بخطه: ما هذه الشناعة، ومن فسح لك في هذه الإذاعة، وما أوجب خروجك عن الطاعة؟! ولكن أنا جنيت على نفسي وعليك، ملكتك فطغيت، وأطعتك فتعديت، وما أحتشم أن أقول: هذا تعرض للاعراض عنك والسلام. فعلمت أنني قد أخطأت، وسقطت- شهد الله- قوتي وحركتي «١» فأخذتني الندامة والحيرة، ثم أذن لي فدخلت فقبلت يده، فمنعني، وقلت: يا سيدي غلطة غلطتها وهفوة هفوتها فإن لم تتجاوز عنها وتعف هلكت، فقال لي: أنت في أوسع العذر بعد أن لا يكون لها أخت، وعاتبني على ذلك عتابا عرفت صحته، ولم تمض إلا مديدة حتى قبض على أبيه، وهرب، فاحتاج إلى الاستتار، فلم يأنس هو وأهله إلا بكونه عندي، فأنا على غفلة إذ دخل في خفّ وإزار، وكادت مرارتي تنفطر فرحا، فتلقيته «٢» أقبّل رجليه وهو يضحك ويقول: يأتيها رزقها وهي نائمة، هذا يا حبيبي بخت من لا يصوم ولا يصلّي في الحقيقة، وكان أخفّ الناس روحا وأمتعهم «٣» لنادرة، وبتنا في تلك الليلة عروسين لا نعقل سكرا، واصطبحنا وقلت هذه الأبيات:
بت وبات الحبيب ندماني ... من بعد نأي وطول هجران
نشرب قفصيّة معتّقة ... بحانة الشطّ منذ أزمان
وكلما دارت الكؤوس لنا ... ألثمني فاه ثم غناني
الحمد لله لا شريك له ... أطاعني الدهر بعد عصيان
ولم يزل مقيما عندي نحو الشهر حتى استقام أمر أبيه ثم عاد إلى داره.
وحدث الحسن بن الحسين النعال قال، قال أبو الفرج الأصبهاني: بلغ أبا الحسن جحظة أن مدرك بن محمد الشيباني الشاعر ذكره بسوء في مجلس كنت حاضره فكتب إليّ:
أبا فرج أهجى لديك ويعتدى ... عليّ فلا تحمى لذاك وتغضب
لعمرك ما أنصفتني في مودتي ... فكن معتبا إن الأكارم تعتب
стр. 1717
قال أبو الفرج: فكتبت إليه:
عجبت لما بلّغت عنّي باطلا ... وظنّك بي فيه لعمرك أعجب
ثكلت إذن نفسي وعزّي وأسرتي ... بفقدي ولا أدركت ما كنت أطلب
فكيف بمن لا حظّ لي في لقائه ... وسيان عندي وصله والتجنب
فثق بأخ أصفاك محض مودة ... تشاكل منها ما بدا والتغيب
قال غرس النعمة: حدثني أبي قال، حدثني جدي قال: كان أبو القاسم الجهني القاضي- وأظنه من أهل البصرة وتقلّد الحسبة بها ومنها عرف أبا محمد المهلبي وصحبه- يشتمل على آداب يتميز بها، إلا أنه كان فاحش الكذب، يورد من الحكايات ما لا يعلق بقبول ولا يدخل في معقول، وكان أبو محمد قد ألف ذلك منه، وقد سلك مسلك الاحتمال، وكنا لا نخلو عند حديثه من التعجّب والاستطراف والاستبعاد، وكان ذلك لا يزيده إلا إغراقا في قوله وتماديا في فعله. فلما كان في بعض الأيام جرى حديث النعنع وإلى أيّ حدّ يطول، فقال الجهني: في البلد الفلاني نعنع يتشجّر حتى يعمل من خشبه السلاليم، فاغتاظ أبو الفرج الأصبهاني من ذاك وقال: نعم عجائب الدنيا كثيرة، ولا يدفع مثل هذا، وليس بمستبدع، وعندي ما هو أعجب من هذا وأغرب، وهو زوج حمام راعبيّ يبيض في نيّف وعشرين يوما بيضتين، فأنتزعهما من تحته وأضع مكانهما صنجة مائة وصنجة خمسين، فإذا انتهى مدة الحضان تفقست الصنجتان عن طست وإبريق أو سطل وكرنيب، فعمّنا الضحك، وفطن الجهنّي لما قصده أبو الفرج من الطنز، وانقبض عن كثير مما كان يحكيه ويتسمّح فيه، وإن لم يخل في الأيام من الشيء بعد الشيء منه.
ومن عجيب ما مرّ بي من الكذب حكاية أوردها غرس النعمة عقيب هذه، قال:
كان لوالدي تاجر يعرف بأبي طالب وكان معروفا بالكذب، فأذكر وقد حكى في مجلسه، والناس حضور عنده، أنه كان في معسكر محمود بن سبكتكين صاحب خراسان ببخارى معه، وقد جاء من البرد أمر عظيم جمد منه المري حتى قدّ وفري وعملت منه خفاف، وأن الناس كانوا ينزلون في المعسكر فلا يسمع لهم صوت ولا حديث ولا حركة حتى ضرب الطبل في أوقات الصلوات، فإذا أصبح الناس وطلعت
стр. 1718
الشمس وحميت ذاب ذلك الكلام، فسمعت الأصوات الجامدة منذ أمس من أصوات الطبول والبوقات وحديث الناس وصهيل الخيل ونهيق الحمير ورغاء الابل.
قرأت على ظهر جزء من نسخة بكتاب الأغاني لأبي الفرج: حدث ابن عرس الموصلي- وكان المترسل بين عز الدولة وبين أبي تغلب ابن ناصر الدولة، وكان يخلف أبا تغلب بالحضرة- قال: كتب إليّ أبو تغلب يأمرني بابتياع «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني، فابتعته له بعشرة آلاف درهم من صرف ثمانية عشر درهما بدينار، فلما حملته إليه ووقف عليه ورأى عظمه وجلالة ما حوى قال: لقد ظلم ورّاقه المسكين، وإنه ليساوي عندي عشرة آلاف دينار، ولو فقد لما قدرت عليه الملوك إلا بالرغائب، وأمر أن تكتب له نسخة أخرى ويخلّد عليها اسمه، فابتدىء بذلك، فما أدري أتمت النسخة أم لا.
قال أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد: اتصل بي أن مسوّدة «كتاب الأغاني» - وهي أصل أبي الفرج- أخرجت الى سوق الوراقين لتباع، فأنفذت إلى ابن قرابة وسألته إنفاذ صاحبها لأبتاعها منه لي، فجاءني وعرّفني أنها بيعت في النداء بأربعة آلاف درهم، وأن أكثرها في ظهور وبخطّ التعليق، وأنها اشتريت لأبي أحمد ابن محمد بن حفص، فراسلت أبا أحمد فأنكر أنه يعرف شيئا من هذا، فبحثت كلّ البحث فما قدرت عليها.
كان الراضي بالله في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة قد ولّى أبا عبد الله البريدي- وكان قد خرج عليه بنواحي البصرة- الوزارة، فتحدث الناس أنّ الراضي إنما قصد بتقليد أبي عبد الله الوزارة طمعا في إيقاع الحيلة عليه في تحصيله، فقال أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني في ذلك قصيدة طويلة تزيد على مائة بيت يهجو فيها أبا عبد الله ويؤنب الراضي في توليته وطمعه فيه، أولها «١» :
يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي ... قد تولّى الوزارة ابن البريدي
جلّ خطب وحلّ أمر عضال ... وبلاء أشاب رأس الوليد
стр. 1719
هدّ ركن الاسلام وانهتك المل ... ك ومحّت آثاره فهو مودي
أخلقت بهجة «١» الزمان كما أن ... هج طول اللباس وشي البرود
يقول فيها:
وتوهمت أن سيخدعه ذا ... ك فيغتاله اصطياد الصيود
هو أزنى مما تقدّر أمّا ... ليس ممن يصاد بالتقليد
وانتهت هذه القصيدة إلى أبي عبد الله البريدي، فلما بلغ الى البيت الأخير ضحك وضرب بيديه ورجليه وقال: لو عرف أبو الفرج ما في نفسي وأزال الوحشة وصار إليّ لبالغت في صلته والإفضال عليه من أجل هذا البيت.
قال الحميدي: وقد ذكر صاحب «كتاب النشوار» «٢» أبو علي المحسن بن علي القاضي أنه حضر مجلس أبي الفرج الأصبهاني صاحب «كتاب الأغاني» فتذاكروا موت الفجاءة، فقال أبو الفرج: أخبرني شيوخنا أن جميع أحوال العالم قد اعترت من مات فجاءة إلّا أنني لم أسمع من مات على منبر؛ قال أبو علي المحسن: وكان معنا في مجلس أبي الفرج شيخ أندلسيّ قدم من هناك لطلب العلم ولزم أبا الفرج يقال له أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ «٣» ، وكنت أرى أبا الفرج يعظّمه ويكرمه ويذكر ثقته، فأخبرنا أبو زكريا أنه شاهد في مسجد الجامع ببلدة من الأندلس خطيب البلد وقد صعد يوم الجمعة ليخطب فلما بلغ يسيرا من خطبته خرّ ميتا فوق المنبر حتى أنزل به، وطلب في الحال من رقي المنبر فخطب وصلّى الجمعة بنا. إلّا أنّ أبا علي قلب نسبة أبي زكريا فقال: يحيى بن عائذ بن مالك الأندلسي، والصواب ما قلنا.
قال الثعالبي «٤» : ومن قوله في المهلبي:
стр. 1720
ولما انتجعنا عائذين «١» بظلّه ... أعان وما عنّى ومنّ وما منّا
وردنا عليه مقترين فراشنا ... وردنا نداه مجدبين فأخصبنا
وقوله من قصيدة يهنئه بمولود من سرّية رومية «٢» :
اسعد بمولود أتاك مباركا ... كالبدر أشرق جنح ليل مقمر
سعد لوقت سعادة جاءت به ... أمّ حصان من بنات الأصفر
متبخبخ في ذروتي شرف العلى ... بين المهلّب منتماه وقيصر
شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى ... حتى إذا اجتمعا أتت بالمشتري
وأنشد له فيه عيدية «٣» :
إذا ما علا في الصدر للنهي «٤» والأمر ... وبثّهما في النفع منه وفي الضرّ
وأجرى ظبا أقلامه وتدفقت ... بديهته كالمستمدّ من البحر
رأيت نظام الدرّ في نظم قوله ... ومنثوره الرقراق في ذلك النثر
ويقتضب المعنى «٥» الكثير بلفظة ... ويأتي بما تحوي الطوامير في سطر
أيا غرة الدهر ائتنف غرّة الشهر ... وقابل هلال الفطر في ليلة الفطر
بأيمن إقبال وأسعد طائر ... وأفضل ما ترجوه من أفسح العمر
مضى عنك شهر الصوم يشهد صادقا ... بطهرك فيه واجتنابك للوزر
فأكرم بما خطّ الحفيظان منهما ... وأثنى به المثني وأطرى به المطري
وزكّتك أوراق المصاحف وانتهى ... إلى الله منها طول درسك والذكر
وقبضك كفّ البطش عن كلّ مجرم ... وبطشكها بالعرف والخير والبرّ
وقد جاء شوال فشالت نعامة ال ... صيام وأبدلنا النعيم من الضرّ
стр. 1721
وضجت حبيس الدنّ من طول حبسها ... ولامت على طول التجنّب والهجر
وأبرزها من قعر أسود مظلم ... كاشراق بدر مشرق اللون كالبدر
إذا ضمّها والورد فوه وكفّه ... فلا فرق بين اللون والطعم والنشر
وتحسبه إذ سلسل الكأس ناظما ... على الكوكب الدرّيّ سمطا من الدرّ
وله فيه يهنئه بابلاله من مرض «١» :
أبا محمد المحمود يا حسن الاح ... سان والجود يا بحر الندى الطامي
حاشاك من عود عوّاد إليك ومن ... دواء داء ومن إلمام آلام
وله «٢» :
يا فرجة الهمّ بعد اليأس من فرج «٣» ... يا فرحة الأمن بعد الروع من وهل «٤»
اسلم ودم وابق واملك وانم واسم وزد ... وأعط وامنع وضر وانفع وصل وصل
وله في القاضي الايذجي وكان التمس منه عكازة فلم يعطه إياها «٥» :
اسمع حديثي تسمع قصة عجبا ... لا شيء أظرف منها «٦» تبهر القصصا
طلبت عكّازة للوحل تحملني ... ورمتها عند من يخبا العصا فعصا
وكنت أحسبه يهوى عصا عصب ... ولم أكن خلته صبّا بكلّ عصا
وله من قصيدة يستميح المهلبي «٧» :
رهنت ثيابي وحال القضاء ... دون القضاء وصدّ القدر
وهذا الشتاء كما قد ترى ... عسوف عليّ قبيح الأثر «٨»
стр. 1722
يغادي بصرّ من العاصفا ... ت أو دمق مثل وخز الابر «١»
وسكان دارك ممن أعو ... ل يلقّين من برده كلّ شرّ
فهذي تحنّ وهذي تئنّ ... وأدمع هاتيك تجري درر
إذا ما تململن تحت الظلام ... يعلّلن منك بحسن النظر
ولا حظن ربعك كالممحلين ... شاموا البروق رجاء المطر
يؤمّلن عودي بما ينتظرن ... كما يرتجى آيب من سفر.
[٧٤٧] علي بن الحسين بن هندو أبو الفرج، الكاتب الأديب
المنشىء الشاعر: من أهل البراعة ومستخدمي اليراعة وأعيان أهل البلاغة، له رسائل مدوّنة وفضائل متعينة مختارة، يفضّله أهل بلده على كثير من أقرانه.
قال أبو عليّ التنوخي: كان أحد كتّاب الإنشاء في ديوان عضد الدولة، قال:
وشاهدت عدة كتب كتبها عنه بخطه.
وقال أبو الفضل البندنيجي الشاعر: هو من أهل الريّ، قال: وشاهدته بجرجان في سني بضع عشرة وأربعمائة كاتبا بها وأنه مشهور في تلك البلاد بجودة الشعر وكثرة الأدب والفضل.
قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن سهل الهروي «٢» كان أبو الفرج ابن هندو صاحب أبوة في بلده، ولسلفه نباهة بالنيابة «٣» وخدمة السلطان هناك، وكان متفلسفا
стр. 1723
قرأ كتب الأوائل على أبي الحسن الوائلي بنيسابور ثم على أبي الخير ابن الخمار «١» وورد بغداد في أيام أبي غالب ابن خلف الوزير فخر الملك ومدحه، واتفق اجتماعي معه وأنسي به، وكان يلبس الدراعة على رسم الكتاب، وأنشدني لنفسه «٢» :
لا يؤيسنّك من مجد تباعده ... فان للمجد تدريجا وترتيبا
إن القناة التي شاهدت رفعتها ... تنمي وتنبت أنبوبا فأنبوبا
قال أبو الفضل البندنيجي: سمعته ينشد لنفسه:
يا سيف إن تدرك بحاشية اللوى ... ثأرا أكن لمديح طبعك ناظما
اجعل قرابك فضة مسبوكة ... واصنع عليك من الزبرجد قائما
ما أرضعتك صياقلي ماء الردى ... إلا لترضعني الدماء سواجما
قال: وحضرت معه في مجلس أبي غانم القصري الناظر، كان، في الدواوين بجرجان على البريد، فعمل بديها ما دفعه إلى المغني فغنى فيه:
يا هاجرا لي بغير جرم ... مستبدل الوصل بالصدود
أضنيت جسمي فلم تغادر ... مني دليلا على الوجود
وله أيضا «٣» :
كلّ مالي فهو رهن ما له ... من فكاك في مساء وابتكار
ففؤادي أبدا رهن هوى ... وردائي أبدا رهن عقار
فدع التفنيد يا صاح لنا ... إنما الربح لأصحاب الخسار
لو ترى ثوبي مصبوغا بها ... قلت ذمّيّ تبدّى في غيار
ولقد أمرح في شرخ الصبا ... مرح المهرة في ثني العذار
стр. 1724
وله أيضا «١» :
ضعت بأهل الريّ في أهلها ... ضياع حرف الراء في اللثغه
صرت بها بعد بلوغ المنى ... أحمد أن تبلغ بي البلغه
وله أيضا:
إذا ما عقدنا نعمة عند جاحد ... ولم نره إلا جموحا عن الشكر
رجعنا فعفّينا الجميل بضده ... كذاك يجازى صاحب الشرّ بالشر
هذا عكس قول ابن الرومي «٢» :
أحسن إليه إذا أساء فأنتما ... من ذي الجلال بسمع وبمنظر
وله أيضا:
وكافر بالمعاد أمسى ... يخلبني قوله الخلوب
قال اغتنم لذة الليالي ... وعدّ عن آجل يريب
ضلّ هواه وجاء يهذي ... طبّ لعينيك يا طبيب
أأخطأ العالمون طرّا ... وأنت من بينهم مصيب
وله أيضا:
كدأبك كلّ لا يرى غير نفسه ... فعش واحدا واضربهم بفراق
زمان تجافى أهله فكأنهم ... سيات قسيّ ما لهنّ تلاقي
وله أيضا «٣» :
تعانقنا لتوديع عشاء ... وقد شرقت بمدمعها الحداق
وضيقنا العناق لفرط شوق ... فما ندري عناق أم خناق
وتحدث أبو الفضل البندنيجي الشاعر قال: كان بابن هندو ضرب من السوداء،
стр. 1725
وكان قليل القدرة على شرب النبيذ لأجل ذلك، واتفق أنه كان يوما عند أبي الفتح بن أبي علي حمد كاتب قابوس بن وشمكير وأنا معه، على عادة كانت لنا في الاجتماع، فدخل أبو علي إلى الموضع ونظر إلى ما كان بأيدينا من الكتب وتناشد هو وابن هندو الشعر، وحضر الطعام فأكلنا، وانتقلنا إلى مجلس الشراب، ولم يطق ابن هندو المساعدة على ذلك، فكتب في رقعة كتبها إليه:
قد كفاني من المدام شميم ... صالحتني النّهى وثاب الغريم
هي جهد العقول سمّي راحا ... مثل ما قيل للّديغ سليم
إن تكن جنة النعيم ففيها ... من أذى السكر والخمار جحيم
فلما قرأها ضحك وأعفاه من الشرب.
وأنشد أبو الفضل له:
قالوا اشتغل عنهم يوما بغيرهم ... وخادع النفس إن النفس تنخدع
قد صيغ قلبي على مقدار حبهم ... فما لحبّ سواهم فيه متسع
وحدث أبو الفضل البندنيجي قال: أنشدت يوما أبا الفتح بن أبي علي حمد قول ابن المعتز «١» :
سعى إلى الدنّ بالمبزال يبقره ... ساق توشّح بالمنديل حين وثب
لما وجاها بدت صهباء «٢» صافية ... كأنّما قدّ سيرا من أديم ذهب
ومثله قول ابن سكرة:
ثم وجاها بشبا مبزل ... فاستلّ منها وترا مذهبا
فقال قول ابن هندو أحسن «٣» :
وساق تقلّد لما أتى ... حمائل زقّ ملاه شمولا
فلله درّك من فارس ... تقلّد سيفا يقدّ العقولا
قال: فجاريت ابن هندو من بعد، وقد اجتمعت معه، الأبيات، وقلت له: إن
стр. 1726
قولك «حمائل الزق» فيه بشاعة، وما رأيت أحدا تقلد زقا، فقال: أهل العراق يصرفون الكلام ونحن نورده على أصله.
وحدث أبو الفضل البندنيجي قال: كان ابن هندو يشرب يوما عند أبي غانم القصري، واقتصر على أقداح يسيرة ثم أمسك، فسأله الزيادة فلم يفعل، وقال «١» :
أرى الخمر نارا والنفوس جواهرا ... فإن شربت أبدت طباع الجواهر
فلا تفضحنّ النفس يوما بشربها ... إذا لم تثق منها بحسن السرائر
وله أيضا:
تعرضت الدنيا بلذة مطعم ... وزخرف موشيّ من اللبس رائق
أرادت سفاها أن تموّه قبحها ... على فكر خاضت بحار الدقائق
فلا تخدعينا بالسراب فاننا ... قتلنا نهانا في طلاب الحقائق
وحدث البندنيجي قال: كان الناس يظنون بمنوجهر بن قابوس ما كان في أبيه من الأدب والفضل، ولم يكن كذلك، فلما انتقل الأمر إليه قصد بما يقصد به مثله، وكان لا يوصل إليه إلا القليل، ولا يتقبل ما يمدح به، ولا يهش لشيء من هذا الجنس لتباعده عنه، وكان مع هذه الحالة فروقة قليل البطش، فمدحه ابن هندو بقصيدة وتأنق فيها وأنشده إياها، فلم يفهمها ولم يثبه عليها، فقال:
يا ويح فضلي أما في الناس من رجل ... يحنو عليّ أما في الأرض من ملك
لأكرمنّك يا فضلي بتركهم ... وأستهيننّ بالأيام والفلك
فقيل لمنوجهر: إنه قد هجاك لأن لقبه كان فلك المعالي، فطلبه ليقتله فهرب إلى نيسابور وانفلت منه.
وله «٢» :
حللت وقاري في شادن ... عيون الأنام به تعقد
غدا وجهه كعبة للجمال ... ولي قلبه «٣» الحجر الأسود
стр. 1727
[٧٤٨] علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى
بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، نقيب العلويين، أبو القاسم الملقب بالمرتضى علم الهدى، السيد المشهور بالعلم المعروف بالفهم: ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة ومات سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وهو أكبر من أخيه الرضي.
وقال أبو جعفر الطوسي: توحّد المرتضى في علوم كثيرة، مجمع على فضله، مقدم في العلوم مثل: علم الكلام والفقه وأصول الفقه والأدب والنحو والشعر ومعاني الشعر واللغة وغير ذلك، وله ديوان شعر يزيد على عشرة «١» آلاف بيت، وله من التصانيف ومسائل البلدان شيء كثير، يشتمل على ذلك فهرسته، غير أني أذكر أعيان كتبه وكبارها منها: كتاب الشافي في الامامة [وهو نقض] كتاب المغني لعبد الجبار بن أحمد وهو كتاب لم يصنف مثله في الامامة. كتاب الملخص في الأصول لم يتمه. كتاب الذخيرة في الأصول تامّ. وكتاب جمل العلم والعمل تام.
وكتاب الغرر [والدرر] وكتاب التنزيه. كتاب المسائل الموصلية الأولى. وكتاب المسائل الموصلية الثانية. كتاب المسائل الموصلية الثالثة. وكتاب المقنع في
стр. 1728
الغيبة. وكتاب مسائل الخلاف في الفقه لم يتم. كتاب الانتصار فيما انفردت به الامامية. كتاب مسائل مفردات في أصول الفقه. كتاب المصباح في الفقه لم يتم.
وكتاب المسائل الطرابلسية الأولى. وكتاب المسائل الأخيرة. وكتاب مسائل أهل مصر الأولى. وكتاب مسائلهم الأخيرة. وكتاب المسائل الحلبية الأولى. وكتاب المسائل الحلبية الأخيرة. كتاب المسائل الناصرية في الفقه. وكتاب المسائل الجرجانية.
وكتاب المسائل الطوسية لم يتم. وكتاب البرق. وكتاب طيف الخيال. وكتاب الشيب والشباب. كتاب تتبع أبيات المعاني للمتنبي التي تكلم عليها ابن جني. وكتاب النقض على ابن جني في الحكاية والمحكي. وكتاب نصر «١» الرواية وإبطال القول بالعدد. وكتاب الذريعة في أصول الفقه. وكتاب تفسير قصيدة السيد. وله مسائل مفردات نحو مائة مسألة في فنون شتى. وكتاب المسائل الصيداوية. قال أبو جعفر الطوسيّ: قرأت أكثر هذه الكتب عليه وسمعت سائرها.
ومن شعره المذكور في «تتمة اليتيمة» «٢» :
يا خليليّ من ذؤابة بكر ... في التصابي رياضة الأخلاق
غنيّاني بذكرهم تطرباني ... واسقياني دمعي بكأس دهاق
وخذا النوم عن جفوني فإني ... قد خلعت الكرى على العشاق
وله في ذم المشيب «٣» :
يقولون لا تجزع من الشيب ضلّة ... وأسهمه إياي دونهم تصمي
وما سرّني حلم يفيء إلى الردى ... كفاني ما قبل المشيب من الحلم
إذا كان ما يعطيني الحزم سالبا ... حياتي فقل لي كيف ينفعني حزمي
وقد جربت نفسي الغداة وقاره ... فما شدّ من وهني ولا سدّ من ثلمي
وإنّي مذ أضحى عذاري قراره ... أعاد بلا سقم وأجفى بلا جزم
стр. 1729
وله في مرثية «١» :
كم ذا تطيش سهام الموت مخطئة ... عني وتصمي أخلائي وإخواني «٢»
ولو فطنت وقد أردى الزمان أخي ... علمت أن الذي أصماه أصماني
سود وبيض من الأيام لونهما ... لا يستحيل وقد بدّلن ألواني
هيهات حكّم فينا أزلم جذع ... يفني الورى بين جذعان وقرحان
ذكر غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسن الصابىء في «كتاب الهفوات» قال «٣» : اجتاز المرتضى أبو القاسم يوم جمعة على باب جامع المنصور بحيث تباع الغنم، فسمع المنادي يقول: نبيع هذا التيس العلويّ بدينار، فظنّ أنه قصده بذلك، فعاد إلى داره وتألم إلى الوزير مما جرى عليه، فكشف فوجد أن التيس إذا كان في رقبته حلمتان متدليتان سمّي علويا تشبيها بضفيرتي العلويّ المسبلتين على رقبته.
نقلت من خط الحافظ الامام أبي نصر عبد الرحيم بن النفيس بن وهبان وفقه الله، قال نقلت من خط الامام أبي بكر محمد بن منصور السمعاني ﵀، قال سمعت أبا الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي يقول، سمعت أبا القاسم ابن برهان يقول: دخلت على الشريف المرتضى أبي القاسم العلوي في مرضه الذي توفي فيه فإذا قد حوّل وجهه إلى الجدار، فسمعته يقول: أبو بكر وعمر وليا فعدلا واسترحما فرحما، وأنا أقول ارتدّا بعد أن أسلما؛ قال: فقمت وخرجت فما بلغت عتبة الباب حتى سمعت الزعقة عليه.
ومن شعره ما نقلته من خط تاج الاسلام في «المذيل» «٤» :
وزارت وسادي في المنام خريدة ... أراها الكرى عيني ولست أراها
تمانع صبحا أن أراها بناظري ... وتبذل جنحا أن أقبّل فاها
ولما سرت لم تخش وهنا ضلالة ... ولا عرف العذّال كيف سراها
стр. 1730
فماذا الذي من غير وعد أتى بها ... ومن ذا «١» على بعد المزار هداها
وقالوا عساها بعد زورة باطل ... تزور بلا ريب فقلت عساها
وأنشد له فيه «٢» :
وطرقنني وهنا بأجواز الفلا ... وطروقهنّ على الفلا تخييل
في ليلة وافى بها متمنّع ... ودنت بعيدات وجاد بخيل
يا ليت زائرنا بفاحمة الدجى ... لم يأت إلا والصباح رسول
فقليله وضح الضحى مستكثر ... وكثيره غبش الظلام قليل
ما عابه، وبه السرور، زواله ... فجميع ما سرّ القلوب يزول
ومن خطه: سمعت أبا العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الحافظ بأصبهان يقول: ذكر شيخنا أبو الفضل محمد بن طاهر [المقدسي] «٣» الحافظ ونقلت من خطه: سمعت الكيا أبا الحسين يحيى بن الحسين العلوي الزيدي، وكان من نبلاء أهل البيت، ومن المحمودين في صناعة الحديث وغيره من الأصول والفروع، يقول وقد دخل عليه بعض الشعراء فمدحه بقصيدة، فلما خرج قال: يا أبا الفضل، الناس ينظرون إليّ وإلى المرتضى ولا يفرّقون بين الرجلين، المرتضى يدخل عليه من أملاكه كلّ سنة أربعة وعشرون ألف دينار، وأنا آكل من طاحونة لأختي ليس لي معيشة غيرها.
قال أبو الفضل المقدسي: وذكر بين يديه يوما الامامية فذكرهم بأقبح ذكر وقال:
لو كانوا من الدوابّ لكانوا الحمير، ولو كانوا من الطيور لكانوا الرخم، وأطنب في ذمهم. وبعد مدة دخلت على المرتضى، وجرى ذكر الزيدية والصالحية أيهما أفضل، فقال: يا أبا الفضل تقول أيهما خير ولا تقول أيهما شرّ، فتعجبت من إمامي الشيعة في وقتهما ومن قول كلّ واحد منهما في مذهب الآخر، فقلت: قد كفيتما أهل السنة الوقيعة فيكما.
стр. 1731
قرأت بخط الشيخ أبي محمد ابن الخشاب، حدثني الشيخ الصالح أبو صالح قرطاس بن ألطنطاش الظفري الصوفي التركي من لفظه قال: سمعت ابن الرملي يقول وكان مسنّا: حضرت مجلس أبي القاسم المرتضى وأنا إذ ذاك صبيّ، فدخل عليه بعض أكابر الديلم، فتزحزح له وأجلسه معه على سريره، وأقبل عليه مسائلا، فسارّه الديلمي بشيء لم نعلم ما هو، فقال له متضجرا: نعم، وأخذ معه في كلام كأنه مدافعه، فنهض الديلمي، فقال المرتضى بعد نهوضه: أهؤلاء يريدون منا أن نزيل الجبال بالريش؟! وأقبل على من في مجلسه فقال: أتدرون ما قال هذا الديلمي؟
فقالوا: لا يا سيدي، فقال قال: بيّن لي هل صحّ إسلام أبي بكر وعمر؟
قلت أنا ﵄.
قرأت في بعض كتب «١» الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل بخطّه:
حدثني الفصيحي النحوي قال: اطلع المرتضى من روشنه فرأى المطرز الشاعر وقد انقطع شراك نعله وهو يصلحه، فقال له: فديت ركائبك، وأشار إلى قصيدته التي أولها:
سرى مغرما بالعيس ينتجع الركبا ... يسائل عن بدر الدجى الشرق والغربا ع
لى عذبات الجزع من ماء تغلب ... غزال يرى ماء القلوب له شربا
إلى قوله:
إذا لم تبلّغني إليكم ركائبي ... فلا وردت ماء ولا رعت العشبا
فقال مسرعا: أتراها ما تشبه مجلسك وخلعك وشربك؟ أشار بذلك إلى أبياته التي أولها:
يا خليليّ من ذؤابة قيس
مذكورة في أول ترجمته قيل إنه لما خلع وهب النوم «٢» .
стр. 1732
وللمرتضى:
تجاف عن الأعداء بقيا فربما «١» ... كفيت فلم تجرح بناب ولا ظفر
ولا تبر منهم كلّ عود تخافه ... فإن الأعادي ينبتون مع الدهر.
[٧٤٩] علي بن الحسين بن علي العبسي
، يعرف بابن كوجك الوراق: كان أديبا فاضلا يورّق، سمع بمصر من أبي مسلم محمد بن أحمد كاتب أبي الفضل ابن حنزابة الوزير. صنف كتبا منها كتاب الطنبوريين. كتاب أعز المطالب إلى أعلى المراتب في الزهد، كتب به إلى الشابشتي صاحب «كتاب الديارات» ومات في أيام الحاكم قرابة سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وكان بالشام والساحل، ومدح سيف الدولة لما فتح الحدث فقال:
رام هدم الإسلام بالحدث المؤ ... ذن بنيانها بهدم الضلال
نكلت عنك منه نفس ضعيف ... سلبته القوى رؤوس العوالي
فتوقّى الحمام بالنفس والما ... ل وباع المقام بالارتحال
ترك الطير والوحوش سغابا ... بين تلك السهول والأجبال
ولكم وقعة قريت عفاة ال ... طير فيها جماجم الأبطال
وكان أبوه الحسين بن علي من أهل الأدب والشعر. قال الحافظ أبو القاسم الدمشقي: الحسين بن علي بن كوجك أبو القاسم الكوجكي حدث بطرابلس سنة تسع وخمسين وثلاثمائة عن أبي مسعود كاتب حسنون المصري وعن أبيه علي وأبي القاسم ابن المنتاب العراقي، كتب عنه بعض أهل الأدب. وأنشد له هذه الأبيات:
стр. 1733
وما ذات بعل مات عنها فجاءة ... وقد وجدت حملا دوين الترائب
بأرض نأت عن والديها كليهما ... تعاورها الوراث من كلّ جانب
فلما استبان الحمل منها تنهنهوا ... قليلا وقد دبوا دبيب العقارب
فجاءت بمولود غلام فأحرزت ... تراث أبيه الميت دون الأقارب
فلما غدا للمال ربّا ونافست ... لإعجابها فيه عيون الكواعب
وكاد يطول الذّرع في القدّ جسمه ... وقارب أسباب النهى والتجارب
واصبح مأمولا يخاف ويرتجي ... جميل المحيا ذا عذار وشارب
أتيح له عبل الذراعين مخدر ... جريء على أقرانه غير هائب
فلم يبق منه غير عظم مجزّر ... وجمجمة ليست بذات ذوائب
بأوجع منى يوم ولّت حدوجهم ... يؤمّ بها الحادون وادي غباغب.
[٧٥٠] علي بن الحسين بن بلبل العسقلاني
أبو الحسن:
من شعره في محبوب أزرق العينين:
قدّك كالذابل «١» حسنا وفي ... طرفك ما في طرف الذابل
أزرق كالأزرق يوم الوغى ... كلاهما يوصف بالقاتل
وله أيضا «٢» :
стр. 1734
شعر الذؤابة والعذار ... قاما بعذري واعتذاري
بأبي الذي في خدّه ... ماء الصبا ولهيب نار
سكرت لواحظه وقلبي ... ما يفيق من الخمار
عابوا امتهاني في هوا ... هـ كأنني أنا «١» باختيار
ومن الصواب وها عذا ... ري شائب خلع العذار
وله أيضا «٢» :
تعرف في وجهه إذا ما ... رأيته نضرة النعيم
كأنما خدّه «٣» حباب ... بتّ به ليلة السليم
ولي غريم لوى ديوني ... ليت غرامي على غريمي.
[٧٥١] علي بن الحسين الآمدي النحوي
أبو الحسن: ذكره محمد بن إسحاق النديم، وذكر أنه خرج إلى مصر فأقام بها، وكان منقطعا إلى أبي الفضل ابن حنزابة الوزير، وخطه صحيح مليح، ولم يثبت له مصنفا.
قلت أنا: وهو من مشايخ عبد السلام بن الحسين البصري اللغوي «٤» وجدت
стр. 1735
بخطه وقد أنشد عنه بيتا لأبي الهيذام كلاب بن حمزة العقيلي- وهو مذكور في بابه «١» - وقال: أنشدناه جماعة من مشايخنا منهم أبو الحسن علي بن الحسين الآمدي.
وحدث ابن نصر «٢» قال، حدثني أبو الحسن المبدع، وكنت أعرفه قديما، ودخل إلى بغداد خضيبا وقصدني فأنكرته ثم عرفته، فجرى ذكر شعراء المصريين فقلت له: ما رأيت لهم شيئا ناصعا، فقال لي: كان الآمدي يتولى أرزاق الشعراء والمتعطلين والأشراف والكتّاب، وكان خضيبا، ولم يسمّه لي ولا كناه، ولا أعلم هل هو النحوي صاحب «كتاب الموازنة» أو غيره «٣» إلا أني أذكر ما حكاه، قال: منع الحسين بن بشر الكاتب المصري أرزاقه فعمل فيه قطعة أولها:
إن طغى الآمديّ طغيان مثر ... راشه الدهر فالمريش يحصّ
أيها الآمديّ عقلك قدد ... لّ على أنّ آمد اليوم حمص
إن حرصا يدعو إلى قطعك الأر ... زاق فينا على هلاكك حرص
بسواد السماد تخضب يا شي ... خ فمن ذا سواده ما يبصّ
ألق فيه عفصا فإنك تحتا ... ج إلى العفص حين يعكس عفص
فقلت: تنشد هذا وأنت خضيب؟ فقال: الجيد يروى وإن كان على الراوي فيه دقّ الباب.
[٧٥٢] علي بن الحسين بن علي الضرير الأصفهاني
النحوي، أبو الحسن الباقولي المعروف بالجامع: ذكره أبو الحسن البيهقي في «كتاب الوشاح» فقال: هو في النحو والاعراب كعبة لها أفاضل العصر سدنة، وللفضل فيه بعد خفائه أسوة حسنة، وقد
стр. 1736
بعث إلى خراسان بيت الفرزدق المشهور في شهور سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وهو:
فليست خراسان التي كان خالد ... بها أسدا إذ كان سيفا أميرها
وكتب كلّ فاضل من فضلاء خراسان لهذا البيت شرحا. ثم قال: وهذا الإمام استدرك على أبي علي الفسوي وعبد القاهر وله هذه الرتبة، ومن نظر في تصانيفه علم أنه لا حق سبق السابقين.
وقيل من منظومه:
أحبب النحو من العلم فقد ... يدرك المرء به أعلى الشرف
إنما النحويّ في مجلسه ... كشهاب ثاقب بين السّدف
يخرج القرآن من فيه كما ... تخرج الدرة من جوف الصدف
قال البيهقي: وبعد ذلك تحقق أن هذه الأبيات من إنشاده لا من إنشائه.
له من التصانيف: كتاب شرح اللمع. وكتاب كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في علل القرآن.
قرأت في خاتمة «كتاب المشكلات» للجامع هذا ما صورته: «وقد أمللته بعد تصنيف كتاب الجوهر، وكتاب المجمل، وكتاب الأستدراك على أبي علي، وكتاب البيان في شواهد القرآن، وسأجمع لك كتابا أذكر فيه الأقاويل المجردة في معنى الآية دون الاعراب وما يتعلق بالصناعة منها» .
[٧٥٣] علي بن حمزة الكسائي:
هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن
стр. 1737
عثمان، من ولد بهمن بن فيروز، مولى بني أسد، النحوي أحد الأئمة في القراءة والنحو واللغة، وأحد السبعة القراء المشهورين، وهو من أهل الكوفة استوطن بغداد وروى الحديث وصنف الكتب، ومات بالريّ صحبة الرشيد- على ما نذكره فيما بعد- سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة وقيل بعد ذلك في سنة تسع وثمانين، وقال مهدي بن سابق: في سنة اثنتين وتسعين ومائة هو ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي حنيفة، فقال الرشيد: اليوم دفنت الفقه والعربية، قال الخطيب «١» إن عمر الكسائي بلغ سبعين سنة.
وكان الكسائي مؤدّبا لولد الرشيد، وكان أثيرا عند الخليفة حتى أخرجه من طبقة المؤدبين إلى طبقة الجلساء والمؤانسين. وكان الكسائي قد قرأ على حمزة الزيات ثم اختار لنفسه قراءة، وسمع من سليمان بن أرقم وأبي بكر ابن عياش. (وفي القرّاء آخر يقال له الكسائي الصغير واسمه محمد بن يحيى روى عنه ابن مجاهد عن خلف بن هشام البزار) .
حدث الخطيب قال قال الفراء «٢» : إنما تعلم الكسائي النحوي على كبر، وسببه أنه جاء إلى قوم من الهبّاريين، وقد أعيا، فقال لهم: قد عييت، فقالوا له: أتجالسنا وأنت تلحن؟ فقال: كيف لحنت؟ قالوا: إن كنت أردت من انقطاع الحيلة والتحير في الأمر فقل عييت مخفّفا، وإن كنت أردت من التعب فقل أعييت، فأنف من هذه الكلمة، ثم قام من فوره ذلك فسأل من يعلّم النحو، فأرشده إلى معاذ الهراء، فلزمه حتى أنفد ما عنده، ثم خرج إلى البصرة فلقي الخليل وجلس في حلقته، فقال له رجل من الأعراب: تركت أسد الكوفة وتميمها وعندها الفصاحة وجئت إلى البصرة؟! فقال للخليل: من أين أخذت علمك هذا؟ قال: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة، فخرج ورجع وقد أنفد خمس عشرة قنينة حبرا في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ، فلم يكن له هم غير البصرة والخليل، فوجد الخليل قد مات وجلس في موضعه يونس النحوي، فمرت بينهما مسائل أقرّ له يونس فيها وصدّره موضعه.
стр. 1738
وحدث الخطيب أيضا بإسناد رفعه إلى عبد الرحيم بن موسى قال «١» : قلت للكسائي لم سمّيت الكسائي، قال: لأني أحرمت في كساء، قال وقيل فيه قول آخر، وذكر إسنادا رفعه إلى محمد بن يحيى المروزي قال: سألت خلف بن هشام لم سمّي الكسائي كسائيّا؟ فقال: دخل الكسائي الكوفة، فجاء إلى مسجد السّبيع، وكان حمزة بن حبيب الزيات يقرىء فيه، فتقدم الكسائي مع أذان الفجر فجلس وهو ملتفّ بكساء من البرّكان الأسود، فلما صلّى حمزة قال: من تقدم في الوقت يقرأ، قيل له الكسائي أول من تقدم- يعنون صاحب الكساء- فرمقه القوم بأبصارهم، فقال:
إن كان حائكا فسيقرأ سورة يوسف وإن كان ملاحا فسيقرأ سورة طه، فسمعهم فابتدأ بسورة يوسف، فلما بلغ إلى قصة الذئب قرأ فأكله الذّيب بغير همز، فقال له الزيات:
بالهمز، فقال له الكسائي: وكذلك أهمز الحوت في قوله تعالى فالتقمه الحؤت؟
قال: لا قال: فلم همزت الذئب ولم تهمز الحوت؟ وهذا فأكله الذئب وهذا فالتقمه الحوت، فرفع حمزة بصره إلى خلّاد الأحول، وكان أجمل غلمانه، فتقدم إليه في جماعة من أهل المجلس فناظروه فلم يصيبوا «٢» شيئا، فقال: أفدنا رحمك الله، فقال لهم الكسائي: تفهموا عن الحائك: تقول إذا نسبت الرجل إلى الذئب قد استذأب الرجل، ولو قلت قد استذاب بغير همز لكنت إنما نسبته إلى الهزال، تقول:
استذاب الرجل إذا استذاب شحمه بغير همز، وإذا نسبته إلى الحوت تقول قد استحات الرجل أي كثر أكله لأن الحوت يأكل كثيرا لا يجوز فيه الهمز، فلتلك العلة همز الذئب ولم يهمز الحوت، وفيه معنى آخر: لا تسقط الهمزة من مفرده ولا من جمعه وأنشدهم:
أيها الذئب وابنه وأبوه ... أنت عندي من أذؤب ضاريات
قال: سمّي الكسائي من ذلك اليوم.
وحدث المرزباني فيما رفعه إلى ابن الأعرابي قال: كان الكسائي أعلم الناس على رهق فيه، كان يديم شرب النبيذ، ويجاهر باتخاذ الغلمان الرّوقة، إلا أنه كان
стр. 1739
ضابطا قارئا عالما بالعربية صدوقا.
وحدث المرزباني «١» فيما رفعه إلى الكسائي قال: أحضرني الرشيد سنة اثنتين وثمانين ومائة في السنة الثالثة من خلافته فأخرج إليّ محمدا الأمين وعبد الله المأمون كأنهما بدران فقال: امتحنهما بشيء، فما سألتهما عن شيء إلا أحسنا الجواب فيه، فقال لي: كيف تراهما فقلت:
أرى قمري أفق وفرعي بشامة ... يزينهما عرق كريم ومحتد
يسدّان آفاق السماء بهمّة ... يؤيدها حزم ورأي وسؤدد
سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقى النبي محمد
حياة وخصب للوليّ ورحمة ... وحرب لأعداء وسيف مهند
ثم قلت: فرع زكا أصله، وطاب مغرسه، وتمكنت فروعه، وعذبت مشاربه، آواهما ملك أغرّ نافذ الأمر واسع العلم عظيم الحلم، أعلاهما فعلوا، وسما بهما فسموا، فهما يتطاولان بطوله، ويستضيئان بنوره، وينطقان بلسانه، فأمتع الله أمير المؤمنين بهما، وبلّغه الأمل فيهما، فقال: تفقدهما، فكنت أختلف إليهما في الأسبوع طرفي نهارهما.
وحدث الخطيب باسناد رفعه إلى سلمة قال «٢» : كان عند المهدي مؤدّب يؤدّب الرشيد، فدعاه المهديّ يوما وهو يستاك فقال له: كيف تأمر من السواك قال استك يا أمير المؤمنين، فقال المهدي: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: التمسوا لنا من هو أفهم من ذا، فقالوا: رجل يقال له علي بن حمزة الكسائي من أهل الكوفة قدم من البادية قريبا، فكتب بازعاجه من الكوفة، فساعة دخل عليه قال: يا علي بن حمزة، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: كيف تأمر من السواك، قال: سك يا أمير المؤمنين، قال: أحسنت وأصبت، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وحدث المرزباني عن عبد الله بن جعفر عن ابن قادم عن الكسائي قال:
حججت مع الرشيد، فقدّمت لبعض الصلوات فصليت فقرأت
стр. 1740
ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ
(النساء: ٩) فأملت ضعافا، فلما سلمت ضربوني بالنعال والأيدي وغير ذلك حتى غشي عليّ، واتصل الخبر بالرشيد فوجّه بمن استنقذني، فلما جئته قال لي: ما شأنك، فقلت له: قرأت لهم ببعض قراءة حمزة الرديئة ففعلوا بي ما بلغ أمير المؤمنين، فقال بئس ما صنعت، ثم ترك الكسائي كثيرا من قراءة حمزة.
وحدّث فيما رفعه إلى الأحمر النحوي قال «١» : دخل أبو يوسف القاضي (وقال عبد الله بن جعفر: محمد بن الحسن) على الرشيد وعنده الكسائي يحدثه، فقال:
يا أمير المؤمنين قد سعد بك هذا الكوفي وشغلك، فقال الرشيد: النحو يستفرغني لأنني أستدلّ به على القرآن والشعر، فقال محمد بن الحسن أو أبو يوسف: إن علم النحو إذا بلغ فيه الرجل الغاية صار معلّما، والفقه إذا عرف الرجل منه جملة صار قاضيا، فقال الكسائي: أنا أفضل منك لأني أحسن ما تحسن وأحسن ما لا تحسن، ثم التفت إلى الرشيد وقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن له في جوابي عن مسألة من الفقه، فضحك الرشيد وقال: أبلغت يا كسائي إلى هذا، ثم قال لأبي يوسف:
أجبه، فقال الكسائي: ما تقول لرجل قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، فقال أبو يوسف: إن دخلت الدار طلقت، فقال الكسائي: خطأ، إذا فتحت أن فقد وجب الأمر، وإذا كسرت فإنه لم يقع الطلاق بعد، فنظر أبو يوسف بعد ذلك في النحو.
وحدث أيضا عمن سمع الكسائي يقول «٢» : اجتمعت أنا وأبو يوسف القاضي عند هارون الرشيد، فجعل أبو يوسف يذمّ النحو ويقول: وما النحو؟ فقلت:
- وأردت أن أعلمه فضل النحو- ما تقول في رجل قال لرجل أنا قاتل غلامك، وقال له آخر أنا قاتل غلامك، أيهما كنت تأخذ به، قال: آخذهما جميعا، فقال له هارون:
أخطأت، وكان له علم بالعربية، فاستحيا وقال: كيف ذلك؟ قال: الذي يؤخذ بقتل الغلام هو الذي قال أنا قاتل غلامك بالاضافة لأنه فعل ماض، وأما الذي قال أنا قاتل غلامك بالنصب فلا يؤخذ لأنه مستقبل لم يكن بعد، كما قال الله : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
(الكهف: ٢٣) فلولا أنّ التنوين
стр. 1741
مستقبل ما جاز فيه غدا، فكان أبو يوسف بعد ذلك يمدح العربية والنحو.
وحدث فيما رفعه إلى إبراهيم بن إسماعيل الكاتب قال «١» : سأل اليزيدي الكسائي بحضرة الرشيد قال: انظر في هذا الشعر عيب، وأنشده:
ما رأينا خربا ن ... فّر عنه البيض صقر
لا يكون العير مهرا ... لا يكون المهر مهر
فقال الكسائي: قد أقوى الشاعر، فقال له اليزيدي: انظر فيه، فقال: أقوى لا بدّ أن ينصب المهر الثاني على أنه خبر كان، قال: فضرب اليزيديّ بقلنسوته الأرض وقال: أنا أبو محمد، الشعر صواب، إنما ابتدأ فقال المهر مهر، فقال له يحيى بن خالد: أتتكنّى بحضرة أمير المؤمنين وتكشف رأسك؟! والله لخطأ الكسائي مع أدبه أحبّ إلينا من صوابك مع سوء فعلتك «٢» ، فقال: لذة الغلب أنستني من هذا ما أحسن.
حدث المرزباني، حدث محمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن أبي سعد الوراق، حدثنا النعمان بن هارون الشيباني قال: كان أبو نواس يختلف إلى محمد بن زبيدة، وكان الكسائي يعلّمه النحو، فقال أبو نواس: إني أريد أن أقبّل محمّدا قبلة، فقال له الكسائي: إن عليّ في هذا وصمة وأكره أن يبلغ هذا أمير المؤمنين، فقال أبو نواس: إنك إن تركتني أقبله وإلا قلت فيك أبياتا أرفعها إلى أمير المؤمنين، فأبى عليه الكسائي وظنّ أنه لا يفعل، فكتب أبو نواس رقعة:
قل للامام جزاك الله صالحة ... لا تجمع الدهر بين السخل والذيب
فالسخل غرّ وهمّ الذئب غفلته ... والذئب يعلم ما بالسخل من طيب
ودفعها إلى بعض الخدم ليوصلها إلى الرشيد، فجاء بها الخادم إلى الكسائي، فلما قرأها علم أنه شعر أبي نواس، فقال له ويحك: هذا أمر عظيم، سأتلطّف لك، فغب أياما ثم احضر وسلّم عليّ وعلى محمد فستبلغ حاجتك، فغاب وتحدث الكسائي أن أبا نواس غائب، ثم جاء فقام إليه الكسائي فسلّم عليه وعانقه، وسلم أبو
стр. 1742
نواس على محمد وقبله، وقال أبو نواس:
قد أحدث الناس ظرفا ... يزهو على كلّ ظرف
كانوا إذا ما تلاقوا ... تصافحوا بالأكف
فأظهروا اليوم رشف ال ... خدود والرشف يشفي
فصرت تلثم من شئ ... ت من طريق التحفي
قال وقال ابن أبي طاهر: وهذا الحديث عندي باطل مصنوع من قبل من حدّث به ابن أبي سعد عنه لا منه، لأن أبناء الخلفاء كانوا في مثل حال المخلوع أجلّ مكانا من أن يعانقوا أحدا من الرعية، ومن قبل أن هذا الشعر الأخير أنشدنيه غير واحد لعبد الصمد بن المعذّل، حتى خبرني أبو علي الفضل بن جعفر بن الفضل بن يوسف المعروف بالبصير أنه له، وأنه قاله بالكوفة في حداثة من سنه، وكان بعيدا من الكذب في ادعاء مثل هذا من الشعر، والله أعلم.
حدث عبد الله بن جعفر عن محمد بن يزيد عن المازني عن الأصمعي قال «١» :
كان الكسائي يأخذ اللغة من أعراب الحطمة «٢» ينزلون بقطربّل وغيرها من قرى سواد بغداد، فلما ناظر الكسائي سيبويه استشهد بكلامهم واحتجّ بهم وبلغتهم على سيبويه، فقال أبو محمد اليزيدي:
كنا نقيس النحو في ما مضى
الأبيات في أخبار اليزيدي «٣» .
ولليزيدي أشعار في الكسائي ذكرت في أخباره، ومن قول اليزيدي فيه «٤» :
أفسد النحو الكسائ ... يّ وثنّى ابن غزاله
وأرى الأحمر تيسا ... فاعلفوا التيس النخاله
стр. 1743
وحدث المرزباني عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن يزيد عن المازني والرياشي عن أبي زيد قال: لما ورد نعي الكسائي من الريّ قال أبو زيد: لقد دفن بها علم كثير بالكسائي. ثم قال: قدم علينا الكسائيّ البصرة فلقي عيسى والخليل وغيرهما وأخذ منهم نحوا كثيرا ثم صار إلى بغداد فلقي أعراب الحطمة فأخذ عنهم الفساد من الخطأ واللحن فأفسد بذلك ما كان أخذه بالبصرة كله. قال عبد الله: وذلك أنّ الكسائي كان يسمع الشاذّ الذي لا يجوز من الخطأ واللحن وشعر غير أهل الفصاحة والضرورات فيجعل ذلك أصلا ويقيس عليه حتى أفسد النحو.
قال أبو عبد الله ابن مقلة حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال «١» اجتمع الكسائي والأصمعي عند الرشيد وكانا معه يقيمان بمقامه ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائي «٢» :
أم كيف ينفع ما يعطي العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضنّ باللبن
فقال الأصمعي ريمان بالرفع، فقال له الكسائي: اسكت ما أنت وهذا، يجوز رئمان ورئمان ورئمان، ولم يكن الأصمعي بصاحب عربية، فسألت أبا العباس:
كيف جاز ذلك؛ فقال: إذا رفع رفع بينفع أي أم كيف ينفع رئمان أنف، وإذا نصب نصب بيعطي، وإذا خفض ردّه على الهاء في به. قال: والمعنى وما ينفعني إذا وعدتني بلسانك ثم لم تصدقه بفعلك؟ يقال ذلك للذي يبرّ ولا يكون منه نفع، كهذه الناقة التي تشمّ بأنفها مع تمنّع درتها، والعلوق التي قد علق قلبها بولدها، وذلك أنه نحر عنها ثم حشي جلده تبنا أو حشيشا وجعل بين يديها حتى تشمّه وتدرّ عليه، فهي تسكن إليه مرة ثم تنفر عنه ثانية، تشمّه بأنفها ثم تأباه مقلتها، فيقول: فما نفع هذا البوّ إذا تشممته ثم منعت درّتها.
قال أبو العباس: حدثني سلمة قال، قال الفرّاء: مات الكسائي وهو لا يحسن حدّ نعم وبئس ولا حدّ أن المفتوحة ولا حدّ الحكاية، قال فقلت لسلمة: فكيف لم يناظر في ذلك؟ فقال: قد سألته ذلك فقال: أشفقت أن أحادثه فيقول فيّ كلمة
стр. 1744
تسقطني فأمسكت. قال الفرّاء ولم يكن الخليل يحسن النداء ولا كان سيبويه يدري حدّ التعجب.
وحدث المرزباني في ما رفعه إلى الفرّاء قال «١» : قدم سيبويه على البرامكة فعزم يحيى بن خالد أن يجمع بينه وبين الكسائي، وجعل لذلك يوما، فلما حضر تقدمت والأحمر، فدخل فإذا بمثال في صدر المجلس فقعد عليه يحيى وقعد إلى جانب المثال جعفر والفضل ومن حضر بحضورهم، وحضر سيبويه فأقبل عليه الأحمر فسأله عن مسألة، فأجابه فيها سيبويه، فقال له: أخطأت، ثم سأله عن ثانية فأجاب فقال له: أخطأت، ثم سأله عن ثالثة فأجابه فيها فقال له: أخطأت، فقال له سيبويه: هذا سوء أدب، قال الفرّاء: فأقبلت عليه فقلت: إن في هذا الرجل حدة وعجلة، ولكن ما تقول فيمن قال هؤلاء أبون ومررت بأبين، كيف تقول على مثال ذلك وأيت أو أويت؟ قال فقدر فأخطأ، فقلت له: أعد النظر، ثلاث مرات تجيب ولا تصيب، فلما كثر عليه ذلك قال: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره، قال فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: أتسألني أو أسألك؟ فقال: بل سلني أنت، فقال له الكسائي: كيف تقول قد كنت أظنّ أنّ العقرب أشدّ لسعة من الزنبور فإذا هو هي أو فإذا هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي ولا يجوز النصب، فقال له الكسائي:
لحنت، ثم سأله عن مسائل من هذا النوع «خرجت فإذا عبد الله القائم» أو «القائم» فقال سيبويه في ذلك كلّه بالرفع دون النصب، فقال الكسائي: ليس هذا من كلام العرب، العرب ترفع في ذلك كلّه وتنصب، فدفع سيبويه قوله: فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن ذا يحكم بينكما؛ فقال له الكسائي:
هذه العرب في بابك قد جمعتهم من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل الكوفة وأهل البصرة منهم، فيحضرون ويسألون، فقال يحيى وجعفر: قد أنصفت، فأمر باحضارهم فدخلوا فهم أبو فقعس وأبو دثار وأبو الجراح وأبو ثروان «٢» ، فسئلوا عن المسائل التي جرت بين
стр. 1745
الكسائي وسيبويه، فتابعوا الكسائي وقالوا بقوله: قال: فأقبل يحيى على سيبويه فقال له: قد تسمع أيها الرجل، فاستكان سيبويه، وأقبل الكسائي على يحيى فقال:
أصلح الله الوزير، إنه قد وفد عليك من بلده مؤملا فإن رأيت ألا تردّه خائبا، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصيّر وجهه نحو فارس، فأقام هناك حتى مات ولم يعد إلى البصرة. قال ثعلب: وإنما أدخل العماد في قوله «فإذا هو إياها» لأن فإذا مفاجأة أي «فوجدته ورأيته» ، ووجدت ورأيت ينصب شيئين ويكون معه خبر فلذلك نصبت العرب.
قال المؤلف: وقد ذكرنا هذا الخبر في باب سيبويه برواية أخرى، وذكرنا الاحتجاج للبصريين على تصويب قول سيبويه هناك إن شاء الله.
الزبير عن إسحاق الموصليّ قال: ما رأيت رجلا منسوبا إلى العلم أجهل بالشعر من الكسائي.
وبالاسناد قال: كان الكسائي من أشدّ خلق الله تسكّعا في تفسير شعر، وما رأيت أعلم بالنحو قطّ منه ولا أحسن تفسيرا ولا أحذق بالمسائل، والمسألة تشتقّ من المسألة والمسألة تدخل على المسألة.
وقرأت في «نوادر ابن الأعرابي» التي كتبها عنه ثعلب، سمعت الكسائي يقول: قلت لأبي زيد وآذاني باللزوم: يا هذا قد أمللتني كم تلزمني؟ فقال له أبو زيد: إنما ألزمك لأعلّمك، قال فقلت له: فاجلس في بيتك حتى آتيك. قال: وما جربت على الكسائي كذبة قط؛ قال أبو عبد الله ابن الأعرابي: ولئن كان أبو زيد قال هذا ما في الأرض أحد قط أخلّ عقلا منه. قال: وكان الكسائي أعلم من أبي زيد بكثير بالعربية واللغات والنوادر، ولو كان نظر في الأشعار ما سبقه أحد ولا أدركه أحد بعده.
وقال أبو الطيب اللغوي في «كتاب مراتب النحويين» «١» عن أبي حاتم قال: لم يكن لجميع الكوفيين عالم بالقرآن ولا كلام العرب، ولولا أنّ الكسائي دنا من الخلفاء
стр. 1746
فرفعوا ذكره لم يكن شيئا، وعلمه مختلط بلا حجج ولا علل إلا حكايات الأعراب مطروحة لأنه كان يلقنهم ما يريد، وهو على ذلك أعلم الكوفيين بالعربية والقرآن، وهو قدوتهم وإليه يرجعون.
وحدث المرزباني في كتابه قال «١» : كتب الكسائي إلى الرشيد وهو يؤدّب محمدا الأمين:
قل للخليفة ما تقول لمن ... أمسى إليك بحرمة يدلي
ما زلت مذ صار الأمين معي ... عبدي يدي ومطيتي رجلي
وعلى فراشي ما ينبّهني ... من نومتي بقيامه قبلي
أسعى برجل منه ثالثة ... نقصت زيادتها من الرجل
فامنن عليّ بما يسكّنه ... عني وأهد الغمد للنصل
قال: فضحك الرشيد وأمر له ببرذون بسرجه ولجامه، وبجارية حسناء بآلتها، وخادم وعشرة آلاف درهم.
قيل للكسائي: قد أبحت علمك الناس، فقال: يعين الله عليهم بالنسيان.
من «مجالسات ثعلب» : وصف ابن الأعرابي الكسائي فقال: كان أعلم الناس على رهق فيه، يريد إتيان ما يكره لأنه كان يشرب الشراب ويأتي الغلمان.
قال: ومن شعر الكسائي «٢» :
إنما النحو قياس يتبع ... وبه في كلّ أمر ينتفع
فإذا ما أبصر «٣» النحو الفتى ... مرّ في المنطق مرّا فاتّسع
فاتّقاه جلّ من جالسه ... من جليس ناطق أو مستمع
وإذا لم يبصر «٤» النحو الفتى ... هاب أن ينطق جبنا فانقطع
فتراه يرفع النصب وما ... كان من خفض ومن نصب رفع
стр. 1747
يقرأ القرآن لا يعرف ما ... صرّف الاعراب فيه وصنع
والذي يعرفه يقرأه ... فإذا ما شكّ في حرف رجع
ناظرا فيه وفي إعرابه ... فإذا ما عرف اللحن صدع
كم وضيع رفع النحو وكم ... من شريف قد رأيناه وضع
فهما فيه سواء عندكم ... ليست السنة فينا كالبدع
وحدث هارون بن علي المنجم في «أماليه» عن أبي توبة قال «١» : سمعت الفراء يقول: مدحني رجل من النحويين فقال لي: ما اختلافك إلى الكسائي وأنت مثله في النحو؟ فأعجبتني نفسي فأتيته فناظرته مناظرة الأكفاء، فكأني كنت طائرا يغرف من البحر بمنقاره.
وحدث محمد بن إسحاق النديم قال «٢» : قرأت بخط أبي الطيب ابن أخي الشافعي قال: أشرف الرشيد على الكسائي وهو لا يراه، فقام الكسائي ليلبس نعله لحاجة يريدها، فابتدرها الأمين والمأمون، وكان مؤدبهما، فوضعاها بين يديه، فقبل رؤوسهما وأيديهما ثم أقسم عليهما ألّا يعاودا، فلما جلس الرشيد مجلسه قال: أيّ الناس أكرم خدما؟ قال: أمير المؤمنين أعزه الله، قال: بل الكسائي يخدمه الأمين والمأمون، وحدثهم الحديث.
حدث السلامي قال: حضر مجلس الكسائي أعرابيّ وهم يتحاورون في النحو، فأعجبه ذلك، ثم تناظروا في التصريف فلم يهتد إلى ما يقولون، ففارقهم وأنشأ يقول:
ما زال أخذهم في النحو يعجبني ... حتى تعاطوا كلام الزنج والروم
بمفعل فعل لا طاب من كلم ... كأنه زجل الغربان والبوم
وقرأت بخط أبي سعيد عبد الرحمن بن علي اليزدادي اللغوي الكاتب في «كتاب جلاء المعرفة» من تصنيفه «٣» : قيل اجتمع إبراهيم النظام وضرار بين يدي الرشيد فتناظرا في القدر حتى دقّت مناظرتهما فلم يفهمهما، فقال لبعض خدمه ومن يثق به
стр. 1748
ويرضى برأيه: اذهب بهذين إلى الكسائي حتى يتناظرا بين يديه، ثم ليخبرك لمن الفلج منهما، فلما صار في بعض الطريق قال إبراهيم النظام لضرار: أنت تعلم أنّ الكسائي لا يحسن شيئا من النظر، وإنما معوّله على النحو والحساب، ولكن تهيء له مسألة نحو وأهيّء له مسألة حساب فنشغله بهما، لأنا لا نأمن أن يسمع منا ما لم يسمعه ولم يبلغه فهمه أن ينسبنا إلى الزندقة، فلما صارا إليه سلما عليه، ثم بدأ ضرار فقال:
أسألك أصلحك الله عن مسألة من النحو، قال: هاتها قال: ما حدّ الفاعل والمفعول به؟ قال الكسائي: حدّ الفاعل الرفع أبدا وحدّ المفعول به النصب أبدا، قال فكيف تقول: ضرب زيد؟ قال: ضرب زيد قال: فلم رفعت زيدا وقد شرطت أن المفعول به منصوب أبدا، قال: لأنه لم يسمّ فاعله، قال له: فقد أخطأت في العبارة إذ لم تقل إن من المفعولين من إذا لم يسمّ فاعله كان مرفوعا، ومن جعل لك الحكم بأن تجعل الرفع لمن لم يسمّ فاعله؟ قال: لأنا إذا لم نذكر الفاعل أقمنا المفعول به مقامه، لأنّ الفعل الواقع عليه غير مستحكم النقص، وعدم «١» النقص مطابق للرفع، فإذا ذكرنا من فعل به وأفصحنا بذلك نصبناه، قال له: فإن كان النصب مطابقا للنقص فمن لم يسمّ فاعله أولى به لأنا إذا قلنا ضرب زيد فقد يمكن أن يكون ضربه مائة رجل، وإذا قلنا ضرب عبد الله زيدا فلم يضربه إلا رجل واحد، فالذي أمكن أن يضربه مائة رجل أولى بالنصب والنقص ممن لم يضربه إلا رجل واحد، فوقف الكسائي فلم يدر ما يقول. ثم قال له إبراهيم: أسألك- أصلحك الله- عن مسألة من الحساب، قال:
قل، قال: كم جذر عشرة، قال: اجتمع الحسّاب على أنه لا جذر لعشرة، قال:
فهل علم الله جذرها؟ قال الله عالم كلّ شيء، قال: فما أنكرت أن يكون الله إذ علم كلّ شيء ألقاه إلى نبيّ من أنبيائه، ثم ألقاه ذلك النبي إلى صفيّ من أصفيائه، فلم يزل ذلك العلم ينمي حتى صار علم جذر عشرة عندي وأكون أعلم جذرها ولا تعلمه أنت وتكون مخطئا فيما قلت؟ فالتفت الكسائي إلى الغلام وقال: اذهب بهذين إلى أمير المؤمنين فقل: إنهما زنديقان كافران بالله العظيم، قال: وكان الخادم لبيبا حصيفا فأحسن العبارة عنهما وحسّن أمورهما فأمر لهما بجائزة سنية وصرفهما.
стр. 1749
قال المؤلف: وهذه الحكاية عندي مصنوعة باردة وإنما كتبتها لكوني وجدتها بخط رجل عالم.
وحدث سلمة بن عاصم قال، قال الكسائي «١» : حلفت ألا أكلّم عاميّا إلا بما يوافقه ويشبه كلامه، وذلك أنني وقفت على نجار فقلت له: بكم ذانّك البابان؟ فقال بسلحتان، فحلفت ألا أكلم عاميّا إلا بما يصلحه.
وحدث الحزنبل قال: أنشدنا يعقوب بن السكيت لأبي الجراح العقيلي يمدح الكسائي:
ضحوك إذا زفّ الخوان وزوره ... يحيّا بأهلا مرحبا ثم يجلس
أبا حسن ما جئتكم قطّ مطفئا ... لظى الشوق إلا والزجاجة تقلس
قال يعقوب: يريد تمتلىء حتى تفيض، ونصب قوله يحيا بأهلا على الحكاية.
وحدث عبد الله بن جعفر عن عليّ بن مهدي عن أحمد بن الحارث الخراز قال «٢» : كان الكسائي ممن وسم بالتعليم، وكان كسب به مالا إلا أنه حكي عنه أنه أقام غلاما ممن عنده في الكتّاب وقام يفسق به، وجاء بعض الكتاب ليسلّم عليه فرآه الكسائي ولم يره الغلام، فجلس الكسائي في مكانه وبقي الغلام قائما مبهوتا، فلما دخل الكاتب قال للكسائي: ما شأن هذا الغلام قائما؟ قال: وقع الفعل عليه فانتصب.
وحدث المرزباني فيما أسنده إلى سعدون القارىء قال: رأيت الكسائي وهو يسأل أبا الحسن المروزي وقد أقام أربعين سنة يختلف إلى الكسائي والمروزي يقول:
كيف تقول مررت بدجاجة تنقرك أو تنقرك، أو تنقرك، فقال له الكسائي: استحييت لك بعد أربعين سنة لا تعرف حروف النعت أنها تتبع الأسماء قل تنقرك من نعت الدجاجة. قال: والكسائي يهزأ به ويعبث وينقر أنفه.
وحدث أيضا باسناد رفعه إلى نصير الرازي النحوي- رجل كان بالري- قال:
قدم الكسائي مع هارون فاعتلّ علة منكرة، فأتاه هارون ماشيا متفرعا، فخرج من عنده وهو مغموم جدا فقال لأصحابه: ما أظن الكسائي إلا ميّتا، وجعل يسترجع، فجعل
стр. 1750
القوم يعزّونه ويطيبون نفسه وهو يظهر حزنا فقالوا: يا أمير المؤمنين وما له قضيت عليه بهذا؟ قال: إنه حدثني أنه لقي رجلا من الأعراب عالما غزير العلم بموضع يقال له ذو النخيلة، قال الكسائي: فكنت أغدو عليه وأروح أمتاح ما عنده، فغدوت عليه غدوة من تلك الغدوات فإذا هو ثقيل ورأيت به علة منكرة، قال: فألقى نفسه وجعل يتنفس ويقول «١» :
قدر أحلّك ذا النخيل وقد ترى ... وأبيّ ما لك ذو النخيل بدار «٢»
إلا كداركم بذي بقر الحمى ... هيهات ذو بقر من المزدار
قال الكسائي: فغدوت عليه صباحا فإذا هو لما به، قال: فدخلت الساعة على الكسائي فإذا هو ينشد هذين البيتين فغمّني ذلك غما شديدا، فكان كما قال، مات من يومه ودفن بمنزله في سكة حنظلة بن نصر بالري سنة اثنتين وثمانين ومائة. وفي غير هذه الرواية زيادة في الشعر:
قالت جمال وكلهنّ جميلة ... ما تأمرون بهؤلا السفّار
قالوا بنو سفر ولم نشعر بهم ... وهم الذين نريد غير تماري
لما اتكأن على الحشايا مضمضت ... بالنوم أعينهنّ بعد غرار
سقط الندى بجنوبهنّ كأنما ... سقط الندى بلطائم العطار
وكانت وفاته برنبويه «٣» ، كورة من كور الري، هو ومحمد بن الحسن الفقيه في وقت واحد، وكانا خرجا مع الرشيد إليها، فقال الرشيد: دفنت الفقه والنحو برنبويه، فقال أبو محمد اليزيدي يرثيهما «٤» :
تصرّمت الدنيا فليس خلود ... وما قد ترى من بهجة سيبيد
سيفنيك ما أفنى القرون التي مضت ... فكن مستعدّا فالفناء عتيد
стр. 1751
أسيت على قاضي القضاة محمد ... فأذريت دمعي والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا ... بايضاحه يوما وأنت فقيد
وأوجعني موت الكسائيّ بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد
وأذهلني عن كلّ عيش ولذة ... وأرّق عيني والعيون هجود
هما عالمانا أوديا وتخرّما ... وما لهما في العالمين نديد
وقد روي أن وفاة الكسائي كانت بطوس لا الريّ.
ولما بلغت هذه الأبيات إلى الرشيد قال: يا يزيدي لئن كنت تسيء بالكسائيّ في حياته لقد أحسنت بعد موته. وقيل بل قال له: أحسنت يا بصري، لئن كنت تظلمه في حياته لقد أنصفته بعد موته.
ومات الكسائي وله من التصانيف: كتاب معاني القرآن. كتاب مختصر في النحو. كتاب القراءات. كتاب العدد. كتاب النوادر الكبير. كتاب النوادر الأوسط.
كتاب النوادر الأصغر. كتاب اختلاف العدد. كتاب الهجاء. كتاب مقطوع القرآن وموصوله. كتاب المصادر. وكتاب الحروف. كتاب أشعار المعاياة وطرائقها. كتاب الهاءات المكني بها في القرآن «١» .
قرأت بخط الأزهري في «كتاب نظم الجمان» للمنذري: أسمعني أبو بكر عن بعض مشايخه أن الكسائي كان يقوم في المحراب يؤمّ فيشتدّ عليه القراءة حتى لا يقوم بقراءة الحمد لله ربّ العالمين، ثم يتحرّف فيقبل عليهم فيملي القرآن حفظا ويفسّره بمعانيه وتفسيره.
[٧٥٤] علي بن حمزة بن عمارة بن حمزة بن يسار
بن عثمان الأصبهاني، أبو
стр. 1752
الحسن: وعثمان هذا الذي انتهت نسبة هذا إليه هو والد أبي مسلم الخراساني، ويسار أخوه، قال ذلك حمزة، وقال: كان اسم أبيه قبل أن يسلم بنداذ هرمز، فلما أسلم تسمّى بعثمان، قال: وأبو مسلم اسمه بهزادان بن بنداذ هرمز. وعلي بن حمزة هذا من أولاد أخيه يسار، وكان أحد أدباء أصبهان المشهورين بالعلم والشعر والفضل والتصنيف شائع ذلك ذائع عنه. وصنف كتبا منها: كتاب الشعر. وكتاب فقر البلغاء يشتمل على الاختيار من شعر عامة الشعراء. وكتاب قلائد الشرف في مفاخر أصبهان وأخبارها وغير ذلك.
قال حمزة في مقدمة كتابه: «وقد كان رجل من كبار أهل الأدب ببلدنا تعاطى عمل كتاب في هذا الفن، وهو أبو الحسن علي بن حمزة بن عمارة، وسمّاه «قلائد الشرف» فشحنه بأخبار الفرس في السير والأبيات، نبذ بينهما جملا من أخبار أصبهان تنقص عن السدس من كتابه، وحجمها يكون دون ثلاثين ورقة، وروى فيما بينها أخبارا كأنها من أحاديث الحكم» . ومن شعر علي بن حمزة يرثي أبا مسلم محمد بن بحر:
وقالوا ألا ترثي ابن بحر محمدا ... فقلت لهم ردّوا فؤادي واسمعوا
فلن يستطيع القول من طار قلبه ... جريحا طريحا بالمصائب يقرع
ومن بان عنه إلفه وخليله ... فليس له إلا إلى البعث مرجع
ومن كان أوفى الأوفياء لمخلص ... ومن حيز في سرباله الفضل أجمع
سجايا كماء المزن شيب به الجنى ... جنى الشهد في صفو المدام يشعشع
وغرب ذكاء واقد مثل جمرة ... وطبع به العضب المهنّد يطبع
ومن كان من بيت الكتابة في الذرى ... وذا منطق في الحفل لا يتتعتع
وله وكتبه إلى أبي نجيح أخي أبي سعد الشاعر:
قد عزمنا على الصّبوح فبادر ... قبل أن تضحي السماء المخيله
فلذا الدجن يا خليلي ذمام ... لم أزل مذ عقلت أمري خليله
وهو يوم أغرّ أبلج يهمي ... بحيا يستمدّ منه سيوله
ودعاني إليه أدهم داج ... قد رحمنا بكاءه وعويله
стр. 1753
شبه ليل متى استضيف بليل ... لم يسكّن إلى الصباح صهيله
مطفح مهمر بلوع به يس ... تلب المدقع الضنين صليله
راكب نازل يغطمط وأب ... قد سئمنا ركوبه ونزوله
يطرد الجدب كلما جاش أعطى ... سائليه بضيعه ونشيله
ولدينا من المعسّل شيء ... يفثأ الدهر من فؤادي غليله
فتفضل بما سألت فقدما ... بؤت للخلّ بالأيادي الجليله
ولك الحكم أن تحكّم في الشر ... ب فلا تخف عن قلوب عليله
وفتوّ كأنهم قضب الهن ... د لهم ألسن سلاط طويله
قال المؤلف: ولعلي بن حمزة هذا مفاوضات طوال وجوابات لجماعة من شعراء أصبهان منهم أبو الحسن ابن طباطبا العلوي وغيره لم أذكر منها شيئا لطولها ولقلة فائدتها عندي، فشعره على هذا النمط لا طائل فيه، إلا أنه عند أهل أصبهان جليل نبيل.
[٧٥٥] علي بن حمزة البصري اللغوي ،
يكنى أبا النعيم «١» : كان أحد أعيان أهل اللغة الفضلاء المتحققين بها العارفين بصحيحها من سقيمها، وله ردود على جماعة من أئمة أهل اللغة كابن دريد والأصمعي وابن الأعرابي وغيرهم، ولما ورد المتنبي إلى بغداد كان بها وفي داره نزل.
قال أبو علي الحسن بن يحيى الفقيه الصقلي يعرف بابن الخزاز «٢» في «تاريخ صقلية» من تصنيفه: وفي رمضان سنة خمس وسبعين وثلاثمائة مات علي بن حمزة
стр. 1754
اللغوي البصري راوية المتنبي بصقلية، وصلّى عليه القاضي إبراهيم بن مالك قاضي صقلية وكبر خمسا في الجامع.
وله من التصانيف: كتاب الردّ على أبي زياد الكلابي. كتاب الردّ على أبي عمرو الشيباني في «نوادره» . كتاب الردّ على أبي حنيفة الدينوري في «كتاب النبات» . كتاب الرد على أبي عبيد القاسم بن سلام في «المصنف» . كتاب الرد على ابن السكيت في «إصلاح المنطق» . كتاب الرد على ابن ولاد في «المقصور والممدود» . كتاب الردّ على الجاحظ في «الحيوان» . كتاب الرد على ثعلب في «الفصيح» . ورأيت هذه كلها بمصر «١» ..
[٧٥٥ ب] ترجمة ثانية علي بن حمزة البصري اللغوي
أحد الأعلام الأئمة في الأدب، وله تصانيف وردود على أهل الأدب وفّق فيها، وقد روى عنه أبو الفتح ابن جني شيئا من أخبار المتنبي وغيرها لأنّ المتنبي لما ورد بغداد نزل عليه وكان ضيفه إلى أن رحل عنها.
فحدث أبو عبد الله محمد بن نصر الحميدي في «كتاب جذوة المقتبس في تاريخ الأندلس» في ترجمة ثابت بن محمد الجرجاني قال: أخبرني أبو محمد علي بن أحمد عن أبي الفتح ثابت بن محمد الجرجاني قال: أخبرني علي بن حمزة ضيف المتنبي قال- وعنده نزل المتنبي ببغداد- إنّ القصيدة التي أولها:
هذي برزت لنا فهجت رسيسا
قالها في محمد بن زريق الناظر في زواميل ابن الزيات صاحب طرسوس، وأنه وصله عليها بعشرة دراهم، فقيل له: إن شعره حسن، فقال: ما أدري أحسن هو أم قبيح، ولكن أزيده لقولك عشرة دراهم فكانت صلته عليها عشرين درهما.
стр. 1755
[٧٥٦] علي بن حمزة الأديب أبو الحسن، مصنف
الرسالة الحمارية: قدم دمشق ومدح بها أبا الفتح صالح بن أسد الكاتب في سنة ثلاثين وأربعمائة، روى عنه أبو الحسن علي بن عبد السلام الصوري ومات بأطرابلس، ذكره ابن عساكر هكذا.
[٧٥٧] علي بن حمزة بن علي بن طلحة بن علي
الرازي الأصل البغدادي المولد والدار، ويعرف بابن بقشلان: مات بمصر، أخبرني الحافظ أبو عبد الله محب الدين محمد بن النجار أن علي بن حمزة بن طلحة مات في غرة شعبان سنة تسع وتسعين وخمسمائة ومولده سنة خمس عشرة وخمسمائة، ويكنى أبا الحسين، ويلقب بعلم الدين: ولي حجبة الباب في أيام المستضيء بالله ثم نيابة المقام ببغداد فسافر إلى الشام، وتنقل إلى أن حصل بمصر فمات بها.
وعلم الدين هذا هو صاحب الخط المليح الغاية، على طريقة علي بن هلال بن البواب، خصوصا قلم المصاحف فإنه لم يكتبه أحد مثله فيمن تقدم وتأخر، ولذلك ذكرناه في هذا الكتاب.
ولما ولي حجبة الباب كان يتقعر في كلامه ويستعمل السجع وحوشيّ اللغة، فمن ذلك ما حدثني به جماعة من أهل بغداد إلا أنني كتبته من لفظ الصدر أبي محمد عبد الله بن الهروي الشاعر قال: لما ولي علم الدين حجبة باب النوبيّ حظر على العامة سماع الملاهي وشرب الخمر وارتكاب الفواحش، وتشدّد في ذلك تشددا عظيما، وأراد بعض العامة المثرين ختان ولد له فاستشفع إليه بمن يعزّ عليه في أن يمكّنه من إحضار بعض الملاهي لذلك، فأذن فيه ثم قال: جيئوني به أشرط عليه، فلما مثل بين يديه قال له: قد أذن لك في ختان ولدك على أن لا يكون عندك مزهر ولا مزمر ولا بربط ولا دف ولا طنبور، ولا عود ولا محظور، ولا الشيء الملقب بالشنك، ولا من