، ومن ليس ممن اشتد من أصحابه، فقال للأحمر: هل فيك خير؟ قال: نعم، قال: قد عزمت أن أستخلفك على أولاد الرشيد، فقال الأحمر: لعلي لا أفي بما يحتاجون إليه، فقال الكسائي: إنما يحتاجون في كلّ يوم إلى مسألتين في النحو وثنتين من معاني الشعر وأحرف من اللغة، وأنا ألقنك في كلّ يوم قبل أن تأتيهم ذلك فتتحفظه وتعلّمهم، فقال: نعم، فلما ألحّوا عليه قال: قد وجدت من أرضاه، وإنما أخّرت ذلك حتى وجدته، وأسماه لهم. فقالوا له: إنما اخترت لنا رجلا من رجال النّوبة ولم تأت بأحد متقدّم في العلم، فقال: ما أعرف أحدا في أصحابي مثله في الفهم والصيانة، ولست أرضى لكم غيره، فأدخل الأحمر إلى الدار وفرش له البيت الذي [يؤدّب] فيه بفرش حسن، وكان الخلفاء إذا أدخلوا مؤدّبا إلى أولادهم فجلس أول يوم أمروا بعد قيامه بحمل كلّ ما في المجلس إلى منزله مع ما يوصل به ويوهب له، فلما أراد الأحمر الانصراف إلى منزله دعي له بحمالين فحمل معه ذلك كله مع بزّ كثير، فقال الأحمر: والله ما يسع بيتي هذا، وما لنا إلا غرفة ضيقة، ليس فيها من يحفظه غيري، في بعض الخانات، وإنما يصلح مثل هذا لمن له دار وأهل وكلّ شيء يشاكله، فأمر بشراء دار له وجارية، وحمل على دابة، ووهب له غلام، وأقيم له جار ولمن عنده. فجعل يختلف إلى الكسائي كلّ عشية ويتلقّن ما يحتاج إليه أولاد الرشيد ويغدو عليهم فيلقّنهم، وكان الكسائي يأتيهم في الشهر مرة أو مرتين فيعرضون عليه بحضرة الرشيد ما علّمهم الأحمر، ويرضاه، فلم يزل الأحمر كذلك حتى صار نحويّا وجلّت حاله وعرف بالأدب حتى قدّم على سائر أصحاب الكسائي، ولم يكن له قبل ذلك ذكر ولا يعرف.

стр. 1671

وحدث محمد بن الجهم السمري قال: كنا إذا أتينا الأحمر تلقانا الخدم فندخل قصرا من قصور الملوك فيه من فرش الشتاء في وقته ما لم يكن مثله إلا في دار أمير المؤمنين، ويدفع إلينا دفاتر الكاغد والجلود قد صقلت والمحابر المخروطة والأقلام والسكاكين، ويخرج إلينا وعليه ثياب الملوك تنفح منها رائحة المسك والبخور، فيلقانا بوجه منطلق وبشر حسن، حتى ننصرف ونصير إلى الفرّاء، فيخرج إلينا معبّسا قد اشتمل بكسائه، فيجلس لنا على بابه ونجلس في التراب بين يديه، فيكون أحلى في قلوبنا من الأحمر وجميل فعله. وحدث سلمة قال: كان الأحمر قد أملى على الناس شواهد النحو، فأراد الفرّاء أن يتممها فلم يجتمع له أصحاب الكسائي كما اجتمعوا للأحمر، فقطع ولم يعرض له. قال عبد الله بن جعفر: أخبرنا غير واحد عن سلمة بن عاصم صاحب الفرّاء قال: كان بين الفرّاء والأحمر تباعد وجفاء، فحجّ الأحمر فمات في طريق مكة، فقيل للفراء: إن الأحمر قد نعي إلى أهله، فاسترجع وتوجّع وترحّم عليه وجعل يقول: أما والله لقد علمته صدوقا سخيا ذكيّا عالما ذا مروءة ومودة، ﵁، فقيل له أين هذا مما كنت تقول فيه بالأمس؟ قال: والله ما يمنعني ما كان بيني وبينه أن أقول فيه الحقّ، وما تعديت فيه قط في قول ولا تحريت فيه إلا الصدق قبل وإلى الآن. وأنشد إسحاق الموصلي قال: أنشدني الأحمر غلام الكسائي لنفسه: وفتيان صدق دعوا للندى ... رياض السرور بأرض الطرب وهي أربعة أبيات. قال: وقرأت له أيضا أبياتا يسيرة ضعيفة. وقال أبو محمد اليزيدي يهجو الكسائي والأحمر: أفسد النحو الكسائيّ ... وثنّى ابن غزاله وأرى الأحمر تيسا ... فاعلفوا التيس النخاله وقال ثعلب: كان الأحمر يحفظ الأربعين ألف بيت شاهد في النحو سوى ما كان يحفظ من القصائد، وكان مقدّما على الفرّاء في حياة الكسائي، وله من التصانيف: كتاب التصريف. كتاب تفنن البلغاء.

стр. 1672

[٧٣١] علي بن الحسن الهنائي المعروف بكراع النمل: منسوب إلى هناءة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، أبو الحسن اللغوي، مات [ ... ] . وجدت خطه على «المنضّد» من تصنيفه وقد كتبه في سنة سبع وثلاثمائة متقدم العصر في أيام ابن دريد. ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: هو من أهل مصر، وكان كوفيا وأخذ عن البصريين ويعرف بالرؤاسي «١» ، قبيلة من الأزد. وكتبه بمصر موجودة مرغوب فيها. وقال غيره: له من التصانيف «كتاب المنضد» أورد فيه لغة كثيرة مستعملة وحوشية، ورتبه على حروف ألف باء تاء ثاء إلى آخر الحروف، ثم اختصره في كتاب المجرد، ثم اختصره في كتاب المنجد. وله كتاب أمثلة الغريب على أوزان الأفعال أورد فيه غريب اللغة. وكتاب المصحف. وكتاب المنظم. [٧٣٢] علي بن الحسن بن فضيل بن مروان: فارسيّ الأصل، ذكره محمد بن إسحاق النديم وقال: له من الكتب كتاب الأصنام وما كانت العرب والعجم تعبد من دون الله تعالى الله .

стр. 1673

[٧٣٣] علي بن الحسن بن عبد الرحمن المقرىء: ذكره محمد بن جعفر التميمي المعروف بابن النجار في «تاريخ الكوفة» فقال: وانتهى تاريخ قراءة عاصم إلى الطبقة الثامنة، وهو علي بن الحسن بن عبد الرحمن المقرىء، وكان شيخا مباركا تلقّن عليه خلق عظيم، وحدثني أبو الحسن ابن سعيد قال: كان يحضر مجلسه فوق ألف نفس في كلّ يوم، وكان السبق من العصر يبيت الناس للسبق، وحفّظ خلقا عظيما القرآن. وآخر من شاهدنا منهم أبو العباس محمد بن الحسن بن يونس الهذلي «١» . وكان عجيب المعنى لفاظا بالقرآن متمكّنا من اللسان، وقد قرأ بالسبعة من عدة وجوه، وقرأ بالشواذ وعليه قرأ بالشواذ أبو الحسين بن أبي بلال البندار، وهو ألّف قراءة علي بن حسن أحسن تأليف وصنّفها أتقن تصنيف. ومن رجال علي بن الحسن أبو العباس المعروف بابن المزرفي المخزومي الخراز، وكان أحد الأبدال الزهاد. وختم عليه خلق عظيم منهم أبو الحسن ابن السمسماني المعدل. [٧٣٤] علي بن الحسن ، يلقب بابن الماشطة الكاتب، يكنى أبا الحسن: ذكره محمد بن إسحاق وقال: يلقب بابن الماشطة ظلما، كان في أيام المقتدر، وله صناعة في الخراج وتقدم في الحساب، وله من التصانيف: كتاب جواب المعنت. كتاب الخراج لطيف. كتاب تعليم نقض «٢» المؤامرات.

стр. 1674

قال المرزباني: أبو الحسن علي بن الحسن بن الماشطة الكاتب أحد مشايخ الكتاب المتصرفين في أعمال السلطان، العالمين بأمور الكتبة والخراج، ورأيته شيخا كبيرا بعد العشر والثلاثمائة وجاوز التسعين، وقال: إذا عمر الإنسان تسعين حجة ... فأبلغ به عمرا وأجدر به شكرا لأنّ رسول الله قد قال معلنا ... ألا إنّ ربي واعد مثله غفرا وقال وكان قد عزل عن عمل كان إليه وحبس: قالوا حبست فقلت الحبس لا عجب ... حبس الكرامة لا حبس الجنايات حبس العمالة بعد العزل عادتنا ... ريث التتبع أو رفع الجماعات وله: إذا ضاق صدري بالحديث أفضته ... إلى الأخ والإخوان كي أجد الرشدا فان كتموه كان حزما مؤيدا ... وإن أظهروه لم أخن لهم عهدا وقلت اشتركنا في الخطايا بذكره ... فألزمتها نفسي لأنّ لها المبدا قال أبو علي التنوخي: حدثني أبو الحسين علي بن هشام، سمعت علي بن الحسن الكاتب المعروف بابن الماشطة، وهو صاحب الكتاب المعروف ب «جواب المعنت» في الكتابة، وعاش حتى بلغ مائة سنة، وكان قد تقلد مكان أبي في أيام حامد لما غلب عليّ بن عيسى على الأمور، قال: سمعت الفضل بن مروان وزير المنتصر بالله ابن المتوكل وذكر خبرا. وقال في موضع آخر «١» : حدثني أبو الحسن الكاتب المعروف بابن الماشطة، وكان يتقلّد قديما العمالات، ثم صار من شيوخ الكتاب، وتقلد في أيام حامد بن عباس ديوان بيت المال.

стр. 1675

[٧٣٥] علي بن الحسن بن محمد بن يحيى: يعرف بعلّان المصري، ذكره أبو بكر الزبيدي في كتابه فقال: كان نحويا من ذوي النظر والتدقيق في المعاني، وكان قليل الحفظ لأصول النحو، فإذا حفظ الأصل تكلّم عليه فأحسن وجوّد في التعليل ودقق القول ما شاء، مات في شوال سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. [٧٣٦] علي بن الحسن بن حبيب اللغوي، أبو الحسن الصقلي: ذكره ابن القطاع فقال: أحد رجال اللغة المعدودين والعلماء بها المبرّزين، وممن تناول المدى البعيد بقرب فهم، وأوضح المبهمات بنور علم، وكان مضطلعا بنقد الشعر ومعانيه، ناهضا بأعباء الغريب ومبانيه، فمن شعره قوله: أهاب الكأس أشربها وإني ... لأجرأ من أسامة في النزال أراوغها مراوغة كأنّي ... ألاقي عند ذاك شبا العوالي. [٧٣٧] علي بن الحسن بن حسول، أبو القاسم: من كلام ابن حسول رقعة كتبها إلى الصاحب ابن عباد يسترضيه في شيء وجده عليه: مولانا الصاحب الأجلّ كافي الكفاة كالبحر يتدفّق، والعارض يتألّق، فلا عتب على من لا يرويه سيب غواديه أن يستشرف للرائحات الرواعد من طوله فيشيم بوارقها ويستمطر سحابها، والله تعالى يديم إحياء الخلق بصوب حيائه، وديم أنوائه، والمنهلّة من فتوق سمائه، وكان غاية

стр. 1676

ما رجّاه خادمه وتمنّاه أن يسلم على بلايا أحدقت به، ومنايا حدّقت إليه، وأجل نازل أمله، وسيف صقيل تلمّظ له، وحين كفاه مولانا من ذلك ما كفاه آخذا بيديه، وباسطا جناح رحمته عليه، طالبته نفسه بتوقيعه العالي، ليتوقّى به وقائع الليالي، فتصدق أدام الله تمكينه عليه بتوقيعين في مدة أسبوعين، وأنقذاه مغمورا، وأنشراه مقبورا، وقد أبطرته الآن النعمة، ونزت به البطنة، وأطمعته في توقيع ثالث فطمع وأصدر كتابه هذا وانتظر، فإن رأى مولانا أن يحقّق رجاءه، ويستغنم دعاءه، ودعاء من وراءه، فعل إن شاء الله . فوقّع الصاحب على ظهرها: سيدي أبو القاسم أيده الله قدّم حرمة وأتبع عثرة وأظهر إنابة فاستحقّ إقالة فعاد حقّه طريّا كأن لم يخلق، وظنّه قويا كأن لم يخفق، ولو حضر لأظهرت ميسم الرضى عليه، بما أصرفه من مزيد البسطة إليه، وإذ قد غبت فأنت لي يد حقّ ولسان صدق، فنب في ذلك منابا يمحو آثار السّخط حتى كأن لم تشهد، ويرحض أخبار العتب كأن لم تعهد؛ هذا وأحسب توقيعي كافيا فيما أمّله، ومغنيا فيما أناله أمله، إن شاء الله . [٧٣٨] علي بن الحسن القهستاني، أبو بكر العميد: أحد من أشرقت بنور الآداب شمسه، وتقدم- وإن تأخر زمانه- بالفضل يومه وأمسه، وسما بفضل أدبه كلّ أفاضل جنسه، مشهور في أهل خراسان مذكور معروف بينهم لا يجهل قدره، ولا يطمس بدره. وكان قد اتصل في أيام السلطان محمود بن سبكتكين بولده محمد بن محمود «١» في أيام أبيه لما قلده الخوزستان «٢» ، وكان يميل إلى علوم الأوائل ويدمن النظر

стр. 1677

في الفلسفة، فقدح في دينه ومقت لذلك. وكان كريما جوادا ممدّحا، ولي الولايات الجليلة، وله أشعار فائقة ورسائل رائقة. وكان كثير المزاح راغبا في اللهو والمراح، له في ذلك خاطر وقّاد وحكايات متداولة، وقد دوّنت رسائله وشاعت فضائله، وكان يدمن المزاح حتى في مجلس نظره، وكان يعاتب على ذلك فلا يدعه لغلبة طبعه عليه، وكان قد تولّى العرض، فجرى يوما بين يديه في مجلس العرض ذكر المعمّى فقال: قد كان عندي البارحة جماعة- سماهم- من أهل الأدب فألقيت عليهم مثالا يصعب استخراج مثله فوقفوا فيه وهو: مليحة القدّ والأعطاف قد جعلت ... في الحجر طفلا له رأسان في جسد قد ضيقت منه أنفاس الخناق بلا ... جرم وتضربه ضربا بلا حرد فتسمع الصوت منه حين تضربه ... كأنه خارج من ماضغ الأسد ثم قال: لقد ساءني والله فلان- لرجل أسماه- إذ لم يفهم هذا القدر، فقال له غلام أمرد من أولاد الكتاب كان يتعلّم في ديوانه: قد عرفت- أطال الله بقاء الشيخ العميد- هذا المعمّى، وهو الطبل؛ فقال له مبادرا، كأنه كان قد أعدّ له ذلك: عهدي بك تستدخل الأعور فكيف صرت تستخرج الأعمى؟! فخجل الغلام وضحك الحاضرون. قال ابن عبد الرحيم: وحدثني أبو الفضل قال: بلغني أن القهستاني أنشد مرة بحضرة السلطان محمد بن محمود بيتا من المعمّى فلم يعرفه هو ولا ندماؤه وهو: دقيقة الساق لا عروق لها ... تدوس رزق الورى بهامتها فقال له محمد: ما نفهم هذا ولا نعرف شيئا يشبهه ففسّره. قال: هو مغرفة الباقلاني، يغرف بها الماء، ويهشم برأسها الخبز والثريد وهو رزق الورى. فاستبرده وثقل عليه عدم فهمه له، وهو لعمري مستبرد حقيقة. قال: وحدثني أن هذا الرجل كان يتميز على أهل خراسان بحسن الأخلاق والسخاء، وكثرة المعروف والعطاء، وكان الشعراء يقصدونه دائما لما اشتهر من سماحته وفائض مروءته، فأنشده بعض الشعراء قصيدة باردة غير مرضيّة، فغفل عنه

стр. 1678

وأخّر صلته، فكتب بيتين في رقعة وسأل الدواتي أن يتركها في دواته ففعل، وكان البيتان: أبا بكر هجوتك لا لطبعي ... فطبعي عن هجاء الناس نابي ولكنّي بلوت الطبع فيه ... فإن السيف يبلى في الكلاب فوقعت بيد العميد بعد أيام، فلما وقف عليها استحسنها، وسأل الدواتي عن الرجل فعرّفه إياه، فأمر بطلبه، فقيل له إنه سافر، فأرسل خلفه من استعاده من عدّة فراسخ، فلما دخل إليه قام له وأكرمه وتلقاه بالاجلال وقال: لو كان مديحك كهجائك لقاسمتك نعمتي، فإني ما سمعت بأحسن من هذين البيتين، ووصله وأحسن جائزته، فاستجرأ الناس عليه وقالوا إنه لا يثيب إلا على الهجاء. قال: وكان أبو بكر القهستاني لهجا بالغلمان شديد الميل إليهم، وكان لمحمد بن محمود سبعمائة غلام في خيله، فعلق العميد أحدهم وأحبه حبا مفرطا، ولم يستجريء أن يبدي ذلك لما فيه من سوء العاقبة، فاتفق أن عاد الغلمان يوما من بعض المتصيّدات، فلقيهم العميد في صحن الدار فسلّموا عليه، وقرب ذلك الغلام منه، وكان قد عرف ميله إليه، فقرص فخذه، وكان محمد مشرفا عليهم ينظر إلى ذلك، فنزل واستدعى الخدم وأمرهم بضربه فضربوه ضربا مسرفا، ثم أنفذه إلى العميد وقال له: قد وهبناه منك وصفحنا عن ذنبك، فلو لم يساعدك هذا الفاجر على ذلك لما أمكنك فعله، ولكن لا تعد إلى مثل هذا، فاستحيا العميد وقال: هذا أعظم من الضرب والأدب، وتأخر عن داره حياء، فأنفذ محمد واستدعاه وبسطه حتى زال انقباضه، وكان محمد لا رأي له في الغلمان ولا ميل عنده إليهم، وكان لمعرفته بمحبة العميد لهم لا يزال يهب منه واحدا بعد واحد. وشكا الخدم إلى محمد أن بعض الغلمان الدارية يمكّن باقي الغلمان من وطئه ولا يمتنع عليهم من الغشيان، فقال: أيفعل هذا طبعا أم يستجعل عليه؟ فقالوا: بل يستجعل عليه، فتقدم باخراجه وإنفاذه الى العميد وقال: قولوا له هذا بك أشبه لا بنا فخذه مباركا لك فيه. وقال أبو بكر العميد في الميمندي «١» وزير محمود:

стр. 1679

ولقد سئمت من الوزير ومن ذويه زائده ... وغسلت من معروفهم كلتا يديّ بواحده ... وضربتهم عرض الجدا ر فليس فيهم فائدة ومن مشهور قوله: ومعقرب الأصداغ في ... خدّيه ورد ينتثر لا عبته بالكعبتي ... ن مسامحا حتى قمر فازداد حسنا وجهه ... لما رأى حسن الظفر فنعرت نعرة عاشق ... قمر القمر قمر القمر وله: ومقرطق في صحن غرّة وجهه ... متصرف صرف الجمال وتحته عاقرته أسكرته قبلته ... جدّلته فقّحته سرّحته وله من أبيات كان يغنى بها في حضرة الأمير محمد بن محمود: قم يا خليلي فاسقني ... كشعاع خدّك من شراب فلقد يمرّ العيش من ... قرضا ولا مرّ السحاب فانعم بعيشك ما استطع ... ت ولا تضع شرخ الشباب فلكم أضعت من الشبا ... ب وما استفدت سوى اكتئاب قال ابن عبد الرحيم: ثم ورد العميد إلى بغداد في أوائل سني نيف وعشرين وأربعمائة، ومدح أمير المؤمنين القادر بالله والأجلّ عميد الرؤساء أبا طالب ابن أيوب كاتبه، ثم خرج من بغداد وبلغني الآن في سنة خمس وثلاثين أنه اتصل بالملوك السلجوقية الغزّ المتملكين على خراسان وخوارزم والجبل، وأنهم عرضوا عليه الخدم الجليلة، فاختار منها ما يظنّ معه سلامة العاقبة والخلاص من التبعة. ومن قصيدته في القادر: ولم يرني ذو منة غير خالقي ... وغير أمير المؤمنين ببابه غنيا بلا دنيا عن الخلق كلهم ... وان الغنى إلا عن الشيء لا به

стр. 1680

ومما بلغني من شعره: رأيت عمّارا ولو لم أره ... حاز لتلك الطلعة المنكره لا أحمد الله على خلقه ... فلو أراد الحمد ما صوّره وله يهجو ابن كثير العارض: فلسنا نرجّي الخير من إبن واحد ... فكيف نرجّيه من ابن كثير وله فيه: وطول بلا طول وعرض بلا عرض وهجاه بأبيات تصحف: مالي وهذا العارض ابن كثير الشيخ العميد وما له يشناني وهو الفؤاد بروحه وأحبّه ... ويتيه أين رأيته ورآني ويغضّ من قدري ويخمل جاهدا ... ذكري ويخفي في الجنان جناني يريد في الحتان ختاني. [٧٣٩] علي بن الحسن بن الوحشي النحوي الموصلي أبو الفتح: قال السلفي: أنشدني أبو الفرج هبة الله بن محمد بن المظفر بن الحداد الكاتب بثغر آمد، قال: أنشدني ابن الوحشيّ النحوي لنفسه: أبكي على الربع قد أقوى كأنّي من ... سكانه أو كأن ما زلت أعمره لا تلحني في بكائيه فساكنه ... لم ألفه هاجري يوما فأهجره

стр. 1681

[٧٤٠] علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي السبخي أبو الحسن: وقال أبو الحسن البيهقي: كنية الباخرزي أبو القاسم وهو الصحيح؛ وباخرز من نواحي نيسابور- ذكره العماد الكاتب في «الخريدة» فقال: وهو الذي صنّف «كتاب دمية القصر في شعراء العصر» . قال: وطالعت هذا الكتاب بأصفهان في دار الكتب التي لتاج الملك بجامعها وبعثني ذلك على تأليف كتابي هذا- يعني كتابه الذي نقلت هذا منه وسماه «خريدة القصر في شعراء العصر» . قال: ومات في سنة سبع وستين وأربعمائة قال: قتل في مجلس أنس بباخرز وذهب دمه هدرا. قال: وكان واحد دهره في فنه، وساحر زمانه في قريحته وذهنه، صاحب الشعر البديع، والمعنى الرفيع، وأثنى عليه قال: ولقد رأيت أبناء العصر بأصفهان مشغوفين بشعره، متيمين بسحره، وورد إلى بغداد مع الوزير الكندري «١» ، وأقام بالبصرة برهة، ثم شرع في الكتابة معه مدة، واختلف إلى ديوان الرسائل، وتنقّلت به الأحوال في المراتب والمنازل، وله ديوان كبير. ومما أورده في «دمية القصر» لنفسه: ولقد جذبت إليّ عقرب صدغها ... فوجدتها جرّارة مجروره وكشفت ليلة خلوة «٢» عن ساقها ... فرأيتها مكّارة ممكوره

стр. 1682

قال ومما أنشدت من شعره قوله: زكاة رؤوس الناس في عيد فطرهم ... بقول رسول الله صاع من البرّ ورأسك أغلى قيمة فتصدّقي ... بفيك علينا فهو صاع من الدرّ وقال في عذار غلام يكتب خطا مليحا: قد قلت لما فاق خطّ عذاره ... في الحسن خطّ يمينه المستملحا من يكتب الخطّ المليح لغيره ... فلنفسه لا شكّ يكتب أملحا وله: قالوا التحى ومحا الإله جماله ... وكساه ثوب مذلة ومحاق كتب الزمان على محاسن خدّه ... هذا جزاء معذّب «١» العشاق وله «٢» : ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يدعى الطبيب لكثرة الأوصاب وله: يروقك بشرا وهو جذلان مثلما ... تخاف شباه وهو غضبان محنق كذا السيف في أطرافه الموت كامن ... وفي متنه ضوء يروق ورونق وله: قالت وقد ساءلت عنها كلّ من ... لا قيته من حاضر أو بادي أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي وقال يصف الشتاء والبرد: لبس الشتاء من الجليد جلودا ... فالبس فقد برد الزمان برودا كم مؤمن قرصته أظفار الشتا ... فغدا لأصحاب الجحيم حسودا

стр. 1683

وترى طيور الماء في أرجائها ... تختار حرّ النار والسفّودا فإذا رميت بسؤر كأسك في الهوا ... عادت عليك من العقيق عقودا يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرّق لنا عودا وحرّك عودا ومن غير «كتاب الخريدة» مما روي له: إنسان عيني قطّ ما يرتوي ... من ماء وجه ملحت عينه كذلك الإنسان ما يرتوي ... من شرب ماء ملحت عينه قال السمعاني: ولما ورد إلى بغداد مدح القائم بأمر الله بقصيدته التي صدّرها ديوانه، وهي: عشنا إلى أن رأينا في الهوى عجبا ... كلّ الشهور، وفي الأمثال «عش رجبا» أليس من عجب أني ضحى ارتحلوا ... أوقدت من ماء دمعي في الحشا لهبا وأنّ أجفان عيني أمطرت ورقا ... وأن ساحة خدّي أنبتت ذهبا وإن تلهّب برق من جوانبهم ... توقّد الشوق في جنبيّ والتهبا قال: فاستهجن البغداديون شعره وقالوا: فيه برودة العجم، فانتقل إلى الكرخ وسكنها وخالط فضلاءها وسوقتها مدة، وتخلّق بأخلاقهم واقتبس من اصطلاحاتهم، ثم أنشأ قصيدته التي أولها: هبّت عليّ صبا تكاد تقول ... إني إليك من الحبيب رسول سكرى تجشّمت الربى لتزورني ... من علّتي وهبوبها تعليل فاستحسنوها وقالوا: تغير شعره ورقّ طبعه. ومن شعره: حمل العصا للمبتلى ... بالشيب عنوان ابلى وصف المسافر أنه ... ألقى العصا كي ينزلا فعلى القياس سبيل من ... حمل العصا أنّ يرحلا وذكر أبو الحسن ابن أبي القاسم زيد البيهقي في كتاب «مشارب التجارب» و «أخبار الوزير أبي نصر محمد بن منصور الكندري» - وكندر قرية من أعمال

стр. 1684

طريثيث- قال «١» : كان الشيخ علي بن الحسن الباخرزي شريكه في مجلس الإفادة من الإمام الموفق النيسابوري في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة فهجاه الشيخ علي بن الحسن فقال مداعبا: أقبل من كندر مسيخرة ... للنحس في وجهه علامات يحضر دار الأمير وهو فتى ... موضع أمثاله الخرابات فهو جحيم ودبره سعة ... كجنّة عرضها السّماوات قال: وكان أول عمل الكندري حجبة الباب، ثم تمكن في مدة أيام السلطان طغر لبك وصار وزيرا محكّما، فورد عليه الشيخ علي بن الحسن وهو ببغداد في صدر الوزارة في ديوان السلطان، فلما رآه الوزير قال له: أنت صاحب «أقبل» ؟ فقال له: نعم، فقال الوزير: مرحبا وأهلا فإني قد تفاءلت بقولك «أقبل» ، ثم خلع عليه قبل إنشاده وقال له: عد غدا وأنشد، فعاد في اليوم الثاني وأنشد هذه القصيدة «٢» : أقوت معاهدهم بشطّ الوادي ... فبقيت مقتولا وشطّ الوادي وسكرت من خمر الفراق ورقّصت ... عيني الدموع على غناء الحادي منها: في ليلة من هجره «٣» شتوية ... ممدودة مخضوبة بمداد عقمت بميلاد الصباح وإنها ... في الإمتداد كليلة الميلاد منها: غرّ الأعادي منه رونق بشره ... وأفادهم بردا على الأكباد هيهات لا يخدعهم إيماضه ... فالغيظ تحت تبسّم الآساد فالبهو منه بالبهاء موشّح ... والسّرج منه مورق الأعواد وإذا شياطين الضلال تمردوا ... خلّاهم قرناء في الاصفاد

стр. 1685

فلما فرغ من إنشاد هذه القصيدة قال عميد الملك لأمراء العرب: لنا مثله في العجم فهل لكم مثله في العرب؟ ثم أمر له بألف دينار مغربية «١» . قال: وكان السلطان طغرلبك قد بعث وزيره الكندري وكيلا في العقد على بنت خوارزمشاه، فوقع إرجاف، ورفع إلى السلطان أن عميد الملك زوّجها من نفسه وخان، وكان من أمرهما ما كان، فتغير رأي السلطان عليه فحلق عميد الملك لحيته وجبّ مذاكيره حتى سلم من سياسة السلطان، فمدحه الشيخ علي بن الحسن بهذا النقصان، وما سبقه بهذا المعنى أحد حيث قال «٢» : قالوا محا السلطان عنه بعدكم ... سمة الفحول وكان قرما صائلا قلت اسكتوا فالآن زاد فحولة ... لما اغتدى عن أنثييه عاطلا فالفحل يأنف أن يسمّى بعضه ... أنثى لذلك جذّه مستاصلا ولما قتل السلطان الب ارسلان الوزير أبا نصر الكندري قال الباخرزي يخاطب السلطان «٣» : وعمّك أدناه وأعلى محلّه ... وبوّأه من ملكه كنفا رحبا قضى كلّ مولى منكم حقّ عبده ... فخوّله الدنيا وخوّلته العقبى قال المؤلف: وهذا معنى لطيف، ومقصد ظريف، فلله در الشعراء وقرائحهم، والأدباء ومنائحهم. قال البيهقي: ومن العجائب أن آلات تناسل الكندري مدفونة بخوارزم، ودمه مصبوب بمرو الروذ، وجسده مقبور بقرية كندر من طريثيث، وجمجمته ودماغه مدفونان بنيسابور، وشواته محشوّة بالتبن وقد نقلت إلى كرمان فدفنت هناك. وقال علي بن الحسن الباخرزي في ذلك: مفترقا في الأرض أجزاؤه ... بين قرى شتى وبلدان
следующие страницы →