أسيت على قاضي القضاة محمد ... فأذريت دمعي والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا ... بايضاحه يوما وأنت فقيد
وأوجعني موت الكسائيّ بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد
وأذهلني عن كلّ عيش ولذة ... وأرّق عيني والعيون هجود
هما عالمانا أوديا وتخرّما ... وما لهما في العالمين نديد
وقد روي أن وفاة الكسائي كانت بطوس لا الريّ.
ولما بلغت هذه الأبيات إلى الرشيد قال: يا يزيدي لئن كنت تسيء بالكسائيّ في حياته لقد أحسنت بعد موته. وقيل بل قال له: أحسنت يا بصري، لئن كنت تظلمه في حياته لقد أنصفته بعد موته.
ومات الكسائي وله من التصانيف: كتاب معاني القرآن. كتاب مختصر في النحو. كتاب القراءات. كتاب العدد. كتاب النوادر الكبير. كتاب النوادر الأوسط.
كتاب النوادر الأصغر. كتاب اختلاف العدد. كتاب الهجاء. كتاب مقطوع القرآن وموصوله. كتاب المصادر. وكتاب الحروف. كتاب أشعار المعاياة وطرائقها. كتاب الهاءات المكني بها في القرآن «١» .
قرأت بخط الأزهري في «كتاب نظم الجمان» للمنذري: أسمعني أبو بكر عن بعض مشايخه أن الكسائي كان يقوم في المحراب يؤمّ فيشتدّ عليه القراءة حتى لا يقوم بقراءة الحمد لله ربّ العالمين، ثم يتحرّف فيقبل عليهم فيملي القرآن حفظا ويفسّره بمعانيه وتفسيره.
[٧٥٤] علي بن حمزة بن عمارة بن حمزة بن يسار
بن عثمان الأصبهاني، أبو
стр. 1752
الحسن: وعثمان هذا الذي انتهت نسبة هذا إليه هو والد أبي مسلم الخراساني، ويسار أخوه، قال ذلك حمزة، وقال: كان اسم أبيه قبل أن يسلم بنداذ هرمز، فلما أسلم تسمّى بعثمان، قال: وأبو مسلم اسمه بهزادان بن بنداذ هرمز. وعلي بن حمزة هذا من أولاد أخيه يسار، وكان أحد أدباء أصبهان المشهورين بالعلم والشعر والفضل والتصنيف شائع ذلك ذائع عنه. وصنف كتبا منها: كتاب الشعر. وكتاب فقر البلغاء يشتمل على الاختيار من شعر عامة الشعراء. وكتاب قلائد الشرف في مفاخر أصبهان وأخبارها وغير ذلك.
قال حمزة في مقدمة كتابه: «وقد كان رجل من كبار أهل الأدب ببلدنا تعاطى عمل كتاب في هذا الفن، وهو أبو الحسن علي بن حمزة بن عمارة، وسمّاه «قلائد الشرف» فشحنه بأخبار الفرس في السير والأبيات، نبذ بينهما جملا من أخبار أصبهان تنقص عن السدس من كتابه، وحجمها يكون دون ثلاثين ورقة، وروى فيما بينها أخبارا كأنها من أحاديث الحكم» . ومن شعر علي بن حمزة يرثي أبا مسلم محمد بن بحر:
وقالوا ألا ترثي ابن بحر محمدا ... فقلت لهم ردّوا فؤادي واسمعوا
فلن يستطيع القول من طار قلبه ... جريحا طريحا بالمصائب يقرع
ومن بان عنه إلفه وخليله ... فليس له إلا إلى البعث مرجع
ومن كان أوفى الأوفياء لمخلص ... ومن حيز في سرباله الفضل أجمع
سجايا كماء المزن شيب به الجنى ... جنى الشهد في صفو المدام يشعشع
وغرب ذكاء واقد مثل جمرة ... وطبع به العضب المهنّد يطبع
ومن كان من بيت الكتابة في الذرى ... وذا منطق في الحفل لا يتتعتع
وله وكتبه إلى أبي نجيح أخي أبي سعد الشاعر:
قد عزمنا على الصّبوح فبادر ... قبل أن تضحي السماء المخيله
فلذا الدجن يا خليلي ذمام ... لم أزل مذ عقلت أمري خليله
وهو يوم أغرّ أبلج يهمي ... بحيا يستمدّ منه سيوله
ودعاني إليه أدهم داج ... قد رحمنا بكاءه وعويله
стр. 1753
شبه ليل متى استضيف بليل ... لم يسكّن إلى الصباح صهيله
مطفح مهمر بلوع به يس ... تلب المدقع الضنين صليله
راكب نازل يغطمط وأب ... قد سئمنا ركوبه ونزوله
يطرد الجدب كلما جاش أعطى ... سائليه بضيعه ونشيله
ولدينا من المعسّل شيء ... يفثأ الدهر من فؤادي غليله
فتفضل بما سألت فقدما ... بؤت للخلّ بالأيادي الجليله
ولك الحكم أن تحكّم في الشر ... ب فلا تخف عن قلوب عليله
وفتوّ كأنهم قضب الهن ... د لهم ألسن سلاط طويله
قال المؤلف: ولعلي بن حمزة هذا مفاوضات طوال وجوابات لجماعة من شعراء أصبهان منهم أبو الحسن ابن طباطبا العلوي وغيره لم أذكر منها شيئا لطولها ولقلة فائدتها عندي، فشعره على هذا النمط لا طائل فيه، إلا أنه عند أهل أصبهان جليل نبيل.
[٧٥٥] علي بن حمزة البصري اللغوي ،
يكنى أبا النعيم «١» : كان أحد أعيان أهل اللغة الفضلاء المتحققين بها العارفين بصحيحها من سقيمها، وله ردود على جماعة من أئمة أهل اللغة كابن دريد والأصمعي وابن الأعرابي وغيرهم، ولما ورد المتنبي إلى بغداد كان بها وفي داره نزل.
قال أبو علي الحسن بن يحيى الفقيه الصقلي يعرف بابن الخزاز «٢» في «تاريخ صقلية» من تصنيفه: وفي رمضان سنة خمس وسبعين وثلاثمائة مات علي بن حمزة
стр. 1754
اللغوي البصري راوية المتنبي بصقلية، وصلّى عليه القاضي إبراهيم بن مالك قاضي صقلية وكبر خمسا في الجامع.
وله من التصانيف: كتاب الردّ على أبي زياد الكلابي. كتاب الردّ على أبي عمرو الشيباني في «نوادره» . كتاب الردّ على أبي حنيفة الدينوري في «كتاب النبات» . كتاب الرد على أبي عبيد القاسم بن سلام في «المصنف» . كتاب الرد على ابن السكيت في «إصلاح المنطق» . كتاب الرد على ابن ولاد في «المقصور والممدود» . كتاب الردّ على الجاحظ في «الحيوان» . كتاب الرد على ثعلب في «الفصيح» . ورأيت هذه كلها بمصر «١» ..
[٧٥٥ ب] ترجمة ثانية علي بن حمزة البصري اللغوي
أحد الأعلام الأئمة في الأدب، وله تصانيف وردود على أهل الأدب وفّق فيها، وقد روى عنه أبو الفتح ابن جني شيئا من أخبار المتنبي وغيرها لأنّ المتنبي لما ورد بغداد نزل عليه وكان ضيفه إلى أن رحل عنها.
فحدث أبو عبد الله محمد بن نصر الحميدي في «كتاب جذوة المقتبس في تاريخ الأندلس» في ترجمة ثابت بن محمد الجرجاني قال: أخبرني أبو محمد علي بن أحمد عن أبي الفتح ثابت بن محمد الجرجاني قال: أخبرني علي بن حمزة ضيف المتنبي قال- وعنده نزل المتنبي ببغداد- إنّ القصيدة التي أولها:
هذي برزت لنا فهجت رسيسا
قالها في محمد بن زريق الناظر في زواميل ابن الزيات صاحب طرسوس، وأنه وصله عليها بعشرة دراهم، فقيل له: إن شعره حسن، فقال: ما أدري أحسن هو أم قبيح، ولكن أزيده لقولك عشرة دراهم فكانت صلته عليها عشرين درهما.
стр. 1755
[٧٥٦] علي بن حمزة الأديب أبو الحسن، مصنف
الرسالة الحمارية: قدم دمشق ومدح بها أبا الفتح صالح بن أسد الكاتب في سنة ثلاثين وأربعمائة، روى عنه أبو الحسن علي بن عبد السلام الصوري ومات بأطرابلس، ذكره ابن عساكر هكذا.
[٧٥٧] علي بن حمزة بن علي بن طلحة بن علي
الرازي الأصل البغدادي المولد والدار، ويعرف بابن بقشلان: مات بمصر، أخبرني الحافظ أبو عبد الله محب الدين محمد بن النجار أن علي بن حمزة بن طلحة مات في غرة شعبان سنة تسع وتسعين وخمسمائة ومولده سنة خمس عشرة وخمسمائة، ويكنى أبا الحسين، ويلقب بعلم الدين: ولي حجبة الباب في أيام المستضيء بالله ثم نيابة المقام ببغداد فسافر إلى الشام، وتنقل إلى أن حصل بمصر فمات بها.
وعلم الدين هذا هو صاحب الخط المليح الغاية، على طريقة علي بن هلال بن البواب، خصوصا قلم المصاحف فإنه لم يكتبه أحد مثله فيمن تقدم وتأخر، ولذلك ذكرناه في هذا الكتاب.
ولما ولي حجبة الباب كان يتقعر في كلامه ويستعمل السجع وحوشيّ اللغة، فمن ذلك ما حدثني به جماعة من أهل بغداد إلا أنني كتبته من لفظ الصدر أبي محمد عبد الله بن الهروي الشاعر قال: لما ولي علم الدين حجبة باب النوبيّ حظر على العامة سماع الملاهي وشرب الخمر وارتكاب الفواحش، وتشدّد في ذلك تشددا عظيما، وأراد بعض العامة المثرين ختان ولد له فاستشفع إليه بمن يعزّ عليه في أن يمكّنه من إحضار بعض الملاهي لذلك، فأذن فيه ثم قال: جيئوني به أشرط عليه، فلما مثل بين يديه قال له: قد أذن لك في ختان ولدك على أن لا يكون عندك مزهر ولا مزمر ولا بربط ولا دف ولا طنبور، ولا عود ولا محظور، ولا الشيء الملقب بالشنك، ولا من
стр. 1756
يجول الغناء له ببال ولا يخطر في خيال، فقال له العاميّ: فيأذن لي مولانا أن أحضر وريدة المخنث يلطم عندي دورين ثلاثة؟ قال: فغضب ابن طلحة وقال له: كأنك من الذين تشرئبّ نفوسهم إلى ما حرم الله، أيها العوام الجهلة، والوضعاء السفلة، يا أهالي الجهل والغواية، ويا أصحاب الضلالة والعماية، أما فيكم من له عقل يردّه، ولا دين يصدّه، فينبذ الآثام وراء ظهره، ويسعى إلى الخير بانشراح صدره، تتهافتون على الفواحش والمآثم، ولا تأخذكم في المعصية لومة لائم، بدّلني الله بكم غيركم، وكفاني شركم وخيركم، فقال الرجل: الله أكبر، يريد تكبيرة الصلاة، فقال ابن طلحة: وهذا أيضا من جهلك، وقلة معرفتك وعقلك، ارجع إلى الله بقلبك، واستغفر لذنبك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكان أبوه حمزة بن علي هو الملقب بكمال الدين، ويكنى أبا الفتوح، من الأعيان الأماثل، ولي حجبة الباب للمسترشد ووكله وكالة مطلقة، فلما استخلف المقتفي لأمر الله ولاه صدرية المخزن، وأكثر الحج وجاور بمكة، وهو الذي عمر المدرسة التي بباب العامة لأصحاب الشافعي، تعرف إلى الآن بالكمالية، ووقف على المتفقهين بها ثلث ملكه، ومات في صفر سنة ست وخمسين وخمسمائة ودفن بالحربية.
[٧٥٨] علي بن خليفة بن علي النحوي ،
يعرف بابن المنقّى، أبو الحسن، من أهل الموصل: كان إماما فاضلا تأدّب عليه أكثر أهل عصره من أهل بلده، ومات في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وكان يجلس بالمسجد المعروف بمسجد النبي ﷺ بالموصل. وصنف مقدمة في النحو سماها «المعونة» وكان زاهدا ورعا مقداما ذا سورة وغضب.
أنشدني أبو الفضل محمد بن أحمد بن خميس المغربي الوكيل بباب القاضي بحلب، وهو موصليّ المولد مات في جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة
стр. 1757
قال: أنشدني ابن المنقى النحوي الموصلي لنفسه، ودخل إليه رجل فقال له: من أين جئت؟ فقال له: من عند علّامة الدنيا، يعني سعيد بن الدهان، فقال ارتجالا:
وقالوا الأعور الدهان حبر ... يفوق الناس في أدب وكيس
فقلت بحيس خير منه علما ... وإنّ الكلب خير من بحيس
وأنشدني، قال أنشدني ابن المنقى لنفسه، وقد طلب منه ملك النحاة حلاوة بعد كلام جرى بينهما في مجلس تاج الدين ابن الشهرزوري:
عندي للشيخ مليك النحاه ... ريح شناج «١» سكنت في خصاه
لا عسل عندي ولا سكّر ... فليعذر الشيخ ويأكل خراه
وأنشدني بزان بن سنقر الموصلي، قال أنشدني شيخنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن خليفة النحوي الأديب، ومات بباشزّي «٢» من قرى البقعاء في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، قال أنشدني والدي علي بن خليفة بن المنقى ﵀ لنفسه، وقد عتب عليه جمال الدين الأصفهاني الوزير في ترك التردد «٣» إليه، ثم جاءه بعد ذلك فمنعه البواب من غير أن يعرفه:
إني أتيتك زائرا ومسلّما ... كيما أقوم ببعض حقّ الواجب
فإذا ببابك حاجب متبظرم ... فعمود دارك في حر امّ الحاجب
ولئن رأيتك راضيا بفعاله ... فجميع ذلك في حرّ امّ الصاحب
وأنشدني بزان، قال أنشدني الحسين بن علي، قال أنشدني «٤» والدي لنفسه في بعض الشعراء وقد هجاه:
هجوت يا ابن اللئام فاستمع ال ... هجو بلا خيفة ولا ملل
فأنت من معشر إذا لحظوا ... تنحس منهم محاجر المقل
стр. 1758
[٧٥٩] علي بن دبيس النحوي الموصلي أبو الحسن «١» :
قرأ النحو على ابن وحشيّ «٢» صاحب ابن جني وأخذ عنه زيد مرزكّة الموصلي، وهو مذكور في بابه.
ولعلي بن دبيس أشعار حسان منها في وصف قواد:
يسهّل كلّ ممتنع شديد ... ويأتي بالمراد على اقتصاد
فلو كلّفته تحصيل طيف ال ... خيال ضحى لزار بلا رقاد.
[٧٦٠] علي بن زيد القاشاني النحوي:
أحد أصحاب أبي الفتح ابن جني: وجدت بخطه ما كتبه في سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وهو صاحب الخطّ الكثير الضبط المعقّد، سلك فيه طريقة شيخه أبي الفتح.
[٧٦١] علي بن زيد أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي:
مات في سنة خمس وستين
стр. 1759
وخمسمائة؛ قال هو في «كتاب مشارب التجارب» : أنا أبو الحسن علي بن الإمام أبي القاسم زيد بن الحاكم الامام أميرك محمد بن الحاكم أبي علي الحسين بن أبي سليمان الامام فندق ابن الامام أيوب بن الحسن بن أحمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عمر بن الحسن بن عثمان بن أيوب بن خزيمة بن عمرو بن خزيمة بن ثابت بن ذي الشهادتين صاحب رسول الله ﷺ ابن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن عنان بن عامر بن خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس، ورفع نسبه إلى آدم، وذلك يسير قد ذكرناه في عدة مواضع من كتبنا.
قال: ومولدي يوم السبت سابع عشرين شعبان سنة تسع وتسعين وأربعمائة في قصبة السابزوار من ناحية بيهق، وهي بلدة بناها ساسان بن ساسان بن بابك بن ساسان، فأسلمني أبي بها إلى الكتّاب، ثم رحلنا إلى ناحية ششتمذ من قرى تلك الناحية، ولوالدي بها ضياع، فحفظت في عهد الصبا «كتاب الهادي للشادي» تصنيف الميداني و «كتاب السامي في الأسامي» له و «كتاب المصادر» للقاضي الزوزني و «كتاب غريب القرآن» للعزيزي و «كتاب إصلاح المنطق» و «كتاب المنتحل» للميكالي وأشعار المتنبي والحماسة والسبعيات و «كتاب التلخيص» في النحو ثم بعد ذلك حفظت «كتاب المجمل في اللغة» . وحضرت في شهور سنة أربع عشرة وخمسمائة كتّاب أبي جعفر المقرىء إمام الجامع القديم بنيسابور مصنف «كتاب ينابيع اللغة» وغير ذلك، وحفظت في كتّابه «كتاب تاج المصادر» من تصنيفه وقرأت عليه نحو ابن فضال وفصولا من «كتاب المقتصد» و «الأمثال» لأبي عبيد و «الأمثال» للأمير أبي الفضل الميكالي، ثم حضرت درس الامام صدر الأفاضل أحمد بن محمد الميداني في محرم سنة ست عشرة وخمسمائة وصححت عليه «كتاب السامي في الأسامي» من تصنيفه و «كتاب المصادر» للقاضي و «كتاب المنتحل» و «كتاب غريب الحديث» لأبي عبيد و «كتاب إصلاح المنطق» و «مجمع الأمثال» من تصنيفه و «كتاب صحاح اللغة» للجوهري. وفي أثناء ذلك كنت أختلف إلى الامام إبراهيم الحرار المتكلم وأقتبس منه أنوار علوم الكلام، وإلى الأمام محمد الفراوي وسمعت منه «غريب الحديث» للخطابي وغيرهم. ثم مات والدي في سلخ جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وخمسمائة فانتقلت في ذي الحجة سنة ثمان عشرة إلى مرو، فقرأت
стр. 1760
على تاج القضاة أبي سعد يحيى بن عبد الملك بن عبيد الله بن صاعد، وكان ملكا في صورة إنسان، وعلّقت من لفظه كتاب الزكاة والمسائل الخلافية ثم سائر المسائل على غير الترتيب، وخضت في المناظرة والمجادلة سنة جرداء حتى رضيت عن نفسي فيه ورضي عني أستاذي، وكنت أعقد مجلس الوعظ في تلك المدرسة وفي الجامع، ثم انصرفت عن مرو في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وخمسمائة واشتغلت بمرو بتزويج صدّني عن التحصيل صدّا، وعدت إلى نيسابور، ثم عدت إلى مسقط الرأس وزيارة الوالدة ببيهق، وأقمت بها ثلاثة أشهر، وذلك في سنة إحدى وعشرين، ورجعت إلى نيسابور ثم رجعت إلى بيهق، واتفقت بيني وبين الأجلّ شهاب الدين محمد بن مسعود المختار والي الري ثم مشرف المملكة مصاهرة، وصرت مشدودا بوثاق الأهل والأولاد سنين، وفوّض إليّ قضاء بيهق في جمادى الأولى سنة ست وعشرين وخمسمائة، فبخلت بزماني وعمري على إنفاقه في مثل هذه الأمور التي قصاراها ما قال شريح القاضي «أصبحت ونصف الناس عليّ غضبان» ، فضقت ذرعا ولم أجد بدّا من الانتقال حتى يتقلّص عنّي ظلّ ذلك الأمر، فقصدت كورة الريّ ليلة العيد من شوال سنة ست وعشرين وخمسمائة، والوالي بها شهاب الدين صهري، فتلقاني أكابرها وقضاتها وسائر الأجلّاء، وأقمت بها إلى السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وكنت في تلك المدة أنظر في الحساب والجبر والمقابلة وطرفا من الأحكام، فلما رجعت إلى خراسان أتممت تلك الصناعة على الحكيم أستاذ خراسان عثمان بن جاذوكار «١» وحصّلت كتبا من الأحكام، وصرت في تلك الصناعة مشارا إليّ، وانتقلت إلى نيسابور في غرة ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وخمسمائة وكان علم الحكمة عندي غير نضج، وعدت إلى بيهق وفي العين قذى من نقصان الصناعة، فرأيت في المنام سنة ثلاثين قائلا يقول: عليك بقطب الدين محمد المروزي الملقب بالطّبسيّ والنصيري، فمضيت الى سرخس وأقمت عنده وأنفقت ما عندي من الدنانير والدراهم، وعالجت جروح الحرص بتلك المراهم، وعدت إلى نيسابور في السابع والعشرين من شوال سنة اثنتين وثلاثين وأقمت معه بنيسابور حتى أصابه الفلج وذلك في
стр. 1761
رجب سنة ست وثلاثين، فعدت إلى بيهق في شعبانها فأزعجني عنها حسد الأقارب، فخرجت منها خائفا أترقب في رمضان سنة سبع وثلاثين إلى نيسابور، فأكرمني أكابرها، فكنت أعقد المجلس في يوم الجمعة بجامع نيسابور القديم، ويوم الأربعاء في مسجد المربّع، ويوم الاثنين في مسجد الحاج، وتفد عليّ وفود إكرام الوزير ملك الوزراء طاهر بن فخر الملك وإكرام أكابر الحضرة، فألقيت العصا بنيسابور، وأقمت بها إلى غرّة رجب سنة تسع وأربعين وخمسمائة، ثم ارتحلت عنها لزيارة والدتي، ومات ولدي أحمد ووالدتي في هذه السنة، وكانت حافظة للقرآن عالمة بوجوه تفاسيره.
وها أنا أذكر تصانيفي في هذه المدة: كتاب أسولة القرآن مع الأجوبة مجلدة.
كتاب إعجاز القرآن مجلدة. كتاب الإفادة في كلمة الشهادة مجلدة. كتاب المختصر من الفرائض مجلدة. كتاب الفرائض بالجدول مجلدة. كتاب أصول الفقه مجلدة.
كتاب قرائن آيات القرآن مجلدة. كتاب معارج نهج البلاغة، وهو شرح الكتاب، مجلدة. كتاب نهج الرشاد في الأصول مجلدة. كتاب كنز الحجج في الأصول مجلدة. كتاب جلاء صدأ الشك في الأصول. كتاب إيضاح البراهين في الأصول مجلدة. كتاب الافادة في إثبات الحشر والاعادة مجلدة. كتاب تحفة السادة مجلدة.
كتاب التحرير في التذكير مجلدتان. كتاب الوقيعة في منكر الشريعة مجلدة. كتاب تنبيه العلماء على تمويه المتشبهين بالعلماء. كتاب أزاهير الرياض المريعة وتفسير ألفاظ المحاورة والشريعة مجلدة. كتاب أشعاره مجلدة. كتاب درر السخاب ودرر السحاب في الرسائل مجلدة. كتاب ملح البلاغة مجلدة. كتاب البلاغة الخفية مجلدة. كتاب طرائق الوسائل إلى حدائق الرسائل مجلدة. كتاب الرسائل بالفارسي مجلدة. كتاب رسائله المتفرقة مجلدة. كتاب عقود اللآلىء مجلدة. كتاب غرر الأمثال مجلدتان. كتاب الانتصار من الأشرار مجلدة. كتاب الاعتبار بالاقبال والادبار مجلدة. كتاب وشاح دمية القصر مجلدة ضخمة. كتاب أسرار الاعتذار مجلدة.
كتاب شرح مشكلات المقامات الحريرية مجلدة. كتاب درة الوشاح، وهو تتمة كتاب الوشاح، مجلدة خفيفة. كتاب العروض مجلدة. كتاب أزهار أشجار الأشعار مجلدة. كتاب عقود المضاحك بالفارسيّ مجلدة. كتاب نصائح الكبراء بالفارسية
стр. 1762
مجلدة. كتاب آداب السفر مجلدة. كتاب مجامع الأمثال وبدائع الأقوال أربع مجلدات. كتاب مشارب التجارب أربع مجلدات. كتاب ذخائر الحكم مجلدة.
كتاب شرح الموجز المعجز مجلدة. كتاب أسرار الحكم مجلدة. كتاب عرائس النفائس مجلدة. كتاب أطعمة المرضى مجلدة. كتاب المعالجات الاعتبارية مجلدة. كتاب تتمة صوان الحكمة مجلدة. كتاب السموم مجلدة. كتاب في الحساب مجلدة. كتاب خلاصة الزيجة مجلدة. كتاب أسامي الأدوية وخواصها ومنافعها مجلدة، وهو معنون بتفاسير العقاقير مجلدة ضخمة. كتاب جوامع الأحكام ثلاث مجلدات. كتاب أمثلة الأعمال النجومية مجلدة. كتاب في مؤامرات الأعمال النجومية مجلدة. كتاب غرر الأقيسة مجلدة. كتاب معرفة ذات الحلق والكرة والاصطرلاب مجلدة. كتاب أحكام القرانات مجلدة. كتاب ربيع العارفين مجلدة.
كتاب رياحين العقول مجلدة. كتاب الاراحة عن شدائد المساحة مجلدة. كتاب حصص الأصفياء في قصص الأنبياء على طريق البلغاء بالفارسية مجلدتان. كتاب المشتهر في نقض المعتبر الذي صنفه الحكيم أبو البركات مجلدة. كتاب بساتين الأنس ودساتين الحدس في براهين النفس مجلدة. كتاب مناهج الدرجات في شرح كتاب النجاة ثلاث مجلدات. كتاب الامارات في شرح الاشارات. كتاب قضايا التشبيهات على خفايا المختلطات بالجداول مجلدة. كتاب شرح رسالة الطر مجلدة.
كتاب شرح الحماسة مجلدة. كتاب الرسالة العطارة في مدح بني الزبارة «١» . كتاب تعليقات فصول بقراط. كتاب شرح شعر البحتري وأبي تمام مجلدة. كتاب شرح شهاب الأخبار مجلدة.
قال المؤلف: هذا ما ذكره في «كتاب مشارب التجارب» . ووجدت له كتاب تاريخ بيهق بالفارسية. وكتاب لباب الأنساب.
قال المؤلف: ووقفت بنيسابور عند أول ورودي إليها في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وستمائة على «كتاب وشاح الدمية» فقال فيه: إن أبا القاسم الباخرزي فرغ من
стр. 1763
تصنيف «كتاب دمية القصر» في جمادى الآخرة سنة ست وستين وأربعمائة، وانه هو بدأ بتصنيف الوشاح في غرة جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وفرغ منه في رمضان سنة خمس وثلاثين. وأنشد لنفسه في «كتاب الوشاح» أشعارا، منها في مخلص الدين أبي الفضل محمد بن عاصم كاتب الإنشاء في ديوان السلطان سنجر، قال: وهو ابن أخت أبي إسماعيل الطغرائي «١» :
كريم على أوج النجوم علاه ... وأيقظ نوّام المديح نداه «٢»
سرى واهتدى طبعي بنجم كماله ... وأحمد في وقت الصباح سراه
له روضة أبدت من الفضل نرجسا ... وغصنا من الإقبال طاب جناه
أعاد رضاع القلب في رحل ورده ... وغادر في قلبي ضواع هواه
تفرّق أشجان الأفاضل يمنة ... ويجمع كلّ الصيد جوف فراه
لقد زرت أشراف الزمان وإنما ... أبى الفضل إلّا أن أزور فناه
وذكره العماد الأصفهاني في «كتاب الخريدة» ووصفه بالرياسة والشرف وقال:
حدثني والدي أنه لما مضى إلى الري عقيب النكبة أصبح ذات يوم وشرف الدين البيهقي قد قصده في مركبه، وهو حينئذ والي الريّ، ونقله إلى منزله، وتكفل بتسديد خلله، وكان حينئذ يترشّح لوزارة السلطان، وهو كبير الشان، وما زالا بالريّ مقيمين متوانسين، حتى فرّق بينهما محتوم البين، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
قال: وأظنه نكب في وقعة السلطان سنجر مع الكفار الخطائية، وكان والدي يثني عليه أبدا ويقول: إنه ما نظر إلى نظيره ولا مثلت لعينه عين مثله. صنف «كتاب وشاح الدمية» ذيّله على كتاب أبي الحسن الباخرزي، وهو موجود بخراسان، وأورد فيه لنفسه:
تراجعت الأمور على قفاها ... كما يتراجع البغل الرّموح
وتستبق الحوادث مقدمات ... كما يتقدّم الكبش النطوح
стр. 1764
وقوله:
تشير بأطراف لطاف كأنها ... أنابيب مسك أو أساريع مندل
وتومي بلحظ فاتر الطرف فاتن ... بمرود سحر بابليّ مكحّل
ينمّ على ما بيننا من تجاذب ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
وله:
يا خالق العرش حملت الورى «١» ... لما طغى الماء على جاريه
وعبدك الآن طغى ماؤه ... في الصّلب فاحمله على جاريه
قال المؤلف: هكذا ذكر العماد في كتابه، وإذا عارضت قوله بما ذكره البيهقي عن نفسه في كتابه الذي نقلت لفظه منه من خطّه وجدت فيه اختلافا في التاريخ وغيره، والله أعلم.
ومن شعر أبي الحسن البيهقي الذي أورده لنفسه في «كتاب الوشاح» في عزيز الدين أبي الفتوح علي بن فضل الله المستوفي الطغرائي «٢» ونقلته من خطه:
شموسي في أفق الحياة هلال ... وأمني من صرف الزمان محال
وأطلب والمطلوب عزّ وجوده ... وأرجو وتحقيق الرجاء محال
إلى كم أرجّي من زماني مسرّة ... وقد شاب من رأس [الزمان] قذال «٣»
وبال على الطاووس ألوان ريشه ... وعلم الفتى حقا عليه وبال
وللدهر تفريق الأحبة عادة ... وللجهل داء في الطباع عضال
لقد ساد بالمال المصون معاشر ... وأخلاقهم للمخزيات عيال
وبينهم ذلّ المطامع عزة ... وعندهم كسب الحرام حلال
وله:
ضجيعي في ليلي جوى ونحيب ... وإلفي في نومي ضنا ولغوب
стр. 1765
دجا ليل آمالي وأبطأ صبحه ... وللمنذرات السود فيه نعيب
وتلسعني الأيام فهي أراقم ... وتخدعني الآمال فهي كذوب
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... وباعي في ظلّ الوصال رحيب
خليلي لا تركن إلى الدهر آمنا ... فاحسانه بالسيئات مشوب
وكم جاهل قد قال لي أنت ناقص ... فهيّج ليث الحقد وهو غضوب
وعيّرني بالعلم والحلم والنهى ... قبائل من أهل الهوى وشعوب
فقلت لهم لا تعذلوني فانني ... لصفو زجاجات العلوم شروب
وما ضرّني أني عليم بمشكل ... وقد مسّ أهل الدهر منه لغوب
لئن عدّ علم المرء جرما لديكم ... فذلك جرم لست منه أتوب
كفى حزنا أني مقيم ببلدة ... بها صاحب العلم الرصين غريب
وذكر أيضا في هذا الكتاب قال: دخلت على الأمير يعقوب بن إسحاق المظفر بن نظام الملك فأكرمني وقابلني بالتعظيم والتفخيم، فقلت بديهة:
يعقوب يظهر دائما في لفظه ... عسلا لديه نظمه يعسوبه
وغدا بحمد الله صدرا مكرما ... يعلو نطاق المشتري عرقوبه
فسقى أنامله حدائق لفظه ... وجرى على نهج العلا يعبوبه
قد غاب يوسف خاطري عن مصره ... ويشمّ ريح قميصه يعقوبه
فأشار إليّ وقال: هل لك أن تنسج على منوالي في ما قلت، فأنشدني لنفسه:
أعاذل مهلا ليس عذلك ينفع ... وقولك فينا دائما ليس ينجع
وهل يصبر الصبّ المشوق على الجوى ... وفي الوصل مشتاق وفي الهجر مجزع
يقولون إن الهجر يشفي من الجوى ... وإنّ فؤاد الصبّ في القرب أجزع
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا ... ألا إن قرب الدار أجدى وأنفع
تحنّ إلى ظلّ من العيش وارف ... وعهد مضى منه مصيف ومربع
فقلت: أيها الصدر ليس للخلّ حلاوة العسل، وللتكحّل طلاوة الكحل، ومن أين للسراج نور الشمس، وللكودن سبق الخيل الشّمس، ومن أين للضباب منفعة
стр. 1766
السحاب. فقال: لا بد من ذلك، فجمعت العجالة والبداهة هنالك، وقلت في الحال في مقام الارتحال، وكتبت بقلم الارتجال على قرطاس الاستعجال:
سرى طيفه وهنا ولي فيه مطمع ... وبرق الأماني في دجى الهجر يلمع
ويأبى حقين الهجر عذرة طيفه ... فلم أدر في مهوى الهوى كيف أصنع
لقد يحمد القوم السّرى في صباحهم ... زمان تلاق عنده الشمل يجمع
وها أنا أسري في ظلامي وإنني ... أذمّ صباحي والخلائق هجّع
أقول لصبري أنت ذخري لدى النوى ... وذخر الفتى حقا شفيع مشفّع
وأسكن ماء العين ناري وإنما ... هواء الهوى من تربة الطيف أنقع
رأيت معيديّ الخيال فقال من ... جهينة أخبار المعيديّ تسمع
دعوت إلى حيس الهوى جندب الهوى ... فولّى وطرف العين في النوم يرتع «١»
وقال لنفسي لا تموتي صبابة ... لعلّ زمانا قد مضى لك يرجع
ولم يبق مني غير ما قلت منشدا ... «حشاشة نفس ودّعت يوم ودّعوا» «٢»
فلاذ بشمس الدين يعقوب من له ... نجوم لها في مشرق المجد مطلع
أجلّك يا يعقوب عن كنه مدحتي ... لأنك عن مدحي أجلّ وأرفع
ثم قال: شرفني بعد ذلك بقصيدة أولها:
ألا أبلغ إلى سلمى السلاما
فأجبت، وقلت بعد الجواب علاوة للتصديع والابرام، على طريق أداء شكر النعم، اللائق بأحوال الخدم:
يا صاحبي كسدت أسواق أشواقي ... والتفّت الساق يوم الهجر بالساق
стр. 1767
يا ليت شعري هل سعد يساعدني ... أم هل لداء الهوى في الناس من راق
أم هل سبيل إلى سلوان مكتئب ... أم هل طريق إلى إيناس مشتاق
يا نجل إسحاق يا من ثوب سؤدده ... قد جلّ في الدهر عن وهي وإسحاق
فما تمهلت في يومي وغى وندى ... إلا قضيت بآجال وأرزاق
وكلّ ذكر وإن طال الزمان به ... فان وذكرك في نادي الندى باق.
[٧٦٢] علي بن سليمان الأديب البغدادي، أبو الحسن:
أحد الفضلاء المبرزين والظراف المشهورين. قرأت بخط أبي سعد قال: ذكر أبو المظفر محمد بن العباس الأبيوردي في «كتاب تعلّة المشتاق» من تصنيفه قال فيه: وقد صممت العزم على معاودة الحضرة الرضوية بخراسان لأنهي إليها ما قاسيته في التأخر عن الخدمة، وعلم الأديب أبو الحسن علي بن سليمان صرّيّ عزمي، فجشم إليّ قدمه، وجرى على عادته الرضية في رعاية جانبي تمهيدا لما استمرّ بيننا من أواصر المودة، ولعمر الفضل إني لم أجد في غربتي هذه فاضلا يباريه ولا ظريفا يجاريه، ومن وصف البغداديّ بالفضل والظرف فقد كساه الثناء المختصر، وحمل التمر إلى هجر. ومن مليح ما أسمعنيه أنه قال: سألنا أبا القاسم عبد العزيز بن أحمد بن ناقيا البغدادي (قلت:
هكذا قال عبد العزيز وصوابه عبد الله ذكرناه في بابه من هذا الكتاب) عن المتنبي وابن نباتة والرضي فقال: إن مثلهم عندي مثل رجل بنى أبنية شاهقة وقصورا عالية وهو المتنبي، فجاء آخر وضرب حولها سرادقات وخيما وهو ابن نباتة، ثم جاء الرضي ينزل تارة عند هذا وتارة عند ذاك، فأنشدني قال أنشدني أسبهدوست بن محمد بن أسفار الديلمي قال: أنشدني أبو الفرج الببغا لنفسه «١» :
أشقيتني فرضيت أن أشقى ... وملكتني فقتلتني عشقا
стр. 1768
وزعمت أنك لا تكلّمني ... عشرا فمن لك أنني أبقى
ليس الذي تبغيه من تلفي ... متعذرا فاستعمل الرفقا
قال الأبيوردي: وبهذا الاسناد قال أنشدني ابن الحجاج لنفسه:
يا صروف الدهر حسبي ... أيّ ذنب كان ذنبي
علّة عمّت وخصّت ... لحبيب ومحبّ
أنا أشكو حرّ حبّ ... وهو يشكو حرّ حبّ
قال الأبيوردي: فقل في محبوب جرب وعاشق طرب.
[٧٦٣] علي بن سليمان، يلقب حيدة اليمني النحوي التميمي:
كان من وجوه أهل اليمن وأعيانهم علما ونحوا وشعرا، وصنّف كتبا منها كتاب في النحو سماه «كشف المشكل» في مجلدين وقال فيه يمدحه:
صنفت للمتأدّبين مصنفا ... سميته بكتاب كشف المشكل
سبق الأوائل مع تأخّر عصره ... كم آخر أزرى بفضل الأوّل
قيّدت فيه كلّ ما قد أرسلوا ... ليس المقيد كالكلام المرسل
ومولده ببلاد بكيل من أعمال ذمار ومات سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ومن شعره يحصر جمع التكسير:
سألت عن التكسير فاعلم بأنها ... ثمانية أوزان جمع المكسّر
فأربعة أوزان كلّ مقلّل ... وأربعة أوزان كلّ مكثّر
فعال وأفعال وفعل وأفعل ... وأفعلة منها وفعلان فانظر
ومنها فعول يا أخيّ وفعلة ... وتمثيلها إن كنت لما تصوّر
стр. 1769
جمال وأفراس وأسد وأكبش ... وأكسية حمر لفتيان حمير
أتونا عشاء في ربوع لفتية ... من التغلبيين الكرام ويشكر
وكلّ خماسيّ إذا ما جمعته ... فآخره فاحذف ولا تتعثر
فتجمع قرطعبا قراطع سالكا ... به مسلك الجمع الرباعي المكثّر
قلت أنا: هذا عجب ممن صنّف كتابا كبيرا في النحو يقول: جمع المكثر أربعة أوزان وهي على نحو من خمسين وزنا.
[٧٦٤] علي بن سليمان بن الفضل الأخفش أبو الحسن ،
وهو الأخفش الصغير، وهناك الأخفش الأكبر وهو أبو الخطاب عبد الحميد، وقد ذكر، والأوسط وهو أبو الحسن سعيد بن مسعدة وقد مرّ في بابه، وهناك أخفش آخر وهو عبد العزيز بن أحمد المغربي الأندلسي، وقد ذكر في بابه أيضا «١» ، وغيرهم.
ومات علي بن سليمان هذا في شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمائة ودفن بمقبرة قنطرة البردان، ذكر ذلك المرزباني، قال المرزباني في «كتاب المقتبس» : ذكر جماعة لقيناهم من النحويين وأهل اللغة منهم علي بن سليمان بن الفضل الأخفش، ولم يكن بالمتسع في الرواية للأخبار والعلم بالنحو، وما علمته صنّف شيئا البتة ولا قال شعرا، وكان إذا سئل عن مسائل النحو ضجر وانتهر كثيرا ممن يواصل مساءلته ويتابعها، ثم ذكر وفاته كما تقدم قال: وشهدته يوما وصار إليه رجل من حلوان كان يلزمه فحين رأه قال له:
стр. 1770
حياك ربّك أيها الحلواني ... وكفاك ما يأتي من الأزمان
ثم التفت إلينا وقال: ما نحسن من الشعر إلا هذا وما جرى مجراه، هكذا ذكر أبو عبيد الله وهو تلميذه وصاحبه.
وقال الجوهري: الأجلع الذي لا تنضمّ شفتاه على أسنانه، وكان الأخفش الأصغر النحويّ أجلع «١» .
ووجدت في «كتاب فهرست النديم» بخط مؤلفه، وذكر الأخفش هذا فقال: له من التصانيف كتاب الأنواء. وكتاب التثنية والجمع. وكتاب شرح سيبويه- حدثني الصاحب الوزير جلال الدين القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف القفطي أدام الله أيامه أنه ملكه في خمسة أجلاد- وكتاب تفسير رسالة كتاب سيبويه، رأيته في نحو خمس كراريس. وكتاب الحداد. ووجدت أهل مصر ينسبون إليه كتابا في النحو هذبه أحمد بن جعفر الدينوري وسمّاه «المهذب» .
وحدث أبو عبيد الله: حضرت يوما أبا الحسن الأخفش ودفع كتابا إلى بعض من كان في مجلسه ليكتب عليه اسمه فقال له أبو الحسن خفّش خفّش، يريد اكتب الأخفش، ثم قال: أنشدنا أبو العباس المبرد «٢» :
لا تكرهن لقبا شهرت به ... فلربّ محظوظ من اللقب
قد كان لقّب مرّة رجل ... بالوائليّ فعدّ في العرب
قال الأخفش: دعاني سوّار بن أبي شراعة فتأخرت عنه فكتب إليّ:
مضى النور واستبهم الأغطش ... وأخلفني وعده الأخفش
وحال وحالت به شيمة ... كما حال عن لونه البرقش
أبا حسن كنت لي مألفا ... فما لك عن دعوتي تطرش
وكنت لأعدائك الشانئيك ... سماما كما نفث الأرقش
وكنت بقربك في روضة ... فها أنا والبلد المعطش
стр. 1771
إذا قلت قرطست في صاحب ... نزعت كما ينزع المرعش
وسيّان عندي من عقّني ... عقوقك والحية الحربش «١»
أقول وما حلت عن عهده ... رأيتك كالناس إذ فتّشوا
وحدث [ ... ] قال: كان ابن الرومي كثير الهجاء للأخفش، وذاك أن ابن الرومي كان كثير الطيرة، وكان الأخفش كثير المزاح، وكان يباكره قبل كلّ أحد، فيطرق الباب على ابن الرومي فيقول: من بالباب؟ فيقول الأخفش: حرب بن مقاتل، وما أشبه ذلك، فقال ابن الرومي يهجوه ويتهدده «٢» :
قولوا لنحويّنا أبي حسن ... إني حسام متى ضربت مضى
لا تحسبنّ الهجاء يحفل بال ... رفع ولا خفض خافض خفضا
كأنني بالشقيّ معتذرا ... إذا القوافي أذقنه مضضا
ينشدني العهد يوم ذاك ولل ... عهد خضاب أزاله فنضا
قال المرزباني: فحدثني المظفر بن يحيى قال حدثني أبو عبيد الله النحوي أن الأخفش قال يوما لابن الرومي: إنما كنت تدّعي هجاء مثقال، فلما مات مثقال انقطع هجاؤك، قال: فاختر عليّ قافية أهجوك، قال: على رويّ قصيدة دعبل الشينية، فقال قصيدته التي يهجوه فيها ويجوّد حتى لا يقدر أحد أن يدفعه عن ذلك ويفحش حتى يفرط، أولها «٣» :
ألا قل لنحويّك الأخفش ... أنست فأقصر ولا توحش
وما كنت عن غيّة مقصرا ... وأشلاء أمك لم تنبش
قال فيها:
أما والقريض ونقاده ... ونجشك فيه مع النّجّش
ودعواك عرفان نقّاده ... بفضل النقيّ على الأنمش
стр. 1772
لئن جئت ذا بشر حالك ... لقد جئت ذا نسب أبرش
وما واحد جاء من أمه ... بأعجب من ناقد أخفش
كأنّ سنا الشتم في عرضه ... سنا الفجر في السحر الأغبش
أقول وقد جاءني أنّه ... ينوش هجائي مع النوّش
إذا عكس الدهر أحكامه ... سطا أضعف القوم بالأبطش
وما كلّ من أفحشت أمه ... تعرّض للمقذع الأفحش
وهي قصيدة طويلة. ولما سار هجاؤه في الأخفش جمع الأخفش جماعة من الرؤساء، وكان كثير الصديق، فسألوا ابن الرومي أن يكفّ عنه فأجابهم إلى الصفح عنه، وسألوه أن يمدحه بما يزيل عنه عار هجائه فقال فيه «١» :
ذكر الأخفش القديم فقلنا ... إن للأخفش الحديث لفضلا
فإذا ما حكمت والروم قومي ... في كلام معرّب كان عدلا
أنا بين الخصوم فيه غريب ... لا أرى الزور للمحاباة أهلا
ومتى قلت باطلا لم ألقب ... فيلسوفا ولم أسمّ هرقلا
وذكر الزبيدي أن الأخفش كان يتحفّظ هجاء ابن الرومي له ويمليه في جملة ما يملي، فلما رأى ابن الرومي أنه لا يألم لهجائه ترك هجوه.
وكان الأخفش قد قرأ على ثعلب والمبرد وأبي العيناء واليزيدي.
وحدث الأخفش قال «٢» : استهدى إبراهيم بن المدبر المبرد جليسا يجمع إلى تأديب ولده الاستمتاع بايناسه ومفاكهته، فندبني إليه وكتب معي: قد أنفذت إليك أعزك الله فلانا وجملة أمره:
إذا زرت الملوك فان حسبي ... شفيعا عندهم أن يخبروني
وقدم الأخفش هذا مصر في سنة سبع وثمانين ومائتين وخرج منها سنة ثلاثمائة إلى حلب مع علي بن أحمد بن بسطام صاحب الخراج فلم يعد إلى مصر.
стр. 1773
وحدث الرئيس أبو الحسين هلال «١» بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابىء في كتابه «كتاب الوزراء» قال: حكى لي أبو الحسن ثابت بن سنان قال: كان أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش يواصل المقام عند أبي علي ابن مقلة ويراعيه أبو علي ويبرّه، فشكا إليه في بعض الأيام الاضافة وسأله أن يكلم أبا الحسن علي بن عيسى، وهو يومئذ وزير، في أمره، وسأله إجراء رزق عليه في جملة من يرتزق من أمثاله، فخاطبه أبو علي في ذلك وعرّفه اختلال حاله وتعذر القوت عليه في أكثر أيامه، وسأل أن يجري عليه رزقا في جملة الفقهاء، فانتهره علي بن عيسى انتهارا شديدا وأجابه جوابا غليظا، وكان ذلك في مجلس حافل ومجمع كامل، فشقّ على أبي علي ما عامله به وقام من مجلسه وقد اسودت الدنيا في عينيه، وصار إلى منزله لائما لنفسه على سؤال علي بن عيسى ما سأله، وحلف أنه يجرد في السعي عليه، ووقف الأخفش على الصورة واغتمّ، وانتهت به الحال إلى أن أكل الشلجم النيّ، فقيل إنه قبض على قلبه فمات فجاءة، وكان موته في شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمائة.
[٧٦٥] علي بن سهل بن العباس، أبو الحسن النيسابوري:
المفسر العالم العابد الديّن، ذكره عبد الغافر في «السياق» وقال: مات في ثالث عشر ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، ووصفه فقال: نشأ في طلب العلم وتبحر في العربية، وكان من تلامذة أبي الحسن الواحدي.
[٧٦٦] علي بن طاهر بن جعفر، أبو الحسن السلمي النحوي:
نقلت من خط ابن اللبان قال نقلت من خط السمعاني قال: أخبرني أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة
стр. 1774
الله الحافظ الدمشقي أنه سمع أبا عبد الله بن سلوان وغيره، وكان ثقة ديّنا، وقل ما يكون النحويّ ديّنا. ذكر ابن الأكفاني أنه مات في الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمسمائة.
وذكر الحافظ في «تاريخ دمشق» قال: علي بن طاهر بن جعفر بن عبد الله أبو الحسن القيسي السلمي النحوي، سمع أبا عبد الله ابن سلوان وأبا القاسم ابن الشميشاطي وأبا نصر أحمد بن علي بن الحسن الكفرطابي، وذكر جماعة، قال:
وروى عنه غيث بن علي، وحدثنا عنه الفقيه أبو الحسن السلمي وخالي القاضي أبو المعالي وجميل بن تمام وحفّاظ بن الحسين. وكان ثقة، وكانت له حلقة في الجامع وقف فيها خزانة فيها كتبه. وذكر أبو محمد ابن صابر أنه سأله عن مولده فقال: سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. ذكر ابن الأكفاني أن أبا الحسن ابن طاهر النحوي مات يوم الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمسمائة «١» .
[٧٦٧] علي بن طلحة بن كردان النحوي أبو القاسم:
قال أبو غالب ابن بشران:
كان ابن كردان يعرف بابن السحناتي «٢» ، ولم يبع قطّ السحناة وإنما كان أعداؤه يلقّبونه بذلك فغلب عليه، قال: وهذا الشيخ أول الشيوخ الذين قرأت عليهم الأدب.
قال السلفي الحافظ: سألت خميس بن علي الحوزي عن ابن كردان فقال:
صحب أبا عليّ الفارسي وعلي بن عيسى الرماني، قرأ عليهما كتاب سيبويه، والواسطيون يفضلونه على ابن جني والربعي، صنف كتابا كبيرا في إعراب القرآن، قال لي شيخنا أبو الفتح «٣» كان يقارب خمسة عشر مجلدا، ثم بدا له فيه فغسله قبل
стр. 1775
موته، مات سنة أربع وعشرين وأربعمائة. وكان متنزها متصوّنا ركب إليه فخر الملك أبو غالب محمد بن علي بن خلف وزير بهاء الدولة، وهو سلطان الوقت، وبذل له فلم يقبل، وكان قد جرت بينه وبين القاضي أبي تغلب أحمد بن عبيد الله العاقولي صديق الوزير المغربي وخليفة السلطان والحكام على واسط في وقته، وكان معظما مفخما، خصومة، فقال له ابن كردان: إن صلت علينا بمالك صلنا عليك بقناعتنا.
وآخر من حدث عنه أبو المعالي محمد بن عبد السلام بن شانده.
وذكره أبو عبد الله محمد بن سعيد الدبيثي في «نحاة واسط» فقال: علي بن طلحة بن كردان النحوي أبو القاسم الواسطي المولد والدار أخذ النحو عن أبي علي الفارسي وأبي الحسن الرماني وأبي بكر ابن الجراح صاحب ابن الأنباري، قال ابن بشران: هو أول شيخ قرأت عليه، ووصفه بالفضل والمعرفة، وعنه أخذ النحو أبو الفتح محمد بن محمد بن مختار وغيره من الواسطيين. وكان شاعرا ومن شعره في ذم واسط:
سئم الأديب من المقام بواسط ... إنّ الأديب بواسط مهجور
يا بلدة فيها الغنيّ» مكرّم ... والعلم فيها ميّت مقبور
لا جادك الغيث الهطول ولا اختلى ... فيك الربيع ولا علاك حبور
شرّ البلاد أرى فعالك ساترا ... عني الجميل وشرّك المشهور
حدث أبو الجوائز الحسن بن علي بن باري الكاتب الواسطي قال: اجتمع معنا في حلقة شيخنا أبي القاسم علي بن كردان النحوي سيدوك الشاعر «٢» ، ونحن في الجامع بواسط بعد صلاة الجمعة، وجرى في عرض المذاكرات ذكر من أحال على قلبه بالعشق، ومن أحال على ناظره به أيضا، ومضت أناشيد في ذلك، فقال أبو طاهر سيدوك: قد حضرني في هذا المعنى شيء وأنشدنا:
стр. 1776
يا قلب من هذا حذرت عليكا ... ذق ما جنيت فكم نصحت إليكا
انضج بنارك لا أراحك حرّها ... فلطالما ضاع العتاب لديكا
لما أطعت الطرف ثم عصيتني ... علق الهوى يا قلب من طرفيكا
وسمعنا أذان العصر فقلت لشيخنا: أكتبها قبل إقامة الصلاة أو إذا صلينا؟ قال:
اكتبها ولو أن الإمام على المنبر، وأنشدنا حينئذ لنفسه:
أبصرت في المأتم مقدودة ... تقضي ذماما بتكاليفها
تشير باللطم إلى وجنة ... ضرّجها مبدع تأليفها
إذا تبدّى الصبح من وجهها ... جمّشه ليل تطاريفها
وحدث أبو غالب ابن بشران النحوي قال: أنشدني أبو القاسم علي بن طلحة بن كردان النحوي قال: أنشدني أبو طاهر سيدوك لنفسه، وكان يعرض عليّ شعره، وقد ابتكر معنى غريبا وإن كان اللفظ قريبا:
إن دائي الغداة أبرح داء ... وطبيبي سريرة ما تبوح
يحسبوني إذا تكلمت حيّا ... ربّما طار طائر مذبوح
قال ابن كردان وأنشدني سيدوك أيضا لنفسه «١» :
أستودع الله من بانوا فلا بصري ... مني ولا أذني عندي ولا بصري
عهدي بنا ورداء الوصل يشملنا ... والليل أطوله كاللمح بالبصر
والآن ليلي مذ غابوا فديتهم ... ليل الضرير وصبحي غير منتظر.
[٧٦٨] علي بن ظافر بن الحسين الأزدي:
وكنية ظافر أبو منصور، وهو مصريّ وزر
стр. 1777
للملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب، وكان نعم الرجل، له علوم جمة وفضائل كثيرة، ثم ترك الوزارة وعاد إلى مصر فتوفي بها منتصف شعبان سنة ثلاث عشرة وستمائة «١» عن ثمان وأربعين سنة، وله من التصانيف، كتاب بدائع البدائه في من قال شعرا على البديهة. وكتاب مكرمات الكتاب. وكتاب أخبار الشجعان. وكتاب من أصيب ممن «٢» اسمه علي، وابتدأ بعلي بن أبي طالب ﵇. وكتاب الدول المنقطعة. وكتاب التشبيهات. وكتاب أساس السياسة.
وكتاب أخبار السلجوقية.
[٧٦٩] علي بن العباس النوبختي أبو الحسن:
أحد مشايخ الكتاب وأهل الأدب المشاهير والمروءة، روى من أخبار البحتريّ وابن الرومي قطعة حسنة، ومات سنة تسع وعشرين وثلاثمائة بعد سنّ عالية، وهو القائل لابن عمه أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي وشرب دواء:
يا محيي العارفات والكرم ... وقاتل الحادثات والعدم
كيف رأيت الدواء أعقبك الل ... هـ شفاء به من السقم
لئن تخطت إليك نائبة ... حطّت بقلبي ثقلا من الألم
شربت فيها الدواء مرتجيا ... دفع أذى من عظامك العظم
فالدهر لا بدّ محدث طبعا ... في صفحتي كلّ صارم خذم
стр. 1778
[٧٧٠] علي بن عبد الله بن سنان الطوسي
، أبو الحسن التيمي: أحد أعيان علماء الكوفة، أخذ عن ابن الأعرابي، وكان عدوّا لابن السكيت لأنهما أخذا عن نصران الخراساني واختلفا في كتبه بعد موته، مات [ ... ] .
ذكره المرزباني فقال: حدثنا محمد بن يحيى عن إبراهيم بن المعلى الباهلي قال: أكثرت يوما سؤال الطوسي فقال متمثلا:
يسرّ ويعطي كلّ شيء سألته ... ومن يكثر التسآل لا بدّ يحرم
قال ووجه بإنسان في حاجة فقصر فقال:
بخلت وكلفناك ما لم تقم به ... وهل تحمل الفصلان أحمال بزّل
قال محمد بن إسحاق: كان الطوسي راوية لأخبار القبائل وأشعار الفحول، ولقي مشايخ البصريين والكوفيين، قال: ولا مصنّف له.
وكان شاعرا ذكر له المرزباني قوله:
هجم البرد والشتاء ولا أم ... لك إلا رواية العربيه
وقميصا لو هبّت الريح لم يب ... ق على عاتقيّ منه بقيه
ويقلّ الغناء عني فنون ال ... علم إن أعصفت شمال عريه
قال وقال أحمد بن أبي طاهر يرثي الطوسي الرواية بقصيدة طويلة منها:
من عاش لم يخل من همّ ومن حزن ... بين المصائب من دنياه والمحن
والموت قصر امرىء مدّ البقاء له ... فكيف يسكن من عيش إلى سكن
وإنما نحن في الدنيا على سفر ... فراحل خلّف الباقي على الظعن
ولا أرى زمنا أردى أبا حسن ... وخان فيه على حرّ بمؤتمن
стр. 1779
لقد هوى جبل للمجد لو وزنت ... به الجبال الرواسي الشمّ لم تزن
وأصبح الحبل حبل الدين منتشرا ... وأدرج العلم والطوسيّ في كفن
من لم يكن مثله في سالف الزمن ... ولم يكن مثله في غابر الزمن.
[٧٧١] علي بن عبد الله بن علي بن الحسين بن زيد
بن علي بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، أبو القاسم العلوي المعروف بابن الشبيه: سمع محمد بن المظفر، كتب عنه عليّ بن أحمد الحافظ وقال: كان ديّنا حسن الاعتقاد يورّق بأجرة ويأكل من كسب يده ويواسي الفقراء من كسبه. سألته عن مولده فقال: ولدت في ليلة عيد الأضحى سنة ستين وثلاثمائة، ومات في العشر الأول من رجب سنة إحدى وأربعين وأربعمائة.
قال الشريف أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد العلوي العمري النسابة في «كتاب الشافي في النسب» من تصنيفه: ومنهم- يعني من ولد الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈ زيد النسابة الجليل صاحب «كتاب المبسوط» ويلقب الشبيه بن علي بن الحسين بن زيد الشهيد ﵇، فمن ولده ببغداد أبو الفضل الحسن صاحب العوجاء، وأخوه أبو القاسم علي الموضح الناسخ، له خط مليح، ابنا أبي محمد عبد الله بن أبي عبد الله الحسين النقيب بن علي بن الحسين بن زيد الشبيه، به يعرفون، له بقية.
وجدت على ظهر ديوان عروة بن الورد بخط ابن الشبيه، وكان الديوان كله بخطه:
ديوان عروة العبسيّ أوضحه ... خطّ امرىء زاده حسنا وتبيينا
نجل الأكارم من آل الشبيه فتى ... بجدّه ختم الله النبينا
صلّى الاله عليه ما دجا غسق ... ويرحم الله عبدا قال آمينا
стр. 1780
[٧٧٢] علي بن عبد الله بن أحمد النيسابوري
المعروف بابن أبي الطيب: مولده بنيسابور، وموطنه قصبة سابزوار، وكان له معرفة تامة بالقرآن وبتفسيره، مات في ثامن شوال سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ودفن في مقبرة سابزوار «١» . وقد عمل أبو القاسم علي بن محمد بن الحسين بن عمرو من دهاقين وميمولان «٢» مدرسة باسمه في محلة اسفريس في رمضان سنة عشر وأربعمائة وأثرها إلى الآن باق «٣» ، وكان له تلاميذ كثيرة منهم أبو القاسم علي بن محمد بن الحسين «٤» بن عمرو وغيره. وله عدة تصانيف في تفسير القرآن المجيد، منها: كتاب التفسير الكبير في ثلاثين مجلّدا. وكتاب التفسير الأوسط أحد عشر مجلّدا. وكتاب التفسير الصغير ثلاث مجلدات. وكان يملي ذلك من حفظه. ولما مات ﵀ لم يوجد في خزانة كتبه إلا أربع مجلدات أحدها فقهي وآخر أدبي ومجلدان في التاريخ، ودفن في مقبرة سابزوار، وعنده دعوة مستجابة مجربة.
وحمل في سنة أربع عشرة وأربعمائة إلى السلطان محمود بن سبكتكين، فلما دخل عليه جلس بغير إذن، وشرع في رواية خبر عن النبيّ ﷺ بغير أمر من السلطان، فقال السلطان لغلام: يا غلام ده رأسه، فلكمه على رأسه لكمة كانت سببا إلى قلة سمعه وطرشه، ثم عرف السلطان منزلته من الدين والعلم والنزاهة والورع فاعتذر إليه وأمر له بمال فلم يقبله وقال: لا حاجة لي في المال، فإن استطعت أن تردّ عليّ ما أخذته مني قبلته، وهو سمعي، فقال له السلطان: أيها الرجل إن للملك صولة وهو مفتقر إلى السياسة، ورأيتك قد تعديت الواجب فجرى مني ما جرى، والآن فأحبّ أن تجعلني في حلّ، فقال: الله بيني وبينك بالمرصاد. ثم قال له: إنما أحضرتني
стр. 1781
لسماع الوعظ وأخبار الرسول والخشوع لا لإقامة قوانين الملك واستعمال السياسة، فإن ذلك يتعلق بالملوك وأمثالهم لا بالعلماء، فخجل السلطان وجبذ برأسه إليه وعانقه.
ومن كلامه في خطبة كتاب التفسير: الزمان زمان سفهاء السفل، والقرآن قران انقلاب النّحل، والفضل في أبنائه فضول، وطلوع التمييز فيهم أفول، والدين دين، والدنيا عين. وان تحلّى أحدهم بالعلوم، وادعى أنه في الخصوص من العموم، فغايته أن يقرأ القرآن وهو غافل عن معانيه، ويتحلّى بالفضل وهو لا يدانيه، ويجمع الأحاديث والأخبار، وهو فيها مثل الحمار يحمل الأسفار.
وله ديوان شعر، ومن شعره في «دمية القصر» «١» :
فلك الأفاضل أرض نيسابور ... مرسى الأنام وليس مرسى بور
دعيت أبرشهر البلاد لأنها ... قطب وسائرها رسوم السور
هي قبة الإسلام نائرة الصّوى ... فكأنها الأقمار في الديجور
من تلق منهم تلقه بمهابة ... زفت عليه بفضله الموفور
لهم الأوامر والنواهي كلّها ... ومدى سواهم رتبة المأمور
نقلت جميع ذلك من «تاريخ بيهق» لأبي الحسن ابن أبي القاسم البيهقي مصنف كتاب «وشاح الدمية» .
[٧٧٣] علي بن عبد الله بن محمد بن الهيصم الهروي
، الإمام صدر الإسلام:
مات [ ... ] ذكره أبو الحسن البيهقي في «كتاب الوشاح» فقال: قد بلغ من العلم أطوريه، فلا فضل إلا وهو منسوب إليه، ورست بالفصاحة قواعده، واشتدّ بالزهادة ساعده، وقد اختلفت مدة مديدة إليه، وقرأت ما شئت من دقائق العلوم
стр. 1782
عليه، ووجدته حالا عقود المشكلات، فاتقا رتوق المعضلات، ولعمري إنه ﵀ كشف عن العلوم نقابها، ورفع عن الحقائق حجابها، فلم يكن في عصره فاضل إلا وقد اغترف من بحاره، واقتبس من أنواره، وتصانيفه كثيرة وسعيه مشهور، وسعي الناظر فيه مشكور.
ومن تصانيفه: كتاب مفتاح البلاغة. كتاب البسملة. كتاب نهج الرشاد.
كتاب عقود الجواهر. كتاب لطائف النكت. كتاب تصفية القلوب. كتاب ديوان شعره.
ومن منظومه:
ضحك الربيع بعبرة الأنداء ... ومن العجائب ضاحك ببكاء
خرجت له نحو الشتاء كتيبة ... ذعرت مواكبه عن الصحراء
ركبت فوارسه الهواء فجردت ... سيفا جلا جيش الدجى بضياء
رقّ الربيع لها فأرسل نحوها ... بشرى بغيم في نسيم هواء
والغصن قرّط أذنه بدراهم ... مضروبة من فضة بيضاء
والروض ألبس حلّة موشيّة ... أحسن بها من صنعة الأنداء
قضبان نبل أخرجت ذهبا لنا ... أعجب بها من صيرف معطاء
وشقائق النعمان تشبه صارخا ... متظلما متشحطا بدماء
والزعفران كأنما فرشت به ... ديباجة نسجت من القمراء
ساءلتها هلّا برزت لناظر ... صبّ كئيب هائم بكّاء
فأبت وآلت لا يحلّ نقابها ... إلا مجير الدولة الغرّاء
وله:
هنيئا لك العيد المبارك يا صدر ... وساعدك الإقبال واليمن والنصر
إذا ما أعاد العيد للناس نضرة ... فقد ألبس الأعياد من وجهك البشر
وإن نشرت أعلام دين محمد ... فذكرك في أقصى البلاد له نشر
وإن أحرم الحجاج عن جلّ حالهم ... فأحرم عمن دونك الفضل والفخر
стр. 1783
وإن كان لبّى للزيارة محرم ... فلبّى إلى أوصافك النظم والنثر
وإن جمعوا فرضين ثمّ وقصروا ... فللدين والدنيا بك الجمع والقصر
وإن طوّفوا بالبيت سبعا وأحرموا ... فما طاف إلا بابك الأنجم الزهر
وإن ضحّت الأقوام بالبدن سنّة ... فضحّ بمن عاداك ما انفلق الفجر.
[٧٧٤] علي بن عبد الله بن وصيف الناشىء الحلّاء
ويكنى أبا الحسين:
قال ابن عبد الرحيم: حدثني أبو عبد الله الخالع قال، حدثني الناشىء قال:
كان جدي وصيف مملوكا، وكان عبد الله أبي عطارا في الخضرية بالجانب الشرقي، وكنت لما نشأت معه في دكانه كان ابن الرومي يجلس عندنا وأنا لا أعرفه، وكان يلبس الدراعة وثيابه وسخة، وانقطع عنا مدة فسألت عنه أبي وقلت: ما فعل ذلك الشيخ الوسخ الثياب الذي كان يجلس إلينا؟ فقال: ويحك ذاك ابن الرومي وقد مات، فندمت أن لم أكن أخذت عنه شيئا ولا عرفته في حال حضوره وتشاغلت بالصنعة عن طلب العلم، ثم لقيت ثعلبا ولم آخذ عنه إلا أبياتا وهي:
إن أخا الأخوان من يسعى معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
قال الخالع: وكان الناشىء قليل البضاعة في الأدب، قؤوما بالكلام والجدل، يعتقد الامامة ويناظر عليها بأجود عبارة، فاستنفد عمره في مديح أهل البيت حتى عرف بهم، وأشعاره فيهم لا تحصى كثرة، ومدح مع ذلك الراضي بالله وله معه أخبار، وقصد كافورا الإخشيديّ بمصر وامتدحه، وامتدح ابن حنزابة وكان ينادمه، وطرأ إلى البريديين بالبصرة وإلى أبي الفضل ابن العميد بأرجان وعضد الدولة بفارس، وكان مولده على ما خبرني به سنة إحدى وسبعين ومائتين، ومات يوم الاثنين لخمس خلون من صفر سنة خمس وستين وثلاثمائة، وكنت حينئذ بالري فورد كتاب ابن بقية إلى ابن
стр. 1784
العميد بخبره، وقيل إنه تبع جنازته ماشيا وأهل الدولة كلهم، ودفن في مقابر قريش وقبره هناك معروف.
قال الخالع: ولم يخلّف عقبا، ولا علمت أنه تزوج قط، وكان يميل إلى الأحداث، ولا يشرب النبيذ، وله في المجون والولع طبقة عالية، وعنه أخذ مجّان باب الطاق كلّهم هذه الطريقة. وكان يخلط بجدله ومناظراته هزلا مستملحا ومجونا مستطابا يعتمد به إخجال خصمه وكسر حدّه، وله في ذلك أخبار مشهورة. وكانت له جارية سوداء تخدمه، فدخل يوما إلى دار أخته وأنا معه، فرأى صبيا صغيرا أسود فقال لها: من هذا؟ فسكتت، فألحّ عليها فقالت: ابن بشارة، فقال: ممن؟ فقالت:
من أجل هذا أمسكت، فاستدعى الجارية وقال لها: هذا الصبيّ من أبوه؟ فقالت: ما له أب، فالتفت إليّ فقال: سلّم إذن على المسيح ﵇.
قال ابن عبد الرحيم حدثني الخالع قال حدثني الناشىء قال: أدخلني ابن رائق على الراضي بالله، وكنت مدّاحا لابن رائق ونافقا عليه، فلما وصلت إلى الراضي قال لي: أنت الناشىء الرافضيّ؟ فقلت: خادم أمير المؤمنين الشيعي، فقال: من أيّ الشيعة؟ قلت: شيعة بني هاشم، فقال: هذا خبث حيلة، فقلت: مع طهارة مولد، فقال: هات ما معك، فأنشدته فأمر أن يخلع عليّ عشر قطع ثيابا وأعطى أربعة آلاف درهم، فأخرج إليّ ذلك وتسلمته، وعدت إلى حضرته فقبلت الأرض وشكرته وقلت: أنا ممن يلبس الطيلسان، فقال: ها هنا طيالس عدنية أعطوه منها طيلسانا وأضيفوا إليها عمامة خزّ ففعلوا، فقال: أنشدني من شعرك في بني هاشم فأنشدته:
بني العباس إن لكم دماء ... أراقتها أمية بالذحول
فليس بهاشميّ من يوالي ... أمية واللعين أبا زبيل
فقال: ما بينك وبين أبي زبيل؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، فتبسم وقال:
انصرف.
قال الخالع: وشاهدت العمامة والطيلسان معه وبقيا عنده إلى أن مات.
قال وحدثني الخالع قال: كان أبو الحسين شيخا طويلا جسيما عظيم الخلقة عريض الألواح موفّر القوة جهوريّ الصوت، عمّر نيّفا وتسعين سنة، لم تضطرب أسنانه ولا قلع سنّا منها ولا من أضراسه، وكان يعمل الصّفر ويخرّمه، وله فيه صنعة
стр. 1785
بديعة، قال: ومن عمله قنديل بالمشهد بمقابر قريش مربّع غاية في حسنه.
قال الخالع: ومن مجونه في المناظرات وغيرها أنه ناظر أبا الحسن علي بن عيسى الرماني في مسألة، فانقطع الرماني وقال: أعاود النظر وربما كان في أصحابي من هو أعلم مني بهذه المسألة، فإن ثبت الحقّ معك وافقتك عليه، فأخذ يندّد به، ودخل أبو الحسن علي بن كعب الأنصاري أحد المعتزلة فقال: في أيّ شيء أنتم يابا الحسن؟ فقال: في ثيابنا، فقال: دعنا من مجونك وأعد المسألة فلعلنا أن نقدح فيها، فقال: كيف تقدح وحرّاقك رطب؟ ومنه: حكايته المشهورة مع الأشعري الذي ناظره فصفعه فقال: ما هذا يا أبا الحسين؟ فقال: هذا فعل الله بك، فلم تغضب مني؟ فقال: ما فعله غيرك وهذا سوء أدب وخارج عن المناظرة، فقال: ناقضت، إن أقمت على مذهبك فهو من فعل الله، وإن انتقلت فخذ العوض، فانقطع المجلس بالضحك وصارت نادرة.
قال عبيد الله الفقير إليه تعالى مؤلف هذا الكتاب: لو كان الأشعريّ ماهرا لقام إليه وصفعه أشدّ من تلك ثم يقول له: صدقت تلك من فعل الله بي وهذه من فعل الله بك، فتصير النادرة عليه لا له.
قال الخالع فأنشدني يوما لنفسه من قصيدة:
تجاه الشظا جنب الحمى فالمشرف ... حيال الربى فالشاهق المتشرف
فقلت له: بم ارتفعت هذه الأسماء وهي ظروف؟ فقال بما يسوءك. وبعد هذا البيت:
طلول أطال الحزن لي حزن نهجها ... وألزمني وجدا عليها التأسّف
فإذا حمل ما قاله على أن يجعل تلك الظروف هي الطلول وهي ما شخص من الأرض وجعلت شخوصا جاز الرفع على هذا التأويل، وإن جعلت محالّ للطلول فليس إلا النصب.
ومن هذه القصيدة:
وقفت على أرجائها أسأل الربى ... عن الخرّد الأتراب والدار صفصف
وكيف يجيب السائلين مرابع ... عفتها شآبيب من المزن وكّف
стр. 1786
ومنها في وصف الخمر:
دنان كرهبان عليها برانس ... من الخزّ دكن يوم فصح تصفّف
ينظّم منها المزج سلكا كأنه ... إذا ما بدا في الكأس درّ منصّف
ومن مجون الناشىء أنه ناظر بعض المجبرة، فحرك الجبريّ يده فقال للناشىء: هذه من حركها؟ فقال الناشىء: من أمه زانية، فغضب الرجل، فقال له:
ناقضت إذا كان المحرك غيرك لم تغضب.
قال عبيد الله الفقير إليه: وهذا أيضا كفر وبهت لأن المحرك لها على اعتقاد الناشىء مناظره فقد أساء العشرة مع جليسه، وعلى مذهب صاحبه الخالق فقد كفر، فعلى كلّ حال هو مسيء.
وسمع يوما رجلا ينادي على لحم البقر: أين من حلف ألّا يغبن؟ فقال له:
أيش تريد منه؟ تريد أن تحنثه؟
ولقب رجلا من باب الطاق بالأبعد ولقب آخر بالآخر، وهاتان لفظتان جامعتان لكل سبّ وقذف، لأن الناس مغرون بإلحاق كلّ قبيح فظيع بهما على سبيل الكناية والاستراحة في الكلام إليهما.
قال الخالع وحدثني الناشىء قال: لما وفدت على سيف الدولة وقع فيّ أبو العباس النامي وقال: هذا يكتب التعاويذ، فقلت لسيف الدولة: يتأمّل الأمير خطّي، فإن كان يصلح أن يكتب بمثله على المساجد بالديخ فالقول كما قال، فأنشدته قصيدة أولها:
الدهر أيّامه ماض ومرتقب
وقلت فيها:
فارحل إلى حلب فالخير منحلب ... من نيل كفك إن لا حت لنا حلب
فقال: يا أبا الحسين هذا بيت جيد لكنه كثير اللبن.
وأنشدته قصيدة أخرى أقول فيها:
كأن مشيبي إذ يلوح عقارب ... وأقتل ما أبصرت بيض العقارب
كأن الثريا عوذة في تميمة ... وقد حليت واستودعت حرز كاعب
١٢
стр. 1787
وحدث الخالع قال حدثني أبو الحسين الناشىء قال: كنت بالكوفة في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وأنا أملي شعري في المسجد الجامع بها والناس يكتبونه عني، وكان المتنبي إذ ذاك يحضر معهم، وهو بعد لم يعرف ولم يلقب بالمتنبي، فأمليت القصيدة التي أولها:
بآل محمد عرف الصواب ... وفي أبياتهم نزل الكتاب
وقلت فيها:
كأن سنان ذابله ضمير ... فليس عن القلوب له ذهاب
وصارمه كبيعته بخمّ ... مقاصدها من الخلق الرقاب
فلمحته يكتب هذين البيتين، ومنها أخذ ما أنشدتموني الآن من قوله «١» :
كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد
قال الخالع وأصل هذا لأبي تمام «٢» :
من كلّ أزرق نظّار بلا نظر ... إلى المقاتل ما في متنه أود
كانه كان ترب الحبّ مذ زمن ... فليس يعجزه قلب ولا كبد
وعليه وضع المتنبي، وسبق إلى ذلك ديك الجن أيضا في قوله «٣» :
فتى ينصبّ في ثغر القوافي ... كما ينصبّ في المقل الرقاد
وأبيات المتنبي أمثل من الجميع إذا تركت العصبية.
قال ابن عبد الرحيم حدثني الخالع قال: كنت مع والدي في سنة ست وأربعين وثلاثمائة وأنا صبي في مجلس الّلبوديّ في المسجد الذي بين الورّاقين والصاغة وهو غاصّ بالناس، وإذا رجل قد وافى وعليه مرقّعة وفي يده سطيحة وركوة ومعه عكاز وهو شعث، فسلم على الجماعة بصوت يرفعه ثم قال: أنا رسول فاطمة الزهراء صلوات
стр. 1788
الله عليها، فقالوا: مرحبا بك وأهلا ورفعوه، فقال: أتعرفون لي أحمد المزوق النائح؟ فقالوا: ها هو جالس، فقال: رأيت مولاتنا ﵍ في النوم فقالت لي امض إلى بغداد واطلبه وقل له نح على ابني بشعر الناشىء الذي يقول فيه:
بني أحمد قلبي لكم يتقطّع ... بمثل مصابي فيكم ليس يسمع
وكان الناشىء حاضرا، فلطم لطما عظيما على وجهه وتبعه المزوق والناس كلّهم، وكان أشدّ الناس في ذلك الناشىء ثم المزوق، ثم ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلّى الناس الظهر وتقوض المجلس وجهدوا بالرجل أن يقبل شيئا منهم فقال: والله لو أعطيت الدنيا ما أخذتها فإنني لا أرى أن أكون رسول مولاتي ﵍ ثم آخذ عن ذلك عوضا، وانصرف ولم يقبل شيئا. قال: ومن هذه القصيدة وهي بضعة عشر بيتا:
عجبت لكم تفنون قتلا بسيفكم ... ويسطو عليكم من لكم كان يخضع
كأنّ رسول الله أوصى بقتلكم ... فأجسامكم في كلّ أرض توزّع
قال وحدثني الخالع قال: اجتزت بالناشىء يوما وهو جالس في السرّاجين فقال لي: قد عملت قصيدة وقد طلبت وأريد أن تكتبها بخطك حتى أخرجها فقلت: أمضي في حاجة وأعود، وقصدت المكان الذي أردته وجلست فيه فحملتني عيني فرأيت في منامي أبا القاسم عبد العزيز الشطرنجي النائح، فقال لي: أحبّ أن تقوم فتكتب قصيدة الناشىء البائيّة فانا قد نحنا بها البارحة في المشهد، وكان هذا الرجل قد توفي وهو عائد من الزيارة، فقمت ورجعت إليه وقلت: هات البائية حتى أكتبها، فقال:
من أين علمت أنها بائية وما ذاكرت بها أحدا؟! فحدثته بالمنام فبكى وقال: لا شك أن الوقت قد دنا، فكتبتها فكان أولها:
رجائي بعيد والممات قريب ... ويخطىء ظنّي والمنون تصيب
ومن شعر الناشىء:
وليل توارى النجم من طول مكثه ... كما ازورّ محبوب لخوف رقيبه
كأنّ الثريا فيه باقة نرجس ... يجيء بها ذو صبوة لحبيبه
стр. 1789
وله:
وكأنّ عقرب صدغه وقفت ... لما دنت من نار وجنته
قرأت بخط البديع بن عبد الله الهمذاني في ما قرأه على ابن فارس اللغوي، سمعت أبا الحسين الناشىء علي بن عبد الله بن وصيف بمدينة السلام قال: حضرت مجلس أبي الحسن ابن المغلس الفقيه فانقلبت محبرة لبعض من حضر على ثيابي، فدخل أبو الحسن وحمل إليّ قميصا دبيقيا ورداء حسنا، قال: فأخذتهما ورجعت إلى بيتي وغسلت ثيابي ولبستها ورددت القميص والرداء إلى أبي الحسن، فلما رآهما غضب غضبا شديدا وقال: البسه، لولا أنك تتوشح بالأدب لجفوتك.
وهذه حكاية وجدتها بعد أخبار الناشىء بخطّ المصنف: قرأت في كتاب محمد بن أبي الأزهر في عقلاء المجانين، حدثني علي بن إبراهيم بن موسى الكاتب قال: كنت يوما جالسا في صحن داري إذا حجارة قد سقطت عليّ بالقرب مني فبادرت هاربا وأمرت الغلام بالصعود إلى السطوح والنظر من أين أتتنا الحجارة، فرجع إليّ وقال لي: يا مولاي امرأة من دار ابن الرومي الشاعر تقول الله الله فينا اسقونا ماء وإلا متنا عطشا، فإن الباب علينا مقفل منذ ثلاثة أيام بسبب تطيّر صاحبنا، فانه يلبس ثيابه في كلّ يوم ويتعوذ ويقرأ ثم يصير إلى الباب والمفتاح معه، فيضع عينه على خلل من الباب فتقع على جار له كان نازلا بازائه وكان أعور، فإذا بصر به رجع وخلع ثيابه وترك الباب على حاله سائر يومه وليلته، فدفع إليها ما طلبته. فلما كان من غد وجهت بخادم لي اسمه طاهر، وكان ابن الرومي يعرفه، وأمرته أن يجلس على بابه، وتقدمت إلى بعض الغلمان في المصير إلى الأعور برسالتي ومسألته المصير إليّ، فلما زال الرجل عن موضعه دقّ الخادم الباب على ابن الرومي وخاطبه وسأله المصير إليّ أيضا، قال الخادم: فخرج فوضع عينه على ذلك الموضع فوقعت عينه عليّ ولم ير جاره ففتح الباب وخرج لا تقلع عينه عن النظر إليّ ولا يصرف كلامه إلا إلى ناحيتي. قال علي بن إبراهيم: فإني لجالس أنتظره وقد انصرف الأعور إذ وافاني أبو خديجة الطرسوسيّ وكان في ناحية إسماعيل بن إسحاق القاضي، وقد دفع إليه المعتضد برذعة «١» ليوصله
стр. 1790
إلى الحسن ابنه ليتولّى تسليمه إلى ابن راشد، فنحن نتحدث إذ دخل ابن الرومي مع الخادم علينا، فلما تخطا عتبة باب الصحن عثر فانقطع شسع نعله فأخذها بيده ودخل مذعورا، فقلت له: أيكون شيء يا أبا الحسن أحسن من خروجك من منزلك على وجه خادمي؟ فقال: قد لحقني ما رأيت من العثرة لأني أفكرت أنّ به عاهة، قلت: وما هي؟ قال: هو مجبوب، فقال برذعة الموسوس: وشيخنا يتطير؟ قلت: نعم ويفرط، قال: ومن هو؟ قلت: هذا علي بن الرومي الكاتب، قال: الشاعر؟
قلت: نعم، فأقبل عليه فقال:
ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه ... بتفريق ما بيني وبين الحبائب
رجعت إلى نفسي فوطّنتها على ... ركوب جميل الصبر عند النوائب
ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب
فخذ خلسة من كلّ يوم تعيشه ... وكن حذرا من كامنات العواقب
ودع عنك ذكر الفأل والزجر واطّرح ... تطيّر جار أو تفاؤل صاحب
فرأيت ابن الرومي شبيها بالباهت، ولم أدر أنه قد شغل قلبه بحفظ الأبيات، ثم نهض برذعة وأبو خديجة معه فقال له ابن الرومي: والله لا تطيرت بعد هذا، فأقام عندي وكتبت هذه الأبيات من حفظه وزالت عنه الطيرة.
[٧٧٥] علي بن عبد الله بن موهب الجذاميّ أبو الحسن:
له تأليف عظيم في تفسير القرآن، روى عن ابن عبد البرّ وغيره، مات في جمادى الأولى سادس عشره سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ومولده سنة إحدى وأربعين وأربعمائة.