← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

[٧٤٠] علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي السبخي أبو الحسن: وقال أبو الحسن البيهقي: كنية الباخرزي أبو القاسم وهو الصحيح؛ وباخرز من نواحي نيسابور- ذكره العماد الكاتب في «الخريدة» فقال: وهو الذي صنّف «كتاب دمية القصر في شعراء العصر» . قال: وطالعت هذا الكتاب بأصفهان في دار الكتب التي لتاج الملك بجامعها وبعثني ذلك على تأليف كتابي هذا- يعني كتابه الذي نقلت هذا منه وسماه «خريدة القصر في شعراء العصر» . قال: ومات في سنة سبع وستين وأربعمائة قال: قتل في مجلس أنس بباخرز وذهب دمه هدرا. قال: وكان واحد دهره في فنه، وساحر زمانه في قريحته وذهنه، صاحب الشعر البديع، والمعنى الرفيع، وأثنى عليه قال: ولقد رأيت أبناء العصر بأصفهان مشغوفين بشعره، متيمين بسحره، وورد إلى بغداد مع الوزير الكندري «١» ، وأقام بالبصرة برهة، ثم شرع في الكتابة معه مدة، واختلف إلى ديوان الرسائل، وتنقّلت به الأحوال في المراتب والمنازل، وله ديوان كبير. ومما أورده في «دمية القصر» لنفسه: ولقد جذبت إليّ عقرب صدغها ... فوجدتها جرّارة مجروره وكشفت ليلة خلوة «٢» عن ساقها ... فرأيتها مكّارة ممكوره

стр. 1682

قال ومما أنشدت من شعره قوله: زكاة رؤوس الناس في عيد فطرهم ... بقول رسول الله صاع من البرّ ورأسك أغلى قيمة فتصدّقي ... بفيك علينا فهو صاع من الدرّ وقال في عذار غلام يكتب خطا مليحا: قد قلت لما فاق خطّ عذاره ... في الحسن خطّ يمينه المستملحا من يكتب الخطّ المليح لغيره ... فلنفسه لا شكّ يكتب أملحا وله: قالوا التحى ومحا الإله جماله ... وكساه ثوب مذلة ومحاق كتب الزمان على محاسن خدّه ... هذا جزاء معذّب «١» العشاق وله «٢» : ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يدعى الطبيب لكثرة الأوصاب وله: يروقك بشرا وهو جذلان مثلما ... تخاف شباه وهو غضبان محنق كذا السيف في أطرافه الموت كامن ... وفي متنه ضوء يروق ورونق وله: قالت وقد ساءلت عنها كلّ من ... لا قيته من حاضر أو بادي أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي وقال يصف الشتاء والبرد: لبس الشتاء من الجليد جلودا ... فالبس فقد برد الزمان برودا كم مؤمن قرصته أظفار الشتا ... فغدا لأصحاب الجحيم حسودا

стр. 1683

وترى طيور الماء في أرجائها ... تختار حرّ النار والسفّودا فإذا رميت بسؤر كأسك في الهوا ... عادت عليك من العقيق عقودا يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرّق لنا عودا وحرّك عودا ومن غير «كتاب الخريدة» مما روي له: إنسان عيني قطّ ما يرتوي ... من ماء وجه ملحت عينه كذلك الإنسان ما يرتوي ... من شرب ماء ملحت عينه قال السمعاني: ولما ورد إلى بغداد مدح القائم بأمر الله بقصيدته التي صدّرها ديوانه، وهي: عشنا إلى أن رأينا في الهوى عجبا ... كلّ الشهور، وفي الأمثال «عش رجبا» أليس من عجب أني ضحى ارتحلوا ... أوقدت من ماء دمعي في الحشا لهبا وأنّ أجفان عيني أمطرت ورقا ... وأن ساحة خدّي أنبتت ذهبا وإن تلهّب برق من جوانبهم ... توقّد الشوق في جنبيّ والتهبا قال: فاستهجن البغداديون شعره وقالوا: فيه برودة العجم، فانتقل إلى الكرخ وسكنها وخالط فضلاءها وسوقتها مدة، وتخلّق بأخلاقهم واقتبس من اصطلاحاتهم، ثم أنشأ قصيدته التي أولها: هبّت عليّ صبا تكاد تقول ... إني إليك من الحبيب رسول سكرى تجشّمت الربى لتزورني ... من علّتي وهبوبها تعليل فاستحسنوها وقالوا: تغير شعره ورقّ طبعه. ومن شعره: حمل العصا للمبتلى ... بالشيب عنوان ابلى وصف المسافر أنه ... ألقى العصا كي ينزلا فعلى القياس سبيل من ... حمل العصا أنّ يرحلا وذكر أبو الحسن ابن أبي القاسم زيد البيهقي في كتاب «مشارب التجارب» و «أخبار الوزير أبي نصر محمد بن منصور الكندري» - وكندر قرية من أعمال

стр. 1684

طريثيث- قال «١» : كان الشيخ علي بن الحسن الباخرزي شريكه في مجلس الإفادة من الإمام الموفق النيسابوري في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة فهجاه الشيخ علي بن الحسن فقال مداعبا: أقبل من كندر مسيخرة ... للنحس في وجهه علامات يحضر دار الأمير وهو فتى ... موضع أمثاله الخرابات فهو جحيم ودبره سعة ... كجنّة عرضها السّماوات قال: وكان أول عمل الكندري حجبة الباب، ثم تمكن في مدة أيام السلطان طغر لبك وصار وزيرا محكّما، فورد عليه الشيخ علي بن الحسن وهو ببغداد في صدر الوزارة في ديوان السلطان، فلما رآه الوزير قال له: أنت صاحب «أقبل» ؟ فقال له: نعم، فقال الوزير: مرحبا وأهلا فإني قد تفاءلت بقولك «أقبل» ، ثم خلع عليه قبل إنشاده وقال له: عد غدا وأنشد، فعاد في اليوم الثاني وأنشد هذه القصيدة «٢» : أقوت معاهدهم بشطّ الوادي ... فبقيت مقتولا وشطّ الوادي وسكرت من خمر الفراق ورقّصت ... عيني الدموع على غناء الحادي منها: في ليلة من هجره «٣» شتوية ... ممدودة مخضوبة بمداد عقمت بميلاد الصباح وإنها ... في الإمتداد كليلة الميلاد منها: غرّ الأعادي منه رونق بشره ... وأفادهم بردا على الأكباد هيهات لا يخدعهم إيماضه ... فالغيظ تحت تبسّم الآساد فالبهو منه بالبهاء موشّح ... والسّرج منه مورق الأعواد وإذا شياطين الضلال تمردوا ... خلّاهم قرناء في الاصفاد

стр. 1685

فلما فرغ من إنشاد هذه القصيدة قال عميد الملك لأمراء العرب: لنا مثله في العجم فهل لكم مثله في العرب؟ ثم أمر له بألف دينار مغربية «١» . قال: وكان السلطان طغرلبك قد بعث وزيره الكندري وكيلا في العقد على بنت خوارزمشاه، فوقع إرجاف، ورفع إلى السلطان أن عميد الملك زوّجها من نفسه وخان، وكان من أمرهما ما كان، فتغير رأي السلطان عليه فحلق عميد الملك لحيته وجبّ مذاكيره حتى سلم من سياسة السلطان، فمدحه الشيخ علي بن الحسن بهذا النقصان، وما سبقه بهذا المعنى أحد حيث قال «٢» : قالوا محا السلطان عنه بعدكم ... سمة الفحول وكان قرما صائلا قلت اسكتوا فالآن زاد فحولة ... لما اغتدى عن أنثييه عاطلا فالفحل يأنف أن يسمّى بعضه ... أنثى لذلك جذّه مستاصلا ولما قتل السلطان الب ارسلان الوزير أبا نصر الكندري قال الباخرزي يخاطب السلطان «٣» : وعمّك أدناه وأعلى محلّه ... وبوّأه من ملكه كنفا رحبا قضى كلّ مولى منكم حقّ عبده ... فخوّله الدنيا وخوّلته العقبى قال المؤلف: وهذا معنى لطيف، ومقصد ظريف، فلله در الشعراء وقرائحهم، والأدباء ومنائحهم. قال البيهقي: ومن العجائب أن آلات تناسل الكندري مدفونة بخوارزم، ودمه مصبوب بمرو الروذ، وجسده مقبور بقرية كندر من طريثيث، وجمجمته ودماغه مدفونان بنيسابور، وشواته محشوّة بالتبن وقد نقلت إلى كرمان فدفنت هناك. وقال علي بن الحسن الباخرزي في ذلك: مفترقا في الأرض أجزاؤه ... بين قرى شتى وبلدان

стр. 1686

جبّ بخوارزم «١» مذاكيره ... طغرل ذاك الملك الفاني ومصّ مرو الروذ من جيده ... معصفرا يخضبها قاني والشخص في كندر مستبطن ... وراء أرماس وأكفان ورأسه طار فلهفي على ... مجثمه في خير جثمان خلّوا بنيسابور مضمونه ... وقحفه الخالي بكرمان والحكم للجبار فيما مضى ... وكلّ يوم هو في شان وقال من قصيدة له فائقة يمدح فيها الشريف السيد ذا المجدين أبا القاسم علي بن موسى بن إسحاق بن الحسين بن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈ نقيب الطالبيين بمرو- وفيها ما يدل على أن كنية الباخرزي أبو القاسم- أولها: حبا لك من تحت ذيل الحبى ... شعاع كحاشية المشرفي يقول فيها: وسقت الركائب حتى أنخن ... بسبط الأنامل سبط النبي عليّ بن موسى مواسي العفاة ... أبي القاسم السيد الموسوي ومنها: نماه الفخار إلى جدّه ... عليّ ففاز بجدّ علي ولا يتأشب عيص السريّ ... إذا هو لم يكن ابن السري أبا قاسم يا قسيم السخاء ... إذا جفّ ضرع الغمام الحبي وفدت إليك مع الوافدين ... وفود البشارة غبّ النعي وزارك مني سميّ كنيّ ... فراع حقوق السمّي الكني فهاك القصيدة بكرا تصلّ ... على نحرها حصيات الحلي

стр. 1687

جعلت هداك «١» جهازا لها ... فجاءتك مائسة كالهدي سحرت بها ألسن السامرين ... ولم أترك السحر للسامري ولما نشرت أفاويقها ... طوى الناس ديباجة البحتري وقرأت بخط أبي سعد لأبي القاسم الباخرزي وكنّاه أبا الحسن «٢» : يا فالق الصبح من لألاء غرّته ... وجاعل الليل من أصداغه سكنا لاغرو أن أحرقت نار الهوى كبدي ... فالنار حقّ على من يعبد الوثنا وأنشد له وكناه أبا القاسم: كتبت وخطي حاش وجهك شاهد ... بأن بناني من أذى السقم مرتعش ونفسي إن تأمر تعش في سلامة ... فأهد لها منك السلام ومرتعش. [٧٤١] علي بن الحسن بن علي بن صدقة ، الوزير بن الوزير أبو الحسن بن أبي علي: لم يستقلّ بالوزارة إنما ناب عن أبيه، وكان أبوه وزير المسترشد، وكان في أبيه كفاية وشهامة، وهو أول من ولي الوزارة من بني صدقة، وكان أبوه يلقب جلال الدولة «٣» ، وهو يلقب شرف الدولة. ولما مات جلال الدولة دخل ابن الأقفاصي الشاعر الموصلي إلى قبره وقال وهو يبكي: نزورك في ثوبي خشوع وذلّة ... كأنك ترجى في الضريح وترهب

стр. 1688

ونلثم تربا من رفيع محجّب ... كما يلثم البيت الرفيع المحجّب وترثى بما قد كنت ممتدحا به ... فيحزننا منك الذي كان يطرب ومات جلال الدولة في جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وأما شرف الدولة فقال السمعاني في «تاريخه» : هو عزيز الفضل وافر العقل، له معرفة تامة باللغة، حسن الخط مليحه، ديّن خيّر مشغول بالعبادة والعزلة، سمع بقراءتي بمكة والمدينة وبغداد على المشايخ: سمع أبا القاسم الربعي، كتبت عنه وسألته عن مولده فقال: في محرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة. قلت أنا: وهو الذي بنى الرباط المعروف برباط الدرجة على دجلة بالجانب الغربي واعتزل فيه مع جماعة من الفقراء وترك الولايات إلى أن مات، وهو صاحب الخط المليح المنسوب على طريقه علي بن هلال بن البواب ومات في سابع صفر سنة أربع وخمسين وخمسمائة. [٧٤٢] علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت المعروف بشميم الحلي، أبو الحسن النحوي اللغوي الشاعر: مات في ربيع الآخر سنة إحدى وستمائة، أخبرني به العماد بن الحدوس العدل، وبمنزله مات بالموصل عن سن عالية، وهو من أهل الحلة المزيديّة، قدم بغداد وبها تأدب، ثم توجه تلقاء الموصل والشام وديار بكر، وأظنه قرأ على أبي نزار ملك النحاة. قال مؤلف الكتاب: وكنت قد وردت إلى آمد في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة فرأيت أهلها مطبقين على وصف هذا الشيخ، فقصدته إلى مسجد الخضر

стр. 1689

ودخلت عليه فوجدته شيخا كبيرا قضيف الجسم في حجرة من المسجد، وبين يديه جامدان مملوء كتبا من تصانيفه فحسب، فسلمت عليه وجلست بين يديه، فأقبل عليّ وقال: من أين أنت؟ قلت: من بغداد. فهشّ بي وأقبل يسائلني عنها وأخبره، ثم قلت له: إنما جئت لأقتبس من علوم المولى شيئا، فقال لي: وأيّ علم تحبّ؟ قلت له: أحبّ علوم الأدب، فقال: إن تصانيفي في الأدب كثيرة، وذاك أن الأوائل جمعوا أقوال غيرهم وأشعارهم وبوّبوها، وأنا فكلّ ما عندي من نتائج أفكاري، وكنت كلما رأيت الناس مجمعين على استحسان كتاب في نوع من الآداب استعملت فكري وأنشأت من جنسه ما أدحض به المتقدم، فمن ذلك أن أبا تمام جمع أشعار العرب في حماسته وأنا فعملت حماسة من أشعاري وبنات أفكاري (ثم سبع أبا تمام وشتمه) ، ثم رأيت الناس مجمعين على تفضيل أبي نواس في وصف الخمر، فعملت كتاب الخمريات من شعري، لو عاش أبو نواس لاستحيى أن يذكر شعر نفسه لو سمعها. ورأيت الناس مجمعين على تفضيل خطب ابن نباتة، فصنفت كتاب الخطب فليس للناس اليوم اشتغال إلا بخطبي. وجعل يزري على المتقدمين ويصف ويجهّل الأوائل ويخاطبهم بالكلب، فعجبت منه وقلت له: فأنشدني شيئا مما قلت، فابتدأ وقرأ عليّ خطبة كتاب الخمريات، فعلق بخاطري من الخطبة قوله: «ولما رأيت الحكميّ قد أبدع ولم يدع لأحد في اتباعه مطمعا، وسلك في إفشاء سرّ صفات الخمرة [مهيعا] آثرت أن أجعل لها نصيبا من عنايتي مع ما أنني علم الله لم ألمم لها بلثم ثغر إثم، مذ رضعت ثدي أمّ» أو كما قال. ثم أنشدني من هذا الكتاب. امزج بمسبوك اللجين ... ذهبا حكته دموع عيني لما نعى ناعي الفرا ... ق ببين من أهوى وبيني كانت ولم يقدر لشي ... ء قبلها إيجاب كون وأحالها التشبيه لما شبّهت بدم الحسين ... خفقت لنا شمسان من لألائها في الخافقين ... وبدت لنا في كاسها من لونها في حلّتين ... فاعجب هداك الله من كون اتفاق الضرّتين

стр. 1690

في ليلة بدأ السرو ... ر بها يطالبنا بدين ومضى طليق الراح من ... قد كان مغلول اليدين هي زينة الأحياء في ال ... دنيا وزينة كلّ زين فاستحسنت ذلك، فغضب وقال لي: ويلك ما عندك غير الاستحسان؟! قلت له: فما أصنع يا مولانا؟ فقال لي: تصنع هكذا، ثم قام يرقص ويصفّق إلى أن تعب، ثم جلس وهو يقول: ما أصنع وقد ابتليت ببهائم لا يفرّقون بين الدر والبعر، والياقوت والحجر؟! فاعتذرت إليه وسألته أن ينشدني شيئا آخر، فقال لي: قد صنفت كتابا في التجنيس (سماه: أنيس الجليس في التجنيس) في مدح صلاح الدين لما رأيت استحسان الناس لقول البستي، فأنا أنشدك منه، ثم أنشدني لنفسه «١» : ليت من طوّل بالش ... ام نواه وثوى به جعل العود إلى الزو ... راء من بعض ثوابه أترى يوطئني الده ... ر ثرى مسك ترابه وأرى أي نور عيني ... موطنا لي وترى به ثم أنشدني لنفسه في وصف ساق: قل لي فدتك النفس قل لي ... ماذا تريد إذن بقتلي أأدرت خمرا في كؤو ... سك هذه أم سمّ صلّ وأنشدني غير ذلك مما ضاع مني أصله. ثم سألته عمن تقدم من العلماء فلم يحسن الثناء على أحد منهم، فلما ذكرت له المعري نهرني وقال لي: ويلك كم تسيء الأدب بين يديّ؟! من ذلك الكلب الأعمى حتى يذكر بين يديّ في مجلسي؟! فقلت: يا مولانا ما أراك ترضى عن أحد ممن تقدّم، فقال: كيف أرضى عنهم وليس لهم ما يرضيني؟ قلت: فما فيهم قط أحد جاء بما يرضيك؟ فقال: لا أعلمه إلا أن يكون المتنبي في مديحه خاصة، وابن نباتة في

стр. 1691

خطبه، وابن الحريري في مقاماته، فهؤلاء لم يقصّروا. قلت له: يا مولانا قد عجبت إذ لم تصنّف مقامات تدحض بها مقامات الحريري، فقال لي: يا بني اعلم أن الرجوع إلى الحقّ خير من التمادي على الباطل، عملت مقامات مرتين فلم ترضني فغسلتها، وما أعلم أن الله خلقني إلا لأظهر فضل ابن الحريري. ثم شطح في الكلام وقال: ليس في الوجود إلا خالقان: واحد في السماء وواحد في الأرض، فالذي في السماء هو الله، والذي في الأرض أنا، ثم التفت إليّ وقال: هذا كلام لا يحتمله العامّة لكونهم لا يفهمونه، أنا لا أقدر على خلق شيء إلا خلق الكلام، فأنا أخلقه، ثم ذكر اشتقاق هذه اللفظة. فقلت له: أيا مولانا أنا رجل محدث، وإن لم يكن في المحدث جرأة مات بغصّته، وأحبّ أن أسأل مولانا عن شيء إن أذن لي، فتبسم وقال: ما أراك تسأل إلا عن معضلة، هات ما عندك. قلت: لم سميت بالشميم؟ فشتمني ثم ضحك وقال: اعلم أنني بقيت مدة من عمري- ذكرها هو وأنسيتها أنا- لا آكل في تلك المدة إلا الطين فحسب قصدا لتنشيف الرطوبة وحدّة الحفظ، وكنت أبقى أياما لا يجيئني الغائط فإذا جاء كان شبه البندقة من الطين، وكنت آخذه وأقول لمن أنبسط إليه: شمّه فإنه لا رائحة له، فكثر ذلك حتى لقّبت به، أرضيت يا ابن الفاعلة؟ هذا آخر ما جرى بيني وبينه. ثم أنشدت له من حماسته: لا تسرحنّ الطرف في بقر المها ... فمصارع الآجال في الآجال «١» كم نظرة أردت وما أخذت يد ... الممصمي لمن قتلت أداة قتال سنحت وما سمحت بتسليم و ... إغلال التحية فعلة المغتال «٢» أضللت قلبي عندهنّ ورحت ... أنشده بذات الضال ضلّ ضلالي ألوي بألوية العقيق على الطلو ... ل مسائلا من لا يجيب سؤالي تربت يدي في مقصدي من لا يدي ... قودي وأولى لي بها أولى لي «٣»

стр. 1692

يا قاتل الله الدّمى كم من دم ... أجرين حلّا كان غير حلال أشلين ذلّ اليتم في الأشبال ... وفتكن بالآساد في الأغيال «١» ونفرن حين نكرن إقبالي ولو ... أني نفرت لكان من إقبالي لكن أبى رعيي ذمام الحبّ أن ... أولي الوفاء قطيعة من قالي وأنشدني تقي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي النجم المعروف بابن الحجاج، وأبو محمد هو الحجاج، من شرقي واسط قال، أنشدني أبو الحسن علي بن عنتر بن ثابت الحلّي «٢» المعروف بشميم. وكان [أن] قلت: إني لا أراك تذمّ أحدا من أهل العصر، فقال لي: ليس لأحد منهم عندي قيمة فإنه لا يصلح للذمّ إلا من يصلح للمدح، أما سمعت قولي في الحماسة: أصخ إنما مدح الفتى وهجاؤه ... لدى الطّبن النقريس ذا توأم لذا «٣» فحيث انتوى ملقي المديح عصا الثوى ... تراح بها من أينها قلص الهجا ومن ليس أهلا للمديح ولا الهجا ... فعيناه في عين الرضا ظلمة العمى ويزري بضرغام الغريف زئيره ... على ذيخ عثوا هرّ أو أغضف عوى «٤» وأنشدني أيضا له: قالوا نراك بكلّ فنّ عالما ... فعلام حظّك من دناك خسيس فأجبتهم لا تعجبوا وتفهموا ... كم ذاد نهزة ليث خيس خيس حدثني ابن الحجاج تقي الدين قال: اجتمع جماعة من التجار الواسطيين بالموصل على زيارة شميم، وتوافقوا على أن لا يتكلموا بين يديه خوفا من زلل يكون منهم، فلما حصلوا بين يديه قال أحدهم: أدام الله أيامك، فالتفت إليّ وقال: أيش هؤلاء؟ فإني أرى عمائم كبارا ظننتها على آدميّين، فسكتوا، فلما قاموا قال له آخر

стр. 1693

منهم: يا سيدي ادعو لنا بشمل الجمع، فغضب وقال: ايش هؤلاء وكيف خلقهم الله؟ ثم حلف بمحلوفه وقال: لو قدرت على خلقة مثل هؤلاء أنفت من خلق مثلهم. قال المؤلف: حدثني محمد بن حامد بن محمد بن جبريل بن محمد بن منعة بن مالك الموصلي الفقيه فخر الدين بمرو في سنة خمس عشرة وستمائة في ربيع الأول منها قال: لما ورد شميم الحلي إلى الموصل بلغني فضله فقصدته لأقتبس من علومه، فدخلت عليه فجرى أمري معه على ما هو معروف به من قلة الاحتفال بكلّ أحد، وجرت خطوب ومذاكرات إلى أن قال: ومن العجائب استحسان الناس قول عمرو بن كلثوم: مشعشعة كأن الحصّ فيها ... إذا ما الماء خالطها خزينا - كذا قال تهكما- «١» ، ألا قال كما قلت: وسالت نطاف الراح في الراح فاعتدى ال ... سماح إلى راحاتنا فسخينا ثم أخرج رقعة من تحت مصلّاه وقال لي ما معنى قولي «قلب شطر أعاديك حظّ من كفر أياديك» فقلت: أكتبها وأفسرها، فقال: اكتب، فكتبتها وقلت: نعم شطر «أعاديك» «ديك» وقلبه «كيد» أردت أن الكيد حظّ من كفر أياديك، فقال: أحسنت، وكان ذلك سبب إقباله عليّ بعد ما تقدم من إهماله إياي. وأنشدني أبو حامد المذكور قال: أنشدني أبو الحسن علي بن الحسن بن عنتر الحلي لنفسه: أقيلي عثرة الشاكي أقيلي ... فسولي في سماع نثار سولي وإن لم تأذني بفكاك أسري ... فدليني على صبر جميل حدثني الآمدي الفقيه قال: بلغني أنه لما قدم الحلي إلى الموصل انثال إليه الناس يزورونه، وأراد نقيب الموصل- وهو ذو الجلالة المشهورة بحيث لا يخفى أمره على أحد- زيارته، فقيل له: إنه لا يعبأ بأحد ولا يقوم من مجلسه لزائر أبدا، فجاءه رجل وعرّفه ما يجب من احترام النقيب لحسبه ونسبه وعلوّ منزلته من الملوك فلم يردّ

стр. 1694

جوابا، وجاءه النقيب ودخل وجرى على عادته من ترك الاحتفال له ولم يقم عن مجلسه، فجلس النقيب ساعة ثم انصرف مغضبا، فعاتبه ذلك الرجل الذي كان أشار عليه باكرامه فلم يردّ عليه جوابا، فلما كان من الغد جاءه وفي يد الحلّيّ كسرة خبز يابسة وهو يعضّ من جنبها ويأكل، فلما دخل الرجل عليه قال له: بسم الله، فقال له: وأيّ شيء هاهنا حتى آكل؟ فقال له: يا رقيع من يقنع من الدنيا بهذه الكسرة اليابسة لأيّ معنى يذلّ للناس مع غناه عنهم واحتياجهم إليه؟! وحدثني الفقيه قال: بلغني أن الحلي قدم إلى أسعرت «١» فتسامع به أهلها فقصدوه من كلّ فوج، وكان فيهم رجل شاعر، فأنشده الرجل شعرا استجاده الحلي فقال لقائله، إني أرفع هذا الشعر عن طبقتك، فإن كنت في دعواك صادقا فقل في معناه الآن شيئا آخر، ففكر ساعة فقال: وما كلّ وقت فيه يسمح خاطري ... بنظم قريض يقتضي لفظه معنى ولم يبح الشرع المبين تيمّما ... بترب وبحر الأرض في ساحة معنا فقال له الحلي: ويحك اسجد، ويلك اسجد، فإن هذا موضع من مواضع سجدات الشعر، وأنا أعرف الناس بها. ومما سمعته من فلق فيه وهو من إنشاء خطبة له هي: الحمد لله فالق قمم حبّ الحصيد بحسام سحّ السحب، صابغ خدّ الأرض بقاني رشيق يانع العشب، نافخ روح الحياة في صور تصاويرها بسائح القراح العذب، محيي ميت الأرض باماتة كالح الجدب، لابتسام ثغر نسيم أنفاح الخصب، محيل جسم طبيعة الماء المبارك في أشكال الحب، والعنب والزيتون والقضب، جاعله للانام والأنعام ذات الحمل والحلب، محلّي جيد الأفلاك بقلائد دراريّ النجوم الشهب، ومخلّي جند الأملاك عن مباشرة التصرف والكسب، وللقيام بواجب واصل التسبيح والتقديس للرب، قابل التوبة من المذنب المنيب وغافر الذنب، الواحد المتفرد بوحدانيته عن ملاءمة أعداد قسمه الحساب والضرب، المستغني بصمديته عن مسيس الحاجة إلى دواعي الأكل والشرب، الشاهد على خلقه بما يفيضون فيه لا لاتصاف بعد ولا قرب، المهيمن على

стр. 1695

سرّ اجتراح كلّ جارحة وخاطر خاطر وتقلّب قلب. أحمده على ما منح من موضح بيان بما الب في سويداء لب، وأشكره على ما جلا من مظلم ظلم جهل وكشف من كثيف ركام كرب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة سالمة من شوائب النفاق والخبّ، مؤمّنة قائلها يوم الفزع الأكبر من إيحاش الرّهب والرعب، وأشهد أن محمدا عبده المحبو بعقد حبا خاتم الأنبياء من جميع أصحاب الصحف والكتب، وصفيه المنتجب لنصر الدين وإقامة دعوة الاسلام بالبيض القضب والجرد القب والأسد الغلب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما سنحت الغزالة بأفق شرق وحجبت بغارب غرب، صلاة يفني تكرار عديدها صمّ الحصا الصلب، ويبيد أربد الترب. عباد الله من اختلف عليه الآباد باد، ومن تمكنت يد المنون من عنقه انقاد، ومن تزود التقوى استفاد خير الزاد، ومن بدأ ببره وعاد للمعاد فاز بالإحماد يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (آل عمران: ٣٠) اللهم نوّل آمالنا مناها، وكفّل أعمالنا تقاها، وخوّل أطماعنا رضاها، ولا تشرب قلوبنا هوى دنياها، فإن المعاطب في حبها، وشين المعايب مزر بها، فلا تجعل اللهم مهامّنا فيها المنى، وأمّنّا بأمننا من كيد أمّنا الدنا، برحمتك يا أرحم الراحمين، أستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين ولوالديّ ولمن علمني. أسماء تصانيف الشيخ علي بن الحسن الشميم الحلي «١» : كتاب النّكت المعجمات في شرح المقامات. وكتاب أري المشتار في القريض المختار. وكتاب الحماسة من نظمه مجلد. وكتاب مناح المنى في إيضاح الكنى أربع كراريس. وكتاب نزه التأميل في عيون المجالس والفصول مجلدان. وكتاب نتائج الاخلاص في الخطب مجلد. وكتاب أنيس الجليس في التجنيس مجلد. وكتاب أنواع الرقاع في الأسجاع. وكتاب التعازي والمرازي مجلد. وكتاب خطب نسق حروف المعجم كراسان. كتاب الأماني في التهاني مجلد. وكتاب المفاتيح في الوعظ كراسان. وكتاب معاياة العقل في معاناة النقل مجلد. كتاب الاشارات المعرّبّة

стр. 1696

مجلد. وكتاب المرتجلات في المساجلات أربع كراريس. كتاب المخترع في شرح اللمع مجلد. وكتاب المحتسب في شرح الخطب مجلد. كتاب المهتصر في شرح المختصر، مجلد. وكتاب التحميض في التغميض، كراسان. كتاب بدائه الفكر في بدائع النظم والنثر، مجلدان. كتاب خلق الآدمي كراسان. وكتاب رسائل لزوم ما لا يلزم، كراسان. كتاب اللزوم مجلدان. وكتاب لهنة الضيف المصحر في الليل المسحر، كراسان. كتاب متنزه القلوب في التصحيف، كراس. وكتاب المنائح في المدائح، مجلدان. كتاب نزهة الراح في صفات الافراح، كراسان. كتاب الخطب المستضيّة. كتاب حرز النافث من عيث العائث. كتاب الخطب الناصرية. كتاب الرحوبات «١» ، مجلدان. كتاب شعر الصّبا، مجلد. كتاب القام الالحام في تفسير الأحلام. كتاب سمط الملك المفضل في مدح المليك الأفضل. كتاب مناقب الحكم في مثالب الأمم مجلدان. كتاب اللماسة في شرح الحماسة. كتاب الفصول الموكبية، يشتمل على أربعين «٢» فصلا. وكتاب مجتنى ريحانة الهم في استئناف المدح والذم. كتاب المناجاة. [٧٤٣] علي بن الحسن بن عساكر الحافظ الدمشقي: نقلت من جزء عمله ولده أبو محمد القاسم بن علي في أخبار والده فقال: هو أبو القاسم علي بن الحسن بن

стр. 1697

هبة الله بن عبد الله بن الحسين أبو القاسم بن أبي محمد بن أبي الحسن بن أبي محمد بن أبي علي الشافعي الحافظ، أحد أئمة الحديث المشهورين والعلماء المذكورين، ولد في المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة ومات في الحادي عشر من رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وقد بلغ من السن اثنتين وسبعين سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وحضر جنازته بالميدان والصلاة عليه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀. قال العماد «١» : وكان الغيث قد احتبس في هذه السنة فدّر وسمح «٢» عند ارتفاع نعشه، فكأنّ السماء بكت عليه بدمع وبله وطشّه. وسمّعه أخوه سنة خمس وخمسمائة، وسمع هو بنفسه من والده وأبي محمد الأكفاني، وذكر خلقا من شيوخ دمشق، ورحل إلى العراق في سنة عشرين وخمسمائة وأقام بها خمس سنين، وسمع ببغداد من أبي القاسم بن الحصين وغيره وحج في سنة إحدى وعشرين، وسمع بمكة ومنى والمدينة، وبالكوفة وأصبهان القديمة واليهودية ومرو الشاهجان ونيسابور وهراة وسرخس وأبيورد وطوس وبسطام والريّ وزنجان، وذكر بلادا كثيرة يطول عليّ ذكرها من العراق وخراسان والجزيرة والشام والحجاز. قال: وعدّة شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ، ومن النساء بضع وثمانون امرأة. وحدث ببغداد ومكة ونيسابور وأصبهان، وسمع منه جماعة من الحفاظ ممن هو أسنّ منه، وروى عنه أبو سعد ابن السمعاني فأكثر، وروى هو عنه. ولما دخل بغداد سمع الدرس بالنظامية مدة مقامه بها، وعلّق مسائل الخلاف على الشيخ أبي سعد إسماعيل بن أبي صالح الكرماني وانتفع بصحبة جده أبي الفضل في النحو والعربية. وجمع وصنّف فمن ذلك: كتاب تاريخ مدينة دمشق وأخبارها وأخبار من حلّها أو وردها في خمسمائة وسبعين جزءا من تجزئة الأصل، والنسخة الجديدة ثمانمائة جزء. كتاب الموافقات على شيوخ الأئمة الثقات، اثنان وسبعون جزءا. كتاب الإشراف على معرفة الأطراف، ثمانية وأربعون جزءا. كتاب تهذيب الملتمس من

стр. 1698

عوالي مالك بن أنس، أحد وثلاثون جزءا. كتاب التالي لحديث مالك العالي، تسعة عشر جزءا. كتاب مجموع الرغائب مما وقع من أحاديث مالك الغرائب، عشرة أجزاء. كتاب المعجم لمن سمع منه أو أجاز له، اثنا عشر جزءا. كتاب من سمع منه من النسوان، جزء واحد. كتاب معجم أسماء القرى والأمصار التي سمع بها، جزء واحد. كتاب مناقب الشبان، خمسة عشر جزءا. كتاب فضل أصحاب الحديث، أحد عشر جزءا. كتاب تبيين كذب المفتري على الأشعري، عشرة أجزاء. كتاب المسلسلات، عشرة أجزاء. كتاب تشريف يوم الجمعة، سبعة أجزاء. كتاب المستفيد في الأحاديث السّباعية الأسانيد، أربعة أجزاء. كتاب السداسيات، جزء واحد. كتاب الأحاديث الخماسيات وأخبار أبي الدنيا، جزء واحد. كتاب تقوية المنة على إنشاء دار السنة، ثلاثة أجزاء. كتاب الأحاديث المتخيرة في فضائل العشرة، جزءان. كتاب من وافقت كنيته كنية زوجته، أربعة أجزاء. كتاب الأربعين الطوال، ثلاثة أجزاء. كتاب أربعين حديثا عن أربعين شيخا من أربعين مدينة، جزءان. كتاب الأربعين في الجهاد، جزء واحد. كتاب الجواهر واللآلي في الأبدال العوالي، ثلاثة أجزاء. كتاب فضل عاشوراء والمحرم، ثلاثة أجزاء. كتاب الاعتزاز بالهجرة جزء واحد. كتاب المقالة الفاضحة للرسالة الواضحة، جزء واحد ضخم. كتاب رفع التخليط عن حديث الأطيط، جزء واحد. كتاب الجواب المبسوط لمن أنكر حديث الهبوط، جزء واحد. كتاب القول في جملة الأسانيد في حديث [يوم] المزيد، ثلاثة أجزاء. كتاب طرق حديث عبد الله بن عمرو، جزء. كتاب من ما يكون مؤتمنا لا يكون مؤذنا، جزء واحد. كتاب ذكر البيان عن فضل كتابة القرآن، جزء واحد. كتاب دفع التثريب على من فسر معنى التثويب، جزء. كتاب فضل الكرم على أهل الحرم، جزء واحد. كتاب الاقتداء بالصادق في حفر الخندق، جزء واحد. كتاب الانذار بحدوث الزلازل، ثلاثة أجزاء. كتاب ثواب الصبر على المصاب بالولد، جزءان. كتاب معنى قول عثمان «ما تغنيت ولا تمنيت» ، جزء. كتاب مسلسل العيدين، جزء واحد. كتاب حلول المحنة بحصول الابنة، جزء واحد. كتاب ترتيب الصحابة في مسند أحمد، جزء واحد. كتاب ترتيب الصحابة الذي في مسند أبي يعلى، جزء. كتاب معجم الشيوخ النبلاء، جزء واحد. كتاب أخبار أبي عمرو الأوزاعي وفضائله،

стр. 1699

جزء. كتاب ما وقع للأوزاعي من العوالي، جزء. كتاب أخبار أبي محمد سعيد «١» بن عبد العزيز وعواليه، جزء. كتاب عوالي حديث سفيان الثوري وخبره، أربعة أجزاء. كتاب إجابة السؤال في أحاديث شعبة، جزء واحد. كتاب روايات ساكني داريا، ستة أجزاء. كتاب من نزل المزة وحدّث بها، جزء واحد. كتاب أحاديث جماعة من كفر سوسية، جزء واحد. كتاب أحاديث صنعاء الشام، جزآن. كتاب أحاديث أبي الأشعث الصنعاني، ثلاثة أجزاء. كتاب أحاديث حنش والمطعم وحفص الصنعانيين، جزء. كتاب فضل الربوة والنيرب ومن حدث بها، جزء. كتاب حديث أهل قرية الحميريين «٢» وقبيبة، جزء واحد. كتاب حديث أهل فذايا «٣» وبيت أرانس «٤» وبيت قوفا «٥» جزء. كتاب حديث أهل قرية البلاط، جزء. كتاب حديث مسلمة بن علي الخشني «٦» البلاطي، جزءان. ومن حديث يسرة بن صفوان «٧» وابنه وابن ابنه جزء واحد. ومن حديث سعد بن عبادة جزء. ومن حديث أهل زبدين «٨» وجسرين جزء واحد. ومن حديث أهل بيت سوا «٩» جزء. ومن حديث دومة ومسرابا «١٠» والقصر جزء. ومن حديث جماعة من أهل حرستا جزء. ومن حديث أهل كفر بطنا جزء. ومن حديث أهل دقانية وجخراء وعين توما وجديا وطرميس «١١» جزء واحد. ومن

стр. 1700

حديث جماعة من أهل جوبر جزء واحد. ومن حديث جماعة من أهل بيت لهيا جزء واحد. ومن حديث يحيى بن حمزة البتلهي وعواليه جزء. ومجموع من حديث محمد بن يحيى بن حمزة الحضرمي البتلهي جزءان. وفضائل مقام إبراهيم. ومن حديث أهل برزة جزء. من حديث أبي بكر بن «١» محمد بن رزق الله المنيني المقرىء، جزء. ومجموع من أحاديث جماعة من أهل بعلبك «٢» ، جزءان. قال: وأملى ﵀ أربعمائة مجلس وثمانية مجالس في فنّ واحد، وخرج لشيخه أبي غالب ابن البناء أحد عشر مشيخة، ومشيخة لشيخه أبي المعالي عبد الله بن أحمد الحلواني الأصولي في جزءين، وخرّج أربعين حديثا مساواة الإمام أبي عبد الله الفراوي في جزء. ومصافحة لأبي سعد السمعاني أربعين حديثا في جزء. وخرّج لشيخه الإمام أبي الحسن السلمي سبعة مجالس وتكلم عليها. وجزء آخر ما صنعه تكميل الانصاف والعدل بتعجيل الاسعاف بالعزل. وكتاب فيه ذكر ما وجدت في سماعي مما يلتحق بالجزء الرباعي. ووجدت في أصوله علامات له على مصنفات عدة منها: كتاب الابدال ولو تم كان مقداره مائتي جزء أو أكثر. وكتاب فضل الجهاد. ومسند مكحول وأبي حنيفة. وكتاب فضل مكة. وكتاب فضل المدينة. وكتاب فضل البيت «٣» المقدس. وكتاب فضل قريش وأهل البيت والأنصار والأشعريين وذم الرافضة. وكتاب كبير في الصفات، وأشياء غير ذلك تبلغ عدتها أربعين مصنفا. ولما أملى ﵀ في فضائل الصديق ﵁ سبعة مجالس ثم قطعها باملاء مجالس في ذم اليهود وتخليدهم في النار فجاء إليه صديقنا أبو علي ابن رواحة وقال له: رأيت الصديق في النوم وهو راكب على راحلة فقلت: يا خليفة رسول الله قد أملى علينا الحافظ أبو القاسم سبعة مجالس في فضائلك، فأشار إليّ بأصابعه الأربع، فقال له والدي: قد بقي عندي مما خرجته ولم أمله أربعة مجالس، فأملاها، ثم أملى في كلّ واحد من الخلفاء أحد عشر مجلسا. وكان ﵀ مواظبا على صلاة الجماعة، ملازما لقراءة القرآن، وكان يختم

стр. 1701

في رمضان والعشر كلّ يوم ختمة، ولم ير إلا في الاشتغال بعلم وعبادة يحاسب نفسه على لحظة. وكنت أسمع والدي يحكي أن أباه رأى في منامه رؤيا ووالدي حمل أنه يولد لك مولود يحيى الله به السنة. ولما قدم إلى بغداد أعجب به البغداديون وقالوا: قدم علينا من دمشق ثلاثة ما رأينا مثلهم: الشيخ يوسف الدمشقي، والصائن أبو الحسين هبة الله بن الحسن، وأخوه أبو القاسم. وحدثني أبي ﵀ قال: كنت يوما أقرأ على شيخنا أبي الفتح المختار بن عبد الحميد وهو يتحدث مع جماعة بالعجمية فقال: قدم علينا الوزير أبو علي فقلنا ما رأينا مثله، ثم قدم علينا أبو سعد ابن السمعاني فقلنا ما رأينا مثله، حتى قدم علينا هذا فلم نر مثله. وقال لنا صاحبه الحافظ أبو المواهب الحسن بن هبة الله بن صصرى، قال الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد المقرىء الأديب اللغوي إمام همذان وتلك الديار- غير مدافع: أنا أعلم أنه لا يساجل الحافظ أبا القاسم في شأنه أحد، فلو خالط الناس ومازجهم كما أصنع إذن لا جتمع عليه المخالف والموالف. وقال لي يوما آخر: أيّ شيء فتح له وكيف برّ الناس له؟ فقلت: هو بعيد من هذا كله، لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجمع والتصنيف والمطالعة والتسميع حتى في نزهه وخلواته فقال: الحمد الله، هذا ثمرة العلم، إلا أنّا قد فتح لنا ما حصّلنا به الدار والكتب وبناء المسجد ما يقرب من اثني عشر ألف دينار، هذا يدلّ على قلّة حظوظ العلماء في بلادكم. ثم قال لي: ما كنا نسمي الشيخ أبا القاسم ببغداد إلا شعلة نار من توقده وذكائه وحسن إدراكه. قال، وقال لي والدي: لم أر بدمشق أفهم للحديث من أبي محمد ابن الأكفاني، ولا ببغداد مثل أبي الفضل محمد بن ناصر وأبي عامر العبدري، وكان العبدري أحفظهما، ولم أر بخراسان مثل أبي القاسم الشحامي، ولا بأصبهان مثل أبي القاسم التيمي الحافظ وأبي نصر البوياري «١» فقلت له: ما إخالك إلا أفضل منهما فسكت؛

стр. 1702

هذا آخر ما نقلت من هذا الجزء الذي ألفه ابنه وتركت منه ما اختصرته. وكان الحافظ ابو القاسم ابن عساكر يقول شعرا ليس بالقوي، وسمعه تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي النحوي اللغوي فقال: هذا شعر أضاع فيه صاحبه شيطانه. قال السمعاني في «المذيّل» وأنشدني الحافظ أبو القاسم بالمزة من أرض دمشق «١» : أيا نفس ويحك جاء المشيب ... فماذا التصابي وماذا الغزل تولّى شبابي كأن لم يكن ... وجاء مشيبي كأن لم يزل فيا ليت شعري ممن أكون ... وما قدّر الله لي في الأزل قال السمعاني: وأنشدني لنفسه ببغداد «٢» : وصاحب خان ما استودعته وأتى ... ما لا يليق بأرباب الديانات وأظهر السرّ مختارا بلا سبب ... وذاك والله من أوفى الجنايات أما أتاه عن المختار في خبر ... أن المجالس تغشى بالأمانات قال السمعاني: وأنشدني لنفسه بنيسابور: لا قدّس الله نيسابور من بلد ... ما فيه من صاحب يسلي ولا سكن لولا الجحيم الذي في القلب من حرق ... لفرقة الأهل والأحباب والوطن لمت من شدة البرد الذي ظهرت ... آثار شدّته في ظاهر البدن يا قوم دوموا على عهد الهوى وثقوا ... منّي على العهد لم أغدر ولم أخن ولا تدبرت عيشي بعد بعدكم ... إلا تمثلت بيتا قيل من زمن «فإن أعش فلعلّ الله يجمعنا ... وإن أمت فقتيل الهمّ والحزن»

стр. 1703

[٧٤٤] علي بن الحسن بن إسماعيل بن أحمد بن جعفر بن محمد بن صالح بن حسان بن حصن بن معلى بن أسد بن عمرو بن مالك بن عامر بن معاوية بن عبد الله بن مالك بن عامر بن الحارث بن أنمار بن وديعة بن الكيد بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن لبد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان أبو الحسن العبدري، من أهل البصرة، يعرف بابن المعلمة «١» : هكذا أملى نسبه عليّ جماعة، وهو شيخ فاضل له معرفة بالأدب والعروض، وله كتب وتصانيف في ذلك، ويقول الشعر ويترسل. مات بالبصرة في رابع عشر شعبان سنة تسع وتسعين وخمسمائة ومولده سنة أربع وعشرين وخمسمائة؛ سمع بالبصرة أبا محمد جابر بن محمد الأنصاري وأبا العز طلحة بن علي بن عمر المالكي وأبا الحسن علي بن عبد الله بن عبد الملك الواعظ وأبا إسحاق إبراهيم بن عطية الشافعي إمام الجامع بالبصرة وغيرهم، وقرأ بها الأدب على أبي علي الأحمر وأبي العباس ابن الحريري وأبي العز ابن أبي الدنيا، وقدم بغداد مرارا وسمع بها من أبي الكرم المبارك بن الحسن الشهرزوري وأبي الفضل محمد بن ناصر السلامي وأبي بكر الزاغوني وغيرهم، وعاد إلى بلده، وخرّج لنفسه فوائد في عدة أجزاء عن شيوخه وحدّث بها، وأقرأ الناس الأدب. وكان متحققا بعلم العروض، ونعم الشيخ، كان محمود الطريقة. قال أبو عبد الله: أنشدني أبو الحسن علي بن الحسن العبدري لنفسه: شيمتي أن أغضّ طرفي في الدا ... ر إذا ما دخلتها لصديق وأصون الحديث أودعه صو ... ني سرّي ولا أخون رفيقي

стр. 1704

قال: وأنشدني أيضا لنفسه: لا تسلك الطرق إذا أخطرت ... فإنها تفضي إلى المهلكه قد أنزل الله تعالى «ولا ... تلقوا بأيديكم إلى التّهلكه» . [٧٤٥] علي بن الحسين بن علي المسعودي المؤرخ أبو الحسن، من ولد عبد الله بن مسعود صاحب النبيّ ﷺ . ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: هو من أهل المغرب، مات فيما بلغني في سنة ست وأربعين وثلاثمائة بمصر. قال مؤلف الكتاب: وقول محمد بن إسحاق إنه من أهل المغرب غلط، لأن المسعودي ذكر في السفر الثاني من كتابه المعروف ب «مروج الذهب» وقد عدّد فضائل الأقاليم ووصف هواءها واعتدالها وانحرافها ثم قال «١» : «وأوسط الأقاليم إقليم بابل الذي مولدنا به، وإن كانت ريب الأيام أنأت «٢» بيننا وبينه، وساحقت مسافتنا عنه، وولّدت في قلوبنا الحنين إليه، إذ كانت وطننا ومسقطنا، وقد كان هذا الأقليم عند ملوك الفرس جليلا «٣» ، وكانوا يشتون بالعراق ويصيفون بالجبال «٤» ، فقال أبو دلف العجلي: إني امرؤ كسرويّ الفعال ... أصيف الجبال وأشتو العراقا

стр. 1705

وقد كانت الأوائل تشبهه بالقلب في الجسد لأن أرضه هي التي كشفت الآراء عن أهله بحكمة الأمور كما يرتفع ذلك عن القلب، ولذلك اعتدلت ألوان أهله وامتدت أجسامهم، فسلموا من شقرة الروم والصقالبة وسواد الحبشة وغلظ البربر، واجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار. وكما اعتدلوا في الخلقة لطفوا في الفطنة. وأشرف هذه الأقاليم مدينة السلام. وأعزز «١» عليّ بما أصارتني إليه الأقدار من فراق هذا المصر الذي عن بقعته فصلنا، لكنه الدهر الذي من شيمته التشتيت والزمن الذي من شرطته الآفات، ولقد أحسن أبو دلف في قوله: أيا نكبة الدهر التي طوّحت بنا ... أيادي سبا في شرقها والمغارب ومن علامة وفاء المرء دوام عهده وحنينه إلى إخوانه، وشوقه إلى أوطانه، ومن علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها تائقة، وإلى مسقط رأسها شائقة» . فهذا يدلك على أن الرجل بغداديّ الأصل وإنما انتقل إلى ديار مصر فأقام فيها، وهو يحكي في كتبه كثيرا ويقول: رأيت أيام كوني بمصر كيت وكيت. وله من الكتب: كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر في تحف الأشراف والملوك «٢» . كتاب ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور. كتاب الرسائل. كتاب الاستذكار لما مرّ في سالف الأعصار. كتاب التاريخ في أخبار الأمم من العرب والعجم. كتاب التنبيه والاشراف «٣» . كتاب خزائن الملك وسرّ العالمين. كتاب المقالات في أصول الديانات. كتاب أخبار الزمان ومن أباده الحدثان. وكتاب البيان في أسماء الأئمة. وكتاب أخبار الخوارج.

стр. 1706

[٧٤٦] علي بن الحسين بن محمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو الفرج الأصبهاني العلامة النساب الأخباري الحفظة الجامع بين سعة الرواية والحذق في الدراية: لا أعلم لأحد أحسن من تصانيفه في فنّها وحسن استيعاب ما يتصدّى لجمعه، وكان مع ذلك شاعرا مجيدا، مات في رابع عشر ذي الحجة سنة ست وخمسين وثلاثمائة في خلافة المطيع لله ومولده سنة أربع وثمانين ومائتين. روى عن أبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن الانباري والفضل بن الحباب الجمحي وعلي بن سليمان الأخفش وإبراهيم نفطويه. وجدت على الهامش بخط المؤلف تجاه وفاته ما صورته: وفاته هذه فيها نظر وتفتقر إلى تأمّل لأنه ذكر في «كتاب أدب الغرباء» من تأليفه: حدثني صديق قال: قرأت على قصر معزّ الدولة بالشماسية: يقول فلان بن فلان الهروي: حضرت هذا الموضع في سماط معز الدولة، والدنيا عليه مقبلة وهيبة الملك عليه مشتملة، ثم عدت إليه في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة فرأيت ما يعتبر به اللبيب يعني من الخراب. وذكر في موضع آخر من كتابه هذا قصة له مع صبيّ كان يحبه ذكرتها بعد هذا يذكر فيها موت معزّ الدولة وولاية ابنه بختيار، وكان ذلك في سنة ست وخمسين وثلاثمائة ويزعم في تلك الحكاية أنه كان في عصر شبابه، فلا أدري ما هذا الاختلاف. (آخر ما كان على الهامش) . وقال الوزير أبو القاسم الحسين بن علي المغربي في مقدمة ما انتخبه من كتاب الأغاني الذي ألفه أبو الفرج الأصبهاني إن أبا الفرج أهدى كتاب الأغاني إلى

стр. 1707

سيف الدولة ابن حمدان فأعطاه ألف دينار، وبلغ ذلك الصاحب أبا القاسم بن عباد فقال: لقد قصّر سيف الدولة وإنه يستأهل أضعافها، ووصف الكتاب فأطنب ثم قال: ولقد اشتملت خزائني على مائتين وستة آلاف مجلد ما منها ما هو سميري غيره ولا راقني منها سواه. قال: وقال أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف كاتب عضد الدولة: لم يكن كتاب الأغاني يفارق عضد الدولة في سفره ولا حضره، وانه كان جليسه الذي يأنس إليه وخدينه الذي يرتاح نحوه. قال: وقال أبو محمد المهلبي: سألت أبا الفرج في كم جمعت هذا الكتاب؟ فقال في خمسين سنة، قال: وانه كتبه مرة واحدة في عمره، وهي النسخة التي أهداها إلى سيف الدولة. قال المؤلف: ولعمري إن هذا الكتاب لجليل القدر شائع الذكر، جمّ الفوائد عظيم العلم، جامع بين الجد البحت والهزل النحت، وقد تأملت هذا الكتاب وعنيت به وطالعته مرارا وكتبت منه نسخة بخطّي في عشر مجلدات، ونقلت منه إلى كتابي الموسوم ب «أخبار الشعراء» فأكثرت، وجمعت تراجمه فوجدته يعد بشيء ولا يفي به في غير موضع منه، كقوله في أخبار أبي العتاهية: «وقد طالت أخباره هاهنا وسنذكر خبره مع عتبة في موضع آخر» ولم يفعل. وقال في موضع آخر: «أخبار أبي نواس مع جنان إذ كانت سائر أخباره قد تقدّمت» ولم يتقدم شيء، إلى أشباه لذلك. والأصوات المائة هي تسع وتسعون، وما أظنّ إلا أن الكتاب قد سقط منه شيء أو يكون النسيان غلب عليه والله أعلم. قال المؤلف: وتصانيفه كثيرة، وهذا الذي يحضرني منها: كتاب الأغاني الكبير. كتاب مجرد الأغاني. كتاب التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها، لم أره وبودّي لو رأيته، ذكره هو في كتاب الأغاني. كتاب مقاتل الطالبيين. كتاب أخبار القيان. كتاب الاماء الشواعر. كتاب المماليك الشعراء. كتاب أدب الغرباء. كتاب الديارات. كتاب تفضيل ذي الحجة. كتاب الأخبار والنوادر. كتاب أدب السماع. كتاب أخبار الطفيليين. كتاب مجموع الأخبار والآثار. كتاب الخمارين والخمارات. كتاب الفرق والمعيار في الأوغاد والأحرار، وهي رسالة عملها في

стр. 1708

هارون بن المنجم. كتاب دعوة التجار. كتاب أخبار جحظة البرمكي. كتاب جمهرة النسب. كتاب نسب بني عبد شمس. كتاب نسب بني شيبان. كتاب نسب المهالبة. كتاب نسب بني تغلب. كتاب الغلمان المغنين. كتاب مناجيب الخصيان، عمله للوزير المهلبي في خصيين مغنيين كانا له. وله بعد تصانيف جياد فيما بلغني كان يصنفها ويرسلها إلى المستولين على بلاد المغرب من بني أمية وكانوا يحسنون جائزته لم يعد منها إلى الشرق إلا القليل، والله أعلم. وحدث الرئيس أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال «١» الصابىء في الكتاب الذي ألفه في «أخبار الوزير أبي محمد المهلبي» واسمه الحسن بن محمد بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن زيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، وزير معز الدولة بن بويه الديلمي قال: وكان أبو الفرج الأصفهاني صاحب «كتاب الأغاني» من ندماء الوزير أبي محمد الخصّيصين به، وكان وسخا قذرا لم يغسل له ثوبا منذ فصّله إلى أن قطّعه، وكان المهلبي شديد التقشّف عظيم التنطّس، وكان يحتمل له ذلك لموضعه من العلم. فقال فيه: كان أبو الفرج علي بن الحسين الاصفهاني، وكان أمويّ النسب، غزير الأدب عالي الرواية حسن الدراية، وله تصنيفات منها «كتاب الأغاني» وقد أورد فيه ما دلّ به على اتساع علمه وكثرة حفظه، وله شعر جيد، إلا أنه في الهجاء أجود وإن كان في غيره غير متأخر. وكان الناس على ذلك العهد يحذرون لسانه ويتقون هجاءه، ويصبرون في مجالسته ومعاشرته ومواكلته ومشاربته على كلّ صعب من أمره، لأنه كان وسخا في نفسه ثم في ثوبه وفعله حتى إنه لم يكن ينزع دراعة يقطعها إلا بعد بلائها وتقطيعها، ولا يعرف لشيء من ثيابه غسلا، ولا يطلب منه في مدة بقائه عوضا؛ فحدثني جدي، وسمعت هذا الخبر من غيره، لأنه متفاوض متعاود، أن أبا الفرج كان جالسا في بعض الأيام على مائدة أبي محمد المهلبي، فقدّمت سكباجة وافقت من أبي الفرج سعلة، فبدرت من فمه قطعة من بلغم فسقطت وسط الغضارة، فتقدم أبو محمد برفعها وقال: هاتوا من هذا اللون في غير هذه الصحفة ولم يبن في وجهه إنكار ولا استكراه، ولا داخل أبا الفرج في هذه الحال استحياء ولا انقباض؛ هذا إلى ما يجري هذا المجرى على مضيّ الأيام. وكان

стр. 1709

أبو محمد عزوف النفس بعيدا من الصبر على مثل هذه الأسباب، إلا أنه كان يتكلّف احتمالها لورودها من أبي الفرج، وكان من ظرفه في فعله ونظافته في مأكله أنه كان إذا أراد أكل شيء بملعقة كالأرز واللبن وأمثاله وقف من جانبه الأيمن غلام معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجا مجرودا، وكان يستعمله كثيرا، فيأخذ منه ملعقة يأكل بها من ذلك اللون لقمة واحدة، ثم يدفعها إلى غلام آخر قائم من الجانب الأيسر، ثم يأخذ أخرى فيفعل بها فعل الأولى، حتى ينال الكفاية، لئلّا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة ثانية، فلما كثر على المهلبي استمرار ما قدّمنا ذكره جعل له مائدتين إحداهما كبيرة عامّة وأخرى لطيفة خاصة وكان يواكله عليها من يدعوه إليها. قال مؤلف الكتاب: وقد ذكر مثل هذا عن أبي رياش أحمد بن إبراهيم اللغوي وقد ذكرناه في بابه. قال هلال: وعلى صنع أبي محمد بأبي الفرج ما كان يصنعه فما خلا من هجوه، قال فيه «١» : أبعين مفتقر إليك رأيتني ... بعد الغنى فرميت بي من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني ... أمّلت للإحسان غير الخالق قال ابن الصابىء: وحدثني جدي أيضا قال: قصدت أنا وأبو علي الأنباري وأبو العلاء صاعد دار أبي الفرج لقضاء حقه وتعرّف خبره من شيء وجده، وموقعها على دجلة في المكان المتوسط بين درب سليمان ودرب دجلة وملاصقة لدار أبي الفتح البريدي، وصعد بعض غلماننا لإيذانه بحضورنا، فدقّ الباب دقا عنيفا حتى ضجر من الدقّ وضجرنا من الصبر، قال: وكان له سنّور أبيض يسميه يققا ومن رسمه إذا قرع الباب قارع أن يخرج ويصيح إلى أن يتبعه غلام أبي الفرج لفتح الباب، أو هو نفسه، فلم نر السنور في ذلك اليوم، فأنكرنا الأمر وازددنا تشوّقا إلى معرفة الخبر، فلما كان بعد أمد طويل صاح صائح أن «نعم» ، ثم خرج أبو الفرج ويده متلوثة بما ظنناه شيئا كان يأكله، فقلنا له: عققناك بأن قطعناك عما كان أهمّ من قصدنا إياك، فقال: لا

стр. 1710

والله يا ساداتي ما كنت على ما تظنون، وإنما لحق يققا- يعني سنوره- قولنج فاحتجت إلى حقنه، فأنا مشغول بذلك، فلما سمعنا قوله ورأينا الفعل في يده ورد علينا أعظم مورد من أمره، لتناهيه في التذارة إلى ما لا غاية بعده، وقلنا: ما يجوز أن نصعد إلى عندك فنعوقك عن استتمام ما أنت فيه، وإنما جئناك لتعرّف خبرك، وقد بلغنا ما أردناه، وانصرفنا. قال: واختاره في كل شيء نديما «١» ، وكانت صحبته له قبل الوزارة وبعدها إلى أن فرقّ بينهما الموت. وكتب أبو الفرج إلى المهلبي يشكو الفأر ويصف الهرّ: يا لحدب الظهور قعص الرقاب ... لدقاق الأنياب والأذناب خلقت للفساد مذ خلق الخل ... ق وللعيث والأذى والخراب ناقبات في الأرض والسقف والحي ... طان نقبا أعيا على النّقّاب آكلات كلّ المآكل لا تأ ... منها شاربات كلّ الشراب آلفات قرض الثياب وقد يع ... دل قرض القلوب قرض الثياب زال همي منهنّ أزرق ترك ... يّ السبالين أنمر الجلباب ليث غاب خلقا وخلقا فمن لا ... ح لعينيه خاله ليث غاب ناصب طرفه إزاء الزوايا ... وإزاء السقوف والأبواب ينتضي الظفر حين يظفر للصي ... د وإلا فظفره في قراب لا يري أخبثيه عينا ولا يع ... لم ما جنتّاه غير التراب قرطقوه وشنّفوه وحلّو ... هـ أخيرا وأولا بالخضاب فهو طورا يمشي بحلي عروس ... وهو طورا يخطو على عنّاب حبذا ذاك صاحبا هو في الصح ... بة أوفى من أكثر الأصحاب وحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي في «كتاب نشوار المحاضرة» قال «٢» : ومن طريف أخبار العادات أني كنت أرى أبا الفرج علي بن

стр. 1711

الحسين الأصفهاني الكاتب نديم أبي محمد المهلبي صاحب الكتب المصنفة في الأغاني والقيان وغير ذلك دائما إذا ثقل الطعام في معدته، وكان أكولا نهما، يتناول خمسة دراهم فلفلا مدقوقا فلا تؤذيه ولا تدمعه، وأراه يأكل حمّصة واحدة أو يصطبغ بمرقة قدر فيها حمص فيشرى «١» بدنه كله من ذلك، وبعد ساعة أو ساعتين يفصد، وربما فصد لذلك دفعتين، وأسأله عن سبب ذلك فلا يكون عنده علم منه. وقال لي غير مرة: إنه لم يدع طبيبا حاذقا على مرور السنين إلا سأله عن سببه فلا يجد عنده علما ولا دواء. فلما كان قبل فالجه بسنوات ذهبت عنه العادة في الحمص فصار يأكله فلا يضرّه وبقيت عليه عادة الفلفل. ومن «كتاب الوزراء» لهلال بن المحسن «٢» : وحدث أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني قال: سكر الوزير أبو محمد المهلبي ليلة ولم يبق بحضرته من ندمائه غيري فقال لي: يا أبا الفرج، أنا أعلم أنك تهجوني سرّا فاهجني الساعة جهرا، فقلت: الله الله أيها الوزير فيّ، إن كنت قد مللتني انقطعت، وان كنت تؤثر قتلي فبالسيف إذا شئت. قال: دع ذا لا بدّ أن تهجوني. وكنت قد سكرت فقلت: أير بغل بلولب فقال في الحال مجيزا: في حر ام المهلّبي هات مصراعا آخر، فقلت: الطلاق لازم للأصفهاني إن زاد على هذا وان كان عنده زيادة. قرأت بخط أبي علي المحسن بن هلال الصابىء صاحب الشامة لأبي الفرج الأصفهاني يهجو أبا الحسن طازاد النصراني الكاتب: طازاد مشتقّ من الطيز ... فعدّ عن ذكر فتى الخوز كأن رجليه إذا ما مشى ... مخنّث يلعب بالشيز قرأت بخط هلال بن المظفر الكاتب الزنجاني، حدثني الأستاذ أبو المظفر

стр. 1712

عبد الغفار بن غنيمة قال: كان أبو الفرج الكاتب الأصبهاني صاحب «كتاب الأغاني» كاتبا لركن الدولة حظيا عنده محتشما لديه، وكان يتوقع من الرئيس أبي الفضل ابن العميد أن يكرمه ويبجله ويتوفر عليه في دخوله وخروجه، وعدم ذلك منه فقال: مالك موفور فما باله ... أكسبك التيه على المعدم ولم إذا جئت نهضنا وإن ... جئنا تطاولت ولم تتمم وإن خرجنا لم تقل مثل ما ... نقول: قدّم طرفه قدّم إن كنت ذا علم فمن ذا الذي ... مثل الذي تعلم لم يعلم ولست في الغارب من دولة ... ونحن من دونك في المنسم وقد ولينا وعزلنا كما ... أنت فلم نصغر ولم تعظم تكافأت أحوالنا كلّها ... فصل على الإنصاف أو فاصرم وقد روى أبو حيان في «كتاب الوزيرين» «١» من تصنيفه من خبر هذه الأبيات غير هذا وقد ذكرناها في أخبار ابن العميد من هذا الكتاب. قرأت في بعض المجاميع لأبي الفرج الأصبهاني: حضرتكم دهرا وفي الكم تحفة ... فما أذن البواب لي في لقائكم إذا كان هذا حالكم يوم أخذكم ... فما حالكم تالله يوم عطائكم قال ابن عبد الرحيم: حدثني أبو نصر الزجاج قال: كنت جالسا مع أبي الفرج الأصبهاني في دكان في سوق الوراقين، وكان أبو الحسن علي بن يوسف بن البقال الشاعر جالسا عند أبي الفرج ابن الخراز الوراق وهو ينشد أبيات إبراهيم بن العباس الصولي التي يقول فيها: رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلّت فلما بلغ إليه استحسنه وكرره، ورآه أبو الفرج فقال لي: قم إليه فقل له قد

стр. 1713

أسرفت في استحسان هذا البيت، وهو كذاك، فأين موضع الصنعة فيه؟ فقلت له ذاك، فقال: قوله «وكانت قذى عينيه» ، فعدت إليه وعرّفته، فقال: عد إليه فقل له: أخطأت، الصنعة في قوله «من حيث يخفى مكانها» . قال عبيد الله الفقير إليه مؤلف هذا الكتاب: وقد أصاب كلّ واحد منهما حاقّة الغرض، فإن الموضعين معا غاية في الحسن، وان كان ما ذهب إليه أبو الفرج أحسن. قال أبو الفرج في «كتاب الغرباء» «١» : وخرجت أنا وأبو الفتح أحمد بن إبراهيم بن علي بن عيسى ﵀ ماضيين إلى دير الثعالب في يوم ذكر أنه من سنة خمس وخمسين وثلاثمائة للنزهة، ومشاهدة اجتماع النصارى هناك، والشرب على نهر يزدجرد الذي يجري على باب هذا الدير، ومعه جماعة من أولاد كتّاب النصارى من أحداثهم، وإذا بفتاة كأنها الدينار المنقوش تتمايل وتنثني كغصن الريحان في نسيم الشمال، فضربت بيدها إلى يد أبي الفتح وقالت: يا سيدي تعال اقرأ هذا الشعر المكتوب على حائط هذا الشاهد «٢» فمضينا معها وبنا من السرور بها وبظرفها وملاحة منطقها ما الله به عليم، فلما دخلنا البيت كشفت عن ذراع كأنه الفضة وأومأت إلى الموضع فإذا فيه مكتوب: خرجت يوم عيدها ... في ثياب الرواهب فتنت «٣» باختيالها ... كلّ جاء وذاهب لشقائي رأيتها ... يوم دير الثعالب تتهادى بنسوة ... كاعب في كواعب هي فيهم كأنها ال ... بدر بين الكواكب فقلت لها: أنت والله المقصودة بهذه الأبيات، ولم نشكّ أنها كتبت الأبيات، ولم نفارقها بقية يومنا، وقلت فيها «٤» هذه الأبيات وأنشدتها إياها ففرحت:

стр. 1714

مرّت بنا في الدير خمصانه ... ساحرة «١» الناظر فتّانه أبرزها الذكران «٢» من خدرها ... تعظّم الدير ورهبانه مرت بنا تخطر في مشيها ... كأنما قامتها بانه هبّت لنا ريح فمالت بها ... كما تثنّى غصن ريحانه فتيمت قلبي وهاجت له ... أحزانه قدما وأشجانه وحصلت بينها وبين أبي الفتح عشرة بعد ذلك، ثم خرج إلى الشام وتوفي بها ولا أعرف لها خبرا بعد ذلك. قال أبو الفرج «٣» : وكنت انحدرت إلى البصرة منذ سنيّات، فلما وردتها صعدت من الفيض إلى سكّة قريش أطلب منزلا أسكنه لأني كنت غريبا لا أعرف أحدا من أهلها إلا من كنت أسمع بذكره، فدلني رجل على خان فصرت إليه واستأجرت «٤» فيه بيتا، وأقمت بالبصرة أياما، ثم خرجت عنها طالبا حصن مهديّ «٥» ، وكتبت هذه الأبيات على حائط البيت الذي أسكنه: الحمد لله على ما أرى ... من ضيعتي «٦» من بين هذا الورى أصارني الدهر إلى حالة ... يعدم فيها الضيف عندي القرى بدّلت من بعد الغنى حاجة ... إلى كلاب يلبسون الفرا أصبح أدم السوق لي مأكلا ... وصار خبز البيت خبز الشرا وبعد ملكي منزلا مبهجا ... سكنت بيتا من بيوت الكرا فكيف ألفى لاهيا ضاحكا ... وكيف أحظى بلذيذ الكرى سبحان من يعلم ما خلفنا ... وبين أيدينا وتحت الثرى

стр. 1715

والحمد لله على ما أرى ... وانقطع الخطب وزال المرا قال أبو الفرج «١» : وكنت في أيام الشبيبة والصبا آلف فتى من أولاد الجند في السنة التي توفي فيها معز الدولة وولي بختيار، وكانت لأبيه حال كبيرة ومنزلة من الدولة ورتبة، وكان الفتى في نهاية حسن الوجه وسلاسة الخلق وكرم الطبع ممن يحبّ الأدب ويميل إلى أهله، ولم يترك قريحته «٢» حتى عرف صدرا من العلم وجمع خزانة من الكتب حسنة، فمضت لي معه سير لو حفظت لكانت في كتاب مفرد من مكاتبات ومعاتبات وغير ذلك مما يطول شرحه؛ منها ما يشبه ما نحن فيه أنني جئته يوم جمعة غدوة فوجدته قد ركب إلى الحلبة، وكانت عادته أن يركب إليها في كلّ يوم ثلاثاء ويوم جمعة، فجلست على دكة على باب دار أبيه في موضع فسيح كان عمرها وفرشها، فكنا نجلس عليها للمحادثة إلى ارتفاع النهار ثم ندخل إذا أقمت عنده إلى حجرة لطيفة كانت مفردة له لنجتمع على الشراب والشطرنج وما أشبههما، فطال جلوسي في ذلك اليوم منتظرا له فأبطأ، وتصبّح من أجل رهان كان بين فرسين لبختيار، فعرض لي لقاء صديق فقمت لأمضي ثم أعود إليه، فهجس لي أن كتبت على الحائط الذي كنا نستند إليه هذه الأبيات: يا من أظلّ بباب داره ... ويطول حبسي لانتظاره وحياة طرفك واحوراره ... ومجال صدغك في مداره لا حلت عمري عن هوا ... ك ولو صليت بحرّ ناره وقمت، فلما عاد قرأ الأبيات وغضب من فعلي لئلا يقف عليه «٣» من يحتشمه، وكان شديد الكتمان لما بيني وبينه ومطالبا بمثل ذلك، مراقبة لأبيه، إلا أن ظرفه ووكيد محبته لي وميله إليّ لم يدعه حتى أجاب عنها بما كتب تحتها، ورجعت من ساعتي فوجدته في دار أبيه، فاستأذنت عليه، فخرج إليّ خادم لهم فقال: يقول لك لا التقينا حتى تقف على الجواب عن الأبيات فانه تحتها، فصعدت الدكة فإذا تحت الأبيات

стр. 1716

بخطه: ما هذه الشناعة، ومن فسح لك في هذه الإذاعة، وما أوجب خروجك عن الطاعة؟! ولكن أنا جنيت على نفسي وعليك، ملكتك فطغيت، وأطعتك فتعديت، وما أحتشم أن أقول: هذا تعرض للاعراض عنك والسلام. فعلمت أنني قد أخطأت، وسقطت- شهد الله- قوتي وحركتي «١» فأخذتني الندامة والحيرة، ثم أذن لي فدخلت فقبلت يده، فمنعني، وقلت: يا سيدي غلطة غلطتها وهفوة هفوتها فإن لم تتجاوز عنها وتعف هلكت، فقال لي: أنت في أوسع العذر بعد أن لا يكون لها أخت، وعاتبني على ذلك عتابا عرفت صحته، ولم تمض إلا مديدة حتى قبض على أبيه، وهرب، فاحتاج إلى الاستتار، فلم يأنس هو وأهله إلا بكونه عندي، فأنا على غفلة إذ دخل في خفّ وإزار، وكادت مرارتي تنفطر فرحا، فتلقيته «٢» أقبّل رجليه وهو يضحك ويقول: يأتيها رزقها وهي نائمة، هذا يا حبيبي بخت من لا يصوم ولا يصلّي في الحقيقة، وكان أخفّ الناس روحا وأمتعهم «٣» لنادرة، وبتنا في تلك الليلة عروسين لا نعقل سكرا، واصطبحنا وقلت هذه الأبيات: بت وبات الحبيب ندماني ... من بعد نأي وطول هجران نشرب قفصيّة معتّقة ... بحانة الشطّ منذ أزمان وكلما دارت الكؤوس لنا ... ألثمني فاه ثم غناني الحمد لله لا شريك له ... أطاعني الدهر بعد عصيان ولم يزل مقيما عندي نحو الشهر حتى استقام أمر أبيه ثم عاد إلى داره. وحدث الحسن بن الحسين النعال قال، قال أبو الفرج الأصبهاني: بلغ أبا الحسن جحظة أن مدرك بن محمد الشيباني الشاعر ذكره بسوء في مجلس كنت حاضره فكتب إليّ: أبا فرج أهجى لديك ويعتدى ... عليّ فلا تحمى لذاك وتغضب لعمرك ما أنصفتني في مودتي ... فكن معتبا إن الأكارم تعتب

стр. 1717

قال أبو الفرج: فكتبت إليه: عجبت لما بلّغت عنّي باطلا ... وظنّك بي فيه لعمرك أعجب ثكلت إذن نفسي وعزّي وأسرتي ... بفقدي ولا أدركت ما كنت أطلب فكيف بمن لا حظّ لي في لقائه ... وسيان عندي وصله والتجنب فثق بأخ أصفاك محض مودة ... تشاكل منها ما بدا والتغيب قال غرس النعمة: حدثني أبي قال، حدثني جدي قال: كان أبو القاسم الجهني القاضي- وأظنه من أهل البصرة وتقلّد الحسبة بها ومنها عرف أبا محمد المهلبي وصحبه- يشتمل على آداب يتميز بها، إلا أنه كان فاحش الكذب، يورد من الحكايات ما لا يعلق بقبول ولا يدخل في معقول، وكان أبو محمد قد ألف ذلك منه، وقد سلك مسلك الاحتمال، وكنا لا نخلو عند حديثه من التعجّب والاستطراف والاستبعاد، وكان ذلك لا يزيده إلا إغراقا في قوله وتماديا في فعله. فلما كان في بعض الأيام جرى حديث النعنع وإلى أيّ حدّ يطول، فقال الجهني: في البلد الفلاني نعنع يتشجّر حتى يعمل من خشبه السلاليم، فاغتاظ أبو الفرج الأصبهاني من ذاك وقال: نعم عجائب الدنيا كثيرة، ولا يدفع مثل هذا، وليس بمستبدع، وعندي ما هو أعجب من هذا وأغرب، وهو زوج حمام راعبيّ يبيض في نيّف وعشرين يوما بيضتين، فأنتزعهما من تحته وأضع مكانهما صنجة مائة وصنجة خمسين، فإذا انتهى مدة الحضان تفقست الصنجتان عن طست وإبريق أو سطل وكرنيب، فعمّنا الضحك، وفطن الجهنّي لما قصده أبو الفرج من الطنز، وانقبض عن كثير مما كان يحكيه ويتسمّح فيه، وإن لم يخل في الأيام من الشيء بعد الشيء منه. ومن عجيب ما مرّ بي من الكذب حكاية أوردها غرس النعمة عقيب هذه، قال: كان لوالدي تاجر يعرف بأبي طالب وكان معروفا بالكذب، فأذكر وقد حكى في مجلسه، والناس حضور عنده، أنه كان في معسكر محمود بن سبكتكين صاحب خراسان ببخارى معه، وقد جاء من البرد أمر عظيم جمد منه المري حتى قدّ وفري وعملت منه خفاف، وأن الناس كانوا ينزلون في المعسكر فلا يسمع لهم صوت ولا حديث ولا حركة حتى ضرب الطبل في أوقات الصلوات، فإذا أصبح الناس وطلعت

стр. 1718

الشمس وحميت ذاب ذلك الكلام، فسمعت الأصوات الجامدة منذ أمس من أصوات الطبول والبوقات وحديث الناس وصهيل الخيل ونهيق الحمير ورغاء الابل. قرأت على ظهر جزء من نسخة بكتاب الأغاني لأبي الفرج: حدث ابن عرس الموصلي- وكان المترسل بين عز الدولة وبين أبي تغلب ابن ناصر الدولة، وكان يخلف أبا تغلب بالحضرة- قال: كتب إليّ أبو تغلب يأمرني بابتياع «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني، فابتعته له بعشرة آلاف درهم من صرف ثمانية عشر درهما بدينار، فلما حملته إليه ووقف عليه ورأى عظمه وجلالة ما حوى قال: لقد ظلم ورّاقه المسكين، وإنه ليساوي عندي عشرة آلاف دينار، ولو فقد لما قدرت عليه الملوك إلا بالرغائب، وأمر أن تكتب له نسخة أخرى ويخلّد عليها اسمه، فابتدىء بذلك، فما أدري أتمت النسخة أم لا. قال أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد: اتصل بي أن مسوّدة «كتاب الأغاني» - وهي أصل أبي الفرج- أخرجت الى سوق الوراقين لتباع، فأنفذت إلى ابن قرابة وسألته إنفاذ صاحبها لأبتاعها منه لي، فجاءني وعرّفني أنها بيعت في النداء بأربعة آلاف درهم، وأن أكثرها في ظهور وبخطّ التعليق، وأنها اشتريت لأبي أحمد ابن محمد بن حفص، فراسلت أبا أحمد فأنكر أنه يعرف شيئا من هذا، فبحثت كلّ البحث فما قدرت عليها. كان الراضي بالله في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة قد ولّى أبا عبد الله البريدي- وكان قد خرج عليه بنواحي البصرة- الوزارة، فتحدث الناس أنّ الراضي إنما قصد بتقليد أبي عبد الله الوزارة طمعا في إيقاع الحيلة عليه في تحصيله، فقال أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني في ذلك قصيدة طويلة تزيد على مائة بيت يهجو فيها أبا عبد الله ويؤنب الراضي في توليته وطمعه فيه، أولها «١» : يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي ... قد تولّى الوزارة ابن البريدي جلّ خطب وحلّ أمر عضال ... وبلاء أشاب رأس الوليد

стр. 1719

هدّ ركن الاسلام وانهتك المل ... ك ومحّت آثاره فهو مودي أخلقت بهجة «١» الزمان كما أن ... هج طول اللباس وشي البرود يقول فيها: وتوهمت أن سيخدعه ذا ... ك فيغتاله اصطياد الصيود هو أزنى مما تقدّر أمّا ... ليس ممن يصاد بالتقليد وانتهت هذه القصيدة إلى أبي عبد الله البريدي، فلما بلغ الى البيت الأخير ضحك وضرب بيديه ورجليه وقال: لو عرف أبو الفرج ما في نفسي وأزال الوحشة وصار إليّ لبالغت في صلته والإفضال عليه من أجل هذا البيت. قال الحميدي: وقد ذكر صاحب «كتاب النشوار» «٢» أبو علي المحسن بن علي القاضي أنه حضر مجلس أبي الفرج الأصبهاني صاحب «كتاب الأغاني» فتذاكروا موت الفجاءة، فقال أبو الفرج: أخبرني شيوخنا أن جميع أحوال العالم قد اعترت من مات فجاءة إلّا أنني لم أسمع من مات على منبر؛ قال أبو علي المحسن: وكان معنا في مجلس أبي الفرج شيخ أندلسيّ قدم من هناك لطلب العلم ولزم أبا الفرج يقال له أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ «٣» ، وكنت أرى أبا الفرج يعظّمه ويكرمه ويذكر ثقته، فأخبرنا أبو زكريا أنه شاهد في مسجد الجامع ببلدة من الأندلس خطيب البلد وقد صعد يوم الجمعة ليخطب فلما بلغ يسيرا من خطبته خرّ ميتا فوق المنبر حتى أنزل به، وطلب في الحال من رقي المنبر فخطب وصلّى الجمعة بنا. إلّا أنّ أبا علي قلب نسبة أبي زكريا فقال: يحيى بن عائذ بن مالك الأندلسي، والصواب ما قلنا. قال الثعالبي «٤» : ومن قوله في المهلبي:

стр. 1720

ولما انتجعنا عائذين «١» بظلّه ... أعان وما عنّى ومنّ وما منّا وردنا عليه مقترين فراشنا ... وردنا نداه مجدبين فأخصبنا وقوله من قصيدة يهنئه بمولود من سرّية رومية «٢» : اسعد بمولود أتاك مباركا ... كالبدر أشرق جنح ليل مقمر سعد لوقت سعادة جاءت به ... أمّ حصان من بنات الأصفر متبخبخ في ذروتي شرف العلى ... بين المهلّب منتماه وقيصر شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى ... حتى إذا اجتمعا أتت بالمشتري وأنشد له فيه عيدية «٣» : إذا ما علا في الصدر للنهي «٤» والأمر ... وبثّهما في النفع منه وفي الضرّ وأجرى ظبا أقلامه وتدفقت ... بديهته كالمستمدّ من البحر رأيت نظام الدرّ في نظم قوله ... ومنثوره الرقراق في ذلك النثر ويقتضب المعنى «٥» الكثير بلفظة ... ويأتي بما تحوي الطوامير في سطر أيا غرة الدهر ائتنف غرّة الشهر ... وقابل هلال الفطر في ليلة الفطر بأيمن إقبال وأسعد طائر ... وأفضل ما ترجوه من أفسح العمر مضى عنك شهر الصوم يشهد صادقا ... بطهرك فيه واجتنابك للوزر فأكرم بما خطّ الحفيظان منهما ... وأثنى به المثني وأطرى به المطري وزكّتك أوراق المصاحف وانتهى ... إلى الله منها طول درسك والذكر وقبضك كفّ البطش عن كلّ مجرم ... وبطشكها بالعرف والخير والبرّ وقد جاء شوال فشالت نعامة ال ... صيام وأبدلنا النعيم من الضرّ
следующие страницы →